← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ..... وبينما يعرض الله- علينا نموذج ناس هذا شأنهم في موقفهم من الكتاب يختم المقطع بعرضه نموذجا ممّن يهديهم الله بهذا القرآن وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ... لاحظ صلة ذلك بقوله تعالى في المحور فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ. فالمقطع يفصّل في الفسوق الذي يستحق أصحابه الإضلال، وما يقابله مما ينال به أهله الهداية، مما هو تفصيل لمحور السورة من سورة البقرة، ولكنه تفصيل ليس على طريقة البشر، ولا يستطيعه البشر، وهذا كله ضمن السياق الخاص للسورة وبهذا ينتهي المقطع الأول من القسم الثاني ليبدأ المقطع الثاني من هذا القسم الذي يتوجّه فيه الخطاب لأهل الإيمان، فإذا كان البلاغ لا يؤثر في بعض الناس فإن أهل الإيمان موجودون ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم فيتكرّر في المقطع الثاني من القسم النّداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... * مرات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... وسنرى أنّ كل نداء من هذه النداءات يحرّر المسلم من خلق يستحق به صاحبه الإضلال؛ لأن الوقوع فيه فسوق، وسنرى أن هذا القسم بمقطعيه هو تفصيل لما مرّ معنا من قبل في السورة، ممّا يؤكد وحدة سياق السّورة، كما يؤكد ارتباطها بمحورها من سورة البقرة. ولنبدأ عرض المعنى العام للمقطع الأول من القسم الثالث للسورة وهو المقطع السادس فيها إذا اعتبرنا أن الوحدة العددية للسورة هى المقطع.

стр. 1402

المعنى العام: يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ بصفة الرسالة، آمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصّلاة والسلام ذلك، وقام به أتمّ القيام، ثم بين الله له أنه إن لم يؤد إلى الناس ما أرسله الله به لم يبلغ رسالته، فهو إن كتم آية واحدة ممّا أنزله الله إليه لم يبلّغ رسالته، ثمّ وعده الله- أن بلّغ رسالتي، وأني حافظك وناصرك ومؤيّدك على أعدائك ومظفرك بهم. فلا تخف ولا تحزن فلن يسلّط عليك أحد ليقتلك. وقد كان النّبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، فلمّا نزل الوعد ترك الحراسة، ثم بيّن له أنّ عليه أن يبلّغ وعلى الله الهداية، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ومن سنته أنه لا يهدي الذين يختارون طريق الكفر، وفي سياق الأمر بتبليغ الرسالة يأمره أن يقول لأهل الكتاب إنهم ليسوا على شئ من الدين حتى يقيموا التوراة والإنجيل، بأن يؤمنوا بجميع ما بأيديهم من الكتب المنزّلة من الله على الأنبياء، ويعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمّد ﷺ والأمر باتّباعه والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته ثم بيّن تعالى أن كثيرا منهم لا يزداد إلا طغيانا وكفرا، مع كل ما في الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ من حجج وبينات. ثمّ نهى الله- رسوله ﷺ أن يحزن عليهم، ثمّ بيّن تعالى أن المسلمين، أو اليهود الذين أسلموا، أو النصارى الذين أسلموا، أو الصابئة الذين أسلموا، ممن آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا، مأجورون عند الله، ناجون عنده، بموافقتهم للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثّقلين. فمن اتّصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وأما قبل بعثة رسولنا ﷺ فإنهم ينجون إذا قاموا بما كلّفوا به، من الإيمان والعمل الصالح، وفي هذا السياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- بيّن الله- أنّه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السّمع والطاعة لله ولرسله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتّبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدّموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه. وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتّب، وهو أنهم عموا عن الحق، وصمّوا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثمّ تاب الله عليهم مما كانوا فيه، فعادوا إلى العمى والصّمم إلا قليلا، والله مطّلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم. وفي هذا السياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- يقرّر الله

стр. 1403

كفر من زعم أنّ المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزّه علوا كبيرا، مع أنّ المسيح ﵇ دعاهم لعبادة الله وحده، وبيّن لهم أنّ من أشرك بالله فقد أوجب له النّار وحرّم عليه الجنّة، وأنّه ما له عند الله ناصر، ولا معين، ولا منقذ مما هو فيه. ثمّ قرّر الله- كفر القائلين بالتثليث، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فما من إله إلا إله واحد ليس متعددا بل هو واحد لا شريك له، إله جميع الكائنات، وسائر الموجودات، ثمّ قال تعالى متوعدا لهم ومتهدّدا، بأنهم إن لم ينتهوا عن هذا الافتراء والكذب ليصيبنّهم العذاب الأليم في الآخرة من الأغلال والنّكال. ثمّ دعاهم الله- إلى التوبة والاستغفار، ووعدهم الغفران وهذا من كرمه وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء، والكذب، والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكلّ من تاب إليه تاب عليه. ثمّ بيّن الله- حقيقة المسيح وأنه ليس إلا رسولا له أسوة أمثاله من سائر المرسلين المتقدّمين عليه، وأنّه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، وأمّه مؤمنة به، مصدّقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فهي لم تصل إلى درجة النّبوة لأنه لم تكن نبية قطّ أنثى، وأنّ المسيح وأمّه كانا يأكلان الطعام فهما يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، والافتقار دليل العبودية، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة. عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وفي هذا السياق،- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- يأمر الله رسوله ﷺ أن ينكر عليهم عبادتهم من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، مع أن الله وحده هو السّميع العليم. السّميع لأقوال عباده، العليم بكلّ شئ، فكيف يعدل عنه إلى عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا، ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا نفسه. ثمّ أمر الله رسوله ﷺ أن ينهى أهل الكتاب عن مجاوزة الحدّ في إطراء من أمروا بتعظيمه، حيث بالغوا فيه حتى أخرجوه عن حيّز النّبوة إلى مقام الإلهية كما صنعوا في المسيح، وما ذاك إلا لاقتدائهم بشيوخهم، شيوخ الضلال، ممّن ضلّ قديما وأضلّ، وخرج عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضّلال، ثم قرّر تعالى أنّه لعن الكافرين من بني إسرائيل فيما أنزله على داود نبيّه ﵇، وعلى لسان عيسى بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه، وبسبب أنّهم كانوا لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمّهم على ذلك ليحذّرنا أن نرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ثم بيّن تعالى أن كثيرا منهم يوالون الكافرين ويتركون موالاة المؤمنين وتلك أعقبتهم نفاقا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم

стр. 1404

سخطا مستمرا إلى يوم معادهم. وقضى الله لهم بالعذاب الأبدي يوم القيامة. ثم بيّن تعالى أنهم لو كانوا مؤمنين حق الإيمان بالله والرسول والقرآن، لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنّبي ﷺ وما أنزل إليه، ولكن كثيرا منهم فاسقون، خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله. ثمّ بيّن الله- أنّ أشدّ أنواع العداء لأهل الإيمان عداء اليهود والمشركين، وما ذاك إلا لأنّ كفر اليهود والمشركين كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس، وتنقّص لحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى همّوا بقتل رسول الله ﷺ غير مرّة، وسمّوه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. على عكس النّصارى الذين زعموا أنّهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فإنّ فيهم مودّة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلّا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرّقة والرّأفة وبسبب وجود علماء وعباد فيهم، وبسبب اتصافهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وأن من صفاتهم أنهم إذا سمعوا القرآن بكوا؛ بسبب معرفتهم أنّ هذا هو الحقّ الذي بشّر به عيسى ﵇، ويعلنون إذا سمعوا الحق إيمانهم، ويطلبون من الله أن يدخلهم في أمّة محمد ﷺ . هؤلاء يجازيهم الله على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، جنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون، وهذا جزاؤهم بسبب اتّباعهم الحق، وانقيادهم له، حيث كان وأين كان، ومع من كان. ثم أخبر عن حال الأشقياء الذين يجحدون آيات الله ويخالفونها، بأنّهم أهل النار والداخلون فيها. وكثير من الناس يفهمون الآيات الأخيرة من هذا المقطع فهما خاطئا. والشئ الذي ينبغي أن نفهمه بإجمال هو أن اليهود والمشركين أشدّ الناس عداء لنا، وأن النصارى فيهم استعداد من حيث الأصل للإيمان بديننا وشريعتنا ورسولنا. ومن ثم فهم مظنّة أن يوجد فيهم خير، وقبول للحق، ولكن لا يعني هذا أن الجميع يقبلون الحق إذا عرض عليهم، فمن قبل الحق فقد حقّق ظنّنا ودخل الجنة، ومن رفض الحق فحكمه حكم اليهود والمشركين: ملاحظات في السّياق: ١ - جاء في القسم الأول من المقطع الثاني من السورة قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وجاء في ذلك السّياق قوله تعالى:

стр. 1405

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وفي هذا المقطع الذي هو بداية القسم الثالث يأتي قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ويأتي قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ هناك جاء التكفير في سياق نقض العهد الآتي في سياق الوفاء بالعقود وهاهنا يأتي التكفير في سياق نقض العهد الآتي في سياق الأمر بالتبليغ وهي ملاحظة أولى نسجلها هنا لنعرف صلة هذا القسم بما قبله. ٢ - انتهى القسم الثاني من السورة بقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ والآية الثانية في هذا القسم الآتية في معرض الأمر بالتبليغ هي قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وهي كذلك ملاحظة نسجلها لتعلم الصلة المباشرة بين بداية القسم الذي نحن فيه ونهاية القسم السابق وستأتيك تفصيلات أخرى. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي: بلّغ جميع ما أنزل إليك وأيّ شئ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ. أي: وإن لم تبلّغ جميعه كما أمرتك، فلم تبلّغ إذا ما كلفت به من أداء الرّسالة، ولم تؤد منها شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أنّ من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لكونها في حكم شئ واحد، لدخولها تحت خطاب واحد، والشئ الواحد لا يكون مبلّغا غير مبلّغ مؤمنا به غير مؤمن وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. أي: يحفظك منهم أن يقتلوك، والنّاس هنا الكفار بدليل ما بعده إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أي: لا يعطيهم الهداية لعدم اختيارهم لها وأخذهم بأسبابها، ومن ذلك عدم هدايتهم لما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وفي هذا السّياق- سياق الأمر بتبليغ الرسالة- تصدر له ثلاثة أوامر مصدّرة بلفظ «قل» الأول منها بعد هذه الآية مباشرة، واثنان منها في وسط المقطع. والأمر بالتبليغ في هذا

стр. 1406

المقطع مع بيان عدم هداية الكافرين والفاسقين، وذكر خصائص من يستحق الهداية في آخر المقطع. ووصف اليهود والنصارى بما ينفّر منهم، كل ذلك ينسجم مع كون هذا المقطع امتدادا للمقطع السابق من حيث إنه ينفي أن تكون لليهود والنصارى ولاية للمؤمنين مع ما هم عليه، وينسجم مع المحور العام للسورة الذي يتحدّث عن من يستحق الهداية، ومن يستحق الضلال، وتفصيل لصفات هؤلاء وهؤلاء. ملاحظات حول السّياق: الأمر الأوّل المصدّر بقوله تعالى قُلْ في هذا المقطع هو: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ .. الأمر الثاني هو: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً الأمر الثالث هو: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ... إنّ هذه الأوامر في هذا المقطع آتية في سياق الأمر بالتبليغ، وستأتي نداءات لأهل الإيمان في سياق هذا القسم المبدوء بالأمر بالتبليغ، ممّا يشعرنا بأهمية هذه الأوامر، وأهمية هذه النّداءات في قضية محدّدة هي قضية التبليغ. وواضح من السّياق أن هذا القسم المبدوء بالأمر بالتبليغ يتألف من مقطعين: المقطع الأوّل ينصبّ على تبليغ أهل الكتاب، والمقطع الثاني ينصبّ على تبليغ أهل الإيمان. والوارث الكامل لرسول الله ﷺ عليه أن يلاحظ في الدعوة هذا وهذا، فيركّز في دعوته لأهل الكتاب، على ضرورة إقامة التوراة والإنجيل اللذين فيهما الإيمان بمحمد ﷺ ، ويقيم الحجة على ذلك من خلال نصوص التوراة والإنجيل، ويركّز على قضية عبادة غير الله، ويركز على قضية الغلوّ في الدين، واتّباع أهواء الضالّين من أمثال بولس، الذي ضلّ عن تعاليم المسيح وعن إنجيله بدعوى الصّلة المباشرة بالسيد المسيح ﵇، تاركا هديه الذي نقله تلاميذه المباشرون، كما يركّز الداعية إلى الله على مجموع النداءات التي توجهت لأهل الإيمان في هذا القسم، من عدم تحريم الحلال إلى ترك الخمر والميسر، إلى غير ذلك. فوائد: ١ - [رد على فهم خاطئ لقوله تعالى ... وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ .. ] في قوله تعالى: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ

стр. 1407

رِسالَتَهُ يردّ النسفي على اعتراض، قال: قالت الملحدة لعنهم الله تعالى: هذا كلام لا يفيد وهو كقولك لغلامك: كل هذا الطعام، فإن لم تأكله فإنك ما أكلته. قلنا: هذا أمر بتبليغ الرسالة في المستقبل أي بلّغ ما أنزل إليك من ربك في المستقبل، فإن لم تفعل: أي إن لم تبلّغ الرّسالة في المستقبل فكأنّك لم تبلّغ الرّسالة أصلا. أو بلّغ ما أنزل إليك من ربك الآن ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعدّة، فإن لم تبلّغ كنت كمن لم يبلّغ أصلا. أو بلّغ ذلك غير خائف أحدا، فإن لم تبلّغ على هذا الوصف فكأنّك لم تبلغ الرسالة أصلا. ٢ - [معجزة غيبية في قوله تعالى ... وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. ] في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ معجزة غيبية. إذ هي وعد من الله لرسوله ﷺ أن لا يسلّط عليه من يقتله مع كثرة دواعي القتل من كثرة الخصوم وشراستهم. وقد كان ذلك، وتوفي رسول الله ﷺ وفاة. ومن درس كثرة المؤامرات عليه ﷺ من قريش، وغير قريش واليهود، وسلامته ﵊ مع هذا كله أدرك كمال المعجزة. وقد كان رسول الله ﷺ يحرس ويحب أن يحرس حتى نزلت هذه الآية، فترك الحراسة. في الصحيحين وعند الإمام أحمد أنّ عائشة ﵂ كانت تحدّث «أنّ رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السّلاح فقال: «من هذا؟»، فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه». وروى ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: «كان النّبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبّة، وقال: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله » وهكذا رواه الترمذي. وروى ابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فترك الحرس. ومن تتبع حوادث السيرة، عرف كثرة المؤامرات عليه في أمّة كان الفتك والثأر خليقة من أخلاقها. ومن ذلك قصة غورث بن الحارث المشهورة في الصحيح، وهي كما رواها ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلّق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد من يمنعك مني؟، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1408

«الله يمنعني منك، ضع السيف» فوضعه، فأنزل الله- : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ومن ذلك ما رواه جعدة بن خالد بن الصمة الجشميّ ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ، ورأى رجلا سمينا، فجعل النّبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده، ويقول: «لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك». قال: وأتي النبي ﷺ برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي ﷺ لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي». قال ابن كثير تعليقا على هذا النّص: «ومن عصمة الله لرسوله ﷺ حفظه له من أهل مكّة وصناديدها وحسّادها ومعانديها ومترفيها، مع شدّة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرّسالة بعمّه أبي طالب، إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش، وخلق الله في قلبه محبّة طبيعيّة لرسول الله ﷺ ، لا شرعيّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفّارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر؛ هابوه واحترموه، فلما مات عمّه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا، ثم قيّض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحوّل إلى دارهم- وهي المدينة- فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود، وكلمّا همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله وردّ كيده عليه، لما كاده اليهود بالسّحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوّذتين دواء لذلك الداء. ولمّا سمّ اليهود ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها.» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي: لستم على دين يعتدّ به حتى يسمّى شيئا لبطلانه حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بالإيمان بكل ما فيهما، والعمل بكل ما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمّد ﷺ واتّباعه وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. أي: القرآن وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً. أي: سيزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تماديا في الجحود، وكفرا بآيات الله فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. أي: فلا تتأسّف عليهم، فإنّ ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا. وهم المسلمون وَالَّذِينَ هادُوا وهم حملة التوراة وَالصَّابِئُونَ قال أبو الزناد هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيّين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. أقول: ولا زال في العراق ناس يسمّون صابئة وَالنَّصارى. أي:

стр. 1409

حملة الإنجيل مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أي: فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما خلفوه وراء ظهورهم. والمعنى: أنه من كان مسلما أو يهوديا في الأصل، أو نصرانيا أو صابئيا، قبل منه إسلامه، المتضمن للإيمان والعمل الصالح، وكوفئ. والمعنى: أن ما كان عليه الإنسان من قبل لا يضرّه إذا آمن وعمل صالحا بدخوله في الإسلام. أو المعنى: أن مسلمي هذه الأمّة، واليهود السابقين على عيسى، والنّصارى التابعين الحقيقيين لعيسى، والصابئين في حالة إيمانهم، وعملهم الصالح، الجميع من أهل الجنّة، وأهمّ شئ علينا أن نعرفه أنّ الإجماع منعقد على أنه لا يهودي ولا نصراني ولا صابئي بلغته دعوة رسولنا ثمّ لم يسلم إلا كان من أصحاب النار بعد ما بعث رسول الله ﷺ . ويلاحظ أن كلمة «الصابئون» في الآية مرفوعة، وما قبلها منصوب، والتقدير: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك» قال ابن كثير: «لما طال الفصل حسن العطف بالرّفع». قال النسفي: «وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين ضلالا، وأشدّهم غيّا يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان فما الظّنّ بغيرهم». لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي: بالتوحيد وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا من أجل أن يوقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ بما يخالف هواهم، ويضادّ شهواتهم من ميثاق التّكليف والعمل بالشرائع فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ كأنّه قيل: كيف فعلوا برسلهم؟ فكان الجواب كلّما جاءهم رسول منهم ناصبوه إمّا بالتّكذيب وإمّا بالقتل وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ. أي: بلاء وعذاب أي: وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل، وقد ضمّن كلمة حسبوا معنى العلم لقوّته في صدورهم، ولذا دخل فعل الحسبان على (أن) التي يدخل عليها الفعل علم فَعَمُوا وَصَمُّوا. أي: فعموا عن الرشد، وصمّوا عن الوعظ، أو المعنى فلم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بأن رزقهم التوبة ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ أي: صمّ كثير منهم وعمي كثير منهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ. أي: فيجازيهم بحسب أعمالهم لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ لم يفرّق عيسى ﵇ بينه وبينهم في أنّه عبد مربوب ليكون حجّة على النّصارى إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ. أي: في عبادته غير الله فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ التي هي دار الموحّدين أي: حرمه دخولها

