وفيها عزل مجد الدين بن لفينة من نظر الدولة ورفيقه الشمس ابن قروينه (٢). وتولّى عوضهما علم الدين بن التاج إسحق ورفيقه تقىّ الدين ابن السلعوس
وفيها تولّى القاضى محيى الدين بن فضل الله صحابة (٤) ديوان الإنشا الشريف، بحكم ضعف القاضى علاء الدين بن الأثير بمرض الفالج الذى ما شهد بمصر مثله، لما ناله من الضعف والمرض الغريب حتى بطل ساير جسده، ولا عاد يتحرّك فيه غير جفونه. وعادت زوجته تحضر اللوح والدواة قدّامه وتكتب من أوّل الحروف، فكلّ حرف يكون متضمّنا (٨) اسم الحاجة التى يقصدها يكسر جفنه لها، فتفهم منه أنّه ذلك الحرف حتى تجمع من تلك الأحرف اسم تلك الحاجة التى يطلبها، فتحضرها له. وهذا من غريب البلايا، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، فإنّنى كنت إذا رأيته على هذه الحالة تتقطّع كبدى عليه أسفا، لما كان بيننا من الصحبة المتأكدة. ولم يزل كذلك حتى توفّى فى سنة ثلاثين وسبع ماية، رحمه الله تعالى
وفيها يوم الاثنين سلخ جمادى الآخر حضر رسل الملك أبى (١٤) سعيد وهم:
تمربغا وولده أمير زان ورفقتهما وصحبتهما من الهدايا: خيول أربعة عشر إكدش، طيور عشرة، مماليك سبعة. وأكرمهما مولانا السلطان غاية الإكرام، وأحضرهما على الخوان، وبعد شيل الخوان دخلت السقاة، فتناول مولانا عزّ نصره الهناب من الساقى وأسقى الرسول تمربغا من يده الشريفة، بسطها الله بالعدل والإحسان إلى آخر الزمان
стр. 4272
وفيها حضر الأمير سيف الدين أرغون. إلى الأبواب الشريفة بنيّة الزيارة والفوز بمشاهدة مولانا السلطان عزّ نصره، وذلك فى عاشر جمادى الآخرة، وسافر متوجّها إلى حلب يوم الخميس سادس وعشرين الشهر المذكور.
وودّع مولانا السلطان عزّ نصره من القصر الأبلق، وأخلع عليه خلعة السفر، قباء محقّقا (٥) بطرز شركس
وفيها توفّى الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب والأمير شرف الدين حسين بن جندر بيك، رحمهما الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة ثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٢) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم الملك الناصر سلطان الإسلام، أبقاه الله كعبة الآملين، وعصمة الخايفين
والأبواب العالية بغير نايب، والمتحدّث فى الجيوش المنصورة وشكاوى الناس: الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب، وفى الأموال: ابن هلال الدولة حسبما ذكرناه
والنوّاب بالممالك الشأميّة: الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بالشأم المحروس، والأمير سيف الدين أرغون ملك الأمرا بحلب، والأمير سيف الدين طينال نايب أطرابلس، والأمير سيف الدين الحاجّ أرقطاى
стр. 4273
نايب صفد، وحسام الدين لاجين بغزّة، والملوك بالأقطار حسبما ذكرناه فى السنة الخالية
وفيها وصل الملك عماد الدين صاحب حماة إلى الأبواب العالية، وتوجّه فى خدمة الركاب الشريف إلى الصيد المبارك بالوجه القبلىّ. ولمّا عاد توجّه إلى محلّ ملكه من إنعام مولانا السلطان عليه
وفيها حصل للمقام الشريف ما حصل من التوعّك بسبب يده الشريفة، وقاها الله المحذورات، وبسطها وإن كانت لم تزل مبسوطة بالخيرات. وكان التوعّك بهذا السبب مدّة سبعة وثلاثين يوما. ولقد بلغ العبد أنّ المجبّر الذى جبر الله الإسلام بصناعته يقال له ابن أبى ستّة، وكان حاله قد تضعضع.
فكان أكثر أوقاته يقول فى دعايه: يا الله، كسرة بجبرة! -فلمّا جبر الله تعالى الإسلام، بعافية يد سيّد ملوك الأنام، حصل له من البرّ والإحسان والإنعام، ما جبر به كسره العامّ. فلمّا كان يوم الأحد رابع شهر جمادى الآخر جلس مولانا السلطان بالإيوان، وقد منّ الله تعالى على المسلمين بنعمه الوافية، وجمع له بين الأجر والعافية. لا زال فى كلّ حين من بهجة سلطانه ميسم، ولكلّ ثغر من نضارة زمانه مبسم، وأيّامه مصقولة الحواشى والأطراف، وأياديه بادية بالإسعاد والإسعاف. ثمّ إنّ صدقاته العميمة عمّت فى ذلك النهار الخاصّ والعامّ، وفرّق الإقطاعات على أولاد الأجناد الأيتام، وكان يوما مشهودا، والملايكة بما فعله من الصدقات فيه شهودا (١٨)
وفيها كانت الفتنة بمكّة شرّفها الله تعالى. وقتل الأمير سيف الدين آلدمر أمير جاندار وولده وابن التاجىّ، وجماعة من المماليك الذين كانوا مع
стр. 4274
آلدمر. وكانت فتنة كبيرة أشرف الحاجّ فيها على التلاف والنهب. ثمّ سلّم الله تعالى الركب، وخرجوا سالمين بعد ما نهب بعضهم
وفيها أفرج الله تعالى عن الأمير سيف الدين بهادر المعزّىّ، وذلك فى العشر الأخير من جمادى الآخرة، وأنعم عليه بإقطاع الأمير علم الدين سنجر الجمقدار ماية فارس، بحكم انتقال الأمير علم الدين إلى الشأم المحروس
وفيها تولّى القاهرة ناصر الدين محمد بن المحسنىّ، عوضا عن الأمير عزّ الدين أيدمر الجمقدار الزرّاق. وكان الأمير عزّ الدين قد وليها عوضا عن الأمير سيف الدين قدودار أستادار (٨) برلغىّ كان. فلمّا توفّى قدودار وليها المشار إليه، فاستمرّ إلى هذا التأريخ وهو العشر الأوّل من ذى الحجّة.
فسار فى الولاية أحسن سيرة، وكان كثير القلق (١٠) منها، متوجّها إلى الله فى طلب الخلاص من فتنتها. فاطّلع الله تعالى على نيّته، فأحسن خلاصه بما هو أميز منها، وانتقل إلى أمير جانداريّة بين يدى المواقف الشريفة. وكان هذا محمد بن المحسنىّ قد توصّل حتى تولّى إقليم المنوفيّة.
ثمّ توصّل بماله ومال أبيه بدر الدين بلبك المحسنىّ حتى تولّى القاهرة فى هذا التأريخ. وهذا بلبك المحسنىّ من أنطاكية، كسب منها عند ما فتحها السلطان الملك الظاهر ﵀، كسبه بعض مماليك الطواشى محسن، فعرف بالمحسنىّ. ثمّ إنّه كان تولّى القاهرة فى دولة البرجيّة مرّتين، وهو كثير المكر والحيل. فانتقل بمكره إلى نيابة ثغر الإسكندريّة. فحصّل فى مباشراته أموالا (١٩) عظيمة. فلمّا مسك كريم الدين الكبير توجّه الأمير علاء الدين الجمالىّ ومسكه وأخذ منه بعض شى. ثمّ رسم باعتقاله، فتحيّل واشترى نفسه
стр. 4275
بشى من المال، وتخلّص واستمرّ بطّالا (١). ثمّ تحيّل حتى أخذ إمرة عشرة، وتحيّل بماله لولده محمد هذا حتى تولّى القاهرة فى هذا التأريخ. ومشى فيها أيشم مشى. وتسلّط أخوه عمر المجنون على حريم المسلمين يأخذهنّ (٣) بيده من بيوتهم اغتصابا (٤)، وفعل فى القاهرة ما لا يمكن شرحه. وكذلك مماليك محمد نفسه فعلوا أقبح فعل. وله مملوك يسمّى بيدرا عامل الحراميّة على أموال الناس، وكان شخص حرامىّ يسمّى المصيطيلة، اصطنعه محمد ابن المحسنىّ، وجعله قدّامه صفة نوّاب (٧). فكان عنده عدّة من الحراميّة يأخذون أموال الناس، وعليه مقرّر لذلك المملوك فى الظاهر والباطن لأستاذه سبع ماية درهم نقرة فى كلّ جمعة. وعادت أموال الناس تنهب وحريمهم تؤخذ وأولادهم تغصب. وفعلوا فى القاهرة ما لا لحقوه البحريّة فى أيّامهم. وعدمت فى تلك الأيّام عدّة عملات، منها لجماعة من الأمرا منهم: الأمير سيف الدين طرغاى الجاشنكير، والأمير سيف الدين أروس بغا، وجمال الدين بن كرامىّ أمير عشرة، وابن منصور المرحّل المعامل بالإصطبلات السلطانيّة. هؤلاء ممّن لهم صورة بين الناس وراحت أموالهم. ولا قدروا على خلاصها وجميعها تحمل للوالى فى الباطن.
