[أنكاد] القرن الرابع
لم يزل هذا القرن من أوّله إلى آخره فتنا وغلاء وجوعا وقحطا وقتلا (٣)، واتّصال الفتن فيه من القرن الثالث. وفيه كان ظهور العجمىّ وكسر الحجر الأسود، ثمّ أخذ وقتل. وفيه كان ظهور رجل باليمامة وادّعى النبوّة، وافتعل قرآنا بزعمه، وقتل بأرض حمص. وفيه كان ظهور الفرنج على المسلمين فى جميع البلاد. وفتحوا بيت المقدس بالسيف عنوة، وقتلوا جميع من كان فيه من المسلمين. وفيه استولوا أيضا الفرنج على جزيرة الأندلس. ولم يبق للمسلمين منها غير مسافة أربعة أيّام. ولم تزل الناس فى أعظم الشدايد طول ذلك القرن
[أنكاد] القرن الخامس
فيه أيضا الفتن متّصلة من الفرنج ووصل زيتون إلى باب دمشق، ونهب دارايا، وقتلوا كلّ من كان فيه. وفيه كان غرقة دمشق.
ووقع فى الشرق الغلا العظيم. وفيه اضمحلّت كلمة العبيديّين خلفا مصر والعبّاسيّين خلفا بغداد. وظهر كلمة نور الدين محمود بن زنكىّ بالشرق والشأم والموصل. واستولى على أكثر البلاد، وكان بينه وبين الفرنج حروب ووقاع تشيب الأطفال. وما زال السيف فيه يغنّى والخيول ترقص والدم ينقط. وفيه ظهرت دولة بنى أيّوب. وكانت الفتن العظيمة بمصر بين شاور (١٨) وأسد الدين شيركوه والإفرنج
[أنكاد] القرن السادس
فيه كان ظهور التتار. وظهرت كلمة جكز خان وقتلهم العباد، وخرابهم البلاد، كما قد تقدّم من ذكر أفعالهم القبيحة. وفيه كان نزول الفرنج
стр. 4307
على ثغر دمياط، وملكوا البلاد وأشرفوا على أخذ الديار المصريّة.
وأراد الملك الكامل الهرب إلى اليمن ويدع الديار المصريّة للفرنج، لولا ما أدرك الله تعالى الإسلام بلطفه وحسن عنايته. واستأسر للفرنسيس (٣) وعتقوه. وفيه كان قتل البحريّة لابن أستاذهم الملك المعظّم توران شاه بن الملك الصالح، حسبما ذكرنا من خبره. ولم يزل السيف يقطر الدما-كلّ ذلك بقضاء إله الأرض والسما، الذى لا تتحرّك ذرّة إلاّ بإذنه-إلى سنة تسع وتسعين وستّ ماية. فكانت نوبة غازان بوادى الخزندار، حسبما تقدّم من الأخبار. وكان ذلك فى أيّام تغلّب بيبرس وسلاّر.
ولم يزل الأمر كذلك إلى أن أعلى الله تعالى كلمة مولانا السلطان. وإن كانت لم تزل عالية فى الآفاق، أدام الله عزّ سلطانها إلى يوم العرض والتلاق، الذى وإن أطنبنا فى وصف بعض مناقبه كان اللفظ قاصر، سيّدنا ومولانا ومالك رقّنا السلطان الأعظم الملك الناصر. فانظر أيّها الفاضل بعين الإنصاف، ودع الجدل والخلاف، فهل رأيت مذ مكّنه الله من رقاب أعدايه المتمرّدين، من خلل وقع فى أمر هذا الدين؟ أو من حادث يشين زمانه، أو من قحط وجوع وغلاء حصل فى أوانه، أو من خوف عدوّ نخشاه؟ كلاّ والله، ما كان هذا قطّ فى أيّام دولته وحاشاه (١٥)، فالحمد لله الذى خصّنا، إذ جعلنا من أمّة نبيّه محمد ﷺ ، وخلقنا وأحيانا فى أيّام دولة وليّه محمد السلطان الأعظم الملك الناصر، والليث (١٨) الكاسر، لا زالت أيّامه جواهر قلايد أعناق الزمن، يتقلّد منه بها فى عنقه المنن، وأدام أيّامه، ونصر أعلامه إلى يوم القيامة
стр. 4308
وأمّا قول العبد: إنّ فى أيّامه علا منار الإسلام، وعزّت أمّة النبىّ ﵇، فهذا أيضا لا شك فيه ولا ريب ولا مرا، كما لا شكّ ولا ريب فى أمّ القرى. فممّا يؤيّد هذا المقال، ما تجدّدت فى أيّام دولته المباركة من ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (٥) وهم عدّة
ذكر الجوامع المباركة
التى انتشت فى دولة مولانا السلطان عزّ نصره
جامع بمصر المحروسة بموردة التبن: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره. جامع بمشهد السيّدة نفيسة رضى الله عنها: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره. جامع بالقلعة المحروسة: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره، ثمّ جدّده. جامع أنشاه علاء الدين طيبرس النقيب-﵀-بشاطى النيل المبارك. جامع أنشاه القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة-﵀-بخصّ الكيّالة من بولاق. جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀-بجزيرة الفيل من ضواحى القاهرة.
جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀-بجسر الأفرم بمصر المحروسة. جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀ بجزيرة الروضة جزيرة المقياس. جامع أنشاه القاضى كريم الدين الكبير-﵀-بالقرب من الميدان السلطانىّ. جامع أنشاه الأمير بدر الدين بن التركمانىّ بجوار داره بخطّ باب البحر من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه أمير حسين
стр. 4309
ابن جندر-﵀-بالحكر ظاهر باب سعادة من القاهرة. جامع أنشاه الأمير سيف الدين قوصون الناصرىّ بالشارع الأعظم بدار قتّال السبع.
جامع أنشاه سيف الدين ألماس الحاجب-﵀-بالشارع الأعظم بالموازنيّين. جامع أمر بإنشاه فى هذا الوقت الأمير سيف الدين بشتاك الناصرىّ بقبو الكرمانىّ. جامع أنشاه الأمير سيف الدين الملك الجوكندار بالحسينيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه الأمير جمال الدين آقوش نايب الكرك بالحسينيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه الأمير مظفّر الدين قيدان-﵀-بجوار قناطر الوزّ من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه علاء الدين مغلطاى أخو ألماس الحاجب بحارة البرقيّة، سمّى جامع التوبة. جامع أمر بإنشاه فى هذا الوقت الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ ببولاق بموردة البورىّ. جامع أنشاه الطواشى صواب الركنىّ ظاهر باب القرافة تحت القلعة المحروسة. جامع أنشاه الأمير المرحوم سيف الدين كراى المنصورىّ بالريدانيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه سيف الدين كرجىّ النقيب بالحكر ببستان ابن قريش من ضواحى القاهرة. جامع جدّده ابن الحرّانىّ التاجر بالقرافة عند مأذنة الحريرىّ بدكاكين بدر. جامع أنشاه فى أوّل دولة مولانا السلطان تاج الدين دولة (١٦) شاه بكوم الريش من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه ناصر الدين محمد أخو الأمير شهاب الدين صاروجا النقيب بأرض الطبّالة.
جامع (١٨) أنشاه شخص يسمّى ابن الصارم ببولاق مقابل بستان ألجاى.
