← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الثّواب، والمراد بالرّضوان أي: أن يرضى الله عنهم. والمعنى: ولا تحلّوا قوما قاصدين المسجد الحرام، وهم الحجّاج، والعمّار، ممّن صفتهم أنّهم يطلبون فضل الله ورضوانه أي: لا تتعرضوا لهم، فأمّا من قصد المسجد الحرام ليلحد فيه، أو ليشرك عنده، أو ليكفر به، فهذا يمنع ويتعرض له. وقد حكى ابن جرير الإجماع على أنّ المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أمّ البيت الحرام، أو بيت المقدس وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا. أي: إذا فرغتم من إحرامكم، وخرجتم منه، وأحللتم، فقد أبحنا لكم ما كان محرّما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ. أي: ولا يحملنّكم شَنَآنُ قَوْمٍ. أي: شدّة بغضهم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. أي: لكونهم منعوكم عن المسجد الحرام أَنْ تَعْتَدُوا. أي: أن تنتقموا منهم بإلحاق مكروه بهم لم يأذن به الله. قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى البر: كلمة شاملة فسرتها آية البر في سورة البقرة، وفسرها الحديث الشريف «والبر ما اطمأنت إليه النفس ... » والتقوى هي البرّ. وكلمات المفسّرين في تفسيرهما هنا متقاربة، فمنهم من قال: البرّ هنا: فعل الخير، والتقوى: ترك المنكرات. ومنهم من قال: البرّ: العفو. والتقوى والإغضاء. ومنهم من قال: البرّ: فعل المأمور. والتقوى: ترك المحظور. والمراد بهما- والله أعلم- ما يعم كل برّ، وكل تقوى، على أوسع مدلولاتهما، فيدخل فيهما تبعا ما له علاقة في السياق، من العفو، وترك الانتصار وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فسّر عليه وآله الصلاة والسلام الإثم بأنه: ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. قال ابن جرير: في تفسير الإثم والعدوان: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم. ويدخل في هذا النهي آلاف الصّور، إذ العلاقات الاجتماعية في الغالب إمّا تعاون على البرّ والتقوى، أو تعاون على الإثم والعدوان، على أي مستوى من مستويات التعامل. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصى وما اتقى، وتعاون على غير البر والتقوى. فوائد: ١ - [تقلّد القلائد عند أهل الجاهلية للأمن] «كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلّدوا

стр. 1262

أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد مشركو الحرم من لحاء شجره فيأمنون به». رواه ابن أبي حاتم. وأجمع علماء المسلمين على أن المشرك لو قلّد عنقه، أو ذراعيه، بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدّم له عقد من ذمّة المسلمين أو أمان. ٢ - [فائدة حول النسخ في سورة المائدة والخلاف فيه] يمر معنا أحيانا في سورة المائدة ما يشعر بأنّ شيئا ما منها منسوخ، وبعضهم يكثر، وبعضهم يقل، وبعضهم ينفي النسخ فيها أصلا، كالحسن البصري إذا سئل: نسخ من المائدة شئ؟ قال: لا. والسبب في ذكر النسخ أو عدمه هو فهم بعض النصوص فهما موسّعا يلزم عليه اعتماد النسخ. فمثلا قال ابن عباس. نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد وقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. وكما رأينا في آية القلائد، سنرى في الآية الثانية أنّ قضيّة النّسخ هنا إنّما هي أثر عن فهم موسّع للنّص فقط. ولو أننا فهمنا النّص من الابتداء فهما مضيّقا فإننا لا نحتاج للقول بالنّسخ. ٣ - [سبب نزول آية وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ... وكلام على النسخ فيها] ذكر عكرمة والسّدّي وابن جرير أنّ آية وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ نزلت في الحطيم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلمّا كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً ... فإذا صح أن هذا هو سبب النزول فإنه يكون منسوخا. أو نقول: إن هذه الصورة من عموم اللفظ أصبحت منسوخة. ٤ - [حكم الأمر بعد الحظر] من التحقيقات الأصولية أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة كقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا فالأمر هنا بعد الحظر فهو للإباحة المفهومة من قبل من مفهوم قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. ٥ - [الترغيب في الدلالة على الخير والترهيب من الإعانة على الشر] روى البزّار عن رسول الله ﷺ قوله: «الدالّ على الخير كفاعله» قال ابن كثير وله شاهد في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتّبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتّبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» وروى الطبراني عنه ﵊ «من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام».

стр. 1263

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .... أي: البهيمة التي تموت حتف أنفها. ويستثنى من ذلك ميتتا السمك والجراد. وَالدَّمُ. أي: المسفوح. وهو السائل. أما الكبد والطحال وما يتبقى في العروق بعد الذبح فهذا مباح. وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ. الخنزير كله نجس وإنما خصّ اللّحم بالذكر، لأنه معظم المقصود والخنزير بكل أنواعه حرام إنسيّه ووحشيّه. وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. أي: وما رفع الصوت به لغير الله. وهو قولهم: باسم اللات والعزى، أو غير ذلك مما سوى الله عند ذبحه، فما ذبح على غير اسم الله فهو محرّم. واختلف العلماء في متروك التسمية عمدا أو سهوا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام. وَالْمُنْخَنِقَةُ وهي: التى تموت بالخنق: إما قصدا، وإما اتفاقا كأن تتخبّل في وثاقها حتى تموت أو غير ذلك. وَالْمَوْقُوذَةُ. أي: التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ماتت وفي الصحيح أنّ عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحدّه فأحلّه، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذا لم يحلّه، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء. وَالْمُتَرَدِّيَةُ وهي التي تسقط من جبل أو في بئر فتموت. وَالنَّطِيحَةُ. أي: المنطوحة: وهي التي نطحتها أخرى فماتت بالنّطح وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها. وَما أَكَلَ السَّبُعُ. أي: ما أكل السبع بعضه ومات بجرحه، ويدخل في السبع الأسد والفهد والنّمر والكلب والذئب وغيره. إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ. أي: إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح والاستثناء يرجع إلى المنخنقة وما بعدها، فإنه إذا أدركها وبها حياة فذبحها وسمّى عليها حلّت. روى ابن أبي حاتم عن علي ﵁ قال: إن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها فكل. وفي رواية ابن جرير عنه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنّطيحة وهي تحرّك يدا أو رجلا فكلها. قال ابن كثير: وهكذا روي عن طاوس، والحسن وقتادة، وعبيد بن عمير، والضّحاك، وغير واحد أنّ المذكّاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذّبح فهي حلال وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وخالف مالك في هذا الحد فلم يجز الذكاة إلا لما كان يعيش بعد ما أكل السبع منه وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. أي: وما ذبح على الأوثان. كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها، يعظّمونها بذلك، ويتقرّبون إليها تسمّى الأنصاب. وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا

стр. 1264

بِالْأَزْلامِ. أي: وحرّم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي، القداح المعلّمة واحدها زلم أو زلم، كان أحدهم إذا أراد سفرا، أو غزوا، أو تجارة، أو نكاحا، أو غير ذلك يعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني، والثالث غفل، فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج النّاهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قسم له، مما لم يقسم له بالأزلام وما أسخف ذلك. ذلِكُمْ فِسْقٌ. أي: الاستقسام بالأزلام خروج عن الطّاعة، أو مواقعة ما مرّ من المحرّمات خروج عن الطّاعة الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ. أي: الآن يئسوا منه أن يبطلوه أو يئسوا منه أن يغلبوه فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. أي: أخلصوا لي الخشية، فلا تخافوا الكافرين في مخالفتكم إياهم، وخافوني وحدي. وأنا أتولّى شأنكم كله. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. أي: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس، وكما أكمل في البيان، فقد أكمل بالقدوة العليا بمحمد ﷺ وصحبه. وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بظهوركم أمّة مسلمة مستكملة كلّ كمال، مهمتها هدم كيان الجاهلية في كلّ مكان. وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. أي: واخترت الإسلام لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضيّ وحده، وقد ذكر نعمة الإكمال للدين في سياق تحريم هذه المحرّمات، لأنّ تحريم هذه الخبائث. من جملة الدين الكامل، والنعمة التامّة، والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره. ولما كان بيان حالات الاضطرارات من كمال الدّين بيّن حالة الاضطرار فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أي: فمن اضطر إلى الميتة، وإلى غيرها في مخمصة أي: في مجاعة غير متجانف لإثم: أي غير مائل إلى إثم، أو غير متعاط معصية الله، فإنّ الله غفور رحيم. غفور. يغفر للمضطر. رحيم بإباحته المحظور للمعذور. قال ابن كثير: قال الفقهاء قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها. وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا، هل يتناول منها قدر ما يسدّ به الرّمق؟ أو له أن يشبع؟ أو يشبع ويتزوّد؟ على أقوال. واختلفوا فيما إذا وجد ميتة، وطعام الغير، أو صيدا وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين قال

стр. 1265

ابن كثير: وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما كما قد يتوهم كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. فوائد: ١ - [حرمة شحوم الميتة] في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها النّاس؟ فقال: لا هو حرام. ٢ - [النهي عن طعام المتبارين] أخرج أبو داود ... «نهى رسول الله ﷺ عن طعام المتبارين أن يؤكل». ٣ - [مسألة خلافية في صيد الكلب المعلم] اختلفوا فيما إذا صدم الكلب الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه. على قولين هما للشافعي ﵀. أحدهما لا يحل. والثاني يحل. وإنما ذكرناه هنا مع أنّ محلّه بعد الآية التالية لأنه يشبه الموقوذة. [٤، ٥ - حول الاستقسام بالأزلام] ٤ - في الصحيحين أنّ النّبي ﷺ لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل ﵉ مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: «قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا». ٥ - أخرج ابن مردويه عن أبي الدّرداء قال: قال رسول الله ﷺ «لن يلج الدرجات من تكهّن، أو استقسم، أو رجع من سفر طائرا». أي متطيّرا. ٦ - [التحريش بين المؤمنين من عمل الشيطان] في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم». ٧ - [أثر حول قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ] روى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب. فقال: يا أمير المؤمنين! إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا يا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا. قال وأيّ آية؟ قال قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة. ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم بألفاظ متقاربة. وكون هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة وكان يوم جمعة هو الصحيح المشهور الذي لا شك فيه ولا مرية. وقال ابن جرير وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوما.

