← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

إلى كتاب الله، ولا أتصور أن أحدا من علماء المسلمين الأثبات يخالفه فيما ذهب إليه. فالإسلام جدّ وليس هزلا، والإسلام لا يقبل دخلا ولا دغلا، وصراط الله دقيق وميزان الله- عادل ومن استفتانا في أحد نقض الشهادتين أفتيناه بالكفر، ومن استفتانا في نظام يرفض الالتزام بالإسلام ويلتزم في دساتيره وقوانينه بغيره أفتيناه بكفره بلا تردد. بل نقول: إنّ أي حزب يرفض الإسلام، أو يريد أن يخلطه بغيره، أو يتبنى في مجموع آرائه ونظرياته ما هو كفر، فهو كافر، وأن أي حكومة تتبنى في مجموع دساتيرها وقوانينها ما يعتبر ناقضا للشهادتين فإننا نعتبرها كافرة، ومن يؤيدها، ويناصرها، فيما هي فيه فهو كذلك كافر فالأنظمة التي تشبه التتار في اعتمادها الياسق أو الياسا حكمها حكمهم. غير أن الحكم على نظام بالكفر لا يعني الحكم على كل فرد من أفراده بالكفر، بل قد نحكم على النظام كله بالكفر ونحكم لرئيسه نفسه بالإسلام، ومن ثمّ نقول: إن الحكم على كل فرد بعينه إنما يخضع للفتوى المعتبرة البصيرة من أهلها على ضوء النصوص، وهذه أمور تحتاج إلى تفصيل: لقد خدم يوسف ﵇ في نظام كافر له شريعة تختلف عن شريعة يوسف بدليل قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ وبدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ والشك كفر، وإذن فنحن نحكم على النظام الذي خدم فيه يوسف بالكفر، بينما يوسف ﵇ رسول من الرّسل. وهذا النجاشي حكم له رسول الله ﷺ بالإسلام وصلّى عليه عند ما مات صلاة الغائب، وكان على رأس نظام كافر؛ لأنه لم يكن يحكم بشريعة القرآن، ومع ذلك فنحن نحكم عليه بأنّه مسلم. لقد عطّلت الدولة العثمانية نظام الحدود منذ منتصف القرن التاسع عشر بسبب الظروف الضاغطة فيما زعموا، واستبدلت بها غيرها، ومنذ تلك اللحظة أصبح النظام كافرا، ولكن هل نحكم على السلطان عبد الحميد نفسه بالكفر وهو الذي لا يشك في حرصه على الإسلام، وفي رغبته في إقامته، ولكنّه كان أعجز من أن يستطيع أن يفعل شيئا في زعمه وفي تقدير الكثيرين. هل نحكم بالكفر على رجل قبل وزارة ليخدم الإسلام في ظلّ نظام كافر؟ الذي

стр. 1367

نقوله: إنّ هذه الأمور تخضع للفتوى البصيرة من أهلها، فالفتوى تقدّر زمانا ومكانا وشخصا، وفي كثير من الأحيان قد لا يتأتى لنا أن نعرف كل الحيثيات التي من خلالها نستطيع أن نصدر الحكم. إن فقهاء المسلمين مختلفون حول الجهل في دار الإسلام هل يعتبر كفرا قبل البيان أو بعده؟ فبعض الفقهاء كالشافعية يرون: أنه لا يحكم على مسلم بالكفر في إنكار معلوم من الدين بالضرورة إلا بعد البيان. ولكنّ كل العلماء يرون أنّ الجهل في «دار الحرب» والكفر يعتبر عذرا، فإذا اتضحت هذه النقطة بالذات، وعرفنا أن أكثر العلماء يعتبرون أن الأرض التي تعطّل الحكم بشريعة الله دار حرب، إذا أدركنا ذلك عرفنا أن الحكم على كل فرد بعينه بالكفر بسبب بعض المكفّرات يحتاج إلى فتوى تضع كلّ الأمور باعتبارها، ومن ذلك قضية الرخصة والعزيمة، وقضية الأحكام الأصلية، والفتوى بسبب الأوضاع الاستثنائية، ومن ذلك موضوع فقه الحركة والدّعوة، واحتياجات الحركة اليومية، وأشياء أخرى فصّلناها في محلّها من هذه السلسلة وفي كتب أخرى. عودة إلى السياق: قلنا إن القسم الأول من السورة تألف من المقاطع الثلاثة الأولى والآن نقول: إن القسم الثاني يتألف من مقطعين، المقطع الذي مرّ معنا، والمقطع الذي سيأتي ليبدأ قسم ثالث مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ كما بدئ القسم الثاني. فلنر المقطع الخامس في السورة، وهو المقطع الثاني من القسم الثاني من سورة المائدة. ***

стр. 1368

المقطع الخامس ويمتدّ من الآية (٥١) إلى نهاية الآية (٦٦) وهذا هو: ٥/ ٥٦ - ٥١

стр. 1369

٥/ ٦٥ - ٥٧

стр. 1370

٥/ ٦٦ كلمة في المقطع: - يأتي هذا المقطع ليوضّح ما أمر الله به أن يوصل، فإذا كانت المقاطع السابقة قد جاء فيها نقض الميثاق، والإفساد في الأرض بشكل أوضح، فإن هذا المقطع يذكر فيه ما أمر الله به أن يوصل بشكل أوضح، فالولاء لله ورسوله ﷺ والمؤمنين فريضة، فهذا مما أمر الله به أن يوصل. والولاء للكافرين والمنافقين لا يجوز، فمن لم يعط الولاء لأهل الإيمان فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومن أعطى ولاءه للكافرين والمنافقين فقد وصل ما أمر الله به أن يقطع، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة المقطع بمحور سورة المائدة من سورة البقرة. لاحظ الصلة بين محور السورة وبعض معان في هذا المقطع: في السورة من البقرة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وفي هذا المقطع نرى قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ وفي محور السورة تجد قوله تعالى وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ* وفي هذا المقطع نجد عن اليهود وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. وهذا كله يؤكد صلة المقطع بمحوره من سورة البقرة، ويؤكد صحة ما اتجهنا إليه في فهم الوحدة القرآنية. في المقطع السابق على المقطع الذي بين أيدنا رأينا فسوق أهل الكتاب، ورأينا كلاما عن الراغبين في حكم الجاهلية، وفي هذا المقطع يحرم الله- علينا موالاة أهل الكتاب، ويحذّرنا من الردة، ويبيّن لنا خصائص الجماعة المسلمة، وأن من جملة هذه الخصائص الولاء لله والرسول ﷺ والمؤمنين، ثم ينهانا ربنا- عن

стр. 1371

موالاة الكافرين مطلقا، ويبين لنا كثيرا من مواقف الكافرين جملة، ومواقف أهل الكتاب خاصة، مما هو كالتعليل لمنعنا عن موالاتهم، فارتباط المقطع بعضه ببعض وارتباطه بما قبله، ومحله في سياق السورة الخاص وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة كل ذلك له علاماته الكبرى. المعنى العام: ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله. ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض. ثم تهدّد وتوعّد من يتعاطى موالاتهم ووصفه بالظّلم، وأن الله لا يحبّه، وأيّ عقوبة أفظع من أن يبغض الله إنسانا؟ ثمّ أخبر تعالى عن الذين في قلوبهم مرض، وشكّ، ونفاق، كيف أنهم يبادرون إلى موالاتهم ومودّتهم في الباطن والظاهر، متأولين في مودتهم وموالاتهم، أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، أو الكافرين عامة، فينفعهم ذلك، ناسين أن النصر بيد الله، وأن الأمر كله له، وقد ذكّر الله هؤلاء وغيرهم أنّ هؤلاء سيندمون على ما أسرّوه في أنفسهم، من موالاة الكافرين يوم ينصر الله جنده، ويعلى كلمته، وعندئذ سيجدون أن ما كان منهم لم يغن عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا بل على العكس، كان عين المفسدة لهم، فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبيّن أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنّهم من المؤمنين ومعهم، ويحلفون على ذلك أشدّ الحلف، فبان كذبهم وافتراؤهم، وأحبط الله أعمالهم، فكانوا خاسرين [وورود كلمة خاسرين في هذا السياق يذكّرنا بالارتباط في محور سورة المائدة من سورة البقرة أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* إذ أن هؤلاء نقضوا العهد والميثاق، وما أمر الله به أن يوصل من ولاء أهل الإيمان بعضهم لبعض]. ثم أخبر تعالى عباده المؤمنين عن قدرته العظيمة ورعايته لشئون دينه بأنه عند ما يتولى أحد عن نصرة دينه، وإقامة شريعته، فإنّ الله سيستبدل من هو خير لها منه وأشدّ منعة، وأقوم سبيلا، ممّن يتّصفون بالتواضع للمؤمنين، والشدّة على الكافرين، والعزّة عليهم، ممن يحبون الله ويحبهم الله، ممن يجاهدون في سبيل الله، ولا يردّهم عمّا هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعداء الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك رادّ، ولا يصدهم عنه صادّ، ولا يؤثر فيهم لوم لائم، ولا