وأمّا الرعيّة الضعفا الحال فشئ كثير جدّا، ولا يقدرون يتكلّمون، وإن تكلّموا قال لهم الوالى: أحضروا أولادكم ونساكم وجيرانكم! - فيرى صاحب الصنايع ترك ماله أرجى له، فيجعل الأجر على الله . وأشيا جرت لو شرحتها لم يسعها أوراق
стр. 4276
وكان بالقاهرة مقدّم بدار الولاية يسمّى محمد بن الأشمونىّ، وكان جلدا فى الظلمة، لا يخيفه (٢) منجسّة ولا يفوته حرامىّ، فاطّلع على جميع هذه المصايب. وكان مولانا السلطان قد علم من هذا المقدّم النهضة (٣)، فعاد يقرّبه ويتحدّث معه، فربّما أنّ هذا المقدّم تكلّم بين رفاقه بشى ممّا أنكره من هذه الأحوال. فبلغ ذلك الوالى ابن المحسنىّ، فخشى غايلته، فاستغنم غيبة الركاب الشريف فى الصيد، لا بل فى الحجاز الشريف، واختلق له ذنوبا، ولم يزل يضربه بالمقارع ضرب التلف حتى علم أنّه قد قضى شغله. فلم يقم المقدّم إلاّ أيّاما (٨) يسيرة وهلك. فلمّا حلّ الركاب الشريف من الحجاز الشريف بلغ المسامع الشريفة بعض شى، لا هذه الأحوال بجملتها. وفهم ابن المحسنىّ ذلك، فسعى سعيا عظيما حتى إنّه لمّا انفصل لم يعارض، ولا أخذ منه الدرهم الفرد. وخرج من الولاية فى تأريخ ما يذكر، وقد حصّل من الأموال ما لا يحصيه إلاّ الله تعالى
ذكر [حوادث] سنة إحدى وثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٦) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، سربله الله من سلطانه سلطانا جديدا، ونظم له من توفيقه قلايد (١٨) وعقودا، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام، فى ذلك العام، وكذلك الملوك. على هذا السلوك
стр. 4277
وفيها فى أوّل المحرّم برزت المراسم الشريفة بتغيّر المناظر الظاهريّة بالميدان المبارك السعيد. وكان ذلك بشادّ محمد المحسنىّ متولّى القاهرة يومئذ، ونظر الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد. وانتهت العمارة المباركة فى شهر ذى الحجّة. ولعب فيه مولانا السلطان عزّ نصره الأكرة يوم السبت سابع عشر الشهر المذكور. وفرّق فيه الخيول على الموالى الأمرا بسروجها. وأنعم بالخلع والحوايص الذهب على الأمرا والمقدّمين، وأخلع على الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد أطلس بطرز زركش كامل وحياصة ذهب مجوهرة، وعلى محمد بن المحسنىّ كنجىّ تمام وكلوتة زركش وحياصة ذهب، وعلى علاء الدين بن أمير حاجب والى مصر ملوّن كامل تمام، وعلى الأمير سيف الدين الملك ابا وكندار قباء مقصّب بطرز
وفيها يوم الاثنين سادس وعشرين ذى الحجّة أنعم مولانا السلطان عزّ نصره على نجله الشريف أمير أحمد بن مولانا السلطان بإمرة، ولبس من المدرسة وشقّ القاهرة بشربوش العادة وخلعة كنجىّ مصمت (١٤) العادة وسنجق وثلاثة أجمال، ولبس الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب أطلس كامل، الأمير علاء الدين أيدغمش مثله، الأمير سيف الدين آقول طرد كامل، الأمير بدر الدين بن مسعود بن خطير مثله، الأمير سيف الدين تمر الموسوىّ مثله، عزّ الدين دقماق مثله، أمير علم مثله، علاء الدين الدوادار مثله، ابن عيّاش كنجىّ أحمر، شهاب الدين صاروجا كنجىّ أحمر تمام، السنجقداريّة بغلطاق، الوشاقىّ بغلطاق، علىّ الدمشقىّ بغلطاق، خضر بن شاملك (٢١) بغلطاق
стр. 4278
فلمّا كان يوم الثلاثا سابع عشرين ذى الحجّة نزل مولانا السلطان عزّ نصره إلى الميدان الذى تحت القلعة المنصورة، وسفّر ولده المشار إليه الأمير شهاب الدين أمير أحمد إلى الكرك المحروس، وصحبته الأمير سيف الدين أرم بغا أمير جاندار. وخرج بطلبه وجنايبه، وخرج فى خدمته لتوديعه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى. وولده أمير أحمد، والأمير سيف الدين ألماس الحاجب، وآقول المحمدىّ، والأمير بدر الدين أمير مسعود، وعزّ الدين أيدمر دقماق، وشهاب الدين صاروجا
وفيها يوم السبت خامس عشر رمضان حمل مهر النجل الشريف السلطانىّ آنوك بن خوند طغاى (٩) إلى بيت المقرّ السيفىّ بكتمر الساقى على ثلاثة بغال، الأوّل صندوقين ضمنها خمسة آلاف دينار، وبغلين قماش، وثلاثة أرؤس خيل فحل، وحجرتين بسروج ذهب، وخمسة مماليك على يد كلّ مملوك بقجة. وأخلع الأمير سيف الدين بكتمر عليهم من الخلع: الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور أطلس كامل بحياصة مجوهرة، الأمير سيف الدين طقتمر الخازن مثله. شمس الدين موسى بن التاج إسحق أبيض كنجىّ كامل، قاسم السيروان ملوّن كامل، الوشاقيّة خلعة، غلمان الخزانة كذلك
وفى هذه السنة كان بالديار المصريّة وباء يسير، وتوفّى جماعة من الأمرا الكبار، وهم: الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، والأمير سيف الدين منكلى بغا السلحدار. والأمير سيف الدين طرجى أمير مجلس، والأمير حسام الدين لاجين الزيرباج، وشهاب الدين بن سنقر الأشقر.
ووردت الأخبار بوفاة الأمير سيف الدين أرغون بحلب. رحمهم الله تعالى
стр. 4279
وعوّضهم الجنّة. وتوجّه إلى حلب الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب على ما كان عليه من النيابة بها
وفيها توفّى شهاب الدين بن المهمندار، والمستقرّ عوضه عزّ الدين أيدمر دقماق فى نقابة الجيوش المنصورة حسبما تقدّم
وفيها زاد النيل المبارك فى يوم واحد ستّة وثلاثين إصبعا، وافى ستّة عشر ذراعا فى رابع وعشرين ذى القعدة موافقا للعشرين من شهر مسرى، وكسر فى ذلك النهار
ذكر [حوادث] سنة اثنتين وثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وتسعة أصابع
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٢) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام، زاد الله به ابتهاج الأيّام، كما غمر بإحسانه كافّة الأنام، والنوّاب بمصر والشام، حسبما تقدّم من الكلام
وفيها فى العشر الأوّل من شهر المحرّم توفّى الأمير علاء الدين الجمالىّ الوزير، والمستقلّ بالأمور ابن هلال الدولة. وقد غلب على جميع مناصب الدولة ما لا وصلت إليه الوزرا الكبار، وقد خلى له الوقت، لا نايب يخشاه، ولا وزير يتوقّاه، ولم يكن له تسلّط إلاّ على صعلوك (١٩)، يكون بيده سبب
стр. 4280
يسير يقوم به أوده، فلا يزال متسلّطا عليه حتى يسلبه ما معه. وأمّا الأغنيا من الناس فيوقّر جانبهم لثلاثة وجوه: إمّا أن يكون ذلك الغنىّ له جاه فلا يتعرّض له لجاهه، وإمّا يكون مطّلعا (٣) على خيانته فيخشاه، وإمّا يصانعه بماله، فلا يتعرّض له ويساعده على أغراضه. وأمّا من لا يقدر على واحدة من الثلاث فلا يبرح يحطّ عليه إلى أن يتركه على الأرض البيضا، حتى أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر
وفيها ثانى صفر كتب كتاب النجل الشريف الطاهر السلطانىّ-وهو المقرّ الأشرف السيفىّ آنوك (٨) بن مولانا السلطان، عضده الله به وبذرّيّته الطاهرة- على بنت المقرّ السيفىّ بكتمر الساقى. وكان ذلك بالقصر الأبلق بحضور الأربعة أيمّة. وفرّق السكريج على الموالى الأمرا. فلمّا كان نهار الاثنين ثالث وعشرين صفر ركب المقرّ السيفىّ آنوك (١١) وخرج من باب السرّ من جهة القرافة، والأمرا والمقدّمين فى خدمته. ووصل إلى سوق الخيل إلى تحت الشباك ونزل وباس الأرض، وعليه خلعة أطلس أحمر بطرز زركش وشربوش مزركش. وطلع من باب السرّ الدى بالإصطبل المعمور، ونثر عليه الذهب والفضّة، وأنعم عليه بإمرة ماية فارس وتقدمة ألف. ولبس ذلك اليوم من الأمرا: الأمير سيف الدين ألماس الحاجب أطلس تمام بحياصة مجوهرة، الأحمدىّ أمير جاندار مثله، الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور مثله. آقول طرد كامل، الأمير بدر الدين أمير مسعود مثله، عزّ الدين دقماق كذلك، جارباش أمير علم كذلك، شهاب الدين صاروجا ملوّن كامل
стр. 4281
وفيها فى يوم السبت سادس ربيع الأوّل حضر رسول الملك أبى (١) سعيد، وهو الحاجّ أحمد وصحبته من الهدايا: بخاتىّ نياق ثمانى قطر، خيول عشرة، مماليك عشرة، جوارى مغانى اثنتين، دبابيس أربعة، بقج قماش عشر، طير ذهب، أنعم به مولانا السلطان على الحاجّ أحمد الرسول، وفى يوم الاثنين استحضره مولانا السلطان وأخلع عليه أطلس كامل وحياصة ذهب، وعلى رفيقه ملوّن (٦)، وركّبه فحلا أحمر بسرج ذهب خرج، وعلى ولده كنجىّ كامل وحياصة ذهب، وبقيّتهم خلع ملوّنة. وفى يوم الاثنين سافر الحاجّ أحمد الرسول متوجّها إلى بلاده، وأعطى الفقرا والحرافيش ذهبا جيّدا (٩) ودراهم
وفيها توفّى القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، رحمه الله تعالى.