واستجدّت الخطبة بصلاة الجمعة بالمدرسة الصالحيّة، وعنى بذلك الأمير
стр. 4310
جمال الدين نايب الكرك المحروس. وأفتى بجواز ذلك وفسح فيه القاضى جلال الدين قاضى القضاة يومئذ بالديار المصريّة
فهؤلاء الجوامع المباركة المستجدّة فى أيّام دولة مولانا السلطان عزّ نصره بالديار المصريّة، بمصر والقاهرة وضواحيهما، خارجا عمّا تجدّدت فى ساير الأعمال المصريّة قبليّها وبحريّها، لم نذكرها، وهم عدّة سبعة وعشرين (٥) خطبة، تخطب باسمه وتدعو له، ويؤمّن (٦) الناس المصلّون بذلك، وذلك خارجا عن الخطب القديمة المستقرّة بالجوامع المتقدّمة بالديار المصريّة، حرسها الله تعالى بدوام أيّام مولانا السلطان
ذكر المستجدّ أيضا من الجوامع المباركة
بالممالك الشاميّة
جامع أنشاه الأمير علم الدين سنجر الجاولى بالقدس الشريف لمّا كان نايبا بغزّة. جامع أنشاه أيضا الأمير علم الدين الجاولى المذكور، بلدّ من عمل الرملة لمّا كان بغزّة. جامع أنشاه أيضا الأمير علم الدين الجاولى المذكور بالكنيسة من أراضى غزّة لمّا كان بها. جامع أنشاه شخص من أهل صفد يسمّى ابن أبى الخير بصفد المحروسة
والمستجدّ أيضا بدمشق المحروسة
جامع أنشاه الأمير جمال الدين آقوش الأفرم بالصالحيّة لمّا كان نايبا بدمشق المحروسة. جامع أنشاه الأمير سيف الدين تنكز الناصرىّ على نهر بانياس بجوار القلعة المحروسة. جامع أنشاه القاضى كريم الدين ﵀
стр. 4311
عند الصبيبات (١) بظاهر دمشق المحروسة. جامع أنشاه القاضى شمس الدين غبريال ﵀ بباب شرقىّ لمّا كان ناظرا بالشأم. جامع أنشاه القاضى شمس الدين غبريال المذكور بالقابون ظاهر دمشق المحروسة
والمستجد أيضا بطرابلس
جامع أنشاه الأمير شهاب الدين قرطاى، ﵀ لمّا كان نايبا بطرابلس، جامع أنشاه بدر الدين بن العطّار ﵀ أيضا بطرابلس
ورسم مولانا السلطان آجره الله بعمارة جامع بربض المرقب المحروس فعمر
فهؤلاء ما اتّصل علم العبد بهم، ولعلّ استجدّ ويستجدّ ما يكون أكثر من هذه العدّة المذكورة
وأمّا الخوانق والرباطات والزوايا وكذلك المساجد فلا تحصى كثرة، وجميع هذه الأماكن مشحونة بالأيمّة والخطبا، والفقهاء، والمدرّسين والمحدّثين والطلبة، والمؤذّنين والقوّام والفقرا والمساكين، وكلّ من هؤلاء فله المقرّر من ساير ما يحتاج إليه، ممّا أوقف عليهم من البلاد والضياع والأملاك والحوانيت. ولهذه الأوقاف مباشرين وعمّال وغير ذلك. ولا بدّ لكلّ منهم من أولاد وعايلة وأطفال وغلمان ودوابّ، والجميع يأكلون من إنعام الله وإنعام مولانا السلطان عزّ نصره. فليس فيهم من روح إلاّ وفيه الحسنة، ويدعو بدوام هذه الأيّام التى كالأحلام، أدام الله أيّام سلطانها إلى آخر الأبد، وعمّره فى الدنيا كعمرى لبيد ولبد، بمحمد وآل محمد
стр. 4312
ذكر تتمّة الحوادث
فيها توجّه سيف الدين ألطنبغا السلاّرىّ أحد مقدّمى الحلقة المنصورة إلى الحجاز الشريف على الهجن، بسبب الصلح بين الأخوين الأمرا رميثة وعطيفة ملاّك مكّة، شرّفها الله تعالى. وكان قبل ذلك قد حضر الأمير عطيفة مستجيرا بالأبواب الشريفة من أخيه رميثة. فرسم المقام الشريف بتوجّه ألطنبغا المذكور بالإنكار على رميثة. فلحقوه بحلالى يعقوب، وأعادوه إلى مكّة. ودخل تحت الطاعة الشريفة السلطانيّة، وحلف على الكعبة الشريفة أربعين يمينا أنّه طايع ممثّل (٨) جميع ما يرسم له به. وعاد ألطنبغا بنسخ الأيمان. ثمّ بعد ذلك توجّه السيّد الشريف عطيفة إلى الحجاز الشريف صحبة الركب المبارك، وبعد توجّه المحمل بعشرة أيّام.