стр. 1372

عذل عاذل، ثم بيّن الله أنّ الاتصاف بهذه الصفات أثر عن فضله وتوفيقه، وهو الواسع الفضل، العليم بمن يستحق ذلك ممن لا يستحقه، وبعد أن حرّم الله في بداية المقطع تولي اليهود والنصارى، فضلا عن غيرهم من الكافرين، حدّد من يستحقون ولاية المسلم، فذكر أنه لا يستحقها إلا الله ورسوله والمؤمنون، المتصفون بإقام الصلاة التي هي بعد الشهادتين أكبر أركان الإسلام، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين، ثم أعطى الله وعده أن كل من يرضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو منصور وغالب في الدنيا والآخرة، ثم أعاد الله الكرّة بالتنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون- وهي شرائع الإسلام المطهرة، المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي- يتخذونها هزوا يستهزءون بها، ويعتقدون أنها نوع من اللعب، في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، فكل من اتّخذ دين الله هزوا ولعبا من كتابي أو ملحد أو مشرك، فقد نهى الله عن موالاته. فأي جهل هذا الجهل العريض الذي وقع فيه عامّة المسلمين وخاصتهم، عند ما يوالون من هذا شأنه من زعماء أحزاب أو قادة سياسيين، أو رؤساء دول، ثم أمر الله- بتقواه وبالخوف منه؛ إذ بدون تقوى فلا إيمان، وكما يستهزئ هؤلاء بدين الله وشرائعه، فإنّهم إذا أذّن المسلمون داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال- لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب- يتخذون الصلاة هزوا ولعبا؛ بسبب جهلهم بمعاني عبادة الله وشرائعه، وما أكثر ما نصادف هؤلاء في عصرنا، حتى من أبناء المسلمين، الذين يعتبرون الصلاة لا تليق بالخاصّة، ويعتبرونها نوعا من أنواع الحركات الرياضية، يغني عنها غيرها بل يفضلها، ألا ما أجهلهم بجلال الله وحقه في أن يعبد، وما أكثر ما استطاع أعداء الله أن يكفّروا أبناء المسلمين. وبعد أن نهى الله عن اتخاذ الكافرين كلهم أولياء، ناصّا على أهل الكتاب خاصة، لأنهم مظنة أن يخدعوا المسلمين، فإنه أمر أن نوجّه لهم الخطاب في تسفيه ما هم عليه. فلا يكفي أن يكون موقفك من الكفر وأهله سلبيا، بل لا بد من موقف إيجابي، لأنه بدون ذلك لا يسلم لك حتى الموقف السلبي. ومن ثم أصدر الله أمره لرسوله ﷺ وهو أمر في الوقت نفسه للأمّة- أن تقول لأهل الكتاب هل لكم مطعن علينا أو عيب، إلا أننا نؤمن بالله حق الإيمان، وما أنزل علينا وما أنزل عليكم، وهل تنقمون منا إلا لأنكم فاسقون عن أمر الله، لا تلتزمونه ونحن نلتزم أمر الله كاملا، ثم أمرنا أن نقول لهم: هل نخبركم بمن هو شرّ

стр. 1373

جزاء عند الله يوم القيامة؟ إنّهم أنتم المتصفون بما استوجبتم به لعنة الله، وغضبه ومسخه لكم، قردة وخنازير، أنتم الذين عبدتم الطاغوت من دون الله، فأنتم إذن شرّ مكانا مما تظنون بنا، وأنتم الضّالّون عن سواء السبيل، وبمناسبة النهي عن موالاتهم والأمر بتقريعهم يذكر لنا حالة من حالاتهم كيلا نخدع بهم، ثم حالة أخرى تنفر منهم وتقزّز النّفس من أحوالهم، أما الحالة الأولى فهي أنهم أحيانا يصانعون المؤمنين، بإعلان الإيمان في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ويدخلون على رسول الله ﷺ وهم مستصحبون الكفر، ويخرجون من عنده والكفر كامن في أنفسهم لم ينتفعوا بما قد سمعوا من رسول الله ﷺ من العلم، ولم تنجع فيهم المواعظ، ولا الزواجر، والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإنّ الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم، وسيجزيهم على ذلك أتمّ الجزاء. أما الحالة الثانية فهي أنهم يبادرون إلى تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على النّاس، وأكلهم أموالهم بالباطل، فلبئس العمل عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم، وهذه الحالة التي هم عليها لا ينهاهم عنها زهّادهم ولا علماؤهم، فلبئس صنيع الجميع. ثم أخبر تعالى عن مظهر من مظاهر جهل اليهود بالله، وسوء أدبهم معه، إذ يصفونه تعالى بأنه بخيل، جامعين إلى ذلك سوء التعبير، وقد ردّ الله- عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه، بأن جعل أيديهم مغلولة، ولعنهم بسبب قولهم هذا، وبيّن تعالى أنه وحده الكريم ذو الكرم المطلق، لأنه ذو المشيئة المطلقة، فهو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شئ إلا عنده خزائنه، وما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شئ مما نحتاج إليه في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، فهل هو الذي يستحق الولاية أم هؤلاء؟ ولنتذكّر أن هذا كله يأتي في سياق المقطع الذي ينهى عن موالاة هؤلاء وأمثالهم، ليكون قطع الولاء مبنيّا على أساس من الفهم العميق لوضع هؤلاء، ونفسيّتهم، وسلوكهم، ومن أجل أن نزداد بصيرة بيّن تعالى أنّ ما يؤتي الله- محمدا ﷺ وأمّته من النّعم لا يزيد هؤلاء اليهود وأشباههم إلا نقمة، فبينما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا، وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون له ولأمته طغيانا، وقد عاقبهم الله- بأن ألقى بينهم العداوة والبغضاء، والخصومة والجدال في الدين، فلا تجتمع قلوبهم أبدا، وقد خالفوا رسول الله ﷺ وكذبوه، وقد وعدنا الله أنه كلما عقدوا أسبابا يكيدوننا بها، وكلما أبرموا أمرا يحاربوننا فيه، أبطله الله، وردّ

стр. 1374

كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيئ بهم. ثم بيّن الله- أنّ من سجيّتهم أنّهم دائما يسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب من هذه صفته، ولم يتضح في عصر من العصور صفة الإفساد لليهود كما اتضحت في عصرنا، ومن كان هذا شأنه، ومن كان الله ضدّه، ومن تكفّل الله بإبطال مخططاته، فإنّه حري أن يعادى لا أن يوالى، ومن خلال ذكر الإفساد في الأرض نتذكر الصلة بين هذا المقطع ومحور السورة. ثم بيّن تعالى أن أهل الكتاب لو اجتمع لهم الإيمان والتقوى لكفّر الله عنهم ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، ولو أن أهل الكتاب عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتّباع الحق، والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا ﷺ ، فإنّ كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه، لو أن أهل الكتاب اجتمع لهم هذا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض مع تكفير السيئات ودخول الجنة، ولكن الواقع ليس كذلك فإنّ قسما منهم فقط، اجتمع له الاقتصاد في العمل ضمن هذه الحدود، وأما البقية فأعمالهم سيئة ونياتهم سيئة، وعلى الكفر والظلم والفسوق مقيمون، وبهذا ينتهي هذا المقطع الذي يعمّق قضية الولاء، التي أمر الله أن تكون هي الجامعة بين المؤمنين، وحرّم أن تكون بين أهل الإيمان وغيرهم، وقد بدأ المقطع في تحريم الولاء لليهود والنصارى. وختم المقطع بما ينفّر من كل معنى من معاني الولاء لليهود والنصارى، وإذا كان الأمر كذلك في اليهود والنصارى، وإذا كان هذا شأن هؤلاء فما بال الأبشع والأقبح أهل الإلحاد والشرك؟ وهكذا جاء النهي عن موالاة الكافرين بين تعليلين، تعليل سابق في المقطع الرابع، وتعليل لاحق في المقطع الخامس. وجاء تحديد صفات حزب الله، التي من جملتها تحرير الولاء لله والرّسول والمؤمنين، بين نهيين عن موالاة الكافرين. فاتضح بهذا القسم في مقطعيه ما ينبغي أن يوصل وما ينبغي أن يقطع. إن الكافرين والمنافقين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وهو موالاة الله ورسوله ﷺ والمؤمنين، ويصلون ما أمر الله به أن يقطع، وهو موالاة الشيطان وأهله، وبذلك استحقوا الإضلال: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.