وكان فيه برّ وصدقة ومعروف، وإيثار للفقرا والمساكين من أرباب البيوت المستحقّين. ولقد حكى لى وكيله نجم الدين أن كان راتبه فى كل شهر صدقة أربعة آلاف درهم نقرة، خارجا عمّا يحدث وما يتصدّق به من يده، والذى اتّصل إليه القاضى فخر الدين من الحرمة والهيبة والنهضة (١٤) والكفاية ما اتّصل إليه أحد قبله ولا بعده. وكان له عند مولانا السلطان عزّ نصره المنزلة الرفيعة حتى لا كان يخرج عن رأيه لما رأى فيه من البركة. ولقد حجّ القاضى فخر الدين فى سنة تسع وعشرين. وحضرت إلى الأبواب الشريفة جماعة كبيرة من أمرا العربان من آل فضل وآل مرى وغيرهم فى غيبة القاضى فخر الدين، وعادوا يثقلوا على المواقف الشريفة فى كثرة السؤال ولجاجة الطلب حتى تبرّم منهم، وقال: لقد أتعبنا القاضى فخر الدين
стр. 4282
بغيبته، وما كان لهؤلاء أحد مثله. فإنّه كان له سطوة عظيمة على ساير الناس. -وعلى الجملة إنّه ما عاد الزمان يخلفه، فالله تعالى يعوّضه الجنّة
ثمّ إنّ مولانا السلطان خلّد الله ملكه راعى خدمته فى ذرّيّته ولم يغيّر عليهما فى مناصبهما مغيّرا (٤)، بل زادهما على ما كانا عليه فى حياة أبيهما.
واستقرّ بشمس الدين محمد بن عبد الله بن القاضى فخر الدين صاحب ديوان الجيوش المنصورة، وكاتب المماليك السلطانيّة (٦) على ما كان عليه فى حياة جدّه. واستقرّ بشهاب الدين أحمد بن القاضى فخر الدين فى كتابة الجيوش المنصورة على ما كان عليه أيضا فى حياة أبيه. وعاد نصره الله يشفق عليهما ويلطف بهما كأبيهما وأعظم. وهذه عوايد صدقاته العميمة على ساير أيتام مماليكه وخدّامين أبوابه الشريفة. وهذا أمر لا يعهد من ملك غيره، أيّده الله وأدام أيّامه، ومكّن من رقاب أعداه مضارب حسامه بمحمد وآله. وخلّف القاضى فخر الدين من الأموال ما يضيق الحصر عن جملته، وأنعم بجميع ذلك على بنيه. وكانت وفاته ﵀ يوم الأحد خامس عشر شهر رجب من هذه السنة. ولقد حرّرت مدّة خدمته بالأبواب الشريفة فى كتابة المماليك السلطانيّة وصحابة الديوان بالجيوش المنصورة واستقلاله بالنظر، إلى حين وفاته فى هذا التأريخ، فكان سبع وثلاثين سنة، منها استقلالا بالأمر اثنتين وعشرين سنة وثلاثة شهور وخمسة أيّام. وتولّى مكانه القاضى شمس الدين موسى بن القاضى تاج الدين إسحق، وكان مباشرا فى نظر الخاصّ الشريف مكان أبيه. استقلّ بذلك بعد وفاة أبيه القاضى تاج الدين ﵀
стр. 4283
نكتة: قلت، وممّا أحكيه بالمشاهدة والسماع: لمّا كان القاضى تاج الدين إسحق مستوفيا (٢) بالأبواب الشريفة كان القاضى علاء الدين بن الأثير صاحب ديوان الإنشا، وحصل له أيضا من صدقات مولانا السلطان ما كان يقارب به القاضى فخر الدين فى قرب المنزلة، أو ما يساويه. فطلبنى يوما (٤) القاضى تاج الدين إسحق إلى ديوانه، وهو يومئذ مستوفى، وقال: أشتهى من إحسانك تتصدّق إلى عندى البيت، فلى ضرورة بالاجتماع بخدمتك. - فحضرت إلى خدمته بداره بمصر. فتفضّل وأحضر شيئا كثيرا (٧). ثمّ قال:
المسئول من تفضّلك تخاطب القاضى علاء الدين أن يتصّدق على مملوكه موسى يكون فى خدمته فى ديوان الإنشا أسوة الجماعة. -وكان بالديوان فى ذلك الوقت أولاد الصاحب أمين الدين أمين الملك بن العنام، وكان من قبلهم أيضا ومعهم ابن (١١) أبى شاكر بن التاج سعيد الدولة وغيره من أولاد القبط. فقلت: السمع والطاعة، القاضى علاء الدين ما يبخل على مولانا بذلك. -فقال للمملوك (١٣) ياسيف الدين انت رجل عاقل وأحدّثك بشى احفظه عنّى. -قلت: نعم، يا مولانا. -قال: هذا موسى فى طالعه أنّه إذا وصل اثنتين وعشرين سنة يكون له شأن من الشأن. -ثمّ يصل إلى ما لا وصل إليه أحد من أبناء جنسه، أعنى من أقاربه. ثمّ يقع فى شدّة عظيمة ويقيم مدة، ثمّ يخلص، -وبكى. ثمّ سكت ساعة، فقلت: يا مولانا، الله يقرّ عينك به ويعضّدك بحياته! -هذا سماعى منه، ﵀. ثمّ أحكيت ذلك للقاضى علاء الدين. فتبسّم وقال: هؤلاء القبط مربوطين على أحكام المواليد. -ثمّ كان من موسى ما كان، ووصل
стр. 4284
إلى منزلة القاضى فخر الدين بنظر ديوان الجيوش المنصورة. فأقام شهرا واحدا (٢)، وقبض عليه وعلى أخيه علم الدين ناظر الدولة يوم الخميس سابع عشر شعبان المكرّم، وتولّى عوضه القاضى مكين الدين بن قروينة.
وكان المذكور فى أوّل أمره كاتب الأمير ركن الدين بيبرس الباجىّ لمّا كان متولّى القاهرة أيّام البرجيّة. ثمّ خدم فى ديوان الاستيفا مستوفى الشرقيّة.
ثمّ تنقّلت به الأحوال حتى خدم ناظر الدولة. ثمّ عزل وصودر. ثمّ خدم مستوفى الصحبة الشريفة، فلم يزل حتى قبض على موسى بن تاج الدين إسحق، فاستقرّ بديوان الجيوش المنصورة ناظرا، وابن أخيه الشمس ناظر الدولة برفقة شهاب الدين بن الأقفاصىّ، واستقرّ الأمر كذلك
وأمّا أولاد التاج إسحق فإنّهما صودرا مصادرة صعبة وضربا وأسقيا الخلّ والجير. وحمل من جهتهما ما جملته ثلاثة وأربعين ألف دينار عين مصريّة حملا إلى بيت المال المعمور، خارجا عن التوابل وفرط المبيوع. وولى نظر الخاصّ الشريف القاضى شرف الدين النشو، وكان المذكور لمّا أعرض مولانا السلطان عزّ نصره الكتّاب جميعهم مستخدمين الأمرا وغيرهم، كان هذا يخدم فى ديوان الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور. فلحظته السعادة السلطانيّة (١٦) التى لو لحظت الصخر لأينع وأزهر وأثمر، أو الليل الداجى أواخر الشهر لأقمر (١٧)، فاستخدم مستوفيا. ثمّ انتقل إلى نظر الخاصّ الشريف إلى آخر وقت
وفيها توفّى الملك عماد الدين إسمعيل صاحب حماة، رحمه الله تعالى.