وكان قد توجّه ركب آخر من الديار المصريّة فى شهر رجب. وأدركوا صوم شهر رمضان بمكّة بمشاهدة الكعبة الشريفة. ووردت بعد ذلك كتبهم أنّهم فى أطيب عيش وأهناه، هنّاهم الله تعالى ورزقنا ما رزقهم، بمحمد وآل محمد
وفيها حضر الأمير سيف <الدين> تنكز نايب الشأم، بسط الله <ظلّه> إلى الأبواب الشريفة، بنيّة الزيارة ومشاهدة سيّد الملوك، وملجأ كل غنىّ وصعلوك، وحصل له من الإقبال والإنعام أضعاف ما جرت به عادته فى السنين المتقدّمة. ثمّ إنّه شفع فى ابن هلال الدولة، فأجيب إلى ذلك، وأفرج عنه فى شهر رجب، ورسم له أن يلزم بيته
وكان قبل ذلك قد أفرج عن خالد المقدّم وأخلع عليه، وأعيد إلى تقدمة الولاية بالقاهرة المحروسة
стр. 4313
وفيها توجّه الركاب الشريف إلى صيد الوبر بناحية الإسكندريّة.
وسيّر الأمير بدر الدين مسعود أمير حاجب لكشف (٢) أحوال الأمرا المعتقلين بالإسكندريّة، فوجدهم فى أسوأ (٣) حال، فحنّنه الله تعالى عليهم لمّا بلغ المسامع الشريفة حالهم، فلمّا عاد مع سلامة الله إلى محلّ ملكه بالقلعة المحروسة رسم بالإفراج عنهم، أفرج الله عنه كلّ كرب، ونصره فى كلّ حرب. فكانوا عدة ثلاثة عشر نفر وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والأمير سيف الدين تمر الساقى، والأمير شمس الدين أمير غانم ابن أطلس خان، والأمير سيف الدين طغلق، والأمير سيف الدين قطلبك الوشاقىّ، وكشلىّ، وبيبرس العلمىّ، ولاجين العمرى، والشيخ علىّ السلاّرىّ، وبلاط الجوكندار، وأيدمر الحسامىّ المعروف باليونسىّ، وبرلغىّ الصغير بن طومان، وطشتمر أخو بتخاص. وكان وصولهم إلى القلعة المحروسة وخلاصهم يوم الاثنين رابع عشرين شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة. فأنعم على ركن الدين بيبرس الحاجب بإمرة طبلخاناه بحلب المحروسة، وتوجّه على خبز آقسنقر شادّ العماير كان، بمقتضى أنّه جرت منه أحوال أوجبت القبض عليه واعتقاله. وأنعم على الأمير سيف الدين تمر الساقى بإمرة طبلخاناه بدمشق المحروسة. وأمّا تغلق فإنّه لم يعش بعد الإفراج عنه ووصوله إلى أهله سوى ثمانية أيّام، وتوفّى إلى رحمة الله تعالى. وباقى المذكورين منهم من أنعم عليه بإقطاعات بالشام المحروس، ومنهم من استمرّ مواظب الخدمة الشريفة إلى آخر هذه السنة المذكورة
стр. 4314
وفيها تغيّرت الخواطر الشريفة السلطانيّة على الأمير جمال الدين نايب الكرك لنقايص بدت منه، تدلّ على أنّ الغالب كان على مزاجه السودا. فآل به ذلك إلى ما صار إليه. فكان كما قال الله تعالى ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ (٤_)﴾ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً (٤) الآية. فقبض عليه واعتقل مدّة بالشأم. ثمّ نقل إلى الإسكندريّة بالاعتقال
وتوجّه الأمير سيف الدين طينال الحاجب من غزّة عايدا إلى طرابلس، وأنعم على الأمير سيف الدين شركتمر الناصرىّ بنيابة غزّة، واستقرّ الأمر كذلك إلى آخر هذه السنة