стр. 1375

لقد اتضح لنا من سورة المائدة ما به يستحق ناس هداية الله بهذا القرآن، وما به يستحق ناس إضلال الله لهم بهذا القرآن يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً. فمن تتبع ما ورد في سورة المائدة، عرف طريق الهداية، وعرف طريق الضلال، وعرف الكثير من تفصيلات الفسوق وضده، ومن تفصيلات قطع ما أمر الله به أن يوصل وضده، ومن تفصيلات الإفساد في الأرض وضده، وكل ذلك ضمن سياق السورة الخاص، بما يرتبط به القرآن بعضه ببعض، بأكثر من رابطة ووشيجة، روابط ووشائج لا يحيط بها إلا الله تعالى. المعنى الحرفى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ. أي: تنصرونهم وتستنصرونهم، وتؤاخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم ذكر علّة ذلك فقال: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ دلّ هذا على أن الكفر ملّة واحدة تجاه الإسلام والمسلمين، فما أسخف من ينسى هذا وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي: من جملتهم وحكمه حكمهم. وهذا تغليظ من الله، وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين، وقد كتبنا كتابنا «جند الله ثقافة وأخلاقا» وكان هدفا من أهدافه أن نبيّن أهمية الولاء في دين الله، ونبيّن حدوده، فليراجع. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أي: لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر، وقوله تعالى هنا: لا يَهْدِي .... يذكرنا بالآيتين اللتين هما محور سورة المائدة واللتين فيهما وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ... فإذا تذكرنا هذا علمنا كيف أن هذا المقطع يأخذ محله في سياق السورة ضمن محورها ليطهر القلوب من كل ما يهلكها. ويربيها على كل ما يزكيها فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. أي: نفاق يُسارِعُونَ فِيهِمْ أى: يبادرون في موالاة اليهود والنصارى وأمثالهم ومعاونتهم، والسبب الدافع لذلك هو يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ. أي: يقولون في أنفسهم نخاف أن تصيب المسلمين حادثة، أو نازلة تدور بالحال التي يكونون عليها من الظهور والغلبة، فمن أجل أن تكون لهم أياد ووجه عند الكافرين، يبادرون إلى موالاتهم، هذا لسان حالهم وللمسلمين ظهور، فكيف إذا كانت الدائرة للإسلام والمسلمين كما هو الحال في زماننا، فإنك ترى العجب العجاب من مسارعة أهل النفاق للتهالك على أبواب أهل الكفر وخدمتهم، والتقرّب إليهم بضرب أولياء الله وحربهم فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ. أي: لرسول الله ﷺ والمسلمين وللإسلام على الأعداء أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ. أي: أن

стр. 1376

يؤمر النّبي عليه الصلاة السلام بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم. أو أن يكون لله مراد في شأن أهل الكفر يذلّهم به ويرغمهم، أو أن يكون لله أمر تشريعي من عنده في شأن أهل الكفر والنفاق وقد فعل فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. أي: فيصبح أهل النفاق على ما أخفوه في أنفسهم من النفاق نادمين وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بعضهم لبعض إذا ظهر نفاق أهل النفاق وتكشّف أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ. أي: أهؤلاء الذين أقسموا لكم بأغلظ الإيمان، مجتهدين في توكيد أيمانهم، أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ. أي: ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة، لا إيمانا وعقيدة. وهذا من قول الله- شهادة بحبوط الأعمال، وتعجيبا من سوء حالهم فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة. فوائد: [حول آية .. لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ... وسبب نزولها] ١ - أخرج ابن أبي حاتم عن عياض أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد. وكان له كاتب نصراني فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآية» أقول: هل يفهم من هذا حرمة إعطاء الذمّي عملا للمسلمين؟ المسألة ذات صور متعددة، تختلف باختلاف الأعمال، والأحوال والظروف، والزمان والمكان، وتحكم فيها الفتوى البصيرة من أهلها. ٢ - وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال: فظننّاه يريد هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآية. من مثل هذه النصوص والفهوم ندرك هذه الحقيقة المهمّة في الإسلام، وهي أن الولاء يجب أن يكون للإسلام والمسلمين، أو بتعبير آخر إنّ الولاء يجب أن يكون للإسلام وأهله، أو بتعبير آخر إن الولاء يجب أن يكون للإسلام وللجماعة المسلمة، والجماعة أن تكون على الحق ولو كنت وحدك. ٣ - اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات: فذكر السّدي أنّها

стр. 1377

نزلت في رجلين، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإنّي ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه، لعلّه ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث، وقال الآخر: أما أنا فإنّي ذاهب إلا فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصّر معه، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآيات. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أي إنّه الذبح. رواه ابن جرير. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، كما روى ابن جرير .. عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود، كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي: «يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه». قال: قد قبلت! فأنزل الله- : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ الآيتين. ثم روى ابن جرير .. عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود إني رجل لا بدّ لي منهم، فقال رسول الله: «يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه». فقال: إذا أقبل! قال: فأنزل الله. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ- إلى قوله تعالى- وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ بنو قينقاع فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في مواليّ- وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 1378

فقال: يا محمد أحسن في مواليّ، قال: فأعرض عنه، قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «أرسلني». وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: «ويحك أرسلني». قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ : «هم لك». قال محمد بن إسحاق، فحدثني أبا إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان أحد بني عوف بن الخزرج- له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي- فجعلهم إلى رسول الله ﷺ وتبرّأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أبرأ إلى الله وإلى رسوله ﷺ من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إلى قوله وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ. وروى الإمام أحمد .. عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي ﷺ : «قد كنت أنهاك عن حب يهود». فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات. وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق». يقصد عدو الله أن يردّ على قول الرسول عليه الصلاة السلام بأن أسعد بن زرارة قد أبغضهم سماعا لأمرك، فلم يغن عنه ذلك شيئا وها قد مات فلم تنهاني عنهم؟ بعد ذكر أسباب النزول هذه نستطيع أن نقول: إن للنّفاق مظاهر متعددة متجدّدة، فللنفاق مظاهره عند ما تكون الدولة للمسلمين. وللنفاق مظاهره عند ما تكون الدولة للكافرين، وللنفاق مظاهره عند ما تكون المسألة بين بين، أو تحتمل وتحتمل. وفي أسباب النزول المارّة مظهر من مظاهر هذا النفاق في حالة من الحالات. والأصل الذي ينبغي أن نعرفه أن النفاق مرض في القلب يصيب الإنسان كما يصيبه الكفر أو الحسد أو الحقد أو الغل أو الكبر، وأنّ المظهر الرئيسي لهذا المرض هو الولاء للكافرين والمنافقين، هذا الولاء يكون خفيا أحيانا، ويكون ظاهريا أحيانا، ويكون بشكل ويكون بآخر على حسب الأحوال، ولا بد أن نلاحظ في أنفسنا أنّ من واجبنا أن

стр. 1379

نطهّر هذه الأنفس من النفاق بالسلوك الحقيقي لطريق الإيمان، وأن نقطع كل معنى من معاني الولاء في أنفسنا لأعداء الله، وكذلك علينا أن نلاحظ في عملية التربية للمسلمين أن نعمّق قضية الإيمان في أنفسهم، وأن نحرّر هذه الأنفس من كل مظاهر الولاء المنحرف. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. أي: من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. أي: يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها، ويطيعونه ويؤثرون رضاه، ويسيرون في الطرق المؤدية إلى محبته، ويتخلون عن الطرق التي تؤدي إلى ما يبغض أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الأذلة جميع ذليل، والذليل بيّن الذّل، وقد قال تعالى: أذلة على المؤمنين، ولم يقل أذلة للمؤمنين ليضمّن الذّل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التّذلل والتواضع، وهذه الذّلّة ذلة الولد لوالده وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (الإسراء: ٢٤) فهي أثر عن الرحمة، ولذلك وصف الرسول ﷺ وأصحابه رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: ٤٩) أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ. أي: أشداء عليهم، والعزاز الأرض الصلبة، فهم مع المؤمنين كالولد لوالده، والعبد لسيده، ومع الكافرين كالسبع على فريسته يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بقتال أعدائه وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ. أي: يجاهدون وحالهم في الجهاد خلاف حال المنافقين، لأن المنافقين لا يعملون شيئا يعلمون أنهم بسببه يلحقهم لوم من جهة الكافرين، أمّا المؤمنون فصفتهم الجهاد في سبيل الله، وهم صلّاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا تروعهم لومة لائم، لا تؤثر فيهم، ولا تمنعهم عن المضيّ فيه. واللّومة: المرّة من اللوم، وفي تنكير اللومة ولائم مبالغتان، فكأنه قيل لا يخافون شيئا قط من لوم واحد من اللوّم، وفي عصرنا حيث تزداد حملات الإعلام العالمي ضد الجهاد وأهله، يدرك المسلم ضرورة التحقق بهذه الصفة. وفي عصرنا- عصر ضعف المسلمين- إذ يفرض الضعف منطقه على الكثيرين، فيلومون من جاهد، ندرك ضرورة التحقق بهذه الصفة ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ هذا إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة، وانتفاء خوف اللومة وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ومن سعته كثرة إفضاله، ومن علمه أن يعطي هذه الصفات لمن هو أهلها. وبعد أن ذكر في بداية هذا المقطع من تجب معاداته يذكر الآن من تجب موالاته فقال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ إنما تفيد الاختصاص أي: المذكورون وحدهم يخصّون بالموالاة وتجب لهم. ولم يجمع الولي وإن