وحضر ولده ناصر الدين محمد بن الملك عماد الدين، وحصل له من الجبر
стр. 4285
والصدقة ما هو فوق ما كان فى أمله. ثمّ شملته الصدقات الشريفة بتوليته مملكة حماة مكان أبيه وعلى جارى عادته ومستقرّ قاعدته. وركب من المدرسة المنصوريّة يوم الخميس ثانى شهر ربيع الآخر كعادة ما كان الملك عماد الدين. ولبس خلعة أطلس تمام وثلاث عصايب وفرش برقىّ وسنجق خليفتىّ، ومشى خلفه الجمداريّة العادة، وأخلع على الأمرا: الأمير سيف الدين ألماس أطلس تمام، والأمير ركن الدين الأحمدىّ مثله، والأمير علاء الدين أيدغمش مثله، الأمير سيف الدين طقجى أمير سلاح مثله، الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار مثله، الأمير سيف الدين تمر الجمدار مثله، شجاع الدين عنبر المقدّم طرد كامل، آقول مثله، الأمير بدر الدين أمير مسعود كذلك (١٠)، شهاب الدين صاروجا كنجىّ، عز الدين أيدمر دقماق طرد كامل، جراباش أمير علم مثله، سنقر الخازن مثله، علاء الدين السعيدىّ أمير آخور كذلك، لاجين الناصرىّ مصمت (١٢) أزرق، بكتاش النقيب كنجىّ أزرق، قاشى النقيب قرضيّة: أزبك الفاخرىّ مثله، قيران السلاّرىّ كنجىّ، علىّ الدمشقى الجاويش بغلطاق، المهتار (١٤) عمر نقش، محمد بن عبّاس كنجىّ أحمر، الجمداريّة أربعة عشر طرد، جمداريّة البقج ثلاثة طرد. الوشاقىّ مصمت، السنجقدار مثله. وفى يوم السبت رابع ربيع الآخر عدّى مولانا السلطان عزّ نصره إلى برّ الجيزة بالأهرام، وصاحب حماة لابس الخلعة فى الخدمة. ورجع يوم الثلاثا سابع ربيع الآخر ونزل بدار الأمير سيف الدين طقزتمر على البركة، فإنّه فى الأصل مملوكهم. وقدم لمولانا السلطان فوصل بحسن عقله ودينه وخدمته إلى ما وصل، أحسن الله إليه فى الدنيا والآخرة، فإنّه مستحقّ لذلك. وسافر صاحب حماة الملك
стр. 4286
ناصر الدين محمد بن الملك عماد الدين إسماعيل إلى بلاده، يوم الأربعا ثامن ربيع الآخر، ووصل إلى حماة ملكا مستقلاّ
وفيها توجّه الركاب الشريف السلطانىّ عزّ نصره إلى الحجاز الشريف وهى الحجّة الثالثة. وكان خروجه من الديار المصريّة يوم الخميس خامس عشر شهر شوّال وصحبته الآدر العالية. وفى ركابه الشريف من الموالى الأمرا من يذكر وهم: الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا، الأمير سيف الدين الملك الجوكندار، الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ أمير جاندار، الأمير سيف الدين بهادر المعزّىّ، الأمير علم الدين سنجر الجاولى، الأمير سيف الدين بكتمر الساقى، الأمير سيف الدين طقزدمر، الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور، الأمير سيف الدين قوصون، الأمير سيف الدين صوصون، الأمير سيف الدين بشتاك، الأمير سيف الدين بهادر الناصرىّ، الأمير سيف الدين طايربغا، الأمير سيف الدين طغاى تمر، الأمير سيف الدين طغجى أمير سلاح، الأمير سيف الدين أروم بغا أمير جاندار، هؤلاء من المقدّمين الألوف الكبار. وأمّا الطبلخانات (١٥) فهم: شهاب الدين أحمد بن بكتمر الساقى، جركتمر بن بهادر، طيدمر الساقى، آقبغا الجاشنكير، طقتمر الخازن، طوغان الساقى، بيبرس الموسوىّ، بيدمر البدرىّ، طقبغا، أيتمش الساقى، أياز الساقى، أنص السلحدار، طيبغا المحمدىّ، طيبغا المجدىّ، جريك المهمندار، قطز أمير آخور (٢٠)، بيدر الجمدار، أينبك، أيدمر العمرىّ، يحيى بن طايربغا، نوروز، كجك السيفىّ، ياياق السلحدار، أياق الجمدار، أرس بغا،
стр. 4287
قطلقتمر السلحدار، برلغىّ، بكجا، ساطلمش الجلالىّ، بغاتمر، محمد ابن جنكلى، علىّ بن أيدغمش، أولاجا، آقسنقر، قرا السيفىّ، تمربغا العقيلىّ، قمارى الحسنىّ، علىّ بن الخطيرى. ومن أرباب الوظايف (٣) بالأبواب العالية: الحسنىّ أمير جاندار، أمير مسعود بن خطير الحاجب، وعزّ الدين دقماق أمير النقبا (٥)، وصلاح الدين يوسف الدوادار، بحكم أنّه كان توفّى الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار ﵀ فى هذه السنة، قبل توجّه الركاب الشريف إلى الحجاز، واستقرّ عوضه صلاح الدين المذكور المعروف بدوادار قبجق، والذى توجّه صحبة الطلب السلطانىّ إلى الكرك المحروس طقتمر اليوسفىّ. وأمّا العشراوات المسافرون فى الركاب الشريف فهم: علىّ بن السعيدىّ أمير آخور، وشهاب الدين صاروجا النقيب، آقسنقر الرومىّ، أياجى الساقى، سنقر الخازن، قرلغ الساقى، أحمد بن جنكلى، أرغون العلايىّ، أرغون الإسماعيلىّ، بكا، طغنجق، محمد بن الخطيرىّ، أحمد ابن أيدغمش، طشبغا، قلنجى. ومن نقبا المماليك خمسة نفر وهم: مقبل أيبك الحكيمىّ، بكتوت الشيرازىّ، سنقر تازى (١٤)، خالد بن دقماق. ومن نقبا الحلقة المنصورة ثمانية نفر وهم: قيران السلاّرىّ، محمد أخو صاروجا، محمد القرشىّ، محمد المعظّمىّ، صلاح البشرىّ، كندغدى القجقارىّ، قطز بن ساطلمش، أرسلان. ومن الجاويشيّة نفرين وهما: علىّ الدمشقىّ، وفتح. ومن الطبرداريّة عشرة نفر
وأمّا الأمرا المقيمون بالديار المصريّة حسبما قرّر عليهم من البسط لقدوم الركاب الشريف وهم: الأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ نايب الكرك
стр. 4288
مايتى ذراع، الأمير سيف الدين ألماس الحاجب ماية سبعة وستّين ذراعا، طقطمر الساقى مثله، إيتمش المحمدىّ مثله، آقبغا عبد الواحد مثله. طرغاى الجاشنكير مثله. بهادر البدرىّ ماية ذراع، كوكاى أحد وسبعين ذراعا، بيبرس الأوحدىّ أربعة وستّين ذراعا، طقصبا الظاهرىّ سبعة وسبعين ذراعا (٥)، أزبك الجرمكىّ سبعة وستّين، خاص ترك ماية ذراع، بجاص سبعة وستّين، سنقر المرزوقىّ مثله، آقول الحاجب مثله، آقسنقر السلحدار أربعة وثمانين، قياتمر ستّة وسبعين، بيغنجار سبعة وستّين، أيدمر العمرىّ مثله. أروج أربعة وثمانين، سنجر الخازن مثله، علىّ بن النغايى مثله، آلبرس بن أمير جاندار مثله، أيدمر الكبكىّ مثله، أرلان مثله، أران أحد وسبعين، قطلوبغا الطويل مثله، أطوجى سبعة وستّين، منكلى الفخرىّ أربعة وثمانين، بلبان الحسنىّ سبعة وستّين، جركتمر الناصرىّ مثله، نوروز أربعة وثمانين، قراجا التركمانى سبعة وستّين، أياجى أربعة وثمانين، طقتمر الأحمدىّ مثله، طقتمر الصلاحيّ. سكدساس (١٣) مثله. أبو بكر بن النايب مثله، طيبغا الهاشمىّ أربعة وثمانين، باوور سبعة وستّين، عمر بن النايب مثله، لاجين أمير آخور مثله، أحمد الناصرىّ مثله، علبك مثله، بلبان السنانىّ أربعة وسبعين، ايدق والى القلعة سبعة وستّين (١٦)، الحاجّ قطز مثله، قرا أخو ألماس سبعة وستّين، طوغان أحد وسبعين، بيبرس الماردانىّ سبعة وستّين، محمد بن الأحمدىّ ستّة وستّين (١٨)، محمد بن جمق (١٩) مثله، علىّ بن سلاّر مثله، ألاكز مثله، جوهر بن الملك مثله، تكلان
стр. 4289
مثله، يوسف الجاكىّ مثله، عنبر المقدّم مثله، ما جار مثله، قشتمر والى الغربيّة خمسين، خليل أخو طقصبا أربعة وثمانين، محمد بن المحسنىّ والى القاهرة سبعة وستّين، قيغلى والى البهنسا خمسين، بهادر بن قرمان سبعة وستّين، أيدمر السيفىّ خمسين، عمر بن طقصوا ستّة وستّين، أياز الدوادارىّ خمسين، أيدمر العلايى خمسين، مبارك والى البحيرة خمسين، خضر الكمالىّ والى أسيوط خمسين
أمّا سبب ذكر هؤلاء الأمرا وهذا البسط فله فوايد، الواحدة حفظ أسما هؤلاء الموالى فى هذه الدولة القاهرة فى هذا التأريخ، والأخرى حفظ ما على كلّ إقطاع من إقطاعاتهم من مقرّر البسط ليحتاج إليه فى وقت آخر إنشا الله تعالى، لطول حياة مولانا السلطان، ودوام أيّامه ومعاودته إلى الحجاز الشريف عدّة أخر غير هؤلاء الثلاث الماضين.
فإنّ هذا البسط قرّر على العبر. فإذا احتيج إليه كشف من هذا التأريخ، وكلّ من ينقل من الموالى الأمرا على هذه الإقطاعات عرف ما كان عليه فى هذا التأريخ. فلذلك أثبتناه هاهنا، ولله الحمد والمنّة
وكان هذا المهمّ الشريف ما يعجز الناقل أن يصف بعض بعض ما كان فيه، وقد ذكر أرباب التواريخ رحمة الله عليهم فى تواريخهم من اهتمّ فى حججه من الملوك السالفة، فنقلوا أشيا شتّى. ولو أدركوا والله هذه الدولة القاهرة، وشاهدوا هذه السنّة المباركة وما اهتمّ فيها مولانا السلطان، لصغر عندهم ما استكبروه، وهزل فى أعينهم ما استسمنوه. ولو شرعت أذكر بعض محاسن ما اقترح فى هذه السفرة المباركة من آلات الحجّ المبرور، وما عمل من آلات السفر مثل الأكوار المقترحة التى
стр. 4290
ما رأى (١) الراءون وما شاهدت العيون بأحسن من اقتراحات الموالى الأمرا لذلك.
وأمّا ما استصحبوا من الهجن الطيّارة والبخاتىّ الحسان والجمال العباديّة، عليها المحامل بالأغشية التى يحار البصر فى معاينتهم (٣) لما فيهم من الحلىّ والحلل والذهب والفضّة ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ﴾ (٤) والعربات المقترحة والشقادف اليمنيّة، وما على جميع ذلك من الحلىّ المرصّع بالجواهر الثمينة والفصوص القليلات المثال، لكان شرح يطول اختصاره، ولا نصل إلى بعض بعض مقداره. وكذلك لو ذكرت بعض إنعامات مولانا السلطان عزّ نصره على جميع ما ذكرنا من الموالى الأمرا المتوجّهين (٨) فى ركابه الشريف، وما فرّق عليهم من الهجن والجمال والأكوار المزركشة والسلاسل الذهب والفضّة، ومن جميع ما يحتاجون إليه فى الطرقات والمفاوز، لكنت خرجت عن شرط الاختصار، ولو أطلت فى ذلك لكان غايتى إلى (١١) الاقتصار.