وفيها مسك ابن هلال الدولة، وعبد الله بن كريم الدين الكبير، وولدى كريم الدين الناظر، وهما أبو الفرج ورزق الله، وأعيد الطلب على ولدى التاج إسحق، وهما شمس الدين موسى وأخوه (١١) علم الدين. وكذلك طلب بالحمل أمين الملك المعروف بقريميط المستوفى، بعد أن كان قد أعفوه هذه المدّة من حثّ الطلب. وسبب ذلك أنّه كان كاتب يسمّى المهذّب أصله نصرانىّ، ربّاه شخص يعرف بابن الحايك من أهل الإسكندريّة. وخدم هذا المهذّب عند كريم الدين الكبير مدّة أيّامه. وحصّل فى تلك الأيّام أموالا جمّة. فلمّا مسك كريم الدين فى تأريخ ما تقدّم ذكره خدم المهذّب المذكور بديوان الأمير المرحوم سيف الدين بكتمر الساقى. وكان هذا الأمير المذكور عبارة عن مولانا السلطان، وله من مولانا السلطان منزلة لم يكن وصلها أحد (١٩) من قبله ولا وصلها أحد من بعده
حدّثنى هذا المهذّب ذات يوم وأنا عنده فى بيته لضرورة كانت لى عنده، وأجرينا ذكر التأريخ، وذكرنا من سلف من الناس والأكابر من الأمرا
стр. 4315
وغيرهم الذين كانوا خصيصين بتلك الملوك المتقدّمة. فقال المهذّب للمملوك:
يا مولانا ورّخ عنّى ما أقوله لخدمتك عن المخدوم، يعنى عن الأمير سيف الدين بكتمر: إنّنى منذ خدمته فى سنة ثلاث وعشرين وسبع ماية وإلى هذا اليوم مدّة عشر سنين، ما خلا حسابى قطّ يوما واحدا (٤) من إنعام يتجدّد، من مولانا السلطان للمخدوم من ساير الأنواع المستحسنة من إنعامات الملوك. - ثمّ رمى إلىّ حسابه، فتصفّحته فإذا هو كما قال، يشهد بإنعام يتجدّد للأمير فى كلّ يوم، تشهد بذلك موايمته: إمّا ملك، إمّا عقار، إمّا ذهب، إمّا قماش، إمّا فرس، إمّا طاير جارح (٨)، وما أشبه ذلك. قال: وهذا خارج عن المقرّر له فى كلّ يوم مخفيتين طعام وأتباعها من حلو أو مشروب وفاكهة.
وثمّنّا هذه المخفيتين بألف وأربع ماية درهم، نأخذها من الخزانة مشاهرة.
ثمّ إنّ مولانا السلطان عزّ نصره أطلق يد الأمير سيف الدين بكتمر المذكور فى جميع الممالك، لا يردّ له مرسوم فى ساير الممالك الإسلاميّة. فهل عندك فى التأريخ من وصل من ملك من الملوك هذه المنزلة؟ -يقول المهذّب هكذا.
ثمّ إنّ هذا المهذّب استسلمه مولانا السلطان من تحت السيف، واستمرّ فى خدمة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى ﵀ إلى أن توفّى فى طريق الحجاز، حسبما تقدّم من ذلك. وحصّل المهذّب فى أيّامه وبعد موته من تركته باتّفاقه مع ابن هلال الدولة من الأموال والذخاير والأمتعة ما لا يقع عليه قياس. ثمّ خدم فى ديوان النجل الشريف السلطانىّ، متّعه الله بطول حياة أصله الشريف الطاهر، وجعله فرعا باقيا باسقا مثمرا زاهر. ثمّ انتقل إلى خدمة ديوان المقرّ الشريف السيفىّ بشتاك الناصرىّ، فاستمرّ
стр. 4316
فيه إلى أن هلك فى شهر شعبان من هذه السنة. ونزل إليه القاضى شرف الدين النشو ناظر الخاصّات الشريفة السلطانيّة، والأمير بدر الدين لؤلؤ شادّ الدواوين المعمورة، فوجدوه ملقى على حصير ونطع، ولم يجدوا فى بيته شيئا (٤) له قيمة. وكان المهذّب رجلا مترهّبا ليس له زوجة ولا ولد وتسحّبوا أهله وغلمانه وعبيده وتركوه على هذه الحالة المذكورة.
وأخرج ودفن، واستمرّ الحال كذلك إلى شهر ذى الحجّة من هذه السنة.
