← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

وقام بتدبير مملكته الامير سيف الدين طغريل استادار والده، والمشير الشيخ شرف الدين عبد العزيز، والطواشى مرشد، والوزير بها الدين بن تاج الدين. والجميع يرجعون الى ما تأمر به الصاحبه غازيه خاتون والدته، ابنة السلطان الملك الكامل ابن العادل الكبير. (٥) [قال ابن واصل ان مولانا السلطان الملك المنصور قلاوون-نوّر الله ضريحه- لما كان بالشام رفعت له عده قصص من اهل حماه فى حق الملك المنصور صاحبها. قال: فامر للامير سيف الدين بلبان الدوادار ان يجمعهم ويوصلهم للملك المنصور، ويحلف له انه لم يقف عليهم (٧) ولا علم ما مضمونهم. فاوصلهم اليه، وحلف له انه ايضا لم يقف عليهم (٨). قال: فتناولهم الملك المنصور، وامر بهم فاحرقوا جميعهم بالنار، ولم يقف ايضا عليهم (٩) ولا علم من هم اربابهم. فانظر الى هدين الملكين الجليلين، ما اكرم طباعهما، وكيف نزها عن المكروه سماعهما، وموافقه الدوادار لمحاسن هده الآثار. نكته: كان فى عصر مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور قلاوون-برّد الله ضريحه-الشيخ قطب الوقت ابراهيم ابن (١٠) معضاد الجعبرى-رضى الله عنه-فانفد رساله الى مولانا السلطان بسبب شى انكره بالديار المصريه. فقام فيه مولانا الشهيد وازاحه. فكان من دعى (١٤) الشيخ له ما هده نسخته: «اللهم ثبت قواعد ملكه، واجعلها كلمه باقيه فى عقبه». فاختصت هده الدعوه بمولانا السلطان الملك الناصر، خلد الله ملكه] (١٦) (١٨).

стр. 3782

ذكر [حوادث] سنة اربع وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده سبع عشر دراعا واحد عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الشهيد الملك المنصور، سلطان الاسلام. والملوك بحالهم حسبما سقناه من دكرهم. وفيها سافر السلطان الملك المنصور طالبا للشام. (٢٣٨) دكر فتح حصن المرقب دخل السلطان المنصور-﵀-الى دمشق يوم السبت ثانى عشرين المحرم من هده السنه المباركه بجميع العساكر المصريه، ورسم بخروج عسكر دمشق الى نحو حصن المرقب. ثم نفد المناجنيق، ونزل عليها بالجيوش جميعها. ووقع الحصار والحرب، وقاس (١٢) الناس عليها شده عظيمه. ولم يزل الامير كدلك ثمانيه وثلثين يوم حتى يسر الله تعالى فتحها يوم الجمعه ثامن عشر ربيع الاول. وورد البشاير الى ساير القلاع والحصون. وورد الى دمشق المحروسه كتاب الى الامير شمس الدين، ما هدا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه المكاتبة إلى المجلس السامى الأمير شمس الدين- أدام الله عليه ورود التهانى، وخصّه من المبشّرات ما تعود بالسبع المثانى، وأسمعه من

стр. 3783

البشاير ما يستوعب وصفه الألفاظ والمعانى-نعلمه بفتح المرقب الذى طال ما طاولته الهمم فقصرت، وحاولت على عقده التى نفث فيها كفرهم فعسرت. فما زلنا نحصرهم بكلّ منجنيق رماهم من حجارته بكلّ صاعقة، ونتبعه بكلّ سابقة ولا حقة، وبكلّ صايبة لأنفس تتلوا (٤) عند معاينها ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ [الْمَوْتِ]﴾. واحتاطت بأردافه النقوب حتى انقلب (٥) خصره من كثرة العلايق، وثقلت عن إسرار أسواره ما ظهر للخلايق. فما زالت السهام تشافههم بأسنّة النصول، وتكلّمهم حيث لا يوجد من غيرها للكلام وصول. فلما تعلقت أسوارها، وسلبت من معصم (٨) أبراجها من الشرفات سوارها، وطرقتها طارقات الطوارق (٩) ففتحت (٢٣٩) أبوابها، وأبدت المعاول من عويل سكّانها، ما شققت عليه القلوب قبل أن تشقّ أثوابها. وزحفنا عليها، ولكن قياما على ظهور الخيل، وطاف بها من عساكرنا طوفان، لا قوة لمقاومة، ولا حيلة ولا حيل. وتسوّرنا أسوارها، فكان اندفاع الأسنّة فى النحور كما يندفع فى المسير السيل. وكان أنجاهم من الحى إلى القيد أسيرا، وأرجأهم من أعمل إلى طلب الأمان مسيرا. وكتابنا هذا وقد فتح الله علينا من هذا الحصن الفتح الأسنا (١٤)، والمنح الذى أنام العيون وسنا (١٥). لأنّ الإسلام المجاورين له كانوا من كفره فى اليم من الجور. وطال ما سرت سراياه فغدت وعادت على الفور. وما زالت الفرنج تطمعهم آمالهم انه لا يقصد لبعده، ولا ينازل لتحصّنه (١٧) بجبله الذى كمرسل صارم كيده من غمده، ولا يسلك غوره الوعول، ولا تعطى دحّاله لذوى الدخول إذنا فى الدخول، حتى جينا فافترشت

стр. 3784

سنابك جيادنا جباله، وافترشت فوارسنا أسده وأشباله. وملكنا أقطاره ملك استحقاق، وأدار (٢) عليه بانتظامه فى ثغور الإسلام من صدق نطاق. وبعد أن كان يخشى ويرهب، أصبح بحلول الإيمان يرصا (٣) ويطلب. فليأخذ من هذه البشرى حظه، ويتلوا (٤) سور آياتها على المنابر، ليعلم خبرها كل باد وحاضر، والله الموفق بمنّه وكرمه». وكان النايب بالديار المصريه الامير علم الدين سنجر الشجاعى. فلما فتح المرقب كتب اليه القاضى المرحوم فتح الدين بن عبد الظاهر فى جمله مكاتبه يقول <من البسيط>: أصدرتها والعوالى فى الطلى تردوا (٩) ... فى موقف فيه ينسا الوالد الولد (٢٤٠) وما نسيتك والأرواح سايلة ... على السيوف ونار الحرب تتقّد ثم كتب اليه اخره بعد هدا التصدير يقول <من الكامل>: ولقد ذكرتك والحياة كريهة ... والموت يرقب تحت حصن المرقب والبيض من خلل السهام كأنها ... برق تألّق فى غمام صيّب والحصن من شفق الدروع كأنّه ... عذراء ترفل فى رداء مذهب ساما (١٥) ... السماء، فمن تطاول نحوه للسمع مسترقا رماه بكوكبى والموت يلعب بالنفوس، وخاطرى ... يلهوا (١٦) بذكر حديثك المستعذب

стр. 3785

ثم ان السلطان اقام على الحصن، ورتب جميع ما يحتاج اليه، وجرّد عليه جماعه من العسكر لاجل عمارته. وتوجه الى دمشق، فدخلها يوم الاثنين ثالث جمادى الاولى. وهدا حصن المرقب من الحصون المشهوره بالمنعه والتحصين، ولم يفتحه السلطان الشهيد صلاح الدين بن ايوب، ولا السلطان الشهيد الملك الظاهر، بل ادخره الله ان يكون فى صحيفه مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور. وكان منه ضرر كبير على المسلمين. وحصل فى هده السنه المباركه الاستيلا عليه وعلى جميع اعماله، مثل بلنياس ومرقيّه وغيرهما. وهده مرقيه بلده صغيره على البحر قريب (٩) من الحصن. وكان صاحبها قد بنا فى البحر برجا عظيما لا يرام ولا تصله حجاره منجنيق ولا سهام. واتفق حضور رسل صاحب طرابلس يطلبون مراحم السلطان ويتضرعون الى عفوه ويقصدون رضاه بما شا. فرسم لهم بخراب هدا البرج، واحضار من كان اسروه (١٢) من الجبليه. ففعل صاحب طرابلس دلك لمرضاه السلطان، وخوفا من السطوات الشريفه السلطانيه المنصوريه. (٢٤١) دكر المولد الشريف السلطانى الملكى الناصرى عزّ نصره بشاير النصر لاوحد ملوك العصر: [البشارة] الأوله (١٦) حدثنا الشيخ الصالح العارف القدوه شعبان الهروى المقيم كان بالجامع الاموى بباب الكلاسه بدمشق المحروسه فى سنه ثلث عشره وسبع مايه يوم الجمعه