стр. 1380

كان المذكور جماعة تنبيها على أن الولاية لله أصل، ولغيره تبع، ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع، وأما قوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ قال ابن كثير: «فقد توهّم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ. أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب، أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مرّ به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه». وبعد أن ذكر ابن كثير هذه الروايات، قال: وليس يصحّ شئ منها بالكليّة، لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها، ثم نقل عن ابن عباس قوله: نزلت في المؤمنين، وعلي بن أبي طالب ﵁ أولهم وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ. أي: فإنهم هم الغالبون. دلّت الآية على أن الذين يتولون الله ورسوله والمؤمنين هم حزب لله، وأن الله ناصرهم، وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم أي أصابهم. فوائد: ١ - [الأمر بموالاة من توفرت فيهم صفات حزب الله] جاءت هذه الآيات الثلاث المبدوءة ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* بين مجموعتين من الآيات كل منهما مبدوءة ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* وكل منهما تنهى عن موالاة الكافرين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ فكأنها وهي بين مجموعتين تنهيان عن موالاة الكافرين تقول: كونوا على هذه الصفات، ووالوا من توافرت به هذه الصفات، لا أولاء ولا أولئك، ولقد رأينا في أسباب النزول أنّ هذا المقطع كله مع أول آية من المقطع اللاحق كل ذلك نزل في حادثة واحدة. ٢ - [توجيه هام إلى قراءة كتاب «جند الله ثقافة وأخلاقا» للمؤلف] في كتابنا «جند الله ثقافة وأخلاقا» برهنّا في القسم الثاني منه أنّ الأخلاق الأساسية الجامعة في الإسلام هي هذه الأخلاق الواردة ما بين قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ ... إلى قوله .. هُمُ الْغالِبُونَ فليراجع الكتاب فإن فيه كثيرا من الخير، وقد قال ابن كثير في الآية: هذه صفات المؤمنين الكمّل.

стр. 1381

٣ - [استنباط لطيف للنسفي من آية الردة] قال النسفي في آية الردة: «وفيه دليل نبوته ﵇ حيث أخبرهم بما لم يكن فكان، وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين، وصحة خلافته وخلافة عمر ﵄». ٤ - [حديث حول قوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .. ] أخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... قال رسول الله ﷺ : «هم قوم هذا» أي أبي موسى الأشعري وقد كان لأهل اليمن دورهم الكبير في إنهاء الردة السابقة، ونرجو أن يكون لهم دور جديد في إنهاء هذه الردة المعاصرة، وكل المسلمين مطالبون بإنهائها. ٥ - [بعض الأحاديث الخاصة بالآيات (٥٤ - ٥٦)] بمناسبة هذه الآيات نقل ابن كثير بعض الأحاديث وهذه هي: أ- روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: «أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنوّ منهم، وأمرني أن انظر إلى من هو دوني، ولا انظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش». ب- وروى الإمام أحمد عن أبي المثنّى أنّ أبا ذرّ ﵁ قال: «بايعني رسول الله ﷺ خمسا وأوثقني سبعا، وأشهد الله علي تسعا- أن لا أخاف في الله لومة لائم- قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: «هل لك إلى بيعة ولك الجنة» قلت: نعم، قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط علي «أن لا تسأل الناس شيئا» قلت: نعم، قال: «ولا سوطك إن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه». ج- وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يمنعنّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكّر بعظيم» تفرّد به أحمد. د- وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة النّاس. فيقول: إياي أحق أن تخاف» ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة.

стр. 1382

هـ- وروى أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري عن النّبي ﷺ قال: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنّه ليسأله يقول له: أي عبدي رأيت منكرا فلم تنكره؟ فإذا لقّن الله عبدا حجته قال: أي رب وثقت بك وخفت الناس». و- وثبت في الصحيح: «ما ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه قالوا: وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق». أقول: وكل امرئ أدرى بما يطيق، وعند ما يكون الأمر فرض عين فعلى كل إنسان أن يقيمه بقدر استطاعته. ٦ - [فائدة عظيمة من نتائج الردة الأولى أيام أبي بكر] لقد وقعت الرّدّة الأولى بعد وفاة رسول الله ﷺ مباشرة، ولكن توافر للمسلمين وقتذاك أمور: قائد واحد هو أبو بكر، وصفّ واحد، وتربية رفيعة، وجهاد. والآن لا جهاد، ولا تربية رفيعة، ولا صفا واحدا، ولا قائدا واحدا، ومن ثمّ فإن هذه الردّة تمتدّ وتستمرّ، ولا بدّ للمسلمين الآن من طريق، تتحقق فيه التربية الرفيعة؛ ليوجد الصف الواحد؛ لتنبثق عنه القيادة ليقوم الجهاد، ولا شكّ أن هنا سؤالا خطيرا هو؟ من الذي يشق الطريق؟ أليس هي القيادة الربانية، فكيف نوفّق بين البداية التي لا بد منها، وبين قولنا صف تنبثق عنه قيادة فنجعل القيادة نتيجة وهي البداية؟ نقول: إنّ العمل الرباني يقتضي نكرانا للذات يتمّ معه السير في الطريق الصحيح، ثمّ إنّ الصف من خلال الشورى، لا يعجزه أن يختار قياداته المؤهلة لتحقيق هدف ما ضمن نظرية تنظيمية سليمة وصحيحة وبطبيعة الحال فإعلان الجهاد ليس هو البداية وهذا هو المراد هنا أما التربية والنظرية فلا بد أن تطرحهما قيادة ربانية ابتداء. ٧ - [توجيه للتحقق بصفات حزب الله] ذكرت الآيات الثلاث التي مرّت معنا، صفات حزب الله، وعلى كلّ مسلم، وعلى كل مجموعة أن تفتّش في نفسها عن هذه الصفات، ولو أنّ كل مجموعة من المسلمين تحققت بهذه الصفات، بل لو أنّ كل فرد من المسلمين تحقق بهذه الصفات، لقطع المسلمون شوطا بعيدا في كل شئ، سواء في سيرهم إلى الله، أو في سيرهم نحو تحقيق الأهداف، أو في سيرهم نحو الجماعة الواحدة، أو في سيرهم نحو العمل الجماعي. ولكنّ قصورا في الصفات قد وقع، وقصورا في النظر قد وجد عند الكثيرين، إلّا من رحم الله. إن كل مجموعة من المسلمين غلب عليها النظر إلى إيجابيات ما هي عليه دون سلبياته، والنظر إلى سلبيات غيرها دون إيجابياته، ولو أنّ كل مجموعة نظرت إلى سلبيات ما عندها، وإيجابيات ما عند الآخرين، على ضوء النصوص، وعمل الجميع من أجل أن

стр. 1383

يكمّل بعضهم بعضا، وأن يتكامل بعضهم ببعض، وضمّهم جميعا ولاء لبعضهم بالحق، وانطلقوا من خلال الشورى، لأرضوا ربهم، ثم لقهروا عدوّهم، إنني لا أستطيع أن أفهم كيف يحجب المسلم ولاءه عن أخيه المسلم والله يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ (التوبة: ٧١) ألا ما أكثر ما يتلاعب الشيطان ببعض العقول. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ يعني اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والمنابذة، وإذا كان أول المقطع نهى عن موالاة اليهود والنصارى، فقد ضم إلى أولئك هنا الكافرون عامّة، من ملحدين، ومشركين، ومجوس، وهندوس، وبوذيين، أو غير ذلك، وقد دلّت الآية أنّ الكافرين عامة ينظرون إلى دين الله بسخرية، ويعتبرون شعائره وشرائعه لعبا وَاتَّقُوا اللَّهَ أن توالوا الكفار، وفي إقامة شرعه كله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حقّ الإيمان، لأنّ الإيمان الحق يأبى موالاة أعداء الله، ويتطلب خوفا من الله وحده وتطبيقا لشرعه، وبعد أن بيّن أنّ الكافرين عامّة يتخذون ديننا هزوا ولعبا، بيّن أنّ موقفهم هذا يسري على أرقى العبادات، وهي الصّلاة فقال: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ لأن استهزاءهم بالصلاة، واعتبارهم إياها لعبا غاية الحماقة والجهل، إذ أي جهل وحماقة أكبر من مثل هذه النّظرة إلى الصلاة وهي عبادة لله، فهل العاقل من يعبد الله أو من يستكبر عن عبادته؟ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي: هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله، وبكل كتاب أنزله الله، من القرآن إلى ما قبله وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ أي: وهل تعيبون منا وتنكرون إلا بأن أكثركم فاسقون والمعنى: أعاديتمونا لأنّا اعتقدنا توحيد الله، وصدق أنبيائه، واعتقدنا فسقكم لمخالفتكم الحق؟ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمّة قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً. أي: ثوابا، والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنّها وضعت موضع العقوبة هنا، مثل قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ*. عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أي: من لعنه الله واتصف بالصفات اللاحقة، شرّ عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ. أي: اليهود الذين مسخوا بسبب