فوقع أبوه وعمّه نصرانيّان، فاعترفا بجملة كبيرة من الأموال. وأخرجوا عدّة دفاين من عدّة أماكن، بها آلاف من ذهب عين مختوم. ومن جملة ما وجدوه له فى كنيسة بحارة الروم بالقاهرة المحروسة ذهب كثير، لم أحرّر زينته، وقماش ومتاع بجملة كبيرة. وفى الجملة دواة ومرملة مرصّعتان بفصوص عظيمة القدر. ذكر أن صاحب حماة كان أحضرها فى وقت تقدمة لمولانا السلطان. فأنعم بها مولانا السلطان عزّ نصره على الأمير سيف الدين بكتمر فى يوم من تلك الأيّام المذكورة بالإنعامات. فلمّا توفّى الأمير سيف الدين ﵀، أخذها المهذّب فى جملة ما أخذ من تركته. فلمّا أحاطت العلوم الشريفة بما وجد لهذا الكاتب من الأموال التى تخامر العقول، تحقّق نصره الله أنّ هذا بعضه (١٦) ما هو عند ابن هلال الدولة، إذ كان هو الأصل وهذا المهذّب فرع منه، وكذلك بقيّة الكتبة المذكورين، فطلبوا بذلك والحال مستمرّ فى حثّ الطلب عليهم إلى آخر هذا الشهر، وهو شهر ذى الحجّة سلخ سنة خمس وثلاثين وسبع ماية، والله تعالى الولىّ المالك، أعلم بما يتجدّد بعد ذلك
стр. 4317
وفيها تغيّرت الخواطر الشريفة السلطانيّة، أعزّ الله أنصارها وضاعف اقتدارها على صاحب سيس، لأمور جرت منه عن غير اختياره.
فبرزت المراسم الشريفة للأمير علاء الدين ألطنبغا نايب حلب المحروسة، أن يتوجّه بالعساكر الحلبيّة ويعبر إلى سيس ويخرب ما يقدر عليه، فامتثل ذلك. ودخلت العساكر الحلبيّة صحبة الأمير علاء الدين النايب، وصحبة الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، فإنّه كان وصل إلى حلب، حسبما ذكرنا من خلاصه وإنعام مولانا السلطان عزّ نصره عليه بالإمرة فى حلب. ولمّا دخلت العساكر الحلبيّة فعلوا ما بيّض وجوههم عند الله تعالى وعند مولانا السلطان من قتل الكفّار، أصحاب الصليب والزنّار، وعجّل الله بأرواحهم إلى النار. واستأسروا خلقا كثيرا، وغنموا مغانم كبيرة معجّلة، وأحرقوا زروعهم وسبوا ذراريهم. وخرجوا سالمين غانمين، والحمد لله ربّ العالمين
والذى أقول:
إنّ هذا ملك لله به عناية، وله فيه إرادة، ما رام عزّا إلاّ وصل إليه، ولا شام جليلا إلاّ قدّره الله عليه. فدانت له ساير الممالك، وجزع لهيبته الملوك، فكلّ من خوفه كالهالك. واقتنع المغل منه بالمسالمة، وهى بعفوه عن طلبها عارفة وعالمة، وناهيك من قهر هذه الطايفة التى ما زالت ملوك الأرض من شرّها خايفة. فكيف حال غيرها من ملوك البسيطة، إذ عزمته الشريفة بتأييد الله له بالقدرة عليهم محيطة؟ ولا بدّ من لمعة نختم بها هذا التأريخ المبارك، ممّا قيل من المنظوم فى مدحه، فعاد قايله لنا فى مدحه مشارك، وإن كانت أوصافه جلّت أن يقوم لها نظما ونثرا، أو يحوى ذلك من ألّف لها شعرا <من الطويل>:
стр. 4318
مليك تسامى عدله وعطاؤه ... وخاف لبأساه العدوّ المحارب
له سطوة كالليث إن همّ همّة ... تراه بها يدنو لما هو طالب
وكالغيث يهمو منه مزن هباته ... فتخجل من شحّ العطايا السحايب
قريب حجاب شامخ ذو مهابة ... له العجم دانت خشية والأعارب