стр. 1266

والتحقيق أنها ليست آخر آية نزلت كما يظنّ بعضهم. بل آخر آية كما رأينا وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .... ٨ - [متى يحل أكل الميتة] وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحلّ لنا بها الميتة. فقال: «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها». الاصطباح: الغداء. والاغتباق: العشاء. والاحتفاء: قلع البقل من الأرض. وقال الحسن: إن رجلا سأل النّبي ﷺ فقال متى يحلّ الحرام؟ قال: فقال: «إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجئ ميرتهم». وروى عروة بن الزبير عن جدّته أنّ رجلا من الأعراب أتى النّبيّ ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له. فقال النبي ﷺ : «يحلّ لك الطيبات ويحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغني عنه فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي؟ وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النّبي ﷺ : إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئا. فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته. فقال ﷺ : إذا رويت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرّم الله عليك من طعام مالك فإنه ميسور كله فليس فيه حرام». وروى أبو داود عن النّجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ وسلّم. فقال: ما يحلّ لنا من الميتة؟ قال: ما طعامكم؟ قلنا نغتبق، ونصطبح. قال أبو نعيم فسّره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية قال: ذاك- وأبي الجوع- وأحل لهم الميتة على هذه الحال». قال ابن كثير: وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم. فأحلّ لهم الميتة لتمام كفايتهم. وقد يحتجّ به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشّبع ولا يتقيّد ذلك بسدّ الرّمق. وقد فسر عقبة الاصطباح والاغتباق في الحديث بأنه قدح عشية. وروى أبو داود عن سمرة أنّ رجلا نزل الحرّة ومعه أهله وولده فقال لهم رجل: إنّ ناقتي ضلّت فإن وجدتها فأمسكها. فوجدها ولم يجد صاحبها. فمرضت. فقالت له امرأته: انحرها، فأبي. فنفقت. فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدّد شحمها ولحمها فنأكله. قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ . فأتاه فسأله. فقال: «هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها. قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر. فقال: هلّا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك». قال ابن كثير: وقد يحتج به من يجوّز الأكل والشبع والتزوّد منها مدّة يغلب على ظنه الاحتياج إليها.

стр. 1267

وقد نقلنا هذه المجموعة من النصوص ليفهم منها حدود المخمصة الواردة في الآية والتي تبيح الأكل مما حرّم. يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ. أي: ماذا أحل لهم من المطاعم؟ والسائل عديّ بن حاتم، وزيد بن مهلهل حسب رواية ابن أبي حاتم. قالا: يا رسول الله قد حرّم الله الميتة فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ ... التّسلسل في السّياق واضح فبعد ذكر ما حرّم علينا من الخبائث يذكر الآن ما أحلّ لنا من الطيّبات قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ. أي: ما ليس بخبيث وهو: كلّ ما لم يأت تحريمه في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع الأمّة أو القياس. وبعضهم فسّرها في الآية بالذبائح المذكور اسم الله عليها. وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ .... أي: أحل لكم الطيبات وصيد ما علّمتم من الجوارح أي من الكواسب للصيد من سباع البهائم كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين ومعنى مكلبين أي مؤدّبين. إذ المكلّب: هو مؤدب الجوارح ومعلمها. لأن التأديب في الكلاب أكثر، فاشتق من لفظه لكثرته. تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. أي: تعلّمون الجوارح مما علّمكم الله في حملهنّ على الصّيد لكم. فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الإمساك على صاحبه هو علامة التعليم والتكليب والتأديب. ولوصول الجارح إلى مرحلة التأديب التي يجوز فيها أن يؤكل صيده علامة تختلف في سباع البهائم عنها في سباع الطير. فإنه يشترط في جوارح البهائم ما لا يشترط في جوارح الطير. أمّا علامته في الكلب وأمثاله فهو ألّا يأكل منه فإن أكل منه لم يحلّ، وأمّا في الطير فإن أكله منه لا يحرّمه لأنّ مجرّد أنسه بصاحبه وعوده له وصيده له علامة على تعليمه وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. الضمير في عليه إمّا أن يعود على الصيد أو على الجارح فإن عاد على الصيد كان المعنى وسمّوا على المصيد إذا أدركتم ذكاته. وإن عاد على الجارح كان المعنى: وسمّوا عليه عند إرساله. وَاتَّقُوا اللَّهَ. أي: احذروا مخالفة أمره في هذا كله. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. أي: إنّه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لبث. فوائد: ١ - [فائدة من قوله تعالى .. مِنَ الْجَوارِحِ .. ] فهم بعضهم من قوله تعالى: الْجَوارِحِ أنه يشترط لحلّ الأكل من صيدها الجرح وقد مرّت معنا هذه المسألة ورأينا أنها قضيّة خلافيّة.

стр. 1268

٢ - [فائدة عظيمة في التأديب والتعليم من قوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ .. ] قوله تعالى مُكَلِّبِينَ في الآية يفيد أنّ من يعلّم الجوارح ينبغي أن يكون موصوفا بالتكليب وإلّا فإن التعليم مفهوم من قوله تعالى: ما عَلَّمْتُمْ وعلّق النسفي على هذا بقوله: وفيه دليل على أنّ على كل آخذ علم ألّا يأخذه إلا من أمثل أهله علما، وأنحرهم دراية، فكم من آخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه، وعض عند لقاء التماري أنامله. أي عند لقاء من يجادله. [٣، ٤ - حلّ أكل صيد الكلب المعلم مع التسمية] ٣ - قال عليه وآله الصلاة والسلام: «إذا أرسل الرجل كلبه وسمّى فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل». رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول الله إنّي أرسل الكلاب المعلّمة وأذكر اسم الله فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتله؟ قال وإن قتله ما لم يشركها كلب ليس منها فإنك إنمّا سمّيت على كلبك ولم تسمّ على غيره»، وقال بعض فقهاء الشافعية. إن أمسك الكلب ثمّ انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثّر في التّحريم. وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني عنه ﵊ «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردّت عليك يدك». ٤ - وفي الصحيحين عنه ﵊ «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله». قال ابن عباس: إذا أرسلت جارحك فقل باسم الله وإذا نسيت فلا حرج. الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ كرّر هذا المعنى تأكيدا للمنّة. وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ. أي: وذبائح اليهود والنصارى حلّ لكم، وفسرنا الطعام هنا بالذبائح لأنّ سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملّة. وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أنّ ذبائحهم حلال للمسلمين لأنّهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ويذكرون على ذبائحهم اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزّه عنه تعالى وتقدّس. وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ. أي: فلا جناح عليكم أن تطعموهم لأنه لو كان حراما عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم. فالمعنى إذن: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم وهذا من باب المكافأة والمقابلة والجزاء. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ. أي: وأحلّ لكم نكاح المحصنات من المؤمنات والمحصنات هنّ:

стр. 1269

الحرائر أو العفائف، قال النّسفي: وليس هذا بشرط لصحّة النّكاح بل هو للاستحباب لأنّه يصحّ نكاح الإماء من المسلمات: ونكاح غير العفائف، وتخصيصهن بعث على تخيّر المؤمنين لنطفهم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ المحصنات هنا هنّ: الحرائر يهوديات أو نصرانيات، أو العفائف، فهنّ حلّ للمسلمين، وخالف في النّصرانيات بعضهم ولكنّ جماعة من الصحابة تزوجوا بنصرانيات ولم يروا بذلك بأسا. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. أي: إذا أعطيتموهنّ مهورهنّ، دلّ ذلك على أنّ المهر حقّ للزوجة مسلمة أو غير مسلمة، وعلى هذا يحرم أخذ مهر من المرأة، كما يفعله بعض الغربيين، ويجب العكس وهو دفع المهر للمرأة. مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. أي: متزوجين غير زانين. وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ. الخدن هنا: الصديق والعشيق ويقع على الذكر والأنثى. فالزّواج هو المباح والعلاقة الزّوجية هي المباحة. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. أي: ومن يكفر بشرائع الإسلام وما أحلّ الله وما حرّم فقد بطل عمله. وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ إذ خسر الجنة ونال بدلها الخلود الأبدي في النار، وأي خسارة أكبر من ذلك. فوائد: ١ - [جواز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة] ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفّل قال: «أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت لا أعطي اليوم من هذا أحدا، والتفتّ فإذا النّبي ﷺ يبتسم» استدلّ به الفقهاء على أنّه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة وهذا ظاهر. واستدلّ به الحنفية والشافعية على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها ممّا حرّم عليهم. ٢ - [وقوع النسخ في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ .. ] أخرج ابن أبي حاتم عن مكحول. قال: أنزل الله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثم نسخه الربّ- ورحم المسلمين فقال الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فنسخها بذلك وأحلّ طعام أهل الكتاب وهذا يعني أن مكحولا لا يرى ما يراه بقية الفقهاء من اشتراط ذكر اسم الله لحلّ ذبيحة أهل الكتاب. ٣ - [طعام غير اليهود والنصارى لا يجوز أكله] واضح من الآية الآنفة الذكر أن طعام غير اليهود والنصارى لا يجوز، سواء كانوا ملحدين، أو صابئة، أو مجوسا، أو مرتدين.

