← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18152

فتيا في صيغة الحمد

ابن القيم

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٧) فُتْيا في صيغة الحمد «الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) تحقيق عبد الله بن سالم البطاطي إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق "الحمد لله حمدًا دائمًا سرمدًا، حمدًا لا يحصيه العدد، ولا يقطعه الأبد، وكما ينبغي لك أن تحمد، وكما أنت له أهل، وكما هو لك علينا حقٌّ". "اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا، ورزقتنا، وهديتنا، وعلمتنا، وأنقذتنا، وفرَّجْتَ عنَّا .. لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل، والمال، والمعافاة .. كَبَتَّ عدوَّنا، وأظهرتَ أمْنَنا، وجمعتَ فُرقَتَنا، وبَسَطْتَ رزقنا، وأحسنتَ معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربَّنا أعطيتنا .. فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمةٍ أنعمتَ بها علينا في قديمٍ أو حديثٍ، أو سِرٍّ أو علانيةٍ، أو خاصةٍ أو عامةٍ، أو حيٍّ أو ميتٍ، أو شاهدٍ أو غائبٍ .. لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت" (١). اللهم "تَمَّ نورُك فهديتَ، فلك الحمد، وعَظُم حلمُك فعفوتَ، فلك الحمد، وبسطتَ يدك فأعطيت، فلك الحمد .. ربَّنا: وجهُك أكرم الوجوه، وجاهك أعظم الجاه، وعطيتك أفضل العطية وأهنَؤُها .. تُطاع - ربَّنا - فتشكُر، وتُعصى - ربَّنا - فتغفِر، وتجيب المضطَر، وتكشف الضرَّ، وتشفي السقيم، وتنجي من الكرب، وتغفر الذنب، وتقبل التوبة، ولا _________ (١) هذا من دعاء الحسن البصري ﵀، كان يستفتح به حديثه. أخرجه ابن أبي الدنيا في (الشكر) رقم ١١، ومن طريقه البيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٢٦٦.

стр. 3

يجزي بآلائِك أحدٌ، ولا يبلغ مِدْحَتَك قولُ قائل" (١). فـ "اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا خالدًا مع خلودك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له دون علمك، ولك الحمد حمدًا لا منتهى له دون مشيئتك، ولك الحمد حمدًا لا أجر لقائله إلا رضاك" (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام الحامدين، وعظيم الشاكرين، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: فإن من أَقْربِ القُرَب، وأفضل الفضائل، وأحقِّ الحقِّ؛ اشتغالُ العبد _________ (١) روي عن علي ﵁ مرفوعًا وموقوفًا: فأما المرفوع فأخرجه أبو يعلى في مسنده رقم ٤٤٠، وسنده ضعيف. وأما الموقوف فأخرجه: ابن فضيل الضبي في (الدعاء) رقم ٦٩، وابن أبي شيبة في (المصنف) ١٠/ ٢٢٩ رقم ٩٣٠٦، والطبراني في (الدعاء) رقم ٧٣٤. وعزاه المتقي الهندي في (كنز العمال) ٢/ ٦٤٠ رقم ٤٩٦٣ إلى: جعفر فى (الذكر)، وأبي القاسم اسماعيل بن محمد بن فضل في أماليه. وهو حسن -إن شاء الله- بمجموع طرقه. (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٧٩ من حديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا، وقال عقبه: "فيه انقطاع بين عليٍّ ومن دونه". وضعفه الألباني في (ضعيف الترغيب والترهيب) رقم ٩٦٨ و ٩٨٢. وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٨/ ٢٢٣ ومن طريقه الحافظ ابن حجر في (نتائج الأفكار) ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠ من قول محمد بن النضر الحارثي.

стр. 4

بالثناء والحمد لذي العُلَى والمجد؛ فإنه -سبحانه- أهلٌ لأن يُحمد، وأهلٌ لأن يُشْكَر ويُثنى عليه، وهو ﷻ المحمود على كمال محاسِنه، وتمام إحسانه. و"الحمد" من أحب العبادات إلى الله ، كما ثبت ذلك في حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "وما من شيءٍ أحبَّ إلى الله من الحمد" (١). وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، أن النبي ﷺ قال: "أفضل الذكر (لا إله إلا الله)، وأفضل الدعاء (الحمد لله) " (٢). فلا غَرْوَ إذن أن يحرص الناس على سؤال أهل العلم عن صيغ الحمد وألفاظها، بل عن أفضلها وأجلِّها وأكملها؛ لأن ذلك أسعد لحظِّ المؤمن. فها هو الحافظ السخاوي (٩٠٢) يُسأل عن ألفاظ الروايات الواردة في جوامع التسبيح، فيذكر ما استحضره من الروايات الواردة في صيغ _________ (١) أخرجه: أبو يعلى في مسنده رقم ٤٢٥٦، والبيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٥٨، وفي (السنن الكبرى) ١٠/ ١٠٤. وحسنه الألباني في (السلسلة الصحيحة) رقم ١٧٩٥. (٢) أخرجه: الترمذي رقم ٣٣٨٣، وابن ماجه رقم ٣٨٦٨، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) رقم ٨٣١، وابن أبي الدنيا قي (الشكر) رقم ١٠٢، وابن حبان رقم ٨٤٦، والحاكم ١/ ٤٩٨ و ٥٠٣ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٦١ وغيرهم. وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) رقم ١١٠٤، و (السلسلة الصحيحة) رقم ١٤٩٧.

стр. 5

الحمد والتسبيح (١). ويُسأل ابن حجر الهيتمي المكي (٩٧٤) عن قول السراج البلقيني إن أفضل صيغ الحمد "الحمد لله رب العالمين"، فَسَردَ أقوال العلماء في أفضل الصيغ، ثم استحسن صيغة: لَفَّقَها من سائر الأقوال، وهي "الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه" (٢). ولربما يتوجَّه السؤال إلى صيغةٍ بعينها للاستفسار عن ثبوتها، أو عما تحمله من المعاني؛ كما هو الحال في السؤال الذي وُجِّه إلى الإمام ابن القيم ﵀، وأجاب عنه بهذه الفتيا التي بين أيدينا. مضمون الفتيا: السؤال الموجَّه إلى الإمام ابن القيم ﵀ يتعلق بصيغةٍ من صيغ الحمد، هي: "الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده"؛ عن ثبوتها وصحتها، وهل ما ذكره بعضهم من أن هذه الصيغة هي أفضل الصيغ وأكملها صحيحٌ أم لا؟. فأجاب ببطلان ذلك، وبنفي ثبوت هذه الصيغة من جهتين: من جهة الرواية، ومن جهة الدراية. فأما من جهة الرواية فذكر أن هذه الصيغة ليس لها إسنادٌ؛ فضلًا عن _________ (١) انظر (الأجوبة المرضية) ٣/ ٩٠٨ - ٩١١. (٢) انظر (الفتاوى الكبرى الفقهية) ٤/ ٢٦٣.

стр. 6

ثبوتها أو صحتها، وإنما هو أثرٌ يرويه أبو نصر التمَّار عن آدم ﵇، وهذا الأثر لا تقوم به حجةٌ لانقطاعه. ثم إنه لم يرد عن أحدٍ من خلق الله المكرمين التلفظ بمثل هده الصيغة؛ لا الملائكة، ولا النبيين، ولا خيار هذه الأمة وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ ، وأخذ يطيل في سرد الآيات والأحاديث الواردة في صيغ الحمد، والتي ليس فيها هذه الصيغة المسئول عنها. وأما من جهة الدراية فقد بيَّن ﵀ أن هذه الصيغة قد تتضمن معنى فاسدًا. ووجه ذلك؛ أن هذه الصيغة قد تفيد أن العبد بشكره للنِّعَم يكون قد أدى ما عليه من حقٍّ لله تعالى، وهذا فاسدٌ، لأنه يخالف المستفيض في النصوص الشرعية من أن نِعَم الله لا يقوم بتمام شكرها أحدٌ، ولا يفي بحقها قول قائلٍ، فمهما أثنى العبد على ربه، وتقدم بين يديه بحمده وشكره، فحق الله أعظمُ، وإحسانه أعمُّ، ومِنَّتُه أكرم. وهذا المعنى الذي ردَّه ابن القيم ﵀ هو المنقول عن جماعةٍ من الأئمة المتقدمين، أنهم ردُّوه، وفنَّدوه، وأبطلوه، ومن ذلك ما قاله الإمام بكر بن عبد الله المزني ﵀: "ما قال عبدٌ قطُّ (الحمد لله) إلا وجبت عليه نعمةٌ بقوله (الحمد لله)، فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول (الحمد لله)، فجاءت نعمةٌ أخرى، فلا تنفد نِعَمُ الله " (١). _________ (١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في (الشكر) رقم ٧ و ٩٨، والبيهقي في (شعب =

стр. 7

وقال الجنيد: سمعت السريَّ يقول: "الشكر نعمةٌ، والشكر على النعمة نعمةٌ، أي إلى أن لا يتناهى الشكر إلى قرارٍ" (١). وقال طَلْقُ بن حبيب ﵀: "إن حقَّ الله أثقلُ من أن يقوم به العباد، وإن نِعَم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن اصبِحُوا توَّابين، وامسُوا توَّابين" (٢). وأنشد محمود الورَّاق ﵀: إذا كان شكري نعمةَ اللهِ نعمةً ... عليَّ له في مثلِها يجبُ الشكرُ وكيف وقوعُ الشكرِ إلا بفضلِه ... وإن طالت الأيامُ واتصل العمرُ إذا مَسَّ بالسرَّاءِ عَمَّ سرُورُها ... وإن مَسَّ بالضراءِ أعقبها الأجرُ وما منهما إلا له فيه مِنَّةٌ ... تضيقُ بها الأوهامُ والبرُّ والبحرُ (٣) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: "إن الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأَكْلَة فيحمده عليها، ويشرب الشَّرْبَة فيحمده عليها، والثناءُ بالنِّعَم، والحمدُ عليها _________ = الإيمان) رقم ٤٠٩٥. (١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٩٦. (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٢٠٤. (٣) أخرجه: أبن أبي الدنيا في (الشكر) رقم ٨٢، ومن طريقه البيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٩٩.

стр. 8

وشكرُها عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلبًا للثناء، والله أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نعمَهُ لعباده، ويطلب منهم الثناءَ بها، وذكرَها، والحمدَ عليها، ويرضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاحٍ إلى شكرهم، لكنه يحب ذلك من عباده، حيث كان صلاح العبد وفلاحُه وكمالُه فيه. ومن فضله أنه نسب الحمدَ والشكر إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال، ثم استقرض منهم بعضَه، ومدحهم بإعطائه، والكلُّ ملكُه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك" (١). فهذا هو خلاصة الفتيا ومحتواها، وعين الخلاصة المذكور في هذه الفتيا قد ذكره ابن القيم ﵀ في كتاب آخر له وهو "عدة الصابرين" (٢)، وخَلَص فيه إلى نفس ما خلص إليه ههَنا في الفتيا مع إيجازٍ شديدٍ. وقفةٌ مع الفتيا: من المعروف عن ابن القيم ﵀ أنه صاحب بَسْطٍ واستقصاءٍ؛ وذلك لما يتمتع به من سعةِ اطلاعٍ، وقوةِ ذاكرةٍ، وسيلانِ ذهنٍ، فقلَّ أن يفارقه الصواب في أجوبته. وأول ما نقرؤه في مقدمة فتياه عن مسألة الحمد تأصيله لها بنفي وجود سندٍ لهذه الصيغة، وإنما غاية الأمر أنها أثرٌ مرويٌّ عن آدم ﵇، _________ (١) (جامع العلوم والحكم) ٢/ ٨٢ - ٨٣. (٢) (عدة الصابرين) ٢٢٨ - ٢٢٩.

стр. 9

وهدا الأثر من غرائب أبي نصر التمَّار، ولا يُدرى من أين أخذه!. والحقيقة أن كلامه هذا غايته عدم العلم بوجود السند للأثر المروي، ومن المقرر أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، إلا أن العبارات الكلِّية، والقضايا العامة، إذا خرجت من مثل الإمام ابن القيم ﵀ فإن لها حظًّا عند العلماء؛ استرواحًا منهم لجلالة علومه، وغزارة معلومه. وهذا ما حَدَا بالعلامة السَّفاريني ﵀ إلى نقل فتوى ابن القيم ﵀ إقرارًا له بتلك النتيجة؛ عندما تكلم عن صيغ الحمد في كتابه المشهور "غذاء الالباب" (١). وههنا أمور: الأول: أن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكر أن لهذا الأثر سندًا يرويه ابن الصلاح في أماليه. وهدا الإسناد عزيز الوجود، ولهدا لما نقل الحافظ ابن حجر حكمَ ابن الصلاح عليه قال عقبه: "فكأنه عثر عليه حتى وصفه" (٢). والثاني: أن أبا نصر التَّمار إنما يرويه عن: محمد بن النضر الحارثي عن آدم ﵇، فالأثر ليس من رواية أبي نصر عن آدم ﵇ كما ذُكر، بل بينهما واسطة. والثالث: أن الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ ذكر أن الحديث المسئول عنه قد روي مرفوعًا وموقوفًا، واكتفى بذلك ولم _________ (١) (غذاء الألباب) ١/ ٢٠. (٢) (التلخيص الحبير) ٤/ ٣١٧. ثم ذكر الحافظ ابن حجر أنه وقف عليه بعد ذلك.

стр. 10

يَعْزُهما (١). فلعله أراد بالمرفوع ما روي من حديث ابن عمر ﵄، ولفظه: "من قال: الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، على كل حالٍ، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده؛ ثلاث مراتٍ: فتقول الحفَظَةُ: ربَّنا؛ لا نُحْسِن كُنْهَ ما قدَّسك عبدُك هذا وحمدَكَ، وما ندري كيف نكتبه؟ فيوحي الله إليهم أن اكتبوه كما قال". ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب"، وعزاه إلى البخاري في "الضعفاء"، وبيَّض له الألباني في الحكم عليه في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٢). وأما الموقوف فلم أقف عليه، إلا إن أراد به الموقوف على محمد بن النضر الحارثي! فالله أعلم. والرابع: أن المعنى الذي قد يدل عليه الأثر "حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده" ربما يُظَنُّ أنه قد جاء ما يؤيده، وهو حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال إذا آوى إلى فراشه: الحمد لله الذي كفاني، وآواني، والحمد لله الذي أطعمني، وسقاني، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ فأفْضَلَ"، فقد حَمِدَ الله بجميع محامد الخلق كلِّهم" (٣). _________ (١) انظر (جامع العلوم والحكم) ٢/ ٨٣. (٢) انظر (ضعيف الترغيب والترهيب) ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨ رقم ٩٦٢. (٣) أخرجه بهذا اللفظ: ابن السني في (عمل اليوم والليلة) رقم ٧٢٢، والحاكم =

стр. 11

والجواب عن ذلك بأن الحديث ليس فيه أن العبد إذا قال هذا الذكر أنه يكون قد قام بحق الله حقَّ القيام، وأنه وفَّى نعمةَ اللهِ شكرَها، وأتى بما يكافيء ذلك! بل غاية ما يدل عليه أنه أتى بذكرٍ يعدل جميع حَمْد الحامدين، وهذا من تضعيف الأجور. ويؤكد ذلك أن حَمْدَ العالمين كلِّهم لا يفي بحقِّ الله عليهم، ولا يكافيء نِعَمهُ لديهم، فإن الله ليس لشكره نهاية، كما ليس لعظمته نهاية. هذا إن سلِمَت الزيادة في قوله: "فقد حَمِد اللهَ بجميع محامد الخلق كلِّهم" من الإعلال، فإن أصل الحديث في المسند والسنن وغيرها بدون هذه الزيادة!. نسبة الفتيا لابن القيم: ثَمَّ أمورٌ تجعلنا نجزم بنسبة هذه الفتيا لابن القيم ﵀، وهي: أولًا: أنه قد جيء باسم المؤلف في صدر الفتيا، فقال ناسخ المخطوط: "أجاب شيخنا الإمام العالم، قدوة المحققين، عمدة المحدثين، شمس الملة والدين: أبو عبد الله محمد بن أبى بكر القيم، تغمده الله برحمته". وثانيًا: أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أثناء الرسالة في عدة مواضع، وكاد يصفه بـ (شيخنا)، وتتلمذ ابن القيم على شيخ الإسلام _________ = في المستدرك ١/ ٥٤٥ - ٥٤٦ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في (شعب الإيمان) رقم ٤٠٧٢، والضياء في (المختارة) رقم ١٥٧٤ و ١٥٧٥.

стр. 12

مشهور جدًا. وثالثًا: أن ابن القيم ﵀ قد حكى خلاصة هذه الفتيا في كتابه الآخر المسمى بـ "عدة الصابرين"، وما ذكره هناك يطابق رأيه تمامًا في هذه الفتيا. قال في "عدة الصابرين": "وأما قول بعض الفقهاء: إن من حَلَف أن يحمد الله بأفضل أنواع الحمد؛ كان برُّ يمينه أن يقول: (الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده)، فهذا ليس بحديثٍ عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصحابة، وإنما هو إسرائيلي عن آدم، وأصح منه: "الحمد لله غير مكفيٍّ؛ ولا مودَّعٍ، ولا مستغنى عنه ربنا". ولا يمكن حَمْدُ العبد وشكرُه أن يوافي نعمةً من نعم الله فضلًا عن موافاته جميع نعمه، ولا يكون فِعْلُ العبد وحمدُه مكافئًا للمزيد، ولكن يُحمل على وجهٍ يصح، وهو: أن الذي يستحقه الله سبحانه من الحمدِ حمدًا يكون موافيًا لنعمه، ومكافئًا لمزيده، وإن لم يقدر العبد أن يأتي به، كما إذا قال: "الحمد لله مِلْءَ السموات، ومِلْءَ الأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، وعدد الرمال والتراب والحَصَى والقَطْر، وعددَ أنفاسِ الخلائق، وعددَ ما خلقَ اللهُ، وما هو خالقٌ"، فهذا إخبارٌ عما يستحقه من الحمد، لا عما يقع من العبد من الحمد" (١). _________ (١) (عدة الصابرين) ٢٢٨ - ٢٢٩. وما ذكره ابن القيم ههنا تخريج جيد لمعنى هذه العبارة، وعليه يحمل كلام من استعملها من الأئمة كقول الإمام البيهقي ﵀ وهو يتحدث عن =

стр. 13

ورابعًا: أن لغةَ الفتيا، ونَفَسَ التدوين، وطريقة العرض والاستدلال، ومنهجَ المناقشة والردِّ؛ توافِق ما تميز به أسلوب ابن القيم ﵀ في: صياغة مؤلفاته. وخامسًا: أن العلَاّمة محمد بن أحمد السفَّاريني الحنبلي (١١٨٨) قد اختصر هذه الفتيا، وضمَّنها كتابه "غذاء الألباب"، وذكرها في مقدمة الكتاب عند الكلام على مسائل الحمد، وعَنْوَنَ لها بـ (فائدة)، وصرَّح بنسبتها لابن القيم ﵀ (١). النسخ المعتمدة في التحقيق: تحصَّل لنا من هذه الفتيا نسختان: النسخة الأولى: نسخةٌ قديمةٌ، ضمن مجموع يحمل رقم (١١٧٤٠ ب)، محفوظ في ليدن، منها صورة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، وعنه حصلنا على صورة من المخطوط، وعدد صفحاتها أربع صفحاتٍ، وهذا المجموع غير مرقم. والنسخة ليس عليها تاريخ النسخ، ولا اسم الناسخ، وخطها يشبه _________ = نعمة الله عليه بأن جعل لكتابه "السنن الكبرى" المكانة العالية عند العلماء، فقال: "ووقع كتاب السنن إلى الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني -والد إمام الحرمين- بعدما أنفق على تحصيله شيئًا كثيرًا، فارتضاه وشكر سَعْيي فيه، فالحمد لله على هذه النعمة حمدًا يوازيها، وعلى سائر نعمته حمدًا يكافيها". (معرفة السنن والآثار) ١/ ١٤٢ بتصرف يسير. (١) انظر (غذاء الألباب) ١/ ٢٠.

стр. 14

خطوط القرن الثامن الهجري، وهو قليل الإعجام، وتتداخل فيه الكلمات أحيانًا، والنسخة مقروءةٌ ومصححةٌ، ولا أستبعد أن يكون ناسخها أحد تلاميذ المؤلف، والله أعلم. ويعيب هذه النسخة أنها ناقصة، فالموجود منها يمثل نصف الفتيا تمامًا، ولولا ذلك لجعلتها أصلًا في التحقيق، وقد رمزت لها بالحرف (أ). النسخة الثانية: نسخةٌ حديثةٌ كاملةٌ محفوظةٌ في مكتبة الملك فهد بالرياض تحمل الرقم ٦٧٢/ ٨٦، وخطها نسخي واضح، ولم يُذكر فيها اسم ناسخها، ولا النسخة التي نقل منها، وقيد تاريخ نسخها في آخرها بعام ١٣٣٨، وعدد صفحاتها ثلاث عشرة صفحة. وبالنسخة بعض التصويبات التي كُتبت في الهامش، وقد رمزت لها بالحرف (ب). عنوان المخطوط: كلا النسختين أُهْمِلتا من العنوان، ولم ينص على تسميتها أحدٌ ممن ترجم لابن القيم ﵀؛ حتى السفاريني ﵀ لما نقل عنها ما اختصره منها لم يذكر لها عنوانًا، وقد لا يكون هذا مستغربًا؛ لأن هذا هو شأن الفتاوى؛ أسئلةٌ ترفع إلى العالم، فيجيب عنها بخطه أو بإملائه، ثم يتركها هَمَلًا من العَنْوَنة، وتنتشر في أيدي الناس على أنها فُتْيا فلان، لا أنها فتيا بعنوان! وعند التأمل في المخطوط نرى ما يلي:

стр. 15

١ - أن طبيعة المخطوط ينطبق عليه حقيقة الفتيا، فهو استفتاءٌ من أحد الناس عن مسألةٍ ما، فكان الجواب بهذه الفتيا. ٢ - أن الاستفسار كان عن حديثٍ واحدٍ فقط، هذا الحديث يتضمن صيغة واحدة من صيغ الحمد الواردة، فأجاب ابن القيم ﵀ عنه، ثم اتبعه -تكميلًا للجواب- بسَوْق ما يستحضره من النصوص الشرعية الواردة في صيغ الحمد وألفاظه، فكان حشده لهده النصوص تبعًا لا أصلًا طُلِب الكشف عنه في السؤال. وبالنظر إلى ما ذكرناه، واستئناسًا لما جرى عليه العمل في مثل هذه المؤلفات، يحسُن بنا أن نُعَنْون لها بـ: فتيا في صيغة الحمد: "الحمد لله؛ حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده"، والله أعلم. طبعات الكتاب: طبع الكتاب مرتين: الأولى: في دار ابن خزيمة بالرياض، سنة ١٤١٤، بتحقيق: فهد بن عبد العزيز العسكر، ووضع عنوانه هكذا: (مطالع السعد بكشف مواقع الحمد)، ذكر في المقدمة أنه استشرف هذا العنوان من خاتمة الرسالة. وعناية بالكتاب ظاهرة، وطبعته هذه أجود الطبعتين. والثانية: في دار العاصمة بالرياض، سنة ١٤١٥، بتحقيق: محمد بن إبراهيم السعران، ووضع عنوانه هكذا: (جواب في صيغ الحمد)، ذكر في المقدمة أن الشيخ بكر أبو زيد -حفظه الله- هو الذي أشار عليه بهذا العنوان.

стр. 16

وكلا المحققين اعتمدا على نسخةٍ خطيةٍ واحدةٍ، وهي النسخة المتأخرة التي كتبت سنة ١٣٣٨، وعملهما جيدٌ على فوتٍ يسير لا يخلو من مثله عمل الحريص، لكني استفدت من طبعة دار ابن خزيمة أكثر، ولهما فضل السبق، والله يتقبل منهما صالح العمل. منهجي في التحقيق: ١ - قمتُ بنسخ المخطوط، ثم قابلته على أصله، مراعيًا الرسم الإملائي الحديث. ٢ - أختار من النسختين ما أراه -فيما يغلب على ظني- أقرب للصواب، وقد أُضيف حرفًا أو كلمة لا يستقيم الكلام بدونه وأضعه بين معكوفتين []. ٣ - فقَّرتُ الكلام، وراعيت علامات الترقيم. ٤ - خرَّجتُ الآيات والأحاديث والآثار، فأما الأحاديث فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما اقتصرت عليه، وما كان في غيرهما خرجته من مصادره الأصلية؛ ثم أنقل كلام أهل الشأن في تصحيحه وتضعيفه. ٥ - ترجمت للأعلام، وعلَّقت على مواطن مما يقتضيه المقام. ٦ - بَيَّنْتُ بعض معاني الغريب بما يكشف عن المراد. ٧ - أقمتُ قوائم الفهارس على التفصيل: فهرس الآيات، والأحاديث، والآثار، والأعلام، والكتب، والموضوعات. هذا؛ وأسأل الله العلي العظيم جلَّتْ قدرته أن يهدينا للتي هى أقوم، بالتي هي أحسن، إنه بكل جميلٍ كفيلٌ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 17

الصفحة الأولى من النسخة (أ)

стр. 18

آخر الموجود من النسخة (أ)

стр. 19

الصفحة الأولى من النسخة (ب)

стр. 20

الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، وعليه نتوكل (١) ما يقول السادة العلماء أئمة الدين (٢) ﵃ أجمعين- في رجلين تباحثا في الحديث المروي في: "الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده"، فقال الآخر لقائل هذا الحديث: الربُّ يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٣). فقال له راوي الحديث الأول: من لم يوافق على هذا الحديث تَيْسٌ، وحمارٌ، وجاهلٌ! فهل هذا الحديث الأول الدي رواه في "الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده" في (٤) الصحيح أم لا؟ ومن المصيب من الرجلين؟ وليُبْسَط القول مثابين، أفتونا مأجورين رحمكم الله. أجاب شيخنا الإمام العالم، قدوة المحققين، عمدة المحدثين، شمس الملة والدين: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القيم، تغمده الله برحمته (٥):

стр. 22

الحمد لله، هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، ولا: يُعرف في شيءٍ من كتب الحديث المعتمدة، ولا له إسنادٌ يُعرف (١) (٢)، وإنما يُروى عن أبي نصر التمَّار (٣)، عن آدم أبي البشر (٤)،

стр. 23

و (١) لا يَدري كم بين آدم وأبي نصر إلا الله . قال أبو نصر: قال آدم: (يا رب! شَغَلْتني بكسب يدي، فعلِّمني (٢) شيئًا من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه: يا آدم؛ إذا أصبحتَ فقل ثلاثًا، وإذا أمسيتَ فعَل ثلاثًا: الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده، فذلك مجامع الحمد والتسبيح). فهذا لو رواه أبو نصر التمَّار عن سيد ولد آدم ﷺ لما قبلت روايته؛ لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله، فكيف بروايته له (٣) عَن آدم! (٤) وقد ظن طائفةٌ من الناس أن هذا الحديث بهذا اللفظ أكملُ حَمْدٍ حُمِدَ اللهُ به؛ وأفضلُه، وأجمعُه لأنواع المحامد (٥)، وبَنَوا على هذا مسألة فقهية فقالوا: مسألة: لو حلف إنسانٌ ليحمَدنَّ الله بمجامع الحمد (٦)، وأجلِّ

стр. 24

المحامد، فطريقُهُ في بَرِّ يمينه أن يقول: الحمد لله، حمدًا يوافي نِعَمه، ويكافيء (١) مزيده (٢). قالوا: و معنى (يوافي نِعَمه) أي يلاقيها، فتحصل النِّعَم معه. (ويكافيء) (٣) -مهموز- أي يساوي مزيد (٤) نعمه. والمعنى أنه يقوم بشكر (٥) ما زاد من النِّعَم والإحسان (٦).

стр. 25

والمعروف من الحمد الذي حَمِد اللهُ به نفسه، وحمده به رسوله ﷺ ، وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ أَلْبَتَّة، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] وقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]. وقوله حكاية عن الحامدين (١) من عباده أنهم (٢) قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى في حمده لنفسه الذي أَمر رسولَهُ ﷺ أن يحمده به: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]، فهذا حمده الذي (٣) ارتضاه لنفسه، وأمر رسوله أن يحمده به. وقال تعالى حامدًا لنفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢]. قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ

стр. 26

وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١]. وقالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ (١) [فاطر: ١]. وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ (٢) [الروم: ١٧ - ١٨]. وقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وقال عن أهل الجنة (٣): ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر: ٧٤]. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. فإذا حمده لنفسه الذي أنزله في كتابه، وعلَّمه لعباده، وأخبر عن أهل جنته به، وهو أجلُّ (٤) من كل حمدٍ وأفضلُ وأكمل.

стр. 27

فكيف (١) يَبَرُّ الحالف في يمينه بالعدول عنه (٢) إلى لفظٍ لم يَحْمَدْ به نفسه، ولا (٣) ثبت عن رسوله ﷺ ولا عن سادات العارفين من أمته. والنبي ﷺ كان إذا حمد الله في الأوقات التي (٤) يتأكد فيها الحمد (٥) لم يكن يذكر هذأ الحمد أَلْبَتَّة، كما في حمد الخطبة، والحمد الذي يستفتح به الأمور، وكما في تشهد الحاجة، وكما في الحمد عقيب الطعام والشراب، واللباس، والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرُّه وما لا يسرُّه. فروى البخاري في صحيحه عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ (٦)، ولا مودَّعَ، ولا مُسْتَغنى (٧) عنه [ربنا] " (٨). وفي لفظ آخر في هذا الحديث: كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي كفانا، وآوانا، غير

стр. 28

مكفيٍّ، ولا مكفور" (١). فلو كان قوله (الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده) أجلَّ من هذا الحمد وأفضلَ وأكملَ لاختاره وعدل إليه؛ فإنه لم يكن يختار إلا أفضلَ الأمور وأجلَّها وأعلاها. وسألتُ شيخَنا عن قوله: (غير مَكْفِيٍّ)، فقال: المخلوق إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنكَ أن تجازيه بالجزاء أو بالثناء، والله لا يمكن أحدٌ من العباد أن يكافيه على إنعامه أبدًا، فإن ذلك الشكر من نعمه أيضًا، أو نحو هذا من الكلام (٢). فأين هذا من قوله في الحديث المروي عن آدم: (حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء (٣) مزيده). وقولهم إن معناه: يلاقي نعمه فتحصل مع الحمد؛ كأنهم أخذوه من قولهم: وافيتُ (٤) فلانًا بمكان كذا وكذا، إذا لقيته فيه، ووافاني: إذا لقيني، والمعنى على هذا: يلتقي حمده بنعمه ويكون معها.

стр. 29

وهذا ليس فيه كبير أمر، ولا فيه أن الحمد سبب النعم وجالبها (١)، وإنما فيه اقترانه بها، وملاقاته لها اتفاقًا، ومعلوم أن النِّعَم يلاقيها من الأمور الاتفاقية ما لا يكون سببًا في حصولها، فليس بين هذا الحديث وبين النِّعَم ارتباط يربط أحدهما بالآخر، بل فيه مجرَّد الموافاة والملاقاة التي هي أعمُّ من الاتفاقية والسببيَّة. وكذلك قولهم (يكافيء مزيده) أي يكون كفوًا لمزيده، ويقوم بشكر ما زاده اللهُ (٢) من النِّعَم والإحسان. وهذا يحتمل معنىً صحيحًا، ومعنًى فاسدًا: فإن أُريد به أن حمْدَ اللهِ والثناء عليه وذكرَه أجلُّ وأفضلُ من النِّعم التي أنعم بها على العبد من رزقِه وعافيته وصحته والتوسعة عليه في دنياه؛ فهذا حقٌّ يشهد له قوله ﷺ "ما أنعم الله على عبدٍ بنعمةٍ فقال الحمد لله، إلا كان ما أُعطِي أفضل مما أخذ" رواه ابن ماجة (٣)، فإنَّ حمْدَهُ لوليِّ النعمة (٤) نعمةٌ أخرى هي أفضلُ وأنفعُ له، وأجدى (٥) عائدةً من النعمة العاجلة، فإن أفضلَ

стр. 30

النِّعَم وأجلَّها على الإطلاق نعمةُ معرفتِه تعالى وحمدِه وطاعتِه. وإنْ أُريد أنَّ فعل العبد يكون كفوًا لنعم الله (١) ومساويًا لها؛ بحيث يكون العبد (٢) مكافئًا للمنعِم (٣) عليه، وما قام به من الحمد ثمنًا لنعمه (٤) وقيامًا منه بشكر ما أنعم الله عليه به (٥)، وتوفيةً له؛ فهذا من أمْحَل المحال. فإنَّ العبد لو أقدره الله على عبادة الثقلين لم يقم بشكر أدنى نعمةٍ عليه؛ بل الأمر كما روى الإمام أحمد في كتاب (الزهد): حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: قال داود: "إِلهي (٦)؛ لو أن لكل شعرةٍ مني لسانين يسبحانك الليلَ والنهارَ والدهرَ كلَّه ما قضيتُ حق نعمةٍ واحدةٍ" (٧). قال الإمام أحمد: وحدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا جابر بن يزيد (٨)، عن المغيرة بن

стр. 31

عتيبة (١) قال: "لما أنزل الله على داود ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قاله: يا ربِّ؛ كيف أُطيق شكرك (٢) وأنت الذي تنعم عليَّ، ثم ترزقني على النعمةِ الشكرَ، ثم تزيدني نعمةً بعد نعمة، فالنعمة منك يا ربِّ، والشكر منك، فكيف أُطيقُ شكرك! قال: الآن عرفتني يا داود" (٣). فمن ذا الذي يقوم بشكر ربه الذي يستحقه سبحانه، فضلًا عن أن يكافيه. ومن ههنا يُعرف قدر الحمد الذي صحَّ عن رسول الله ﷺ من قوله: "غير مكفي، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه ربنا"، وفضله على الحديث المسئول عنه.

стр. 32

ونحن نشرح الحديث ثم نعود إلى المقصود، فنقول (١) وبالله التوفيق: روي قوله "غير مكفي" بوجهين: بالهمز وعدمه. وخُطِّئت رواية الهمز، فإنه اسم مفعول؛ إما (٢) من الكفاية، فوجهه: غير مَكْفِيّ كـ: مَرْميّ ومَقْضِيّ، أو من المكافاة، فالمفعول منه (مكافا) (٣) كـ (مُرَاما) من راماه، و (مُسَاعا) من ساعاه. أو من كفأتُ الإناء -بالهمز-: إذا أقلبته، فالمفعول منه (مكفوء) كـ (مقروء) من قرأتُ (٤). أو من كفاهُ يكفيه، فمفعوله (مكْفِيّ)، كـ (مَرْمي) من رميتُ. والصواب أنه بغير الهمز. ثم (٥) اختُلِف: هل ذلك وصفٌ للطعام وعائدٌ عليه (٦)، أو (٧) هو حال من اسم الله فيكون وصفًا له (٨) فى المعنى؟ على قولين:

стр. 33

فقال ابن قُرْقُول (١) في (مطالعه) (٢): "المراد بهذا كله الطعام، وإليه يعود الضمير. قال الحربي (٣): "والمكفي: الإناء المقلوب للاستغناء عنه، كما قال:

стр. 34

غير مستغنٍ (١) عنه، و (غير مكفور): غير مجحودٍ (٢) نعمة الله فيه، بل مشكور غير مستور (٣) الاعتراف بها، والحمد عليها". والقول الثاني: أن ذلك عائدٌ إلى الله ". قال: "وذهب الخطَّابي (٤) إلى أن المراد بهذا الدعاء كله الباري تعالي، وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله: "غير مكفي" أي أنه يُطْعِم ولا يُطْعَم، كأنه ههنا من الكفاية" (٥). وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحرف، أي (٦) أنه تعالى مستغنٍ عن معينٍ وظهيرٍ. فال: "ومعنى (٧) قوله: (ولا مودَّع): أي غير متروك الطلب إليه،

стр. 35

والرغبة له (١)، وهو معنى المستغنى عنه. وينتصب (ربَّنا) -على هذا- بالاختصاص والمدح، أو بالنداء (٢) كأنه قال: يا ربَّنا اسمع حَمْدَنا ودعاءنا. ومن رفعَ: قَطَع، وجعله خبرًا، كأنه قال: ذلك ربُّنا، أو أنت ربُّنا. ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله (الحمد لله)، انتهى كلامه (٣). وفيه قولٌ ثالثٌ: أن يكون قوله (غير مكفي، ولا مودَّع) صفة (٤) للحمد، كأنه قال: حمدًا كثيرًا غير مكفيٍّ ولا مودَّعٍ ولا مستغنىً عن هذا الحمد. وقوله "ولا مودَّع" أي غير متروك، وعلى هذا القول فيكون قوله (غير مكفي) معناه: غير مصروفٍ ومقلوبٍ عن جهته كما يُكْفَأْ الإناء، بل هو (٥) حمدٌ على وجهه الدي يستحقه وليُّ الحمد وأهلهُ ويليق به، ولا ينبغي لسواه. وأما إعراب (ربنا) فبالوجوه الثلاثة، والأحسن في رفعه أن يكون خبرًا

стр. 36

مقدَّمًا، مبتدؤه قوله "ولا مستغنى (١) عنه". والأحسن في جَرِّه (٢) أن يكون بدلًا من الضمير المجرور في (عنه). والأحسن في نصبه أن يكون على المدح صفةً لاسم الله تعالى. وسمعتُ شيخنا تقي الدين بن تيمية -قدس الله روحه- (٣) يقول في معنى هذا الحديث: المخلوقُ إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنك أن تكافئه، ونِعَمُه لا تدوم عليك، بل لابد أن (٤) تودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، واللهُ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمه، فإنه هو أغنى وأَقْنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عينٍ، هذا معنى (٥) كلامه. والمقصود ذكر الحمد الذي كان النبي ﷺ يحمد ربَّهُ بهِ (٦) في مواطن الحمد. وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا (٧)، وجعلنا مسلمين" رواه أبو داود

стр. 37

وغيره (١). وعن أبي أيوب قال: كان النبي ﷺ إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوَّغه, وجعل له مخرجًا" رواه أبو داود والنسائي (٢)، وإسناده صحيح (٣). وفي السنن أيضًا عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني (٤) هذا من غير حَوْلٍ مني ولا قوة؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه" وقال الترمذي: حديث حسن (٥).

стр. 38

وفي سنن النسائي عن عبد الرحمن بن جُبير، أنه حدَّثه (١) رجلٌ خَدَم النبيَّ ثمانِ سنين، أنه كان يسمع النبي إذا قُرِّب إليه الطعام (٢) يقول (٣): "بسم الله"، فإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أطعمتَ، وسقيتَ، وأغنيتَ، وأقنيتَ، وهديتَ، واجتبيت (٤)، فلك الحمد على ما أعطيت (٥) وإسناده صحيح. وروى أبو داود في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذا فرغ: "الحمد لله الذي مَنَّ علينا وهدانا، والذي أشْبَعَنا وأرْوَانا، وكل الإحسان آتانا" (٦).

стр. 39

وكذلك الحديث الذي رواه أهل السنن بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: علَّمَنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن يهده (١) الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٢). وشرع النبي ﷺ لمن رأى مبتلى أن يقول ما رواه الترمذي عن أبي

стр. 40

هريرة؛ عنه (١) ﷺ أنه قال: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم (٢) يُصِبْه ذلك البلاء" قال الترمذي: حديث حسن (٣). ويروى (٤) نحوه عن عمر (٥). وشرع النبي ﷺ للقائم من المجلس أن يقول ما رواه أبو هريرة عنه ﷺ : "من جلس في مجلس فكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛
следующие страницы →