هو الناصر المنصور بالرعب إذ غدا ... وقد فرّ من قد خانه وهو هارب
كذلك لمّا أن تجمّع جيشه ... فكلّ غدا بالرعب نحوك طالب
فأنت الذى أضحيت حقّا مظفّرا ... وجاك بما تهوى المنى والرغايب
وكنت السعيد الجدّ إذ عدت ظاهرا ... وسدّت على الأعداء منك المذاهب
فإنك أمسيت المعزّ لديننا ... بك الشرع يسطو حيث ما هو ذاهب
وأيّدت بالتوفيق والنصر منحة ... من الله إذ ما زلت بالله غالب
ذكر سبب دخول سيس
السبب فى ذلك أنّه كان وفد إلى الأبواب الشريفة السلطانيّة، أعلاها الله تعالى، أحد أولاد قرمان ملوك الجبال بنيّة الحجّ. فحصل له من الصدقات العميمة السلطانيّة من الجبر والإقبال ما كان فوق أمله. وتوجّه إلى الحجاز الشريف وعاد، وأعرض عليه الإقامة بالأبواب العالية، وأن ينعم عليه بإمرة كبيرة فامتنع. وقال: يا خوند لا أطيق مفارقة الأهل والوطن، ونحن يا بنى قرمان حيث كنّا مماليك مولانا السلطان، ولا نعيش إلاّ فى نعمته وتحت ظلّ سيفه الشريف: -فكتب على يده مثال شريف إلى ساير النوّاب بالممالك الإسلاميّة الشاميّة بالوصيّة به. وكتب إلى نايب حلب المحروسة أن يجهّز فى خدمته من عسكر حلب من يوصّله إلى مأمنه من بلاده. فامتثل ذلك، وسيّر صحبته أربعة أمرا، منهم الأمير سيف الدين بشقاق ﵀، والشهابىّ،
стр. 4319
وغيرهم فى عدّة مايتى فارس. فلمّا توسّطوا بلاد سيس لم يشعروا إلاّ بتقدير خمس ماية فارس من كبار الأرمن، تعرّضوا لهم بالطريق. وقالوا:
لا نمكّن عدوّنا هذا يدوس أرضنا ويتخطّى رقابنا، وإنّه ما هو مسلم مع المسلمين ولا تترىّ مع التتار، ولا أرمنىّ مع الأرمن. وهو فى كلّ وقت يتعرّض لأذيّتنا (٥) ويدوس بلادنا، واتّفقنا معه عدّة طرق ويخلف وينكث. - فقالوا لهم الأمرا الحلبيّين: هذا حضر من الأبواب العالية، وهو تحت حرم السلطان الملك الناصر عزّ نصره. فلا تتعرّضوا له! يكون ذلك سببا لخراب بيوتكم. -وجرى كلام كثير آخره أنّهم استحلفوه أيمانا مغلّظة بما اختاروه منه. فحلف لهم من تحت القهر. ولولا اختشوا من السطوات الشريفة كان الأمر بخلاف ذلك
وكان جميع ذلك عن غير رضى التكفور صاحب سيس. وإنّما هؤلاء كبار الأرمن غلبوا على رأيه، حسبما ادّعى بعد ذلك. فلمّا وصّلوه إلى مأمنه من بلاده وعادوا الأمرا الحلبيّون، تلقّاهم التكفور بنفسه واعتذر لهم ممّا فعلوه أصحابه، وقدّم لهم تقادم حسنة. فلمّا بلغ المسامع الشريفة ذلك رسم بدخول العساكر الحلبيّة إلى سيس. فهذا كان السبب فى ذلك. ثمّ حضروا رسل الملك أبى (١٦) سعيد ونايبه علىّ شاه، وشفعوا فى صاحب سيس. فقبل مولانا السلطان شفاعتهم على عوايد إحسانه وعظيم امتنانه. ولولا ذلك لكان جعل ديارهم خراب، وسكّانها البوم والغراب
стр. 4320
ذكر عمارة قلعة جعبر فى هذا الوقت
وفيها كان ابتدا عمارة قلعة جعبر المقدّم ذكرها فى الجزء المختصّ بذكر ملوك بنى أيّوب ﵏، وذكرنا صاحبها جعبر الذى عرفت به، وتنقّلها فى أيدى مّلاكها إلى حين خرابها إلى هذا التأريخ. فلمّا كان قدوم الأمير حسام الدين مهنّا بن عيسى إلى الأبواب العالية أشار ببنايها وعمارتها.