стр. 1270

٤ - [قياس حال نصارى عصرنا على حال نصارى تغلب في النهي عن أكل ذبائحهم] روى ابن جرير عن عليّ ﵁ قال: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب «لأنهم» إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر. وكان سعيد بن المسيّب والحسن لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب. وهذا الموضوع مهم لأنّ الكثيرين من نصارى عصرنا حالهم كحال بني تغلب. ٥ - [عدم جواز زواج الغربيات في عصرنا] الجمهور على أن الكتابيّة إذا كانت زانية لا يجوز زواجها. نفهم من هذا حكم الزواج بالغربيات إذ يندر في عصرنا أن توجد غربية لا تزني، إلا إذا وجد العنت فيأخذ الإنسان في هذه الحالة بالقول الآخر. ٦ - [حكم من تزوج امرأة فزنت قبل أن يدخل بها] أفتى جابر بن عبد الله، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري بأنّ الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها، أنّه يفرّق بينهما، وتردّ عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم. ٧ - [حكم صحة عقد الزواج بين المسلم والمسلمة مع اشتراط العفة من الزنا] لم يشترط إلا الإمام أحمد العفّة عن الزنا لصحة عقد زواج ما بين المسلم والمسلمة وهو موضوع سيمر في سورة النور. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ. أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون أو من النّوم لأنه دليل الحدث فعمّ كلّ حدث. وقال آخرون بل المعنى: أعمّ. فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حقّ المحدث واجب وفي حقّ المتطهر ندب. روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال: «إني عمدا فعلته يا عمر». فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وحدّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس- ولا اعتبار بالصلع ولا بالغمم- إلى منتهى اللحيين- والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وفي النّزعتين والتحذيف خلاف هل هما من الرأس أو من الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان. وهما أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة، والثاني أنه لا يجب. ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة وفي المضمضة والاستنشاق أقوال: ١ - هما واجبان في الوضوء والغسل وهو مذهب أحمد. ٢ - هما مستحبان في الوضوء والغسل كما هو مذهب مالك والشافعي. ٣ - هما واجبان في الغسل دون الوضوء فهما مستحبان فيه كما هو مذهب الحنفية.

стр. 1271

وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ. أي: مع المرافق قال ابن كثير: ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاريّ ومسلم عن رسول الله ﷺ «إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته فليفعل». وفي صحيح مسلم «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ أوجب أحمد ومالك استيعاب الرأس بالمسح، وأوجب الشافعيّ أن يمسح أقل ما يطلق عليه اسم مسح، ولا يتقدر ذلك بحدّ، بل لو مسح بعض شعره من رأسه أجزأه، وذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس وهو مقدار النّاصية، واختلفوا هل يستحبّ تكرار مسح الرأس ثلاثا كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد، أو ثلاث ثلاثة مسحات بماء واحد كما هو مذهب الحنفية. وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. أي: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين والقراءة بالكسر للإشعار بوجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. أي: فاغسلوا أبدانكم كلّها حتى لا يبقى شئ لم يغسل. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ قال الرّازي (أو) في قوله تعالى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو والتقدير وجاء. حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمّم بلا حدث. والغائط في الأصل المكان المطمئن وهو في الآية كناية عن قضاء الحاجة، ومعنى لا مستم النساء تقدّم الكلام عليه في سورة النّساء فلا حاجة بنا إلى إعادته. ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ. أي: في باب الطهارة ولذلك رخّص لكم في التّيمّم عند المرض، وعند فقد الماء توسعة عليكم، ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء إلا من بعض الوجوه. وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ. أي: بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء. وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ. أي: وليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه. ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. أي: تشكرون نعمته عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتّسهيل فيثيبكم لذلك على شكركم. فوائد: [حول مسائل في الوضوء وحكمته وثوابه وحكم المسح على الخفين] ١ - قال الفضل بن المبشر: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد.

стр. 1272

فإذا بال أو أحدث توضّأ ومسح بفضل طهوره الخفّين. فقلت أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت رسول الله ﷺ يصنعه. فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله يصنعه. رواه ابن جرير وابن ماجه. دلّ الحديث على جواز المسح على الخفين وهي من القضايا الجائزة المتواترة عنه ﵇، كبديل عن غسل الرجلين ضمن شروطه المعروفة في السنّة والفقه. كما دلّ على كفاية الوضوء الواحد لمجموعة صلوات، إذا لم يكن حدث. وقال ابن سيرين: إن الخلفاء كانوا يتوضئون لكلّ صلاة. ٢ - هناك قضايا خلافية بين الأئمة في بعض أمور اعتبرها بعضهم فريضة، واعتبرها بعضهم من باب السنن في الوضوء، من مثل الموالاة والترتيب والدّلك. والأمر فيه سعة. وهذا نموذج من وضوء رسول الله ﷺ : ففي الصحيحين أنّ رجلا قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم. وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : «هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال: عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرّتين مرّتين ثمّ مضمض واستنشق ثلاثا. وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرّتين إلى المرفقين، ثمّ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه. ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه». ٣ - هناك خلاف بين الشّيعة وأهل السنة حول كون المسح على الرجلين هو الفرض في الوضوء وليس الغسل وهم محجوجون في السنّة، وقراءة النّصب في الآية. والسنّة متواترة في وجوب الغسل. ٤ - وفي حكمة الوضوء نروي هذا الحديث الصحيح الذي رواه أحمد ومسلم «عن عمرو بن عبسة قال: قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء. قال: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرّت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثمّ يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثمّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». إنه بالوضوء يقوم الإنسان بين يدي الله متطهّرا من الأوساخ الحسية والمعنوية، وقيام

стр. 1273

الإنسان بين يدي الله تعالى متطهرا من الأوساخ الحسية والمعنوية أقرب إلى التعظيم، فكان أكمل في الخدمة، ولهذا قيل: إنّ الأولى أن يصلي الرّجل في أحسن ثيابه وأنّ الصّلاة متعمّما أفضل من الصلاة مكشوف الرأس، كما أن ذلك أبلغ في التّعظيم. ٥ - وقد وردت السنة بالحثّ على الدّعاء والذّكر عقب الوضوء ففي الحديث الصحيح «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ الوضوء- يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنّة الثمانية يدخل من أيها شاء». وفي حديث آخر ندب رسول الله ﷺ المتوضئ إلى أن يدعو بعد الوضوء بقوله: «اللهمّ اجعلني من التّوابين واجعلني من المتطهرين». ٦ - في صحيح مسلم عنه عليه وآله الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور». وفي صحيح مسلم كذلك عنه ﵊. «الطّهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصوم جنّة، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجّة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بأن أنزل عليكم هذا الإسلام وهداكم إليه وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا. أي: واذكروا ميثاقه الذي عاقدكم به عقدا وميثاقا إذ تقولون سمعنا وأطعنا، دلّ هذا على أن قول المؤمن سمعنا وأطعنا ميثاق وعقد مع الله ومع رسوله ﷺ ، وذهب أئمة التفسير إلى أن هذا تذكير بالبيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله ﷺ عند إسلامهم فقد كانوا يقولون: بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله». والنص أعمّ. فكل مؤمن قال سمعنا وأطعنا فقد أعطى ميثاقه، وعليه أن يتذكّره وأن يفي به. وَاتَّقُوا اللَّهَ في نقض الميثاق وهو تأكيد وتحريض على مواظبة التّقوى في كلّ حال إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. أي: بسرائر الصدور من الخير والشرّ، هو وعد ووعيد. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ. أي: كونوا قوّامين بالحقّ لله- لا لأجل النّاس والسّمعة. شُهَداءَ بِالْقِسْطِ. أي: بالعدل لا بالجور وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا. أي: ولا يحملنّكم بغض قوم على ترك العدل فيهم. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. أي: العدل أقرب

стр. 1274

إلى التقوى. نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا. ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وإذا كان وجوب العدل مطلقا بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه. وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمر ونهى. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. هذا وعد ووعيد، ومن ثمّ أتبعه بوعد ووعيد. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم. وَأَجْرٌ عَظِيمٌ هو الجنة وما أعظم ذلك من أجر؟. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الكثيرة في الكون وفي القرآن، وفي ما أظهره على أيدي رسله من معجزات. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ. أي: لا يفارقونها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ. أي بالقتل. فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ. أي: فمنعها أن تمتدّ إليكم. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإنه الكافي والدّافع والمانع وهذه نعمة متكرّرة شاهدها الصحابة مرات، وشاهدها المسلمون في كلّ زمان، وتذكّرها يقتضي تقوى وتوكلا، وسبب نزول هذه الآية حادثة غورث بن الحارث إذ همّ أن يفتك برسول الله ﷺ . أو حادثة كعب بن الأشرف وأصحابه إذ هموا أن يبطشوا برسول الله ﷺ عند ما ذهب رسول الله ﷺ إلى بني النّضير ليستعينهم في دية العامريّين. فأمر اليهود عمرو بن جحاش بن كعب بذلك، أمروه إن جلس النبي ﷺ تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرّحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالئوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، وأرجّح أن تكون الآية تذكيرا بما كان يوم الأحزاب والعبرة لعموم اللفظ. فوائد: [حول العدل في إعطاء الأولاد بعض الأموال] ١ - ثبت في الصحيحين عن النّعمان بن بشير ﵄ قال: أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيّة فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. فقال النبي ﷺ : «اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم- وفي رواية قال: إنني لا أشهد على جور- قال فرجع أبي فردّ تلك الصدقة». وبعض الفقهاء يعتبرون إعطاء أحد الأولاد دون الآخرين- ما لم يكن ذلك في مرض الموت، أو كان وصية لما بعد الموت- يعتبرونه جائزا لكنّه يفقد صاحبه أجر العدل غير