هذا ما ظهر لمثلى وأمثالى من الناس، خارجا عمّا لا نصل إلى (١٢) علم حقيقته.
وهذا ملك قد خصّه الله تعالى بالنصر والتأييد، وبلّغه جميع ما يقصد ويريد.
لا زالت كتايب الرشد منصورة بعلوّ سعده، ومقانب السعد ظافرة بسموّ مجده
وفى هذه الحجّة المباركة لعب الشيطان بعقول بعض مماليك مولانا السلطان.
فلمّا كفروا هذه النعمة، تبرّأ منهم حتى أوردهم موارد النقمة، فهرب منهم جماعة، ثمّ مسكوا وأحضروا ونفذ فيهم القضا، ولم يغنيهم تسحّبهم فى فسيح الفضا
وفى عودة الركاب الشريف توفّى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى وولده أمير أحمد، رحمهما الله تعالى
стр. 4291
وكان قد حضر رسل الملك أبى (١) سعيد فى تاسع عشر شوّال، وهو الشيخ إبراهيم بن سنقر الأشقر وصحبته خمسة نفر. وتوجّه صحبة الركاب الشريف إلى قصر سرياقوس. وأخلع عليه، وتوجّه من هناك
ثمّ توجّه الركاب الشريف، إلى الحجاز الشريف. وعاد مع سلامة الله وعونه، مؤيّدا بالنصر والظفر، على كلّ من طغى ولنعمته كفر
ذكر [حوادث] سنة ثلاث وثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٠) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام: دايم الأيّام، نافذ الأحكام، مالك رقاب الملوك الحكّام
والنوّاب بمصر والشام، حسبما نذكر من الكلام: الأمير سيف الدين ألماس الحاجب إلى حين سخط عليه ومسك وأهلكه الله تعالى، واستؤصلت (١٤) جميع أمواله وذخايره، حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تأريخه إنشا الله تعالى. وقام بالأمر المقرّ البدرىّ أمير مسعود بن خطير أحسن قيام، وكفّ أسباب المظالم عن ساير الأنام، متّع الله بدوام أيّامه أيّام مولانا السلطان، ما غرّدت الأطيار بألحانها على الأغصان. والمتفرّد بأمور الوزارة وساير أحوال الدولة ابن هلال الدولة فى هذه السنة إلى حين قبض عليه فى السنة الآتية، حسبما نذكر ذلك فى تأريخه، إنشا الله تعالى
стр. 4292
وفيها انتقل الأمير سيف الدين طينال من نيابة طرابلس إلى نيابة غزّة، وعاد الأمير شهاب الدين قرطاى إلى طرابلس، وباقى الأمرا النوّاب بحالهم
وفيها حضر رسول الملك أبى (٤) سعيد-وهو الحاجّ أحمد-يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر. وكان الركب الشريف على ناحية طنان فى الصيد المبارك، فاستحضره هناك، وقدّم هديّته، وهى أكاديش ما مثلها ستّة، مماليك ثمانية، بخاتىّ قطارين، فهود ثلاثة، صندوق نشّاب فيه طومار حديد، وجملة قماش عمل البلاد. فأخلع عليه أطلس كامل بكلوتة زركش وحياصة مجوهرة، وولده كنجىّ كامل بحياصة ذهب، ورفاقه جميعهم ملوّن.
وفى ذلك اليوم رحل الركاب الشريف من على طنان وعدّى من رملة منية السيرج، ونزل الكوم الأحمر. ورجع الحاجّ أحمد الرسول إلى القاهرة، ونزل دار الضيافة، وسافر يوم الخميس عاشر جمادى الأولى
وفى يوم الاثنين سلخ الشهر حضر الحاجّ طشتمر الرسول، ونزل المهمنخاناه (١٤) بالقلعة. وأخلع عليه طرد كامل وحياصة ذهب، ثم سافر
وفى يوم السبت عاشر ذى القعدة نزل الركاب إلى الميدان باللوق، وكان ذلك أوّل ركوبه نصره الله فى ذلك العام
وفى يوم السبت مستهلّ ربيع الأول كان الابتدا فى هدم الأماكن التى قبال الجامع المعمور بذكر الله، مثل خزاين بيت المال وخزاين السلاح والدور المجاورة لهما. وفى يوم الاثنين ثالث شعبان (١٩) كان البدوّ فى هدم الإيوان
стр. 4293
الأشرفى. واستمرّ الهدم والتراب إلى يوم السبت ثالث وعشرين ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وسبع ماية، ورسم بردم الجبّ الذى كان بالقلعة فردم
ذكر [حوادث] سنة أربع وثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة ستّة عشر ذراعا وعشرين إصبعا
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (٨) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، وقد ذلّت له رقاب المشركين، وخضعت له الملوك الجبابرة من كلّ دين. والنوّاب بمصر والشام، على ذلك النظام، الذى ذكرناه فى ذلك العام
وقد كان السخط على ألماس الحاجب، وقبض عليه يوم الأربعا العشرين من شهر ذى الحجّة سنة ثلاث وثلاثين وسبع ماية، واحتيط على بيته، وحملت أمواله، ونزل فى حوطته ابن هلال الدولة. ولقد أحصيت عدّة الحمّالين الذين على رءوسهم الأموال، فكان عدّتهم أحدا (١٥) وثمانين حمّالا منهم خمسة وسبعين درهم نقرة، على رأس كلّ حمّال من الدراهم النقرة ثلاثين ألف درهم. فكان جملة ذلك ألفى ألف درهم وثلاث ماية ألف وتسعين ألف درهم. وبعدها ستّة حمّالين-طلعوا صحبة ابن هلال الدولة- ذهب عين وزركش (١٩) وغير ذلك. وكان هذا الرجل يقطع رءوس الأحيا
стр. 4294
والأموات، ويحصّله من وجوه رديّة لا يمكن شرحها، ويقنع بالقطعة اللحم المنتنة. وكان ظاهره مسلما (٢) وباطنه بخلاف ذلك. وكان من الظلم والعسف والجور وعدم الإنصاف إلى أعلى (٣) نهاية. ومن جملة إسلامه الحسن أنّه وجد فى إصطبله عدّة كبيرة من الخنازير، وكذلك فى بلاده من إقطاعه يربّوا ويعتنى بأمرهم. وكان يبيعهم للتجّار الفرنج الواردين إلى الأبواب الشريفة بأغلى ثمن. فلمّا بصّر الله تعالى المقام الشريف فى هذه الأحوال المنكرة، أخذه أشدّ أخذ. وأراح المسلمين من جوره واعتماده. وقبض على بعض التراجمة الذى ذكر عنه أنّه كان يسمسر له على بيع الخنازير للتجّار من الفرنج. فضربه ضربا عظيما حتى كاد يهلك. ثمّ أحاطت العلوم الشريفة أنّه كان مغصوبا على ذلك، ولا كان يقدر على المخالفة، فعفى عنه (١٠). . . .
وأنعم مولانا السلطان عزّ نصره على المقرّ البدرىّ أمير مسعود بن خطير بمكانه. فعاد أمير حاجبا بإمرة ماية فارس وتقدمة ألف، وأنعم الله تعالى على الإسلام بذلك. والحجّاب معه الأمير سيف الدين آقول المحمدىّ إلى حين انتقاله إلى دمشق المحروسة أمير حاجبا بها، واستقرّ بالأبواب بقيّة هذه السنة المقرّ البدرىّ أمير مسعود أمير حاجبا (١٥)، أسبغ الله ظلّه، والأمير سيف الدين جاريك حاجبا، والأمير شرف الدين محمود أخو المقرّ البدرىّ أمير مسعود حاجبا، والأمرا جانداريّة: الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ، والأمير سيف الدين أروم بغا، والأمير سيف الدين بلبان الحسنى،
стр. 4295
وفيها انفصل صلاح الدين يوسف دوادار قبجق من الدواداريّة، وتوجّه إلى الشأم، واستقرّ الأمير سيف الدين بغا، والأمير سيف الدين طقتمر، والأمير سيف الدين طاجار دواداريّة، والمتحدّث فى أمور الوزارة بغير وزارة: ابن هلال الدولة إلى حين قبض عليه فى شهر رجب. وأخذه الله بظلمه أخذ عزيز مقتدر. وأخلع على الأمير سيف الدين ألاكز الناصرىّ متحدّثا فى استخراج الأموال الديوانيّة. وأخلع على بدر الدين لؤلؤ الحلبىّ الذى كان قبل ذلك قد تحدّث فى دواوين حلب، وأنعم عليه بشادّ دواوين حلب، فقام فى ذلك أتمّ قيام، وحسّنه الله بالعين الشريفة السلطانيّة، فأحضر أوّلا فى المصادرة. ثمّ أنعم عليه بالمباشرة فى استخلاص الأموال السلطانيّة بالأبواب العالية، وأن يكون فى خدمة الأمير سيف الدين ألاكز الناصرىّ، وتصدّق عليه بإمرة طبلخاناه، وسلّم إليهما ابن هلال الدولة وخالد المقدّم. وكان هذا خالد أيضا أصله مقدّم بدار الولاية بالقاهرة.