стр. 3786

بعد الصلاه، ونحن جلوس فى حضرته، وقد اجرى ذكر مولانا السلطان الاعظم الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد بن مولانا السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى النجمى الصالحى، اعزّ الله بدوام ايامه الايام، كما اعزّ بخلود سلطانه الاسلام. قال: حدثنى الشيخ شرف الدين السنجارى التاجر السفّار قال: كنت بالموصل فى سنه اربع وثمانين وستمايه ليله النصف من شهر المحرم، وقد ظهر كوكب عظيم الشعاع له ثلاث دوايب (٦) طوال الى جهه الغرب، والناس قيام ينظرون اليه. وكان فى الجمله عماد الدين بن الدهان ريس (٧) المنجمين يوميد بالموصل، فسالوه (٨) كبار الناس وانا اسمع: «مادا يدل عليه طلوع هدا الكوكب؟» فقال: «يا قوم، احدثكم بعجيب: هدا الكوكب، ظهر فى سنه عشرين واربع مايه، وله دوابتان (١٠) فى طول هولاء الدين ترونهم الثلث، فكان فى الثالثه قصر كثير، فولد فى دلك التاريخ المستنصر، خليفه مصر، فعاش سبع (١١) وستين سنه، واقام خليفه ستين سنه، [وخطب له بمصر والشام والعراق] (١٢). ثم ان هدا الكوكب ظهر أيضا فى سنه تسعين واربع مايه، فكان دلك مولد عبد المومن صاحب الغرب، فعاش سبعين سنه، وملك خمسين سنه. وكان هدا الكوكب لما ظهر له دوابتان طوال (١٥)، كما تروهما هدا الوقت، والثالثه اطول من ثالثة المستنصر. ثم غاب فلم يظهر الاّ فى سنه ثلاث وخمسين وخمسين مايه، فكان دلك (٢٤٢) مولد الامام الناصر لدين الله، خليفه بغداد، فعاش تسع (١٧) وستين سنه، واقام خليفه سبع واربعين سنه. وكانت الخطبه له فى ساير ممالك الاسلام بالدنيا. وهدا الكوكب فقد ظهر فى هدا الوقت، وله ثلاث دوايب كامله يدل على ان يولد فى هده الليله مولود سعيد يملك مصر والشام والعراق، ويعيش من العمر ثلاثه ثلثين ثلثين ثلثين؛

стр. 3787

فان قد (١) جربنا كل دوابه من دوايب هدا الكوكب بمده ثلثين سنه حياه. فان نقص منهن شى، نقص من احدى الثلثين. وهولاء فنراهن كاملات، لا نقص منهن (٢). فاعتبروا يرحمكم الله من يولد فى هده الليله». قال الشيخ السنجارى: فاعتبرنا دلك، فلم نجد غير مولد الملك الناصر صاحب مصر ولد فى تلك الليله المباركه. ودلك فى صباح يوم السبت المبارك خامس عشر (٥) شهر المحرم سنه اربع وثمانين وستمايه. ووصلت البشاير لمولانا السلطان الملك المنصور، وهو نازل على خربة اللصوص متوجها الى المرقب. فكان من اول بركه مولده السعيد اخد هدا الحصن العظيم الدى عجزت عنه الملوك الاول. البشاره الثانيه حدث الشيخ الصالح العالم العامل الشيخ شمس الدين محمد بن قوام-قدّس الله روحه ونوّر ضريحه-فى سنه اثنتى عشره وسبعمايه لوالدى-سقى الله عهده-وانا اسمع، قال، وقد اجرى دكر مولانا السلطان-خلد الله نعمته، وجعل للاولياء حنوّه ورحمته، وللعداء (١٤) سطواته ونقمته-: لما كان السلطان بالكرك المحروس نوبة البرجيه، ودخل شهر شعبان المكرم، واخبار السلطان شايعه بقدوم ركابه الى دمشق، فلما كانت ليله النصف من شعبان، (٢٤٣) والاخبار قد تزايدات، والناس (١٨ - ٨)

стр. 3788

بين مكدب ومصدق، قمت وقام الشيخ ابراهيم. وكان من عاده الشيخ محمد -رضى الله عنه-ادا اراد يتحدث بكلام ينسبه ويعزيه للشيخ ابراهيم، فيفهم منه انه هو لمن له به معرفه وصحبه. قال [الشيخ محمد]: فلما كان وقت الفجر الاول زنق الشيخ ابراهيم غمضه، ثم قال: «شيخ محمد». قلت: «لبيك». قال: «كنت الساعه فى مهد عيسى بالقدس الشريف، فرايت الامام على بن ابى طالب رضى الله عنه، وصحبته رجلين (٦) سمر الالوان لا اعرفهما؛ فسلمت عليه وصافحته وقلت: من اين والى اين؟ فقال [الامام على]: من الحجاز لنعيد محمد بن قلاوون الى ملكه ثالث مره، فانه فاتح بغداد بعد كدا-وصفق بكفيه خمس مرات واثنى ثلاث (٩) اصابع من كفه اليمين- فما للناس سلطان غيره»، يقول الشيخ ابراهيم. قال الشيخ محمد: فلما كان بكره النهار، حدثت الفقرا بدلك فبلغ محمد الادرعى (١١)، فحضر الى عندى وسمع. ثم كتب بدلك عن نفسه للسلطان غفر الله له. قلت: هدا نص كلام الشيخ محمد بن قوام رضى الله عنه لوالدى ﵀ وانا اسمع. البشاره الثالثه حدث الشيخ محمد بن قوام-رضى الله عنه-لوالدى-﵀-وانا اسمع قال: «يا جمال الدين، هدا الملك الناصر هو الملك الثلاثى». فقال له الوالد: «كيف يا سيدى الملك الثلاثى؟» قال: «يملك ثلاث مرار، وثلاث (١٨) اقاليم، مصر والشام والعراق. ويعيش ثلثه ثلثين ثلثين ثلثين وثلث سنين، وثلثه اشهر، وثلثه جمع (١٩)،

стр. 3789

وثلثه ايام». فقال الوالد: «يا سيدى، هدا عن صفه ملحمه او ما يناسب دلك». فقال الشيخ: «لا اله الاّ الله، كيف لى بقبول الملاحم، (٢) [انما هدا عن رجل مبارك لا اشك فى قوله».] (٣) (٢٤٤) البشاره الرابعه ودلك ما اورده العبد فى الجزء المختص بدكر بنى ايوب المسمى بالدر المطلوب فى اخبار ملوك بنى ايوب، وهو الجزء السادس من هدا التاريخ. وهو ما دكره الملك الكامل ناصر الدين محمد من ولد اسمعيل بن العادل، وهو الملك الصالح مجد الدين اسمعيل المعروف بابى الجيش. وتوفى هدا الملك الكامل المدكور فى سنه عشر الثلثين والسبع مايه (٩). وقد تقدم من دكره ما يغنى عن اعادته هاهنا. ودلك ما كان من حديث السلطان صلاح الدين يوسف بن ايوب، لما امره الملك العادل نور الدين الشهيد-﵀-فى ليله نصف شعبان بان يتوجه مع ولده الملك الصالح اسمعيل الى مغارة الجوع بجبل الصالحيه، وامرهما ان يحييا تلك الليله، ويحفظا ما يستمعانه وقت السحر. وان اسمعيل بن نور الدين نام، ولم يفعل ما امره به أبيه (١٤)، وان يوسف امتثل دلك، فسمع وقت الفجر الاول حس هفيف كهفيف طاير وقايل يقول من تلقايه: «الناصر للصليب كاسر، وللفرنج خاسر، وللقدس طاهر، من كل رجس فاجر؛ الظاهر بالله ظاهر، قاتل كل كافر، وللتتار قاهر، من كلّ فاجر وعاهر؛ الناصر النور الباصر، بالشرق ظافر، يطيها (١٨) بالخف والحافر، بعد ثلاث تواتر».

стр. 3790

فكان «الناصر» الاول السلطان صلاح. وسموا «الظاهر» ولده ليكون صاحب الرمز، فلم يكن إلا حيث شا الله انه الملك الظاهر البندقدارى. (٢٤٥) وسموا «الناصر» داود، والناصر قليج ارسلان بن صاحب حماه، والناصر يوسف بن العزيز. فابا (٤) الله ان يكون الاّ مولانا وسيدنا السلطان الملك الناصر. فان بنى ايوب تحيروا فى الرمز «بعد ثلاث ثواثر (٥)» ما هى. فلما ملك السلطان ثلاث مرار متواثره، علم انه صاحب دلك الرمز، [والله اعلم] (٦). وفيها يوم الاثنين [ثامن عشر جمادى الأولى] (٧) توجه السلطان الشهيد الملك المنصور من دمشق عايدا للديار المصريه. فنزل على منزلة تل العجول، وخيّم عليها اشهر (٩). ودخل الى القاهره يوم الثلثا تاسع عشرين شعبان المكرم. وفيها [فى رابع عشر ربيع الآخر] (١٠) توفى الامير علا الدين ايدكين البندقدار ﵀. ذكر [حوادث] سنة خمس وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (١٣). . . مبلغ الزياده سبع عشره دراعا واربعه اصابع.