стр. 1275

أنه لا يأثم بذلك والله أعلم. كلمة في السياق: ١ - ورد في المقطع خمس مرات: نداء للمؤمنين، مرة بالأمر بالوفاء بالعقود، ومرة بعدم استحلال قضايا معيّنة، ومرة بالطّهارة. ومرة بالعدل. ومرة بتذكر نعمة الله أن كفّ أيدي الكافرين، وتكرر الأمر بالتقوى خلال ذلك كثيرا. فإذا ما تذكرنا أن هذه السورة امتداد لسورة النّساء، وهي في الوقت نفسه تركّز على القضايا التي تنافي الإيمان، من نقض الميثاق، والفسوق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والفساد في الأرض، إذا ما تذكّرنا هذا عرفنا أهميّة هذه الأوامر التي ابتدأت بها السورة في مقطعها الأول، فعلينا أن ننتبه إلى أهميّة الوفاء بالعقود، وأهمية الصّلاة، وأهميّة العدل، وأهميّة تذكّر نعمة الله المتجددة بكفّ أيدي الكافرين عن استئصال المؤمنين، وكلّ ذلك مرتبط بقضيّة الإيمان والتقوى، والوفاء بالعهد مع الله. ٢ - لقد رأينا عند تفسير قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أنّ من قال سمعنا وأطعنا فقد أعطى الله عهدا ولقد قالها كما قص الله علينا ذلك في سورة البقرة كل مؤمن آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. فعلى الإنسان أن يذعن قلبه، وجسمه، ولسانه، بالسمع والطاعة، وذلك عهد جديد له مع الله- وعليه دائما أن يتذكر عهده مع الله، ومنّ مقتضى ذلك أن يكون عادلا. ومن مقتضى ذلك أن يكون طاهرا مصلّيا. ومن مقتضى ذلك ألا يرتكب حراما في فم أو فرج. ومن مقتضى ذلك ألا يهتك محارم الله. ومن مقتضى ذلك ألا يمدّ يده ليتعاون مع أحد على إثم وعدوان. ومن مقتضى ذلك أن يتعاون على البرّ والتقوى. ومن مقتضى ذلك أن يتذكّر نعمة الله عليه، وعلى المسلمين بنعمة الإسلام، ونعمة الرعاية. وذلك كله مرتبط بقوله تعالى من سورة البقرة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ. فلكي لا نكون من هؤلاء فعلينا أن نلتزم بما أمرنا بالالتزام به في المقطع، وسيأتي

стр. 1276

مقطع جديد يعطينا الله- به دروسا في أمم وشعوب نقضوا العهد والميثاق مع الله- فاستحقوا بذلك ما استحقوا. ٣ - قد يكون ما مرّ كافيا للتدليل على أنّ محور سورة المائدة هو قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. فإذا اتضح هذا فلنلاحظ أنه في سياق قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... قد ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ فِسْقٌ وارتباط ذلك بقوله تعالى في المحور وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لا يخفى. وأنه في سياق قوله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ... قد ورد قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لا تخفى وأنه جاء في المقطع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ ... ولهذا صلته بقوله تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ. إن هذا كله يؤكّد أن المقطع فصّل فيما نتحرر به من الفسوق ودلّنا على ما لو وافقناه أو أهملناه أو خالفناه أو ارتكبناه فإننا نكون مستحقين الإضلال من الله- . ٤ - من الملاحظ أن الآية الأولى في السّورة قد ورد فيها قوله تعالى غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وأنه قد جاءت الآيات التي تتحدث عن صيد المحرم في أواخر السورة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ... (٩٦). وهذا يشير إلى ارتباط أول السّورة بآخرها، ويؤكد سياقها الواحد، كما يشير إلى أهمية امتناع المحرم عن الصيد؛ إذ بدأت به السورة بعد الأمر بالوفاء بالعقود، وفصّلت فيه فيما بعد، كما يشير إلى أن من أوائل ما يدخل في الوفاء بالعقود عقودنا مع الله- بالسّمع والطاعة في كل ما أمر ونهى. ولعلّه بذلك قد اتضح لنا إلى حدّ كبير سياق السورة وارتباطها بمحورها وسيزداد الأمر وضوحا فيما بعد فلننقل في نهاية الكلام عن المقطع بعض النقول ولنعقد بعض

стр. 1277

الفصول التي تساعد على الفهم والالتزام. فصول ونقول: فصل: في نزول السورة وفي بعض أسباب النزول: يقول الألوسي: وأخرج أبو عبيد عن محمد القرظي قال: «نزلت المائدة على رسول الله ﷺ في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة، وهو على ناقته، فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله ﷺ وذلك من ثقل الوحي». وأخرج غير واحد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت، وأخرج أحمد، والترمذي عن ابن عمر: أن آخر سورة المائدة والفتح. وقد تقدم آنفا عن البراء: أن آخر سورة نزلت براءة، ولعل كلا ذكر ما عنده، وليس في ذلك شئ مرفوع إلى النبي ﷺ ، نعم أخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس قالا: قال رسول الله ﷺ : «المائدة من آخر القرآن تنزيلا فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها» وهو غير واف بالمقصود لمكان «من». واستدل قوم بهذا الخبر على أنه لم ينسخ من هذه السورة شئ، وممن صرح بعدم النسخ عمرو بن شرحبيل، والحسن رضي الله تعالى عنهما، كما أخرج ذلك عنهما أبو داود، وأخرج عن الشعبي أنه لم ينسخ منها إلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وأخرج ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نسخ من هذه السورة آيتان، آية القلائد. وقوله سبحانه: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وادعى بعضهم أن فيها تسع آيات منسوخات، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله. اه. ويقول صاحب الظلال: «في روايات كثيرة أن هذه السورة نزلت بعد سورة الفتح .. وسورة الفتح معروف أنها نزلت في الحديبية في العام السادس من الهجرة .. وفي بعض هذه الروايات أنها نزلت مرة واحدة فيما عدا الآية الثالثة، التي فيها: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .. فإنها نزلت في حجة الوداع في السنة العاشرة .. ولكن المراجعة الموضوعية للسورة مع أحداث السيرة تكاد تنفي هذه الرواية التي تقول: إن السورة نزلت بكاملها بعد «الفتح» فضلا عن أن هناك حادثة من حوادث السيرة في غزوة بدر، تقطع بأن الآيات الخاصة بموقف بني إسرائيل مع موسى- عليه

стр. 1278

السلام- من دخول الأرض المقدسة، كانت معروفة للمسلمين قبل غزوة بدر في السنة الثانية الهجرية. وقد وردت إشارة إليها على لسان سعد بن معاذ الأنصاري- ﵁ فى رواية، وعلى لسان المقداد بن عمرو في رواية، وهو يقول لرسول الله ﷺ : «إذن والله لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ .. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون .. الخ». أما المراجعة الموضوعية فتصور الموقف بأنه كانت لليهود- في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآيات الخاصة بهم- قوة ونفوذ وعمل في المدينة، وفي الصف المسلم، مما اقتضى هذه الحملة لكشف موقفهم وإبطال كيدهم. وهذه القوة وهذا النفوذ كانا قد تضاءلا بعد وقعة بني قريظة، عقب غزوة الخندق، وقد تطهّرت الأرض من القبائل اليهودية القوية: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. فلم يكن لهم بعد الحديبية ما يدعو إلى العناية بشأنهم إلى هذا الحد. ثم لقد كانت فترة المهادنة معهم والخطة السلمية قد انتهت، ولم يعد لهما موضع بعد الذي بدا منهم فقول الله لنبيّه الكريم: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ .... لا بد سابق على هذه الفترة. وكذلك أمره بالحكم بينهم أو الإعراض عنهم .. ومن هذه الملاحظات يترجح لدينا أن مطالع السورة، وبعض مقاطعها هي التي نزلت بعد سورة الفتح؛ بينما نزلت مقاطع منها قبل ذلك، كما أن الآية التي فيها قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ لا بد أن تكون قد نزلت بعد ذلك. وأن السورة لم تنزل كلها مرة واحدة كما جاء في إحدى الروايات». نقول من الظلال: ننقل هنا عن الظلال متفرقات من كلامه في هذا المقطع ونضعها في تسلسل يشير إلى سياق المقطع: إنه لا بد من ضوابط للحياة .. حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه؛ وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة .. الناس من الأقربين والأبعدين، من الأهل والعشيرة، ومن الجماعة والأمة؛ ومن الأصدقاء والأعداء .. والأحياء مما سخر الله للإنسان ومما لم يسخر .. والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض .. ثم ..

стр. 1279

حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة. «هذه الضوابط يسميها الله «العقود» .. ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود .. وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح. وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية. وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة. وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية. وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل. وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله، والشهادة بالقسط، والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل الله كله؛ والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله؛ والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن .. افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة «العقود» معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله .. وفي أولها عقد الإيمان بالله؛ ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته .. هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود، وسائر الضوابط في الحياة. وعلى عقد الإيمان بالله، والعبودية لله، تقوم سائر العقود .. سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة الله، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله، فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا، بصفتهم هذه، أن يوفوا بها. إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء، مستحثة لهم كذلك على الوفاء .. ومن ثم كان هذا النداء. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود ... «إن الحديث عن الصلاة والطهارة، إلى جانب الحديث عن الطيبات من الطعام، والطيبات من النساء. وإن ذكر حكم الطهارة إلى جانب أحكام الصيد والإحرام والتعامل مع الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام .. إن هذا لا يجئ اتفاقا ومصادفة لمجرد السرد، ولا يجئ كذلك بعيدا عن جو السياق وأهدافه .. إنما هو يجئ في موضعه من السياق، ولحكمة في نظم القرآن. إنها- أولا- لفتة إلى لون آخر من الطيبات .. طيبات الروح الخالصة .. إلى جانب

стр. 1280

طيبات الطعام والنساء .. لون يجد فيه قلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع. إنه متاع اللقاء مع الله، في جو من الطهر والخشوع والنقاء .. فلما فرغ من الحديث عن متاع الطعام والزواج ارتقى إلى متاع الطهارة والصلاة، استكمالا لألوان المتاع الطيبة في حياة الإنسان .. والتي بها يتكامل وجود «الإنسان» ثم اللفتة الثانية .. إن أحكام الطهارة والصلاة؛ كأحكام الطعام والنكاح، كأحكام الصيد في الحل والحرمة؛ كأحكام التعامل مع الناس في السلم والحرب .. كبقية الأحكام التالية في السورة .. كلها عبادة لله. وكلها دين الله. فلا انفصام في هذا الدين بين ما اصطلح أخيرا- في الفقه- على تسميته «بأحكام العبادات»، وما اصطلح على تسميته «بأحكام المعاملات». هذه التفرقة التي (وجدت في اصطلاحات العلماء) حسب مقتضيات «التصنيف» و «التبويب». لا وجود لها في أصل المنهج الرباني، ولا في أصل الشريعة الإسلامية .. إن هذا المنهج يتألف من هذه وتلك على السواء .. وحكم هذه كحكم تلك في أنها تؤلف دين الله وشريعته ومنهجه، لا، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر. والدين لا يستقيم إلا بتحقيقهما في حياة الجماعة المسلمة على السواء. كلها «عقود» من التي أمر الله المؤمنين في شأنها بالوفاء. وكلها «عبادات» يؤديها المسلم بنية القربى إلى الله. وكلها «إسلام» وإقرار من المسلم بعبوديته لله. ليس هنالك «عبادات» وحدها و «معاملات» وحدها .. إلا في «التصنيف الفقهي» .. وكلتا العبادات والمعاملات بمعناها هذا الاصطلاحي .. كلها «عبادات» و «فرائض» و «عقود» مع الله. والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان مع الله. وهذه هي اللفتة التي يشير إليها النسق القرآني؛ وهو يوالي عرض هذه الأحكام المتنوعة في السياق. «ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة، القوّامة على البشرية بالعدل .. العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن؛ ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال. العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات .. والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور .. ومن ثم فهذا النداء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ

стр. 1281

أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. فصل: في ضرورة دراسة كتب الفقه: بمناسبة الكلام عن الذكاة الشرعية يقول صاحب الظلال: «والتفصيل يطلب في كتب الفقه المختصة»، وسنرى أنه بمناسبة الكلام عن حدّ السرقة يقول صاحب الظلال «ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال فتطلب في كتب الفقه» إنّ الذي يتصور أن صاحب الظلال يمنع دراسة الفقه يظلم صاحب الظلال، والذي يتصور أن يكون الإنسان فقيها دون دراسة كتب الفقه يكون واهما، والذي يتصور أننا لا نحتاج إلى كتب الفقه أصلا يكون مخالفا للنصوص، فالحديث الصحيح يقول «و بين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من النّاس» فالقليل إذن يعرفها، وهل القليل إلا أئمة الاجتهاد؟ وهذا موضوع فصّلنا فيه في كتابنا «جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما». فصل: في صور من الاستقسام بالأزلام: كثيرا ما يحدث أن أحدا من الناس يكون مشغولا بمسألة ما فيعبث بعلبة الكبريت مثلا فإن وقفت استبشر، أو يعبث بالعملة المالية المضروبة فإن جاءت العملة على وجه استبشر وإلا لم يستبشر وذلك نوع من الاستقسام بالأزلام علينا أن نبتعد عنه. فصل: في موضوع الصد عن المسجد الحرام: قضية الحج نرجو ألا تربط بأي وضع سياسي في هذا العالم، وألا تكون السياسة عاملا من عوامل الصد عن سبيل الله إن في تعقيد المعاملات، أو في تقييد الحج، أو في المعاملات الفظّة للحجاج والعمّار، أو لبعضهم، وعلى الحكومات جميعا أن تختار للتعامل مع الحجاج والعمّار أجود موظفيها أخلاقا، وأحسنهم سلوكا، وأكثرهم احتراما للناس وهذا أقل الواجب. فصل: في قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ:

стр. 1282

يقول صاحب الظلال: «فإن قول الله سبحانه لهذه الأمة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .. يتضمن توحيد المصدر الذي تتلقى منه هذه الأمة منهج حياتها ونظام مجتمعها، وشرائع ارتباطاتها ومصالحها إلى يوم القيامة، كما يتضمن استقرار هذا الدين بكل جزئياته الاعتقادية والتشريعية؛ فلا تعديل فيها ولا تغيير؛ فقد اكتمل هذا الدين وتم وانتهى أمره. وتعديل شئ فيه كإنكاره كله؛ لأنه إنكار لما قرره الله من تمامه وكماله؛ وهذا الإنكار هو الكفر الذي لا جدال فيه .. أما العدول عنه كله إلى منهج آخر، ونظام آخر، وشريعة أخرى، فلا يحتاج منا إلى وصف، فقد وصفه الله- سبحانه- في السورة. ولا زيادة بعد وصف الله- سبحانه- لمستزيد .. إن هذه الآية تقرر- بما لا مجال للجدال فيه- أنه دين خالد، وشريعة خالدة. وأن هذه الصورة التي رضيها الله للمسلمين دينا هي الصورة الأخيرة .. إنها شريعة ذلك الزمان وشريعة كل زمان؛ وليس لكل زمان شريعة، ولا لكل عصر دين .. إنما هي الرسالة الأخيرة للبشر، قد اكتملت وتمت، ورضيها الله للناس دينا. فمن شاء أن يبدل، أو يحوّر، أو يغيّر، أو يطوّر، إلى آخر هذه التعبيرات التي تلاك في هذا الزمان، فليبتغ غير الإسلام دينا .. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ. إن هذا المنهج الإلهي المشتمل على التصور الاعتقادي، والشعائر التعبدية، والشرائع المنظمة لنشاط الحياة كله؛ يحكم ويصرّف ويهيمن على نشاط الحياة كلها؛ وهو يسمح للحياة بأن تنمو في إطاره وترتقي وتتطور؛ دون خروج على أصل فيه ولا فرع، لأنه لهذا جاء، ولهذا كان آخر رسالة للبشر أجمعين. إن تطور الحياة في ظل هذا المنهج لا يعني مجافاتها أو إهمالها لأصل فيه ولا فرع؛ ولكن يعني أن طبيعة المنهج تحتوي كل الإمكانيات التي تسع ذلك التطور؛ بلا خروج على أصل أو فرع. ويعني أن كل تطور في الحياة كان محسوبا حسابه في ذلك المنهج؛ لأن الله- سبحانه- لم يكن يخفى عليه أن هناك تطورات ستقع، وأن هناك حاجات ستبرز، وأن هناك مقتضيات ستتطلبها هذه التطورات والحاجات. فلا بد إذن أن يكون هذا المنهج قد احتوى هذه المقتضيات جميعا. وما قدر الله حقّ قدره من يظن غير هذا في أمر من هذه الأمور ..

стр. 1283

ملاحظة: هناك مسائل فقهية كثيرة لها صلة بالمقطع تحتاج إلى ذكر ومناقشة. ولكن لكون هذا التفسير جزءا من سلسلة الأساس في المنهج ولكوننا سنتعرض في القسم الثاني من الأساس في المنهج وهو الأساس في السنة وفقهها لهذه القضايا كلها آثرنا أن لا نتوسع في ذلك هاهنا. ***

стр. 1284

المقطع الثاني من سورة المائدة يمتد هذا المقطع من الآية (١٢) إلى نهاية الآية (٣٤) وهذا هو: ٥/ ١٦ - ١٢

стр. 1285

٥/ ٢٤ - ١٧

стр. 1286

٥/ ٣٢ - ٢٥

стр. 1287

٥/ ٣٤ - ٣٣***

стр. 1288

كلمة في المقطع: في هذا المقطع ثلاث فقرات: الفقرة الأولى: تذكر ما أخذ الله- من ميثاق على بني إسرائيل، وكيف أنهم نقضوا عهدهم مع الله- وأنه أخذ عهودا ومواثيق على النّصارى فنقضوا العهد وعوقبوا، وفي هذا السياق يدعو الله- أهل الكتاب إلى الإيمان بمحمد ﷺ والإسلام، ويعرض علينا نماذج من كفرهم، ودعاواهم، فالفقرة تعرض نماذج من نقض العهد، وتدعو أهل ذلك لتلافيه بالإيمان بمحمد ﷺ والإسلام. وصلة ذلك بمحور السورة في قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ صلة واضحة. ثم تأتي الفقرة الثانية: وهي تعرض لنا قصة امتناع بني إسرائيل عن الجهاد زمن موسى ﵇، وفسوقهم بذلك، وعقوبتهم على ذلك. وذلك نموذج تفصيلي آخر على نقض العهد والفسوق بذلك، والصلة بين قوله تعالى في محور السورة من سورة البقرة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ. الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وبين هذه الفقرة واضحة. فهذا نموذج على الفسوق عن أمر الله بترك الفريضة. ونموذج لقطع ما أمر الله به أن يوصل من ولاء للرسل ﵈ وطاعتهم طاعة مطلقة. ثم تأتي الفقرة الثالثة: وفيها نموذج على نقض عهد وقطع لما أمر الله به أن يوصل من رحم، وإفساد في الأرض بقتل النّفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، وتعقيبا على ذلك يقرّر الله- بعض ما به تنحسم مادة الفساد في الأرض، وذلك بالقصاص وبحدّ الحرابة للمفسدين في الأرض. ثم يأتي المقطع الثالث فيبني على ذلك فيذكر الجهاد، ويذكر حدّ السرقة، وكلّ ذلك لقطع الفساد في الأرض. فالمقطع في فقراته الثلاث يفصّل في نقض العهد، وفي قطع ما أمر الله به أن يوصل، وفي الإفساد في الأرض. ويفصّل في الفسوق عامّة. فيضرب الأمثلة، ويقرّر الأحكام التي تحسم مادة الفساد. ولعل بمجموع ما ذكرناه أضحت الصلة بمحور السورة من سورة البقرة أكثر وضوحا. والصلة بين المقطع والذي قبله متعددة الجوانب: فالمقطع الأول أمر هذه الأمة بالوفاء بالعقود، وأمرها بالطهارة والصلاة، وذكّرها بنعمة الله عليها إذ همّ قوم أن يبسطوا إليها أيديهم فكفّ ذلك عنها.