стр. 1410

ومنعه منه وَمَأْواهُ النَّارُ. أي: ومرجعه إليها وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. أي: وما للكافرين من معين ولا ناصر ولا منقذ مما هم فيه، وهو من كلام الله أو من كلام عيسى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ. أي: وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من الافتراء والكذب والكفر لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ قال منهم لأن بعضهم يسلمون أو أسلموا عَذابٌ أَلِيمٌ. أي: نوع شديد الألم من العذاب أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ. أي: ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر، وهذا الوعيد الشديد عما هم عليه، وفيه تعجيب من إصرارهم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أي: يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ هذا نفي للألوهية عنه قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. أي: إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وإبراؤه الأكمه والأبرص، وإحياؤه الموتى، لم يكن منه، لأنه ليس إلها، بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده، كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى، وخلقه من غير ذكر، كخلق آدم من غير ذكر وأنثى وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي وما أمه أيضا إلا كبعض النساء المصدّقات للأنبياء المؤمنات بهم كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ هذا إبعاد لهما عما نسب إليهما من معاني الألوهية، لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنّقض، لم يكن إلا جسما مركّبا من لحم وعظم وعروق وأعصاب، وغير ذلك مما يدلّ على أنّه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ. أي: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. أي: كيف يصرفون عن استماع الحقّ وتأمّله بعد هذا البيان. وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً. أي: أتعبدون عيسى! وهو لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّكم به الله من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحّة الأبدان والسّعة والخصب، لأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبتخليقه تعالى فكأنه لا يملك منه شيئا، وهذا دليل قاطع على أنّ أمره مناف للربوبيّة حيث جعله لا يستطيع ضرّا ولا نفعا، وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شئ لا يخرج مقدور عن قدرته وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أي: أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه، ويعلم ما تعتقدونه قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي

стр. 1411

دِينِكُمْ الغلوّ: مجاوزة الحد، فغلوّ النّصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية عندهم، وغلوّ اليهود وضعه عن استحقاق النّبوة غَيْرَ الْحَقِّ. أي: غلوا غير الحق يعني غلوّا باطلا وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ المراد بهم الأسلاف والأئمّة الذين كانوا على الضّلال قبل مبعث النّبي ﷺ وَأَضَلُّوا كَثِيراً. أي: من تابعهم وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ حين كذّبوا رسول الله ﷺ وحسدوه وبغوا عليه لمّا بعث لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. أي: ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم. ثمّ فسر المعصية والاعتداء بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ. أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن قبيح فعلوه، والمراد أنّهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرّون عليه، ثم عجّب من سوء فعلهم مؤكدا ذلك بالقسم فقال: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ قال النسفي: وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم. فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: يوالون المشركين ويصافونهم لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. أي: لبئس شيئا قدّموه لأنفسهم سخط الله عليهم، أي: موجب سخط الله وَفِي الْعَذابِ. أي: في جهنم هُمْ خالِدُونَ أي ماكثون أبدا وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانا خالصا بلا نفاق وَالنَّبِيِّ. أي: محمد ﷺ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ. أي: القرآن مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ. أي: ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أنّ موالاة المشركين تدلّ على نفاقهم وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ. أي مستمرون في كفرهم ونفاقهم، ويمكن أن يكون المعنى: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما أنزل إليه يعني التّوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون، ولكن كثيرا منهم فاسقون: خارجون عن دينهم، فلا دين لهم أصلا لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وصف اليهود بشدّة الشّكيمة، والنّصارى بلين العريكة. وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، ونبّه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين، ثمّ علّل للين النصارى بقوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً. أي: علماء وعبادا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. أي: علّل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بأن منهم

стр. 1412

قسّيسين ورهبانا، وأن فيهم تواضعا واستكانة، واليهود على خلاف ذلك. قال النّسفى: وفيه دليل على أن العلم أنفع شئ وأهداه إلى الخير، وإن كان علم القسّيسين، وكذلك علم الآخرة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وصفهم برقّة القلوب، وأنهّم يبكون عند استماع القرآن. ومعنى تفيض من الدمع: أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، أو أن أعينهم جعلت كأنها تفيض بنفسها من أجل البكاء. وفي قوله تعالى (مِنَ الْحَقِّ) إن أريد ب (من) التبعيض يكون المعنى عرفوا بعض الحق فأبكاهم، فكيف إذا عرفوه كله، فقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنّة يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا. أي: بمحمّد ﷺ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي: مع أمة محمد ﷺ الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة، قالوا ذلك لمعرفتهم وصف هذه الأمّة بذلك وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا. أي: وبما جاءنا مِنَ الْحَقِّ. أي: محمدا ﵊ والقرآن وفي استفهامهم هذا معنى الإنكار والاستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى على لسانهم وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ والتقدير ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة مع الأنبياء والمؤمنين فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا. أي: بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ قال النسفي: فيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان، وحتى لا يفهم فاهم أن هذا الثناء على النصارى جميعا عقّب فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هذا أثر الرّدّ في حق الأعداء، والأوّل أثر القبول للأولياء، فالثناء على نصارى من نوع خاص اجتمعت لهم صفات، منها قبول الإسلام، وهذا شئ يجب أن يضعه الدعاة إلى الله نصب أعينهم. ملاحظات في السّياق: ١ - لقد تحدّث القسم الأوّل من سورة المائدة عن الفسوق والخسران، ونقض العهد والإفساد في الأرض، وأسباب الهداية والضلال، ثمّ جاء القسم الثاني فعمّق في موضوع الهداية والضلال، وموضوع الفسوق والفساد في الأرض، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ثمّ جاء القسم الثالث في مقطعيه آمرا بالتبليغ بانيا على ما مرّ من قبل في السورة محرّرا من

стр. 1413

أسباب الضلال، معمّقا أسباب الهداية. فالصلة بين هذا القسم وبين ما مرّ من السورة واضحة جدا. ألا ترى أن القسم الأول في السورة قد وجد في آياته الأولى قوله تعالى غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وقوله تعالى قبل ذلك أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ثم بعد ذلك قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... وسيأتي في هذا القسم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنه بعد أن وضعت القواعد التوضيحية لكثير من الأمور في القسمين الأول والثاني، يأتي القسم الثالث في مقطعيه ليدعو وينذر ويربي في سياق الأمر بالتبليغ. ٢ - ومع أنّ القسم الثالث بنى على القسمين الأول والثاني اللذين وضّحا الكثير ممّا له علاقة بالمحور فهو واضح الارتباط بالمحور كذلك ففيه: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ومن تذكر آيتي المحور في سورة البقرة وضحت لديه الصلة. ٣ - لقد جاء في أواخر المقطع الأول من القسم الأول: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وجاء في أوّل المقطع الثاني من القسم الأول وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وذكر هناك عقوبة نقضهم للميثاق فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وفي المقطع الأول من القسم الثالث وهو المقطع الذي مرّ معنا: جاء قوله تعالى لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ... ثمّ بيّن موقفهم من الرّسل وبيّن أنهم في فعلهم هذا كانوا يظنون ألا يفتنهم الله وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وقد ختم المقطع بقوله تعالى فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ ... وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وكل ذلك يؤكّد أن القسم الثالث مرتبط بالقسمين الأولين، وأنّ سياقه يكمّل سياقهما فبعد تقرير القواعد يأتي الأمر بالتبليغ وفي سياق التبليغ يأتي تفصيل لكثير من الأمور التي مرّت من قبل وسيأتي مزيد بيان.

стр. 1414

فوائد: ١ - [لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة أو مؤمنة] في الصحيح أن النبي ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ مؤمنة. ٢ - [كلام عن نبوة النساء] ذهب ابن حزم وآخرون إلى نبوّة سارة أم إسحاق، ونبوّة أمّ موسى وأم عيسى، استدلالا لهم بخطاب الملائكة لهنّ، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال. قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... (يوسف: ١٠٩) وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك، وقد رأينا من قبل أنّ بعضهم جعل هذه الآية في الرّسالة، فهي وحدها التي لم تكن لأنثى، أما النبوّة فجوّزها ورأينا هناك ردّ ذلك. ٣ - [آثار هامة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] بمناسبة قوله تعالى: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ننقل هذه الأحاديث التي أوردها ابن كثير في هذا المقام: روى الإمام أحمد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم». قال يزيد: وأحسبه قال: «وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم؛ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا». وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض- ثم قال- لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إلى قوله فاسِقُونَ ثم قال: كلا والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطرا، أو تقصرنّه على الحق قصرا» وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه، فلمّا رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيّهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ثمّ قال رسول الله ﷺ : «والذي