стр. 1384

اعتدائهم في السبت، كما سيأتي تفصيله في سورة الأعراف وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ. أي: الشيطان، أي ما زيّنه الشيطان لهم للعبادة، كالعجل والبعل وغير ذلك أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً. أي: المتصفون بهذه الصفات مكانهم أكثر شرا، ووصف المكان بالشرّية، والمراد أهله للمبالغة وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. أي: عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة، فهم لا يهتدون إلى هذا الطريق لأن هذا الطريق هو الذي بعث الله به محمدا ﷺ وهم لا يؤمنون به. ثم وصف الله- نوعا من المنافقين من اليهود فقال: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ. أي: يدخلون على النبي ﷺ ويظهرون له الإيمان نفاقا، والتقدير: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين. وتقديره: متلبسين بالكفر وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ أي: من النفاق وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ. أي: من اليهود يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ. أي: يبادرون في المعصية كالكذب وَالْعُدْوانِ. أي الظلم، والمسارعة في الشئ: الشروع فيه بسرعة وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. أي: الحرام وخاصة الرّشا لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: لبئس شيئا عملوه لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ أي: الزّهّاد والعبّاد وَالْأَحْبارُ. أي: العلماء عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ. أي: لبئس الصنيع صنيعهم. كلمة في السياق: ١ - بعد أن نهانا الله- عن اتخاذ الذين اتخذوا ديننا هزوا ولعبا أولياء، يكشف لنا الكثير من حقيقتهم، التي تنفرنا عن أن نتخذهم أولياء، والسّياق لا زال مستمرا في بيان مثالبهم، ولذلك سيأتي معنا وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. ٢ - يلاحظ أن هذا المقطع فيه حديث عن السّحت، وقد بدأ المقطع السابق عليه بالكلام عن السّحت، وقد كنّا قلنا إن هذين المقطعين يشكلان قسما من أقسام سورة المائدة، وهذا مظهر من مظاهر وحدة المقطعين، ومن مظاهر ذلك: أنّه بناء على ما مر في المقطع السابق نهينا عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء وأن ما نحن فيه تعليل للنهي عن اتخاذهم أولياء. فوائد: ١ - [مهمة العباد والزهاد والعلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] غلب على بعض العبّاد والزهّاد في الأمّة الإسلامية العزلة عن الناس، وترك الدعوة الشاملة، مع أن هؤلاء أولى بالقيام بهذه الشئون، وكذلك العلماء، بل الأمر في حقهم

стр. 1385

أوجب، ودليل ذلك قوله تعالى لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ... وإنّما قال ابن عباس ذلك لأنه أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر في الوعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الرّبانيون والأحبار. فلمّا تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرّب أجلا. وأخرج الإمام أحمد .... عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «وما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعزّ منه وأمنع ولم يغيّروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب» ورواه أبو داود عن جرير قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيّروا عليه فلم يغيّروا إلا أصابهم الله قبل أن يموتوا». وقال الحافظ المزي: «وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به» أقول: المهمّ أن يمارس المسلم عملية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، ولو بشكل بسيط وسينقله هذا إلى أن يكون ذلك خلقا له. ٢ - [ثبوت الأذان بدليل من القرآن] وفي قوله تعالى: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... يقول النسفي: وفيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. ويذكر ابن كثير نموذجا على موقف أهل الشرك من الأذان وفيه معجزة. قال: «وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أنّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره أن يؤذّن، وأبو سفيان ابن حرب، وعتّاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتّاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث ابن هشام: أما والله لو أعلم أنّه محق لاتّبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو

стр. 1386

تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النّبي ﷺ فقال: «قد علمت الذي قلتم». ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنّك رسول، ما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك» ٣ - [أحاديث حول مسخ اليهود قردة وخنازير] بمناسبة قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ينقل ابن كثير حديثا عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قوما- أو قال: لم يمسخ قوما- فيجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإنّ القردة والخنازير كانت قبل ذلك». وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر. وروى أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: «لا، إنّ الله لم يلعن قوما فيمسخهم، فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم». ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به. وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. أي: بخيلة. قال ابن عباس لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ هذا دعاء عليهم بالبخل، ومن ثم كانوا أبخل الناس، أو تغلّ في جهنم، فهي كأنّما غلّت وَلُعِنُوا بِما قالُوا. أي: بما وصفوا الله بما لا يليق بذاته بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ قال ابن كثير. أي: هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء. قال النسفي: «ثنّيت اليد في: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وهى مفردة في (يد الله مغلولة) ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له، ونفي البخل عنه، فغاية ما يبذله السخي أن يعطيه بيديه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ هذا تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أي: من اليهود ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً. أي: يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تماديا في الجحود وكفرا بآيات الله وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فكلامهم أبدا مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع بينهم اتفاق، ولا تعاضد إلا ظاهري كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ. أي: كلما أرادوا حرب رسول الله ﷺ نصر عليهم، أو كلما أرادوا حرب الإسلام وأهله غلبوا وقهروا، أو كلما أرادوا إشعال نار حرب على الإسلام وأهله أطفأ الله كيدهم وشرهم، وما غلبوا في عصرنا في بعض المعارك إلا لأنهم يحاربون رايات لم تقم على

стр. 1387

تقوى، ولم تنتصب لإسلام وما غلبوا إلا بحبل الله وحبل من الناس وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بنشر الفاحشة حيث كانوا، وقتل أخلاق الشعوب، ومقاومة الخير ونشر أفكار الضلال والكفر وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ولذلك فإنّه لا يحبهم بل يبغضهم وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا بالله وبرسوله ﵊ وَاتَّقَوْا باتّباع كتاب الله، فقرنوا إيمانهم بالتقوى لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. أي: لسترناها عليهم ولم نؤاخذهم بها، وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ لكونهم مسلمين وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، أي أقاموا أحكامهما وحدودهما، وما فيهما من نعت رسول الله ﷺ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ من القرآن لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعني الثمار من فوق رءوسهم وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني الزروع، وهذا كله يفيد التوسعة، دلّت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ. أي: طائفة حالها الاقتصاد في مواقفها، أي ليست مسرفة ومتجاوزة للحدّ فهي مؤمنة، وتعمل صالحا باقتصاد وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ أي: وكثير منهم ما أسوأ عملهم. فوائد: [حول الآيات (٦٤ - ٦٦)] ١ - قال النسفي في قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (الإسراء: ٢٩) ٢ - قال ابن كثير في سبب نزول الآية: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. «وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنخاص اليهودي- عليه لعنة الله-، وقد تقدم أنه الذي قال: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ فضربه أبو بكر الصديق ﵁. وروى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ. ٣ - روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه، قال: وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض ... قال: وقال الله تعالى: أنفق أنفق عليك».

стр. 1388

٤ - أخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يرفع العلم» فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلّمناه أبناءنا؟ فقال: «ثكلتك أمّك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله. ثم قرأ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وقد رواه الإمام أحمد متصلا موصولا عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي ﷺ شيئا فقال: «وذاك عند ذهاب العلم» قال: قلنا: يا رسول الله. وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟، قال: «ثكلتك أمك يا بن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء». وهكذا رواه ابن ماجه. وقال عنه ابن كثير. وهذا إسناد صحيح ٥ - عند قوله تعالى: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ قال ابن كثير: فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله- : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها الآية. (فاطر: ٣٢) والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة». كلمة في السياق: - لقد لاحظنا أثناء الشرح الكلي أو الحرفي لمعنى المقطع السابق كثيرا مما له علاقة بوحدة المقطع الذي مر معنا، وارتباطه بمحور السورة ضمن السياق القرآني العام، وأهم شئ نحب أن نذكر به هنا أن الهداية والضلال، وأسباب الهداية والضلال هي محور السورة الرئيسي، ومن أسباب الضلال قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومن أسباب الهداية وصل ما أمر الله به أن يوصل، وأن تولي الكافرين وصل لما أمر الله به أن يقطع، وأن تولي المؤمنين وصل لما أمر الله به أن يوصل، والمقطع الذي مر معنا فصّل كثيرا في المعاني التي تنفر من ولاء الكافرين، وتحبب بولاء المؤمنين، وقد لاحظنا في أسباب النزول أن منها ما ذكر أن آيات المقطع كله، وأول آية في المقطع اللاحق نزلت في موضوع واحد، ومن ثم نقول إن المقطع اللاحق الذي يبدأ