стр. 1289

وجاء هذا المقطع مذكرا بالعهود الأساسية التي أخذت على بني إسرائيل والتي منها: إقامة الصلاة، ونصرة الرّسل، وكيف كان موقفهم منها لتأخذ هذه الأمة عبرة. وأرانا المقطع كيف أن بني إسرائيل نكصوا عن القتال، وفي هذا السياق يأتي الكلام عن القتل الظالم ليكون ذلك كله مقدمة للمقطع الذي فيه أمر بالجهاد، وقطع يد السارق، فكان بمثابة استمرار للكلام عما به تنحسم مادة الفساد في الأرض. فالمقطع الثاني، يقدم للمقطع الثالث، ويضرب الأمثلة التي تعين علي القيام بأمر الله فهو يخدم معاني المقطع الأول ويمهد لإقامة معاني المقطع الثالث. والملاحظ أن موسى ﵇ قدّم للأمر بالجهاد بالتذكير بنعمة الله على بني إسرائيل، وقد ختم المقطع الأول بالتذكير بالنعمة على هذه الأمة. ثم جاء المقطع الثالث ليأمر بالجهاد مما يرينا كيف أنّ المقطع الثاني خدم المقطع الأول، وأن المقطع الأول والثاني يخدمان في تحقيق معاني المقطع الثالث. وصلة ذلك بالتربية والبناء لأمتنا من حيث إن المقاطع تأخذ بيدها شيئا فشيئا، لا تخفى. وهذا أوان الشروع في تبيان المعاني العامة للمقطع الثاني. المعنى العام: لمّا أمر الله عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم في ابتداء المقطع الأول، وفي أواخره كما رأينا. شرع يبيّن لهم كيف أنّه أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين اليهود والنّصارى، فلمّا نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق. وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل من كون محور سورة المائدة هو قوله تعالى في سورة البقرة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ .... وقد بيّن الله- في الفقرة الأولى من المقطع، والتي لها علاقة بأخذ الميثاق كيف أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل في زمن موسى، وكيف أنّه جعل عليهم اثني عشر نقيبا على كل سبط منهم نقيب. ووعدهم الله- بالنّصر والرّعاية

стр. 1290

إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصدّقوا رسل الله، ونصروهم، وأنفقوا في سبيل الله. ووعدهم كذلك مع الرعاية والنصرة- إن وفوا بهذا- أن يمحو عنهم ذنوبهم، ويسترها عليهم فلا يؤاخذهم بها، وأن يدخلهم جنّته، ثمّ هدّدهم أنّه من خالف هذا الميثاق من عقده وتوكيده وشدّه. فجحده وعامله معاملة من لا يعرفه فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضّلال، ثمّ أخبر تعالى عما حلّ بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، لقد أبعدهم عن الحق، وطردهم عن الهدى، وجعل قلوبهم قاسية لا تتعظ بموعظة حتى تأوّلوا كتابه، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، وتركوا العمل به رغبة عنه، ونسوا قسما منه فعطلوه، ثم أخبر الله رسوله ﷺ أن حالهم الملازم لهم هو المكر والغدر والخيانة، وأنّه لا يزال يطّلع عليها منهم، وأمره مع هذا بالعفو عنهم والصفح إحسانا لأن الله يحب المحسنين، وهذا- والله أعلم- عند ما يكونون ذمّة للمسلمين، وأما في حالة كونهم أهل حرب فالحذر والحرب، وبعضهم قال إن الأمر بالصفح والعفو كان قبل الأمر بالقتال، وفي المعنى الحرفي بيان، وبعد أن بيّن الله- الميثاق الذي أخذه على اليهود، وعقوبتهم إذا خالفوه، بيّن عاقبة النصارى إذ نقضوا ميثاقه، فنسوا قسما مما ذكّروا به، فعاقبهم على ذلك في الدنيا، بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، كل طائفة منهم تكفّر الأخرى، وعذاب في الآخرة أكبر إذ يحاسبهم على ما ارتكبوا من الكذب عليه سبحانه وعلى رسله ﵈، وما نسبوه إلى الربّ- وبعد أن بيّن الله- عاقبة نقض الميثاق، وجّه النّداء لأهل الكتاب في هذا السياق، مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أمّيّهم وكتابيّهم، وأنّه بعثه بالبيّنات، والفرق بين الحقّ والباطل، مبيّنا لهم ما بدّلوه وحرّفوه وأوّلوه وافتروا على الله، ويسكت عن كثير مما غيّروه مما لا فائدة في بيانه، ثمّ أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيّه الكريم، فوصفه بأنه نور وكتاب واضح، وأنّ الذي يتّبع رضوان الله يهتدي به إلى طريق النّجاة والسّلامة ومناهج الاستقامة، فينجّيهم من المهالك، ويوضّح لهم أين المسالك، ويصرف عنهم المحذور ويحصّل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضّلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة. وبعد أن بيّن الله عاقبة نقض الميثاق، وبيّن لأهل الكتاب مهمّة من مهمّات رسوله،

стр. 1291

ووصف كتابه حق وصفه مما يستدعي عند أهل الإنصاف الإيمان بسبب هذا الكمال الذي لا يشك معه أنّ محمدا رسول الله، وأن القرآن كتاب الله، بعد أن بيّن هذا، حكم بكفر النّصارى في ادّعائهم في المسيح ابن مريم- وهو عبد من عباد الله وخلق من خلقه- أنّه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ثمّ أخبر تعالى عن قدرته على الأشياء كلها، وكونها تحت قهره وسلطانه بأنه لو أراد إهلاك المسيح وأمّه وأهل الأرض كلهم فمن ذا الذي كان يمنعه من ذلك؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه؟ وإذ كان الأمر كذلك فهو وحده الربّ والإله. ثم أخبر تعالى أن جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عمّا يفعل لقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهل المسيح وأمه إلا من جملة ملكه فأنى يكون إلها؟ ثم ردّ على اليهود والنّصارى ادّعاء كلّ منهم أنّهم أبناء الله، وأنّ له بهم عناية، وأنّه يحبهم بحكم انتساب كلّ منهم إلى من هو حبيب لله. فردّ الله عليهم ذلك، بأنّه لو كنتم كما تدّعون فلم يعذّبكم في الدنيا؟ وأعد لكم نار جهنّم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ ثم بيّن الله- أنّهم ليسوا إلا بشرا من البشر، وأن إليه أمر العذاب والغفران، وأنّه ينال غفرانه بسلوك طريق ذلك، ثم بيّن أنّ الكون كله ملكه، وتحت قهره وسلطانه، وأنّ إليه المرجع والمآب، فلا فرار منه إلا إليه باتّباع رسوله ﷺ وقرآنه. ثمّ خاطب مرة ثانية أهل الكتاب بعد تبيانه هذه المعاني كلها، مبيّنا أنّه قد أرسل إليهم رسوله محمدا ﷺ خاتم النبيّين، الذي لا نبيّ ولا رسول بعده، بل هو المعقّب لجميعهم، أرسله بعد مدة متطاولة بينه وبين آخر رسول بعث قبله وهو عيسى، أرسله بعد طموس السبل وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنّيران والصّلبان. فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإنّ الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلا من المتمسكين ببقايا الأنبياء الأقدمين، وكان الدّين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتّى بعث الله محمدا ﷺ ؛ فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظّلمات إلى النّور، وتركهم على المحجّة البيضاء، والشّريعة الغراء من أجل ألا يحتج من بدّل وغيّر. بأنه ما جاءه من رسول يبشّر بدين الله، وينذر من مخالفة دينه. فها قد جاء البشير والنذير محمّد ﷺ ، والله سيتولى عقوبة من خالفه وعصاه، وثواب من أطاعه. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من هذا المقطع والسؤال الآن هو:

стр. 1292

ما الصلة بين موضوع الميثاق الوارد في أول هذه الفقرة، وخطاب أهل الكتاب باتباع رسول الله ﷺ ؟. والجواب- والله أعلم- أنّه لمّا كان من الميثاق الإيمان بالرسل ونصرتهم، فقد ذكّر الله- أهل ذلك بأن محمدا رسول الله ﷺ وأن عليهم أن يؤمنوا به وينصروه، ثمّ إن الخطاب بالإيمان قد جاء بعد تبيان عقوبة نقض الميثاق من قبل وكيف أن نقض الميثاق فيه ما فيه. فكيف بعد بعثة رسول الله ﷺ الذي قامت به الحجة على الخلق بما لا مزيد عليه؟ فإن استحقاق العقوبة أبلغ. ومن هذه الفقرة نفهم أنّ الوفاء بالميثاق لا يتمّ إلا بإقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، ونصرتهم، والإنفاق في سبيل الله، فإذا ربطنا بين هذا المقطع وبين محور السورة في سورة البقرة علمنا أنّ الذي ينقض واحدة من هذه المعاني لا يهتدي بكتاب الله، لأن الله تعالى قال هناك: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... فإذا أدركنا هذا عرفنا سرا آخر من أسرار الصلة بين خطاب أهل الكتاب والكلام عن الميثاق في أول هذه الفقرة، إذ بيّن في خطاب أهل الكتاب صفات الذين يستأهلون الاهتداء بكتاب الله قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ .. فارجع الآن وتأمل الآيتين اللتين قلنا إنهما محور سورة المائدة وهما قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لتجد الرّبط الكامل ما بين أجزاء هذه الفقرة أولا، وبين هذه الفقرة والمقطع قبلها ثانيا، وما بين ذلك والسياق القرآني العام ثالثا، على النّسق الوارد في سورة البقرة بهذا الشكل المعجز، نسأل الله أن يلهمنا شكره وأن يدخلنا جنته. وبعد الفقرة الأولى من هذا المقطع، تأتي الفقرة الثانية التي تعرض علينا موقفا من مواقف بني إسرائيل فما الصلة بينها وبين ما سبقها؟. أمّا الصلة بينها وبين الفقرة الأولى فقد رأينا أن الإيمان بالرّسل ونصرتهم جزء من الميثاق، وهذه الفقرة تبيّن موقفا من مواقف بني إسرائيل مع موسى ﵇، وتقاعسهم عن النّصرة والقتال فيما هو مصلحتهم، وعقوبتهم على ذلك. وأمّا الصلة بين هذه الفقرة والمقطع السابق، فقد رأينا أن المقطع السابق ختم بالتذكير بنعمة الله، إذ كفّ أيدي من أراد الأذى بالمسلمين عن المسلمين. وطولب المسلمون على أثر ذلك بالتوكل على الله في السّلم والحرب وغير ذلك. وفي هذه الفقرة: يذكّر موسى عليه السلام

