← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

الالفى الصالحى على تخت الملك بالقلعه المحروسه بالديار المصريه. ووصلت البشاير الى ساير الممالك الاسلاميه. وساق بعض مماليكه على البريد من مصر الى دمشق فى يومين وسبع ساعات، وهدا لم يعهد من قبله. فعند دلك دقت البشاير، واستبشر البادى والحاضر، واستقامت الامور بعد الاعوجاج، واستقرت النفوس بعد الانزعاج، وسكنت الاحوال بعد الارتجاج، وعادت امور الاسلام الى الصلاح، ونادى مناديهم: حى على الفلاح. وزالت الاراجيف، واتضع السخيف، وارتفع الشريف. وعدل فى الرعيه، وعادت ارباب البيوت حقوقهم مرعيه. واطمأنت النفوس، وزالت العكوس، وقطع المكوس، واطلق الحبوس. ونفّس عن المكروب، وعزم كل جان على الهروب. ونظر فى مصالح الجيوش، ورعت فى ايامه المواشى مع الوحوش. وبدا للاسلام من اول ايامه (٢٠٧) السعود، ومات الظلم رغم أنف الحسود. فيا لها من أيّام، قرّت فيها عيون الانام، بتاييد ملة الاسلام، بحامى حوزة امة النبى ﵇، الأسد الهصور، مولانا وسيدنا السلطان الملك المنصور. فلما كان يوم الجمعه [ثانى شعبان] (١٤) قرئ الكتاب الوارد على الامير شمس الدين سنقر الاشقر بملك مولانا السلطان ما هدا نسخته: «ولا زالت أيامه بمحيّاها (١٦) تهنأ، وترى من النصر ما كانت تتمنا، ويتأمل آثارها فتملأها حسنا، وتشاهد من أماير الظفر ما يوسع على العباد أمنا، ويستزيد الحمد على ما وهب من الملك الذى أولى كلاّ منّا منّا المملوك يهدى من لطيف ثنايه (١٩)، ووضايف دعايه، وما استقرت من عوارف الله لديه، وما حبا به من النعم

стр. 3747

التى ملأت يديه ما يستروح بنسيمه (١)، ويستفتح [لسان] الحمد بتقديمه، وتزداد به مسرة وابتهاجا، ويزدان عقود السعود. وإنما تزين اللآلئ فى العقود ازدواجا، ويقوى به قوى العزايم، وتمثله الاعداء فى افكارها. فتكاد تجر ذيول الهزايم، وتبعث الآمال على تمسكها بالنصر، وتظهر منه المحابّ التى لو قصدت الأقلام لحصرها لعجزت عن الحصر. وهو أن العلم الكريم قد أحاط بالصورة التى استقرت من دخول الناس فى طاعة المملوك، ولم يختلف بحمد الله عن الدخول فيها غنى ولا صعلوك. فلما كان يوم السبت الثالث من شعبان المبارك سنة ثمان وسبعين وستمايه ركب المملوك بشعار السلطنة، وأبّهة الملك. وسلك المجالس العالية، الأمراء والمقدمين (١٠)، والمفاردة والعساكر المنصورة، من آداب الخدمة وإخلاص النيا وحسن الطاعة، كلّما (١١) دلّ على انتظام الأمر، واتّساق (٢٠٨) عقد النصر. ولما قضينا من أمر الركوب وطرا، وأنجزنا للأولياء وعدا من السعادة منتظرا، عدنا إلى قلعة الجبل المحروسة والأيدى بالأدعية الصالحة لنا مرتفعة، والقلوب على محبة أيامنا مجتمعة، والآمال قد توثقت بالعدل واستمراره، والأبصار قد استشرقت من التأييد مطلع (١٥) أنواره. وشرعنا من الآن فى أسباب الجهاد. وأخذنا فى كل ما يؤذن إنشاء الله تعالى لفتح ما فى أيدى العدو من البلاد، ولم يبق إلاّ أن نثنى الأعنّة، ونسدد الأسنّة، ونظهر ما فى النفوس من مضمرات المقاصد المستكنّة. [ورسمنا] (١٨) بأن تزين دمشق، وتضرب البشاير فى البلاد، وأن يسمعها كل حاضر وباد. والله تعالى يجعل أوقاته بالتهانى مفتتحة، ويشكر مساعيه التى

стр. 3748

ما زالت فى كل موقف ممتدحة، إنشاء الله تعالى». وهدا من انشا القاضى المرحوم تاج الدين بن الاثير، وبخط يده رحمه الله تعالى. وفى اواخر شوال سفروا عز الدين ملك الامرا تحت الحوطه الى مصر. وفى العشرين من دى الحجه وصل الى دمشق الامير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، وعلى يده مرسوم ان ينزل القلعه، فنزل بها، فتخيل منه الامير سنقر الاشقر. فاتفقوا (٦) الامرا بدمشق مع الامير شمس الدين سنقر الاشقر على انهم يملكونه، فطلع الى الصيد، وحلفوا له. ذكر تملك الملك الكامل شمس الدين سنقر الاشقر وما لخص من خبره لمّا كان يوم الجمعه رابع عشرين شهر دى الحجه-سنه ثمان وسبعين وستمايه- ركب المدكور من دار السعاده بدمشق المحروسه الى القلعه بها فى دست الملك، وتلقب بالملك الكامل. ومسك فى تلك الساعه الجالق (٢٠٩) وحسام الدين لاجين. وحلفوا له بقيه الامرا، وجميع العساكر الشاميه بحضور القضاة. ثم انه سيّر الامير سيف الدين بلبان الحبيشى الى جميع البلاد الشاميه وقلاعها وحصونها ليحلفهم، وكدلك الى صاحب حماه، والى حلب. ولم يزل مستقلاّ بمملكه الشام الى سنه تسع وسبعين وستمايه، حسبما ياتى من دكره انشا الله تعالى. وفيها الثانى والعشرين من شهر دى القعده ورد الخبر بموت الملك السعيد بالكرك متقنطرا. وعمل السلطان عزاه (١٨) بقلعه الجبل، ولبس عليه البياض.

стр. 3749

وفيها تسلم نواب السلطان الملك المنصور قلعه الشوبك من اصحابها بالامان، وهدمت. وكان انتقل منها صاحبها نجم الدين خضر بن السلطان الملك الظاهر الى عند اخيه الملك السعيد بالكرك من قبل منازلة العسكر المنصورى لها. وفيها توفى الامير بدر الدين محمد بن بركه خان، ﵀. ذكر [حوادث] سنة تسع وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٦). . . مبلغ الزياده سته عشر دراعا وعشرون اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٩) العباس امير المومنين. والسلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى الصالحى سلطان الاسلام. والمتغلب على الشام باسم الملك سنقر الاشقر، والملقب بالملك الكامل. وبقيه الملوك حسبما تقدم من دكرهم. ولما استهلت هده السنه بيوم الخميس ركب سنقر الاشقر من قلعه دمشق الى الميدان الاخضر بدست الملك. ثم رجع الى القلعه، وكان يوما مشهودا. (٢١٠) وكان لما خرج من باب السرّ والامراء مشاه بين يديه، اشار الى العامه بيده مسلّما عليهم، فدعوا له دعاء كثيرا. وفى ثانى عشر المحرم، وصل الامير سيف الدين المعروف «الله كريم (١٦)» رسولا من جهه السلطان الملك المنصور، وعلى يده كتاب فيه عتب كثير على ما اعتمده،

стр. 3750

وطلب الصلح والدخول تحت الطاعه. فلما احسّ بمجيه (١)، طلع الى لقايه، واكرمه، وانزله عنده فى القلعه. واكثر دلك خشيه منه لا يجتمع باحد من الامراء الشاميين فيفسده عليه. ثم تجهزت العساكر المصريه، وخرجت الى الشام. ووصل البريد يخبر بوصول العساكر الى غزه، والمقدم عليهم الامير علم الدين سنجر الحلبى، والامير بدر الدين بيسرى، والامير علا الدين كشتغدى الشمسى، والامير بدر الدين بكتاش النجمى، والامير بدر الدين بكتوت العلايى. ثم عاد الحبيشى من الحصون الشاميه. واخبر انه حلّف جميع القلاع، وولى فى كل قلعه نايبا من جهته. ولما كان خامس عشر شهر صفر التقا (١٠) عسكر مصر وعسكر الشام. فعند ما وقعت العين فى العين، خرج عسكر حماه والحلبيين (١١) مع جماعه من الامراء الشاميه وطلب العساكر المصريه، مخامرين على سنقر الاشقر، وداخلين فى طاعه السلطان الملك المنصور. وكان الدين لم يقفزوا من الامراء الشاميين الى المصريين الحاج ازدمر، وعلا الدين الكبكى، وقرا سنقر لنعزى، والحبيشى. وكان قبل دلك من عشيه الجمعه [رابع عشر صفر] (١٥) قد سير سنقر الاشقر خزاينه والاولاد (١٦) الدى له مع استاداره الى قلعه صهيون، ثم ان الكسره كانت عليه. فلما انكسر اخدوه (١٧) العرب من الوقعه، وساروا به فى الغوطه، ودخلوا المرج، وقصدوا به بيوت الامير شرف الدين مهنا، فنزل عليه واستجار به، فاجاره. ثم توجه به الى الرحبه.