стр. 1389

بخطاب رسول الله ﷺ إنما هو امتداد للمقطع السابق في معانيه، ومضامينه. وسنرى ذلك. - قد قلنا عن المقطعين الأخيرين: إنهما يشكلان القسم الثاني من أقسام سورة المائدة، وأفضنا في الكلام عن وحدتهما، وأكدنا كثيرا أن النّهي عن الولاء للكافرين جاء مسبوقا بما ينفّر عنه ومتبوعا بما ينفّر عنه أيضا، وأنّ ذلك قد استغرق القسم بمقطعيه، وكما أن القسم الثاني بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ فإن القسم الثالث يبدأ بذلك: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. فصول ونقول: فصل في زمن نزول بعض الآيات من سورة المائدة: رأينا أثناء الكلام عن المقطع الخامس كيف تردّد اسم بني قينقاع فيه، ورأينا أن بعض الروايات تذكر أن الآية الأولى من المقطع السادس وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ نزلت مع هذا المقطع، وهي آية يبدو أنها نزلت مبكرة في المدينة، وكل ذلك يشير إلى أنّه ليس كل سورة المائدة نزلت متأخرة، وفي ذلك يقول صاحب الظلال: «نصوص هذا الدرس كله تؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة من أن هذه السورة، لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري، وأن مقاطع كثيرة فيها يرجّح أن تكون قد نزلت قبل ذلك؛ وقبل إجلاء بني قريظة في العام الرابع- عام الأحزاب- على الأقل، إن لم يكن قبل هذا التاريخ أيضا .. قبل إجلاء بني النضير بعد أحد، وبني قينقاع بعد بدر .. فهذه النصوص تشير إلى أحداث، وإلى حالات واقعة في الجماعة المسلمة بالمدينة، وإلى ملابسات ومواقف لليهود وللمنافقين، لا تكون أبدا بعد كسر شوكة اليهود؛ وآخرها كان في وقعة بني قريظة. فهذا النصّ عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وهذا التحذير- بل التهديد- بأن من يتولهم فهو منهم. وهذه الإشارة إلى أن الذين في قلوبهم مرض يوالونهم، ويحتجون بأنهم يخشون الدوائر. وتنفير المسلمين من الولاء لمن يتخذون دينهم هزوا ولعبا، والإشارة إلى أن هؤلاء يتخذون صلاة المسلمين- إذا قام المسلمون إلى الصلاة- هزوا ولعبا .. كل أولئك لا يكون إلا ولليهود في المدينة من القوة والنفوذ والتمكن، ما يجعل

стр. 1390

من الممكن أن تقوم هذه الملابسات، وأن تقع هذه الحوادث، وأن يحتاج الأمر إلى هذا التحذير المشدد، وإلى هذا التهديد المكرر، ثم إلى حقيقة اليهود، والتشهير بهم والتنديد، وإلى كشف كيدهم ومناوراتهم ومداوراتهم على هذا النحو، المنوع الأساليب. وقد ذكرت بعض الروايات أسبابا لنزول آيات في هذا الدرس؛ يرجع بعضها إلى حادث بني قينقاع بعد غزوة بدر. وموقف عبد الله بن أبي بن سلول. وقوله في ولائه لليهود وولاء اليهود له: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي! وحتى بدون هذه الروايات، فإن الدراسة الموضوعية لطبيعة النصوص وجوّها، ومراجعتها على أحداث السيرة ومراحلها وأطوارها في المدينة، تكفي لترجيح ما ذهبنا إليه في تقديم السورة عن الفترة التي نزلت فيها .. » نقول في موضوع الولاء: لقد أفاض صاحب الظلال بمناسبة النّهي عن موالاة أهل الكتاب في موضوع الولاء وقد رأينا أن ننقل بعض كلامه: - «إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شئ، واتخاذهم أولياء شئ آخر، لكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية؛ وتصطدم- من ثم- بالتصورات والأوضاع المخالفة، كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها، ولا بد منها، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة .. وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكيّ لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها؛ ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب .. بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة .. وأن هذا شأن ثابت

стр. 1391

لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم. وأنهم مصرّون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة. وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر .. إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة. أهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا .. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألّبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعا وردءا. وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين شنّوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان .. في الحبشة والصومال واريترية والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية، في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان!. وبمناسبة قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يقول صاحب الظلال: لقد كان هذا تحذيرا عنيفا للجماعة المسلمة في المدينة. ولكنه تحذير ليس مبالغا فيه. فهو عنيف. نعم، ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة. فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى- وبعضهم أولياء بعض- ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم، الذي يتولى الله ورسوله والذين آمنوا .. فهذا مفرق الطريق. وما يمكن أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من ينهج غير منهج الإسلام، وبينه وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام، ثم يكون في وسعه بعد ذلك أن يعمل عملا ذا قيمة في الحركة الإسلامية الضخمة التي تستهدف- أول ما تستهدف- إقامة نظام واقعي في الأرض فريد، يختلف عن كل الأنظمة الأخرى، ويعتمد على تصور متفرد عن كل التصورات الأخرى. إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم، الذي لا أرجحة فيه ولا تردد، بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس- بعد رسالة محمد ﷺ وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه، منهج متفرد، لا نظير له بين سائر المناهج، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر، ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج

стр. 1392

آخر، ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه، ولا يعفيه الله ولا يغفر له ولا يقبله إلا إذا بذل جهد طاقته في إقامة هذا المنهج بكل جوانبه: الاعتقادية والاجتماعية، لم يأل في ذلك جهدا، ولم يقبل من منهجه بديلا- ولا في جزء منه صغير- ولم يخلط بينه وبين أي منهج آخر في تصور اعتقادي، ولا في نظام اجتماعي، ولا في أحكام تشريعية إلا ما استبقاه الله في هذا المنهج من شرائع من قبلنا من أهل الكتاب ... إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو- وحده- الذى يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس؛ في وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد الناصب، والألم الذى يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان .. وإلا فما العناء في أمر يغني عنه غيره- مما هو قائم في الأرض من جاهلية .. سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك، أو فى انحراف أهل الكتاب، أو في الإلحاد السافر .. بل ما العناء في إقامة المنهج الإسلامي، إذا كانت الفوارق بينه وبين مناهج أهل الكتاب أو غيرهم قليلة، يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة والمهادنة؟. إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة؛ باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، يخطئون فهم معنى الأديان، كما يخطئون فهم معنى التسامح. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي .. إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلا؛ ولا يقبل فيه تعديلا- ولو طفيفا- هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ .. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .. وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ .. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .. وفي القرآن كلمة الفصل .. ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا الدين». أقول: المطلوب من المسلم المفاصلة الاعتقادية أما أنواع المفاصلة الأخرى فتحكمها الفتوى.

стр. 1393

فصل في التفريق بين موقفين: لقد جاء رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرا وكان من أوائل ما فعله أنه كتب وثيقة نستطيع أن نسميها باصطلاحنا الحالي- دستورية- تنظم العلاقة مع اليهود وقد جرت العادة خلال العصور أن تكون هناك عقود بين المسلمين وبين المواطنين من غير المسلمين وهي التي تسمى عقود أهل الذمة وبسبب من هذه العقود كان غير المسلمين يدخلون في ذمتنا ويعتبرون ذمّيين، هذا شئ والولاء شئ آخر. إن التزام المسلمين لأهل الذمة بشيء والوفاء به شئ والولاء شئ آخر. فلا يصح الخلط بين ما يجوز للجماعة المسلمة أن تعقده من عقود مع غير المسلمين وبين الموقف الخياني من أحد المسلمين إذ يعطي الكافرين ولاءه خيانة لله ورسوله والمؤمنين. ولنضرب أمثلة توضح المراد: لقد عاقد رسول الله ﷺ اليهود في المدينة على معان وقد غدروا بها فيما بعد. فالعقد حتما ليس موالاة، ولكن لنفترض أن رجلا كان يتظاهر بالإسلام، وكانت عواطفه مع اليهود، ويتمنى أن يتغلب اليهود على المسلمين، وهو شريكهم في غدرهم وينقل لهم أسرار المسلمين. إنّ فعل هذا الرجل هو الولاء المحرّم، أمّا عقد الجماعة الإسلامية متمثلا بقيادتها فهذا جائز، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك، سواء كانت عقودا على الأرض الإسلامية أو خارجها وسيأتينا نصوص ذلك في سور الأنفال وبراءة والنمل والقتال. إن العقد من قبل الجماعة شئ، والولاء شئ آخر، فنحن إن عاقدنا الكافرين عقدا أملاه علينا موقف، فإن هذا لا يعني أنّنا واليناهم، إن الجماعة الإسلامية قبل الحكم وبعد الحكم لا بدّ أن توضّح موقفها من المواطنين غير المسلمين الذين يعيشون على الأرض الإسلامية، وقد تجد قبل الحكم وبعد الحكم من يقبل التعامل على الأسس التي قدمتها جماعة المسلمين لا إيمانا منهم بالإسلام ولا رضى بالإسلام وعن المسلمين، ولكن قد يفعلون هذا تعقلا وحفاظا على المصالح. إن فعل الجماعة هذا لا يعتبر ولاء لأنّ هذا باب فتحه الإسلام لنا في تحركنا السياسي أو العسكري. - إنّه بعد قيام الدولة ليس أمامنا خيار إلّا أن نضع الأطر الحاكمة لكل قضية على أرضنا، ومن ذلك الضوابط التي تضبط علاقات المواطنة مع غير المسلمين، إنّ مثل

стр. 1394

هذا ليس داخلا في قضية الولاء. - إن الولاء الخاطئ هو إعطاء النصرة والطاعة للكافرين، وللقيادات الكافرة، وأن تكون العواطف معهم في صراعهم مع المسلمين. أما تصرفات القيادة الراشدة، وتعاقدات الجماعة الراشدة، مع غير المسلمين. على ضوء الإسلام وعلى حسب مصلحة المسلمين فهذا شئ آخر يخضع لمبدأ الفتوى البصيرة من أهلها. نقل في محبة الله: بمناسبة قوله تعالى يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ يقول صاحب الظلال: «وحب الله لعبد من عبيده، أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله- سبحانه- بصفاته كما وصف نفسه، وإلا من وجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها .. أجل لا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي .. الذي يعرف من هو الله .. من هو صانع هذا الكون الهائل، وصانع الإنسان الذي يلخص الكون وهو جرم صغير! من هو في عظمته. ومن هو في قدرته. ومن هو في تفرده. ومن هو في ملكوته .. من هو ومن هذا العبد الذي يتفضل الله عليه منه بالحب .. والعبد من صنع يديه- سبحانه- وهو الجليل العظيم، الحي الدائم، الأزلي الأبدي، الأول والآخر والظاهر والباطن. وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها .. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه .. هو إنعام هائل عظيم .. وفضل غامر جزيل. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين .. وهذا هو الباب الذي تفوّق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين، وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل .... وهذا الحب من الجليل للعبد من العبيد، والحب من العبد للمنعم المتفضل، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض، وينطبع في كل حي وفي كل شئ، فإذا

стр. 1395

هو جو وظل يغمران هذا الوجود، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحب المحبوب .. والتصور الإسلامي يربط بين المؤمن وربه بهذا الرباط العجيب الحبيب .. وليست مرة واحدة ولا فلتة عابرة .. إنما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التصور أصيل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا .. إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ .. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ .. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ .. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ .. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... وغيرها كثير ... وعجبا لقوم يمرون على هذا كله، ليقولوا: إن التصور الإسلامي تصور جاف عنيف، يصور العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع ... لا كالتصور الذي يجعل المسيح ابن الله وأقنوم الإله. فيربط بين الله والناس، في هذا الازدواج! إن نصاعة التصور الإسلامي، في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لا تجفف ذلك الندى الحبيب، بين الله والعبيد، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل، وهي علاقة الود كما أنها علاقة التجريد، وهي علاقة الحب كما أنها علاقة التنزيه .. إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها برب العالمين». ***

стр. 1396

المقطع السادس يمتدّ هذا المقطع من الآية (٦٧) إلى نهاية الآية (٨٦) وهذا هو: ٥/ ٧٢ - ٦٧

стр. 1397

٥/ ٨٢ - ٧٣

стр. 1398

٥/ ٨٦ - ٨٣ كلمة في السياق: مرّ معنا قبل هذا المقطع خمسة مقاطع، وقلنا إن الثلاثة المقاطع الأولى تشكل القسم الأول، ثم جاء مقطعان فشكلا القسم الثاني، وبعد ذلك يأتي المقطعان السادس والسابع فيشكلان القسم الثالث في السورة ثمّ تأتي الخاتمة. فالسورة ثلاثة أقسام وخاتمة وفي كل قسم من هذه الأقسام نجد جولة متكاملة نعرف بها طريق هداية وطريق ضلال، ولذلك ارتباطه الكبير بمحور السورة: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ فى الجولة الأولى نجد: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. ونجد يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ. وفي الجولة الثانية نجد: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً. وفي الجولة الثالثة نجد: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. فالأقسام الثلاثة تتكامل في تبيان طريق الضلال وطريق الهداية، وتوضح قضية الفسوق والخسران، وأركان الفسوق الثلاثة: نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وكل ذلك رأينا أمثلته فيما مرّ، وسنرى ما يؤكده ويعمّقه ويفصّله. وهاهنا آن الأوان لنقول شيئا:

стр. 1399

إنّ سورة المائدة في محورها الرئيسي تبيّن الطريق الذى إن سلكه إنسان فإنه لا يستحق هداية الله، ويأتي في معرض ذلك ذكر الطريق الذي إذا سلكه إنسان يستحق هداية الله، بينما كان السياق الرئيسي في سورة النساء تبيان الطريق إلى التقوى ويأتي في معرض ذلك ما يتنافى مع التقوى. لاحظ أنّ الأقسام الثلاثة في سورة المائدة تتكامل من حيثيّات متعدّدة، ومن جملة مظاهر هذا التكامل: أن القسم الأوّل وهو يذكر في سياقه الرئيسي ما به يستحق الإنسان الإضلال يوصل إلى القسم الثاني الذي يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ففيه تعزية لرسول الله ﷺ ، ولكن والسورة تفصّل في الطريق الذي يستحق به صاحبه الضّلال، لا تترك قضية البلاغ بناء على أن إنسانا ما سار في مثل هذه الطرق وبالتالي فلا علينا ألا نبلغه، ولذلك فإن القسم الثالث يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وسنرى مظاهر أخرى من التكامل في السّورة مما يشعرنا بوحدة سياقها زيادة على تفصيلها لمحورها. وبعد أن عرفنا أن القسم الثالث في السورة يتألف من مقطعين هما المقطع السادس والسابع فلنبدأ الكلام عن المقطع السادس الذي ذكرنا آياته قبل هذه الكلمة: كلمة في المقطع: بعد أن أكّد القسم الثاني في مقطعيه الرابع والخامس ضرورة الاحتكام إلى ما أنزل الله، وأوجب الاحتكام إلى القرآن، وبين آثار بركة ذلك على الحياة، يأتي هذا المقطع آمرا بالبلاغ، وخاصا بهذا البلاغ أهل الكتاب، ومحدّدا ما يقال لهم، ثم ذاكرا قاعدة النّجاة عند الله- ، وفي هذا السياق يذكر المقطع موقف بني إسرائيل من الرّسل، عليهم الصلاة والسلام، وهو موقف لا يستغرب معه موقفهم من محمد ﷺ ودعوته، ثم ذكر المقطع بعض تصوراتهم الخاطئة في شأن الله، وانتقل الكلام إلى كفر النصارى، ومناقشتهم في هذا الكفر، ودعوتهم إلى التوحيد، وترك الغلوّ، وترك متابعة أهواء الضالين، ولذلك كله صلة بالبلاغ الذي أمر به رسول الله ﷺ في بداية المقطع. ثم يقرّر الله- مسألة استحقاق اليهود لعنة الله، وأسباب ذلك، كما يقرّر شدة عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، مستثنيا من العداوة الذين استجابوا للبلاغ من النصارى. فالمقطع كله في البلاغ وماهيّته، وخاصة لأهل الكتاب. وفيه

стр. 1400

تيئيس من اليهود، ورجاء في النصارى، وقد جاء هذا كله في السياق الخاص للسورة. بعد المقطع الذي ذكر الله- فيه التوراة والإنجيل، وموقف أهلهما منهما، فكأن السياق اقتضى أن يخص هؤلاء بمقطع ودعوة خاصة، وقد سبق ذلك بيان انصبّ على أنّ علينا أن لا نتولاهم، وسبق ذلك أيضا كلام بيّن لنا فيه نسيان هؤلاء للعهود والعقود: ولنتأمل الآن الصلة بين المقطع، وبين محور السورة من سورة البقرة: لقد قلنا إن محور سورة المائدة من سورة البقرة هو الآيتان: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. لاحظ أن الآية الأولى في المقطع الذي مرّ معنا نجد قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ لاحظ الصلة بين إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وبين وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وفي الآية الثانية من المقطع نجد قوله تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً لاحظ صلة ذلك في المحور بقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ. وفي الآية الرابعة من المقطع نجد قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ. لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في المحور الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وفي الآية (٧٩) والآية (٨٠) في المقطع نجد تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في المحور وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فهؤلاء يصلون ما أمر الله به أن يقطع، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل لذلك يأتي بعد الآيتين السابقتين قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا

стр. 1401

الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ..... وبينما يعرض الله- علينا نموذج ناس هذا شأنهم في موقفهم من الكتاب يختم المقطع بعرضه نموذجا ممّن يهديهم الله بهذا القرآن وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ... لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في المحور فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. فالمقطع يفصّل في الفسوق الذي يستحق أصحابه الإضلال، وما يقابله مما ينال به أهله الهداية، مما هو تفصيل لمحور السورة من سورة البقرة، ولكنه تفصيل ليس على طريقة البشر، ولا يستطيعه البشر، وهذا كله ضمن السياق الخاص للسورة وبهذا ينتهي المقطع الأول من القسم الثاني ليبدأ المقطع الثاني من هذا القسم الذي يتوجّه فيه الخطاب لأهل الإيمان، فإذا كان البلاغ لا يؤثر في بعض الناس فإن أهل الإيمان موجودون ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم فيتكرّر في المقطع الثاني من القسم النّداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... * مرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... وسنرى أنّ كل نداء من هذه النداءات يحرّر المسلم من خلق يستحق به صاحبه الإضلال؛ لأن الوقوع فيه فسوق، وسنرى أن هذا القسم بمقطعيه هو تفصيل لما مرّ معنا من قبل في السورة، ممّا يؤكد وحدة سياق السّورة، كما يؤكد ارتباطها بمحورها من سورة البقرة. ولنبدأ عرض المعنى العام للمقطع الأول من القسم الثالث للسورة وهو المقطع السادس فيها إذا اعتبرنا أن الوحدة العددية للسورة هى المقطع.

стр. 1402

المعنى العام: يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ بصفة الرسالة، آمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصّلاة والسلام ذلك، وقام به أتمّ القيام، ثم بين الله له أنه إن لم يؤد إلى الناس ما أرسله الله به لم يبلغ رسالته، فهو إن كتم آية واحدة ممّا أنزله الله إليه لم يبلّغ رسالته، ثمّ وعده الله- أن بلّغ رسالتي، وأني حافظك وناصرك ومؤيّدك على أعدائك ومظفرك بهم. فلا تخف ولا تحزن فلن يسلّط عليك أحد ليقتلك. وقد كان النّبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، فلمّا نزل الوعد ترك الحراسة، ثم بيّن له أنّ عليه أن يبلّغ وعلى الله الهداية، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ومن سنته أنه لا يهدي الذين يختارون طريق الكفر، وفي سياق الأمر بتبليغ الرسالة يأمره أن يقول لأهل الكتاب إنهم ليسوا على شئ من الدين حتى يقيموا التوراة والإنجيل، بأن يؤمنوا بجميع ما بأيديهم من الكتب المنزّلة من الله على الأنبياء، ويعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمّد ﷺ والأمر باتّباعه والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته ثم بيّن تعالى أن كثيرا منهم لا يزداد إلا طغيانا وكفرا، مع كل ما في الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ من حجج وبينات. ثمّ نهى الله- رسوله ﷺ أن يحزن عليهم، ثمّ بيّن تعالى أن المسلمين، أو اليهود الذين أسلموا، أو النصارى الذين أسلموا، أو الصابئة الذين أسلموا، ممن آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا، مأجورون عند الله، ناجون عنده، بموافقتهم للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثّقلين. فمن اتّصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وأما قبل بعثة رسولنا ﷺ فإنهم ينجون إذا قاموا بما كلّفوا به، من الإيمان والعمل الصالح، وفي هذا السياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- بيّن الله- أنّه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السّمع والطاعة لله ولرسله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتّبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدّموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه. وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتّب، وهو أنهم عموا عن الحق، وصمّوا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثمّ تاب الله عليهم مما كانوا فيه، فعادوا إلى العمى والصّمم إلا قليلا، والله مطّلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم. وفي هذا السياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- يقرّر الله

стр. 1403

كفر من زعم أنّ المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزّه علوا كبيرا، مع أنّ المسيح ﵇ دعاهم لعبادة الله وحده، وبيّن لهم أنّ من أشرك بالله فقد أوجب له النّار وحرّم عليه الجنّة، وأنّه ما له عند الله ناصر، ولا معين، ولا منقذ مما هو فيه. ثمّ قرّر الله- كفر القائلين بالتثليث، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فما من إله إلا إله واحد ليس متعددا بل هو واحد لا شريك له، إله جميع الكائنات، وسائر الموجودات، ثمّ قال تعالى متوعدا لهم ومتهدّدا، بأنهم إن لم ينتهوا عن هذا الافتراء والكذب ليصيبنّهم العذاب الأليم في الآخرة من الأغلال والنّكال. ثمّ دعاهم الله- إلى التوبة والاستغفار، ووعدهم الغفران وهذا من كرمه وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء، والكذب، والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكلّ من تاب إليه تاب عليه. ثمّ بيّن الله- حقيقة المسيح وأنه ليس إلا رسولا له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدّمين عليه، وأنّه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، وأمّه مؤمنة به، مصدّقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فهي لم تصل إلى درجة النّبوة لأنه لم تكن نبية قطّ أنثى، وأنّ المسيح وأمّه كانا يأكلان الطعام فهما يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، والافتقار دليل العبودية، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة. عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وفي هذا السياق،- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- يأمر الله رسوله ﷺ أن ينكر عليهم عبادتهم من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، مع أن الله وحده هو السّميع العليم. السّميع لأقوال عباده، العليم بكلّ شئ، فكيف يعدل عنه إلى عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا، ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا نفسه. ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن ينهى أهل الكتاب عن مجاوزة الحدّ في إطراء من أمروا بتعظيمه، حيث بالغوا فيه حتى أخرجوه عن حيّز النّبوة إلى مقام الإلهية كما صنعوا في المسيح، وما ذاك إلا لاقتدائهم بشيوخهم، شيوخ الضلال، ممّن ضلّ قديما وأضلّ، وخرج عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضّلال، ثم قرّر تعالى أنّه لعن الكافرين من بني إسرائيل فيما أنزله على داود نبيّه ﵇، وعلى لسان عيسى بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه، وبسبب أنّهم كانوا لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمّهم على ذلك ليحذّرنا أن نرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ثم بيّن تعالى أن كثيرا منهم يوالون الكافرين ويتركون موالاة المؤمنين وتلك أعقبتهم نفاقا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم

стр. 1404

سخطا مستمرا إلى يوم معادهم. وقضى الله لهم بالعذاب الأبدي يوم القيامة. ثم بيّن تعالى أنهم لو كانوا مؤمنين حق الإيمان بالله والرسول والقرآن، لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنّبي ﷺ وما أنزل إليه، ولكن كثيرا منهم فاسقون، خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله. ثمّ بيّن الله- أنّ أشدّ أنواع العداء لأهل الإيمان عداء اليهود والمشركين، وما ذاك إلا لأنّ كفر اليهود والمشركين كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس، وتنقّص لحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى همّوا بقتل رسول الله ﷺ غير مرّة، وسمّوه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. على عكس النّصارى الذين زعموا أنّهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فإنّ فيهم مودّة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلّا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرّقة والرّأفة وبسبب وجود علماء وعباد فيهم، وبسبب اتصافهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وأن من صفاتهم أنهم إذا سمعوا القرآن بكوا؛ بسبب معرفتهم أنّ هذا هو الحقّ الذي بشّر به عيسى ﵇، ويعلنون إذا سمعوا الحق إيمانهم، ويطلبون من الله أن يدخلهم في أمّة محمد ﷺ . هؤلاء يجازيهم الله على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، جنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون، وهذا جزاؤهم بسبب اتّباعهم الحق، وانقيادهم له، حيث كان وأين كان، ومع من كان. ثم أخبر عن حال الأشقياء الذين يجحدون آيات الله ويخالفونها، بأنّهم أهل النار والداخلون فيها. وكثير من الناس يفهمون الآيات الأخيرة من هذا المقطع فهما خاطئا. والشئ الذي ينبغي أن نفهمه بإجمال هو أن اليهود والمشركين أشدّ الناس عداء لنا، وأن النصارى فيهم استعداد من حيث الأصل للإيمان بديننا وشريعتنا ورسولنا. ومن ثم فهم مظنّة أن يوجد فيهم خير، وقبول للحق، ولكن لا يعني هذا أن الجميع يقبلون الحق إذا عرض عليهم، فمن قبل الحق فقد حقّق ظنّنا ودخل الجنة، ومن رفض الحق فحكمه حكم اليهود والمشركين: ملاحظات في السّياق: ١ - جاء في القسم الأول من المقطع الثاني من السورة قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وجاء في ذلك السّياق قوله تعالى:

стр. 1405

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وفي هذا المقطع الذي هو بداية القسم الثالث يأتي قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ويأتي قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ هناك جاء التكفير في سياق نقض العهد الآتي في سياق الوفاء بالعقود وهاهنا يأتي التكفير في سياق نقض العهد الآتي في سياق الأمر بالتبليغ وهي ملاحظة أولى نسجلها هنا لنعرف صلة هذا القسم بما قبله. ٢ - انتهى القسم الثاني من السورة بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ والآية الثانية في هذا القسم الآتية في معرض الأمر بالتبليغ هي قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وهي كذلك ملاحظة نسجلها لتعلم الصلة المباشرة بين بداية القسم الذي نحن فيه ونهاية القسم السابق وستأتيك تفصيلات أخرى. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي: بلّغ جميع ما أنزل إليك وأيّ شئ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ. أي: وإن لم تبلّغ جميعه كما أمرتك، فلم تبلّغ إذا ما كلفت به من أداء الرّسالة، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أنّ من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لكونها في حكم شئ واحد، لدخولها تحت خطاب واحد، والشئ الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ مؤمنا به غير مؤمن وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. أي: يحفظك منهم أن يقتلوك، والنّاس هنا الكفار بدليل ما بعده إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أي: لا يعطيهم الهداية لعدم اختيارهم لها وأخذهم بأسبابها، ومن ذلك عدم هدايتهم لما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وفي هذا السّياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- تصدر له ثلاثة أوامر مصدّرة بلفظ «قل» الأول منها بعد هذه الآية مباشرة، واثنان منها في وسط المقطع. والأمر بالتبليغ في هذا
следующие страницы →