стр. 3791

ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بأمر الله ابى (٢) العباس امير المومنين. والسلطان الشهيد الملك المنصور، سلطان الاسلام، مقيما (٣) بالديار المصريه. وفيها توجه الامير حسام الدين طرنطاى، نايب السلطنه المعظمه بالديار المصريه، وصحبته اكثر الجيوش المنصوره من العساكر المصريه، الى نحو الكرك المحروس. وما برح هو و [بدر الدين] (٦_) الصوابى يراسلوا صاحب الكرك (٦) [الملك المسعود نجم الدين خضر] (٧) ابن الملك الظاهر، وتوعدوه (٧_)، ويفسدوا من عنده الى ان تسلم الكرك منه، ودلك فى اوايل شهر صفر. ثم توجه من الكرك الى نحو الديار المصريه، وصحبه (٩) نجم الدين خضر، وجميع عيال السلطان الملك الظاهر ﵀، ودريته (١٠) واتباعه، كما فعل الملك الظاهر بالملك المغيث وعثرته وساير (٢٤٦) أهله. ورتب فيها الامير حسام الدين طرنطاى جميع ما ازال بها ضروراتها، وانزل منها اكثر اهلها، واستخدم من القلاع ثلثمايه رجل، واستقر بهم فيها. وكان وصوله الى الديار المصريه بمن معه العشر الاخير من صفر. وخرج السلطان الى لقايهم، وانزلهم بالقلعه عنده، ورتب لهم راتبا كثيرا. وعادوا يركبون وينزلون مع الملك الصالح والملك الاشرف، اولاد السلطان. نكته جرت فى هده السنه. ودلك لما كان سابع عشر شهر صفر من هده السنه، ورد كتاب الى دمشق من الامير بدر الدين بكتوت العلايى الى الامير

стр. 3792

حسام الدين لاجين ملك الامرا بدمشق-وكان العلايى مجرد (١) على حمص، وصحبته من عسكر دمشق الفى (٢) فارس-يتضمن ما هدا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. يقبل الارض وينهى انه، لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع عشر صفر سنه خمس وثمانين وستمايه وقت العصر، حصل بالغسولة الى جهه عيون القصب غمامه سودا شديده السواد، وارعدت رعدا كثيرا زايدا. ثم ظهر من تلك الغمامه السوداء شبه دخان اسود متصل بعنان السماء الى الارض (٦)، ثم تصور من دلك صوره حيّه أصله فى مقدار العمد (٧) الكبير الدى لا تحظنه الجماعه من الناس، وهى متصله بعنان السماء تلعب بدنبها (٨)، فيتصل بالارض. تحمل الحجاره الكبار المقادير، وترفعها فى الهوى (٩) كرمية السهم النشاب وازيد. وعند وقع الحجاره يلاطم بعضها ببعض، يسمع لها صوتا (١٠) هايلا من المكان البعيد. ولم يزل دلك مستمرا حتى اتصلت بطرف العسكر المنصور. وما صادفت شئ (١١) إلاّ رفعته فى الهوى (١٢)، وحدفته (٢٤٧) فى الجوء كرميه النشاب. واخدت شئ كثير من العدد مثل الجواشن، والسيوف، والتراكيش، والشاشات بكلاوتها، والاصطال (١٤) النحاس وغير دلك. وعاد جميع دلك طايرا فى الهوى كالعصافير الطايره. ومن جمله دلك انه [كان] (١٥) فى اصطبل المملوك خرج أديم ملا تطابيق نعال ومسامير بيطاريه حملته وحدفته كرميه النشاب. ومن جمله ما رفعت عده من الجمال قدر رمح واكثر، وحملت جماعه من الجند والغلمان. وتلف شئ كثير من العدد طحن طحنا.

стр. 3793

وضاع شى كثير للناس من سلاحهم وعددهم لمقدار مايتى نفر من الجيش. ثم غابت تلك الحيه فى الجو، وتوجهت نحو البريه بناحيه المشرق. ثم ان المملوك ركب وشاهد جميع دلك بعينه. ووقع بعد دلك مطر يسير. فلما كان دلك طالع به المملوك». وفيها توفى الشيخ شهاب الدين التلّعفرى الشاعر المشهور ﵀. فمن جمله شعره القصيده التى اولها يقول <من الخفيف>: أىّ دمع على الخدود أساله ... إذ أتته مع النسيم رساله مرّ فيه (٨) ... والزهر أزهر زاه ساحبا فوق النسيم أذياله منها: أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العسّاله وليال قضيتها كلآل (١١) ... بغزال تغار منه الغزاله ما كسانى ثوب السقام رقيق الن ... سج الاّ جفونه الغزّاله من بنى الترك كلّما جذب القو ... س رأينا (١٣) فى وجهه بدر هاله يقع (١٤) ... الوهم فما تدرى حين يرمى يداه امن عينه النبّاله وهى طويله، وهدا احسنها فدكرته، واختصرت باقيها.

стр. 3794

(٢٤٨) ذكر [حوادث] سنه ست وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٢). . . مبلغ الزياده ثمان عشر دراعا فقط. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٤) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور، سلطان الاسلام. وفى اوايل هده السنه سير المناجنيق وآلات الحصار من دمشق الى صهيون. ثم خرج الامير حسام الدين طرنطاى بالعساكر المصريه، فوصل الى دمشق، ونزل بالقصر الابلق. ثم خرج وصحبته الامير حسام الدين لاجين ملك الامرا بعساكر الشام. فنزلوا على صهيون، وفيها يوميد الامير شمس الدين سنقر الاشقر. ولم تزل الرسل تتردد بينهم حتى حصل الاتفاق والتراضى. ونزل الامير شمس الدين سنقر الاشقر عن جميع ما كان فى يده من القلاع والحصون، وتسلمها الامير حسام الدين طرنطاى؛ وهى صهيون، مصيات (١٢)، الخوابى، شيزر. وحلفوا له انهم لا يدونه، وقرروا له اقطاع ثلاث امراء وزادوها خاصّا كبيرا. ثم رتب بهده الحصون نواب (١٣) ونقبا ورجال (١٤) واسبهسلاريه ومعتمدين، ورجعوا الى دمشق والامير شمس الدين صحبتهم. وكان دخولهم الى دمشق يوم الاحد سادس وعشرين ربيع الاول، ونزل الامير حسام الدين والامير شمس الدين، القصر الابلق. وثانى يوم طلب الامير حسام الدين طرنطاى اكابر دمشق، ورسم عليهم، وطالبهم باموال غيط (١٨) عليهم كونهم لم يكونوا خرجوا اليه ولا قدموا له شئ. ثم اخد خطوطهم ان متى خرج السلطان الى غزاة ساعدوه من اموالهم.

стр. 3795

(٢٤٩) ثم توجه الى الديار المصريه، وصحبته الامير شمس الدين سنقر الاشقر. فدخلا القاهره يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر. وخرج السلطان بنفسه الى لقايهما، واجتمع بالامير شمس الدين، وعانقه، وكارسه (٣)، واقبل عليه، وكان يوما مشهودا. ثم اخلع عليه، وانعم عليه انعام (٤) كثير. وفيها خرج السلطان فى شهر شعبان متوجها الى الشام فوصل غزه. واقام مده، ثم عاد الى مصر بالعساكر المصريه. ذكر [حوادث] سنة سبع وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٨). . . مبلغ الزياده ثمان عشر دراعا، وثلث (٩) اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (١١) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور، سلطان الاسلام بمصر والشام الى حدود الفراه (١٢). وما ورا دلك فى مملكه التتار، والملك عليهم يوميد من الطايفه المجاوره للاسلام ارغون بن ابغا ابن (١٣) هلاوون. وباقى الملوك حسبما دكرناه قبل. وفى هده السنه سير السلطان الملك المنصور احضر الدماشقه، وسلمهم للامير علم الدين سنجر الشجاعى الوزير-وهو اول المكلوتين من الوزراء بمصر- فاستخرج منهم جمله مال. ثم ان الشاميين والمصريين اتفقوا على الشجاعى بمباطنه

стр. 3796

بعض الامرا الكبار، واقاموا من بينهم شخص (١) يعرف بابن الجوجرى كاتبا. فرافع الشجاعى، فمسكه السلطان، وعصره بين يديه. واخد منه فى يوم واحد سبعه وعشرين الف دينار، ثم انه كمل خمسين الف دينار. ثم ولى الوزاره الامير بدر الدين بيدرا، وهو ثانى (٢٥٠) المكلوتين من الوزرا بمصر. وفيها فى شهر رجب تجهز السلطان الملك المنصور بالعساكر طالبا للشام، ونزل مسجد التبن. وفوض امر الديار المصريه لولده الملك الصالح. فمرض الملك الصالح، وتعوّق السلطان بسببه. فاقام الى ليله الجمعه رابع شهر شعبان المكرّم، فتوفى الملك الصالح الى رحمة الله تعالى. وحصل على السلطان من الحزن ما لا يحدّ بقياس. ودفن فى تربه والدته المجاوره للسيده نفيسه رضى الله عنها. فلما كان يوم الاثنين حادى عشر شوال من هده السنه، سلطن السلطان الملك المنصور ولده السلطان الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين خليل عوضا عن السلطان الشهيد الملك الصالح ﵀. وركب من قلعه الجبل المحروسه، وزينت له القاهره، وشقها من باب النصر الى باب زويله، وطلع القلعه راكبا فى دست المملكه. وكان يوما مشهودا، دقت البشاير ثلثه ايام، واخلع وانعم انعاما كثيرا. ذكر [حوادث] سنة ثمان وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (١٦). . .: مبلغ الزياده سبع عشر دراعا وعشره اصابع.