стр. 1415

نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد المسئ، ولتأطرنّه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم». وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم». وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وروى الإمام أحمد عن عديّ بن عميرة ﵁ قال: سمعت النّبي ﷺ يقول: «إنّ الله لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الله العامّة والخاصّة». وروى أبو داود عن العرس بن عميرة عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها- وقال مرة: فأنكرها- كان كمن غاب عنها- ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها». وروى أبو داود عن رجل من أصحاب النّبي ﷺ أنّ النّبي ﷺ قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو: يعذروا من أنفسهم». وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ قام خطيبا فكان فيما قال: «ألا لا يمنعنّ رجلا هيبة النّاس أن يقول الحق إذا علمه» قال. فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا» وروى أبو داود عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وروى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة، ووضع رجله في الغرز ليركب قال: «أين السائل؟» قال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر». وروى ابن ماجه أيضا عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقر أحدكم نفسه». قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: «يرى أمرا لله فيه مقال ثم لا يقول فيه. فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا: كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى». وروى ابن ماجه أيضا عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقّن الله عبدا حجّته قال: يا رب رجوتك وفرقت من النّاس». وروى الإمام أحمد عن حذيفة عن النّبي ﷺ قال: «لا ينبغي لمسلم أن يذلّ نفسه» قيل:

стр. 1416

وكيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرض من البلاء ما لا يطيق». وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا، قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رُذالكم» قال زيد: تفسير معنى قول النّبي ﷺ : والعلم في رذالكم: إذا كان العلم في الفساق. أقول: إنّ علينا أن نعتاد على الإحسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الصالحة لا بد أن تترك أثرا. ٤ - [آثار في سبب نزول الآيات (٨٢ - ٨٤)] وفي الآيات الأخيرة من المقطع أي لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً ... قال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشيّ إلى النّبي ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه ﷺ ، وقرأ عليهم القرآن، أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النّجاشي فأخبروه. وروى الطبراني عن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ... قال إنهم كانوا كرّابين (يعني فلاحين) قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله ﷺ لعلّكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم، فقالوا: لن ننتقل عن ديننا. فأنزل الله ذلك من قولهم وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ... واختار ابن جرير أن هذه الآيات كلها نزلت في صفات أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو من غيرها. ٥ - [رد على قول فرقة الكرامية بأن الإيمان مجرد القول] تعلّقت الكرّاميّة- وهي فرقة ضالة- بقوله تعالى: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ .... في أن الايمان مجرد القول. ورد النّسفي عليهم فقال: لكن الثناء بفيض الدمع من السباق، وبالإحسان في السياق، يدفع ذلك، وأنّى يكون مجرد القول إيمانا، وقد قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (البقرة: ٨) نفى الإيمان عنهم مع قولهم آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب. وقال: أهل المعرفة الموجود منهم ثلاثة أشياء: البكاء على الجفاء، والدّعاء على العطاء، والرّضا بالقضاء. فمن ادّعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق في دعواه. كلمة في السياق: قلنا إن هذا المقطع الذي هو الأول في قسمه هو امتداد للمقطع السابق عليه، إذ يؤكد ويوضح ويعمّق ضرورة عدم الولاء لليهود والنصارى لما هم عليه، فارتباطه من هذه

стр. 1417

الحيثية بالمحور العام للسورة من حيث تعميق وصل ما أمر الله به أن يوصل. وهو ولاء أهل الإيمان ونفي عكسه. وفي هذا المقطع رأينا أسبابا للضلال كالأسباب التي لعنت بها بنو إسرائيل، وأسبابا للهداية. من مثل صفات النصارى المستجيبين للحق، وهذا كذلك مرتبط بمحور السورة، من حيث إنّه بيان لأسباب الضلال وأسباب الهداية، وفي المقطع ذكر للمواثيق التي أخذت على بني إسرائيل، وموقفهم من ذلك مما استحقوا، به ما استحقوه وفي هذا كذلك ارتباط للمقطع بمحور السورة، فالسّورة كما نرى تسير على منحيين، المنحى الأول: تعميق أسباب الهداية بكتاب الله، والمنحى الثاني: تبيان أسباب الضلال بطريقة من العرض معجزة، قد لا نكون أحسنا في عرضها، لكنّا نرجو أن نكون أفلحنا بالإشارة إليها، فإذا ما وصلت السورة إلى ما وصلت إليه تأتي الآن أوامر متعددة، وتوجيهات متعدّدة، تحوي في آياتها موضوعات متعددة، كلها تصب في السياق العام للسورة ضمن محورها. هذه الأوامر والتوجيهات والنّواهي تشكل المقطع الثاني من القسم الثالث وهو المقطع السابع في السّورة ولا يبقى بعده من السّورة إلا خاتمتها. فصول ونقول: - وقعت طائفتان من طوائف المسلمين في غلط في الفهم لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ الطائفة الأولى: بعض الصوفية، والطائفة الثانية: بعض الشيعة، أما الصوفية: فقد ذهب بعضهم إلى أن ما كلّف به رسول الله ﷺ هو التبليغ لبعض المعانى، وهناك معان أخرى مما يصلون إليه بأذواقهم لم تدخل بالتبليغ، وأمّا بعض الطوائف من الشيعة فقد ذهبوا إلى أن الآية نزلت في موضوع تبليغ استحقاق عليّ للخلافة، وأن الرّسول ﷺ قام بذلك يوم غدير خمّ وقد ناقش الألوسي كلّا من هؤلاء وهؤلاء، ونحن ننقل بعض كلامه هنا ومن أراد أن يقرأ كلامه كاملا فليراجع تفسيره: قال في الردّ على بعض المتصوفة: «والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبي ﷺ من الأسرار الإلهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزّل، فقد قال سبحانه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ، وقال رسول الله ﷺ فيما أخرجه الترمذي. وغيره: «ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم»، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أنزل في هذا

стр. 1418

القرآن كل علم، وبيّن لنا فيه كل شئ، ولكن علمنا يقصر عما بيّن لنا في القرآن» وقال الشافعي ﵁: جميع ما حكم به النبي ﷺ فهو مما فهمه من القرآن» ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إني لا أحل إلا ما أحل الله تعالى في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله تعالى في كتابه» وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله ﷺ خلا ما استأثر به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة. ومثل ابن مسعود. وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم. وفترت العزائم. وتضاءل أهل العلم. وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه، وسائر فنونه، فنوّعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه. وقال بعضهم: ما من شئ إلا يمكن استخراجه من القرآن، لمن فهّمه الله تعالى حتى إن البعض استنبط عمر النبي ﷺ ثلاثا وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقّبها- بالتغابن- ليظهر التغابن في فقده، غاية ما في الباب أن التوقيف على تفصيل ذلك سرا سرا وحكما حكما لم يثبت بصريح العبارة لكل أحد، وكم من سر وحكم نبهت عليهما إشارة ولم تبينهما العبارة، ومن زعم أن هناك أسرارا خارجة عن كتاب الله تلقاها الصوفية من ربهم بأي وجه كان، فقد أعظم الفرية، وجاء بالضلال ابن السبهلل بلا مرية. وقول بعضهم: أخذتم علمكم ميتا عن ميت، ونحن أخذناه عن الحي الذي لا يموت، لا يدل على ذلك الزعم، لجواز أن يكون ذلك الأخذ من القرآن بواسطة فهم قدسي أعطاه الله تعالى لذلك الآخذ، ويؤيد هذا ما صح عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه هل عندكم كتاب خصّكم به رسول الله ﷺ ؟ قال: لا إلا كتاب الله تعالى، أو فهم أعطيه رجل مسلم. أو ما في هذه الصحيفة- وكانت متعلقة بقبضة سيفه- قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل. وفكاك الأسير. ولا يقتل مسلم بكافر. ويفهم منه- كما قال القسطلاني- جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولا عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة، وما عند الصوفية- كله من هذا

стр. 1419

القبيل إلا أن بعض كلماتهم مخالف ظاهرها لما جاءت به الشريعة الغراء، لكنها مبنية على اصطلاحات فيما بينهم إذا علم المراد منها يرتفع الغبار، وكونهم ملامين على تلك الاصطلاحات لقول علي كرم الله وجهه- كما في صحيح البخاري-: حدّثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله تعالى ورسوله ﷺ أو غير ملامين لوجود داع لهم إلى ذلك على ما يقتضيه حسن الظن بهم بحث آخر لسنا بصدده. وقريب من خبر أبي جحيفة ما أخرجه ابن حاتم عن عنترة، قال: كنت عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فجاءه رجل، فقال: إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال: ألم تعلم أن الله تعالى قال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؟ والله ما ورّثنا رسول الله سوداء في بيضاء» وحمل- وعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي لم يبثّه على علم الأسرار- غير متعين لجواز أن يكون المراد منه أخبار الفتن. وأشراط الساعة. وما أخبر به الرسول ﷺ من فساد الدين على أيدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت، أو المراد الأحاديث التي فيها تعيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وقد كان رضي الله تعالى عنه يكنى عن بعض ذلك ولا يصرّح خوفا على نفسه منهم بقوله: أعوذ بالله سبحانه من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد الطريد لعنه الله تعالى على رغم أنف أوليائه لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فمات قبلها بسنة، وأيضا قال القسطلاني: لو كان كذلك لما وسع أبا هريرة كتمانه مع ما أخرج عنه البخاري أنه قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثت حديثا ثم يتلو إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى إلى قوله تعالى: الرَّحِيمُ إلى آخر ما قال فإن ما تلاه دال على ذم كتمان العلم لا سيما العلم الذي يسمونه علم الأسرار؛ فإن الكثير منهم يدعي أنه لب ثمرة العلم، وأيضا إن أبا هريرة نفى بث ذلك الوعاء على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم؟ فمن أين علم أن الذي علمه هو هذا؟! ومن ادّعى فعليه البيان، ودونه قطع الأعناق. فالاستدلال بالخبر لطريق القوم فيه ما فيه، لا يسلم لأحد كائنا من كان أن ما هم عليه مما خلا عنه كتاب الله تعالى الجليل أنه أمر وراء الشريعة، ومن برهن على ذلك بزعمه فقد ضل ضلالا بعيدا، فقد قال الشعراني قدّس سرّه في الأجوبة المرضية عن