стр. 3751

ثم ان سنقر الاشقر (٢١١) كاتب علا الدين الجوينى، صاحب الديوان ببغداد والمستولى على بلاد العراق، فكاتب الجوينى بخبره الى ابغا. وسير الجوينى الجواب لسنقر الاشقر، يطيب خاطره، ويعده، ويمنيه حتى يعود جواب القان بما يعتمده. فاستشار شرف الدين مهنا، فلامه فى دلك مع من كان معه، وقالوا له: «انت قد انقدك (٥) الله من الكفر، ومنّ عليك بالاسلام، تعود ترجع الى الكفر معتمدا لدلك، وتكون سببا لمجى (٦) الكفار الى المسلمين لاجل هوى نفسك ومصلحتك، ولا بد من الموت فكيف تلقا (٧) الله ؟ والمصلحه ان تطلع الى صهيون الدى فيه اهلك واولادك». فسمع هدا الكلام، وعاد طالبا الى صهيون. وطلع الحاج ازدمر الى قلعه شيزر، والكبكى الى قلعه بلاطنس. وشرع يسعى فى الصلح مع السلطان كما يأتى دلك. واما ما كان من عسكر دمشق بعد هروب الامير شمس الدين سنقر الاشقر، فانهم التأموا بالمصريين. وتوجه الامير علم الدين الحلبى حتى نزل القصر الابلق بالميدان الاخضر، وعز الدين الافرم بداره التى على الميدان. ونزل كشتغدى الشمسى بالقلعه كونه كان استادارا، والايدمرى فى داره. وثانى يوم الوقعه حضر الامير سيف الدين الجوكندار-متولى القلعه كان من جهة سنقر الاشقر-واطلق الامير حسام الدين لاجين المنصورى، والامير ركن الدين بيبرس الجالق، وتقى الدين توبه بعد ان حلّفهم انهم لا يودونه (١٧). ثم فتح باب القلعه، وأمن الناس. ثم أن البشاير دقت، وزينت البلد. واستبشرت (١٩) الناس. ثم احتاطوا على وزير سنقر الأشقر، ابن كسيرات، وناظر الديوان جمال الدين بن صصرى. ورسموا

стр. 3752

على قاضى القضاة بدمشق شمس الدين بن خلكان، وعوقوه عند الامير علم الدين الحلبى بالميدان؛ (٢١٢) وسبب دلك انه كان افتى بقتال المصريين. ثم بعد دلك ورد كتاب بالعفو عن الجميع، بعد ما قيل فيه: «انتم جعلتمونا خوارج، فكان سنقر الاشقر من نسل العباس!». فلما كان يوم الاربعا حادى عشرين ربيع الاول وصل بريد، وعلى يده تقليد الامير حسام الدين لاجين المنصورى بنيابه دمشق، وتقى الدين توبه وزيرا بها. ولبسوا الامير حسام الدين لاجين خلعة النيابه، ورجعوا به من الميدان الى تحت القلعه. فلما وصلوا باب السر، ترجلوا جميعهم. وترجّل الامير حسام الدين، وقبّل عتبه باب السر ثلاث مرار. ثم اراد الحلبى ان يعضده حتى يركب فابا (٩)، وحلف براس السلطان ما يفعل تواضعا منه للامير علم الدين الحلبى. وفيها فى يوم الاحد سادس عشر جمادى الاخره وصل اول الجفّل من حلب وحماه وحمص. وسبب دلك، لما وردت الاخبار بمجى (١٢) التتار والارمن الى حلب واحرقوا الجامع، واخد اهل سيس المنبر، ورجعوا سالمين. ذكر تملك الملك الصالح ابن (١٤) السلطان الشهيد الملك المنصور ﵀ هو الملك الصالح علا الدين على بن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى النجمى الصالحى. ركب فى دست الملك فى حادى عشر شهر رجب (١٧) الفرد من هده السنه المدكوره، وجعله مولانا السلطان الشهيد ولى عهده. وحلف له ساير الامراء والجيوش المنصوره بمصر والشام.

стр. 3753

ثم تجهزت العساكر فى ركاب السلطان، وتوجهوا الى غزه بسبب تحرك التتار. فلما ورد الخبر بعد دلك برجوعهم، رجع السلطان الى الديار المصريه، ولم يدخل دمشق. وفيها فى يوم الجمعه (٤) طلع الفرنج من المرقب، وكسروا بعض عسكر المسلمين. (٢١٣) وذلك ان كان قد جرّد من دمشق الف فارس الى ناحيه المرقب وحصن الاكراد. ونزل معهم الامير سيف الدين بلبان الطباخى فى عسكر حصن الاكراد ثمان مايه فارس، وثمان مايه من التركمان خيّاله، وتقدير الفى راجل. وتوجهوا نحو الفرنج، ودخلوا من مكان مضيق، فطلع عليهم الفرنج، فلم يلبثوا ان كسروا، وولوا (٩) المسلمون منهزمين. وقتل منهم تقدير مايتى رجل. وفيها ورد الخبر ان اولاد اخو (١٠) الملك بركه طلعوا على التتار من ابغا، واخدوا بيوتهم، وكسروهم مرتين، وان بيت ابغا وعساكره معهم فى انحس حال. وفيها فى مستهل دى الحجه خرج السلطان الملك المنصور من الديار المصريه بالعساكر والجيوش، فنزل بمنزله الروحا، ووصل رسل عكا اليه. ثم اقام بهده المنزله حتى استهلت سنه ثمانين وستمايه. (١٤) [وفى يوم عرفة من سنه تسع وتسعين وقع بمصر برد كبار، فاتلف شى كثير (١٥_) من الغلال، وكان اكثره بالوجه البحرى] (١٥).

стр. 3754

ذكر [حوادث] سنة ثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واربع (٣) اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى-برّد الله ضريحه-سلطان مصر والشام وما معهما. وسنقر الاشقر متغلب على صهيون وشيزر وبلاطنس واعمالهم. والنايب بمصر الامير حسام الدين طرنطاى، والنايب بالشام الامير حسام الدين لاجين المنصورى. وصاحب حماه بحاله، وكدلك ساير الملوك حسبما دكرناه من قبل. والسلطان متوجها (١٠) الى (٢١٤) دمشق. وفيها مسك كوندك، وغرق فى بحيره طبريه. وسبب دلك انه كان اتفق مع جماعه من الامراء، منهم ايتمش السعدى وبلبان الهارونى مع جماعه كبيره اكثرهم من التتار، واجمعوا رايهم على انهم، ادا وصلوا الى حمراه (١٣) بيسان عند المخاضة بالشريعه، يثبوا (١٤) على السلطان يقتلوه هناك. وكان امر الله بخلاف ما اجمعوا عليه من الفساد. فاطلع الامير بدر الدين بيسرى على دلك، فعرف به السلطان. فقصد مسكهم، فلم يظفر الا بكوندك، فقبض عليه. وامّا السعدى والهارونى، فانهما احسّا بدلك، فركبا على حميّة، وتوجها الى سنقر الاشقر. واما كوندك فان الامير حسام الدين طرنطاى اخده مقيدا على فرس، وتوجه به الى بحيره طبريه، فغرقه بها. واراح الله منه ومن فتنه. ولمّا مسكه قال له السلطان: «ادا كان فعلك فى استادك

стр. 3755

وابن استادك، ومن ربيت معه فى المكتب وشاركك فى ملكه دلك الفعل، وكنت انت السبب فى زوال ملكه، فمادا أؤمّل انا منك؟». فلما قضى الله فيه بقضايه، نفدوا البطايق خلف المنهزمين من الامرا الى ساير البلاد. ثم نزل السلطان الى خربة اللصوص فى سابع الشهر (٤). ووصل المجدى الى دمشق، مقدم البحريه، ومعه مايتى (٥) فارس وصحبته بيبرس المجنون وخاص ترك واربعه عشر مقدما من مقدمين (٦) الحلقه ممسوكين. فاعتقلهم بدمشق فى القلعه. ولما كان يوم السبت العشرين من المحرّم دخل السلطان الى دمشق-ودلك كان اول دخوله وهو سلطانا (٨) ملكا-والامير بدر الدين بيسرى حامل الشتر، وكان يوما مشهودا. وفرحوا (٩) به الدماشقه فرح كبير، فشكرهم على دلك. وامر ان لا تردّ عنه قصه (٢١٥) من الشاميين، وازال مظالمهم، واوسعهم برّا وعدلا. وقال: «السلطان الملك الظاهر كان يكره اهل دمشق، وانا أحبهم». وفيها فى اول صفر، وقع الصلح مع الملك المسعود نجم الدين خضر بن السلطان المرحوم الملك الظاهر، وكذلك مع الامير شمس الدين سنقر الاشقر. وجمع الله كلمة الاسلام. ذكر وقعه حمص المعروفه بمنكوتمر ولمّا كان سلخ ربيع الاخر من هده السنه المدكوره، وصل الى دمشق قصّاد، واخبروا ان التتار قاصدين (١٧) البلاد. فجمع السلطان الامراء، واستشارهم وأين يكون (١٦ - ٨)

стр. 3756

الملتقا (١) مع العداء. فاتفقوا ان يكون فى مرج حمص. وكان قصد السلطان ان يكون فى مرج دمشق. هدا والاخبار تقوى وتتجدد بمجيهم (٢). فلما كان مستهل جمادى الاخره، خرجت العساكر اولا فاولا الى يوم الاحد سادس عشرين الشهر المدكور سافر السلطان وخرج من دمشق مع بقيه الامرا الكبار. فنزل بالمرج، وضرب مشور ثانى (٥)، وعرف الامرا ان القصاد خبروا ان التتار فى مايه الف فارس وان المصلحه تقتضى ان يلقاهم فى مرج دمشق. فلم يوافقوه على دلك. وكان علم الدين الحلبى فى مقدمه الجيش، فركب من ساعته وتقدم، وتبعه بيسرى. وكان من كلامهم للسلطان: «إنّ نحن-ما لم تجئ-التقيناهم نحن، فان كانت لنا، رجعنا وولينا علينا من نريد، وان كانت علينا فنموت كرام (٩) مجاهدين». ثم رحلوا يد (١٠) واحده. وكان امرا قد اوقعه الله فى نفوسهم لنصره دينه. ثم حضر الى السلطان بدر الدين بكتاش الفخرى امير سلاح، واعلمه برحيل الامرا وقوة عزمهم على الملتقا (١٢)، وقال: «من المصلحه ان تلحقهم، والى راح (٢١٦) الملك منك فى هده الساعه». فامر بالرحيل فى ساعته وتبعهم. ووصل الى حمص، وسير طلب الامير سنقر الاشقر، فحضر اليه مع جماعه الامراء، فقام له قايما وعانقه. وجلسوا عند ضريح خالد بن الوليد-رضى الله عنه-، ووضعوا بينهم الكتاب العزيز، وتحالفوا انهم لا يودوا (١٦) بعضهم بعضا. ثم تحالفوا انهم لا ينهزمون، وانهم يموتون تحت ظلال السيوف، ولا يولون الادبار. واخلصوا عند دلك الوقت نياتهم لله وللجهاد فى سبيله. فاطلع الله تعالى على اخلاصهم، فايدهم بنصره وبالمومنين، ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٩).

стр. 3757

ثم تهييوا للملتقا (١). وكان مقدم جيوش التتار منكوتمر ابن هلاوون، اخو ابغا، فى مايه الف عنان. فلما كان يوم الخميس رابع عشر شهر رجب الفرد من هذه السنه التقا (٣) الجمعان، فكسرت ميمنه التتار ميسره الاسلام، وكان فيها سنقر الاشقر والحلبى وابطال المسلمين. وكسرت ميمنه المسلمين ميسره الكافرين. وكان سبب كسره ميسرتهم ان الامير عيسى بن مهنا وعربه نهبوا اثقال التتار من خلفهم، فرجعوا اليهم. فركبوا (٦) المسلمون رقابهم واقفيتهم، وشالوهم شيلا بين ايديهم. وامّا السلطان فانه امر بلف السناجق فى دلك اليوم على رماحها حتى لا يعلم بمكانه، وبقى قايم (٨) وحده فى نفر يسير مقدار ثلثمايه فارس. حدثنى (٩) والدى-سقى الله عهده-قال: لما كسرت ميمنتنا ميسرة التتار، نظرت الى من بقى مع السلطان تحت السناجق، فلم يكونوا يلحقوا (١٠) عده ثلثمايه فارس. وكنت فى ألف السلطان، وكان مقدمنا يوميد علم الدين زريق الرومى، فلم يبرح مع السلطان وانا معه. ثم ان منكوتمر لما راى كسره ميسرته نزل عن فرسه، (٢١٧) ونظر من تحت حوافر الخيول، فراى الاثقال والدواب قد سدت الارض، فظنّ ان دلك كله مقاتله. وارمى الله الرعب فى قلبه، فركب فرسه، وولا (١٥) هاربا، فتقنطر به الجواد، فنزلوا (١٦) حوله كبار المغل واخدوه بينهم. فلما راوهم المسلمين قد ترجلوا، حملوا عليهم حمله رجل واحد. فكان النصر فى تلك الحمله.

стр. 3758

ويقال ان الامير عز الدين الحاج ازدمر حمل بنفسه حتى وصل الى منكوتمر، فطعنه ارداه عن جواده الى الارض. فترجلت عند دلك المغل عنده، وحملت عليهم المسلمين (٣)، فكان النصر، بمشيه الله تعالى وجميل لطفه. ثم ان منكو تمر ركب وولا هاربا مع من كان معه، وركبت المسلمين (٤) اقفيتهم قتلا واسرا. فلما عادت ميمنه التتار التى كانت كسرت ميسرة المسلمين، طلبوا منكوتمر، فلم يجدوه، ولا لأصحابهم خبر. فولوا ايضا منهزمين، لا يلوون على شئ. وكان دلك لطفا من الله فى نصره دينه، وإلاّ لو رجعوا على المسلمين ما كان وقف قدامهم أحد. فردهم الله على اعقابهم ناكصين، ونصر الله المسلمين وامة خير المرسلين محمد الامين-صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه اجمعين. ولما كان ثانى يوم الوقعه المدكوره المويده المنصوره، جرد السلطان الايدمرى فى خمسة الاف [فارس] (١١). فساق خلف التتار الى النهر الاسود. قال والدى ﵀: كنت فيمن جرد مع الايدمرى خلف التتار. فسقنا خلفهم الى النهر الاسود، وقتلنا منهم خلق كثير (١٣)، واسرنا ما يزيد عن خمس مايه نفر. وإنّ التتار قتلوا بعضهم بعضا. ولولا عرب خفاجه اخدوا كبارهم ودلوا بهم (١٤) على الطريق والمخايض، لكنا اخدناهم عن اخرهم. هدا ما كان من التتار المنهزمين، (٢١٨) واما ما كان بدمشق، فانه لما كان يوم الجمعه بعد العصر خامس عشر رجب الفرد وقعت بطاقه مخلّقه من القريتين، مكتوب فيها ان التتار كسروا وخسروا. فدقت البشاير، وفرح الناس فرحا عظيما بعد ان ياست (١٩) الناس من اموالهم وانفسهم. ودلك ان اول هدا النهار كان قد وقع طاير

стр. 3759

ملطخ بسواد. وكان دلك لسبب مرور المنهزمين من المسلمين من الميسره، فسرح دلك الطاير المسوّد. ثم ظهر النصر والفتح والفرج من الله تعالى بعد الياس ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ﴾ (٣). وحضرت بعد العصر البطاقه المخلّقه، ودقت البشاير. فلما كان الثلث الاول من الليل وصل الامير ركن الدين الجالق، ويمك الناصرى، والجاشنكير وجماعه كبيره من الدين كانوا بالميسره وانهزموا. فدقّ الجالق ويمك الناصرى باب القلعه، وطلبوا الاجتماع بنايبها، وهو يوميد قجقار المنصورى. ففتح لهم باب الفرج، وادخلهم اليه الى القلعه. فاخبروا انهم كسروا وقالوا: «والله، ما كسرنا نحن وبقى جيش ولا سلطان (٨)». فبات الناس فى اسوء (٩) حال. فلما كان عند صلاه الفجر وصل بريدى لصفد، وعلى يده كتاب البشاره. فاخدوا الكتاب من البريد (١٠)، وقروه على السدّه بجامع دمشق بحيث طابت نفوس الناس، فكان فيه ما هدا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢). نعلم الأمير ما جدّد الله تعالى من نصر، تهلّلت بمثله وجوه الأيام، وابتسمت به ثغور الأنام. وبدأ الإسلام أول مرة، وجعل الله على العدو المخذول الكسرة. فلمّا كان يوم الخميس رابع عشر شهر رجب المبارك (٢١٩) سنة ثمانين وستماية، حضر العدو المخذول فى مايه ألف أو يزيدون، وضربنا معهم مصافا دارت (١٦) فيه رحا (١٧) الحرب المنون. والتحم القتال، وتماسكت الأبطال بالأبطال، وتفاقم الأمر حتى أنّ الإسلام كاد أنّ، وكرّ العدو كرة فلم يلوعنّ. فعند ذلك أذن الله تعالى

стр. 3760

للملايكة المسومين فانجدت ووفيت للأمة المحمدية من النصر ما وعدت، وانكسر العدو المخذول وولا (٢)، وفاز الإيمان [من النصر] بالقدح المعلا. وكتبنا كتابنا هذا، وقد نصر الله دينه، وأيّد معينه، وحمى حما (٣) الأمة، وكشف عن الإسلام كل غمة. فليأخذ الأمير حظه من هذه البشارة التى عظم قدرها، وفاح نشرها، وفاق ذكرها. والحمد لله رب العالمين». فلمّا كان بعد صلاه الظهر من دلك اليوم ورد البريد بكتاب للامير سيف الدين قجقار المنصورى بما هدا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. نعلم المجلس السامى الأمير سيف الدين-لا زال مبشرا بكل خير ونضر، تبتسم له ثغور الأنام، وتعدّ حسناته مسطرة فى صحايف الأيام، وتميس به كما ماست صدور الأقلام-إن الله تعالى فتح علينا ونصر، وأعزّ سلطاننا بمن آمن وأذلّ من كفر. ولما كان ليلة الخميس، رابع عشر رجب سنة ثمانين وستماية، وصل إلينا خبر العدو المخذول، أنهم ركبوا من ظاهر حماه ليضربوا معنا مصافا راكبين متن الجور لا إنصافا. وكانوا فى ماية ألف من تتار وكرج وأرمن ومرتدّة، أو ما يزيدون عن هذه العدة. فلما كان ضحوة نهار الخميس المذكور وقعت العين فى العين، وطلبهم الإسلام بثأر ودين. ونادا (١٥) بشتاتهم غراب البين، والتحم القتال، (٢٢٠) واكتحلت الأعين بمراود النبال. فلم يكن غير أن أذن الله تعالى بالنصر فأيد الإيمان، وخذل أمة الكفر، وأنزل سكينته على راياتنا الصفر. وولا (١٨) العدو مخذولا مهزوما مكسورا. وأقبل الإسلام فى عزّ سلطاننا انه كان منصورا. وتجردت العدا (١٩) حتى من نفوسها، وبارك الله لخميسها فى خميسها.

стр. 3761

وكتابنا هذا من ظاهر حمص المحروسة، وقد ضرب دهليز النصر، والعدو قد ولا (٢) يجرّ أذيال الهزيمة. فليأخذ حظّه من هذه البشرى العظيمة، ويشيعها إشاعة تعدوا (٣) أحاديثها السارّة مبشرة مقيمة، إنشاء الله تعالى». فلما قرى هدا الكتاب فرحوا (٤) الناس فرحا عظيما. وعاد كل من حضر من الهاربين يرسموا (٥) عليه ويعيدوه الى حمص. وزينت دمشق زينه عظيمه. ودخل السلطان اليها يوم الجمعه ثانى عشرين رجب المبارك، وكان يوما مشهودا. وقدّامه اثنا عشر (٧) عجله كانت مع التتار، على كل عجله اربع زيارات، كل زيار فيه ثلث شروخ (٨) وخمس طبول صحاح وثلثه مقطعه. ثم قدمت التتار الماسورون اولا فاولا الى حين عودة الايدمرى بجملة الاسارا (٩) ورؤس المقتّلين على اسنّه الرماح. ولما رحل السلطان من حمص ودعه الامير شمس الدين سنقر الاشقر، ورجع الى صهيون. حكى لى من اثق بقوله ان السلطان، لما رحل من [حمص طالبا] (١١) دمشق، كان سنقر الاشقر راكبا الى جانبه، وهو يقصد الدستور من السلطان فى عودته، فتغافل عنه السلطان، وطاوله فى الحديث. فقال سنقر الاشقر للسلطان: «انظر، يا خوند، الى هدا الطراز الاخضر»، واشار الى ناحيه صهيون وما يحاديها (١٤) على ان السلطان يقول «باسم الله». فلم يقل شى (١٥)، فقال له الحلبى (٢٢١) بالتركى: «يا مير شمس الدين، ما يحسن هدا الطراز الاخضر الا ادا كان حافر فرسك عليه». فكأنه لغز له بالرجوع، وكان قصد السلطان غير دلك. فلما سمع سنقر الاشقر دلك، مسك راس فرسه وقال للسلطان: «غزاة مباركة عليك، يا خوند»، ورجع فى مماليكه وحفدته، والسلطان ينظر اليه.

стр. 3762

واستصحب السلطان معه ايتمش السعدى والهارونى والجماعه الدين كانوا هربوا معهم، الدين تقدم فيهم القول. وردّ عليهم ما كان أخد لهم، واعاد اليهم اقطاعاتهم، ودخلوا معه الى الديار المصريه. وخرج السلطان من دمشق ثانى شهر شعبان المكرم، ودخل الى القاهره. فدخلها سادس عشرين شعبان المدكور. وزينت زينه عظيمه، وكان دخوله يوما ماراى الناس مثله. ولما كان ثالث عشرين شعبان وصل الى دمشق تقدير مايتى فارس من التتار مجمعه، واخبروا ان منكوتمر مات، وان ابغا كان نازلا مقابل الرحبه ينتظر ما يكون من امر منكوتمر وجيوشه. فوصل اليه اوايل المنهزمين واخبروه بحالهم، ثم وصل اليه منكوتمر مجروحا، فغضب عليه وقال: «لم لا متّ، ولا جيتنى مكسورا». وكدلك غضب على ساير المقدمين الدين كانوا معه، ثم ركب ورجع طالبا همدان. وسار منكوتمر الى نحو بلاد الجزيره الى عند امه؛ فان هلاوون كان لما فتح جزيره ابن عمر اعطاها لأم منكوتمر. وامّا سبب موت منكوتمر، فانه دكر ان القاضى جمال الدين بن العجميه سقاه سمّا فمات منه، واراح الله من شره. وعلم بدلك ضامن الجزيره، ابن القرقوى، فرافع القاضى جمال الدين، وعرف والدته بدلك. فقبضت على القاضى جمال الدين وجميع اولاده، ودبحتهم بيدها، واخدت جميع ما لهم. (٢٢٢) وقدر الله تعالى بعد دلك ان التتار اخدوا ابن القرقوى الدى سعى فى القاضى جمال الدين، فقتلوه هو وجميع اهله واولاده. وامّا ابغا فانه وصل الى همدان، فتوفا (١٩) بها بين العيدين. وتولى الملك اخوه أحمد اغا، وكان مسلما ويحب المسلمين، كما ياتى دكر دلك فى السنه الاخرى-انشاء الله تعالى.

стр. 3763

ذكر [حوادث] سنة احدى وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده سبع عشر دراعا وسبع عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى-تغمده الله برحمته-، سلطان الاسلام من دنقله الا (٧) حدود الفراه. وما ورا دلك فى مملكه التتار. والملك المجاور للاسلام من بيت هلاوون، احمد أغا. ووصل رسل من جهته، وهم قطب الدين محمود الشيرازى قاضى سيواس، وبها الدين اتابك السلطان مسعود صاحب الروم، وشمس الدين محمد بن التيتى وزير ماردين، وعلى يدهم كتاب الملك احمد اغا، وهو بلا عنوان ولا ختم، وفيه طمغات حمر ثلثه (١٢) عشره طمغه، يتضمن ما هذا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. بقوة الله، بإقبال [قآن] (١٣)، هذا فرمان أحمد إلى سلطان مصر. أمّا بعد: فإنّ الله لسابق عنايته، ونور هدايته، وعظيم رعايته، قد كان أرشدنا فى عنفوان الصبا وزمان (١٥) الحداثة إلى الإقرار بربوبيته، والاعتراف بوحدانيته، والشهادة بمحمد- ﷺ

стр. 3764

والتصديق برسالته وبنبوته، وحسن الاعتقاد فى اوليايه (٢٢٣) الصالحين من عباده فى بريّته ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (٢). كلّ ذلك ببركات محمد عليه أفضل الصلاة والسلم (٣). فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين، وإصلاح أمور الإسلام والمسلمين، إلى أن قبض أبينا (٥) الملك الجليل وأخينا الكبير، وأفضا (٥_) الملك إلينا. فأفاض علينا من جلابيب ألطافه ما حقّق به آمالنا فى جزيل آلايه وعوارفه. وجلى (٦) هدى المملكة علينا، وأهدى عقيلتها إلينا. فاجتمع عندنا فى قوريلتالى (٨) المبارك-وهو المجمع الذى تنقدح فيه آراى-جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار ومقدّموا (٩) العساكر وزعماء البلاد، واتفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير، فى إنفاذ الجمّ الغفير من عساكرنا التى ضاقت بهم الأرض برحبها من كثرتها، وامتلأت رعبا لعظيم صولتها، وشديد بطشهم إلى تلك الجهة. بهمّة تخضع لها شمّ الأطواد وعزمة تلين لها الصمّ الجلاد (١٣). ففكرنا فيما تمخّضت زبدة عزايمهم عنه، واجتمعت أهواهم وآراهم (١٤) عليه، فوجدناه مخالفا لما فى ضميرنا من أنباء (١٥) الخير العامّ الذى هو عبارة عن تقوية شعاير الإسلام، وأن لا يصدر عن أوامرنا-ما أمكننا-إلا ما يوجب حقن الدماء،

стр. 3765

وتسكين الدهماء، ويجرى به فى الأقطار رجاء (١) تسليم الأمن والأمان، وتستريح به المسلمون فى ساير الأقطار (٢) فى مهاد الشفقة والإحسان، تعظيما لأمر الله، وشفقة على خلق الله. فألهمنا الله تعالى إطفاء تلك النايرة، وتسكين الفتن الثايرة، وإعلام من أشار بذلك الرأى بما أرشدنا الله اليه: من تقديم ما يرجى به شفاء مزاج العالم من الأدواء، وتأخير مما (٥) يجب أن يكون آخر الدواء. وإننا لا نحبّ المسارعة (٢٢٤) إلى هزّ النصال للنضال (٦) إلا بعد إيضاح الحجة، ولا نأذن لها إلا بعد تبيين الحقّ وتركيب الحجّة. وقوّى عزمنا على ما ريناه (٧) من دواعى الصلاح، وتنفيذ ما ظهرنا (٨) به من وجوه النجاح، إذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال الدين عبد الرحمن-الذى هو نعم العون لنا فى أمورنا-أشار بذلك رحمة من الله لمن دعاه، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه، فأنفذنا أقضى القضاة قطب الدين، والأتابك بهاء الدين، إذ هما من ثقاة (١١) هذه الدولة الزاهرة والمملكة القاهرة، ليعرفاهم طريقتنا، ويتحقق عندهم ما تنطوى عليه لعموم المسلمين [جميل] (١٣) نيتنا. وبيّنّا لهم أننا من الله على بصيرة، وأن الإسلام يجبّ ما قبله، وأن الله تعالى ألقى فى روعنا أن نتبع الحق وأهله. ويشاهدون نعمة الله على الكافّة بما دعانا اليه من تقديم أسباب الإحسان، فلا يحرموها [بالنظر إلى سالف الأحوال] (١٦) ف ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١٧). فإن تطلّعت نفوسهم إلى دليل يستحكم بسببه دواعى الاعتماد؛

стр. 3766

وحجّة نبلغ بها غاية المراد، فلينظر (١) إلى ما ظهر من أمرنا، ممّا اشتهر خبره، وعمّ أثر. فإننا ابتدأنا-بتوفيق الله تعالى-بإعلاء أعلام الدين وإظهاره فى إيراد كلّ أمر، وإصداره، وإقامة نواميس الشرع المحمّدى على مقتضى [قانون] (٤) العدل الأحمدى، إجلالا وتعظيما، وتبجيلا وتكريما. وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور، وعفونا عن كلّ من اجترح سيئة أو اقترف، قابلناه بالصفح وقلنا: عفا الله عما سلف. وتقدمنا بإصلاح أمور أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس وعمارة بقاع البرّ والربط الدوارس، وإيصال حاصلها بموجب عوايدها القديمة على القاعدة المستقيمة لمستحقّها بشروط واقفها (٢٢٥) بعد إصلاح تالفها. ومنعنا أن يلتمس شئ مما استحدث عليها، ولا يغيّر (١٠) شئ مما قرّر أولا فيها، وأسند إليها. وأمرنا بتعظيم أمر الحاجّ، وتأمين سبلها فى ساير الفجاج، وتجهيز وفدها وإطلاق سبلها، وتسيير قوافلها، وتسهيل فعلها. وأطلقنا أيضا سبيل التجار، الذين هم عمارة ساير الأمصار، وكذلك المتردّدين إلى البلاد ليسافروا بحسب اختيارهم تطمينا للعباد، آمنين على أنفسهم من حوادث الفساد. وحرّمنا على العساكر والقراول والشحانى فى الأطراف التعرّض بهم فى مصادرهم ومواردهم، وأن يمشون (١٥) حيث شاؤا (١٦) على أحسن ما كانت عادتهم من قواعدهم. وقد كان صادف قراول لنا جاسوسا فى زىّ الفقر (١٧). كان سبيل مثله أن يهلك، إذ سعا (١٨) إلى حتفه قدمه، فلم نهرق دمه، تحرمة مّا حرّم الله تعالى. ولا يخفى عنهم

стр. 3767

ما كان فى إنفاذ الجواسيس من الضرر العامّ للخاصّ والعامّ من فقراء المسلمين وعباد الله الصالحين. فإن عساكرنا طال ما (٢) رأوهم فى زىّ الفقراء والنسّاك وأهل الصلاح، فساءت ظنونهم حتى قتلوا من قتلوا من هذه الطوايف بغير حرمة ولا جناح. فإذا ارتفعت الحاجة بحمد الله تعالى إلى ذلك، تأمنت الطرق والمسالك، وتردّد التجار وغيرهم، وتطمأن (٥) القلوب من الفكر فى هذه الأمور، ويأمن ساير الجمهور. وترتفع دواعى المضرة، التى كانت توجب المخالفة، فإنها إن كانت بطريق الدين والذبّ عن حوزة المسلمين، فقد ظهر بفضل الله تعالى فى دولتنا الفوز (٧) المبين. وإن كانت لما سبق من الأسباب، ممن يجرى (٨) الآن طريق الصواب، ف ﴿إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٩). (٢٢٦) والآن فقد رفعنا الحجاب، وعرّفناهم ما عزمنا عليه بنية خالصة لله تعالى، لنعلم ما عندهم من الجواب. وحرّمنا على جميع عساكرنا العمل بخلافها، لنرضى الله والرسول، ويلوح على صفحاتها آثار الإقبال والقبول، وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمه، وتنجلى بنور الإسلام (١٣) ظلمة الاختلاف والغمّة. فتسكن فى سابغ ظلها البوادى والحواضر، وتقرّ القلوب التى بلغت من الجهد الحناجر، وتعفى عن ما (١٤) سلف من الهنات والجراير، ونريح المسلمين من فكر تفتّت المراير. فإن وفّق الله سلطان مصر لاختيار ما فيه صلاح العالم، وانتظام أمور بنى آدم، فقد وجب علينا التمسك بالعروة الوثقى، وسلوك الطريقة المثلى، بفتح أبواب الطاعات والإنجاد (١٨)، وبذل الإخلاص بحيث تنعمر الممالك والبلاد. وتسكن الفتنة الثايرة،

стр. 3768

وتغمد السيوف الباترة، وتحلّ الكافّة أرض الهوينا وروض الهتون (١)، وتخلص أرقاب (٢) المسلمين من أغلال الذلّ والهون. فالحمد لله على الموافقة وإخماد البارقة. وإن غلب سوء الظنّ بما تفضل به واجب (٣) الرحمة، ومنّع من معرفته قدر هذه النعمة، فقد شكر الله مساعينا، وأبلى عذرنا مقبولا ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٥). والله الموفق للرشاد والسداد، وهو الممتنّ على البلاد والعباد، وحسبنا الله وحده. كتب فى أوسط جمادى الأولى. سنة إحدى وثمانين وستمايه». الجواب إنشا محيى (٨) بن عبد الظاهر-﵀-عن السلطان الملك المنصور: «بسم الله الرحمن الرحيم. بقوه الله تعالى، بإقبال دولة السلطان الملك المنصور. كلام قلاوون إلى السلطان أحمد بن هلاوون. أمّا بعد: (٢٢٧) حمد الله الذى أوضح لنا وبنا الحق (١١) منهاجا، وجاء بنا فجاء نصر الله، ودخل الناس فى الدين أفواجا. والصلاة على سيدنا محمد الذى فضّله الله على كلّ نبىّ نجا (١٣) به أمته، وعلى آله وصحبه وعترته. فقد وصل الكتاب الكريم المتلقّا (١٤) بالتبجيل والتكريم، المشتمل على النبأ العظيم، من دخوله فى الدين، وخروجه عمن سلف من العشيرة والاقربين. ولما فتح هذا الكتاب بهذا الإخبار، عطر شذاه حتى ملأ الأقطار. فالحمد لله على الإسلام المعلّم المعظّم والحديث الذى صح عند الإسلام إسلامه، وأصحّ الحديث ماروى عن مسلم.

стр. 3769

وتوجّهت الوجوه بالدعاء إلى الله سبحانه ان تبثّه (١) على ذلك بالقول الثابت، وأن ينبت حبّ هذا الدين فى قلبه كما أنبته أحسن النبت من أزكى المنابت. وحصل التأمّل والفضل (٣) المبدأ بذكره من حديث إخلاصه إليه فى أول العمر، وعنفوان الصبا إلى الإقرار بالوحدانية، ودخوله فى الملّة المحمّدية، بالاسم والقول والعمل والنيّة، فالشكر لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام، كحمدنا لله على أن جعلنا من السابقين الأولين لهذا الدين، وإلى هذا المقال، والمقام، وثبّت أقدامنا فى كلّ موقف اجتهادا وجهادا، وفعلا واعتمادا. وأما إفضاء النوبة فى الملك وميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه، و [إفاضة] (٨) جلابيب هذه النعمة عليه، وتوقّله الأمر بالتى (٩) طهّرها إيمانه، وأظهرها سلطانه، فلقد أورثها الله من اصطفاه من عباده، وصدّق المبشّرات له من كرامة أولياء الله وعبّاده. وأمّا حكاية اجتماع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار والعساكر وزعماء البلاد فى مجمع قورلتالى (١٢) الذى تنقدح فيه زند الآراء، وأنّ كلمتهم اتفقت (٢٢٨) على ما سبقت به كلمة أخيه الكبير فى إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، وأنه فكّر فى ما (١٤) اجتمعت عليه آراؤهم، وانتهت إليه أهواهم، فوجده مخالفا لما فى ضميره؛ إذ قصده الصلاح ورأيه الإصلاح، وأنّه أطفى (١٥) تلك النايرة وسكن تلك الثايرة. فهذا فعل الملك المتّقى، المشفق من قومه على من بقى، المفكّر فى العواقب بالرأى الثاقب، وإلاّ فلو تركهم ورأيهم حتى تحملهم الغرّة لكانت هذه الكرّة هى الكرّة. لكن هو ل ﴿مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ (١٨) ولم يوافق قول، ولا هوى.

стр. 3770

وأما القول فيه: إنّه لا يحبّ المسارعة إلى المقارعة، إلاّ بعد إيضاح المحجّة وتركيب الحجّة، فبانتظامه فى سلك الإيمان صارت حجّتنا وحجّته المتركّبة على من غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجّة متنكّبة. فإن الله سبحانه والناس كافّة قد علموا أن قيامنا إنّما هو لنصر هذه الملّة، وجهادنا واجتهادنا، إنّما هو على الحقيقة لله. وحيث قد دخل معنا فى الدين هذا الدخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت الذحول، وبارتفاع المنافرة تحصل المضافرة. فالإيمان كالبنيان يشدّ بعضه بعض (٦)، ومن أقام مناره فله أهل بأهل فى كل مكان، وجيران بجيران فى كل أرض. وأمّا ترتيب هذه القواعد الحميدة على إذكار (٨) شيخ الإسلام، قدوة العارفين، شجاع (٩) الدين عبد الرحمن-أعاد الله من بركاته-قد أشار، فانّه نعم المستشار، فلم ير لولى قبله كرامة كهذه الكرامة. والرجاء ببركته وبركة الصالحين أن تفتح دار السلام وكلّ دار للإسلام وهى دار إقامة، حتى يتم شرايط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ما كان. ولا ينكر لمن لكرامته هذا الابتداء والتمكين فى الوجود أنّ كلّ حقّ إلى نصابه [ببركته] (١٣) يعود. (٢٢٩) واما إنفاذ قاضى القضاة قطب الدين، والأتابك بهاء الدين المؤثرون (١٤) فى نقلهما رسايل هذه البلاغة، فقد حضرا وأعادا من ألفاظهما من كلّ قول حسن ممّا يزهوا (١٦) بحسنه على الصياغة، ومن كلّ ما يشكر ويحمد ويتعنعن حديثها فيه عن مسند أحمد.

стр. 3771

وأمّا الإشارة إلى أن النفوس إن كانت تتطلّع إلى إقامة دليل، يستحكم بسببه دواعى الودّ الجميل، فلينظر إلى ما ظهر من مآثره، فى موارد الأمر ومصادره من العدل والإحسان، بالقلب واللسان، والتقدم بإصلاح الأوقاف والمساجد والربط والمشاهد، وتسهيل السبل للحاج؛ فهذه صفات من لملكه الدوام. فلما ملك عدل، ولم يرجع إلى لؤم من عدى (٥) ولا [لوم من] عذل، على أنها وإن كانت من الأفعال الحسنة والمثوبات التى تستنطق بالدعاء الألسنة، فهى واجبات تؤدّى، وقربات بمثلها يبدّا (٧). وهو أكبر من أنه بإجراء [أجر] غيره يفتخر، وعليه يقتصر. إنما تفتخر الملوك الأكابر بردّ ممالك على ملوكها، ونظم ما كانت عليه من حسن سلوكها. وقد كان والده فعل شئ (٩) من ذلك مع الملوك السلجوقيّة وغيرهم، وما كان أحد أخذ بدينه دين (١٠)، ولا دخل معه فى دين. واقرّ بهم فى ملكهم، بعد ما زحزحهم عن ملكهم (١١). ويجب عليه أنه لا يرى حقّا مغتصبا ويأبا إلاّ ردّه، ولا باعا ممتدّا بالظلم ويرضى إلاّ صدّه، حتى ان أسباب ملكه تقوى، وأيّامه تتزيّن بأفعال التقوى. وأمّا تحريمه على الشحانى والعساكر والقراولات فى الأطراف [التعرّض] (١٣) إلى (١٤) الآخذ بالأيدى عن الأذى، وإصفاء موارد الواردين من شوايب العدا، فمن حين بلغنا أن تقدّموا بمثل ذلك، تقدّمنا أيضا بمثله، وقابلنا الجميل بالجميل من فعله. وأمرنا سائر النوّاب بالرحبة والبيرة (٢٣٠) وعين تاب بأطراف ممالكنا بالكفّ عنما

стр. 3772

كففتم عنه، وأن نسدّ هذا الباب. وإذا اتحد الإيمان وانعقدت الأيمان، تحتم هذه الحكاية، وترتب جميع الأحكام ممّا يجوز فى مجالس الحكّام. وأمّا الجاسوس الفقير الذى أمسك وأطلق، وكان سبيله أن يهلك، وأنّ بسبب من تزيّا من الجواسيس بزىّ الفقراء قتل جماعة من الفقراء، الصلحاء رجما بالظنّ، فهذا باب من تلقى (٥) ذلك الجانب كان فتحه، وزند من ذلك الطرف كان قدحه. وكم من مزىّ (٦) بزىّ الفقر من ذلك الجانب سيّروه، وإلى الاطّلاع سوّروه، ممّا ظفر منهم بجماعة كبيرة، فرفع عنهم السيف، ولم يكشف ما غطّوه بخرقة الفقر بكم (٧) ولا كيف. وأمّا الإشارة التى أنّ باتّفاق الكلمة تنجلى ظلمة الاختلاف، وتدرّ بها من الجراير (٩) الأخلاف، ويكون بها صلاح العالم، وانتظام شمل بنى آدم. فلا رادّ لمن فتح باب الاتّحاد وجنح للسلم، فقد جاد وما حاد. ومن ثنا (١٠) عنانه عن المكافحة كان كمن مدّ يده للمصافحة للمصالحة. والصلح وإن يكن سيّد الأحكام من أمور تبنى عليه قواعده، ويعلم من مداولته (١٢) فوايده. فالأمور المسطّرة فى كتابه هى كلّيات لازمة يعمر بها كلّ مغنى ومعلم. وثمّ أمور لا بدّ أن تعقد وتحكم، وفى سلكها عقود العهود تنظم، قد يحملها لسان المشافهة التى إذا وردت أقبلت عليها إنشاء الله النفوس، وأحرزتها صدور الرسايل كأحسن ما تحرز سطور الطروس. وأمّا الإشارة إلى قوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٦)، فما على هذا النسق السبيل ينهج، ولا الودّ ينسج، بل الأفضل للمقدم فى الدين [و] (١٨) نصره عهود ترعا، وإفادات تستدعى. وما برح الفضل للأوّلية، وإن تناها

стр. 3773

العدد (٢٣١) الواحد (١) الأول. ولو تأمّل مورد هذه الآية أنها فى غير مكانها لتروّى وتأوّل. وعند ما انتهينا إلى جواب ما لعلّه يجب عنه الجواب من فصول الكتاب، سمعنا المشافهة التى على لسان أقضى القضاة قطب الدين، فكانت مما تناسب ما فى الكتاب من دخوله فى الدين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين، وما بسطه من معدلة وطحسان، مشكور بلسان كلّ إنسان. فالمنّة لله على ذلك، فلا يشبها منه بامتنان. وقد أنزل الله على رسوله فى حقّ من امتنّ بإسلامه ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ (٨). ومن المشافهة أن الله قد أعطاه من العطاء ما أغناه عن امتداد الطرف إلى ما فى يد غيره من أرض وماء من ممالك فسيحة تروى الظمأ، فإن حصلت للرغبة الموافقة، فالأمر حاصل. فالجواب أن ثمّ أمور (١١) متى حصلت حصلت الموافقة، وابتنى على ذلك حكم المصاحبة والمصادقة، ورأى الله تعالى والناس كيف يكون تصافينا، وإذلال عدونا وإعزاز مصافينا، فكم من صاحب وجد حيث لا يوجود الأب والأخ والقرابة. وما تمّ هذا الدين فى صدر الإسلام إلاّ بمظافرد (١٤) الصحابة. وإن كانت له رغبة مصروفة إلى الاتّحاد، وحسن الإعتقاد، وكبت الأعادى ولأضداد، والاستناد إلى من يشدّ به الأزر عند الستناد-والرأى إليه فى ذلك. ومن المشافهد إن كانت الرغبة ممتدّة الأمل إلى ما فى يده من أرض وماء، فلاح حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة. فالجواب عنه أنه إذا كفّ كفّ العدوان، وترك المسلمين وما لهم من ممالك، سكتت الدهماء

стр. 3774

وحقنت الدماء. وما أحقّه بأن لا ينه عن خلق (١) ويأتى مثله، (٢٣٢) ولا يأمر ببرّ ويثنى (٢) فعله. فهذا قنغرطاى بالروم، وهى بلاد فى أيديكم وخراجها يجبى إليكم، وقد سفك فيها وقتل (٣)، وسبا وهتك، وأباع الأحرار، وأبا إلاّ التمادى على الإضرار والإصرار. ومن المشافهة أنّه إذا حصل التصميم على أن لا تبطل هذه الغارات ولا تغيّر هذه الإثارات، يعيّن مكانا يكون فيه اللقاء، ويعطى الله تعالى فيه النصر لمن يشاء. فالجواب عن ذلك أن الأماكن التى اتّفق فيها الملتقى للجمعان (٧) مرّة ومرّة ومرّة قد عاف مواردها من سلم من أوليك القوم، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم. فوقت اللقاء لا يحصر، وما النصر إلاّ من عند الله، فلا يقدر. ولا نحن ممّن ينتظر فلتة، ولا ممّن له إلى غير ذلك لفتة. وما أمر الساعة بالنصر إلاّ كالساعة التى لا تأتى إلا بغتة. والله الموفّق لما فيه صلاح هذه الأمّة والقادر (١١) على إتمام كلّ خير ونعمة». وفيها فى خامس عشر ربيع الآخر توفى الصاحب نجم الدين بن الأصفونى ﵀. وفيها توفى القاضى شمس الدين بن خلكان صاحب التاريخ الحسن ﵀. وفيها استقرت الهدنة بين السلطان وبين أهل عكا مدة عشره (١٥) سنين.

стр. 3775

ذكر [حوادث] سنة اثنتين وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هذه السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده سبع عشر دراعا وثمانيه اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى، سلطان الاسلام. وكدلك ساير الملوك المقدم دكرهم فى السنين الخاليه على ممالكهم. (٢٣٣) دكر وصول الشيخ عبد الرحمن دمشق فيها وصل الشيخ عبد الرحمن الى دمشق ليله الثلاثا ثانى عشر دى الحجه من هده السنه، فانزلوه بالقلعه بدمشق، واطلق له فى كل يوم ألف درهم نقره. وكان فى صحبته مايه وخمسين نفر (١١)، وحضر فى خدمته ابن التيتى وزير صاحب ماردين. وكان هدا الشيخ عبد الرحمن له عند السلطان احمد اغا صوره عظيمه. وكان يركب فى ساير بلاد الشرق بالجتر على راسه، وسير يقول: «ما ادخل الى بلادكم وامشى الا بالنهار واجتر على راسى». فلما وصل الى الفراه (١٤)، سيروا اليه من حلب جمال الدين اقوش الفارسى فى عسكر يتلقونه. فلما عدا الفراه (١٥) وصار فى برّهم، ساروا به فى الليل، فأراد الرجوع، فلم يمكنوه وأغلظوا عليه فى القول، ولم يمكنوه من رفع الجتر. وأقام بدمشق الى ان هلت سنه ثلث وثمانين وستمايه، حسبما ياتى من تتمه خبره فيها.

стр. 3776

ذكر [حوادث] سنة ثلث وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده سبع عشر دراعا وثلثه اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور، سلطان الاسلام. والملوك بحالهم. (٧) [من الأصل: وفى هده السنه، اعنى سنه ثلث وثمانين وستمايه، جاء سيل عظيم الى دمشق، وغرق بها عالم كثير، كما يدكر من امره فى تاريخه ان شا الله تعالى] (٨). وتوجه السلطان من الديار المصريه طالبا للشام، وكان اكثر سفره لأجل الاجتماع بالشيخ عبد الرحمن. وهدا الشيخ المدكور تلميد شيخ الاسلام موفق الدين الكواشى رضى الله عنه. وكان عبد الرحمن فى مبتدأ امره قد رباه الشيخ، واشتغل عليه وخدمه. ويقال انه علمه الاسم الاعظم، وليس بصحيح. ويقال انه اخد من كتب [الشيخ] (١٣) (٢٣٤) كتاب فيه علم السيميا. والصحيح ما حكاه الشيخ احمد ابن محمد الجزرى (١٤)، قال: سيّر الشيخ موفق الدين الكواشى مع عبد الرحمن هدا كتاب السيميا وقال له: «امض بهدا الى الشط واغسله». فاخده واودعه عند من يثق به، وعاد الى الشيخ واخبره انه غسله. ثم بعد دلك اشتغل به وتمهّر فيه.

стр. 3777

ودخل [الشيخ عبد الرحمن] على الخواتين بهدا العلم، وحضى (١) عندهم، وحضى عند ام الملك احمد اغا. والتاف (٢) به احمد اغا من صغره حتى ملك بعد اخيه ابغا، فحكم الشيخ عبد الرحمن فى جميع ممالكه، ورسم له انه لا يركب فى ساير الشرق جميعه الاّ بالجتر. وكان السلطان الملك المنصور-تغمده الله برحمته-قد قال من المشافهه على لسان القاضى قطب الدين الرسول: «ما اثق الا بالشيخ عبد الرحمن وحضوره الينا». فوصل الى دمشق حسبما دكرناه. وعند وصول السلطان دمشق وردت القصاد بالاخبار ان الملك احمد اغا قد قتل وتولى مكانه اخوه ارغون ابن (٨) ابغا ابن هلاوون. ذكر قتلة الملك احمد اغا وتمليك ارغون بن ابغا بن هلاوون كان الملك احمد اغا قد سير خلف ارغون-ابن اخيه-عسكر (١٠)، وهو يوميد مقيم بخراسان، وكان ابوه ابغا قد تركه بخراسان. فلما تولى الملك أحمد، عصى عليه ارغون، ولم يدخل تحت الطاعه، فسير اليه عسكر كثيف (١٢) كسره، وأخد اسيرا. واتوا به الى عمه الملك احمد اغا، فاشاروا عليه بقتله، فانه كان ملعون كافر (١٣)، شديد الباس، فارسا لا يطاق. حكوا عنه انه كان يصفّون له سبع (١٤) اروس خيل، فيقول لهم: «ايهم تريدون اركب؟» فيشيروا (١٥) الى أيهم شاؤا، ولو آخر السبع فيقفز من الارض يصير على صهوته.

стр. 3778

وكان الملك احمد اغا كثير التغفل، قليل التدبير. فدخلوا (١) عليه الخواتين وقالوا: «كيف تقتل (٢٣٥) ابن اخوك (٢)، وتنقص عظمك؟». ولم يزالوا به حتى تركه وسلمه الى امير كبير من المغل، امير تومان، يسمى قرونه مترسما عليه. فعاد ارغون يؤانس دلك الامير ويستميله. فلما علم انه مال اليه قال له: «هدا عمى احمد اغا قد اسلم، وغيّر ما اسسه (٥) جكزخان، وقد ارسل الى المسلمين يصالحهم. وان ثم هدا عملوا عليه المسلمين (٦) حتى ما يخلى احد من المغل. وقد سير خلف الاكراد، ويريد يقطع لهم البلاد جميعها. وهو يريد ان يفنى عظم هلاوون والقان الكبير». وما زال يداهنه، حتى صغا (٨) اليه وقال: «ان انا اطلقتك واجلستك على التخت، ايش تجعلنى؟» قال [أرغون]: «تكون انت الحاكم فى جميع المملكه، واكون انا بحكمك». فلما كان فى بعض الليالى اجتمع قرونه بجماعه من المغل الكبار الدين هم مشوشين (١٢) على احمد اغا، ولم يكونوا دخلوا فى دين الاسلام. ودكر لهم ما قاله ارغون له، فقالوا له: «جميع ما قاله ارغون صحيح، وأنت ان قمت معه كنا جميعنا معك». فتواعدوا الى الليله الثانيه، وقاموا فى الليل على عسكر احمد اغا واصحابه، فانهزموا منهم، ولم يعلموا ما الخبر. ثم انهم دخلوا على احمد اغا، فاخدوه من تخته، وقصفوا ظهره، وارموه على الطريق، واجلسوا ارغون عوضه من ساعته. واصبح الصباح، وجميع العساكر متفرقه مشتته. وعاد كل من سارع ودخل فى طاعه ارغون ابقوه، ومن خالفه قتلوه. واستقر الملك لارغون، وتوفى احمد اغا.

стр. 3779

واما ما كان من السلطان الملك المنصور، فانه لما استقر بقلعه دمشق استحضر الشيخ عبد الرحمن فى الليل. وقد البس الف (٢) وخمس مايه مملوك اقبيه حمر بكلاوت زركش وحوايص دهب، واوقد الف (٣) وخمس مايه شمعه. واحضر الشيخ عبد الرحمن، ورفيقه الامير [صمداغو] (٤)، وابن التيتى، وسمع رسالتهم، (٢٣٦) واعادهم الى مكانهم. ثم احضرهم مره اخرا (٥) وسمع كلامهم وردهم، ثم احضرهم ثالثه. فلما استوعب جميع كلامهم قال لهم بعد دلك: «ان صاحبكم قتل، وجلس مكانه ارغون بن ابغا». وكانوا انزلوهم فى دار رضوان بالقلعه، فنقلوهم الى بعض دور القلعه، وقللوا عنهم الراتب، وتركوا لهم ما يكفيهم. وقالوا لهم: «مهما كان معكم من اموال احمد اغا اعطونا»، فلم يعترفوا بشئ. فسير لهم شمس الدين سنقر الاعسر، وهو يوميد استادار، وقال: «قد رسم السلطان ان ينقلكم الى مكان اخر، فعزّلوا حوايجكم». فلما جمعوا حوايجهم، فتشوهم واخدوا منهم جمله كبيره. واخدوا من يد الشيخ عبد الرحمن سبحه لولو عده خمس مايه، قوّمت بجمله كبيره. واستقروا بعد دلك بالدار المدكوره. وفيها كان السيل بدمشق فى شهر شعبان المكرم، ودخل الى دمشق، واخرب شى كثير (١٥)، نظير دلك السيل المقدم دكره فى سنه تسع وستين وستمايه. وفيها عاد السلطان الى الديار المصريه. وفيها توفى الملك المنصور صاحب حماه. وهو الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور صاحب المناقب، والفاضل المقدم دكره ناصر الدين محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه ابن (١٩) ايوب ابن شادى ابن مروان

стр. 3780

-المقدم دكرهم فى الجزء المختص بهم-ودفن بحماه. ووصل التقليد الى ولده الملك المظفر تقى الدين محمود على عاده ابيه ومستقر قاعدته، وان يكون اتابك عسكره الامير عز الدين ابو خرص، واستقر الامر كدلك. ذكر بعض شئ من محاسنه ﵀ كان ملكا شجاعا مقداما بطلا جوادا سمحا، كثير البر والصدقه والمعروف (٢٣٧) الى جميع الناس ممن يقصده خصوصا ارباب البيوت وابناء الناس ودوى الحاجات، وكان لا يبقى فى خزاينه شئ (٧)، بل يستدين على دمته ويهب الناس، قليل الظلم والاذى، محبا للعلماء والفضلا. وكان يتتبع آثار محاسن جده وسميه فى افعاله الحميده. وكان اكثر العلماء والفضلاء مقيمين ببلده، وقد اجرا (٩) عليهم الجرايات والجامكيات. وما من احد من فضلاء عصره إلاّ وصنّف فيه كتاب (١٠)، او مدحه بقصيده جيده. ملك حماه عند وفاه ابيه يوم السبت لثمانى (١٢) مضين من جمادى الاول سنه اثنتين واربعين وستمايه. وكان عمره يوم وفاته ثلث (١٣) وستين سنه (١٣_)، وشهر واحد، وثلثه عشر يوم (١٤)، فان مولده كان فى الساعه الخامسه من يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الاول سنه اثنتين وثلثين وستمايه بقلعه حماه.