стр. 1293

بني إسرائيل بنعمة الله ليقوم على ذلك توكل يدخل فيه اليهود حربا فيرفضون، ويعاقبون. والتربية في ذلك لهذه الأمّة واضحة، وسنرى أنه بعد هذا المقطع سيأتي أمر لأمتنا بالجهاد فلا ينبغي أن تكون كبني إسرائيل، وأما المعاني العامة في هذه الفقرة الثانية فهي: يخبر تعالى عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكّر به قومه من نعم الله عليهم، وآلائه لديهم، في جمعه لهم خيري الدنيا والآخرة، لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة. ومن ذلك إرسال الرسل إليهم، وجعلهم أحرارا يتملكون، وتشريف الله إيّاهم على عالمي زمانهم، ثم بنى موسى ﵇ على هذا التذكير الأمر لهم بالقتال، ودخول الأرض المقدّسة الّتي وعدهم الله إياها على لسان أبيهم إسرائيل- إن كانوا مؤمنين- ونهاهم عن النّكول عن الجهاد، وهدّدهم بالخسران إن نكلوا، فاعتذروا عن الجهاد والدّخول، بأنّ في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال قومها قوما جبّارين، ذوي خلقة هائلة، وقوّة شديدة، وإنا لا نقدر على مقاتلتهم، ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدّخول إليها ما داموا فيها. فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم، ثمّ أخبر تعالى أنّ رجلين يخافان أمر الله، ويخشيان عقابه، حرّضا بني إسرائيل بأنهم إن توكلوا على الله، واتّبعوا أمره، ووافقوا رسوله، وقاتلوا وهاجموا؛ أيّدهم الله، ونصرهم، ونجحوا في احتلال الأرض، وهاهنا أصروا مرّة ثانية على النكول، ورفض الدخول، وترك الجهاد، وطالبوا- بكل صفاقة- موسى ﵇ أن يقاتل هو وربه وحدهما، أما هم فإنهم قاعدون في مكانهم، فاعتذر موسى ﵇ إلى الله أنه لا يطيعه أحد منهم إلا أخوه، ودعا الله أن يقضي ويفصل بينه وبين قومه الفسقة، فعاقبهم الله- حين نكلوا عن الجهاد بتحريم دخولهم عليهم مدّة أربعين سنة، وعاقبهم على ذلك كذلك بالتيه في الأرض، ثم سلّى الله موسى ﵇، وأمره ألّا يأسف، وألّا يحزن عليهم فيما حكم عليهم به فإنهم مستحقّون ذلك. وانتهاء الفقرة بقوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ مشعر بأنّ ترك الجهاد المفروض والنكول عنه فسوق. ومشعر بالصّلة بين الفقرة ومحور السورة من سورة البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... وأن الجهاد جزء من الميثاق، الذي من تخلى عنه استحق الضّلال والإضلال، وهذا يفهم من أول هذا المقطع وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ... لأن النّصرة الحقيقية الكاملة إنّما تكون بالجهاد.

стр. 1294

فإذا اتضح هذا المعنى فلنتذكر: أنّ محور سورة المائدة هو آيتا سورة البقرة إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ*. وعلى هذا فمحور سورة المائدة يتضمّن خطين: الخط الأول: الأوامر التي لو أطاعها الإنسان ينال الهداية. الخط الثاني: الأشياء التي إذا أخلّ بها الإنسان استحقّ الضّلال من مثل نقض الميثاق، والفساد في الأرض، وقطع ما أمر الله به أن يوصل ومن ثمّ كان فهم سورة المائدة والتخلق والتحقق بما طولبنا به فيها من الأهمية بالمكان العظيم وقدر رأينا فى سورة البقرة أن استحقاق الضلال بثلاثة: ١ - بنقض الميثاق. ٢ - بقطع الصلة اللّازمة. ٣ - بالإفساد في الأرض. وقد جاء المقطع الأول يأمر بالوفاء بالعقود. وجاء المقطع الثاني يبيّن عاقبة نقض المواثيق في فقرته الأولى. وعاقبة نقض نوع منها في فقرته الثانية، وأما الفقرة الثالثة فإنّ فيها بيانا لأفظع أنواع الإفساد في الأرض، وهو القتل. وهكذا يمضي السياق مربيّا ومنفّرا ضمن محور خاص، وعلى نسق محدّد، ولننتقل إلى استعراض المعاني العامّة للفقرة الثالثة: أخبرنا تعالى في الفقرة الثالثة عن قابيل وهابيل ولم يسمّهما- ولكن ذكر غير واحد من السلف والخلف أنهما المرادان هنا- وكيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيا عليه وحسدا له فيما وهبه الله من النّعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله- ، ففاز المقتول بوضع الآثام، والدّخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السّلف والخلف: إنّ الله تعالى شرع لآدم ﵇ أن يزوّج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى فكان يزوّج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرّبا قربانا، فمن تقبّل منه فهي له فتقبّل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصّه الله في كتابه، إذ أمر رسوله أن يقصّ خبر ابني آدم هذين على الأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة

стр. 1295

ولا نقصان، إذ قرّبا قربانا، فتقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فغضب قابيل على أخيه، وحسده بسبب ذلك، وهدّده بالقتل، فكان رد هابيل أن ذكر أنّ سنّة الله أن يتقبل من أهل التقوى، ثم أعلمه بأنه إن مدّ إليه يده بالقتل فإنه لن يقابل صنيعه الفاسد بمثله، لأنه يخاف الله ربّه، ثمّ علّل سبب استسلامه للقتل بأنه يريد من صبره على قتل أخيه أن يبوء أخوه بإثم قتله مع آثامه السابقة ليكون من المعذّبين عند الله بسبب ظلمهم. وفي ذلك عظة وردع لقابيل، إلا أنه لم يتّعظ، ولم يرتدع، فحسّنت له نفسه قتل أخيه، وشجعته عليه فقتله، فأصبح من الخاسرين في الدنيا والآخرة وأيّ خسارة أعظم من هذا؟ فلما مات أخوه تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفنه، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه فلما رآه سفّه نفسه أن يكون أعجز من الغراب في دفن أخيه، فدفنه فعلّاه الله بندامة بعد خسران. ثم يستمر السياق مبينا أنه من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانا شرع الله لبني إسرائيل وأعلمهم، وجعله شريعة دائمة: أنه من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنمّا قتل النّاس جميعا، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن أحياها أي: حرّم قتلها، واعتقد ذلك، فقد سلم النّاس كلّهم منه بهذا الاعتبار. ومن ثمّ فكأنه أحيا الناس جميعا بذلك. ثم بيّن الله- أنّ رسل بني إسرائيل قد جاءتهم بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة، ومع ذلك فإنّ كثيرا منهم متّصف بالإفساد في الأرض. ومن هنا نفهم أن قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ. أي: على اليهود قصة ابني آدم، وما ترتب عليها من حكم قطعي لله في موضوع القتل، وموقفهم من ذلك، نفهم من هذا أنّ السّياق في هذه الفقرة مستمرّ في قضيّة نقض الميثاق، في موضوع تشريعيّ، هو عصمة دم الإنسان إلّا بحق، ونقض بني إسرائيل لهذا. ثمّ ختم الله- هذا المقطع الذي قرّر فيه وجوب نصرة الرسل، وحرمة الإفساد في الأرض، كجزء من الميثاق، بأن ذكر عقوبة حرب الله ورسوله، وعقوبة الإفساد في الأرض وهو القتل أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض بحسب جناية الجاني وأن هذه العقوبة لهم شر وعار، ونكال وذلّة وعقوبة في عاجل الحياة الدّنيا، ومع هذا الجزاء في الدنيا فإنّ لهم عذاب جهنّم يوم القيامة. واستثنى الله- من العقوبة التائبين قبل القدرة عليهم، فإنّ من كمال

стр. 1296

مغفرة الله ورحمته أن يقبل توبتهم، وفي الموضوع تفصيلات وجزئيات سنراها بإذن الله. وبهذا ينتهي المقطع الثاني فلنعد إلى تفسيره تفسيرا حرفيا. التفسير الحرفي: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. النّقيب: هو الذي ينقّب عن أحوال القوم ويفتّش عنها. وقد أمر الله موسى ﵇ أن يأخذ من كل سبط نقيبا، يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمر به توثقة عليهم ففعل. وقوله تعالى: (وَبَعَثْنا)، يشير إلى أنه تعالى هو الذي عيّن هؤلاء الرؤساء وهو الذي اختار لكل سبط رئيسا، وفي الإصحاح الأول من سفر العدد مما يسمونه التوراة حاليا بعد ذكر أسماء النقباء «فأخذ موسى وهارون هؤلاء الرجال الذين تعيّنوا بأسمائهم» وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ. أي: ناصركم ومعينكم وراعيكم. لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي جميعا من غير تفريق بين أحد منهم وَعَزَّرْتُمُوهُمْ. أي: وعظّمتموهم أو ونصرتموهم بأن تردّوا عنهم أعداءهم، وتجاهدوا في سبيل دينهم. وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. أي: وأنفقتم في سبيل الله بلا منّ. أو: وفعلتم أنواع الخير كلها لله خالصة. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ. أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها. وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهذا أعظم المقصود فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ. أي: فمن جحد بعد هذا الميثاق وعقده وتوكيده وشدّه. فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. أي: فقد أخطأ طريق الحق، ومن كفر قبل ذلك فقد ضلّ سواء السّبيل أيضا، ولكنّ الضّلال بعده أظهر وأعظم. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. أي: فبنقضهم ميثاقهم أي فبسبب ذلك (وما) هنا مزيدة لإفادة تعظيم الأمر. لَعَنَّاهُمْ. أي: طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً. أي: يابسة لا رحمة فيها ولا لين. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. أي: يفسّرونه على غير ما أنزل، وهذا بيان لأثر قسوة قلوبهم، لأنّه لا قسوة في القلب أشد من قسوة ينبثق عنها الافتراء على الله وتغيير وحيه. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. أي: وتركوا نصيبا جزيلا، وقسطا وافيا من التوراة. أو أن الإغفال سمّي نسيانا. وَلا تَزالُ يا محمد وكذلك المسلمون. تَطَّلِعُ. أي: تظهر عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ. أي: على خيانة أو على فعلة ذات

стр. 1297

خيانة أي: هذه عادتهم، وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل، وهؤلاء يخونونك ويهمّون بالفتك بك. إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين آمنوا منهم وما أقلهم. فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ. أي: اعف عن هذا القليل من أهل الإيمان، وتجاوز عما سلف منهم، فلا تؤاخدهم به، كأدبك مع المؤمنين. هذا الذي حمل عليه النسفي هذين الأمرين. أما ابن كثير فقد جعل الأمرين في اليهود ونقل قول قتادة أن هذا منسوخ بآية القتال، والحكم المستقر في هذا الموضوع أنّ اليهود إن كانوا ذمّة فخانوا حوكموا فعوقبوا بما يستحقون، وإن كانوا حربيين معاهدين فخانوا فالحرب. أو كانوا حربيين فالحرب ضمن قدرة المسلمين، وفي حدود إمكانياتهم، وحسب المصلحة، وقد يعفى عن بعض تصرفاتهم إن كانوا ذمة، إذا كانت المصلحة في ذلك، فموضوع النّسخ بعد هذا التقرير يبقى قضيّة اعتبارية بحسب سعة الفهم للنص، وبحسب محمل الآية. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين اجتمع لهم حسن العمل، ومراقبة الله فيه، والإخلاص لله في ذلك. فوائد: [حول مسألة الاثني عشر نقيبا وما يستفاد منها وحول عاقبة نقض الميثاق] ١ - نقل ابن إسحاق أسماء نقباء بني إسرائيل حسب أسباطهم، وقال ابن كثير وقد رأيت في السفر الرابع (أي: سفر العدد) من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء ابن كثير مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، وما نقله ابن كثير قريب من الموجود حاليا في سفر العدد، مما يدلّ على أن نسخ ما يسمّى بالتورات كانت متوافرة خلال العصور الإسلامية، وأن النقل منها وعنها كان متاحا لعلمائنا. ٢ - لاحظنا أن الاثني عشر نقيبا كانوا معيّنين تعيينا، ونلاحظ أنّ رسولنا ﵊ قد طالب الأنصار ليلة العقبة الثانية أن يختاروا هم من بينهم اثني عشر نقيبا، مما يدلّ على أنّ الأصل في شريعتنا هو انتخاب القيادات، وليس تعيينها، وليس الكلام هنا في القيادات العسكرية، والأمر واسع جدا، وتحكمه قواعد متعدّدة، وإنما أشرنا هذه الإشارة هنا حتى لا يفهم فاهم أنّ التعيين في غيبة الوحي هو الأصل. ٣ - لاحظنا أن الميثاق قد أخذ على بني إسرائيل بخمسة أشياء. الصلاة، والزكاة، والإيمان بالرّسل، ونصرتهم، وفعل الخير، وأنهم عوقبوا على النقض بقسوة القلب، واللعن، وما من شئ أخذ عليهم به الميثاق إلا وقد أخذ علينا، فمن رأى من قلبه قسوة

стр. 1298

فلينظر أيّ شئ قد فرّط به من هذه الأمور وغيرها، لقد قست القلوب في عصرنا كثيرا فلنفتّش عما يلينها. وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى. أي: ومن الذين سمّوا أنفسهم نصارى ويظهر أنّهم سمّوا أنفسهم كذلك ادّعاء لنصر الله. أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ لم يفصّل ماهيّة الميثاق الذي أخذ عليهم، لأنّ الميثاق الذي أخذ على الأمم واحد، فهو لا يحتاج إلى تفصيل. فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. أي: تركوه وأهملوه بل خالفوه. ومن ذلك التوحيد والشرائع. فعوقبوا على ذلك بما يلي. فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ. أي: فألصقنا وألزمنا بين فرق النّصارى المختلفة العداوة والبغضاء، وهو عقاب مستمرّ بهم كما هو مشاهد. إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فهم لا يزالون متباغضين، متعادين، يكفّر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، وكل فرقة تحرم الأخرى من الجنة في زعمها، ولا تدعها تلج معبدها، والأمر فيهم هكذا إلى يوم القيامة. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ. أي: سيخبرهم يوم القيامة بما اقترفوه من الكذب على الله، وعلى رسوله، وعلى شريعته فيجازيهم. فائدة: [انتشار العداوة والبغضاء عقاب على نسيان جزء من الوحي] دلّت الآية على أنّ نسيان جزء من الوحي الذي ينزله الله على أمّة تستحق به هذه الأمة العداوة والبغضاء. ولا شك أنّ أمتنا نسيت الكثير من الوحي المنزّل، ونحن نرى آثار هذا الترك عداء وبغضاء بين المسلمين، والترك الذي وقعت به أمتنا ترك عملي في الغالب، إلا ما وقعت به بعض الفرق، ومظهر هذا التّرك العملي أخذا ببعض ونسيانا لبعض، فلنقبل على هذا الدين ولنأخذه كله لعلّ الله يؤلف بين قلوبنا. وبعد أن بيّن الله فيما مرّ من الفقرة نقض اليهود والنصارى للميثاق، دعاهم إلى تلافي ذلك بالإيمان برسول الله ﷺ فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ الخطاب لليهود والنّصارى. قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا. أي: محمد ﵊ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ من نحو صفة رسول الله ﷺ ، ومن نحو الرجم، ومن نحو التوحيد والتنزيه، وكثير من الشعائر والشرائع. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. أي: مما تخفونه فلا يبيّنه لعدم حاجة الإنسانية إلى بيانه. قال ابن كثير في تفسيرها: ويسكت عن كثير ممّا غيّروه ولا فائدة في بيانه. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ النّور هنا محمد ﷺ . لأنه يهتدى به ويقتدى وفي

стр. 1299

مكان آخر سماه الله سراجا. فقال: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (الأحزاب: ٤٦) ويمكن أن يراد به القرآن لكشفه ظلمات الكفر والشرك والحيرة والشك وغير ذلك ولإبانته ما كان خافيا على النّاس من الحق. وَكِتابٌ مُبِينٌ. أي: واضح لأنه ظاهر الإعجاز، وعلى أنّ النّور محمّد ﷺ يكون المعنى: قد جاءكم القدوة الصالحة، والكتاب الواضح. وعلى أن النّور الكتاب يكون من باب عطف الموصوف على الصّفة. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ الضمير في (به) راجع للقرآن. مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ. أي: رضوان الله بالإيمان به، وبرسله، وبكتابه. سُبُلَ السَّلامِ. أي: طريق السلامة والنجاة من عذاب الله. أو سبل الله التي توصل إلى رضوانه ومعرفته وجنته. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. أي: ظلمات الشرك والكفر، والشك والنفاق، والشهوة والفسوق، إلى نور الإسلام والمعرفة. بِإِذْنِهِ. أي: بإرادته وتوفيقه. وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. أي: ويرشدهم إلى الطريق الأقوم. فوائد: ١ - [فائدة حول قوله تعالى يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ .. ] في قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ... إشارة إلى أنه لا بد للاهتداء بكتاب الله من إيمان أولا، يستتبع ذلك اهتداء بكتاب الله، يستتبع ذلك سير بالطرق الموصلة إلى رضوان الله، يستتبع ذلك هداية إلى الصراط المستقيم الموصل إلى الجنّة. ٢ - [إخفاء أهل الكتاب أحكام كتبهم كالرجم للزاني] روى الحاكم بإسناد صححه عن ابن عباس قوله: «ومن كفر بالرّجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، أي قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ فكان الرجم مما أخفوه» وبهذه المناسبة ننقل مما يسمّونه التوراة حاليا ما هو مذكور فيها من حكم الرّجم للزاني: في سفر اللاويين الإصحاح العشرون. «كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنّه يقتل، يرجمه شعب الأرض بالحجارة» وفي سفر التثنية: الإصحاح الثاني والعشرين «ولكن إن كان هذا الأمر صحيحا لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها» وفي الإصحاح نفسه «إذا كانت فتاة

стр. 1300

عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا» أقول في شريعتنا: إذا زنت العذراء والأعزب الذي لم يتزوج فإنهما يجلدان مائة جلدة أما المحصن والمحصنة فهما اللذان يرجمان إذا زنيا .. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. وأيّ: كفر أفظع من هذا الكفر جعل البشر إلها. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً. أي: الأشياء كلها تحت قهره وسلطانه فمن يمنع من قدرته ومشيئته؟ إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. أي: إن أراد أن يهلك من زعموه إلها، وأمّه، والنّاس جميعا، والمعنى: أنّ المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وذكر من في الأرض جميعا في هذا السياق إشارة إلى أنّ المسيح وأمّه من جنسهم، لا تفاوت بينهما وبينهم من حيث المعنى، وهذا يفيد أنّ من اشتمل عليه رحم الأموميّة لا يفارقه نقص البشريّة، ومن لاحت عليه شواهد الحدثية لا يليق به نعت الربوبيّة، وأنّ الله لو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصّمدية. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فجميع الموجودات ملكه ومنهم المسيح وأمّه وأنّى تجتمع المملوكية مع الربوبيّة! يَخْلُقُ ما يَشاءُ. أي: يخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من أنثى بلا ذكر، ويخلق بلا ذكر ولا أنثى كما خلق آدم. ويخلق مباشرة. ويخلق بالأسباب وفي ذلك كله دليل عظمته، وعلامة كمال قدرته، والمشير إلى ربوبيته فكيف يستدل بشيء من ذلك على ربوبيّة غيره. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فله وحده الربوبية وهو وحده الإله. والسياق كله ردّ على النّصارى فيما زعموه من شأن المسيح. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. أي: نحن أعز عليه كالابن على الأب. كلّ من اليهود والنّصارى ادّعى هذه الدعوى قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ. أي: إن صحّ أنّكم أبناء الله وأحباؤه فلم تعاقبون بذنوبكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثمّ أكمل بقوله بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ. أي: أنتم خلق من خلقه لا بنوه، فلكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقد شاء أن يعذّب من مات على الكفر؛ عدلا، وأن يغفر لمن تاب عن الكفر؛ فضلا، ثم هو بعد أن يتوب من الكفر إن واقع المعصية فأمره إلى الله، إن شاء أن يعفو وإن شاء أن يعذّب. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وفي هذا تنبيه على عبودية المسيح لأن الملك والنبوة متنافيان. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. أي:
следующие страницы →