فتوصّل بتحيّل ابن هلال الدولة له حتى عاد مقدّم الدولة، ومشى فيها أيشم مشى، وفعل من الفسق والنجس والتسلّط على الأموال والأنفس والثمرات ما لم يمكن شرحه، وأنفق مع ابن هلال الدولة على كلّ نجس
ولقد بلغنى ممّن أثق به أن كان نفقة هذا خالد فى بيته مرتّبا فى كلّ يوم ثلاث ماية درهم نقرة، وأنّ مقامه فى كلّ ليلة ما يزيد عن الألف درهم، أكثره من الناس مثل الضمّان والمعاملين وغيرهم، ولم تخلص منه مليحة بالديار المصريّة، إلاّ من عصمها الله تعالى وصانها منه، وأنّه كان ما يبخل على المليحة إذا سمع بها، وتمنّعت منه أن يسيّر إليها الخمسين دينارا مع قماش بمثلها، فتأتيه على كلّ حال. وفعل من هذه القبايح ما يضيق هذا المجموع عن مجموع فعله. فربّما بلّغت المسامع الشريفة بعض ذلك،
стр. 4296
فقبض عليه مع ابن هلال الدولة. وكذلك أقارب ابن هلال الدولة كانوا فى مشيهم أيشم من مشى خالد، فمسكوا أيضا
وقبض على شخص يسمّى بكتوت الصايغ، كان مملوك حمى (٣) العبد مسطّر هذا التأريخ، وكان له حديث طويل حتى التصق بابن هلال الدولة فى أيّام كريم الدين الكبير. فلمّا حصل ابن هلال الدولة على الخزانة السلطانيّة التى كانت خرجت مع كريم الدين حسبما ذكرنا، أودعت عند هذا بكتوت حتى انقطع خبرها، ثمّ أعطى منها نصيبا. وكذلك شخص يسمّى (٧) عبد الله البريدىّ، أصله يعرف بابن شديد السامرىّ، فتوصّل حتى عاد بريديّا (٨).
ثمّ التصق بهاء الدين أرسلان (٩) الدوادار. فلم يزل يسعى فى الأرض فسادا حتى توفّى الأمير بهاء الدين. ثمّ التصق بكريم الدين الكبير، فلم يزل يسعى كذلك حتى توفّى كريم الدين. ثمّ التصق بالقاضى علاء الدين، فلم يزل كذلك حتى توفّى علاء الدين. ثمّ التصق بالتاج إسحق، فلم يزل ذلك دأبه حتى توفّى تاج الدين. كلّ ذلك بكعبه المبارك على من يلتصق به.
ثمّ إنّه كان مع ابن هلال الدولة لمّا أخذ الخزانة السلطانيّة، وأخذ نصيبه منها، وتحيّل بمكره المنكر السامرىّ. ولم يتعرّض إليه لمّا مسك ابن هلال الدولة، بحيلة يعجز عنها أبو محمد البطّال. وذلك أنّه كان بلغ المسامع الشريفة السلطانيّة خبر هذه الخزانة، وكيف حصل عليها ابن هلال الدولة من قبل مسكه بسنة كاملة
وتحقّق ابن هلال الدولة أنّه معطوب، فاتّفق مع هذا عبد الله البريدىّ، وقال: تحيّل فى صلتك بالقاضى شرف الدين النشو ناظر الخاصّ
стр. 4297
الشريف، واجعل أنّك عدوّى وحطّ علينا، وأطلعه على جميع مالى فى الظاهر مثل أملاك وغلال وخيول ومواشى، الأشيا التى لا يمكن إخفاؤها، فتحصل لك بذلك السلامة، وتكون واقفا (٣) لنا ومقاتلا معنا فى الباطن، والظاهر أنّك متنصّح. فيقال «لو كان ثمّ أموال باطنة كان هذا أطلعنا عليها» فيحصل لنا ولك الغرض. -فخلص بهذه الحيلة التى أدقّ من ذباب السيف، وتوفّر جانب ابن هلال الدولة من عسف المستخرج. ولم يورد إلاّ ما كان له ظاهرا لا يمكن إخفايه. فكان جميع ما حمل من جهته إلى آخر شهر صفر سنة خمس وثلاثين وسبع ماية، ثلاث ماية ألف درهم أو تزيد قليلا. وأمّا بكتوت الصايغ فأبيع له ستّة وثلاثين ملكا، تشهد كتبهم بأربع ماية ألف وثمانين ألف درهم، فأبيعت بماية ألف درهم وعشرين (١١) ألف درهم، وكذلك فصوص ولؤلؤ ومصاغات لهم قيمة كبيرة. قال بكتوت: إن حسب ما عدمه فكان ثمانى ماية ألف درهم، صحّ الحمل منها على مايتى ألف درهم، والباقى راح توابل وفرط مبيوع. -وهذا شئ لم يسمع بمثله. وتخلّص بعد ذلك بكتوت. واستقرّ ابن هلال الدولة وأقاربه وخالد المقدّم متعافين إلى هذا التاريخ، والله أعلم بما يكون من أمرهم
وفيها توفّى عزّ الدين دقماق نقيب الجيوش المنصورة سادس شهر رجب الفرد. وأنعم على الأمير شهاب الدين صاروجا الفاخرىّ بإمرة نقابة الجيوش عوضا عن عزّ الدين دقماق، لمّا أخذه الله تعالى بعلمه فيه فى ثلاثة أيّام
وفيها توفّى جمال الدين يوسف أمير طبر، ﵀
стр. 4298
وفى يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأوّل من هذه السنة المذكورة أنعم على الأمير جمال الدين آقوش نايب الكرك بنيابة طرابلس، عوضا عن الأمير شهاب الدين قرطاى بحكم وفاته إلى رحمة الله تعالى، واستقرّ كذلك.
وكان المقام الشريف السلطانىّ لا عاد يقوم لأحد من الأمرا فى المجلس إلاّ له. فلمّا توجّه المشار إليه إلى الشأم لم يقوم مولانا السلطان بعده لأحد غيره
وفيها عزل محمد بن المحسنىّ عن ولاية القاهرة ثانى يوم فى شعبان.
وتولّى علاء الدين أيدكين الأزكشىّ البريدىّ مملوك الأمير بدر الدين محمد ابن الأزكشىّ نايب الرحبة كان المقدّم ذكره
وفيها بلغ المسامع الشريفة سوء اعتماد الولاة فى حقّ الرعيّة. فعزل الجميع وصودروا وعوّضوا بمن وقع الاختيار عليه. ونفى من الولاة المعزولين بعد المصادرة ثلاثة نفر إلى الشأم وهم: عزّ الدين أيدمر الذى كان والى الولاة بالوجه البحرىّ، وسيف الدين طوغان الشمسىّ الذى كان والى الأشمونين، وسيف الدين قرشىّ الذى كان والى بلبيس. ومات من الولاة تحت العقوبة أياز الدوادارىّ مملوك الواند وبه عرف. وتخلّص الباقى بعد جهد جهيد، كلّ ذلك لحسن نظر المقام الشريف السلطانىّ فى حقوق رعيّته، لا زال ملكها وراعيها، والله تعالى يشكر له نيّته الشريفة ويعظم له أجر مساعيها
وفى يوم الجمعة ثالث شهر شعبان فى جامع القلعة المحروسة، والناس مجتمعون للصلاة وثب إنسان صفة عجمىّ، وفى يده سكّين، وقصد المقصورة السلطانيّة، فمسك فى وقته، وعذّب بأنواع العذاب، فلم يقرّ
стр. 4299
بشى. فوسّط وعلّق على باب زويلة. قلت: والله لو لم يكن لمولانا السلطان من مماليكه من يحرسه ويكلؤه (٢)، لكان له من يحفظه ويرعاه، من ملايكة الله بأمر الله ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (٤)
وفيها (٥) كان قدوم الأمير حسام الدين مهنّا بن عيسى مذعنا بالطاعة، دايسا لبساط العدل، فسبحان من أذلّ لمولانا السلطان رقاب الأمم، من ملوك العرب والعجم. وكان وصوله إلى الأبواب الشريفة يوم الأحد أذان العصر، العشرين من شهر ذى الحجّة سنة أربع وثلاثين وسبع ماية. وتوجّه مع سلامة الله ورضى الخواطر الشريفة عليه، يوم الخميس عشيّة النهار الرابع والعشرين من ذى الحجّة المذكور، وسنذكر بعد ذلك ما كان من إحسان مولانا السلطان إليه وصدقته عليه (١١)
ذكر [حوادث] سنة خمس وثلاثين وسبع ماية
النيل المبارك فى هذه السنة: الماء القديم. مبلغ الزيادة: ثمانية عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا، وانتهت (١٤) الزيادة فى سنة ستّ وثلاثين وسبع ماية
ما لخص من الحوادث
الخليفة: الإمام المستكفى بالله أبو (١٦) الربيع سليمان أمير المؤمنين، ومولانا السلطان الأعظم: الملك الناصر سلطان الإسلام. أدام الله أيّامه إلى آخر الأبد، وعمّره فى الدنيا كعمرى لبيد ولبد
стр. 4300
وأمير حاجب: الأمير بدر الدين أمير مسعود بن خطير، أحسن الله إليه، وزاد فى إحسانه عليه، وأخوه الأمير شرف الدين محمود حاجبا، والأمير سيف الدين جاريك أيضا، وأمير النقبا: الأمير شهاب الدين صاروجا، والمتحدّث فى أمور الوزارة فى استخراج الأموال الديوانيّة:
الأمير سيف الدين ألاكز الناصرىّ، وبدر الدين لؤلؤ بين يديه، والأمير ركن الدين الأحمدىّ أمير جاندارا، وكذلك الأمير سيف الدين أرم بغا، والأمير سيف الدين بلبان الحسنىّ، والأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد أستادارا، وقد أضيف إليه تقدمة المماليك السلطانيّة، كرّمهم الله تعالى، بحكم انفصال الطواشى عنبر السحرتى، والناظر بالديوان المنصورىّ بالجيوش المنصورة: القاضى مكين الدين بن قروينة
والنوّاب بالشأم: الأمير سيف الدين تنكز ملك الأمرا بدمشق المحروسة، وكان قد حضر إلى الأبواب العالية فى السنة الخالية (١٢)، يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وسبع ماية. وطلع إلى القلعة المحروسة والأمرا فى الموكب، ودخل إلى بين يدى المواقف الشريفة قبل دخول الأمرا. وأخلع عليه فى ساعته أطلس تمام بطرز زركش، وكلوتة زركش، وشاش خليفتىّ بأطراف زركش، وحياصة ذهب بثلاث بيكاريات جوهر. وبعد الخدمة رتّبت فى خدمته النقبا، ودخل إلى الآدر الشريفة ابنته خوند، أصان الله حجابها، وحصل له من الفرح والسرور ما لا يقع عليه قياس، لصلتها بالمقام الشريف السلطانىّ عزّ نصره. ولم يزل فى أنعم عيش وأرغده، وأهناه وأسعده، حتى توجّه مع سلامة الله وعونه
