← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الكعبة الحرام يعمره الله كلّ سنة بالناس وهو أوّل بيت عمر للعبادة والقول الأوّل أظهر لما رويناه عن عائشة ولأنّ الكعبة تعمر بالناس فى كلّ عام مرّة والبيت المعمور يعمر كلّ يوم بالملائكة. فصل فى ذكر سدرة المنتهى وشجرة طوبا (١) قال الله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى»﴾ (٢)، الآية، قال الجوهرى: (٣) السدر شجر النبق، الواحدة سدر والجمع سدرات. واختلفوا لم سمّيت بهذا الاسم على أقوال: (٤) أحدها: لأنّها تنتهى إليها الأعمال من بنى آدم تعرج بها الملائكة الكتبة إلى السماء، ثم تقبض منها وإليها ينتهى ما يقبض من فوقها، قاله كعب الأحبار، وذكر أنّه فى التوراة كذلك، وروى العوفى عن ابن عبّاس قال: سألت كبا عن سدرة المنتهى فقال: هى سدرة فى أصل العرش إليها ينتهى علم الخلائق فيرفع منها تعرج به الملائكة إليها فتقف عندها لا يعدوها شئ، قاله الربيع بن أنس. والثالث: لأنّ الملائكة المقرّبين ينتهى إليها فلا يتجاسروا أن يتجاوزوه من خوف الله تعالى، قاله الضحاك. والرابع: لأنّه ينتهى إليها ما يعرج من أرواح المؤمنين، حكاه سفيان. واختلفوا فى أى سماء هى، والصحيح (٥) ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : رأيتها بعد السماء السابعة فقيل لى: هى سدرة المنتهى وإذا شجرة يخرج

стр. 72

من أصلها أربعة أنهار نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغيّر طعمه، ونهر من عسل مصفّى ونهر من الكافور، والورقة منها تصل أمّة من الأمم. وقال البخارى (١) بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ فى الجنّة شجرة يسير الراكب فى ظلّها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ»﴾ (٢) (٥٧) متّفق عليه. وقال ابن عبّاس: ليس فى الجنّة قصر ولا بيت إلاّ وفيه غصن من أغصانها، وسئل على ﵇ عنها فقال: هى كالشمس فى الدنيا وسماها عبد الله بن سلام شجرة طوبا فقال: وكذا هى فى التوراة وفى القرآن: ﴿طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ»﴾ (٣). وعن أبى سعيد الخدرى قال: (٤) سئل رسول الله ﷺ عن شجرة طوبا فقال: غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت حلىّ أهل الجنّة وحللهم وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنّة، وقال مقاتل: لو أنّ ورقة منها وقعت فى الأرض لأضاءت لأهلها وهى طوبا التى ذكرها الله تعالى فى سورة الرعد. فصل فى ذكر العرش العظيم والكرسى الكريم (٥) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»﴾ (٦)، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٧)، وسيأتى تفسير ذلك، قال الجوهرى: (٨) الكرسى واحد الكراسى المعروفة.

стр. 73

واختلفوا فيه على أقوال: (١) أحدها: إنّه الكرسى وقد قسّر ابن عبّاس قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢) بهذا، قال: ومعنى ﴿وَسِعَ»﴾ (٣) أى ملأهما وأحاط بهما. والثانى: أنّ الكرسى علم الله، ومنه قيل للصحيفة (٤) العلم كرّاسة، ويقال للعطاء: الكراسى، قاله الضحاك، وروى ابن عبّاس أيضا كذلك والثالث: قدرة الله تعالى وسلطانه وملكه، والعرب تسمّى الملك القديم كرسيّا، قاله مقاتل. والرابع: سرّه، قاله الحسن. والخامس: أهله، قال: ومعناه: وسع عباده أهل السموات والأرض، قاله الطبرى. (٥) والسادس: أنّ الكرسى هو العرش، قاله الحسن. والسابع: أنّه ملك عظيم أضافه إلى نفسه تخصيصا لينبّه به على عظمته وقدرته، قاله مقاتل بن حيّان، ومعناه أنّ خلقا من خلقى يملأ السموات والأرض فكيف تقدر قدرتى وينال عظمتى. قلت: (٦) والأصحّ: أنّه الكرسى بعينه، وباقى الأقوال مجاز وعدول عن الحقيقة، لأنّ الأخبار والآثار دالّة عليه. وعن أبى ذرّ قال، قلت: يا رسول الله (٥٨) أيّما أنزل الله عليك أعظم؟ فقال: آية الكرسى، ثم قال رسول الله: يا أبا ذرّ! ما السموات السبع فى الكرسى إلاّ كحلقة ملقاة فى أرض فلاة. وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة. وروى عن علىّ ﵇ قال: الكرسى من لؤلؤة مضاء وهو فوق السماء السابعة بمسيرة خمس مائة عام وطول كلّ قائمة منه مثل السماوات السبع وهو بين يدى العرش، وتحمل الكرسى أربعة أملاك أقدامهم على الصخرة التى تحت الأرض السابعة.

стр. 74

وأمّا ما ذكروه من معنى العلم والقدرة ونحو ذلك، فالعرب لا تعرف الكرسى بمعنى العلم والقدرة والملك والأهل وما استشهدوا به فساد لا يعبأ به ولا يعرج عليه. وأمّا العرش، فقال الجوهرى: (١) سرير الملك يسمّى عرشا، قال: وجمعه عروشا. وقال الحسن البصرى: العرش هو الكرسى بعينه، وليس كما ذكر لأنّ الله تعالى فرق بينهما فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾ (٢)، ثم قال: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»﴾، (٣) وذكر العرش فى عدّة مواضع، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: العرش بعد الكرسى. والعرش من ياقوته حمراء، وتحته بحر ينزل منه أرزاق الحيوانات يوحى الله إليه فيقطر ما شاء، ثم يقسم بين الخلائق. وبين حملة العرش وحملة الكرسى سبعون حجابا من نور غلظ كلّ حجاب مسيرة خمس مائة سنة ولولا ذلك لاحترق حملة الكرسى من نور العرش. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس قال: العرش ثلاثمائة وستّون ألف برج، فى كلّ برج ثلاثمائة ألف صفّ من الملائكة لا يعلم عددهم إلاّ الله تعالى، يسبّح كلّ واحد منهم بلسان لا يعرفه الآخر. وروى عن الحسن أنّه قال: العرش بمعنى الملك، قلت: والعجب من هذا مع فضيلة الحسن أنّه قال: والعرش بمعنى الملك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ»﴾ (٤) فكيف يكون بمعنى الملك، وإنّما لعلّه نظر إلى قول زهير

стр. 75

(من الطويل): (٥٩) -تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها ... وذبيان إذ زلّت بأقدامها النعل (١) فتوهّم ﵀ ذلك، وقد فسّر الجوهرى (٢) بيت زهير فقال: معناه وها أمره وذهب عزّه، قال ابن الجوزى: فإن قيل: ما الحكمة فى خلق العرش والله أعظم من كلّ شئ؟ فالجواب من وجوه، أحدها أنّه موضع خدمة الملائكة فهم حافّون به إلى يوم القيامة كما قال تعالى، الثانى: لأنّ الله تعالى جعله قبلة من نور. والثالث: من الماء. والرابع: من الرحمة. وأعطاهم قوّة جميع الخلائق وأمرهم بحمل العرش فحملوه فلم يطيقوا فقال لهم الله : قولوا سبحان الله فقالوها فرفعوا بعضه حتى بلغ إلى ركبهم وضعفوا، فقال الله تعالى: قولوا الحمد لله فقالوها، فرفعوه إلى أوساطهم ووقفوا، فقال لهم : قولوا لا إله إلا الله فقالوها فحملوه على أكتافهم ووقفوا، فقال لهم: قولوا الله أكبر فقالوها فرفعوه على رؤسهم (٣) فرؤسهم ناشبة فيه وأقدامهم على الأرض السفلى. وعن <أبى> رزين العقيلى قال، قلت: يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقال: كان فى غمام تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء، وحكى أبو جعفر الطبرى ﵀ فى تأريخه (٤) عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّ أوّل ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وروى أيضا عن ابن عبّاس أنّه قال: أوّل ما خلق الله الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه.

стр. 76

وذكر أيضا عن وهب بن منبّه قال: كان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض على الماء فلمّا أراد الله أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاء الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا فخلق منه السماوات، وقال الطبرى أيضا ﵀: وأولى القولين عندى بالصواب قول من قال إنّ الله خلق الماء قبل العرش لصحّة الحديث الذى رواه ابن رزين العقيلى. (١) وذكر الطبرى (٦٠) أيضا بالإسناد إلى وهب بن منبّه وذكر من عظمة الله فقال أنّ السموات والأرض والبحار لفى الهيكل وأنّ الهيكل لفى الكرسى وأنّ قدميه لعلى الكرسى وهو يحمل الكرسى وقد عاد الكرسى كالنعل فى قدميه. قال ابن الجوزى ﵀: ما كان أغنى الطبرى عن رواية مثل هذا جعل لله نعلا! تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. وقال أيضا ابن الجوزى ﵀ فى تأريخه مرآة الزمان: والعجب من الخطيب فإنّه روى عن ابن عبّاس عن النبىّ ﷺ : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾، قال: هو موضع قدميه، وهذا تخليط كبير من الرواة، والحديث موقوف على ابن عبّاس وكان مراده يفسّر معنى الكرسىّ الذى تجلس عليه الملوك ليخرجه من معنى العلم الذى نسب إليه، قلت: هذا قول الشيخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزى ومعارضاته ﵀ ولعلّه لعمرى أخذ واعترض مكان الاعتراض.

стр. 77

فصل فى ذكر الملائكة المقرّبين والروحانيّين والكروبيّين (١) قال الجوهرى: (٢) الملك من الملائكة واحد من الملائكة، والمقرّبون من التقريب وهو الدنوّ وكذا الكروبيّون من كرب الشئ إذا دنا والروحانيّون من الروح. وأمّا خلقهم ﵈: (٣) عن أحمد بن حنبل ﵀ بالإسناد إلى عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : خلقت الملائكة من نور، انفرد بإخراجه مسلم. فأمّا جبرائيل ﵇، (٤) قال علماء التأويل رضى الله عنهم: جبر اسم وإيل من أسماء الله تعالى فجبر بمنزلة عبد وإيل هو الله، ومعناه عبد الله، وفيه لغات (٦١) ذكرها ابن الجواليقى ﵀ فى المعرّب وقال: هى تسع لغات، (٥) وحكى بعضها فى الصحاح، (٦) وقد ثبت أنّ جبرائيل كان يأتى النبىّ ﷺ فى صورة دحية الكلبى. وقال ابن عبّاس: (٧) جبرائيل صاحب الوحى والعذاب، إذا أراد الله تعالى أن يهلك قوما سلّطه عليهم كما فعل بقوم لوط لما نذكر إن شاء الله تعالى، وقال ابن الكلبى ﵀: سأل النبىّ ﷺ جبرائيل أن يأته (٨) فى صورته التى خلقه

стр. 78

الله عليها، فقال له: لا تستطيع أن تثبت! فقال: بلى! فظهر له فى ستمائة ألف جناح سدّ الأفق جناح منها فشاهد رسول الله ﷺ أمرا عظيما، فصعق وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى»﴾ (١). وقال أحمد (٢) بإسناده عن ابن مسعود قال: رأى رسول الله ﷺ جبرائيل فى صورته وله ستمائة جناح لا غير والتهاويل الألوان المختلفة، أخرجاه فى الصحيحين. وقال ابن عبّاس: قال رسول الله ﷺ لجبريل: إنّ الله وصفك بالقوّة والطاعة والأمانة فأخبرنى عن ذلك فقال: أمّا قوّتى فإنّى رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحى إلى السماء حتى سمع أهل السماء فباح كلابهم ثم قلبتها عليهم، وأمّا طاعة المخلوقات لى: فإنّنى آمر رضوان خازن الجنّة متى شئت بفتحها وكذلك مالك خازن النار، وأمّا أمانتى فإنّ الله أنزل من السماء مائة كتاب وأربع كتب لم يأمن عليها غيرى. وقال أحمد (٣) بإسناده عن ابن مسعود، قال: رأى رسول الله ﷺ جبرائيل فى صورته وله ستمائة جناح كلّ جناح منها قد سدّ الأفق يسقط من جناحه التهاويل والدرّ والياقوت ما الله به عليم، أخرجه أحمد فى المسند. وأمّا ميكائيل ﵇ ففيه اسمه أيضا لغات ذكرها ابن الجوالبقى (٤) وغيره. وقال ابن عبّاس: ميكائيل صاحب الرزق والرحمة، وقال أحمد (٥) بإسناده

стр. 79

عن (٦٢) أنس عن النبىّ ﷺ أنّه قال لجبرائيل: ما لى لا أرى ميكائيل ضاحكا؟ فقال: ما ضحك منذ خلقت النار، وقال ابن عبّاس: أوّل من امتنع من الملائكة من الضحك ميكائيل لمّا خلقت النار. وأمّا إسرافيل ﵇، قال الجوهرى ﵀: (١) إسرافيل اسم أعجمى كأنّه مضاف إلى إبل، وقال الأخفش: ويقال إسرافين بالنون مثل جبرين ونحوه، وروى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال إنّ رواية من روايا العرش على كاهله ورأسه قد مرق فى السماء السابعة، قال: ولمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أوّل من سجد إسرافيل فأثابه الله أن كتب القرآن فى جبهته. وقد روى موقوفا على عمر بن عبد العزيز، قال: ومنذ خلقت النار لم تجف له دمعة ومن يخلق من الملائكة إنّما يخلق من دموع إسرائيل وهو صاحب اللوح المحفوظ والصور وصاحب النفخة، وقال ابن عبّاس: ينفخ النفخة الأولى فتموت الخلائق وتسير الجبال وتكوّر الأرض والشمس والقمر، ثم ينفخ الثانية لقيام الخلق من القبور. وقال الترمذى (٢) بإسناده عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : كيف أنعم عيشا وقد التقم صاحب القرن وجنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ فيه، فقال المسلمون: فكيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وذكر النبى ﷺ فى هذا الحديث القرن والله تعالى يقول: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ»﴾ (٣)، قال ابن قتيبة: الصور هو القرن فى لغة أهل اليمن، وقال مجاهد: هو شبه البوق، وقال الجوهرى: (٤) قال الكلبى: لا أدرى ما الصور، وقرأ الحسن:

стр. 80

﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ»﴾ (١)، وقد أخرج الحميدى فى الجمع بين الصحيحين لفظ الصور فى حديث طويل عن أبى هريرة عن (٦٣) النبىّ ﵇ وفيه: «ثم ينفخ فى الصور» فلا يسمعه أحد إلاّ أصغى لبّتا (٢) والبت صفحة العنق. وأمّا عزرائيل ﵇، قال: (٣) فهذه الإضافة مثل جبرائيل ونحوه، وروى ابن عبّاس عن كعب الأحبار قال: وجدت فيما أنزل الله من الكتب أنّ ملك الموت جالس فى السماء الدنيا وبين يديه لوح فيه أسامى من يموت إلى يوم القيامة فإذا وقع بصره على إسم إنسان مات، وقال مجاهد: له أعوان من الملائكة فيبعث ملائكة الرحمة إلى المؤمنين وملائكة العذاب إلى الفاجرين، وقيل فى ملك الموت خاصة إذا رآه إنسان مات. وروى مجاهد عن ابن عبّاس قال: هؤلاء الأربع هم رؤساء الملائكة، وهم المقسمات أمرا بأمر الله وهم مثل ملوك الدنيا، وأقربهم إلى الله تعالى جبرائيل ﵇. وأمّا الروح ﵇، (٤) روى عن جبير عن علىّ ﵇ فى تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ»﴾ (٥)، قال: هو ملك عظيم له سبعون ألف وجه فى كلّ وجه سبعون ألف لسان لكلّ لسان سبعون ألف لغة يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلّها يخلق الله تعالى من كلّ تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.

стр. 81

وذكر ابن مسعود قال: (١) الروح ملك عظيم أعظم من السموات والأرض والجبال والملائكة وهو فى السماء الرابعة يسبّح كلّ يوم إثنى عشر ألف تسبيحة يخلق من كلّ تسبيحة ملك يجئ يوم القيامة صفّا وحده والملائكة بأسرهم يجيئون صفّا. وقال ابن عبّاس: وهو الذى ينزل ليلة القدر زعيم الملائكة وبيده لواء طوله ألف عام فيغرزه على ظهر البيت، أو قال: الكعبة، ولو أذن الله له أن يلتقم السموات والأرض لفعل. (٦٤) وقال ابن الجوزى ﵀ (٢) وذكر الملائكة فقال: والملائكة أصناف كثيرة لا يحصيهم إلى (٣) الله ، ومنهم أربعة يسبّحون تحت العرش فيسبّح لتسبيحهم أهل السموات، يقول الأوّل: سبحان ذى الملك والملكوت، ويقول الثانى: سبحان ذى العزّة والجبروت، ويقول الثالث: سبحان الحىّ الذى لا يموت، ويقول الرابع سبحان الذى يميت الخلائق ولا يموت. وروى عن وهب قال: عبادة أهل السماء الدنيا القيام، والثانية الركوع، والثالثة: السجود، والرابعة: القراءة، والخامسة: التسبيح، والسادسة: الذكر، والسابعة: الجلوس فى التحيات. قلت: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث فى تشريف ابن آدم على الملائكة وكون الشريعة جاءت بمجموع عبادة أهل السموات السبع فى فروض الصلاة لابن آدم. ومن رواية المسعودى (٤) فى ذكر الملائكة فى تأريخه أنّ الله تعالى خلق خلقا

стр. 82

هو مسكن ملكه يسمّى الروح ومن فوقه الحجب والكرسى محيط بذلك كلّه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماااتِ وَالْأَرْضَ»﴾، والكرسى وما حوى داخل فى العرش والعرش داخل فى علم قدرته. وقال المسعودى أيضا: (١) قال قوم من الحكماء الأوائل: إنّ الكواكب ملائكة وإنّه جعل لها تدبير العالم ما لم يجعله لغيرها فلذلك عظّموها، وقال قوم منهن إنّ الملائكة خلق عالية وهنّ اثنا عشر صنفا حذاء البروج الاثنى عشر وإنّهم يتوارثون وجعل الله فيمن شاء منهم حولا وقوة يقدر أحدهم أن يكون فى صورة يملأ الأرض شرقا وغربا، ويقدر أن يدخل خرم إبرة لطفا ويغوص تحت الأرض والبحار والجبال لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له أجنحة مثنى وثلاث ورباع ويزيد فى الخلق ما يشاء (٦٥) كما قال يلحقون مشارق الأرض ومغاربها كلمحة البصر، ومنهم من هو مخلوق من نور شعشعانى ومنهم ملائكة الرحمة ومنهم الحفظة والخزنة وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء، وهم حسان الوجوه سمر الألوان، ومنهم من هم مشغولين بعبادة الله لا يعرفون غيرها فى عدّة صور لا تحصى. فصل فى ذكر الجنّة وما لله على عباده فى خلقها من المنّة (٢) قلت: لا خلاف بين السادة العلماء رضى الله عنهم أنّها فى السماء لقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى»﴾ (٣) ولأنّها دار نعيم فتكون فى جهة العلوّ بخلاف النار-نعوذ بالله منها-فإنّها سجن والسجن يكون فى السفل.

стр. 83

وقالت المعتزلة والجهميّة: (١) إنّ الجنّة لم تخلق بعد كما قالوا فى النار واحتجّوا فى الجنّة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ»﴾ (٢)، والجعل هو الخلق، وإنّما يجعلها يوم القيامة، واحتجّوا أيضا بقوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماااتُ وَالْأَرْضُ»﴾ (٣) والطول أهمّ من الأرض فأين تكون وأعدّت للمتّقين لنا، وما احتجّوا به فليس المراد من الآية الخلق فى المستقبل بل فى الماضى أى جعلها لئلاّ يقع التناقض بين الآيتين، وإذا ثبت أنّها مؤخّرة فأهلها يتنعّمون فيها على الأبد. وقال جهم بن صفوان: يبيدان ويفنيان لئلاّ يصير أهلها شركاء لله تعالى، ولنا قوله تعالى: ﴿جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خالِدِينَ فِيها»﴾ (٤)، فى مثل آيات كثيرة وردت فى الكتاب العزيز بذلك، وما ذكره فلا نسلم أنّه يؤدّى إلى المشاركة لأنّ الله تعالى واجب الوجود (٦٦) واجب البقاء مستحيل العدم، والعبد جائز الوجود جائز البقاء فعدمت المشاركة. وأمّا احتجاجهم فى العرض والطول فاحتجاج ضعيف وقد ردّ عليهم بأحسن ممّا احتجّوا به، وليس هذا كتاب بحث ومناظرة، وكذلك ما احتجّوا به فى قولهم جعل بمعنى خلق، فقد ذكرت الفرق بين ذلك فى كتابى المسمّى ذخائر الأخائر فى الذخيرة الثانية المسمية (٥) «بذخيرة الياقوت البهرمان فى تأييد تنزيل القرآن بالدلائل الواضحة والبرهان». قلت: وقد جاءت فى فضائل الجنّة أخبار وآثار، منها: قال الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ (٦) بإسناده إلى أبى بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال

стр. 84

رسول الله ﷺ : جنّات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما من ذهب وثنتان من فصّة حليتهما وآنيتهما وما فيهما كذلك وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه الكريم فى جنّة عدن، أخرجاه فى الصحيحين. وفيهما (١) من حديث أبى موسى أيضا عن النبىّ ﷺ قال: إنّ فى الجنّة لخيمة درّة مجوّفة عرضها ستّون ميلا فى كلّ زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن. (٢) وفيهما (٣) من حديث أبى هريرة عن النبىّ ﷺ أنّه قال: إنّ الله يقول: أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أدن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإن قيل: فأعلا ما فى الجنّة النظر وقد خطر على قلوبنا فالجواب: إننا فى وقت النظر يحصل لنا من اللذّة والاستغراق ما لم يخطر على قلب بشر. وفى الصحيحين أيضا (٤) عن أبى هريرة عن النبىّ ﷺ قال: أول زمرة تلج الجنّة صورهم على صور (٥) القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يتمخّطون ولا يتغوّطون آنيتهم فيها ذهب وأمشاطهم من الذهب والفضّة ومجامرهم (٦٧) الألوّة ورشحهم المسك، ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخّ سوقهما من وراء <اللحم من> الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبّحون الله بكرة وعشيا.

стр. 85

وفيهما (١) من حديث أبى ذرّ عن النبى ﷺ قال: أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وترابها المسك، والجنابذ القباب، وقال الجوهرى: (٢) الجنبذة: ما راتفع من الشئ واستدار كالقبّة، قال، وقال يعقوب: والعامّة تقول جنبذة بفتح الباء. وفى الصحيحين (٣) من حديث أبى سعيد الخدرى أنّ النبى ﷺ قال: أهل الجنّة ليتراؤن (٤) أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤن الكواكب الدرى الغابر فى الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم. قلت: وقد رويت هذه اللفظة الغابر وليست بشئ، والمشهور من حديث أبى سعيد الذى أخرجه الحميدى: (٥) الغارب فى الأفق المشرقى والغربى، وفى رواية: الكواكب الدرى فأمّا الغابر فهو السهم لا يدرى من رمى به. تمام الحديث: قالوا: يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ فقال: بلى والذى نفسى بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. وفيهما (٦) من حديث سهيل بن سعد وأبى سعيد وأبى هريرة وأنس كلّهم عن النبىّ ﷺ أنّه قال: إنّ فى الجنّة شجرة يسير الراكب المجدّ فى ظلّها مائة عام لا يقطعها، وقد تقدّم ذكر ذلك. وأخرج أحمد بن حنبل (٧) فى المسند عن عتبة بن عبد السلمى: أنّها تشبه شجرة الجوز بالشام، قال: تنبت على ساق واحد وينفرش أعلاها.

стр. 86

وقال مسلم (١) بإسناده عن أنس عن النبى ﷺ قال: إنّ فى الجنّة لسوقا يقف بها كل جمعة فتهبّ فيها ربح الشمال فتحثوا (٢) فى وجوههم وثيابهم فيزدادوا حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهاليهم فيقولون لهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا انفرد بإخراجه مسلم. (٦٨) قال الترمذى (٣) بإسناده عن سعيد بن المسيّب: إنّه لقى أبا هريرة فقال له أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بينك وبينى فى سوق الجنّة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم! أخبرنى رسول الله ﷺ أنّ أهل الجنّة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم فى مقدار يوم الجمعة من أيّام دار الدنيا فيزورون ربّهم ويبرز لهم عرشه ويتبدّى لهم فى روضة من رياض الجنّة فيوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضّة ويجلس أدناهم وما فيهم دنى على كثبان المسك والكافور ما يرون أنّ أصحاب الكراسى أفضل منهم مجلسا، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله وهل نرى ربّنا؟ قال: نعم! هل تمارون فى رؤية القمر ليلة القدر؟ قلنا لا: قال: كذلك لا تمارّون (٤) فى رؤية ربّكم، ولا يبقى فى ذلك المجلس رجل إلاّ حاضره الله محاضرة حتّى يقول للرجل: يا فلان أتذكر يوم كذا وقلت كذا وكذا، فيذكّره بعض غدراته، فيقول: يا ربّ ألم تغفر لى؟ فيقول: بلى بسعة مغفرتى بلغت منزلتك هذه! فبينما هم على ذلك إذ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثله أو مثل ريحه شيئا قطّ، ويقول ربّنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتى سوقا قد حفّت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ولا تسمع الآذان ولم يخطر على قلب بشر، فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيه

стр. 87

ولا يشترى، وفى ذلك السوق أهل الجنّة يلتقى بعضهم بعضا فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه، (١) وما فيهم دون، فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضى حديثه حتى يخيل (٢) عليه ما هو أحسن منه وذلك أنّه لا ينبغى (٦٩) لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا (٣) أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئتم وإنّ عليكم من الجمال أفضل ممّا فارقتمونا عليه، فيقولون (٤) إنّا جالسنا اليوم ربّنا الجبّار وتحقنا (٥) بأن فنقلب بمثل ما انقلبنا. وقال أحمد بن حنبل ﵀ (٦) بإسناده إلى أبى هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله حدّثنا عن الجنّة ما بناؤها؟ فقال: لبنة من ذهب ولبنة من فضّة وبلاطها (٧) المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبؤس (٨) ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه. وعن أبى سعيد الخدرى (٩) قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ فى الجنّة مائة درجة ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض وإنّ جنّة الفردوس أوسطها وأعلاها سماء عليها يوضع العرش يوم القيامة ومنها تتفجّر أنهار الجنّة، فقال له رجل: بأبى وأمّى أنت يا رسول الله! هل فيها خيل! قال: نعم! والذى نفسى بيده إنّ فيها لخيلا من ياقوته حمراء ترفّ بهم بين خلال ورق الجنّة يتزاورون عليها، فقال له الرجل: فهل فيها إبل؟ فقال نعم! والذى نفسى بيده إنّ فيها لإبلا من ياقوته

стр. 88

حمراء رجلاها ذهب وفضّة عليها نمارق الديباج ترفّ بهم بين خلال ورق الجنّة يتزاورون عليها، فقال الرجل: هل فيها صوت؟ فقال: نعم! إنّ الله ليوحى إلى شجرة فى الجنّة: أن أسمعى عبادى هؤلاء الذين شغلهم ذكرى فى الدنيا عن عزف المزاهر والمزامير بالتسبيح والتقديس. ومن رواية ابن الجوزى ﵀ قال: حدّثنى جدّى، قال: حدّثنا ابن ناصر بإسناده إلى ابن مسعود قال: أنهار الجنّة تتفجّر من جبل مسك، وفى رواية: وتجرى فى عين أخدود، وقال ابن عبّاس: خمر الجنّة (٧٠) أشدّ بياضا من الثلج أو قال: اللبن، وعنه أنّه قال: الجنان سبع: دار الجلال، ودار السلام، وجنّة عدن، وهى قصبة الجنّة، وهى مشرفة على الجنان، وجنّة المأوى، وجنّة الخلد، وجنّة الفردوس، وجنّة النعيم، قال: ونخل الجنّة جذوعها زمرّد أخضر، وكرمها ذهب أحمر، وسعفها كسوة أهل الجنّة. وقال أحمد بن حنبل (١) بإسناده عن سهل بن سعيد عن النبىّ ﷺ أنّه قال: إنّ فى الجنّة ثمانية أبواب فيها باب يسمّى باب الريّان لا يدخله إلاّ الصائمون، وأخرجاه فى الصحيحين. قال ابن الجوزى-﵀-فى تأريخه: حدّثنا عبد الوهّاب بن علىّ الصوفى بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل أهل الجنّة الجنّة على طول آدم ستّين ذراعا وعلى حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاثا وثلاثين سنة وعلى لسان محمد ﷺ ، وقال ابن أبى الدنيا بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة يشتاق الإخوان بعضهم إلى

стр. 89

بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعان فيتّكئ هذا ويتّكئ هذا، فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر لنا؟ فيقول صاحبه: نعم، يوم كذا وكذا فى موضع كذا وكذا. وقال أحمد بن حنبل (١) بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لينظر فى ملكه (٢) ألفى سنة يرى أقصاه كما رأى أدناه، وإنّ أوصلهم منزلة من ينظر إلى وجه الله فى كلّ يوم مرّتين. فإن قيل: فهل فى الجنّة توالد؟ فالجواب: إنّ فيه قولين: أحدهما أنّه لا يولد ولا يكون فيها توالد لأنّ الولادة محلّ الأقذار والجنّة طاهرة، والثانى: أنّه يكون فيها توالد، وقد دلّ عليه الحديث. قال أحمد بن حنبل (٣) بإسناده عن أبى سعيد الخدرى إنّ نبىّ الله قال: إذا اشتهى المؤمن الولد فى الجنّة كان حمله ووضعه (٧١) وسنّه فى ساعة واحدة. قلت: وقد اقتصرنا على هذه الجملة فيما يتعلّق بالجنّة وذكرها من الأحاديث والأخبار والآثار ولو استقصينا فى جمعها لخرجنا على شرط الاختصار، ونبتدئ الآن بذكر خلق الأرضين.

стр. 90

ذكر خلق الأرضين وما فيها من المخلوقين ومدّة التصوير والتكوين (١) قال علماء اللغة: إنّما سمّيت الأرض أرضا لأنّ الأقدام تطئها وترضّها، وقال الجوهرى: (٢) الأرض مؤنّثة، وروى أبو إسحاق الثعلبى ﵀ عن ابن عبّاس رضى الله عنه قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السموات ثم خلق النون وهو الحوت الذى يحمل الأرض فبسط الأرض على ظهره فتحرّك الحوت فمادّت الأرض فأثبتت بالجبال، ثم قرأ ابن عبّاس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ»﴾ (٣). واختلفوا فى اسم هذا الحوت، (٤) فقال ابن الكلبى ومقاتل: بهموت، وقال أبو اليقضان (٥) والواقدى: ليوثا، والذى أراه أنّ الحوت اسمه بهموت، والثور ليوثا، والله أعلم. وروى عن علىّ ﵇ أنّه قال إنّ اسمه بلهوت، قال الراجز: ما لى أراكم كلّكم سكوتا ... والله ربّى خلق البلهوتا وقال الثعلبى أيضا: (٦) قال الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرض السبع حتّى

стр. 91

ضبطها فلم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقرّ فأحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من الفردوس غلظها مسيرة خمس مائة عام فوضعها على سنام الثور فاستقرّت عليها قدما الملك، (٧٢) وقرون ذلك الثور وهى أربعة آلاف قرن خارجة من أقطار الأرض ومنخراه فى البحر فهو يتنفّس كلّ يوم نفسا فإذا تنفّس مدّ البحر وإذا عاد نفسه جزر البحر قال: فلم يكن لقوائم ذلك الثور موضع قرار فخلق الله تعالى صخراء (١) خضراء كغلظ السموات والأرض فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهى الصخرة التى قال لقمان لولده ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ»﴾ (٢) الآية، فلم يكن للصخرة مستقرّ فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة تقلّ الدنيا كلّها بما عليها، فسبحان من يقدر على هذه القدرة، قال لها الجبّار: كونى فكانت، تعالى الله ربّ العالمين، وقد روى أبو بكر الخطيب بمعناه عن ابن عبّاس رضى الله عنه. وفى الحديث: وكانت الأرض تمور مورا فبعث الله تعالى جبرائيل ﵇ فعالجها فلم يقدر أن يمسكها، فقال: يا إلهى قد علمت أنّك لم تقدّر ذلك على يدى ولو بعثت بعوضة وقدّرتها لأمسكنها! قال: فأرسل الله ملكا من تحت ساق العرش فدخل تحت الأرض، وذكر الحديث، وفيه: وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض وقد اشتبكت بأقطار السموات إلى العرش ومنخرى الثور فى ثقبين من تلك الصخرة فهو يتنفّس كلّ يوم نفسين فإذا تنفّس مدّ البحر وإذا ردّ نفسه زجرت (٣) البحار، وفيه: واسم الحوت بلهوت، فانتهى إبليس إلى

стр. 92

الحوت فقال: ما خلق الله خلقا أعظم منك فلم تحمل هذه الأثقال قال: فهمّ أن يلقى ما عليه فبعث الله بقّة فدخلت فى عينه فشغلته عن ذلك. قال: ثمّ أنبت الله تعالى جبل قاف من تلك الياقوتة الخضراء فأحاط بالدنيا ثم أنبت منه الجبال وشبك بعضها ببعض بعروقه (٧٣) كالشجر فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضا أوحى إلى قاف فحرّك ذلك العرق، وهو حديث طويل هذا ملخصه، وقد أخرجه الحافظ أبو نعيم، وابن عساكر فى كتابه المعروف بالزلازل. وحكى الثعلبى (١) عن كعب الأحبار أنّ إبليس تغلغل إلى النور الذى على ظهر الأرض كلّها فوسوس إليه أتدرك ما على ظهرك باليوثا من الأمم والدوابّ والشجر والجبال وغيرها لو نفضّهم لاسترحت، فهمّ ليوثا أن يفعل ذلك فبعث الله إليه دابّة فدخلت فى منخريه ووصلت إلى دماغه فضجّ النور إلى الله منها فأذن لها فخرجت، قال كعب: فو الذى نفسى بيده إنّه لينظر إليها وتنظر إليه إن همّ بشئ من ذلك عادت إليه كما كانت فلا يزال كذلك إلى يوم القيامة. تفسير: وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ»﴾ (٢)، وفى آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ»﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً»﴾ (٤)، وفى آية أخرى: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ»﴾ (٥)، فقد كتموا فى هذه الآية وقال: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»﴾، (٦) عزيزا حكيما، سميعا بصيرا، ونظير هذه الآيات فكأنّه كان ثم مضى، فقال ابن عبّاس رضى الله عنه: (٧) أمّا قوله: ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ»﴾ (٨)، فهذا فى النفخة الأولى ينفخ فى الصور فيصعق من

стр. 93

فى السموات ومن فى الأرض فحينئذ لا أنساب بينهم ولا يتساءلون، ثم ينفخ النفخة الأخيرة: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأمّا قوله: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ»﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً»﴾ فإنّ الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص يوم القيامة ولا يغفر شركا، فقال المشركون: تعالوا نقول ما كنّا مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أنّ الله لا يكتم حديثا، وعنده يودّ الذين كفروا لو كانوا مؤمنين، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً»﴾ وباقى الآيات، (١) فالتحقيق إن كان ترد بمعنى صار كقولك: كانت فراخا بيوضها يعنى صارت، وترد لما مضى من الزمان كقولهم: كان حليما يقرى الضيف، وجاءنى الذى كان عندك بالأمس. وهذان مجازان وترد بالحقيقة لمعنى استقرّ وثبت وحقّ وعليه تحمل الآيات الكريمة. وترد بمعنى حدث ووقع وتسمّى الناقصة لأنّها لا تحتاج إلى خبر لأنّها لا تتعرّض لشئ سوى دخول صورة الشئ فى الوجود، وهذا هو الفرق بين الناقصة وبين المستمرّة لأنّ الحقيقة الاستقرار والثبوت وما وجب له سجيّة (٢) لا يتغيّر. فصل فى ذكر أشهر الأمم (٣) نبتدئ بذكر أشهر العرب، قال الفرّاء: أوّل أشهر العرب العاربة: ناجر، وأوّل شهور المستعربة المحرّم. وروى عن أبى العلاء المعرّى قال: (٤) كانت للعرب العاربة تسمّى الشهور

стр. 94

بغير هذه الأسامى فتقول للمحرّم: مؤتمر، ولصفر: ناجر، ولربيع الأوّل: خوان، ولربيع الآخر: ومضان، ولجمادى الأوّل: ربا، ولجمادى الآخر: حنين، ولرجب: الأصم، ولشعبان: عادل، ولرمضان: ناتق، ولشوّال: وغل، ولذى القعدة: ورنة، ولذى الحجة: برك. وتفسيرها: أمّا مؤتمر فاشتقاقه من المؤامرة فى ترك الحرب احتراما له، وأمّا ناجر فالنجر الأصل جعلوه أصل الحرب، وأمّا خوان فمن تخونهم الحرب، وأمّا ومضان فمن الوميض وهو بريق السلاح وكانت الغارات تشتدّ فيه، وأمّا ربا فمن قولهم شاة ربى على وزن فعلى، أى كثيرة النتاج، وكانوا يجمعون فيه الأموال، وأمّا حنين فلأنّ أسفارهم كانت تطول فيحنّون فيه إلى المنازل والأطلال والأهل، وأمّا الأصمّ فلأنّهم كانوا لا يغيرون فيه ولا يسمعون فيه قعقعة السلاح فسمّى بذلك، ومنهم من يقول رجب مضر وسنذكره، وأمّا عادل فلأنّه كان يعدلهم عن سفك الدماء، وأمّا ناتق فمن قولهم نتقت الشاة إذا كثر لبنها وولدها، وأمّا وغل فالوغل الملجأ كانون (١) يلجون فيه المنازل، وأمّا ورنة فالأرن بإسكان الراء النشاط وكانوا ينشطون فيه للحجّ، وأمّا برك فلأنّ الإبل كانت تبرك فيه فى الموسم حتى تنقضى وقيل مشتقّا من التبرّك به. وأمّا الشهور المستعربة (٢) فسمّى المحرّم لتحريم (٧٥) القتال فيه كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يعرض له، وكذا فى الأشهر الحرم كلّها، قال الجوهرى: (٣) إلاّ حيّان فى العرب: خثعم وطئ فإنّهم كانوا يستحلّون القتال فيه وفى الأشهر الحرم، وأمّا صفر فلأنّ المنازل كانت تصفر منهم فيه،

стр. 95

أى: تخلو والصفر الخالى، وقيل: لأنّهم كانوا ينزلون بلاد يقال لها صفر، والأوّل أظهر، وأمّا ربيع الأوّل وربيع الآخر فلأنّهم كانوا يرتبعون فيهما، قال الجوهرى: (١) والربيع عند العرب ربيعان: ربيع الشهور وربيع الأزمنة، فربيع الشهور شهران بعد صفر ولا يقال فيهما إلاّ شهر ربيع الأوّل وشهر ربيع الآخر، وأمّا ربيع الأزمنة فربيعان منهما: ربيع الكلأ وهو الفصل الذى يدرك فيه الكمأة ويطلع النور، والفصل الثانى: الذى تدرك فيه الثمار، وأمّا جماديان فلأنّ الماء كان يجمد فيهما، وأمّا رجب فمن الترجيب وهو التعظيم يقال: رجبته بكسر الجيم، وقال الفرّاء: (٢) ومنه قولهم: نخلة مرجّبة إذا كثر حملها أقاموا لها دعائم لئلاّ تنكسر أغصانها، وفيه لغتان: رجب ورحم لأنّ الرحمة تنصبّ فيه صبّا، ويقال له رجب مضر أيضا لأنّ مضر كانت تعظّمه أكثر من غيره فنسب إليها، وجمعه أرجاب، وقيل إنّما سمّى الأصمّ لأنّه لا يشهد بالقبائح على هذه الأمّة، وأمّا شعبان فلأنّ الشعب من الاجتماع كانوا يتشعّبون فيه بعد الفرقة، وقيل إنّما سمّى شعبان لأنّه يتشعّب فيه الخير لرمضان، أى: يتجمّع، وأمّا رمضان فاشتقاقه من الرمض وهو وقع حرّ الشمس على الرمل، ومنه يقال: الرمضاء، وأمّا شوّال: فمن الشول وهو الارتفاع لأنّ النوق تشول فيه: أى: ترفع أذنابها للقاح، وقيل: لأنّ ألبان الإبل كانت تشول فيه: أى: تقلّ، وجمعه شوّالات وشوائل، وهو أوّل أشهر الحجّ، وأمّا ذو القعدة (٧٦) فلأنّهم كانوا يقعدون فيه عن القتال تعظيما له، وجمعه ذوات القعدة، وأمّا ذو الحجّة فلأنّهم كانوا يتهاون (٣) فيه للحجّ ويقصدون مكّة من سائر الآفاق، وجمعه ذوات الحجّة.

стр. 96

والعرب تؤرّخ بالليالى دون الأيّام (١) لأنّ سنينهم قمريّة فالعمل فيها على القمر لأنّه يرى فى الليل عاليا، فيقال فى أوّل ليلة من الشهر: استهلّ الهلال، ولا يقال فى النهار بخلاف سائر الأمم، فإنّ سنينهم على سير السير (٢) وهى نهاريّة، ثم العرب تعدّ السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمس وسدس يوم لأنّ الشهر يكون تامّا وشهرا يكون ناقصا غالبا. وقال محمّد بن جابر بن سنان الحرّانى البتّانى فى زيجه: (٣) شهور العربيّة شهر ثلاثين يوما وشهر تسعة وعشرون يوما إلاّ ذو الحجّة فإنّه من تسعة وعشرين يوما وخمس وسدس يوم فجميع أيّام السنة العربيّة شنك وهى فى الكبيسة سنة. وأمّا الأشهر الروميّة: (٤) فالروم تعدّ السنة ثلاثمائة وخمسة وستّين يوما وربع يوم وشهورهم مختلفة العدد: أوّلها: نيسان، وهو ثلاثون يوما، وأيّار، وهو أحد وثلاثون يوما، ولثمان عشرة منه ترجع الشمس هابطة من الشمال، وحزبران ثلاثون يوما، وتمّوز أحد وثلاثون يوما، وكذا آب، فإذا انسلخ آب قلّ الحرّ ولثلاث عشر منه عيد الصليب ولثمانى عشرة منه يستوى الليل والنهار، وتشرين الأوّل أحد وثلاثون يوما وفيه يكون عيد المهرجان، ومعناه أنّه كان فى الفرس ملك ظالم جبّار اسمه مهر فمات فى نصف هذا الشهر، وجان بلغتهم الروح، فكأنّه قيل مهر جان، أىّ: مهر ذهبت روحه، فعاد عندهم عيد، وبين المهرجان والنوروز مائة وستّون يوما، والفرس تسمّى هذا اليوم أوّل السنى، وتشرين الآخر ثلاثون يوما، وكانون الأول أحد وثلاثون يوما، ولسبع عشرة منه يكون النهار تسع ساعات (٧٧) ونصفا وربعا وهو منتهى قصره ويكون الليل أربعة عشر ساعة

стр. 97

وذلك منتهى طوله، وفى الليلة الخامسة والعشرين منه ولد عيسى بن مريم ﵇ وكانون الآخر أحد وثلاثون يوما وفى أوّل ليلة منه توقّد نار عظيمة ببلد أنطاكية والنصارى تعظّم تلك الليلة وتلك النار وتقول إنّ دين النصرانيّة ظهرت من أنطاكية فى تلك الليلة بعد ما دثرت، وتسمّيها مدينة الله تعالى، وشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم مدّة ثلاث سنين متواليات، والسنة الرابعة تسمّى كبيسة فتكون تسعة وعشرين يوما يقسم ذلك فى أربعة سنين ولسبع ليال منه تسقط الجمرة الأولى وهى الجبهة ولأربع عشرة منه تسقط الثانية وهى الزبرة ولإحدى وعشرين منه تسقط الثالثة وهى الصرفة فينصرف البرد وفيه تكامل الحمار، واليوم الخامس والعشرين منه أوّل أيّام العجوز، وقد ذكرها الجوهرى، (١) وآذار ثلاثون يوما وفى الرابع عشر منه فصل الربيع ونزول الشمس الحمل. وقال محمّد بن جابر بن سنان صاحب الزيج: (٢) وأمّا شهور الروم على ابتداء اليونانيّين وأهل مصر: أيلول آ-يوما، تشرين الأوّل لا يوما، تشرين الثانى آ-يوما، كانون الأوّل لا يوما، كانون الثانى لا يوما، شباط كح يوما، آذار لآ يوما، نيسان ل يوما، أيّار لآ يوما، حزيران ل يوما، تمّوز لآ يوم آب لآ يوما، فجميع أيّام السنة العجميّة: شمسه يوما وربع يوم وفى السنة الكبيسة شمسو، وهى السنة التى يكون فيها شباط كط كاملة، والله أعلم. وأمّا الأشهر الفارسيّة على رأى محمد بن جابر بن السنان صاحب الزيج. (٣) فقال: افروز دير ماه (٤) أوّل يوم منه النيروز، أرديبهشت ماه، (٧٨) خرداد ماه، تير ماه، هم دار ماه، (٥) شهرير ماه، مهر ماه، وفى ستة عشر منه المهرجان، آبان ماه.

стр. 98

وفى السادس والعشرين منه الفوز دجان (١) وهى عشرة أيّام منه خمسة أيّام وخمسة بقيّة، أيّار ماه إلى الثلاثين الواجبة له وخمسة أيّام تطرح ولا تعدّ من الشهور، آذر ماه، دى ماه، بهمن ماه، إسفندر ماه، وكلّ منهم ثلاثون يوما وخمسة بعد آبان ماه ملعبة، فجميع أيّام السنة الفارسيّة ثلاثمائة يوم وخمسة وستّون يوما بلا كسر. وأمّا الأشهر القبطيّة: فأوّلها يوم النيروز وهو أوّل يوم فى: توت، بابه، أنور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بونة، أبيب، مسرى، كلّ شهر منها ثلاثون يوما وخمسة أيّام يلغى بعد الشهور تسمّى اللواحق فجميع أيّام السنة القبطيّة ثلاثمائة وخمسة وستّون يوما وربع يوم، وفى السنة الرابعة شسو يوما، وتأريخ القبط هو ما جهات (٢) الإسكندر الماقدونى. ورأيت محمد بن جابر يسمّيه الإسكندر بتقديم الكاف فى سائر زيجه والله أعلم بصحّة ذلك كونه خالف جمهور العالم، أو لعلّه غلط من كاتب نسخة الزيج المذكور. قال ابن جابر: ولأهل مصر والروم من سنى ذى القرنين وبينهما اثنى عشرة سنة مصرّية. قلت: وقصدت أن أثبت هاهنا فصلا هو أصلا فى استخراج التواريخ بعضها من بعض استخرجته من الزيج المذكور لمحمد بن جابر بن سنان مفيدا لكلّ فاضل يغتنى به عن كثير ممّا سواه إذا قدح زند فكرته لتورى قريحته. فإذا أردت (٣) أن تعرف بسنى الهجرة رأس كلّ شهر تريد من شهور العرب

стр. 99

(٧٩) فخذ سنى الهجرة الكاملة فاضربها فى ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وخمس وسدس يوم فما بلغ فانظره فإن وقع فيه كسر وذلك الكسر أقلّ من نصف يوم فاسقطه ولا تعتدّ به وإن كان أكثر من نصف يوم فلا تسقطه واعتدّ به واحتسبه يوما وزده فيما يجتمع من الأيّام فما بلغ عدد الأيّام فهو ما مضى من أوّل الهجرة إلى آخر تلك السنة، وهو الأصل فاحفظه، ثم خذ هذا الأصل وزد عليه خمسة أيّام وألق الجميع سبعة سبعة فما بقى دون سبعة فهو علامة السنة المستقبلة فالقه من يوم الأحد يخرج لك الحساب إلى اليوم الذى يدخل فيه المحرّم من السنة التى أنت فيها وهى السنة المنكسرة فافهمه. وإن أردت غيره من الشهور فزد على علامة السنة لما مضى من شهور السنة التامّة لشهر يومين ولشهر آخر يوم يكون ذلك لكلّ شهرين تامّين من الشهور القمريّة ثلاثة أيّام فإن كان شهر واحد وبقى شهر مفرد فخذ له يومين ثم الق ذلك سبعة سبعة من يوم الأحد يقف بك الحساب فى اليوم الذى تدخل به ذلك الشهر الذى طلبت علامته، وهذا هو الحساب الذى تعمل عليه الزبحات والتواريخ فلا تتعداه إلى غيره تصب إن شاء الله تعالى. وإن أردت أن تعرف أوائل الشهور الروميّة بتأريخ ذى القرنين على ابتداء المصريّين فخذ سنى ذى القرنين التامّة فزد عليها ربعها فما بلغ أن رقع فيه كسر فلا تعتدّ به، زاد على النصف أو نقص منه ثم اضرب مبلغ ذلك فى شسه يوما والق ما بلغ ذلك سبعة سبعة فما بقى دون سبعة فهو علامة السنة فألقها على الرسم الأوّل يخرج إلى أوّل يوم من أيلول من السنة المستقبلة (٨٠) التى أنت فيها، فإن وقع كسر نصفا سواء فإنّ السنة الداخلة عليك كبيسة أعنى السنة المستقبلة، وإن زاد على النصف أو نقص فلا.

стр. 100

وإن أردت تعرف أيلول من الشهور فزد على علامة السنة ما مضى من السنة من الشهور التامّة، لكلّ شهر يكون ثلاثين يوما يومين ولكل شهر يكون واحد وثلاثين يوما ثلاثة أيّام ولا تأخذ لشباط شيئا إلاّ أن تكون السنة كبيسة فتأخذ لها يوما واحدا فما بلغ فالقه سبعة سبعة واجرى فيه على الرسم المقدّم من الطرح يخرج إلى أوّل يوم من الشهر الذى تريد. فإن أردت أن تعرف أوائل الشهور الفارسيّة بسنيهم المعلومة فخذ سنى يزدجرد بن شهريار <بن> كسرى ملك الفرس التامّة فزد عليها أبدا ثلاثة واضربها فى ثلاثمائة وخمسة وستّين فما بلغ فألقه سبعة سبعة فما بقى دون سبعة أو سبعة فألقه من يوم الأحد يكون اليوم الذى يفنى (١) فيه العدد هو أوّل يوم من شهر أفروزد ماه الفارسى وهو يوم النيروز، وإن أردت غيره من الشهور الفارسيّة فزد على علامة السنة التى عرفت به يوم النيروز لما مضى من السنة من الشهور التامّة لكلّ شهر يومين غير شهر آبان ماه فلا تأخذ منه شئ ثم الق ذلك سبعة سبعة واجرى على الرسم من إلقائها من يوم الأحد فاليوم الذى يقف فيه العدد هو أول ذلك الشهر الذى طلبت. واعلم أنّ القبط يتقدّمون اليونانيّون من أهل مصر فى مدخل أيلول ثلاثة أيّام وهم يسبقونهم فى التأريخ فى كلّ أربع سنين يوم واحد. فإن أردت تعرف سنى رؤوس شهور القبط فخذ سنى ذى القرنين التامّة وزد عليها أبدا ثلاثة (٢) واضربه فى أيّام السنة فما بلغ فالقه سبعة سبعة وما بقى دون السبعة أو سبعة (٨١) فاجره على الرسم الأوّل فحيث انتهى بك العدد هو أوّل يوم من أيلول، وهو أوّل يوم من توت أيضا من السنة المستقبلة، وإن أردت غيره من

стр. 101

الشهور فزد على علامة السنة لما مضى من الشهور التامّة لكل شهر تامّ يومين فما بلغ فألقه سبعة سبعة وألق ما بقى دون سبعة أو سبعة من يوم الأحد يكون اليوم الذى تنتهى إليه بالعدد أوّل ذلك الشهر الذى تريد فإن انقضت الشهور كلّها فألق بعد ذلك خمسة أيّام وحينئذ تدخل السنة التى تستقبل لأنّ تلك الأيّام هى اللواحق، فافهم ذلك فإنّه حسن. قلت: وإذ قد ذكرنا هذا الفصل يختصّ بذكر التأريخ فنذكر الآن ما ورد فيه. فصل فى معرفة التأريخ وما قيل فيه (١) يقال إنّ التاريخ الذى تؤرخه الناس ليس بعربى محض وإنّ المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب وتأريخ المسلمين أرّخ من سنة الهجرة، كتب فى خلافة عمر ابن الخطّاب رضى الله عنه لما نذكر إن شاء الله تعالى، فصار تأريخا إلى اليوم. وقال أبو نصر الجوهرى فى صحاحه: (٢) التأريخ تعريف الوقت والتوريخ مثله، وأرّخت الكتاب بيوم كذا وورّخته بمعنى كذا، قال: والإراخ بقر الوحش، رواه بالكسر، وقد فرق الأصمعى ﵀ بين اللغتين فقال: بنو تميم يقولون: ورّخت الكتاب توريخا، وقيس تقول: أرّخته تأريخا. وقال قوم: التأريخ معرّب من ما وروز، ومعناه حساب الأيّام والشهور والأعوام، قال: فعرّبته العرب فقالوا: تأريخ أو مؤرّخ وجعلوه مصدرا. وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب فى كتاب الخراج: إنّ تأريخ كلّ شئ آخره فيؤرّخون بالوقت الذى فيه حوادث مشهورة، وقال ابن عبّاس

стр. 102

رضى الله عنه: (٨٢) قد ذكر الله تعالى التأريخ فى كتابه العزيز، فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَااقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ»﴾ (١)، قال ابن الجوزى ﵀: حدّثنا عبد الوهّاب المقرئ بإسناده إلى محمّد بن هارون عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس، قال: سأل معاذ بن جبل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوى ويستدير ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان على حال واحد، فنزل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَااقِيتُ لِلنّاسِ»﴾ أى لأجل دينهم وصومهم وفطرهم وعدّة نسائهم والشروط التى تنتهى إلى أجل معلوم. وقال قتادة فى تفسير الآية: جعلها الله تعالى مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وحجّهم ومناسكهم وعدّة نسائهم وغير ذلك، وقال أحمد بن حنبل ﵀: (٢) حدّثنا إسماعيل حدّثنا أيّوب حدّثنا نافع عن ابن عمر قال ذكر الهلال عند رسول الله ﷺ فقال: لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا، أخرجاه فى الصحيحين، وسنذكر من مبدأ التأريخ وما اختلف فى ذلك من الأقوال فى مكانه إن شاء الله تعالى. فصل فى ذكر أوّل المخلوقات (٣) قلت: قد ذكر أبو منصور الثعالبى ﵀ من ذلك جملة كبيرة فى كتابه المسمّى لطائف المعارف أثبتّها فى كتابى الذى سمّيته حدائق الأحداق ودقائق

стр. 103

الحذّاق، وإنّما أذكر هاهنا نتفا لطيفة من ذلك ليكون توطئة لما يأتى بعده من ذكر المخلوقات بالأرضين وبالله أستعين. أوّل المخلوقات من العلويّات: (١) القلم، أوّل جبل وضع فى الأرض: أبو قبيس، وقيل قاف، وسنذكره فى الجبال إن شاء الله تعالى، أوّل بيت وضع للعباد: الكعبة. (٨٣) ذكر البيت الحرام (٢) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ»﴾ (٣)، قال الجوهرى: (٤) يقال: بكّة ومكّة، وقال أيضا: الكعبة البيت الحرام سمّى بذلك لتربيعه، (٥) وقال الخليل ابن أحمد: إنّما سمّيت الكعبة كعبة للتربيع، والعرب تسمّى كلّ بيت مربّع كعبة، وقال مقاتل: إنّما سمّيت كعبة لبنائها مربّعة على موضع رفيع، وسمّى البيت الحرام لأنّ الله حرّمه وعظّم حرمته، وقال أحمد بن حنبل ﵀ بإسناده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كانت الكعبة خشفة على رأس الماء عليها ملكان يسبّحان الليل والنهار قبل خلق السموات والأرض بألفى سنة. قال أبو عمرو ابن العلاء: الخشفة بخاء معجمة الأكمة الحمراء، والشين ساكنة، وقال الجوهرى: (٦) الخشفة: الحسن والحركة، ومعناه على هذا أنّها كانت تضطرب وتتحرّك على الماء. وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال: وضعت الكعبة على أربعة أركان قبل أن يخلق الله الدنيا على وجه الماء ثم دحا الأرض من تحتها،

стр. 104

وروى العوفى عنه أنّه قال: أرسل الله الريح فمسحت الماء حتى حوت على خشفة وهى التى تحت الكعبة ثم إنّ الله مدّ الأرض من تلك الخشفة حتى بلغت حيث أراد الله فى الطول والعرض. وروى عن كعب الأحبار أنّه قال: وجد حجر فى أسفل المقام من أيّام جرهم مكتوب فيه: إنّى أنا الله ذو بكّة حرّمتها يوم خلقت السموات والأرض ويوم وضعت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء من أمّ هذا البيت زائرا عارفا بحقّى مقرّا لى بالوحدانيّة حرّمت جسده عن النار. وروى عن ابن عبّاس (١) قال: قال رسول الله ﷺ : كأنّى أنظر إلى أسود أفحج ينقصها حجرا حجرا يعنى الكعبة، (٨٤) انفرد بإخراجه البخارى، والأفحج المتباعد ما بين الفخذين. ذكر مساحة الأرض ومقدار طولها والعرض (٢) اختلفوا فى مساحة الطول والعرض على أقوال: أحدها: أنّ الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ اثنا عشر ألفا للسودان وثمانية آلاف للروم وثلاثة آلاف لفارس وألف للعرب، قال ابن الجوزى: حكاه جدّى فى مصنّفاته كالمنتخب وغيره. الثانى: أنّها مسيرة خمس مائة عام منها ثلاثمائة عمران ومائتان خراب لا ساكن بها، قاله خالد بن مضرس. الثالث: أنّ طولها أربع مائة سنة وعرضها مائتى سنة، قاله مجاهد. الرابع: أنّ طولها وعرضها مسيرة ثلاثمائة سنة، العمران مائة سنة والخراب مائة سنة والبحار مائة سنة، قاله حسّان بن عطيّة.

стр. 105

الخامس: أنّها ستّة وثلاثون ألف فرسخ فى مثلها، فالهند والسند اثنا عشر ألف فرسخ، وهم ولد سام (١) بن نوح ﵇، والصين ثمانية آلاف فرسخ، والروم عشرة آلاف فرسخ، والعرب أربعة آلاف فرسخ، وفيما بين ذلك ألفان، قاله السّدّى. والسادس: أنّ مقدار الدنيا ثلاثين ألف فرسخ ثلث هواء وثلث بحار وثلث للناس والدوابّ قاله مغيث بن سمّى، وقال فى جغرافيا: الهند والصين والمشرق خمسون ألف فرسخ، ومن حدود الهند إلى العراق أربع مائة فرسخ، وعمل روميّة الروم ثلاث آلاف فرسخ، وقد ذكره الفزارى. وقال مقاتل: ما العمارة فى الخراب إلاّ مثل الفسطاط فى الصحراء، وقال أبو الحسن ابن المنادى: لا خلاف أنّ الأرض على هيئة الكرة وهى موضوعة فى جوف الفلك كالمحّة فى البيضة والنسيم محيط بها كالبياض من المحّة والفلك محيط بالنسيم كإحاطة القشر بالبياض وهى مقسومة بنصفين (٨٥) وبينهما بخطّ (٢) الاستواء وهو من المشرق إلى المغرب وهو طول الأرض. وأمّا عرضها فمن القطب الجنوبى إلى القطب الشمالى ثلاثمائة وستّون درجة الدرجة خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع وهو أربعة آلاف خطوة بخطوة البعير وهو ثلاثة أميال والذراع أربعة وعشرون أصبعا والأصبع ستّ شعيرات كلّ شعيرة ستّ شعرات من شعر البرذون، قلت: وهذا الذراع قدّره المأمون بمحضر من المهندسين والحسّاب، وهو بين الطويل والقصير دون ذراع التجّار والذراع الهاشمى، فعلى هذا التقدير يكون عرض ما بين القطبين تسعة آلاف فرسخ وقد أشار إلى هذا ابن خرداذبه فى المسالك (٣) والممالك.

стр. 106

وأمّا جغرافيا: ذكر فيه بطلميوس طول الأرض وعرضها وجبالها وبحارها وأنهارها ومدنها وجميع ما فيها فنقله المأمون إلى العربيّة. وقال كعب الأحبار: وجدت فى التوراة أنّ الدنيا مثل نسر: فالشام رأسه والروم صدره والمشرق والعرب جناحاه واليمن ذنبه ولا يزال الناس بخير ما لم تقرع الرأس فإذا قرع الرأس هلك الناس. وقال ابن حوقل: (١) ما بين يأجوج ومأجوج إلى ناحية البحر المحيط فى الشمال برارى وقفار وليس فيها عمارة ولا نبات لشدّة البرد بها. قلت: وسببه انحراف الشمس عن القطر الشمالى وكذا ما بين البحر المحيط والسودان برارى لا شئ فيها لشدّة الحرّ بها، وسببه ميل الشمس إلى ناحية الجنوب، ولنذكر الآن العامر من الأرض وقسمته سبعة أقاليم. ذكر الأقاليم السبع وهى المعمور من الأرض (٢) قال صاحب جغرافيا: الدنيا سبعة أقاليم كلّ إقليم تسعمائة فرسخ فى مثلها والبحر الأعظم محيط بها، وجبل قاف وراء البحر، وأطراف السماء (٨٦) عليه كأطراف الخيمة على وجه الأرض، وإنّ خضرة السماء من لونه ولبعد السماء من مسافة الأرض تبين أنّها زرقاء، ثم إنّه رتّب الأقاليم فقال: أوّلها إقليم الهند، ثم إقليم الحجاز، ثم إقليم مصر، ثم إقليم بابل، ثم إقليم الروم، ثم إقليم الترك، ثم إقليم الصين.

стр. 107

ذكر إقليم الهند: الأول (١) يبتدئ الإقليم المذكور أوّله من المشرق من أقصى بلاد الصين فيمرّ على بلاد الهند ثم على ساحل بحر السند إلى ناحية الجنوب فيمرّ على عمان ثم على اليمن وظفار وحضر موت وعان (٢) وصنعاء وتبالة إلى جزيرة العرب فيأتى عليها ثم يقطع بحر القلزم ويمرّ على بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر ويمرّ على مدينة الحبشة وتسمّى جرمى وعلى مدينة النوبة وتسمّى دو قلة (٣) ثم يمرّ على أرض المغرب على جنوب بلاد البربر إلى أن ينتهى إلى بحر المغرب الكبير، وهذا الإقليم صحيح الهواء، يورث صحّة الأجسام والحكمة، قال أبو معشر: وله من البروج: الجدى ومن النجوم زحل. وأمّا جزيرة العرب فاختلفوا فيها فقال الجوهرى: (٤) إنّ أبو عبيدة يقول: جزيرة العرب ما بين رمل سيرين (٥) إلى منقطع السماوة، وقال الأصمعى: هى ما بين نجران والعذيب يعنى نجران اليمن، قال: وإنّما سمّيت جزيرة العرب لإحاطة البحر بها من كل مكان، فجعل حدّها من المغرب بحر القلزم ومن المشرق الفرات لأنّها تمرّ على أرض الكوفة وتصبّ فى البحر. قال ابن الجوزى ﵀: وجزيرة العرب هى أرض العرب وهى عشرية وقد <حدّها> (٦) أصحابنا فقالوا: هى ما بين العذيب إلى أقصى حجرا باليمن ومهرة إلى حدّ الشام، وبعض الفقهاء يقول: حجر بفتح الجيم، وهو حطأ، والصحيح بإسكان (٨٧) الجيم: قصبة اليمامة.

стр. 108

ذكر إقليم الحجاز: الثانى (١) يبتدئ من المشرق على بلاد الصين ثم يمرّ على بلاد الهند ثم على السند وفيه مدينة الكافور ويقال لها الفنصورى ثم على الديبل ثم على البحر الأخضر ويقطع جزيرة العرب فى أرض نجد وتهامة وفيه اليمامة والبحرين وهجر ويثرب ومكّة والطائف وجدّة، ثم يقطع بحر القلزم ويمرّ بصعيد مصر فيقطع النيل ويمرّ على أسوان وإخميم، ثم يمتدّ على أرض المغرب على وسط بلاد إفريقية ثم يمرّ على بلاد البربر وينتهى إلى البحر المحيط. وقال الجوهرى: (٢) الحجاز بلاد وسمّيت بذلك لأنّها حجزت بين نجد والغور، وقال الأصمعى ﵀: إنّما سمّيت بذلك لأنّ جبل الشراة يقبل من قعر اليمن حتى يبلغ أطراف الشام فسمّته العرب حجازا لأنّه حجز بين الغور وما دونه من شرقيّة نجد، وروى عن الأصمعى أيضا أنّه قال: إنّما سمّى الحجاز لأنّه احتجز بالحرار الخمس حرّة بنى سليم وحرّة واقم ولم يذكر الباقيات، قال أبو معشر: ولإقليم الحجاز من البروج: العقرب ومن النجوم المرّيخ، والله أعلم. ذكر إقليم الشام: الثالث (٣) يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصين، ثم على بلاد الهند، ثم على شمالى بلاد السند، ثم على بلاد كابل وسجستان، ثم على سواحل بحر البصرة وفيه مدينة اصطخر وسبا ونيسابور وشيراز وسيراف، ثم يمرّ على كور الأهواز والبصرة وبغداد والكوفة والأنبار وهيت، ثم يمرّ على بلاد الشام: حمص ودمشق وصور وعكّا وطبريّة وعسقلان وغزّة والقدس (٨٨) والرملة، ثم يقطع أسفل مصر ويمرّ

стр. 109

على تنّيس ودمياط والفسطاط مع الفيّوم والإسكندريّة، ثم يرد على بلاد المغرب ويدخل فى سبتة حتى ينتهى إلى البحر الكبير، قال أبو معشر: وله من البروج الجوزاء ومن النجوم عطارد، وهواءه غليظ يورث الصفار مرض من يسكنه من المغرب أكثره الاستسقاء والبطن، والغالب على الشام الدم، وحدّه من العريش إلى الفرات. ذكر إقليم العراق: الرابع (١) يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد التبّت، ثم على خراسان وفرغانة وسمرقند وبلخ وبخارا وهراة ومرو وسرخس وطبرستان وطوس وجرجان وقومس وقزوين والرىّ وإصبهان وقم وقاشان وهمذان ونهاوند والدينور وحلوان ومهرزور وسرّ من رأى والموصل وحرّان والرقّة وقرقسيا، ثم يمرّ على حلب وقنسرين وأنطاكية والمصيعة وأدنة وعمورية وطرسوس، ثم يمرّ فى البحر على جزيرة قبرص ثم يمرّ على بلاد طنجة وما والاها من المغرب، ثم ينتهى إلى البحر الكبير، قالوا: وله من البروج الفوس ومن النجوم المشترى، وقال الخليل بن أحمد: هذا إقليم بابل وإنّما سمّى بذلك لأنّ الألسن تبلبلت بها ومدينتها بناها يرد بن مهابيل (٢) حسبما نذكر إن شاء الله، واختلفوا فى حدّ أرض بابل على أقوال: أحدها أنّها الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود، والثانى: من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة، والثالث: أنّها أرض الحلّة، والأوّل أصحّ.

стр. 110

ذكر إقليم الروم: الخامس (١) يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج ثم يمرّ على شمال حرّان، وفيه من المدن: خوارزم والشاس وآذربايجان وأرمينية، ثم يمرّ على (٨٩) بلاد الروم بأسرها ويقطع البحر إلى رومية الكبرى وجزيرة الأندلس، ثم ينتهى إلى بحر المغرب، قالوا: وله من البروج الدلو ومن النجوم القمر. (٢) ذكر إقليم الترك: السادس (٣) يبتدئ من المشرق ويمرّ على يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على القسطنطينيّة، ثم ينتهى إلى بلاد المغرب، وله من البروج السرطان، وله القمر. (٤) ذكر إقليم الصين: السابع (٥) يبتدئ من المشرق على شمال بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمرّ على بلاد الترك، ثم على ساحل بحر جرجان، ثم يقطع بحر الروم ويمرّ على بلاد الصقالبة والفقحاق، ثم على بلاد البغلرا (٦) وباشقرد وما والاها، وله من البروج الأسد ومن النجوم الشمس. قال أبو معشر: (٧) أعمر هذه الأقاليم وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة وسياسة أربعة أقاليم. وهم: بابل، والهند، والحجاز، ومصر، قال: فأمّا بابل: فيقال مملكة إيران شهر، وكانت الفرس تقدّمه على جميع الأقاليم ومنزلته من العالم بمنزلة القلب من الجسد، والواسطة من العقد، والشمس من الكواكب، وقال
следующие страницы →