стр. 1420

الفقهاء والصوفية: سمعت سيدي عليا المرصفي يقول: لا يكمل الرجل في مقام المعرفة والعلم حتى يرى الحقيقة مؤيدة للشريعة، وأن التصوف ليس بأمر زائد على السنة وإنما هو عينها. وسمعت سيدي عليا الخواص يقول مرارا: من ظن أن الحقيقة تخالف الشريعة أو عكسه فقد جهل، لأنه ليس عند المحققين شريعة تخالف حقيقة أبدا، حتى قالوا: شريعة بلا حقيقة عاطلة، وحقيقة بلا شريعة باطلة، خلاف ما عليه القاصرون من الفقهاء والفقراء، وقد يستند من زعم المخالفة بين الحقيقة والشريعة إلى قصة الخضر مع موسى ﵉، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك على وجه لا يستطيع المخالف معه على فتح شفة. ومما قاله الألوسي في عرضه لرأي بعض الشيعة في الآية ومناقشته لهم: «وزعمت الشيعة أن المراد ب ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ خلافة علي كرم الله تعالى وجهه، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر. وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى أوحى إلى نبيه ﷺ أن يستخلف عليا كرم الله تعالى وجهه، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له ﵊ بما أمره بأدائه. «وخبر الغدير عمدة أدلتهم على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وقد زادوا فيه إتماما لغرضهم زيادات منكرة. ووضعوا في خلاله كلمات مزورة، ونظموا في ذلك الأشعار. وطعنوا على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بزعمهم أنهم خالفوا نص النبي المختار ﷺ . «وأنت تعلم أنّ أخبار الغدير التي فيها الأمر بالاستخلاف غير صحيحة عند أهل السنة ولا مسلّمة لديهم أصلا، ولنبين ما وقع هناك أتم تبيين، لنوضّح الغثّ منه والسمين. «فنقول: إن النبي ﷺ خطب في مكان بين مكة والمدينة، عند مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة يقال له: غدير خم، فبيّن فيها فضل علي كرم الله وجهه وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا، والحق مع علي كرم الله وجهه في ذلك، وكانت يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة تحت شجرة هناك. فروى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله عن يزيد بن طلحة قال: لما أقبل علي كرم الله تعالى وجهه من اليمن ليلقى رسول الله ﷺ بمكة تعجل إلى رسول الله ﷺ واستخلف على جنده

стр. 1421

الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل حلة من البز الذي كان مع علي كرم الله وجهه، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انتزع قبل أن ننتهي إلى رسول الله ﷺ ، قال: فانتزع الحلل من الناس فردها في البز، وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم. وأخرج عن زينب بنت كعب- وكانت عند أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا كرم الله تعالى وجهه، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا عليا فو الله إنه لأخشن في ذات الله تعالى- أو في سبيل الله تعالى-، ورواه الإمام أحمد، وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن بريدة الأسلمي قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت عليا كرم الله تعالى وجهه، فرأيت وجه رسول الله ﷺ قد تغير، فقال رسول الله: بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وكذا رواه النسائي بإسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات، وروي بإسناد آخر تفرد به، وقال الذهبي: إنه صحيح عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فغممن، ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، الله تعالى مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي كرم الله تعالى وجهه، فقال: من كنت مولاه فهذا وليّه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينه وسمعه بأذنيه. وروى ابن جرير عن علي بن زيد وأبي هارون العبيدي وموسى بن عثمان عن البراء قال: كنا مع رسول الله في حجة الوداع، فلما أتينا على غدير خم، كسح لرسول الله تحت شجرتين، ونودي في الناس الصلاة جامعة، ودعا رسول الله ﷺ عليا كرم الله تعالى وجهه، وأخذ بيده وأقامه عن يمينه، فقال: أولست أولى بكل امرئ من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا مولى من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فلقيه عمر بن الخطاب فقال رضي الله تعالى عنه: هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة- وهذا ضعيف- فقد نصوا أن علي بن زيد. وأبا هارون وموسى ضعفاء لا يعتمد على روايتهم، وفي السند أيضا- أبو إسحاق وهو شيعي مردود الرواية.

стр. 1422

وروى ضمرة بإسناده عن أبي هريرة قال: لما أخذ رسول الله ﷺ يد علي كرم الله وجهه قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ثم قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم، ومن صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله تعالى له صيام ستين شهرا، وهو حديث منكر جدا، ونص في البداية والنهاية على أنه موضوع. وقد اعتنى بحديث الغدير أبو جعفر بن جرير الطبري، فجمع فيه مجلدين أورد فيهما سائر طرقه وألفاظه، وساق الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة كثير من المحدثين، فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر، أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة والمعول عليه فيها ما أشرنا إليه، ونحوه مما ليس فيه خبر الاستخلاف كما يزعمه الشيعة. وعن الذهبي أن من كنت مولاه فعلي مولاه متواتر يتيقن أن رسول الله قاله، وأما اللهم وال من والاه، فزيادة قوية الإسناد، وأما صيام ثماني عشرة ذي الحجة فليس بصحيح- ولا والله ما نزلت تلك الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام. والشيخان لم يرويا خبر الغدير في صحيحيهما لعدم وجدانهما له على شرطهما، وزعمت الشيعة أن ذلك لقصور وعصبية فيهما وحاشاهما من ذلك». أقول: موضوع المفاضلة بين الخلفاء الرّاشدين، أو موضوع كون الخلافة محصورة بعلي ﵁ وبأبنائه قضيتان أدخلهما علماء الشيعة في مباحثهم الأصولية وسيبقى أهل السنة والجماعة مستمرين على تحقيقهم وهو الحق، وسيبقى الشيعة مستمرين على تحقيقهم، ونحن نطالب كل الناس بالإنصاف وقبول التحقيق العلميّ النّزيه، ونطالب في الوقت نفسه ألا يكون لموضوع تاريخي غير عمليّ في مرحلتنا الحاضرة تأثيره على وحدة المسلمين لصالح أعدائهم عامّة. والذي أراه للمستقبل في موضوع الخلافة أن تعطى الحرية لكل اتجاه إسلامي، في تأسيس حزب له على أساس آرائه في هذا الموضوع، وأن يقدّم كل حزب مرشحه للأمة ضمن القواعد المتفق عليها، والأمّة هي التي تختار، ومن اختارته فعلى الجميع أن يبايعوه، وأن يلتزموا بطاعته، مع استمرارهم في الدعوة إلى مرشحهم، أو إلى غيره لمرحلة لاحقة، على حسب اللوائح الدستورية المنبثقة عن الشورى، على ضوء الكتاب والسنة.

стр. 1423

فصل: في الصابئين: رأينا أثناء تفسير سورة البقرة أن المفسرين مختلفون في المراد بالصابئين هل المراد بذلك كل من صبأ عن دينه المنحرف إلى الحق؟ أو المراد بهم طائفة بعينها نرى بقاياها في العراق؟، وعلى القول الثاني فإننا ننقل هاهنا كلاما للآلوسي لا نعتبره تحقيقا بل نعتبره سردا لأقوال، فلعلّ تحقيقا ما يرجّح شيئا منها، أو ينقضه، يقول الألوسي عن الصابئين: «وهم كما قال حسن جلبي وغيره: قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وفي حسن المحاضرة في أخبار مصر القاهرة للجلال السيوطي ما لفظه: ذكر أئمة التاريخ أن آدم ﵊ أوصى لابنه شيث- وكان فيه. وفي بنيه النبوة والدين- وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت تدعى بابلون فنزلها هو وأولاد أخيه، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي، واستخلف شيث ابنه أنوش، واستخلف أنوش ابنه قونان، واستخلف قونان ابنه مهلائيل، واستخلف مهلائيل ابنه يرد، ودفع الوصية إليه، وعلمه جميع العلوم، وأخبره بما يحدث في العالم، ونظر في النجوم وفي الكتاب الذي أنزل على آدم ﵊، وولد ليرد أخنوخ- وهو إدريس ﵊ ويقال له: هرمس، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ بن قابيل، وتنبأ إدريس ﵊ وهو ابن أربعين سنة، وأراد به الملك سوءا فعصمه الله تعالى، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده، وكان قد ولد بمصر وخرج منها، وطاف الأرض كلها ورجع فدعا الخلق إلى الله تعالى، فأجابوه حتى عمّت ملته الأرض، وكانت ملته الصابئة، وهي توحيد الله تعالى. والطهارة، والصوم، وغير ذلك من رسوم التعبدات، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة، أصغرها الرها، ثم عاد إلى مصر وأطاعه ملكها وآمن به- إلى آخر ما قاله- ونقله عن التيفاشي، ويفهم منه قول في الصابئة غير الأقوال المتقدمة. وفي شذرات الذهب لعبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي في ترجمة أبي إسحاق الصابئي ما نصه: والصابئ بهمز آخره، قيل: نسبة إلى صابئ بن متوشلخ بن إدريس ﵊، وكان علي الحنيفية الأولى، وقيل: الصابئ بن ماوي، وكان في عصر الخليل ﵊، وقيل الصابئ عند العرب من خرج عن دين قومه، اه. فصل: في قوله تعالى وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ

стр. 1424

جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ* وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا. إن مجئ آية وَحَسِبُوا بعد الآية السابقة عليها يشعر أن هؤلاء اليهود كانوا يرتكبون ما يرتكبون مع ظنّهم ألا تقع فتنة، وبذلك وصلوا إلى حالة العمى عن الحق والصمم عن كلّ موعظة، فجاءتهم الفتنة بأن سلّط الله عليهم بخت نصّر فقهرهم وأخذهم أسارى إلى بابل في غاية الذّلّ والمهانة حتى ﵏ فأنقذهم بعد ذلك وهو قوله تعالى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولكنهم بعد ذلك عادوا إلى العمى والصّمم ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ فسلّط الله عليهم من سلّط وسيسلط إلى قيام السّاعة، هذا توجيه بعضهم للآية. وإن أمّتنا فيما يبدو تقع أحيانا فيما وقعت فيه يهود، فيفعلون ما يفعلون حسبانا منهم أنهم لن يسلط عليهم أحد، ويستغرقون في الانحراف، حتى تأتيهم الضربة، وما أكثر ما أصبنا بضربات وما أكثر الغفلة والعمى والصّمم. نقل وتعليق: بمناسبة قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قال صاحب الظلال: إنّ كلّ النّصوص القرآنية والنّبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم، مجتمع يعترف ابتداء بسلطان الله، ويتحاكم إلى شريعته مهما وجد فيه من طغيان الحكم، في بعض الأحيان، ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان، وهكذا نجد في قول الرّسول ﷺ «أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر» فهو إمام ولا يكون إماما حتى يعترف ابتداء بسلطان الله وبتحكيم شريعته، فالذي لا يحكّم شريعة الله لا يقال له «إمام» إنما يقول الله عنه سبحانه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ. فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله، فالمنكر الأكبر فيها والأهمّ، هو المنكر الكبير الأساسي الجذري، هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار، قبل الدّخول في المنكرات الجزئية، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر، وفرع عنه وعرض له. إنه لا جدوى من ضياع الجهد جهد الخيرين الصالحين من الناس .. في مقاومة المنكرات الجزئية، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول، منكر الجرأة على الله وادّعاء خصائص الألوهية، ورفض ألوهية الله يرفض شريعته للحياة، لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك

стр. 1425

المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال. على أنّه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات؟ بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم: إن هذا منكر فاجتنبوه؟ أنت تقول: إن هذا منكر فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون: لك كلا! ليس هذا منكرا لقد كان منكرا في الزمان الخالي، والدنيا تتطور، والمجتمع يتقدم، وتختلف الاعتبارات. فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال، ولا بد من قيم معترف بها، نقيس إليها المعروف والمنكر، فمن أين نستمد هذه القيم؟ ومن أين نأتي بهذا الميزان؟ من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم- وهي متقلبة لا تثبت على حال؟ إننا ننتهي إذن إلى متاهة لا دليل فيها، وإلى خضم لا معالم فيه! فلا بد ابتداء من إقامة الميزان .. ولا بد أن يكون هذا الميزان ثابتا لا يتأرجح مع الأهواء .. هذا الميزان الثابت هو ميزان الله .. فماذا إذا كان المجتمع لا يعترف- ابتداء- بسلطان الله؟ ماذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة الله؟ بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ وينكّل بمن يدعوه إلى منهج الله؟ ألا يكون جهدا ضائعا، وعبثا هازلا، أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، في جزئيات وجانبيات من شئون الحياة، تختلف عليها الموازين والقيم، وتتعارض فيها الآراء والأهواء؟! إنه لا بد من الاتفاق مبدئيا على حكم، وعلى ميزان، وعلى سلطان، وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء .. لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة. والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة .. وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن، ولتحشد كلها في جبهة واحدة، لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان! وإن الإنسان ليرثي أحيانا ويعجب لأناس طيبين، ينفقون جهدهم في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في الفروع، بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم، ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مقطوع!

стр. 1426

فما غناء أن تنهى الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا؛ فيستحيل ماله كله حراما؛ ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال .. لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله. لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة؟! وما غناء أن تنهى الناس عن السكر في مجتمع قانونه يبيح تداول وشرب الخمر، ولا يعاقب إلا على حالة السكر البيّن في الطريق العام. وحتى هذه لا يعاقب فيها بحد الله. لأنه لا يعترف ابتداء بحاكمية الله؟!. وما غناء أن تنهى الناس عن سبّ الدين؛ في مجتمع لا يعترف بسلطان الله؛ ولا يعبد فيه الله. إنما هو يتخذ أربابا من دونه؛ ينزلون له شريعته وقانونه؛ ونظامه وأوضاعه، وقيمه وموازينه. يضعون لهم الشرائع والقوانين؛ ويضعون لهم القيم والموازين؟! ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال؟ ما غناء النهي عن هذه الكبائر- فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر- والكبيرة الكبرى لا نهي عنها .. كبيرة الكفر بالله، برفض منهجه للحياة؟! إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق، مما ينفق فيه هؤلاء «الطيبون» جهدهم وطاقتهم واهتمامهم .. إنه- في هذه المرحلة- ليس أمر تتبع الفرعيات- مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هذه حدود الله. فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه. فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة؛ تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع؛ واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة .. فكل جهد في الفروع ضائع؛ وكل محاولة في الفروع عبث .. والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات .. والرسول ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان». وقد يجئ على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم؛ وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه، إن هم كانوا حقا على الإسلام. وليس هذا موقفا سلبيا من المنكر- كما يلوح في بادئ الأمر- وتعبير الرسول ﷺ بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته. فإنكار المنكر بالقلب، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر .. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع

стр. 1427

الشرعي الذى يخضع له ويعترف به .. وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع «المعروف» في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة .. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير .. وهو على كل حال أضعف الإيمان. فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان! أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع، ولأن له ضغطا- قد يكون ساحقا- فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان. هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ .. ». أقول: لقد فهم الكثيرون من قرّاء السيد ﵀ هذا الكلام فهما خاطئا، فأصبحوا ينكرون على من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر في مجتمعاتنا مما أصبح معه من الواجبات وضع الأمور في مواضعها ولذلك نقول: إنّه من سنّة رسول الله ﷺ أن نقدّم الدعوة إلى الأهم على المهمّ ثمّ وثمّ .. فعند ما أرسل ﷺ معاذا إلى اليمن أمره أن يدعو إلى شهادة ألّا إله إلّا الله ... فإن هم أجابوا لذلك فليدعهم إلى الصلاة ... فإن هم أجابوا إلى ذلك فليعلمهم بأمر الزكاة وهكذا ... فليس من السنّة أن تأتي إلى إنسان مرتدّ عن الإسلام فتبدأ بدعوته إلى ترك التختم بالذهب مثلا، وهو لا يعترف بالإسلام أصلا، ولو أنّك فعلت فلست آثما، بل أنت مأجور ولكنّ الأصل أن تدعوه أولا إلى الإيمان، فإذا استجاب؛ فادعه إلى فهم الإسلام والالتزام بكل ما فيه، وليس عليك من حرج في أن تقدّم مهمّا على أهم، ولكن السنة أن تقدّم الأهم على المهمّ، وأن تتساهل ابتداء فيما اختلف فيه العلماء لتنتقل فيما بعد إلى آفاق العزائم، فتعلّم النّاس وتربيهم على أن يأخذوا بالأحوط، مع البيان أنّه أحوط دون الإلزام به وكأنّه أمر مجمع عليه. وأما إذا كان إنسان مسلما ابتداء ولكنّه على جهل فهذا لا عليك أن تبدأ معه البيان على ضوء العلم في الأصول والفروع، وأن تنهاه عن المنكر في الأصول والفروع وأن تأمره بالمعروف أصولا وفروعا. هذا كلّه في حق الفرد كفرد أمّا في الخطاب الجماعي، فالزمان والمكان والأشخاص هي التي تحدّد الموضوع، فإذا كنت تخاطب روّاد المساجد فلا عليك أن تتحدث عن كل شئ من الأصول إلى الفروع،

стр. 1428

ولكنّ الحكمة أن تتخيّر موضوعك بحيث يناسب روّاد مسجدك، ولكن ليس من الحكمة إذا كنت تخاطب الأمريكيين غير المسلمين مثلا في أمريكا أن تبدأ الحديث معهم في الكلام عن كراهية المجئ إلى المسجد لمن تشمّ منه رائحة الثوم والبصل، وغير ذلك من الروائح التي لا تألفها الأذواق، قد يكون هذا جزءا من موضوع ولكن لا يصلح أن يكون هو الموضوع وأن يصاغ بصيغة طلب. ونحب أن نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه الدعوة إلى الأصول والفروع، والمسلم من أخلاقه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولكن عليه أن يكون حكيما في الدخول والخروج وتخيّر الموضوع. وهل يعتبر كلام الأستاذ سيد نهيا لنا عن أن نشغل أوقاتنا في صراع جزئي مع المنكرات الجزائية في المجتمع بحيث نستغرق في ذلك؟ قد يكون كلامه يفيد شيئا من ذلك، ولكن ليس هذا من باب أنه لو فعل بعض المسلمين ذلك يكونون قد ارتكبوا حراما، ولكن من باب ألا ينسينا واجب واجبات أخرى. إنّ الجهد الرئيسي للدعوة الإسلامية ينبغي أن ينصبّ على استبدال نظام جاهلي بنظام إسلامي، بالوسائل المشروعة المتاحة المستطاعة، هذا هو الفقه الصحيح للعمل العام، ولكن ونحن نسير لذلك، فلا حرج على من يحاول إزالة منكر جزئي، بما لا يؤثر على السّير العام نحو الهدف الكبير. هذه هي المسألة في إطارها العلمي والفقهي وفي إطار فقه الدعوة المعاصرة. إنّ كثيرين من النّاس يرون أنّ تغيير منكر جزئي باليد لا يجوز قبل قيام السّلطة الإسلامية ويستدلون على ذلك بأن رسول الله ﷺ لم يكسّر الأصنام إلا بعد الفتح، وهذا خطأ فقد ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ اشترك هو وعليّ بن أبي طالب في كسر صنم لقريش من على الكعبة قبل الهجرة وهربا، وهذا إبراهيم ﵇ كسّر الأصنام ولا سلطة. إنّه من حيث الجواز يجوز لكلّ مسلم أن يغيّر منكرا أوجب الشرع تغييره، وهو إن فعل مأجور، لكن هل يجب عليه ذلك؟ هل يحتاج إلى إذن إن كان منتسبا لجماعة تتضرّر بسبب فعلته؟ كل ذلك له موازينه الشّرعية والفتوى البصيرة من أهلها هي التي تعطي الجواب الصحيح على ضوء الموازنات الصحيحة.

стр. 1429

إن هناك صورا من النهي عن المنكر قد ترتّب على غير الناهي ضررا لغيره، أمثال هذه الصور نصّ الغزالي في إحيائه على أن على الناهي ألا يقدم عليها قبل استئذان من يصيبه الضرر، ومن المعلوم أنّ ذلك لا تدخل فيه صورة ما إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق إنسان هو من باب فروض العين. قلنا هذا الكلام لأنّ ناسا كادوا أن يعطلوا مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بسبب فهمهم الخاطئ لآراء صاحب الظلال. قد لا توجد فائدة في أن أنهى سكيرا عن شرب الخمر إذا كان مرتدا أو كافرا أصليا، وقد لا توجد فائدة في أن أنهى كافرا عن سبّ الدين. ولكن قد يكون من المناسب أن أسأل السّكير عما إذا كان يؤمن بالإسلام وعمّا إذا كان يفهمه، ثمّ بعد ذلك أدعوه إلى الإيمان وفهم الإسلام، وأنهاه إذا كان مؤمنا عن شرب الخمر. وقد يكون من المناسب أن أسأل ساب الدّين عن سبب سبابه، فأدعوه إلى الإسلام من خلال ذلك، وفي كل الأحوال لو أنني نهيت أمثال هؤلاء فلست مأزورا، بل أنا مأجور وكفى ذلك غناء. إنّ فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم ما ينبغي أن يعرفه المسلم وأن يتحقق به ولا تمكين للمسلم إلا بهذا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ . إنهم كذلك قبل السلطة وبعدها، وإذا لم يكونوا كذلك قبل السلطة فلن يكونوا كذلك بعدها، وقد غلط ناس عطّلوا الصلاة، والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحجة أنّ ذلك لا يكون إلا بعد السلطة، وهو فهم خاطئ للآية، ونخشى أن يتسرّب لنا هذا الفهم الخاطئ. إنّه كما أنّنا نصلي في كل الحالات، ونزكي في كل الحالات، فعلينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل الحالات، ملاحظين ما مرّ من تقديم الأصول على الفروع، مع اعتبارنا أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في الأصول مأجور. لقد رأيت نماذج من الناس استمرءوا السكوت على المنكر في كل الأحوال، بحجة أن المجتمع جاهلي، وواقعوا المنكر بحجة أن المجتمع جاهلي.

стр. 1430

لقد كان رسول الله ﷺ أمينا والمجتمع جاهلي، وكان يعبد الله والمجتمع جاهلي، وكان مطهرا من مواقعة عادات الجاهلية على غلبتها، وهذا لم يكن تكليفا، أفبعد أن منّ الله علينا بالتكليف والبيان، يصل بعض الناس إلى تعطيل أحكام الله بسبب فهم خاطئ لكلام رجل، كلامه في الأصل يحتمل الخطأ والصواب. إنّه لمن أصعب أنواع الجهل ألّا يعرف إنسان أن يضع الكلمة التي يسمعها أو يقرؤها في محلها ودعونا نتأمّل الآيات التي كتب فيها الشهيد ﵀ ما كتب: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ لقد وجد عيسى في مجتمع جاهلي كان على رأسه الرومان الوثنيون ولم يكن اليهود في ظل دولة مسلمة ومع ذلك لعنهم عيسى، السبب عصيانهم واعتداؤهم دون تحديد لهذا العصيان وهذا الاعتداء في الآية، ثم وصفهم الله بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لاحظ تنكير كلمة (المنكر) الآتية في سياق نفي مما يعمّ كل منكر، ثم جاءت بعد ذلك آية تقول لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ دون تحديد لنوع الكلام الآثم ولا الحرام المأكول، أليس وضع أبناء المسلمين اليوم يشبه وضع المجتمع الذي وجد فيه عيسى ﵇، فهل إذا سكت علماؤنا وعبّادنا عن الكلمة الآثمة والكسب الحرام والاعتداء والعصيان والمنكر لا يكونون قد وقعوا فيما وقع فيه علماء بني إسرائيل. وهل الآيات فرّقت بين أصول وفروع؟ نرجوا أن نكون بهذا البيان قد وضعنا الأمور في مواضعها بالنسبة لهذا الموضوع الخطير. نقول: [عن صاحب الظلال حول آية لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً ... ] بمناسبة قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ يقول صاحب الظلال: إن الذي ألّب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود .. من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش في مكة، وبين القبائل الأخرى في

стр. 1431

الجزيرة .. يهودي .. والذي ألّب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في فتنة عثمان ﵁ وما تلاها من النكبات .. يهودي .. والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله ﷺ وفي الروايات والسير .. يهودي .. ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال «الدستور» بها في عهد السلطان عبد الحميد، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي أتاتورك .. يهودي .. وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود! ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية .. يهودي .. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي .. ووراء معظم النظريات الهدّامة لكل المقاسات والضوابط يهود! ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا، وأعرض مجالا، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون- على ضراوتها- قديما وحديثا .. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول. أما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية .. (التي تعدّ الماركسية مجرد فرع لها) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية». وحتى لا يفهم فاهم من قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أنّ ذلك في النصارى جميعا، ومن أجل أن يفهم النص على ما أنزل عليه أنّه في النصارى الذين مآلهم الدخول في الإسلام متى عرض عليهم يقول صاحب الظلال: «وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة؛ في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة؛ وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم .. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى

стр. 1432

الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم- فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه. وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك، يلاقون من ظلمها الوبال! - أما التيار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط- إلا في الظاهر- منذ التقى الإسلام والرومان على ضفاف اليرموك! لقد تجلت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان، كما تجلت في حروب الإبادة التي شنتها الصليبية على الإسلام والمسلمين في الأندلس، ثم في حملات الاستعمار والتبشير على الممالك الإسلامية في إفريقية أولا، ثم في العالم كله أخيرا. ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية حليفتين في حرب الإسلام- على كل ما بينهما من أحقاد- ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ حتى مزقوا دولة الخلافة الأخيرة. ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدين عروة عروة. وبعد أن أجهزوا على عروة «الحكم» ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة «الصلاة»! ثم ها هم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنيين. فيؤيدون الوثينة حيثما وجدت ضد الإسلام. عن طريق المساعدات المباشرة تارة، وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد. وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كل مكان على وجه الأرض. وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال! هذا موجز سريع لما سجله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرنا، من مواقف اليهودية والصليبية تجاه الإسلام، لا فرق بين هذه وتلك؛ ولا افتراق بين هذا المعسكر

стр. 1433

وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمن. وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغدا، فلا ينساقون وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة، التي تنظر إلى أوائل النص القرآني- دون متابعة لبقيته، ودون متابعة لسياق السورة كله، ودون متابعة لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدق هذا كله- ثم تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التى تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد؛ الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الأخيرة الموجهة إلى جذور العقيدة. إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئا أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة- مهما قل عددها وعدتها- فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة. وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة، ولكن ضررهم لا يقل- حينئذ- عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشد أذى وضررا. ***

стр. 1434

المقطع السابع يمتد هذا المقطع من الآية (٨٧) إلى نهاية الآية (١٠٨) وهذا هو: ٥/ ٩٢ - ٨٧

стр. 1435

٥/ ٩٩ - ٩٣

стр. 1436

٥/ ١٠٥ - ١٠٠

стр. 1437

٥/ ١٠٨ - ١٠٦ محلّ هذا المقطع في السورة: تتألف سورة المائدة من ثلاثة أقسام وخاتمة وهذا المقطع هو المقطع الثاني من القسم الثالث الذي ابتدئ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فهو استمرار للمقطع السابق ومن ثمّ فإن له صلة كبيرة في قضية البلاغ، لقد انصبّ الكلام في المقطع الأول من القسم الثالث على بلاغ الكافرين، وانصبّ الكلام هنا على بلاغ المؤمنين، ولذلك كان في هذا المقطع تفصيل لكثير مما أجمل في أوّل سورة المائدة كما سنرى. كلمة في المقطع: آخر آية في المقطع ختمت بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لاحظ صلة ذلك بمحور السورة: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ بدأ المقطع بالنهي عن تحريم الطيبات، وعن أكل الحلال الطيب لينتقل إلى الأيمان، إذ جرت العادة أنّ النّاس إذا أرادوا أن يحرّموا على أنفسهم شيئا أقسموا، فذكرت الفقرة الأيمان المنعقدة وكفارتها، وارتباط ذلك بمحور السورة واضح، فهل مما يدخل في نقض العهد الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ هذه الصورة التي ذكرتها الفقرة؟ أجاب المقطع على ذلك. ومن النهي عن تحريم الطيبات ينتقل السياق إلى فقرة جديدة

стр. 1438

تذكر فيها الخبائث يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ففي هذه الفقرة تبيان لبعض ما أخذ علينا العهد باجتنابه، وحكمة ذلك، وما أبيح لنا بعد ذلك، ومن الكلام عما أحل لنا وحرم، وعن أكل الطيبات يأتي الكلام عن الصيد للمحرم، وعما يجوز له من صيد البحر. وعن حكمة بعض الأمور في الحج. ومن ذلك ينتقل السياق إلى كراهية السؤال عمّا لم يرد فيه تحريم ابتداء، ليصل إلى بعض ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم مما لم ينزل به الله سلطانا. فالسياق لا زال في قضايا التحريم والتحليل مما له صلة بقضايا الطعام، وإذ قرّرت السورة طريق الهداية والضلال، فإنّ آية تأتي لتبيّن أن ضلال الضالّين لا يضرّنا إن كنّا مهتدين. ثم تأتي فقرة أخيرة في المقطع حول الوصيّة في بعض الأحوال والشهادة والأيمان. والملاحظ أن الفقرة الأولى في هذا المقطع ذكرت فيها الأيمان، وأن الفقرة الأخيرة ذكرت فيها الأيمان ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فكأن المقطع كله في قضايا ينبغي أن تراعى، مما هو نوع نقض لميثاق مع الله، أو هو شرح لبعض الحالات التي يتمّ فيها توثيق أمام الله، وما هي المخارج في ذلك إن المقطع يحدّثنا عن أمور لو فعلها الإنسان يفسق عن أمر الله- وعن أمور هي من نوع نقض الميثاق، أو من قطع ما أمر الله به أن يوصل. إنّ ابتداء المقطع بذكر الأيمان، وانتهائه بذكر الأيمان، يدّل على أنّه مقطع واحد، وانتهاء المقطع بقوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وصلة ذلك بقوله تعالى في المحور وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لدليل على أنّ المقطع يفصّل في المحور. رأينا فيما مرّ قضيتين: صلة آيات المقطع ببعضها، وصلة المقطع بمحور السورة من البقرة. ولنلاحظ الآن ما يلي: لم يبق معنا بعد هذا المقطع إلا خاتمة السورة فكأنّ هذا المقطع هو المقطع الأخير. فلنلاحظ صلة هذا المقطع بأول مقطع في سورة المائدة. بدأت سورة المائدة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وفي هذا المقطع ترى حكم الأيمان المنعقدة، وفي المقطع الأول في الآية الأولى منه جاء قوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وهاهنا يأتي تفصيل لموضوع صيد المحرم. وفي المقطع الأول تأتي الآية الثانية منه وفيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ ويأتي في هذا المقطع قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ وفي المقطع

стр. 1439

الأول يذكر الله- ما حرم علينا: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .. ويأتي في هذا المقطع ذكر ما حرّمه الناس ولم يحرمه الله. ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ. وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ويأتي في هذا المقطع قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا. ويختم هذا المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ .. فههنا فقرة عن إقامة الشهادة في حالة من الحالات. فما بين المقطع الأول، والمقطع الأخير صلات واضحة، وما بين المقاطع التي ذكرت في الوسط، والمقطع الأول والأخير صلات واضحة كذلك، فالسورة لها سياقها الخاص، ومع ذلك فإنها تفصّل في محورها من سورة البقرة لتأخذ محلها في بناء صرح المعاني القرآنية على تسلسل معيّن، ونسق معيّن. ولعل في الكلمة الأخيرة عن السورة ما يزيد هذا الأمر بيانا، فلنبدأ عرض معاني المقطع: المعنى العام للمقطع: يبدأ هذا المقطع بالنهي عن تحريم ما أحل الله بالسير في غير سنة المسلمين في أمر النّساء، أو الطعام، أو الشّراب، أو اللباس، أو العادات، أو غير ذلك. وكما نهى عن تحريم الحلال، فقد نهى عن الاعتداء، لأن الله لا يحب أهله. والاعتداء في هذا المقام يحتمل التضييق على الأنفس بتحريم المباحات، أو تعذيب الجسد. ويحتمل الإسراف في تناول الحلال، فيكون طلبا بالأخذ من الحلال بقدر الكفاية والحاجة، إذ دين الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط. ثم أمر الله- بالأكل من الحلال الطيّب، كما أمر بالتقوى في جميع الأمور باتّباع طاعته ورضوانه، وترك مخالفته وعصيانه. إذ مقتضى الإيمان بالله أن يتّقى. رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء، وهي من هذه الحيثيّة تكمّل بناء التقوى، وتدلّ على طريقها، وهي في الوقت نفسه تحرير للإنسان من كل الصفّات التي يضل بسببها أصحابها، فهي تخلية وتحلية.

стр. 1440

ولذلك فإننا نجد في هذا المقطع عملية البناء وإزالة الأنقاض تتعاضدان، وعملية التحلية بالتقوى والتخلية عن الفسوق تتكاتفان، ومن ثمّ نجد في هذا المقطع النهي عن تحريم ما أحل الله، وذكر بعض ما حرّم أبدا، وذكر بعض ما حرّم في بعض الأحوال، والنهي عن السؤال ومؤاخذة من يحرّم ما أحل الله، كفعل الجاهليين في بعض الشئون. وبيان لحكم الله في جانب من موضوع الوصايا، وكل ذلك ينتظمه المحور الذي تدور حوله سورة المائدة فلنرجع إلى المعنى العام في المقطع. إنه قد يرافق تحريم الحلال- أو معنى من معاني الاعتداء يمين، ومن ثمّ فقد بيّن الله- حكم الأيمان المنعقدة في هذا المقام بعد أن بين حكم يمين اللغو في سورة البقرة، فبيّن هنا أنّ الله يؤاخذ باليمين التي يرافقها تصميم وقصد، وأن مثل هذه اليمين كفارتها لمن يجب عليه أن يحنث فيها، أو يجوز- إذا أراد الحنث- واحد من ثلاثة، إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصيام ثلاثة أيام، ثم بيّن الله- أن هذه هي كفّارة اليمين الشرعية، وأمر بحفظ الأيمان، إما بالبر بها، أو بالتكفير عنها، وأنّ هذا البيان لأحكامه يقتضي منّا شكرا. وبعد أن بيّن الله- لنا عدم جواز تحريم ما أحلّ، طالبنا بالالتزام بما حرّم، وبيّن لنا أنّ تعاطي الخمر والقمار مما حرّم، وأنّ مما حرّم الأنصاب: وهي الحجارة التي كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأنّ مما حرم الأزلام: وهي قداح أي: أقلام كانوا يستقسمون بها، ويستفتحون بها، ويلتزمون بتوجيهها الأعمى. ثمّ بيّن الله- أن هذه الأشياء كلها شر وسخط من فعل الشيطان وعمله ودعوته ووسوسته، آمرا إيانا بتركها لنكون من حزب الله، ومن عباده المفلحين. ثم بيّن تعالى ما هو مراد الشيطان من دعوته لنا إلى الخمر والميسر؟ ألا وهو إيقاع العداوة والبغضاء بيننا بذلك، وتحصيل الغفلة عن الله. فحيثما وجد الخمر كان العداء والشر، وحيثما وجد القمار- جدا أو هزلا- وجدت الشحناء. وإنّما يريد الله لحزبه أن يكونوا متحابّين، ومن ثمّ حرّمهما عليهم، وحيثما وجدت الخمرة والقمار كانت الغفلة عن الله، والله يريد منا أن نكون ذاكرين، ولذلك حرم علينا الخمرة والقمار، وحضّنا على الانتهاء عنهما بعد أن أظهر لنا الحكمة في التحريم، ثمّ بيّن الله- أنّ من آمن، وعمل صالحا، واتّقى وأحسن فليس عليه جناح فيما طعم من أنواع المباحات وما أكثرها، وأنه تعالى يحب المحسنين.
следующие страницы →