فبرزت المراسم الشريفة بذلك. وندب لشادّ عمارتها الأمير علم الدين سنجر الحمصىّ الذى كان حضر من الشأم المحروس، وجعل والى الولاة بالوجه البحرىّ بالديار المصريّة. واهتمّ لعمارتها همّة عظيمة، وتوجّه إليها من ساير الممالك الإسلاميّة بالأعمال الشاميّة عدّة كبيرة من الصنّاع البنّايين والحجّارين والمهندسين. وتوجّه المقرّ الأشرف السيفىّ تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس-بسط الله ظلّه-فى عدّة عشرة آلاف فارس من العساكر الشاميّة، وقطع الفراة وضرب حلقة صيد، فصاد فى حلقة واحدة ألف غزال. ثمّ نزل على القلعة المذكورة ورتّب البنّايين بحضوره. وأقام فى سفرته أربعة وعشرين يوما. وجفلت منه جميع أهل تلك الديار من شحانى التتار والقراو وليّة وسكّان البلاد، فسيّر إليهم وطيّب خواطرهم، فرجع كلّ أحد إلى وطنه واطمأنّت قلوبهم. ولم يتعرّض أحد من الجيوش الذين فى خدمته لشئ تكون قيمته درهما (١٧) ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر، لما فى قلوبهم من عظم هيبة المقرّ المشار إليه. وذلك أنّ العبد من طينة مولاه، أيّد الله تعالى عزماته وأعانه على ما ولاّه. وهذا آخر ما تجدّد من حوادث سنة خمس وثلاثين وسبع ماية. وإلى هاهنا وقف بنا الكلام، فى سيرة سيّد
стр. 4321
ملوك الإسلام، أدام الله أيّامه إلى آخر الدهر، مؤيّدة بالعزّ والقهر.
آمين آمين آمين، يا ربّ العالمين
[خاتمة الكتاب]
من كلام الجنيد ﵀
قال: لا تطلبوا فى آخر الزمان أربعة، فإنّكم تفقدونها ولا تجدونها، لا تطلبوا أن تتعلّموا من عالم يعمل بعلمه، فإنّكم لن تجدوه، فتبقوا بلا علم، ولا تطلبوا أن تأكلوا طعاما (٦) من غير شبهة، فإنّكم لن تجدوه، فتبقوا بلا طعام، ولا تطلبوا أن تعملوا عملا بلا رياء، فتبقوا بلا عمل، ولا تطلبوا صديقا بلا عيب، فتبقوا بلا صديق
والعبد فقد اعترف أنّ هذا التأريخ بجميع أجزاه من سقط المتاع، وحقيق به أن يباع ولا يبتاع، وأنّ خطأه أكثر من صوابه، فلا رادّ على عايب جوابه، فرحم الله امرأ نظر فستر، وأصلح ما يجده فيه من عور، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، من كلّ ما قلته وذكرته وقدرت عليه. وأقول <من الطويل>:
أسير الخطايا عند بابك واقف ... على وجل من جفنه الدمع ذارف
يخاف ذنوبا ليس يخفاك غيبها ... ويرجوك فيها فهو راج وخايف
ومن ذا الذى يرجو سواك ويتّقى ... ومالك فى فصل القضاء مخالف
فيا سيّدى لا تخزنى فى صحيفتى ... إذا نشرت يوم الحساب الصحايف
وكن مؤنسى فى ظلمة القبر عند ما ... يصدّ ذوو (١٨) القربى ويجفو الموالف
لإن ضاق عنّى عفوك الواصع الذى ... أرجّى لإسرافى فإنّى لتالف
стр. 4322
ووافق الفراغ منه مستهلّ سنة ستّ وثلاثين وسبع ماية، أحسن الله عاقبتها بمحمد وآله. والحمد لله وحده، وصلّى الله على محمد نبيّه وعبده، وعلى آله وأصحابه وسلّم، وعظّم وكرّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل