← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

مغفرة الله ورحمته أن يقبل توبتهم، وفي الموضوع تفصيلات وجزئيات سنراها بإذن الله. وبهذا ينتهي المقطع الثاني فلنعد إلى تفسيره تفسيرا حرفيا. التفسير الحرفي: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. النّقيب: هو الذي ينقّب عن أحوال القوم ويفتّش عنها. وقد أمر الله موسى ﵇ أن يأخذ من كل سبط نقيبا، يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمر به توثقة عليهم ففعل. وقوله تعالى: (وَبَعَثْنا)، يشير إلى أنه تعالى هو الذي عيّن هؤلاء الرؤساء وهو الذي اختار لكل سبط رئيسا، وفي الإصحاح الأول من سفر العدد مما يسمونه التوراة حاليا بعد ذكر أسماء النقباء «فأخذ موسى وهارون هؤلاء الرجال الذين تعيّنوا بأسمائهم» وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ. أي: ناصركم ومعينكم وراعيكم. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي جميعا من غير تفريق بين أحد منهم وَعَزَّرْتُمُوهُمْ. أي: وعظّمتموهم أو ونصرتموهم بأن تردّوا عنهم أعداءهم، وتجاهدوا في سبيل دينهم. وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. أي: وأنفقتم في سبيل الله بلا منّ. أو: وفعلتم أنواع الخير كلها لله خالصة. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ. أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها. وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهذا أعظم المقصود فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ. أي: فمن جحد بعد هذا الميثاق وعقده وتوكيده وشدّه. فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. أي: فقد أخطأ طريق الحق، ومن كفر قبل ذلك فقد ضلّ سواء السّبيل أيضا، ولكنّ الضّلال بعده أظهر وأعظم. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. أي: فبنقضهم ميثاقهم أي فبسبب ذلك (وما) هنا مزيدة لإفادة تعظيم الأمر. لَعَنَّاهُمْ. أي: طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً. أي: يابسة لا رحمة فيها ولا لين. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. أي: يفسّرونه على غير ما أنزل، وهذا بيان لأثر قسوة قلوبهم، لأنّه لا قسوة في القلب أشد من قسوة ينبثق عنها الافتراء على الله وتغيير وحيه. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. أي: وتركوا نصيبا جزيلا، وقسطا وافيا من التوراة. أو أن الإغفال سمّي نسيانا. وَلا تَزالُ يا محمد وكذلك المسلمون. تَطَّلِعُ. أي: تظهر عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ. أي: على خيانة أو على فعلة ذات

стр. 1297

خيانة أي: هذه عادتهم، وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل، وهؤلاء يخونونك ويهمّون بالفتك بك. إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين آمنوا منهم وما أقلهم. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ. أي: اعف عن هذا القليل من أهل الإيمان، وتجاوز عما سلف منهم، فلا تؤاخدهم به، كأدبك مع المؤمنين. هذا الذي حمل عليه النسفي هذين الأمرين. أما ابن كثير فقد جعل الأمرين في اليهود ونقل قول قتادة أن هذا منسوخ بآية القتال، والحكم المستقر في هذا الموضوع أنّ اليهود إن كانوا ذمّة فخانوا حوكموا فعوقبوا بما يستحقون، وإن كانوا حربيين معاهدين فخانوا فالحرب. أو كانوا حربيين فالحرب ضمن قدرة المسلمين، وفي حدود إمكانياتهم، وحسب المصلحة، وقد يعفى عن بعض تصرفاتهم إن كانوا ذمة، إذا كانت المصلحة في ذلك، فموضوع النّسخ بعد هذا التقرير يبقى قضيّة اعتبارية بحسب سعة الفهم للنص، وبحسب محمل الآية. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين اجتمع لهم حسن العمل، ومراقبة الله فيه، والإخلاص لله في ذلك. فوائد: [حول مسألة الاثني عشر نقيبا وما يستفاد منها وحول عاقبة نقض الميثاق] ١ - نقل ابن إسحاق أسماء نقباء بني إسرائيل حسب أسباطهم، وقال ابن كثير وقد رأيت في السفر الرابع (أي: سفر العدد) من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء ابن كثير مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، وما نقله ابن كثير قريب من الموجود حاليا في سفر العدد، مما يدلّ على أن نسخ ما يسمّى بالتورات كانت متوافرة خلال العصور الإسلامية، وأن النقل منها وعنها كان متاحا لعلمائنا. ٢ - لاحظنا أن الاثني عشر نقيبا كانوا معيّنين تعيينا، ونلاحظ أنّ رسولنا ﵊ قد طالب الأنصار ليلة العقبة الثانية أن يختاروا هم من بينهم اثني عشر نقيبا، مما يدلّ على أنّ الأصل في شريعتنا هو انتخاب القيادات، وليس تعيينها، وليس الكلام هنا في القيادات العسكرية، والأمر واسع جدا، وتحكمه قواعد متعدّدة، وإنما أشرنا هذه الإشارة هنا حتى لا يفهم فاهم أنّ التعيين في غيبة الوحي هو الأصل. ٣ - لاحظنا أن الميثاق قد أخذ على بني إسرائيل بخمسة أشياء. الصلاة، والزكاة، والإيمان بالرّسل، ونصرتهم، وفعل الخير، وأنهم عوقبوا على النقض بقسوة القلب، واللعن، وما من شئ أخذ عليهم به الميثاق إلا وقد أخذ علينا، فمن رأى من قلبه قسوة

стр. 1298

فلينظر أيّ شئ قد فرّط به من هذه الأمور وغيرها، لقد قست القلوب في عصرنا كثيرا فلنفتّش عما يلينها. وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى. أي: ومن الذين سمّوا أنفسهم نصارى ويظهر أنّهم سمّوا أنفسهم كذلك ادّعاء لنصر الله. أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ لم يفصّل ماهيّة الميثاق الذي أخذ عليهم، لأنّ الميثاق الذي أخذ على الأمم واحد، فهو لا يحتاج إلى تفصيل. فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. أي: تركوه وأهملوه بل خالفوه. ومن ذلك التوحيد والشرائع. فعوقبوا على ذلك بما يلي. فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ. أي: فألصقنا وألزمنا بين فرق النّصارى المختلفة العداوة والبغضاء، وهو عقاب مستمرّ بهم كما هو مشاهد. إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فهم لا يزالون متباغضين، متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وكل فرقة تحرم الأخرى من الجنة في زعمها، ولا تدعها تلج معبدها، والأمر فيهم هكذا إلى يوم القيامة. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. أي: سيخبرهم يوم القيامة بما اقترفوه من الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى شريعته فيجازيهم. فائدة: [انتشار العداوة والبغضاء عقاب على نسيان جزء من الوحي] دلّت الآية على أنّ نسيان جزء من الوحي الذي ينزله الله على أمّة تستحق به هذه الأمة العداوة والبغضاء. ولا شك أنّ أمتنا نسيت الكثير من الوحي المنزّل، ونحن نرى آثار هذا الترك عداء وبغضاء بين المسلمين، والترك الذي وقعت به أمتنا ترك عملي في الغالب، إلا ما وقعت به بعض الفرق، ومظهر هذا التّرك العملي أخذا ببعض ونسيانا لبعض، فلنقبل على هذا الدين ولنأخذه كله لعلّ الله يؤلف بين قلوبنا. وبعد أن بيّن الله فيما مرّ من الفقرة نقض اليهود والنصارى للميثاق، دعاهم إلى تلافي ذلك بالإيمان برسول الله ﷺ فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ الخطاب لليهود والنّصارى. قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا. أي: محمد ﵊ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ من نحو صفة رسول الله ﷺ ، ومن نحو الرجم، ومن نحو التوحيد والتنزيه، وكثير من الشعائر والشرائع. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. أي: مما تخفونه فلا يبيّنه لعدم حاجة الإنسانية إلى بيانه. قال ابن كثير في تفسيرها: ويسكت عن كثير ممّا غيّروه ولا فائدة في بيانه. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ النّور هنا محمد ﷺ . لأنه يهتدى به ويقتدى وفي

стр. 1299

مكان آخر سماه الله سراجا. فقال: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (الأحزاب: ٤٦) ويمكن أن يراد به القرآن لكشفه ظلمات الكفر والشرك والحيرة والشك وغير ذلك ولإبانته ما كان خافيا على النّاس من الحق. وَكِتابٌ مُبِينٌ. أي: واضح لأنه ظاهر الإعجاز، وعلى أنّ النّور محمّد ﷺ يكون المعنى: قد جاءكم القدوة الصالحة، والكتاب الواضح. وعلى أن النّور الكتاب يكون من باب عطف الموصوف على الصّفة. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ الضمير في (به) راجع للقرآن. مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ. أي: رضوان الله بالإيمان به، وبرسله، وبكتابه. سُبُلَ السَّلامِ. أي: طريق السلامة والنجاة من عذاب الله. أو سبل الله التي توصل إلى رضوانه ومعرفته وجنته. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. أي: ظلمات الشرك والكفر، والشك والنفاق، والشهوة والفسوق، إلى نور الإسلام والمعرفة. بِإِذْنِهِ. أي: بإرادته وتوفيقه. وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. أي: ويرشدهم إلى الطريق الأقوم. فوائد: ١ - [فائدة حول قوله تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ .. ] في قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ... إشارة إلى أنه لا بد للاهتداء بكتاب الله من إيمان أولا، يستتبع ذلك اهتداء بكتاب الله، يستتبع ذلك سير بالطرق الموصلة إلى رضوان الله، يستتبع ذلك هداية إلى الصراط المستقيم الموصل إلى الجنّة. ٢ - [إخفاء أهل الكتاب أحكام كتبهم كالرجم للزاني] روى الحاكم بإسناد صححه عن ابن عباس قوله: «ومن كفر بالرّجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، أي قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ فكان الرجم مما أخفوه» وبهذه المناسبة ننقل مما يسمّونه التوراة حاليا ما هو مذكور فيها من حكم الرّجم للزاني: في سفر اللاويين الإصحاح العشرون. «كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنّه يقتل، يرجمه شعب الأرض بالحجارة» وفي سفر التثنية: الإصحاح الثاني والعشرين «ولكن إن كان هذا الأمر صحيحا لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها» وفي الإصحاح نفسه «إذا كانت فتاة

стр. 1300

عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا» أقول في شريعتنا: إذا زنت العذراء والأعزب الذي لم يتزوج فإنهما يجلدان مائة جلدة أما المحصن والمحصنة فهما اللذان يرجمان إذا زنيا .. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وأيّ: كفر أفظع من هذا الكفر جعل البشر إلها. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. أي: الأشياء كلها تحت قهره وسلطانه فمن يمنع من قدرته ومشيئته؟ إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. أي: إن أراد أن يهلك من زعموه إلها، وأمّه، والنّاس جميعا، والمعنى: أنّ المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وذكر من في الأرض جميعا في هذا السياق إشارة إلى أنّ المسيح وأمّه من جنسهم، لا تفاوت بينهما وبينهم من حيث المعنى، وهذا يفيد أنّ من اشتمل عليه رحم الأموميّة لا يفارقه نقص البشريّة، ومن لاحت عليه شواهد الحدثية لا يليق به نعت الربوبيّة، وأنّ الله لو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصّمدية. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فجميع الموجودات ملكه ومنهم المسيح وأمّه وأنّى تجتمع المملوكية مع الربوبيّة! يَخْلُقُ ما يَشاءُ. أي: يخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من أنثى بلا ذكر، ويخلق بلا ذكر ولا أنثى كما خلق آدم. ويخلق مباشرة. ويخلق بالأسباب وفي ذلك كله دليل عظمته، وعلامة كمال قدرته، والمشير إلى ربوبيته فكيف يستدل بشيء من ذلك على ربوبيّة غيره. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فله وحده الربوبية وهو وحده الإله. والسياق كله ردّ على النّصارى فيما زعموه من شأن المسيح. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. أي: نحن أعز عليه كالابن على الأب. كلّ من اليهود والنّصارى ادّعى هذه الدعوى قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ. أي: إن صحّ أنّكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعاقبون بذنوبكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثمّ أكمل بقوله بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ. أي: أنتم خلق من خلقه لا بنوه، فلكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقد شاء أن يعذّب من مات على الكفر؛ عدلا، وأن يغفر لمن تاب عن الكفر؛ فضلا، ثم هو بعد أن يتوب من الكفر إن واقع المعصية فأمره إلى الله، إن شاء أن يعفو وإن شاء أن يعذّب. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وفي هذا تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. أي:

стр. 1301

المرجع والمآب وفي هذا تنبيه ووعيد. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا. أي: محمد عليه الصلاة السلام. يُبَيِّنُ لَكُمْ شرائع الله، وما كنتم تخفون، وما كنتم فيه تختلفون عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل، وانقطاع من الوحى. أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ. أي: لئلا تحتجوا بذلك. فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ بشير للمؤمنين، ونذير للكافرين، وفي الآية معنى الامتنان بأنّ الرّسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي، وكانوا أحوج ما يكونون إليه. ليهشوا إليه، ويعدّوه أعظم نعمة من الله، وتلزمهم الحجة؛ فلا يقولون غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن كمال قدرته أن يرسل محمدا ﷺ على مثل هذا الكمال، ويعطيه مثل ما أعطاه. وأن يعاقب من عصاه. ويثبت من أطاعه. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع، بعد أن عرضت ما أخذ به العهد على بني إسرائيل، وكيف أنهم نقضوه، وبعد أن عرضت: أن العهد أخذ على النصارى، وضربت لنا نماذج على نقضهم العهد في ادّعائهم أنّ المسيح هو الله، وبعد أن فنّدت دعاواهم، وأقامت عليهم الحجة بمتابعة رسول الله ﷺ ليتداركوا ما فاتهم من نقض المواثيق، وأن ذلك هو وحده طريق النجاة والصراط المستقيم. فوائد: [١، ٢ - سبب نزول قوله تعالى قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ .. وفائدة منه] ١ - قال ابن كثير، وقد قال بعض شيوخ الصوفيين لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أنّ الحبيب لا يعذّب حبيبه؟ فلم يردّ عليه. فتلا عليه الصوفي هذه الآية: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ وهذا الذي قاله حسن وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال: عن أنس ﵁ قال: مرّ النبي ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلمّا رأت أمّه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول ابني! ابني، وسعت فأخذته. فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ولدها في النّار. قال: فحفظهم النبي ﷺ فقال لا والله ما يلقي حبيبه في النار» تفرد به أحمد. ٢ - أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن آصى وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي، فكلّموه، وكلّمهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته. فقالوا: ما تخوّفنا يا محمّد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، وأنزل الله فيهم وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ إلى آخر الآية رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

стр. 1302

٣ - [نبينا أولى الناس بعيسى ﵇] في صحيح البخاريّ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبيّ». قال ابن كثير: وهذا فيه ردّ على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبيّ يقال له خالد بن سنان. كما حكاه القضاعي وغيره. ٤ - [تعليق ابن كثير على قوله تعالى عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ] وبمناسبة قوله تعالى: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ قال ابن كثير: والمقصود أن الله بعث محمدا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السّبل، وتغيير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان، والنيران والصلبان. فكانت النعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإنّ الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلا من المتمسّكين ببقايا من دين الأنبياء والأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعبّاد النّصارى والصابئين كما قال الإمام أحمد. أن رسول الله ﷺ قال في خطبة خطبها ذات يوم. «وإنّ ربّي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلّتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا. ثم إنّ الله- نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل، وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظانا. ثم إنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا فقلت: يا رب إذن يثلغوا (١) رأسي فيدعوه خبزة. فقال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النّار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له (٢) والذين هم فيكم تبع أو (تبعا) - شكّ يحيا- لا يبتغون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب والشنظير: الفاحش ... والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله «وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل». وفي لفظ مسلم «من أهل الكتاب». أقول: اليهودي الذي لم يؤمن بعيسى بعد بعثة

стр. 1303

عيسى كافر، فبقايا أهل الكتاب هم الذين آمنوا بحق، وليس عندهم ناقض ينقض إيمانهم. ٥ - [العهد الجديد بما يشمله أثر من آثار بولس مع أنه ليس من الحواريين] إن ما يسمى بالكتاب المقدس عند النصارى يتضمن ما يسمى بالعهد الجديد، والعهد الجديد يشمل الأناجيل الأربعة المعتمدة عند نصارى عصرنا، وأعمال الرّسل، والرسائل، والدّارس للعهد الجديد يلاحظ ملاحظة مهمّة هي: أنّ آثار عيسى، وحوارييه، ومدارسهم، وتلاميذهم، كلها تكاد تكون معدومة فيه، فالعهد الجديد كلّه إنما هو أثر مدرسة بولس وحدها، مع أن بولس ليس من الحواريين، ولم يتتلمذ على سمعان بطرس الحواريّ الأول إلا خمسة عشر يوما، على حسب ما يذكر في رسائله. وفي رسائله يذكر أنه كان يبشر بإنجيل خاص به لم يتلقه عن أحد، وإنما عن المسيح مباشرة. ويذكر في رسائله أنه اختلف مع برنابا، ويهاجم في هذه الرسائل سمعان بطرس ويتهمه، ويهاجم في رسائله الذين يختلفون معه. ويدافع في رسائله عن نفسه كثيرا أمام هجمات ضدّه، كل ذلك يشير إلى أن دين المسيح ﵇ كما ورّثه لتلاميذه قد اغتاله بولس هذا، وأنّ مدرسة بولس هذه قد تغلبت واضطهدت في النهاية مخالفيها، وقتلتهم فيما بعد، ثم هي انقسمت على نفسها الانقسامات الكثيرة، والمتمثلة بالكنائس المتعددة التي تكفّر كل منها الأخرى، وتعاديها أشد العداء، نقول هذا كله بمناسبة ما مرّ معنا من آيات حول النصارى خاصة، وفي هذا العهد الجديد الذي هو كله أثر من آثار مدرسة بولس نجد كثيرا مثل تعبير أن (المسيح هو الرب، وهو الله) وكثيرا ما تجد (تعبير أبناء الله وأحبابه). ومن كلام بولس هذا كما ورد في رسالته إلى أهل غلاطية في الإصحاح الأول «وأعرفكم أيّها الإخوة الإنجيل الذي بشّرت به أنه ليس بحسب إنسان لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علّمته بل بإعلان يسوع المسيح» وفي الإصحاح الثاني منها. «ولكن لما أتى بطرس (تلميذ المسيح الأول) إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملوما، ومن مقدمة رسالته إلى أهل أفسس. (نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح) ... ». ومن كلامه في الإصحاح الخامس من هذه الرسالة. «فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحبّاء ... ». والتعبير عن المسيح بالرب وإعطاؤه كل خصائص الألوهية وحقوقها أكثر من أن يحصى في العهد الجديد كله. ولننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في هذا المقطع لتفسيرها تفسيرا حرفيا.

стр. 1304

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أمرهم أن يذكروا نعمة الله إجمالا ثم ذكّرهم بثلاثة منها. إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ كيوسف وموسى وهارون ﵈. وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً. أي: أحرارا بعد إذ كانوا مستعبدين مستذلين في أيدي القبط. وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من فلق البحر، وإغراق العدو، وإنزال المنّ والسّلوى، وتظليل الغمام، ونحو ذلك من الأمور العظام، والمعجزات الكبيرة. مما لم تؤته أمة من الأمم المعاصرة لهم. قال ابن كثير: وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا، وأكرم نبيا، وأعظم ملوكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا. ثم بنى موسى ﵇ على تذكّر النعمة أمرا ونهيا فقال: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ. أي: المطهّرة. الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ. أي: قسمها لكم أو سمّاها أو كتبها لكم في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ. أي: ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف سكّان الأرض المباركة أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أي: فترجعوا خاسرين ثواب الدّنيا والآخرة والأرض المباركة هنا: هي أرض بيت المقدس وما حولها. قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ الجبار: هو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها. أي: بالقتال حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها أي: بغير قتال. فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها. أي: بلا قتال فَإِنَّا داخِلُونَ إلى الأرض المباركة حينئذ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ. أي: من الذين يخشون الله فكأنه قال: رجلان من المتقين. أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بنعمة التقوى والخوف منه. ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ. أي: باب المدينة. فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ أي: كانت الغلبة لكم. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذ الإيمان به يقتضي التوكّل عليه والتوكّل: قطع العلائق القلبية مع غير الله وترك التملّق بالباطل للخلائق. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها نفوا دخولهم إليها في المستقبل على وجه التوكيد، ثم أكدوا النفي بذكر الأبد، ثم قيّدوه ببقاء الجبارين فيها. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. أي: ماكثون لن نذهب معك لقتال، فلما عصوه وخالفوه. قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ لنصرة دينك إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي. أي:

стр. 1305

هارون وهذا من البث والشكوى إلى الله التي بمثلها تستجلب الرّحمة وتستنزل النصرة. فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. أي: فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله، وهو في معنى الدعاء عليهم، أو فباعد بيننا وبينهم، وخلّصنا من صحبتهم. قالَ فَإِنَّها. أي الأرض المقدسة. مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. أي: لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبّد، كتبها لهم بشرط الجهاد فلما أبوا منعوا منها أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ. أي: يسيرون فيها متحيرين .. فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. أي فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون. فوائد: ١ - [أهمية الجهاد في سبيل الله] من ذكر الفسوق في نهاية هذه الفقرة مرتين نعرف مفتاح السّياق؛ فقد رأينا أن سورة المائدة كلها تفصّل من سورة البقرة الآيتين اللتين فيهما. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ... ومن هذه المجموعة نفهم أن النّعمة ينبغي أن يقابلها جهاد، وأنّ ترك الجهاد حيث فرض فسوق، وأنه مع الفسوق لا اهتداء بكتاب الله. فالفقرة تبرز أهميّة الجهاد في قضيّة الإيمان، وأما محل هذه الفقرة في سياقها القريب، فإنها مرتبطة بنقض الميثاق، إذ من الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل نصرة الرسل، وقد تخلى بنو إسرائيل عن نصرة موسى ﵇ فاستحقوا لقب الفسوق، واستحقوا العقوبة الدنيوية. ٢ - [قصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم] قال ابن كثير تعليقا على هذه القصّة المذكورة في هذه المجموعة: وهذه القصّة تضمّنت تقريع اليهود، وبيان فضائحهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء، ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ ، وكليمه، وصفيّه من خلقه في ذلك، وهو يعدهم بالنّصرة والظّفر بأعدائهم، هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوّهم فرعون، من العذاب، والنّكال، والغرق له، ولجنوده في اليمّ، وهم ينظرون؛ لتقرّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم. فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل. هذا وهم في جهلهم يعمهون. وفي غيّهم يترددون. وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه. ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبّح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود. وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النّار ذات الوقود، ويقضى لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.

стр. 1306

٣ - [بعض ما ورد في التوراة عن الرجلين اللذين يخافان وقد أنعم الله عليهما] ينقل المفسرون في هذا المقام كلاما كثيرا، منه الخياليّ، ومنه الذي له أصل في كتب بني إسرائيل؛ مما يدلّ على أن علماءنا قد اطلعوا اطّلاعا متينا على كتب بني إسرائيل، والأصل الذي يمكن أن يكونوا قد نقلوا عنه هو كتب العهد القديم، أو التلمود. وهذه القصّة مذكورة في التوراة الحالية، في سفر العدد (الإصحاح الثالث عشر، والإصحاح الرابع عشر) ويشار إلى هذا الموضوع كثيرا في بقية التوراة، وتسمّي التوراة الحالية الرجلين المذكورين في القرآن وهما كالب بن يفنّة، ويشوع بن نون، ومما ورد في (الإصحاح الرابع عشر) «وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر» وفي أواخر سفر العدد، وفي سفر التثنية، قصة التيه، وما كان لهم فيه. ومن كلام موسى ﵇ في التثنية (الإصحاح التاسع والعشرين). «فقد سرت بكم أربعين سنة في البريّة لم تبل ثيابكم عليكم ونعلك لم تبل على رجلك» وفي الإصحاح الحادي والثلاثين «وأوصى (أي موسى) يشوع بن نون وقال تشدّد وتشجّع لأنك أنت تدخل ببني إسرائيل الأرض التي أقسمت لهم عنها وأنا أكون معك» وتحدّد التوراة الحالية المكان الذي كان فيه التّيه وتشير إشارات إلى طبيعة التيه من مثل ما ذكر في سفر التثنية الإصحاح الثاني: «ثمّ تحوّلنا وارتحلنا إلى البريّة على طريق بحر سوف، كما كلّمني الرب، ودرنا بجبل سعير أياما كثيرة ثم كلّمني الرّبّ قائلا كفاكم دوران بهذا الجبل تحوّلوا نحو الشمال ... » وفي الإصحاح نفسه «الآن قوموا واعبروا وادي زارد. فعبرنا وادي زارد والأيام التي سرنا فيها من قادش برنيع حتى عبرنا وادي زارد كانت ثماني وثلاثين سنة حتى فني كل الجيل رجال الحرب من وسط المحلة ... ». وإذا لم يكن عندنا عن رسولنا ﵊ تفصيل في هذه الأمور فإننا نكتفي بالإحالة على ما يمكن أن يكون مصدرا، مع المعرفة بحاله من احتمال التغيير والتبديل كما ذكرنا في سورة البقرة، والرجلان اللذان ذكرهما القرآن كانا اثنين من اثني عشر رجلا على عدد أسباط بني إسرائيل أرسلهم موسى ﵇، ليتجسسوا الأرض، ويعرفوها فثبط العشرة، وقال يوشع وكالب قولة الحق فكافأهما الله بأن كانا الوحيدين اللذين عاشا ليريا الفتح، وكافأ الله كلا منهما مكافأة خاصة. أما يوشع فكان خليفة موسى ﵇ وكان على يده الفتح وأما كالب فقد كوفئ مكافئات تذكرها التوراة، ومن قارن بين موقف أصحاب موسى ﵇ وأصحاب رسولنا ﷺ يوم بدر- كما سترى- عرف الفضل لأهله، والحكمة في عقوبتهم بالتيه أربعين

стр. 1307

سنة أن يموت الجيل الذي خرج من مصر. الجيل الذي تربى في الذّل، والقهر، وطراوة العيش؛ لكي ينشأ خلالها جيل أشدّ، وأقسى، وأقدر على تحمل لأواء الجهاد. المعنى الحرفي للفقرة الثالثة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ. أي: واتل على أهل الكتاب هذه القصة ليروا ما يجرّ إليه الحسد إذ جرّ في هذه القصة إلى قضيتين: قطع ما أمر الله به أن يوصل وهو الرحم، والقتل الذي هو أفظع أنواع الإفساد في الأرض، وإذا ربطنا هذا الموضوع في السياق الكلي الذي عرّفنا أن نقض الميثاق وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، قضايا مترابطة، وأنّ تحرير الإنسان منها هو الطريق إلى الهداية، وأن سورة المائدة تفصّل في ذلك، ثم ربطنا بين هذه الفقرة وبين مقطعها فإننا ندرك كيف أنّ هذه القصة تخدم أكثر من قضية لها صلة في السياق، فهي تخدم في موضوع تحرير الإنسان من الإفساد فى الأرض، وتخدم في موضوع نصرة الرّسل إذ لم يبتعد من ابتعد من أهل الكتاب عن الإيمان برسول الله ﷺ إلا أثرا عن الحسد، وتخدم في التحرير من قطع ما أمر الله به أن يوصل إلى غير ذلك: نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ. أي: خبرهما وأكثر المفسرين على أنّ المراد بهما هابيل وقابيل ابني آدم من صلبه ويشهد لذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سنّ القتل». بِالْحَقِّ. أي: خبرا ملتبسا بالصدق، أو تلاوة ملتبسة بالصدق والصحة، أو واتل عليهم وأنت محق صادق. وذكر الحق في هذا السياق مشعر بأنّ النّص القرآني لا يحتاج إلى ما يؤيده من غيره لأنه حجة على كل شئ، وليس من شئ حجة عليه. إِذْ قَرَّبا قُرْباناً القربان: ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة ومعنى النص إذ قرب كل واحد منهما قربانه. فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما. أي: قربانه وهو هابيل. وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ أي: قربانه وهو قابيل. قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ القائل هو قابيل قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ كأن هذا جواب السؤال قال لم تقتلني؟ قال لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني. فقال: إنما يتقبل الله من المتقين. وأنت غير متّق. فإنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي لَئِنْ بَسَطْتَ. أي: مددت إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ. أي: بماد يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ. أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، ثمّ بيّن علّة امتناعه عن القتل بقوله: إِنِّي

стр. 1308

أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ. أي: أن تتحمّل أو ترجع بِإِثْمِي. أي: بإثم قتلي إذا قتلتني. وَإِثْمِكَ الذي لأجله لم يتقبل قربانك وهو عقوق الأب والحسد والحقد. فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ. أي: النار جزاؤهم. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ. أي: فحسّنته له وسوّلته له وشجّعته فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ بسفكه الدم الحرام، وتذكّرنا كلمة الخاسرين هنا بالسياق القرآني العام إذ تنتهي آيتا البقرة اللتان هما محور سورة المائدة بلفظ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* دلّ ذلك على أنّ ما فعله قابيل هو ذروة الضّلال إذ هو نقض ميثاق، وقطع رحم، وإفساد في الأرض، ومن ثمّ كان من الخاسرين فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ. أي: الله أو الغراب. كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. أي: عورته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي. أي: بدفنه. فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على عجزه أو على قتله، وإذا كان ندمه على قتله- والنّدم في شريعتنا توبة- فهل يعني هذا أنّ النّدم لم يكن توبة يومها؟ أو أنه توبة ولكن الله لم يقبل توبته لفظيع جنايته وسنّته هذه الجريمة؟ كل يحتمله المعنى. فوائد: [حول قصة ابني آدم وآثار حولها، ومسألة في الدفاع عن النفس] ١ - يذكر المفسرون كلاما كثيرا حول هذه القصة وحيثياتها ولم نجد في العهد القديم والجديد ما نذكره حول السّبب الذي من أجله كان القربان ولكن ابن كثير ينقل بإسناد جيد عن ابن عباس كلاما نذكره للاستئناس إذ ليس عندنا نص عن رسولنا ﵊ في هذا الشأن، وهذه رواية ابن عباس كما يرويها سعيد بن جبير. «قال نهى (أي آدم) أن تنكح المرأة أخاها توأمها. وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك، وأنكحك أختي. فقال: لا أنا أحق بأختي، فقرّبا قربانا فتقبّل من صاحب الكبش ولم يتقبّل من صاحب الزرع فقتله» وقال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرّج يعني الورع. ٢ - بمناسبة ذكر هذه القضية يثير الفقهاء مسألة، وهي: ما حكم دفاع الإنسان

стр. 1309

عن نفسه؟. فبعض الفقهاء يرى أن دفاع الإنسان عن نفسه واجب. وبناء عليه، فإنهم يعلّلون عدم دفع هابيل عن نفسه، إما لأنّ الدّفع لم يكن مباحا، أو أن قابيل قتله غدرا. ٣ - بمناسبة هذه القصة إليك هذه الأحاديث التي لها صلة بموضوعها: أ- قال ابن كثير: وقد ورد في الحديث أنّ النبي ﷺ قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدّخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا. ب- روى عبد الرزاق عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمّة مثلا فخذوه بالخير منهما». ج- في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه». د- قال الإمام أحمد إنّ سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من السّاعي». قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليّ ليقتلني؟ فقال «كن كابن آدم». هـ- قال الإمام أحمد: إنّ أبا ذر قال: ركب النبيّ ﷺ حمارا وأردفني خلفه وقال: يا أبا ذر أرأيت إن أصاب النّاس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال «تعفّف». قال: «يا أبا ذر أرأيت إن أصاب النّاس موت شديد يكون البيت فيه (يعني القبر) بالعبد كيف تصنع؟» قلت الله ورسوله أعلم. قال: «اصبر». قال: «يا أبا ذر أرأيت إن قتل النّاس بعضهم بعضا، حتى تغرق حجارة الزيت (موضع كان بالمدينة) من الدّماء كيف تصنع؟» قلت، الله ورسوله أعلم. قال: «اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك». قال: فإن لم أترك؟ قال: «فأت من أنت منهم فكن منهم». قال: فآخذ سلاحي؟ قال: «فإذا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك» رواه مسلم.

стр. 1310

و- أخرج ابن مردويه: عن منصور عن ربعيّ قال: كنّا في جنازة حذيفة فسمعت رجلا يقول. سمعت هذا يقول في ناس مما سمعت من رسول الله ﷺ : «لئن اقتتلتم لأنظرنّ إلى أقصى بيت في داري فلألجنّه، فلئن دخل عليّ فلان، لأقولن: ها، بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم». وقال أيوب السختياني: إنّ أول من أخذ بهذه الآية من الأمّة لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ لعثمان بن عفّان ﵁. رواه ابن أبي حاتم. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أي: بسبب القتل المذكور. كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ خصّهم بالذكر وإن كان حكما مشتركا في كل شريعة أنزلها الله لأن التوراة أول كتاب سماوي نصّ عليه. أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ. أي: من قتل نفسا بغير قتل نفس. أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ. أي: أو بغير فساد في الأرض كالشرك، وقطع الطريق، وكل فساد يوجب القتل. فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً. أي: في الذنب لأن الاعتداء على نفس. اعتداء على النّفوس كلها. وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. أي: ومن استنقذها من أسباب الهلكة، من قتل، أو غرق، أو هدم، أو غير ذلك فكأنّما أحيا النّاس، جعل قتل الواحد كقتل الجميع، وكذلك الإحياء، ترغيبا وترهيبا، لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر أنّ قتلها كقتل النّاس جميعا. عظم ذلك عليه فثبّطه، وكذا الذي أراد إحياءها، إذا تصوّر أنّ حكم إحياء نفس، حكم إحياء جميع الناس رغب في إحيائها قال قتادة: عظيم والله وزرها، عظيم والله أجرها. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي: بني إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي: بالآيات الواضحات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي: بعد مجئ الرسل بالآيات فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ أي: لمتجاوزون الحدّ، ومن ذلك القتل، لا يبالون بفظاعته؛ حتى إنهم قتلوا الأنبياء. وبعد أن قرّر الله شناعة القتل إلّا في حالتين: حالة القصاص، وحالة الإفساد في الأرض. قرّر في الآية التالية: أنّ الذين يحاربون الله ورسوله، ويفسدون في الأرض، يستحقون القتل فقال. إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ بمحاربة دينه، وكتابه، وشريعته، وأوليائه. وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً. أي: ويسعون في الأرض مفسدين، بالصدّ عن دين الله، والسير في مسالك الشياطين. أَنْ يُقَتَّلُوا دون صلب وقطع. أَوْ يُصَلَّبُوا مع القتل. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ. أي: مختلفة اليد اليمين مع الرجل اليسرى. أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. أي: أن يحبسوا ذلِكَ. أي: المذكور من العقوبات. لَهُمْ

стр. 1311

خِزْيٌ فِي الدُّنْيا. أي: ذلّ وفضيحة. وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ النّار. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ. أي: فتسقط عنهم هذه الحدود إلا ما هو حق العباد. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر لهم بالتّوبة ويرحمهم فلا يعذبهم. فوائد [هامة: حول آية الحرابة وبعض أحكامها] ١ - قصة ابني آدم هذه موجودة في الإصحاح الرابع من سفر التكوين من أسفار التوراة الحالية وفيه: «وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قابين .. ثم عادت فولدت أخاه هابيل وكان هابيل راعيا للغنم، وكان قابين عاملا في الأرض، وحدث بعد أيام أن قابين قدّم من أثمار الأرض قربانا للربّ، وقدّم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر الربّ إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قابين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قابين .. وحدث إذ كانا في الحقل أن قابين قام على هابيل أخيه وقتله .. » والملاحظ أن القربان لم يكن سببه الزواج في هذه الرواية وأن القاتل اسمه قابين» بالنّون. ٢ - في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج في التوراة هذا القول «من ضرب إنسانا فمات يقتل قتلا». ٣ - قال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ... من استحلّ دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا، ومن حرّم دم مسلم فكأنّما حرّم دماء النّاس جميعا» وقال ابن المبارك ... عن سليمان بن علي الربعي قال: قلت للحسن هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل فقال: أي والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا». ٤ - روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله اجعلني على شئ أعيش به فقال رسول الله ﷺ : «يا حمزة نفس تحييها أحبّ إليك أم نفس تميتها؟ قال بل نفس أحييها قال عليك بنفسك». ٥ - في فهم آية إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... اتجاهان: الاتجاه الذي يتوسّع في فهم معنى المحاربة والإفساد، فالمحاربة في الأصل: هي المضادّة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد

стр. 1312

في الأرض: يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب إنّ قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، فالذين توسعوا في الفهم أعطوا الإمام حق التعزير في كل جريمة، هي من هذا الباب، وأطلقوا يده في العقوبة لاستئصالها بالقتل وبغيره، مما هو مذكور في الآية. والاتجاه الثاني: الذي ضيّق فهم الآية فحملها على قطع الطريق، وحمل العقوبات فيها على تصرفات، فإن قتل فقط قتل، وإن قتل وأخذ المال، صلب، وإن أخذ المال فقط قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخاف الناس فقط سجن، والذين توسعوا في فهم الآية لا ينفون انطباقها على ما ذهب إليه الآخرون، بل يثبتون ما أثبتوه ويتوسعون. وهذه الآية هي أصل حدّ الحرابة الذي يذكر عادة في كتب الفقه في كتاب الحدود فليراجع هناك. ٦ - في سبب نزول آية الحرابة نذكر الروايات التالية: روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك «أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض (أي المدينة)، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك فقال: «ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها» فقالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ؛ فبعث في آثارهم فأدركوا فجئ بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. لفظ مسلم. (من عكل أو عرينة)، وفي لفظ، (وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون). وفي لفظ لمسلم، (ولم يحسمهم)، وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وقال حمّاد بن سلمة عن أنس بن مالك: أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصحّوا فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فجئ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم وألقاهم في الحرّة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا، ونزلت إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية. وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه وهذا لفظه، وقال الترمذي حسن صحيح. ٧ - وهل آية المحاربة عامّة في المشركين والمسلمين؟ أو أنها خاصة في الكافرين،

стр. 1313

فمن تاب منهم من قبل أن نقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ، إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، ثم تاب لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحدّ الذي أصاب. قال ابن كثير: والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات. ٨ - احتج بعموم آية المحاربة على أنّ حكم المحاربة لمن قطع السبيل وأخاف النّاس في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله تعالى وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يقتل الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتا، ويأخذ ما معه، أن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى وليّ المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأمّا في الأمصار فلا، لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممّن يغيثه ويعينه. ٩ - قال ابن عباس وغيره: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السّبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وقال الجمهور هذه الآية منزلة على أحوال من إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. ١٠ - قال ابن كثير: واختلفوا هل يصلب حيا ويترك يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا بغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرّر في موضعه. وبالله الثقة وعليه التكلان. ١١ - وفي قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال ابن كثير، قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام. رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك. وسعيد بن جبير. والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس: وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية. وقال الشعبي: ينفيه- كما قال ابن هبيرة- من عمله كله. وقال عطاء الخراساني: ينفى من جند إلى

стр. 1314

جند سنين، ولا يخرج من دار الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: أن ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير أنّ المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه. ١٢ - يلاحظ من الآية أنّ جزاء الحرابة جزاء دنيوي وأخروي، فأمّا في أهل الكفر فظاهر، وأما في أهل الإسلام فهذا محمول على من استحلّ الحرابة فكفر؛ لأنّ النّصوص تفيد أنّ المسلم إذا أصاب حدا فأقيم عليه فالله لا يجمع عليه عقوبتين. ومن النّصوص في هذا ما ورد في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النّساء ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا. ولا يعضه (١) بعضنا بعضا، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفّارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه». وعن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به فالله أعدل من أن يثنّي عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شئ قد عفا عنه». رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، وبعضهم حمل اجتماع العقوبتين في أهل الإسلام إذا كانت حرابتهم أثرا عن عقيدة فاسدة كحال الخوارج. ١٣ - من قطع السبيل من أهل الإسلام إذا تاب قبل القدرة عليه، وكان قد قتل وأخذ المال في شأنه اتجاهان: الاتجاه الأول: عدم سقوط حق العباد وهو الذي ذكرناه في التفسير الحرفي وهو اتجاه الحنفية. الاتجاه الثاني: اتجاه الشافعية أنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان: قال ابن كثير: وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة ثم نقل ثلاثة قصص تفيد هذا وهذه هي: أ- أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي، قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلّم رجالا من قريش منهم الحسن بن

стр. 1315

عليّ، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلّموا عليا فيه فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمذاني فخلّفه في داره ثم أتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ قال: فكتب له أمانا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر. وكذا رواه ابن جرير عن الشعبي وزاده: فقال حارثة بن بدر: ألا بلّغن همدان إمّا لقيتها ... على النأي لا يسلم عدو يعيبها لعمر أبيها إنّ همدان تتقي ال ... إله ويقضي بالكتاب خطيبها ب- روى ابن جرير عن الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة عثمان رضى الله عنه، بعد ما صلّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي. وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا عليّ، فقال أبو موسى: إنّ هذا فلان بن فلان وإنّه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وإنّه تاب من قبل أن تقدروا عليه فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنّه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ج- روى ابن جرير عن موسى بن إسحاق المدني أن عليا الأسدي حارب وأخاف وأصاب الدّم والمال، فطلبه الأئمة والعامّة، فامتنع ولم يقدروا عليه، حتى جاء تائبا وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية:. قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. فوقف عليه فقال: يا عبد الله. أعد قراءتها فأعادها عليه؛ فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السّحر فاغتسل، ثمّ أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصّبح، ثمّ قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه. فلما أسفروا عرفه الناس فقاموا إليه. فقال: لا سبيل لكم عليّ. جئت تائبا من قبل أن تقدروا عليّ، فقال أبو هريرة: صدق وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة في زمن معاوية. فقال: هذا عليّ جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله، قال: وخرج عليّ تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم فقرّبوا سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقّها الآخر فمالت بهم فغرقوا جميعا.

стр. 1316

كلمة في السياق: في المقطع الأول رأينا أمرا بالوفاء بالعقود، وأمرا بالطهارة للصلاة، وأمرا بتذكر نعم الله والوفاء بميثاقه، وأمرا بالتوكل، وكل هذا ينتظمه قضية الإيمان والتسليم كمقدمتين رئيسيتين للاهتداء بكتاب الله. وفي المقطع الثاني ثلاث فقرات: الفقرة الأولى في المواثيق التي أخذت على اليهود والنّصارى، وكيف نقضوها وما عوقبوا به لذلك وفيها دعوة أهل الكتاب للدخول في دين الله. وفيها نماذج من عهود نقضها اليهود، ونماذج من عهود نقضها النصارى. ثم تأتي الفقرة الثانية: وفيها نموذج على عهد نقضه اليهود وهو نصرة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثمّ تأتي الفقرة الثالثة: وفيها قصة ابني آدم، وما رتب الله عليها من أحكام، وفيها جزاء المحاربين لله ورسوله المفسدين في الأرض، وينتظم هذه الفقرات أنها حديث عن نقض الميثاق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وهي القضايا الرئيسية التي تحول بين الإنسان وبين الاهتداء بكتاب الله، وخلال ذلك ذكرت لبعض هذا الانحراف، وهنا نحب أن نسجل ملاحظة هي: أنك تجد السياق القرآني يحدثك عن المعنى مرة بعد مرة، وفي كل مرة يعطيك جديدا، ويأتيك التفصيل شيئا فشيئا، وبشكل معجز عجيب، فكأن السياق القرآني يربي عند الإنسان المعنى شيئا فشيئا. والمهم أن نلاحظ أنّه من بداية السياق حتى نهاية هذا المقطع تكررت كلمة الخاسرين، وتكررت كلمة الفسق والفاسقين، وتكررت كلمة نقض الميثاق، وكلمة الإفساد في الأرض، وهي كلمات رئيسية في محور السورة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لقد ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ في الآية الخامسة والعشرين وورد قوله تعالى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ في الآية السادسة والعشرين. ولقد وردت كلمة الخاسرين في الآية الخامسة وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ

стр. 1317

حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ووردت في الآية (٢١) وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ووردت في الآية (٣٠) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ. ولقد وردت قضية الميثاق والإفساد في الأرض كما رأينا. أفلا يكون هذا دليلا على ما ذهبنا إليه من أنّ محور السورة ما ذكرنا. وبعد المقطع الأول والمقطع الثاني يأتي مقطع ثالث يحدثنا عما تنحسم به مواد الإفساد في الأرض، بعد ما سبق من كلام عن حدّ الحرابة، وبعد ما جاء من دروس في تقاعس بني إسرائيل عن الجهاد. وقبل أن ننتقل إلى الكلام عن المقطع الثالث فلننقل بعض النقول ولنذكر بعض الفصول التي لها صلة في المقطع الثاني: نقول: [عن صاحب الظلال حول تسلل الانحراف إلى عقائد النصارى] ١ - رأينا أن الفقرة الأولى من المقطع الثاني كان فيها حديث عن النصارى وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ*. وقد تحدث صاحب الظلال حديثا طويلا حول الانحراف الذي تسلّل إلى النصارى ومراحله فقال: «إن الذي جاء به عيسى- ﵇ من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول. والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول .. ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات، بسبب دخول الوثنيين في النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد، حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها. ولم تجئ هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى؛ حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير، الذي تحار فيه العقول. حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها!. وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح- ﵇ في تلامذته وفي أتباعهم. وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت- وهو إنجيل برنابا- عن عيسى- ﵇ يذكره بوصفه رسولا من عند الله، ثم وقعت بينهم الاختلافات. فمن قائل: إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل. ومن قائل: إنه رسول نعم، ولكن له بالله صلة خاصة. ومن قائل: إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب، ولكنه على هذا مخلوق لله. ومن قائل:

стр. 1318

إنه ابن الله وليس مخلوقا بل له صفة القدم كالأب .. ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام ٣٢٥ ميلادية «مجمع نيقية» الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفا من البطارقة والأساقفة. قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية. «وكانوا مختلفين في الآراء والأديان فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله. وهم «البربرانية». ويسمون «الريمتيين». ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها. وهي مقالة «سابليوس». وشيعته. ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء من الميزاب، لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها. وهي مقالة «إليان» وأشياعه. ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منّا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي «ابن الله» ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس. وهي مقالة «بولس الشمشاطي» بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم «البوليقانيون» ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تنزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة «مرقيون» اللعين وأصحابه! وزعموا أن «مرقيون» هو رئيس الحواريين وأنكروا «بطرس». ومنهم من كانوا يقولون بألوهية المسيح وهي مقالة «بولس الرسول» ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا. وقد اختار الإمبراطور الروماني «قسطنطين» الذي كان قد دخل في النصرانية من الوثنية ولم يكن يدري شيئا من النصرانية! هذا الرأي الأخير وسلط أصحابه على مخالفيهم، وشرّد أصحاب سائر المذاهب، وبخاصّة القائلين بألوهية الأب وحده، وناسوتية المسيح. وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية عن هذا القرار ما نصه: «إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجودا فيه. وأنه لم يوجد قبل أن يولد. وأنه وجد من لا شئ. أو من يقول: إن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الله الأب. وكل من يؤمن أنه خلق، أو من يقول: إنه قابل للتغيير ويعتريه ظل دوران». ولكن هذا المجتمع بقراراته لم يقض على نحلة الموحّدين أتباع «آريوس» وقد غلبت

стр. 1319

على القسطنطينية، وأنطاكية، وبابل، والإسكندرية، ومصر. ثم ثار خلاف جديد حول «روح القدس» فقال بعضهم: هو إله، وقال آخرون: ليس بإله! فاجتمع «مجمع القسطنطينية الأول» سنة ٣٨١ ليحسم الخلاف في هذا الأمر. وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع، بناء على مقالة أسقف الإسكندرية: «قال ثيموثاوس بطريرك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله. وليس روح الله شيئا غير حياته. فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق. وإذا قلنا: إن روح الله مخلوق، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به. ومن كفر به وجب عليه اللعن»!!! وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع، كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية. وتم «الثالوث» من الأب. والابن. وروح القدس .. ثم ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية .. أو اللاهوت والناسوت كما يقولون .. فقد رأى «نسطور» بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنوما وطبيعة. فأقنوم الألوهية من الأب وتنسب إليه، وطبيعة الإنسان وقد ولدت من مريم، فمريم أم الإنسان- في المسيح- وليست أم الإله! ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم- كما نقله عنه ابن البطريق: «إن الإنسان الذي يقول: إنه المسيح .. بالمحبة متحد مع الابن .. ويقال: إنه الله وابن الله، ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة». ثم يقول: «إن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلها في حدّ ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة، أو هو ملهم من الله، فلم يرتكب خطيئة، وما أتى أمرا إدّا». وخالفه في هذا الرأي أسقف رومة، وبطريرك الإسكندرية، وأساقفة أنطاكية، فاتفقوا على عقد مجمع رابع وانعقد «مجمع أفسس» سنة ٤٣١ ميلادية. وقرر هذا المجمع- كما يقول ابن البطريق: «أن مريم العذراء والدة الله. وأن المسيح إله حق وإنسان، معروف بطبيعتين، متوحد في الأقنوم» .. ولعنوا نسطور!. ثم خرجت كنيسة الإسكندرية برأي جديد، انعقد له «مجمع أفسس الثاني»

стр. 1320

وقرر: «أن المسيح طبيعة واحدة، اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت». ولكن هذا الرأي لم يسلم، واستمرت الخلافات الحادّة، فاجتمع مجمع «خلقيدونية» سنة ٤٥١ وقرر: أن المسيح له طبيعتان لا طبيعة واحدة، وأن اللاهوت طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحدها، التقتا في المسيح» .. ولعنوا مجمع أفسس الثاني!. ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع. ووقعت بين المذهب المصري «المنوفيسية» والمذهب «الملوكاني» الذي تبنته الدولة الإمبراطورية ما وقع من الخلافات الدامية. ونكتفي بهذا القدر في تصوير مجمل التصورات المنحرفة حول ألوهية المسيح؛ والخلافات الدامية، والعداوة والبغضاء التي ثارت بسببها بين الطوائف، وما تزال إلى اليوم ثائرة .. وتجئ الرسالة الأخيرة لتقرر وجه الحق في هذه القضية؛ ولتقول كلمة الفصل؛ ويجئ الرسول الأخير ليبين لأهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة». لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ* .. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. فصول: فصل في تصحيح خطأ: بمناسبة قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ رأينا كيف أنّ هناك نصوصا تحضّ على التزام موقف ابن آدم القتيل، ومن دراسة لهذه النصوص نجد أنها فتاوى خاصة، في فتن خاصة لأشخاص بأعيانهم، أو أنّها فتاوى تنطبق على حالات بعينها، والعجيب أن يرى بعضهم في هذه النصوص دليلا له على تعطيل مبدأ الجهاد، بأن يخرج هذه النصوص عن مدلولها الخاص؛ فيعممها على حالات لا تنطبق على ما وردت في شأنه هذه النّصوص، وهو موضوع سنرى كلاما كثيرا فيه في هذه السلسلة كلها بحيث توضع النصوص في محلها. فصل: في موضوع الحقّ العام: نما في العالم كله موضوع الحق العام في الفقه القانوني، وإنه لمن إعجاز هذا القرآن

стр. 1321

أن فتح الباب لهذا النّوع من الفقه في كثير من نصوصه من مثل قوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً، وموضوع الحق العام نجده في كثير من نصوص الإسلام وفي مسائل الفقه الإسلامي. فصل في حكمة تنزل الأحكام بحسب الحوادث: من الملاحظ أنّ القرآن نزل منجّما، ولم ينزل مرة واحدة، ولذلك حكمه الكثيرة، ومن جملة هذه الحكم أن تنزل النصوص لتعالج الأمر الواقع فيكون استقبال النّصوص في هذه الحالة جامعا في طيّاته التسليم الإيماني، مع القناعة العقلية الكاملة، مع الاستعداد النفسي للتنفيذ المباشر للحكم. إنّه عند ما تقع حادثة العرنيين الفظيعة وتنزل الآية التي تذكر حدّ الحرابة فذلك درس إلى قيام الساعة يجعل الحدّ له مبرراته الواقعية، ومن هنا ينبغي أن نأخذ درسا في العمل الإسلامي اليومي، بحيث تكون الحادثة دليل القاعدة العملية في الحركة وفي فقه الدعوة، والتنظيم والتعامل. ***

стр. 1322

المقطع الثالث يمتدّ هذا المقطع من الآية (٣٥) إلى نهاية الآية (٤٠) وهذا هو: ٥/ ٤٠ - ٣٥ كلمة في المقطع: هذا المقطع هو بمثابة امتداد للمقطع السابق من حيث إنه يأمر بحسم مادة الفساد في الأرض بجهاد الكافرين، وقطع يد السارق، وبمناسبة الأمر بالجهاد يذكّرنا الله- أنّ عذاب الكافرين يوم القيامة هو أكبر بكثير ممّا يصيبهم بسبب الجهاد؛ لأن جرمهم فظيع. وإذ يأمرنا الله بقطع يد السارق، عقوبة عادلة على جريمة، فإنه يفتح له باب التوبة، وصلة المقطع بمحور السورة من حيث إنه يعرض علينا مظاهر من نقض العهد والإفساد. وأي نقض للعهد أكبر من الكفر، ولا شك أنّ السرقة من الإفساد في الأرض. وبعد هذا كله فلنلاحظ ما يلي: في محور السورة من سورة البقرة وصف الله- عزّ

стр. 1323

وجل- الفاسقين بأنهم: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* ويبدأ هذا المقطع بذكر طريق الفلاح وهو اجتماع التقوى والعمل والجهاد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل أنّ السورة تسير على خطين: خط تبيان الفسوق الذي يوصل صاحبه إلى الكفر والنّفاق، وخط تبيان المعاني التي إذا تحقق بها الإنسان خرج عن الفسوق وتحقق بالتقوى. المعنى العام للمقطع: يقول الله تعالى آمرا عباده بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهيات، وأمرهم مع التقوى أن يتقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، ثم أمرهم بقتال الأعداء من الكفّار، والمشركين الخارجين عن الطريق المستقيم، والتّاركين للدّين القويم، ورغبهم في ذلك بما أعدّه للمجاهدين في سبيله يوم القيامة من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد، ولا تحول، ولا تزول، في الغرف العالية الرّفيعة الآمنة، الحسنة مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم ولا يبأس، ويحيا ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثم أخبر تعالى بما أعدّ لأعدائه الكفّار من العذاب والنّكال يوم القيامة، حتى لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبا، وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقّن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه، بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له ولا مناص، وعذابهم في جهنم موجع، وهم لا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من سكرته، وأليم مسّه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، بل عذابهم دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها. وفي هذا السياق يأمر تعالى بقطع يد السارق والسارقة؛ مجازاة لهما على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك، ذلك حكم الله العزيز في انتقامه، الحكيم في أمره ونهيه وشرعه وقدره. ثم بيّن تعالى أن من تاب بعد سرقته، وأناب إلى الله فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأمّا أموال النّاس فلا بد من ردّها إليهم، أو ردّ بدلها عند الجمهور، ثم ذكّر الله- بمالكيته للسماوات والأرض، فهو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه الذي لا معقّب لحكمه، وهو الفعّال لما يريد؛ فيغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء وهو على كل شئ قدير.

стр. 1324

المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ... باجتناب ما نهى وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ الوسيلة في اللغة: هي كل ما يتوسل به، أي يتقرّب من قرابة، أو صنيعة أو غير ذلك فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات والقربات وقد أطبق المفسرون على أنّ المراد هنا أن: تقرّبوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ جعل الطريق إلى الفلاح التقوى والعمل الصالح والجهاد، فمن فرّط في واحد منها فرّط في الفلاح نفسه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من صنوف الأموال وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ. أي: وأنفقوه ليجعلوه فدية لأنفسهم مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أي: موجع ولا سبيل لهم إلى النّجاة بوجه يُرِيدُونَ. أي: يطلبون ويتمنّون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ. أي: دائم. فوائد: [حول معنى الوسيلة وحديث عن خروج بعض أهل النار منها] ١ - الوسيلة: هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضا علم على أعلى منزلة في الجنّة وهي منزلة الرّسول ﷺ ، وداره في الجنة أقرب أمكنة الجنة إلى العرش. وقد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النّداء: اللهم رب هذه الدّعوة التامّة، والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلّا حلّت له الشّفاعة يوم القيامة». وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ؛ فإنّه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة». ٢ - روى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بالرجل من أهل النار فيقال له يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شرّ مضجع، فيقال: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟ قال: فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تعالى: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل فيؤمر به إلى النار».

стр. 1325

٣ - أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد الفقير قال: جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدّث، فحدّث أن ناسا يخرجون من النار قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد؛ تزعمون أنّ الله يخرج ناسا من النار، والله يقول يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها الآية .. فانتهرني أصحابه وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنّما ذلك للكفار فقرأ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ حتى بلغ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ. أما تقرأ القرآن؟ قلت بلى قد جمعته قال: أليس الله يقول: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (الإسراء: ٧٩) فهو في ذلك المقام، فإنّ الله تعالى يحتبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم، قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذّب به. وأخرج ابن مردويه عن طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كلّ آية أقدر عليها، يذكر الله فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنّة رسول الله ﷺ منّي؟ إنّ الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذّبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار بعد ما دخلوا». ونحن نقرأ كما قرأت. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما والمراد اليمينات من الرسغين جَزاءً بِما كَسَبا. أي: مجازاة لهما على صنيعهما نَكالًا مِنَ اللَّهِ. أي: عقوبة منه وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. أي: غالب لا يعارض في حكمه، حكيم فيما حكم، من قطع يد السارق والسارقة فَمَنْ تابَ. أي: من السرقة مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ. أي: من بعد سرقته وَأَصْلَحَ بردّ المسروق فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ. أي: يقبل توبته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أي: يغفر ذنبه ويرحمه أَلَمْ تَعْلَمْ يا محمد أو يا أيها الإنسان أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقد شاء أن يعذّب من مات على الكفر وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وقد وعد أن يغفر لمن تاب عن الكفر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من التعذيب والمغفرة وغيرهما قَدِيرٌ. أي: قادر وحكمة تقديم التعذيب على المغفرة هنا تقدّم السرقة على التوبة والله أعلم.

стр. 1326

فوائد: [حول حد السرقة] ١ - يلاحظ أنه في موضوع السرقة ذكر السارق، ثم السارقة، وفي موضوع الزنا ذكر المرأة، ثم الرجل، وذلك لأنّ السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر، فقدم ذكر السارق وأخّر الزاني؛ لأن الزنا ينبعث من الشهوة، وهي في النساء أوفر، وقطعت اليد لأنها آلة السرقة، ولم تقطع آلة الزنا تفاديا عن قطع النسل. ٢ - ذهب الظاهرية إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرا، لعموم الآية، وأما الجمهور فاعتبروا النّصاب في السّرقة فعند الإمام مالك النصاب: ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها، أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع. وذهب الشافعي إلى أنّ الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار، أو ما يساويه من الأثمان، أو العروض فصاعدا. وذهب الإمام أحمد إلى أنّ كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مردّ شرعي، فمن سرق واحدا منهما، أو ما يساويه قطع. وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه فذهبوا إلى أنّ النّصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة أو ما يعادلها، واحتج كلّ لما ذهب إليه بأدلة. ٣ - أورد بعض الزنادقة إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة بربع دينار ونظم في ذلك شعرا فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار فأجيب: عزّ الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري ٤ - من حوادث السرقة في عهده ﵊ ما نراه في هذه الأحاديث: روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى بسارق قد سرق شملة فقال: ما إخاله سرق! فقال السارق: بلى يا رسول الله قال: «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به» فقطع، فأتي به فقال: «تب إلى الله. فقال: تبت إلى الله فقال: «تاب الله عليك». روى ابن ماجه أنّ عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبيّ ﷺ فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهّرني، فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا

стр. 1327

افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده قال ثعلبة- أحد رواة الحديث-: أنا انظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهّرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار. وثبت في الصحيحين عن عائشة أنّ قريشا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ ، في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حبّ رسول الله ﷺ ؟ فأتى بها رسول الله ﷺ ، فكلّمه فيها أسامة بن زيد؛ فتلوّن وجه رسول الله ﷺ . فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله ؟. فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشيّ قام رسول الله ﷺ ، فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد فإنّما هلك الذين من قبلكم أنهّم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ . وهذا لفظ مسلم. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة سنراها في كتاب الأساس في السنة وفقهها إن شاء الله. كلمة في السياق: ١ - جاء هذا المقطع بعد الكلام عن حدّ الحرابة وشريعة القصاص، فهو استمرار لما تنحسم به مادّة الفساد، ولذلك كان فيه أمر بالجهاد، وأمر بقطع يد السارق والسارقة. ٢ - في الفقرة السابقة على المقطع ورد قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فحتى لا يفهم فاهم أن الجهاد الذي فيه إزهاق الأنفس داخل في قضية الاعتداء على الحياة، جاء هذا المقطع آمرا بالجهاد، ومتحدثا عن العقوبة الأخروية للكافرين مما يعرف به فظاعة جرم الكافرين، فإذا جاهدهم المسلمون، وقتلوهم فليس ذلك إلا بسبب فظاعة جرمهم. ٣ - يأتي هذا المقطع بعد المقطع الذي تحدث عن نكول بني إسرائيل عن الجهاد: حيث قال موسى ﵇ «وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» وهاهنا يبين

стр. 1328

المقطع أن طريق الفلاح هو الجهاد، مع التقوى، والعمل الصالح. إذا اتضحت هذه الأمور يكون قد وضح لدينا صلة هذا المقطع بما قبله فلنتحدث عن صلة المقطع بمحور السورة، وارتباطاته، وامتداداته: جاءت مقدمة سورة البقرة تتحدث عن المتقين، والكافرين، والمنافقين، ثم جاء بعد ذلك مقطع الطريقين، ليبين طريق الفلاح، وطريق الخسران، وبعد أن جاء في المقطع الأول من سورة المائدة، وفي المقطع الثاني ما له صلة بالعقود، والفسوق، والإفساد في الأرض، والخسران، وغير ذلك مما له صلة في المحور، جاء المقطع الثالث يدعونا إلى سلوك طريق الفلاح، ويحدثنا عن عذاب الكافرين، وذلك يشبه ما ورد في مقدمة سورة البقرة، وبذلك يرتبط المحور بما سبقه من سورة البقرة، ولكن من خلال سياق جديد. فهناك تقدّمت معان حتى أوصلتنا إلى موقع. وهاهنا يكون العرض من الموقع حتى نستقر على البداية، وكأنه بذلك تنتهي جولة أولى في السورة لتبدأ جولة جديدة، أو ينتهي قسم ليبدأ قسم جديد، ولذلك فإنّ المقطع الرابع في السورة يبدأ بنداء موجّه إلى رسول الله ﷺ . يا أَيُّهَا الرَّسُولُ فكأننا أمام قسم جديد، أو جولة جديدة، ولذلك فقد أصبح بإمكاننا أن نقول: إن المقاطع الثلاثة الأولى في السورة تشكل قسمها الأول. والسّورة مع أنها أقسام واضحة المعالم، فقد آثرنا أن نعرضها على أنها مقاطع، مع إشارتنا إلى نهاية القسم، وبداية القسم الجديد، وقبل أن ننتقل إلى المقطع الرابع الذي هو بداية القسم الثاني فلنعقد فصولا ولننقل نقولا. فصول ونقول: فصل في التوسل: إجماع المفسرين منعقد على أنّ المراد بالوسيلة في الآية وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ هو العمل الصالح قال الألوسي: واستدل بعض النّاس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد، والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال: اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا، ومنهم من يقول للغائب، أو الميت من عباد الله الصالحين: يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا، ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة، ويروون عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم

стр. 1329

بأهل القبور، أو فاستغيثوا بأهل القبور». وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل». وبهذه المناسبة تكلّم الألوسي كلاما طويلا في تحقيق الحقّ في هذه المسألة وغيرها من وجهة نظره وبعد أن أجاز التوسّل برسول الله ﷺ حيا وميتا وعلّل لذلك، مع ترجيحه التوسّل بأسماء الله تعالى وتفضيله إياه- والقضية كما نعلم فيها كلام كثير- بعد هذا كلّه قال: «إن النّاس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء، الأحياء منهم والأموات، وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شئ، واللائق بحال المؤمن عدم التفوّه بذلك، وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وإن لا يكنه، فهو قريب منه، ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعوّ الحي الغائب- أو الميت المغيب يعلم الغيب- أو يسمع النداء ويقدر بالذات، أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه. ولا فتح فاه وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ*. فالحزم التجنب عن ذلك، وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني، الفعال لما يريد. ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فجاءوا إليه، فقال: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله تعالى». لم يشك في أنّ الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه- أمر يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنّك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه- وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه، وزيّن له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصور وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك. ا. هـ كلام الألوسي. نقل: [عن صاحب الظلال حول آية السرقة] بمناسبة قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما .. يقول صاحب

стр. 1330

الظلال: «إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام- على اختلاف عقائدهم- ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية .. إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية. وضمانات التربية والتقويم. وضمانات العدالة في التوزيع. وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه .. ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية .. فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة، والاعتداء على أمن الجماعة .. ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت .. ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال .. إن النظام الإسلامي كل متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته. وبالنسبة لموضوع السرقة، فإن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد في المجتمع المسلم في دار الإسلام، في الحياة. وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة .. من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه، ويجد فيه السكن والراحة .. من حق كل فرد على الجماعة- وعلى الدولة النائبة عن الجماعة- أن يحصل على هذه الضروريات .. أولا عن طريق العمل- ما دام قادرا على العمل- وعلى الجماعة- والدولة النائبة عن الجماعة- أن تعلّمه كيف يعمل، وأن تيسر له العمل وأداة العمل .. فإذا تعطل لعدم وجود العمل، أو أداته، أو لعدم قدرته على العمل، جزئيا أو كليا، وقتيا أو دائما. أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته. فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه: أولا من النفقة التي تفرض له شرعا على القادرين في أسرته. وثانيا: على القادرين من أهل محلته. وثالثا: من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة. فإذا لم تكف الزكاة، فرضت الدولة المسلمة المنفذة لشريعة الإسلام كلها في دار الإسلام، ما يحقق الكفاية للمحرومين في مال الواجدين؛ بحيث لا يتجاوز هذه الحدود، ولا تتوسع في غير ضرورة، ولا تجور على الملكية الفردية الناشئة من حلال. والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال؛ فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا من حلال .. ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون؛ ولا تثير أطماعهم في سلب ما في أيدي الآخرين .. وبخاصة أن النظام يكفل لهم

стр. 1331

الكفاية؛ ولا يدعهم محرومين. والإسلام يربي ضمائر الناس وأخلاقهم؛ فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب عن طريقه؛ لا إلى السرقة والكسب عن طريقها .. فإذا لم يوجد العمل، أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم، أعطاهم حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة .. وإذن فلماذا يسرق السارق في ظل النظام؟ إنه لا يسرق لسد حاجة. إنما يسرق للطمع في الثراء من غير طريق العمل. والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذي يروّع الجماعة المسلمة في دار الإسلام. ويحرمها الطمأنينة التي من حقها أن تستمتع بها. ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال. وإنه لمن حق كل فرد في مثل هذا المجتمع، كسب ماله من حلال، لا من ربا، ولا من غش، ولا من احتكار، ولا من أكل أجور العمال، ثم أخرج زكاته، وقدم ما قد تحتاج إليه الجماعة من بعد الزكاة .. من حق كل فرد في مثل هذا النظام أن يأمن على ماله الخاص، وألا يباح هذا المال للسرقات أو لغير السرقات. فإذا سرق السارق بعد ذلك كله .. إذا سرق وهو مكفي الحاجة، متبيّن حرمة الجريمة، غير محتاج لسلب ما في أيدي الآخرين، لأن الآخرين لم يغصبوا أموالهم ولم يجمعوها من حرام .. إذا سرق في مثل هذه الأحوال. فإنه لا يسرق وله عذر. ولا ينبغي لأحد أن يرأف به متى ثبتت عليه الجريمة. فأما حين توجد شبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العام في الإسلام هو درء الحدود بالشبهات. لذلك لم يقطع عمر ﵁ في عام الرمادة، حينما عمّت المجاعة. ولم يقطع كذلك في حادثة خاصة؛ عند ما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة من رجل من مزينة. فقد أمر بقطعهم؛ ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم، درأ عنهم الحد؛ وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبا له .. وهكذا ينبغي أن تفهم حدود الإسلام، في ظل نظامه المتكامل؛ الذي يضع الضمانات للجميع، لا لطبقة على حساب طبقة .. والذي يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة. والذي لا يعاقب إلا المعتدين بلا مبرر للاعتداء ..

стр. 1332

وبعد بيان هذه الحقيقة العامة نستطيع أن نأخذ في الحديث عن حد السرقة .. السرقة: هي أخذ مال الغير، المحرز، خفية .. فلا بد أن يكون المأخوذ مالا مقوما .. والحد المتفق عليه قريبا بين فقهاء المسلمين للمال الذي يعد أخذه من حرزه خفية سرقة هو ما يعادل ربع دينار .. أي: حوالي خمسة وعشرين قرشا مصريا بنقدنا الحاضر .. ولا بد أن يكون هذا المال محرزا، وأن يأخذه السارق من حرزه، ويخرج به عنه .. فلا قطع مثلا على المؤتمن على مال إذا سرقه، والخادم المأذون له بدخول البيت لا يقطع فيما يسرق لأنه ليس محرزا منه. ولا على المستعير إذا جحد العارية. ولا على الثمار في الحقل حتى يؤويها الجرين. ولا على المال خارج البيت، أو الصندوق المعد لصيانته .. وهكذا .. ولا بد أن يكون هذا المال المحرز للغير .. فلا قطع حين يسرق الشريك من مال شريكه لأنّ له فيه شركة فليس خالصا للغير. والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك .. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع، وإنما هي التعزير .. (والتعزير عقوبة دون الحد، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة). والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ. فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب. وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع .. ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة. والشبهة تدرأ الحد .. فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد .. وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد. ورجوع المعترف باعترافه- إذا لم يكن هناك شهود- شبهة تدرأ الحد. ونكول الشهود شبهة .. وهكذا. ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة. فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل- حتى بعد إحرازه- كسرقة الماء بعد إحرازه، وسرقة الصيد بعد صيده، لأن كليهما مباح الأصل. وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه. والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز .. بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرءون الحد في مثل هذه الحالة. ويدرأ أبو حنيفة الحد في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة.

стр. 1333

ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال، فتطلب في كتب الفقه؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات .. ورسول الله ﷺ يقول: «ادرءوا الحدود بالشبهات». وعمر بن الخطاب يقول: «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحبّ إليّ من أن أقيمها بالشبهات». ولكن لا بد من كلمة في ملائمة عقوبة القطع في السرقة؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد، في المجتمع المسلم في دار الإسلام؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة .. «إن علة فرض عقوبة القطع للسرقة أنّ السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أنّ يزيد كسبه بكسب غيره. فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره. وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل. أو ليأمن على مستقبله. فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل، ونقص الكسب يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل. فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو إلى ارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة. فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة، فلا يعود للجريمة مرة ثانية. ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية وأنه لعمري خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن .. وتجعل القوانين الحبس عقوبة السرقة. وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم، والسرقة على الخصوص. والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة. لأن عقوبة الحبس لا تحول بين السارق وبين العمل إلا مدة الحبس. وما حاجته إلى الكسب في المحبس وهو موفر الطلبات مكفيّ الحاجات؟ فإذا خرج من محبسه استطاع أن يعمل وأن يكسب. وكان

стр. 1334

لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمّي ثروته، ومن طريق الحلال والحرام على السواء! واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف فيأمنوا جانبه ويتعاونوا معه. فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد؛ وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئا ولم تفته منفعة ذات بال. أما عقوبة القطع فتحول بين السارق وبين العمل، أو تنقص من قدرته على العمل والكسب نقصا كبيرا؛ ففرصة زيادة الكسب مقطوع بضياعها على كل حال، ونقص الكسب إلى حد ضئيل أو انقطاعه هو المرجع في أغلب الأحوال، ولن يستطيع أن يخدع الناس أو يحملهم على الثقة به والتعاون معه رجل يحمل أثر الجريمة في جسمه، وتعلن يده المقطوعة عن سوابقه، فالخاتمة التي لا يخطئها الحساب مقطوع بها إذا كانت العقوبة القطع؛ وجانب الربح مرجح إذا كانت العقوبة الحبس. وطبيعة الناس كلهم- لا السارق وحده- أن لا يتأخروا عن عمل يرجح فيه جانب المنفعة، وألا يقدموا على عمل تتحقق فيه الخسارة. وأعجب بعد ذلك ممن يقولون: إنّ عقوبة القطع لا تتفق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية، كأن المدنية والإنسانية أن ننكر العلم الحديث، والمنطق الدقيق، وأن ننسى طبائع البشر، ونتجاهل تجارب الأمم؛ وأن نلغي عقولنا، ونهمل النتائج التي وصل إليها تفكيرنا، لنأخذ بما يقوله قائله فلا يجد عليه دليلا إلا التهويل والتضليل!. وإذا كانت العقوبة الصالحة حقا هي التي تتفق مع المدنية والإنسانية، فإن عقوبة الحبس قد حق عليها الإلغاء، وعقوبة القطع قد كتب لها البقاء. لأن الأخيرة تقوم على أساس متين من علم النفس. وطبائع البشر وتجارب الأمم. ومنطق العقول والأشياء. وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية. أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة، ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء. إن أساس عقوبة القطع (هو العلم بنفسية الإنسان وعقليته). فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد. وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة، لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم، وتأمين المجتمع. وما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة، فهي أفضل العقوبات وأعدلها. ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع، لأنهم يرونها- كما

стр. 1335

يقولون- عقوبة موسومة بالقسوة. وتلك حجتهم الأولى والأخيرة. وهي حجة داحضة. فإن اسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقابا إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف، بل يكون لعبا أو عبثا أو شيئا قريبا من هذا. فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم. ***
следующие страницы →