стр. 4301
إلى محلّ نيابته، وذلك يوم الخميس ثالث شهر رجب الفرد سنة (١) أربع وثلاثين وسبع ماية (٢) بعد الخوان. وخرج لتوديعه الأمير سيف الدين قوصون وجاريك الحاجب، والمقرّ البدرىّ أمير مسعود، وعزّ الدين دقماق. وكان مدّة الإقامة أربعة عشر يوما
وأمّا بقيّة النوّاب: فالأمير علاء الدين ألطنبغا بحلب، والأمير جمال الدين آقوش نايب الكرك بطرابلس، والأمير سيف الدين الحاجّ أرقطاى بصفد، والأمير سيف الدين طينال بغزّة
والملوك بالأقطار: مكّة شرّفها الله تعالى: صاحبها الأميرين رميثة وعطيفة، وصاحب المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: كبيش ابن منصور بن جمّاز بن شيحة، وصاحب اليمن: الملك المجاهد علاء الدين بن الملك المؤيّد هزبر الدين داود، وصاحب ماردين: الملك الصالح شمس الدين محمد بن الملك المنصور بن الملك المظفّر، وصاحب حماة: الملك ناصر الدين محمد بن الملك عماد الدين إسماعيل بن الأفضل نور الدين علىّ، وصاحب العراقين إلى خراسان: الملك أبو سعيد، ورسله فى كلّ وقت واردة إلى الأبواب العالية حسبما ذكرناه، وصحبتهم الهدايا والتحف من كلّ فنّ حسن، وصاحب بلاد بركة: الملك أزبك، ورسله فى كلّ وقت واصلة إلى الأبواب العالية بالهدايا والتحف والجوارى (١٧) والمماليك وغير ذلك، تقرّبا إلى الخواطر الشريفة السلطانيّة. وبقيّة ملوك التتار حسبما تقدّم من ذكرهم وأسماهم فى السنين المتقدّمة
وفى أوّل هذه السنة سخط مولانا السلطان على الدواوين وأمر بمسكهم ومصادرتهم. فمسكوا وصودروا وعوقبوا بأنواع العذاب، والحمل وارد
стр. 4302
من جهتهم أوّلا فأوّلا (١) إلى آخر سلخ شهر صفر من هذه السنة. وهو آخر ما وقف بنا الكلام، فأثنينا عنان البريد، ومن بعد ذلك يفعل الله فى ملكه ما يشا، ويحكم فى خلقه ما يريد و ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٣)
ذكر ما تجدّد فى هذه السنة المباركة
فيها برزت المراسم الشريفة بهدم الجامع الذى أنشأه مولانا السلطان عزّ نصره بالقلعة المحروسة وأن يجدّد بنايته. فهدم جميع ما كان من داخله من الرواقات والمقصورة والمحراب، وجدّد بنايته ما لم ترا العيون أحسن منه. وأعلى قناطر الرواقات إعلاء شاهقا، وكذلك القبّة أعلاها حتى عادت فى ارتفاع (٩). . . وأحضر لهذا الجامع أعمدة عظيمة كانوا منسيّين بمدينة الأشمونين بالوجه القبلىّ من أعمال الديار المصريّة. وكانوا هذه الأعمدة فى البربا التى بمدينة الأشمونين من عهد الكهنة المقدّم ذكرهم فى هذا التأريخ فى الجزء الأوّل منه المسمّى «بالدرّة اليتيمة فى أخبار الأمم القديمة» وذكرنا أنّ بانى هذه البربا أحد الكهنة المصريّين، وكان يسمّى أشمو الأشموىّ، فعرفت هذه المدينة به وخفّفت، فقيل الأشمونين. وهؤلاء الأعمدة من صناعة شياطين الجانّ. وممّا يعجز عن كيفيّة عملهم البشر من الإنس، وإنّما هؤلايك الكهنة يستعينوا بالأسما والطلسمات على استخدام المردة من الجانّ فى جميع أشغالهم وبناياتهم. وقد قيل: إنّ هؤلاء الأعمدة معجونة مسبوكة فى قوالب، وذلك لكون أنّ الناس لم يروا لهم معدنا (١٨)
стр. 4303
قد قطع منه هذه الأعمدة الغريبة المثال، فتوهّموا ذلك. -وهذا بعيد أن تكون أخلاط بهذه الصلابة العظيمة، وإنّما لعلّهم من معدن داخل اللواحات من المدن القديمة التى ذكرناها فى ذلك الجزء. وكانوا تلك الأقوام يستعينوا بما قد ذكر من استخدام المردة الجانّ فى نقلهم إلى أماكن يختاروها.
وعلى الجملة فإنّ أشياء حارت فيها العقول، نقلها مولانا السلطان بأسهل ما يكون، وذلك أنّه ندب من الأبواب الشريفة الأمير سيف الدين أروس بغا الناصرىّ مشدّا بحمل هذه الأعمدة. وسيّر فى خدمته المهندسين والعتّالين والحجّارين. وكتب للولاة بالوجه القبلىّ وهم: والى أسيوط ومنفلوط، ووالى الأشمونين، ووالى البهنساويّة بجمع الرجال من الأقاليم.
وقرّر على كلّ وال عدّة من هذه الأعمدة المذكورة، وجرّهم إلى ساحل البحر الأعظم. وندب لهم المراكب الكبار الخشنة. وحملوا فى أوايل جريان النيل المبارك ليأمنوا من الوجلات، لثقل هذه الأعمدة. ولمّا حضروا إلى ساحل مصر انتدبت لجرّهم الولاة بمصر والقاهرة. وجمعوا لهم آلافا (١٣) من الناس استعانوا بهم. وكان لهم همّة عظيمة حتى حصلوا وأقيموا فى هذا الجامع السعيد الذى ادّخر به مولانا السلطان قصورا (١٥) عدّة فى عرصات الجنان. وهذا ملك قد جمع الله تعالى له ملك الدنيا إلى ثواب الآخرة، وعزّة النفس إلى بسطة العلم ونور الحكمة إلى نفاذ الحكم، زاد الله سلطانه عزّا وقهر، وأدام أيّامه إلى آخر الدهر
стр. 4304
ذكر عدّة ما استجدّ من الجوامع المعمورة بذكر الله تعالى
فى أيّام مولانا السلطان
قلت: قد اعتبرت منذ أوّل زمان وإلى آخر وقت، لم أجد زمانا أكثر خيرا وأمنا وخصبا، وإقامة منار الإسلام فى ساير الممالك الإسلاميّة من زمان مولانا السلطان. -وقد قيل: الأوطان حيث يعدل السلطان، وعدل السلطان، خير من خصب الزمان (٤). -فكيف إذا اجتمعت جميع هذه الخلال فى أيّام مولانا السلطان، زاد الله دولته شبابا ونموّا، كما زاده فى شرف الملك ارتقاء وبقاء وعلوّا. فأمّا قول العبد: إنّه لم يكن فى زمان أكثر خيرا وأمنا وخصبا (٩) من هذا الزمان، فهذا لا يحتاج إلى دليل ولا إلى برهان، كونه بالمشاهدة والعيان، يفهم ذلك كلّ من له اطّلاع، وهو سالم الطباع، ليس الهوج الرعاع. وها العبد يبيّن صحة دعواه، ليوافق كلّ أحد على غرضه وهواه،
[ذكر أنكاد الزمان:]
فأقول: إنّ الناس أجمعوا من عهد الهجرة وإلى أيّام مولانا السلطان، لابدّ فى كلّ قرن من سرور وأنكاد تختصّ بذلك الزمان، ولا بدّ فى ذلك من البيان
[أنكاد] القرن الأوّل
أوّله من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأوّل الفتن فيه، ما حدث بعد وفاة سيّدنا رسول الله ﷺ من أمر الردّة فى خلافة الإمام أبى بكر رضى الله عنه، وما كان أيضا من أمر
стр. 4305
مسيلمة الكذّاب وسجاح، وحرب اليمامة ومقتل (١) عثمان رضى الله عنه. ثمّ بعد ذلك ما كان من حرب الجمل فى خلافة علىّ بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، وحرب صفّين، وما كان من أخباره. وقد تقدّم ذكر جميع ذلك فى أجزا هذا التأريخ
[أنكاد] القرن الثانى
أوّله ما كان من الفتن العظيمة بين الأمويّين والعبّاسيّين، وقبله ما كان من قتل الإمام الحسين والخوارج الخارجة على الأمويّين فى ساير الأقطار شرقا وغربا (٨)، وما كان من انقراض دولتهم وانتشا دولة بنى العبّاس. وفيه كان تتبّع قبور الأمويّين ونبشهم وإحراقهم بالنار، ولم يسلم من ذلك غير قبرى معاوية (١٠_) رضى الله عنه، وعمر (١٠) بن عبد العزيز رضى الله عنه (١١)
[أنكاد] القرن الثالث
فيه كان ظهور العبيديّين خلفا مصر من المغرب وفتنتهم العظيمة ووقايعهم، وظهور القرامطة الذين أخربوا الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وما أظهروه من البدع العظيمة فى الدين، وظهور الحسنين بالحجاز واليمن، وظهور العلويّين بطبرستان، وتوجّه القرامطة إلى مكّة شرّفها الله تعالى، وقتلهم الحاجّ، وأخذهم الحجر الأسود. وكان فى هذا القرن من الفتن والأحوال النكدة ما لا يحصى كثرة
стр. 4306
[أنكاد] القرن الرابع
لم يزل هذا القرن من أوّله إلى آخره فتنا وغلاء وجوعا وقحطا وقتلا (٣)، واتّصال الفتن فيه من القرن الثالث. وفيه كان ظهور العجمىّ وكسر الحجر الأسود، ثمّ أخذ وقتل. وفيه كان ظهور رجل باليمامة وادّعى النبوّة، وافتعل قرآنا بزعمه، وقتل بأرض حمص. وفيه كان ظهور الفرنج على المسلمين فى جميع البلاد. وفتحوا بيت المقدس بالسيف عنوة، وقتلوا جميع من كان فيه من المسلمين. وفيه استولوا أيضا الفرنج على جزيرة الأندلس. ولم يبق للمسلمين منها غير مسافة أربعة أيّام. ولم تزل الناس فى أعظم الشدايد طول ذلك القرن
[أنكاد] القرن الخامس
فيه أيضا الفتن متّصلة من الفرنج ووصل زيتون إلى باب دمشق، ونهب دارايا، وقتلوا كلّ من كان فيه. وفيه كان غرقة دمشق.
ووقع فى الشرق الغلا العظيم. وفيه اضمحلّت كلمة العبيديّين خلفا مصر والعبّاسيّين خلفا بغداد. وظهر كلمة نور الدين محمود بن زنكىّ بالشرق والشأم والموصل. واستولى على أكثر البلاد، وكان بينه وبين الفرنج حروب ووقاع تشيب الأطفال. وما زال السيف فيه يغنّى والخيول ترقص والدم ينقط. وفيه ظهرت دولة بنى أيّوب. وكانت الفتن العظيمة بمصر بين شاور (١٨) وأسد الدين شيركوه والإفرنج
[أنكاد] القرن السادس
فيه كان ظهور التتار. وظهرت كلمة جكز خان وقتلهم العباد، وخرابهم البلاد، كما قد تقدّم من ذكر أفعالهم القبيحة. وفيه كان نزول الفرنج
стр. 4307
على ثغر دمياط، وملكوا البلاد وأشرفوا على أخذ الديار المصريّة.
وأراد الملك الكامل الهرب إلى اليمن ويدع الديار المصريّة للفرنج، لولا ما أدرك الله تعالى الإسلام بلطفه وحسن عنايته. واستأسر للفرنسيس (٣) وعتقوه. وفيه كان قتل البحريّة لابن أستاذهم الملك المعظّم توران شاه بن الملك الصالح، حسبما ذكرنا من خبره. ولم يزل السيف يقطر الدما-كلّ ذلك بقضاء إله الأرض والسما، الذى لا تتحرّك ذرّة إلاّ بإذنه-إلى سنة تسع وتسعين وستّ ماية. فكانت نوبة غازان بوادى الخزندار، حسبما تقدّم من الأخبار. وكان ذلك فى أيّام تغلّب بيبرس وسلاّر.
ولم يزل الأمر كذلك إلى أن أعلى الله تعالى كلمة مولانا السلطان. وإن كانت لم تزل عالية فى الآفاق، أدام الله عزّ سلطانها إلى يوم العرض والتلاق، الذى وإن أطنبنا فى وصف بعض مناقبه كان اللفظ قاصر، سيّدنا ومولانا ومالك رقّنا السلطان الأعظم الملك الناصر. فانظر أيّها الفاضل بعين الإنصاف، ودع الجدل والخلاف، فهل رأيت مذ مكّنه الله من رقاب أعدايه المتمرّدين، من خلل وقع فى أمر هذا الدين؟ أو من حادث يشين زمانه، أو من قحط وجوع وغلاء حصل فى أوانه، أو من خوف عدوّ نخشاه؟ كلاّ والله، ما كان هذا قطّ فى أيّام دولته وحاشاه (١٥)، فالحمد لله الذى خصّنا، إذ جعلنا من أمّة نبيّه محمد ﷺ ، وخلقنا وأحيانا فى أيّام دولة وليّه محمد السلطان الأعظم الملك الناصر، والليث (١٨) الكاسر، لا زالت أيّامه جواهر قلايد أعناق الزمن، يتقلّد منه بها فى عنقه المنن، وأدام أيّامه، ونصر أعلامه إلى يوم القيامة
стр. 4308
وأمّا قول العبد: إنّ فى أيّامه علا منار الإسلام، وعزّت أمّة النبىّ ﵇، فهذا أيضا لا شك فيه ولا ريب ولا مرا، كما لا شكّ ولا ريب فى أمّ القرى. فممّا يؤيّد هذا المقال، ما تجدّدت فى أيّام دولته المباركة من ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ (٥) وهم عدّة
ذكر الجوامع المباركة
التى انتشت فى دولة مولانا السلطان عزّ نصره
جامع بمصر المحروسة بموردة التبن: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره. جامع بمشهد السيّدة نفيسة رضى الله عنها: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره. جامع بالقلعة المحروسة: أمر بإنشاه مولانا السلطان عزّ نصره، ثمّ جدّده. جامع أنشاه علاء الدين طيبرس النقيب-﵀-بشاطى النيل المبارك. جامع أنشاه القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة-﵀-بخصّ الكيّالة من بولاق. جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀-بجزيرة الفيل من ضواحى القاهرة.
جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀-بجسر الأفرم بمصر المحروسة. جامع أنشاه أيضا القاضى فخر الدين المذكور-﵀ بجزيرة الروضة جزيرة المقياس. جامع أنشاه القاضى كريم الدين الكبير-﵀-بالقرب من الميدان السلطانىّ. جامع أنشاه الأمير بدر الدين بن التركمانىّ بجوار داره بخطّ باب البحر من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه أمير حسين
стр. 4309
ابن جندر-﵀-بالحكر ظاهر باب سعادة من القاهرة. جامع أنشاه الأمير سيف الدين قوصون الناصرىّ بالشارع الأعظم بدار قتّال السبع.
جامع أنشاه سيف الدين ألماس الحاجب-﵀-بالشارع الأعظم بالموازنيّين. جامع أمر بإنشاه فى هذا الوقت الأمير سيف الدين بشتاك الناصرىّ بقبو الكرمانىّ. جامع أنشاه الأمير سيف الدين الملك الجوكندار بالحسينيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه الأمير جمال الدين آقوش نايب الكرك بالحسينيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه الأمير مظفّر الدين قيدان-﵀-بجوار قناطر الوزّ من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه علاء الدين مغلطاى أخو ألماس الحاجب بحارة البرقيّة، سمّى جامع التوبة. جامع أمر بإنشاه فى هذا الوقت الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ ببولاق بموردة البورىّ. جامع أنشاه الطواشى صواب الركنىّ ظاهر باب القرافة تحت القلعة المحروسة. جامع أنشاه الأمير المرحوم سيف الدين كراى المنصورىّ بالريدانيّة من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه سيف الدين كرجىّ النقيب بالحكر ببستان ابن قريش من ضواحى القاهرة. جامع جدّده ابن الحرّانىّ التاجر بالقرافة عند مأذنة الحريرىّ بدكاكين بدر. جامع أنشاه فى أوّل دولة مولانا السلطان تاج الدين دولة (١٦) شاه بكوم الريش من ضواحى القاهرة. جامع أنشاه ناصر الدين محمد أخو الأمير شهاب الدين صاروجا النقيب بأرض الطبّالة.
جامع (١٨) أنشاه شخص يسمّى ابن الصارم ببولاق مقابل بستان ألجاى.
واستجدّت الخطبة بصلاة الجمعة بالمدرسة الصالحيّة، وعنى بذلك الأمير
стр. 4310
جمال الدين نايب الكرك المحروس. وأفتى بجواز ذلك وفسح فيه القاضى جلال الدين قاضى القضاة يومئذ بالديار المصريّة
فهؤلاء الجوامع المباركة المستجدّة فى أيّام دولة مولانا السلطان عزّ نصره بالديار المصريّة، بمصر والقاهرة وضواحيهما، خارجا عمّا تجدّدت فى ساير الأعمال المصريّة قبليّها وبحريّها، لم نذكرها، وهم عدّة سبعة وعشرين (٥) خطبة، تخطب باسمه وتدعو له، ويؤمّن (٦) الناس المصلّون بذلك، وذلك خارجا عن الخطب القديمة المستقرّة بالجوامع المتقدّمة بالديار المصريّة، حرسها الله تعالى بدوام أيّام مولانا السلطان
ذكر المستجدّ أيضا من الجوامع المباركة
بالممالك الشاميّة
جامع أنشاه الأمير علم الدين سنجر الجاولى بالقدس الشريف لمّا كان نايبا بغزّة. جامع أنشاه أيضا الأمير علم الدين الجاولى المذكور، بلدّ من عمل الرملة لمّا كان بغزّة. جامع أنشاه أيضا الأمير علم الدين الجاولى المذكور بالكنيسة من أراضى غزّة لمّا كان بها. جامع أنشاه شخص من أهل صفد يسمّى ابن أبى الخير بصفد المحروسة
والمستجدّ أيضا بدمشق المحروسة
جامع أنشاه الأمير جمال الدين آقوش الأفرم بالصالحيّة لمّا كان نايبا بدمشق المحروسة. جامع أنشاه الأمير سيف الدين تنكز الناصرىّ على نهر بانياس بجوار القلعة المحروسة. جامع أنشاه القاضى كريم الدين ﵀