стр. 3781

وقام بتدبير مملكته الامير سيف الدين طغريل استادار والده، والمشير الشيخ شرف الدين عبد العزيز، والطواشى مرشد، والوزير بها الدين بن تاج الدين. والجميع يرجعون الى ما تأمر به الصاحبه غازيه خاتون والدته، ابنة السلطان الملك الكامل ابن العادل الكبير. (٥) [قال ابن واصل ان مولانا السلطان الملك المنصور قلاوون-نوّر الله ضريحه- لما كان بالشام رفعت له عده قصص من اهل حماه فى حق الملك المنصور صاحبها. قال: فامر للامير سيف الدين بلبان الدوادار ان يجمعهم ويوصلهم للملك المنصور، ويحلف له انه لم يقف عليهم (٧) ولا علم ما مضمونهم. فاوصلهم اليه، وحلف له انه ايضا لم يقف عليهم (٨). قال: فتناولهم الملك المنصور، وامر بهم فاحرقوا جميعهم بالنار، ولم يقف ايضا عليهم (٩) ولا علم من هم اربابهم. فانظر الى هدين الملكين الجليلين، ما اكرم طباعهما، وكيف نزها عن المكروه سماعهما، وموافقه الدوادار لمحاسن هده الآثار. نكته: كان فى عصر مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون-برّد الله ضريحه-الشيخ قطب الوقت ابراهيم ابن (١٠) معضاد الجعبرى-رضى الله عنه-فانفد رساله الى مولانا السلطان بسبب شى انكره بالديار المصريه. فقام فيه مولانا الشهيد وازاحه. فكان من دعى (١٤) الشيخ له ما هده نسخته: «اللهم ثبت قواعد ملكه، واجعلها كلمه باقيه فى عقبه». فاختصت هده الدعوه بمولانا السلطان الملك الناصر، خلد الله ملكه] (١٦) (١٨).

стр. 3782

ذكر [حوادث] سنة اربع وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده سبع عشر دراعا واحد عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الشهيد الملك المنصور، سلطان الاسلام. والملوك بحالهم حسبما سقناه من دكرهم. وفيها سافر السلطان الملك المنصور طالبا للشام. (٢٣٨) دكر فتح حصن المرقب دخل السلطان المنصور-﵀-الى دمشق يوم السبت ثانى عشرين المحرم من هده السنه المباركه بجميع العساكر المصريه، ورسم بخروج عسكر دمشق الى نحو حصن المرقب. ثم نفد المناجنيق، ونزل عليها بالجيوش جميعها. ووقع الحصار والحرب، وقاس (١٢) الناس عليها شده عظيمه. ولم يزل الامير كدلك ثمانيه وثلثين يوم حتى يسر الله تعالى فتحها يوم الجمعه ثامن عشر ربيع الاول. وورد البشاير الى ساير القلاع والحصون. وورد الى دمشق المحروسه كتاب الى الامير شمس الدين، ما هدا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه المكاتبة إلى المجلس السامى الأمير شمس الدين- أدام الله عليه ورود التهانى، وخصّه من المبشّرات ما تعود بالسبع المثانى، وأسمعه من

стр. 3783

البشاير ما يستوعب وصفه الألفاظ والمعانى-نعلمه بفتح المرقب الذى طال ما طاولته الهمم فقصرت، وحاولت على عقده التى نفث فيها كفرهم فعسرت. فما زلنا نحصرهم بكلّ منجنيق رماهم من حجارته بكلّ صاعقة، ونتبعه بكلّ سابقة ولا حقة، وبكلّ صايبة لأنفس تتلوا (٤) عند معاينها ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ [الْمَوْتِ]﴾. واحتاطت بأردافه النقوب حتى انقلب (٥) خصره من كثرة العلايق، وثقلت عن إسرار أسواره ما ظهر للخلايق. فما زالت السهام تشافههم بأسنّة النصول، وتكلّمهم حيث لا يوجد من غيرها للكلام وصول. فلما تعلقت أسوارها، وسلبت من معصم (٨) أبراجها من الشرفات سوارها، وطرقتها طارقات الطوارق (٩) ففتحت (٢٣٩) أبوابها، وأبدت المعاول من عويل سكّانها، ما شققت عليه القلوب قبل أن تشقّ أثوابها. وزحفنا عليها، ولكن قياما على ظهور الخيل، وطاف بها من عساكرنا طوفان، لا قوة لمقاومة، ولا حيلة ولا حيل. وتسوّرنا أسوارها، فكان اندفاع الأسنّة فى النحور كما يندفع فى المسير السيل. وكان أنجاهم من الحى إلى القيد أسيرا، وأرجأهم من أعمل إلى طلب الأمان مسيرا. وكتابنا هذا وقد فتح الله علينا من هذا الحصن الفتح الأسنا (١٤)، والمنح الذى أنام العيون وسنا (١٥). لأنّ الإسلام المجاورين له كانوا من كفره فى اليم من الجور. وطال ما سرت سراياه فغدت وعادت على الفور. وما زالت الفرنج تطمعهم آمالهم انه لا يقصد لبعده، ولا ينازل لتحصّنه (١٧) بجبله الذى كمرسل صارم كيده من غمده، ولا يسلك غوره الوعول، ولا تعطى دحّاله لذوى الدخول إذنا فى الدخول، حتى جينا فافترشت

стр. 3784

سنابك جيادنا جباله، وافترشت فوارسنا أسده وأشباله. وملكنا أقطاره ملك استحقاق، وأدار (٢) عليه بانتظامه فى ثغور الإسلام من صدق نطاق. وبعد أن كان يخشى ويرهب، أصبح بحلول الإيمان يرصا (٣) ويطلب. فليأخذ من هذه البشرى حظه، ويتلوا (٤) سور آياتها على المنابر، ليعلم خبرها كل باد وحاضر، والله الموفق بمنّه وكرمه». وكان النايب بالديار المصريه الامير علم الدين سنجر الشجاعى. فلما فتح المرقب كتب اليه القاضى المرحوم فتح الدين بن عبد الظاهر فى جمله مكاتبه يقول <من البسيط>: أصدرتها والعوالى فى الطلى تردوا (٩) ... فى موقف فيه ينسا الوالد الولد (٢٤٠) وما نسيتك والأرواح سايلة ... على السيوف ونار الحرب تتقّد ثم كتب اليه اخره بعد هدا التصدير يقول <من الكامل>: ولقد ذكرتك والحياة كريهة ... والموت يرقب تحت حصن المرقب والبيض من خلل السهام كأنها ... برق تألّق فى غمام صيّب والحصن من شفق الدروع كأنّه ... عذراء ترفل فى رداء مذهب ساما (١٥) ... السماء، فمن تطاول نحوه للسمع مسترقا رماه بكوكبى والموت يلعب بالنفوس، وخاطرى ... يلهوا (١٦) بذكر حديثك المستعذب

стр. 3785

ثم ان السلطان اقام على الحصن، ورتب جميع ما يحتاج اليه، وجرّد عليه جماعه من العسكر لاجل عمارته. وتوجه الى دمشق، فدخلها يوم الاثنين ثالث جمادى الاولى. وهدا حصن المرقب من الحصون المشهوره بالمنعه والتحصين، ولم يفتحه السلطان الشهيد صلاح الدين بن ايوب، ولا السلطان الشهيد الملك الظاهر، بل ادخره الله ان يكون فى صحيفه مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور. وكان منه ضرر كبير على المسلمين. وحصل فى هده السنه المباركه الاستيلا عليه وعلى جميع اعماله، مثل بلنياس ومرقيّه وغيرهما. وهده مرقيه بلده صغيره على البحر قريب (٩) من الحصن. وكان صاحبها قد بنا فى البحر برجا عظيما لا يرام ولا تصله حجاره منجنيق ولا سهام. واتفق حضور رسل صاحب طرابلس يطلبون مراحم السلطان ويتضرعون الى عفوه ويقصدون رضاه بما شا. فرسم لهم بخراب هدا البرج، واحضار من كان اسروه (١٢) من الجبليه. ففعل صاحب طرابلس دلك لمرضاه السلطان، وخوفا من السطوات الشريفه السلطانيه المنصوريه. (٢٤١) دكر المولد الشريف السلطانى الملكى الناصرى عزّ نصره بشاير النصر لاوحد ملوك العصر: [البشارة] الأوله (١٦) حدثنا الشيخ الصالح العارف القدوه شعبان الهروى المقيم كان بالجامع الاموى بباب الكلاسه بدمشق المحروسه فى سنه ثلث عشره وسبع مايه يوم الجمعه
следующие страницы →