стр. 3797

ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٢) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور، سلطان الاسلام. وتوجه طالبا للشام، فدخل دمشق يوم الاثنين ثالث عشر شهر صفر من هده السنه. فاقام الى العشرين منه، ووجه قدّامه المناجنيق وآلات الحصار الى نحو طرابلس. ذكر فتح طرابلس الشام (٢٥١) خرج السلطان الملك المنصور ﵀ من دمشق العشرين من شهر صفر، فنزل على طرابلس، ورتب المناجنيق والحجارين برسم النقوب. حكى لى والدى (٩) ﵀-ان كان عده المناجنيق على طرابلس تسع عشر، منها افرنجيه ست (١٠)، وقرابغا ثلثه عشر. وكان عده الحجارين والزرّاقين الف وخمس مايه نفر. وكان مده الحصار لها اربعه وثلثين يوم (١١). ويسّر الله فتحها يوم الثلثا رابع عشر (١٢) ربيع الاخر سنه ثمان وثمانين وستمايه فى سابع ساعه من دلك اليوم المبارك. ووصلت البشاير بدلك الى ساير الحصون والقلاع بالممالك الاسلاميه. واستشهد عليها من امرا المسلمين نفرين (١٤)، وهما عز الدين معن، ومنكورس الفارقانى، [وبكجا العلايى-ختم الله بالسعاده] (١٥). ومن اجناد الحلقه المنصوره خمسه وخمسين نفر (١٦).

стр. 3798

وقال ﵀ (١): لما رسم السلطان بهدمها، طلعت فرأيت بنايها بناء عجيب، عرض السور مقدار مشى ثلاث (٢) خيّاله جميع. قال: وكانت اشبه المدن باسكندريه. ذكر اطرابلس ونبد (٣) من اخبارها لما دكرنا فتحها اتبعناه بطرف من اخبارها-حسبما اشترطناه ووضعناه فى جميع الحصون التى قبلها من فتوحات الاسلام فى الدوله التركيه. وجدت فى مسوداتى ان هده اطرابلس من المدن القديمه من قبل الاسلام، وكانت فى قديم الزمان ثلث مدن مجتمعه. فلما ولى معويه (٨) ابن ابى سفيان-رضى الله عنه-فى خلافه الامام عثمان -رضى الله عنه-وجه سفيان ابن (٩) مجيب الازدى الى طرابلس هده، وهى ثلث مدن، فبنا برج (١٠) على اميال منها، وسماه حصن سفيان. (٢٥٢) وقطع عن اهل اطرابلس الماده، وقوّى عليهم الحصار. فلما اشتدّ بهم الامر، كتبوا الى ملك الروم يسالوه (١١) ان يمدهم او ينفد مراكب يهربون فيها؛ فقد فنى صبرهم، وعدم جلدهم. فوجه اليهم مراكب، فركبوا فيها ليلا وهربوا. فلما اصبح سفيان، عاودهم القتال، فلم يجد بها احد (١٤)، فملكها وكتب بالفتح الى معويه (١٥). فاسكنها معويه بعد دلك لجماعه من اليهود. وكان ينفد اليهم فى كل سنه جيش (١٦) اليها يحفضونها الى ان يغلق البحر المالح فيعودون، ويسير فى قابل غيرهم.

стр. 3799

فتقدم اليه بطريق من الروم، وساله الاقامه بها، وانه يدى (١) الخراج ويحفضها، فاجابه الى دلك. فلم يلبث الملعون على دلك الا سنين يسيره، ثم انه اغلق بابها، وقتل واليها الدى بها من قبل المسلمين وجماعه اليهود، واسر جماعه من المسلمين، وهرب الى الروم. فلحقوه (٤) المسلمون وقتلوه وخلصوا الاسرا منه. وحكى المداينى ﵀ قال: فتح طرابلس سفيان بن مجيب (٥) يوم نقض [اهلها] العهد ايام عبد الملك بن مروان. ولم تزل فى ايدى المسلمين الى ان ملكها جلال الملك [على بن محمّد بن عمّار] (٧) المقدم دكره. وما زال حاكما فيها حتى خرج الفرنج فى سنه تسعين واربع مايه، وفتحوا انطاكيه فى مستهل رجب سنه احدى وتسعين واربع مايه، فنزل عليها الملك صنجيل-لعنه الله-، واسمه ميمنت (٩). قال القاضى عز الدين بن عساكر ﵀ فى تاريخه ان نسبه صنجيل الى صنجله (١٠)، وهى مدينه بالمغرب. فنزل بجموعه على اطرابلس فى رجب سنه خمس وتسعين واربع مايه، وعمّر قبالها حصنا، وضايقها مده طويله. فلما طال مقامه، خرج صاحبها يستغيث بالمسلمين، بسلطان بغداد يوميد (٢٥٣) ابن بويه. وترك ابن عمه ابو (١٤) المناقب، ورتب معه رجلا يعرف بسعد الدوله بن الاغر. فاتفق انه جلس يوما فى مجلسه، وعنده جماعه من كبار الدوله واهل البلد، فشرع يتحدث (١٦) ويخلط فى حديثه، فنهاه سعد الدوله، فلم يقبل منه، فحذفه بالسيف فقتله.

стр. 3800

فقام اهل البلد عليه ومسكوه، ونادوا بشعار الافضل امير الجيوش بمصر. وحموا البلد الى ان مات صنجيل وهو فى حصار طرابلس. ولم تزل الفرنج عليها حتى تسلموها بعد حصار سبع سنين جدّ. واخدوها (٣) الفرنج يوم الثلثا ثالث دى الحجه سنه اثنتين وخمس مايه. وتولاها مقدم منهم يعرف بالسرتانى (٥). فملكها مده، حتى قدم مركب من بلاد المغرب، وفيه صبى من اولاد صنجيل اسمه تبران (٦)، ومعه جماعه شيوخ من اصحاب ابيه يخدمونه. فحضروا عند (٧) السرتانى وقالوا له: «هدا ولد الملك صنجيل، وهو يريد مدينه والده». فقام السرتانى، ورفسه برجله، رماه من على السرير، واخرجه. فاخدوه (٩) اصحاب صنجيل، وطافوا به على الفرسان من الفرنج. فرحموه، وتدكروا الأيمان الدى (١٠) لابيه، وقالوا: «ادا كان غد، احضروه، ونحن جلوس عند السرتانى». فلما حضروا وخاطبوه فيه، قام الفرسان كلهم على السرتانى، واخرجوه من مملكته، وسلموها للصبى ابن صنجيل. فاقام مالكها الى ان قتله مرواج (١٣) فى يوم الاحد رابع رجب سنه احدى وثلثين وخمس مايه، وقتل اكثر اصحابه. واستخلف فى طرابلس ولده القمص. فلم يزل مالكها الى ان كسر نور الدين الشهيد الفرنج على حارم، وقتل منهم مقتله عظيمه، وقتل القمص فى الجمله، ودلك فى سنه تسع وخمسين وخمس مايه. فيكون ما (٢٥٤) بين ملكها الفرنج وعودها للمسلمين مايه سنه واربع وعشرون (١٧) سنه، واربعه اشهر،

стр. 3801

واحد عشر يوم (١). ومن الاتفاق: اخدها الفرنج من المسلمين يوم الثلثا، واستعادها المسلمون من الفرنج يوم الثلثا. وامرها يوم داك لخليفه مصر، وفاتحها الآن ملك مصر. فلله الحمد. ومن نظم محمد بن الحسن بن سبّاع العزارى [الصايغ] (٤) فى فتح طرابلس يقول <من الكامل>: طلبت (٦) ... طرابلس الشآم ببحرها منك الخلاص فأبدت الناموسا فجعلت خندقها كطود شامخ ... وشققته فتلوت معجز موسى وصدمته بحرا ببحر معلن ... بمحمد، فقهرت ملّة عيسى مهلا سليمان الزمان فإنها ... كانت (٩) كما [قد] قيل عن بلقيسا فعلى لسان المنجنيق وعدتها ... هدما فاصبح عرشها منكوسا وفيها سافر شمس الدين بن السلعوس من دمشق الى مصر لخدمه السلطان الملك الاشرف. وكان دخوله القاهره فى اواخر المحرم من هده السنه. ذكر شى من نسخ البشاير إنشاء الساده الموالى، فضلاء العصر، الدى (١٤) جلت بلاغتهم عن الاحصاء والحصر. فمن دلك ما انشاه المولى تاج الدين بن الاثير رحمه الله تعالى، وكتبه بخطه للملك المظفر صاحب اليمن ما هدا نسخته:

стр. 3802

«بسم الله الرحمن الرحيم. أعز الله نصر المقام العالى المولوى السلطانى الملكى المظفرى الشمسى، ولا زالت أولياه (٢) فى نصرة الإسلام، مشمرة الذيل، ملحقة الخيل بالخيل، مقبلة على الجهاد إقبال السيل، مايلة إلى جهة النصر كلّ الميل، عاقدة سنابك جيادها سماء نجومها الأسنة وعجاجها الليل، تنشد للإسلام صواكم الشوارد، (٢٥٥) وتخلى من أعدايه المعاقل، وتحلّ منهم المعاقد، وتجلوا (٥) عليهم مواقف الحروب مستعرة المواقد، وتبعث إليهم من الرعب خيلا فى المراقب وخيالا فى المراقد، إلى أن يبلغ أقاصى المراد، ويملك نواصى العباد، ويفترع صياصى البلاد، ويطيع (٨) من فى الأرض عواصى التلاع والوهاد. التهانى من عاداتها ان تستدعى سرور القلوب، وتستخرج من الحمد خبايا الألسنة إذا استخرج سواها خبايا الجيوب. وتسرى فى النفوس سرىّ الأرواح فى الأجسام، ويقبل على الأملاك (١١) إقبال الأنوار على الأظلام. لا سيّما تهنية دلّت على إدالة الحقّ على الباطل، وأعادت الحلى إلى العاطل، وتقاضت الديون المنسية، وأذكرت الإسلام وقايعه الأمسية. واستأدت (١٣) من فى خدّه صعر، أو فى أنفه شمم، أو فى لحظه حور، أو فى لوثه لمم. فإذا كانت بهذا الوصف كانت فى المدح أبرع، وإلى القلوب (١٦) أسرع، ولمرعى القلوب أمرع، ترتاح إليها الأسماع والأبصار، وتودّ كل جارحة لو كانت فيها من المهاجرين والأنصار. ومن حقّها أن ترتفع (١٧) لها الحجب، وترفل بها المحامل أرقاب النجب (١٨). وتستدعى المزيد من لطف الله بدينه الذى ارتضاه، وتحمده على الإعانة (١٨_) بسيفه الذى جرده لنصره وانتضاه.

стр. 3803

وهذه الخدمة تقصّ من إنباء البشرى كلّما يسرى ويسرّ، ويمرى أخلاف النصر ويمرّ (٢). ويظهر منه عناية الله بهذه الأمة التى خصّها منّه [بالمقة]، وخص عدوها بالمقت، وأنّ حقوقها لا تضاع وإن اغتصبت فى وقت. وهو الهناء بما تسنّى من فتح طرابلس الشام وانتقالها بعد الكفر إلى الإسلام. وهذا فتح طال عهد (٢٥٦) الإسلام بمثله، وقدح زناد (٥) فى عضد الشرك وأهله. ولم نجد أمره فى خلد ولا فكر، ولا ترقّت اليه همة عوان ولا بكر، طريدة دهر ساقتها (٦) العزايم، ما نشدتها الأمانى إلاّ عادت عنها وقد جردت (٧) ذيول الهزايم، مرت عليها الأيام والليالى، وعجزت عنها الملوك فى العصور (٨) الخوالى، لم تزل تتحاماها وإذا أحضرتها الظنون فى بال تخشى أن تمرّ بحماها (٩). وكنا لما أفضا (١٠) الله تعالى [الينا] بالملك وأنقذ بنا من هلك، عاهدناه على أن نغزوا (١١) أعداءه برا وبحرا، ونوسع من كفر به قتلا وأسرا، ونجعل شعاير الجهاد منصوبة، ونسترجع حقوقا للإسلام مغصوبة (١٢)، ونجليهم عن البلاد، كما أمر رسول الله ﷺ -بإجلاء طوايف المشركين عن جزيرة العرب. فلما (١٣) أمكننا الله تعالى منهم بالفرصة (١٤)، وأخذناهم بالعزيمة فى أمرهم دون الرخصه، بمثل السيل إذا طما، والسحاب إذا هما، والبحر وأمواجه، والبر وفجاجه، والليل وهجومه،

стр. 3804

والضباب وغيومه. فزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم. وأذقناهم بأسنا مرّة ومرّة، وعرفناهم أن ما كلّ بيضاء شحمة، ولا كلّ سوداء فحمة، ولا كلّ حمرة ثمرة (٢)، ولا كلّ حمراء خمرة. وبرزنا إليهم لشقايهم وسباقهم (٣)، وسددنا عليهم أنفاق نفاقهم. وقصدناهم فى وقت جمعت (٤) فيه أشتات الشتاء، ولبّت الأندية نداء الانداء، فى طرق خفيّة المدارج، أبيّة المخارج، ملتبسة المسالك، ممتنعة على السالك، صيفها شتاء، وصباحها مساء، شايبة المفارق بالثلوج، مزرّرة (٦) الجيوب على أكمام الغيوم [التى ما لملابسها] (٧) من فروج. ولم تزل (٨) أقران الزحف فى غدران (٢٥٧) الزعف، نرميهم بالقوارص، ونأتيهم من البأس (٩) بما ترعد من هوله الفرايص. ونقلب لهم ظهر المجنّ، ونطرق أقبيتهم من الحرب بكلّ فنّ. ونقرب الأسواء من الأسوار، ونمزج لهم الأدواء فى الأدوار. ونبعث إليهم السهام برسل المنايا، ونحذّرهم أن يغتروا بما يسمعونه من حنوّ (١٢) الحنايا. ونجمع لهم من جفوة الجفاتى وزيارات الزيارات. ونريهم من قساوة القسىّ ما شغلهم (١٣) عن مدارات نوب النوب المدارات. ونسلك بهم من المضايقة كلّ مسلك، ونجلو عليهم صور المنازلة، فنخرجهم من مطلب إلى مهلك (١٤) إلى أن وهى سلكها، ودنا هلكها، وسفل منها ما علا، ورخص بها ما غلا. وفتحناها وأبحناها، وخليناها وقد أخليناها مقفرة المغانى، خالية الألفاظ من المعانى، ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ (١٧)، موحشة من أنيسها، آنسة بوحوشها.

стр. 3805

وقد أمست ك ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١)، وأصبحت ﴿حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٢). وأمّا ما (٣) بقى من العدو بالساحل، فقد تركناهم مسلوبين المزايا، مشغولين بالزّزايا، أذلهم عدم النصير، وأصارهم الخوف حتى (٤) نصير. وتبدلوا بليل الهم الطويل عن يوم اللهو القصير. وهذه المدينة لها ذكر فى البلاد، ومنعة كانت قد ضربت دون القصد بالاسداد. فتحت فى صدر الإسلام، فى زمن الصحابة الكرام، فى ولاية [معوية] (٧) ابن أبى سفيان. وتنقلت فى أيدى الملوك من ذلك الزمان. وعظمت فى زمن بنى عمّار، حتى اشتهت ولو بتطليق الأعمار، وبنو (٩) بها دار العلم المشهورة. فلما كان فى آخر الماية الخامسة المذكورة، (٢٥٨) ظهرت طوايف الفرنج بالشأم، واستولوا على البلاد، وعادوا بها حكام (١١). ولم تزل هذه المدينة بأيديهم إلى الآن. وكانت الخلفاء والملوك فى ذلك الوقت كلّ منهم فى شأن، ما منهم إلا من هو مشغول بنفسه، مرابط على (١٤) مجلس أنسه، يصطبح فى لهوه ويعتبق، ويجرى فى مضمار لعبه ويستبق. يرى السلامة غنيمة، وإذا عنّ له وصف الحرب يوما لم يسأل منها إلاّ على طرق الهزيمة. قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع من ملكه كما يقال: بالسكة والخطبة. أموال تنهب، وممالك تذهب، ونفوس قد تجاوزت الحد فى إسرافها. وبلاد يأتيها (١٦) الأعداء، فتنقصها من أطرافها، لا يبالون بما سلبوا. وهم كما قيل فيهم وفى أمثالهم:

стр. 3806

إن قاتلوا قتلوا، أو طاردوا طردوا ... أو حاربوا حربوا، أو غالبوا غلبوا إلى أن أوجد الله من ادّخره (٢) لنصرة دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها، وردّ ضالّة العزّ للإسلام بعد فوتها. ونرجوا (٣) من الله ولطفه أن نفترع ممالكهم ذروة ذروة، ونأتى إلى عقد قراهم (٤) فنحلّها عقدة عقدة، ونخلى ديارهم من ناسهم، ونطهر الأرض من أدناسهم وأرجاسهم، ونجدد للأمة قوة سلطانها، ونعيد كلمة الإيمان إلى أوطانها، إلى أن نلقى الله بيض الوجوه، ونجد فى مجازاته ما نرجوه. والله تعالى يثبت (٨) فى صحايف المولى أجر السرور بهذه المتجددات التى يعظم بها أجر الحامد الشاكر. ويجعل له أوفا (٩) نصيب من ثواب الغزوات التى أنجد فيها بهمته العالية، والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر، إنشاء الله تعالى». (٢٥٩) ومن انشا المولى فتح الدين ابن (١١) عبد الظاهر-﵀-لصاحب اليمن أيضا فى بشاره كسر التتار على حمص. أخّرناها حتى اثبثناها هاهنا (١٢) لتكون هده البشاير تتلو بعضها بعضا فى مكان واحد بحول الله وقوته. «بسم الله الرحمن الرحيم. أعزّ الله أنصار المقام العالى المولوى الملكى المظفرى الشمسى، وأعلا (١٥) مناره، وضاعف اقتداره. إعلامه أنه لمّا كان بتاريخ الرابع عشر من شهر رجب الفرد سنة ثمانين وستماية، فتح الله بنصر المسلمين على أعداء الدين <من الكامل>: من كلّ (١٨) ... من لولا تسعّر بأسه لاخضرّ جود فى يديه الأسمرى.

стр. 3807

فصدرت هذه التهنية رواية الصدق الأبرّ، عن اليوم المحجّل الأغرّ <من الكامل>: يوم غدا بالنقع فيه يهتدى (٣) ... من ضلّ فيه بأنجم الخرصانى. ففى عرنين الدهر من نقعه شمم، وفى أذن البدر من وقعه صمم. ترفعه راوية الأسل عن الأسنّة، وتسنده مجرا (٥) العوالى عن مجرا الأعنّة. وأما النّص (٦) الذى شهد الضرب بصحّته، والطعن بتصحيحه أنّ التتار-خذلهم الله تعالى-استطالوا على الآنام حتى خاضوا بلاد الشأم، واستجاشوا بقتالهم على الإسلام <من الطويل>: سعى (٩) ... الطمع المردى لهم بحتوفهم ومن يمتثل أمر المطامع يعطبوا. فعتاضوا (١٠) عن الصحّة بالمرض، وعن الجوهر بالعرض، وقد أرخت الغفلة فى زمامهم (١١)، حتى عثروا بخطامهم، وعاد كيدهم فى نحرهم، وذاقوا من العاجلة وبال أمرهم ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ (١٢)﴾ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (١٣). <من البسيط>: راموا أمورا فمذ لاحت عواقبها ... بضدّ ما أملوا بالورد والصدر (٢٦٠) ضلّوا حيارا (١٥) ... وكأس الموت دايرة عليهم بزعاف الرعب والحذرى وأضعف الرعب أيديهم فطعنهم ... بالسمهرىّ كمثل الوغز (١٦) بالإبرى

стр. 3808

لا جرم أنهم لأسنّة الندم قارعون، وعلى مقابلة إحساننا بالإساءة نادمون. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢). <من البسيط>: تدرّعوا ثوب نعى ساء ملبسه ... والمرء (٣) [يحصد] من دنياه ما زرعا. اقتعدت بهم طلايع الضلال، فأقلعت بهم مراكب أمانيهم فى بحار الآمال. تلك آمال خايبة، ومراكب الضنون (٥) عاطبة. من كلّ مرعى عزمه وهمومه روض الأمانى لم يزل مهزولا. هذا وقد استعدّوا للبر بمواكبه، وللبحر بمراكبه. وساروا وللشيطان فيهم وساوس تغرّهم منه الضنون (٧) الحوادس. وقد جعلوا حرمتهم على كلّ مرقب، فما وسوس الشيطان كفرا إلاّ وأحرقه الإيمان بكوكب. ومع ذلك، وعساكر المسلمين فى مواطنها رابظة (٩) آسادها فى غيل آجامها، كامنة عقبانها فى وكور آكامها. وما تزلزل لمؤمن قدم إلاّ وقدم إيمانه راسخة، ولا أثبت أحدا (١٠) لأحد حجّة إلاّ وكانت الجمعة له (١١) ناسخة. ولا عقد برجمه ناقوس إلاّ وأحلّه الأذان، ولا نطق لهم كتاب إلاّ أخرسه القرآن. ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفّار (١٣) على ألسنة جواسيسهم الفجار، واخبار الكفّار تنتقل إلى المسلمين على ألسنة الناصحين من المؤمنين، إلى أن تراءت العين بالعين، وأضرمت نار الحرب بين الفريقين، وصاح بالقوم غراب البين. فلم ترا (١٦) إلاّ ضرب يجعل البرق نضوا، ويترك فى كلّ بطن من المشركين شلوا، إلى أن صارت المفاوز دلاصا، ومراتع الضباء (١٧) للضبا عراصا. واقتنصت آساد

стр. 3809

(٢٦١) المسلمين لخنازير المشركين اقتناصا، ولم يجدوا لهم من أيديهم خلاص (١)، ولا ذوا فلم يكن لهم من القتل مناص (٢). وازدحمت الكتايب فى ذلك الفضاء، فجعلته مضيقا. وعاد الفارس بالدماء غريقا، وحال تلوّن (٤) حصباء الأرض عقيقا، وضرب النقع فى السماء طريقا. وعاد الوجود من القتلا (٥) ملا، وضاقت الأرض حتى ضلّ هاربها وكلّ شئ رآه ظنّه رجلا. وقتل من المغل كل جبّار عنيد، وذلك بما قدّمت يداه ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٦). ولم ينجو (٧) منهم سوى نفر يسير. ولكن كيف، من منسر الرمح الى جناح السيف. وعادت خيولهم خالية من ركابها، تجمز عن جيفهم جمزا، ف ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ (٩_)﴾ رِكْزاً (٩). وحمايم الحمام فوق رؤسهم حايمة، ومصابتهم لشدّة المصاب قايمة. قد ضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وضاقت بهاربهم الأمكنة. واختطفوا من كلّ مكان، وبدلوا بعد العزّ بأشرّ الهوان. وسنأخذ إنشاء الله تعالى بالسيف معاقلهم، ونؤاخذ عاقلهم بجاهلهم وجاهلهم بعاقلهم. ونترك ديارهم كالرمس، خاوية ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (١٣). <من الكامل>: ونبيد قوم (١٤) ... بعد قوم منهم ويعضّ كلّ مصمصم فى الهام وتقمن ربّات الخدود حواسرا ... يمسحن عرض ذوايب الأيّام فليأخذ حظّه من هذه البشرى، لا زال السرور يسرى به كلّ مسرا (١٦)». ومن نظم المولى شهاب الدين محمود كاتب الانشا، يمدح السلطان الملك المنصور عند فتحه طرابلس، فقال <من الطويل>:

стр. 3810

علينا لمن أولاك نعمته الشكر ... لأنّك للإسلام ياسيفه ذخر ومنّا لك الإخلاص فى صالح الدعا ... إلى من له فى أمر نصرتك الأمر (٢) (٢٦٢) فلله فى اعلام (٣) ... ملكك فى الورى مراد وفى التأييد يوم الوغا سرّ ألا هكذا يا وارث الملك فليكن ... جهاد العدى قهرا (٤) ما بقى الدهر ومثل الذى أعطاك ربّك فابتهل ... إليه يكون الفتح إن قست والنصر فإن تك [قد] (٦) ... فاتتك بدر فهذه بما أنزل الرحمن من نصرة بدر نهظت (٧) ... إلى عليا طرابلس التى أقلّ عناها أنّ خندقها البحر وقد ضمّها كالطوق إلاّ بقيّة ... كنحر وأنت السيف لاح له نحر ممنّعة بكر وهل (٩) ... فى جميع ما تملّكته إلاّ ممنّعة بكر وكم من حصون قد فتحت شواهق ... مصابيحها فى الأفق أنجمه زهر ومن دون سوريها عقاب منيعة ... تزلّ إذا ما رام أوطاءها الذرّ وما برحت ثغرا ولكن على العدا (١٢) ... عليها بحكم الدهر فانثغر الثغر وكانت بدار العلم تعرف قبلها ... فمن أجل ذا للسيف فى نظمها نثر ولما غدت لا فخر مثل افتتاحها ... أبى (١٤) الله إلاّ أن يكون له الفخر ولا أجر عند الله مثل فكاكها ... فبشراك يا من خصّه ذلك الأجر وكم مؤمن دهرا وما مسّها أذى ... وكم راح من عصر وما راعها حصر

стр. 3811

وكم ليث غاب رامها فى جيوشه ... وراح ولم يبرد له بالمنا (١) صدر ففاجيتها (٢) ... بالجيش كالمرج فانثنت تميد وقد أربى على بحرها البرّ فظلّت لدى بحرين أنكاهما (٣) ... لها وأقتله العذب الذى جرّه النصر وأقسم ما فاجأتها (٤) ... بل تقدّمت إليها سرايا جيشك، الرعب والذعر وأنذرها ما كان من فتح غيرها ... وحذّرها لو كان ينفعها الحذر وما كتمتها (٦) ... ركض جيشك أرضها ولا سكتت إلاّ وفى نفسها أمر بلى إن تكن لم تسمع (٧) ... الركض كونها مسالكها صمّ، فذاك لها عذر (٢٦٣) كأنّ المجانيق التى أوترت ضحى ... عليها لها فى شمّ أبراجها وتر تحلّق فى وجه (٩) ... السماء وترتمى اليهم كما ينقضّ من حالق نسر أصابعها (١٠) ... تومى اليهم فيسجدوا فيقبل منها دون سكّانها الجدر وتمطرهم من كلّ قطر حجارة ... لقد خاب قوم جادهم ذلك القطر مسلّطة ورهاء تقتل (١٢) ... فى العدى وليس على أحجارها [منهم] حجر وليست بخنساء (١٣) ... العزائين إن بدت لناظرها يوما وفى قلبها صخر لها شرر كالقصر ترمى عليهم ... ولا برج يستعلى عليه ولا قصر تخلّق وجه السور منهم كأنّما ... غدت وعليها فى الذى فعلت نذر

стр. 3812

ومن تحتها تلك الثغور (١) ... كأنّما إذا ما تمشّت فى ضمير النوى سرّ بروض الثّرى كالرّاح فهى بلطفها ... يلين لها القاسى ويستسلم الوعر إلى أن غدت فوق الفضا وهى تحته ... معلّقة فى الجوّ ليس لها قعر (٣) فزلزلتها بالرّكض فانهدّ ركنها ... ولم يبق من دون المنايا لها ستر وألقت أعاليها المجانيق تحتها ... ففى كلّ قطر من خنادقها جسر فهاجمتها فى أوّل الجيش فاحتوى ... عليها وباقى الجيش خلفك لم يدروا (٦) وأطلقت فيها طاير السيف فاغتذى ... وليس له إلا رؤوسهم وكر كأنّ شعاع الشمس فوق احمراره ... على زرقة فيه لناظره جمر لقيتهم صفر الوجوه فما اتا (٩) ... لها الليل إلا وهى من دمهم حمر ولا ذوا بباب البحر منك فما نجا ... إليه سوى من جرّه من دم (١٠) نهر ولم ينج إلاّ من يخبّر قومه ... ليدروا وإلاّ من تغمّده (١١) الأسر فلله كم بيض وسمر كواعب ... على رغمهم قد حارت البيض والسمر وكم فارس من قيده ودمايه ... مراكبه (١٣) دهم وألوانها شقر (٢٦٤) تميل (١٤) ... كما مال النزيف وإنّما به سكرات الخوف والموت لا السّكر تبلّج (١٥) ... ثغر الدين فيها وأشرقت أسرّته وانجاب عن نوره الكفر

стр. 3813

وولّى ضلال الشرك عنها ووجهه ... عبوس ووافاها (١) الهدى ولها بشر وفى نعتك «المنصور» سرّ لو انّهم ... وعوه، لما قاموا أمامك بل فرّوا وفى هلّكم يوم الثلاثا إشارة ... الى أنّ فى الدارين تثليثهم (٣) خسر أما سمعوا إذ لم يروا كسرك العدى ... بحمص إلى أن ليس يخشى لهم جبر (٤) وكانوا كموج البحر لا حدّ يحتوى ... عليهم ولا يأتى على عدّهم حصر وكان لهم فى الأرض صيت وسمعة ... فلم يبق فى الدنيا لهم بعدها ذكر بلى سمعوا اخبار جيشك قبلها ... فلما التقوه صغّر الخبر الخبر أمدّهم جيرانهم بحماتهم ... ويعجب ذاك المدّ من دأبه الجزر فلم يغن عنهم ذاك شيئا ولو أتوا ... [إليهم] (٩) كموج البحر أفناهم البحر قسمتهم شطرين غير غريقهم ... فللسيف شطر والقيود لها شطر محوت شعار الكفر عنها فما عسى ... يقوم به فى وصف أفعالك الشعر وماذا به يثنى عليك مفوّه ... ولا قدره يأتى بذاك ولا عشر (١٢) ولكن دعاء وابتهال فإنّه ... يقرّ على رغم الأعادى لك النصر وإن تملك الأقطار شرقا ومغربا ... فلا برّ يستعصى عليك ولا بحر ثم ان السلطان ﵀ بعد خراب طرابلس قدم عليه رسل صاحب سيس يطلبون مرضاه الخواطر الشريفه بجميع ما يقدرون عليه، وان صاحبهم داخل فى كل ما يرسم له به. فاقبل عليهم السلطان وقال لهم: «يسلمنا القلاع المجاوره (١٧) لنا،

стр. 3814

وهما مرعش وباهسنا، ونقوم بالقطيعه». واقترح اقتراحات كثيره. فتوجهوا ثم عادوا بعد رحيل السلطان (٢٦٥) من طرابلس ونزوله حمص. واحضروا هديه جليله، واعتدر صاحبهم عن تسليم هتين القلعتين المدكورتين، وانه لا يمكنه دلك بسبب التتار. وبدل عوضهما للسلطان جمل كبيره (٤). فقبل السلطان دلك، والله اعلم. ذكر [حوادث] سنة تسع وثمانين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم (٦). . . مبلغ الزياده خمس عشر دراعا وسبع عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٩) العباس امير المومنين. والسلطان الملك المنصور سلطان الاسلام الى ان توفى الى رحمة الله فى هده السنه حسبما ياتى فى تاريخه. وفيها احضر السلطان الامير شمس الدين سنقر الاعسر من الشأم. والتزم انه يحمل فى كل يوم الى بيت المال عشرين الف درهم. فخلع عليه، وسفره الى الشام. وكتب على يده تداكر شريفه، واضاف اليه شاد الشأم بكماله مع بلاد حلب وساير الحصون، وشاد ديوان الجيوش المنصوره بالممالك الشاميه. وفيها رسم السلطان للامير عز الدين الافرم بالتوجه الى دمشق، وتجهيز المناجنيق والزردخاناه لاجل حصار عكا. وسبب دلك انه وردت عليه الاخبار ان

стр. 3815

الفرنج بعكا قد نكثوا المهادنه، وقتلوا فى عكا جماعه من المسلمين من التجار والفقرا المجردين المسافرين. واصل ذلك ما حكاه والدى ﵀ قال: ورد فقير من المسافرين عكا، ونزل المسجد المجاور لعين البقرة، وهو مكان مبارك، فوجد فيه جماعه فقرا. فلما كان وقت الأذان، ادنوا خفيه ولم يفتحوا للمسجد طاقات. فانكر عليهم دلك (٢٦٦) الفقير، فقالوا: «انها بلد كفر، ونخشى الفرنج». فقال الفقير: «الآن كما طاب الجهاد فى سبيل الله. يا فقرا، اما قرأتم قوله تعالى ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾؟ (٨)». ثم ان الفقير صبر الى ادان الظهر، وفتح طاقات المسجد، وعلى (٨_) علوه، واعلن بالاذان. وكان قد ورد عكا افرنج من داخل البحر غنم، ليس (١٠) من اهلها. فلم سمعوا الادان اجهار (١١)، لعب فيهم الشيطان، ووثبوا من فورهم، فقتلوا دلك الفقير، وطرطشوا دمه فى حيطان المسجد مع ثلاثه فقرا اخر. ثم خرجوا، وعادوا لا يلتقوا مسلم (١٣) فى البلد الا اوقعوا به القتل. فلما بلغ السلطان دلك تجهز واهتم لاخدها بمعونه الله تعالى وخرج فى الثامن عشر من شوال من هده السنه، فنزل فى الدهليز المنصور بمسجد التبن. ذكر وفاته رحمه الله تعالى حكى لى والدى ﵀، قال: ركب السلطان الملك المنصور من قلعه الجبل المحروسه، وهو فى احسن حال واثم (١٨) عافيه. فلم يزل حتى نزل الدهليز المنصور، فاحس بالتوعك من تلك الليله. فاقام فى الدهليز تسعه عشر يوم (١٩)، الى يوم السبت السابع

стр. 3816

من دى القعده توفى الى رحمة الله تعالى. وانتقل من دار الشقا الى دار البقا بجوار الرحمن مع الحور والولدان. وكيف لا يكون كدلك، وقد فعل من المعروف ما ينفق عليه فى كل يوم الاف الالوف: ودلك ما اسسه فى هدا البيمارستان، الدى لم يلحقه فى صنيعه ساير من تقدم من ملوك الازمان خلا نور الدين الشهيد، الدى عاد بما استسنه من الحسنه فى دار البقا سعيد (٥)، لكن بون بين المعروفين وفرق بعيد. وسياتى طرفا من دكر دلك فى موضعه انشا الله تعالى. (٢٦٧) ولما قضى السلطان الشهيد نحبه، والتحق بربه، كان مولانا السلطان الشهيد الملك الاشرف ولده حاضرا. ودخلت (٨) الامرا الكبار، فنظروا السلطان الملك المنصور مسجى (٩)، والانوار عليه لايحه، وروايح الجنان من روايحه فايحه. فلما نظره الملك الاشرف بكى ورمى شاشه. فنهظ (١٠) الامير شمس الدين سنقر الاشقر، واخد الشاش ولبسه وقال له فى السر عند ما لبسه شاشه: «اركب من ساعتك واملك القلعه، فهو مصلحه». فركب السلطان الملك الاشرف على الفور وطلع القلعه. ووقف الامير حسام الدين طرنطاى، ورفع الخزاين. وركب الجيش جميعه وطلع القلعه. وكان مده ملك السلطان الملك المنصور ﵀ احدى عشر سنه وثلثه اشهر ويومين. ذكر بعض شى من محاسنه ﵀ وصفته كان ملكا جليلا جميلا كبيرا اثيرا رحيما حليما رووفا شفوقا لا عسوفا، تام الخلق، حسن الخلق، وافر الكمال، بديع الجمال، حسن الهيبه فى الرجال، تام القامه، عظيم الهامه، مليح الوجه، ظاهر اللون، وافر الهيبه، عظيم الشان،

стр. 3817

كثير الاحسان. كان ادا ركب فرسه لا يشاكله غيره لحسن ركبته وتمام قعدته. وكان كثير الحلم، عظيم الوقار، دو (٢) سطوه وباس على مماليكه، لا يحسن لهم فعل قبيح (٣) قط. وكان قليل سفك الدماء، قليل الغضب، ضحوك السن، كثير الانعام على الامرا الكبار، وعلى المشايخ القدما من المقدمين واعيان الحلقه، يخلع عليهم من على كتفه البغالطيق الخارا بالفرو السرسيناه وغيره، وعلى المماليك كثير الانعام، شفوق (٦) على الرعيه. وكان ادا غضب على احد اعتقله ولا يرى قتله. جمع اولاد البحريه من ساير الاماكن، حتى من باب اللوق ومن حانوت (٢٦٨) الشرايجى ومن مستوقد الحمام، واطلعهم القلعه، وانعم عليهم بلبس القماش والحوايص والسيوف، واجرا (٩) لهم الجوامك، وانعم عليهم بالاخباز فى الحلقه المنصوره، واجلسهم على باب القلعه، وسماهم البحريه باسماء آباهم (١٠). وكان دلك كله بغير رضى الامير حسام الدين طرنطاى، فانه كان يكره اولاد الناس. ولو دكرت جمله محاسنه ﵀ لخرجت عن شرط الاختصار. ﵀ وبرّد ضريحه وجعل الجنه مأواه بمحمد وآله. ذكر سلطنة السلطان الملك الاشرف صلاح الدنيا والدين خليل لما كان الخامس عشر من دى القعده سنه تسع وثمانين وستمايه ركب السلطان الملك الاشرف صلاح الدنيا والدين خليل بن مولانا السلطان الشهيد سيف الدنيا والدين قلاوون الالفى الصالحى كعاده ركوب المملكه من قلعه الجبل المحروسه الى الميدان تحت القلعه، بعد ان اخلع على جميع الامرا والمقدمين والقضاه واعيان الناس من كل طبقه. وجددت الأيمان، وطلع وجلس فى الايوان على تخت الملك.

стр. 3818

(١) [نكته: لما ركب السلطان الملك الاشرف ونزل من القلعه لابس! (١_) الخلعه الخليفتيه السوداء ووقف تحت القلعه، وترجل الجيش بكماله، وقبلوا الارض جمله واحده، فكانت ساعه عظيمه مهوله. وكان شخص فقير يسمى الشيخ على ويعرف بالجمال، فلما عاين تلك العظمه صاح باعلا (٤) صوته «لله، لله، لله»، ووقع ميتا لوقته. فحمل وغسل ودفن، رحمة الله عليه] (٥). فلما كان سادس يوم مسك الامير حسام الدين طرنطاى والامير زين الدين كتبغا. وفى دلك النهار هرب امير على بن قرمان، ونزل بصاحب كان يعتقد عليه، من عرب العايد بالاعمال الشرقيه من عمل بلبيس يقال له غراره. فوثق [أمير على] به، فنهط (١٠) عليه، بعد ما غيب عنه خيله، وقتلوه. قتله شخص من العرب العايد يسمى عشيش بعد ما قتل امير على غراره مع عده من العرب بالنشاب. ثم حملت راسه الى السلطان الملك الاشرف. وامّا ما كان من الامير حسام الدين طرنطاى فانه قتل عاجلا، واوقع الحوطه على بيته وعلى جميع موجوده فى ساير البلاد. واقام ثمانيه ايام فى محبسه ميتا، ثم اخرج من القلعه (٢٦٩) ليله الجمعه سادس وعشرين دى القعده محمول (١٥) على جنويه الى زاويه (١٦) سيدى الشيخ ابى السعادات بن ابى العشاير، والشيخ بها يوميد على رفيق الشيخ عمر (١٧). فغسل، وكفّن، ودفن ظاهر الزاويه. فلما ملك الامير زين الدين كتبغا نقله الى مدرسته التى بجوار داره بخط المسطاح بالقاهره المحروسه.

стр. 3819

وحكى الامير نجم الدين ابو المعالى ان جمله ما اخد من دار الامير حسام الدين طرنطاى-عند ايقاع الحوطه عليه-وحمل الى القلعه ونفق فى الجيش من الدهب العين الدنانير المصريه ستمايه الف دينار، ومن الدراهم النقره مايه وسبعين قنطار مصرى (٣). واخد السلطان جماعه كبيره من مماليكه، وفرق البقيه على الامرا. واما الخيول والهجن والجمال، فما يقع عليه حصر، ومن النحاس الكفت والاوانى الفضه من صناعه الفرنج وغيره، فشئ كثير، وغلال وأبقار وحواصل، فاكثر من ان يدكر. واما الضياع الملك بالشأم، فعده كثيرة. اكثرها اخدها من املاك الامير المرحوم سيف الدين بلبان الدوادار الرومى مخدومنا؛ لما توفى وخلف ولده ناصر الدين محمد عمل عليه انسان (٩) من خشداشيتنا، يقال له قرطلمش، وبيعه اكثر املاكه للامير حسام الدين طرنطاى بطمع انه يخلص له امره. فاشتراهم (١٠) منه بدون الطفيف، ومات ناصر الدين ابن الامير الدوادار قبل مسك طرنطاى، ولم يحصل له شئ غير الجنديه. فسبحان الحاكم العدل بين عباده. ذكر [حوادث] سنة تسعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وثلث (١٤) اصابع. مبلغ الزياده سبع عشره (١٥) دراعا فقط.

стр. 3820

ما لخص من الحوادث (٢٧٠) الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٢) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الاشرف سلطان الاسلام من دنقله الى حدود الفراه (٣). وما ورا دلك فى مملكه التتار، والملك عليهم فى هده السنه ارغون بن ابغا بن هلاوون، وهو ملك الطايفه المجاوره للاسلام بحدود الفراه (٥). وصاحب مكه-شرفها الله تعالى-نجم الدين ابو نمى محمد بن ادريس بن قتاده الحسنى. وصاحب المدينه-على ساكنها الصلاه والسلام-عز الدين جماز بن شيحه الحسينى. وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور تقى الدين عمر [بن على بن رسول] (٨). وصاحب الروم السلطان غياث الدين كيخسروا ابن (٩) ركن الدين قليج ارسلان السلجوقى. وصاحب ماردين الملك المظفر قرا ارسلان بن الملك السعيد ايلغازى الارتقى. وصاحب حماه الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور ناصر الدين محمد. وصاحب المغرب بتونس ابى (١١) عبد الله محمد ابن يحيى بن محمد المقدم دكره. وصاحب الهند بدلى شمس الدين ايتامش المعروف بالغازى. وفيها يوم الثلثا العشرين من المحرم وصل الى الديار المصريه الصاحب شمس الدين ابن السلعوس من الحجاز الشريف على الهجن، واجتمع بمولانا السلطان الملك الاشرف. فلما كان اليوم الثالث من وصوله نزلت اليه الخلع بتقليد الوزاره بالممالك الاسلاميه، وجلس من يومه، وحكم ونفّد الاشغال. وكتب تقليده القاضى المرحوم محيى الدين بن عبد الظاهر بخطه. وركب فى دست وموكب عظيم، ما ركب مثله الى (١٨) الخلفا. وفى خدمته الامير بها الدين بغدى الدوادار الاشرفى، والطواشى شهاب الدين مرشد، وجميع اكابر الدوله واعيانها وقضاتها وحكامها.
следующие страницы →