← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ملاحظة في السياق: يبدأ المقطع بآية تأمر بالإيمان بالله والرسول، وتأمر بالإنفاق، وتبين ما أعد الله للمؤمنين المنفقين، ثم يبدأ المقطع يناقش ويدعو، وسنعرض المقطع على أنه فقرتان: الفقرة الأولى منه تتألف من مقدمة ومجموعتين. الفقرة الأولى تفسير مقدمة الفقرة الأولى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: صدقوا بهما وَأَنْفِقُوا يدخل في ذلك الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قال النسفي: (يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها للاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيها في أيديكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به). فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالله ورسوله وَأَنْفِقُوا في سبيل الله لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ عند الله تعالى.

стр. 5462

كلمة في السياق: ١ - في مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بأنهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ووصفهم بأنهم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وهاهنا في سورة الحديد أمر بالإيمان بالله ورسوله، والأمر بالإيمان بهما أمر بالشهادتين، وهذا الذي كان يركز عليه رسول الله ﷺ ، إذ كان يدعو إلى الشهادتين ويعتبر هما رمز الدخول في الإسلام، وما ذلك إلا لأن الشهادتين يدخل في مضمونهما كل أركان الإيمان، فمن آمن بالله والرسول آمن بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله والرسل، ومن آمن بالرسول آمن بالوحي والكتب، ومن آمن بالله آمن بالقدر، لأن الإيمان بالقدر فرع الإيمان بالله، ومن آمن بالله والرسول آمن باليوم الآخر، ومن ثم ندرك أن الأمر بالإيمان بالله والرسول نوع تفصيل لموضوع الإيمان بالغيب، وأن يرافق الأمر بالإيمان بالله والرسول ﷺ الأمر بالإنفاق. فذلك يبين أهمية الإنفاق في دين الله ، وهو موضوع عرفت أهميته واقعيا بعد وفاة رسول الله ﷺ إذ ارتد من ارتد، وكان سبب ردة بعض هؤلاء إرادتهم النكوص عن الإنفاق. ٢ - رأينا أن الآية الأولى من المقطع أمرت بالإيمان بالله والرسول، ثم أمرت بالإنفاق والآن تأتي مجموعتان: مجموعة تحض على الإيمان بالله، ومجموعة تحض على الإنفاق. تفسير المجموعة الأولى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي: وأي عذر لكم في ترك الإيمان بالله وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ قال ابن كثير: أي: وأي شئ يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي: وقد أخذ الرسول ﷺ ميثاقكم بالبيعة، هكذا فسرها ابن كثير، وذهب مجاهد وهو الذي اعتمده ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: مصدقين قال النسفي: (أي: وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أو بما ركب فيكم من العقول، ومكنكم من النظر في الأدلة فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون إن كنتم مؤمنين لموجب ما؟ فإن هذا الموجب

стр. 5463

لا مزيد عليه). هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ أي: حججا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات يعني في هذا القرآن لِيُخْرِجَكُمْ الله أو رسوله ﷺ بدعوته بهذا القرآن مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الكفر والشك والحيرة إلى نور الإيمان واليقين، قال ابن كثير: أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: كثير الرأفة كثير الرحمة قال ابن كثير: أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه. كلمة في السياق: ١ - استدل عليهم للإيمان بالله بدعوة رسول الله ﷺ وما استقر في فطرهم، وبما أنزله على رسوله ﷺ من القرآن، فحال الرسول يدل على الله، والقرآن يدل على الله، وما ركب في الفطرة من بداهة الاعتراف بوجود الله يدل على الله، فكيف بعد ذلك كله يتأبى الإنسان عن الإيمان بالله!، وقد دللنا في سلسلة الأصول الثلاثة، على أن النظر العقلي في الكون يدل على الله، وعلى أن ظواهر القرآن تدل على الله، وعلى أن حال رسول الله ﷺ ، وما أظهر الله على يديه من المعجزات يدل على الله، وهذه المجموعة تذكر هذا كله هاهنا كأدلة توصل إلى الإيمان بالله، وفي معرض ذلك ذكرت قضية الإيمان برسول الله ﷺ كبديهية من البديهيات بسبب ما أنزل الله عليه من البينات. فالآية الأولى من المقطع أمرت بالإيمان بالله والرسول، وأمرت بالإنفاق، وجاءت المجموعة الأولى من الفقرة الأولى فحثت على الإيمان بالله، والآن ستأتي مجموعة ثانية تحث على الإنفاق ولم تأت مجموعة خاصة بالإيمان بالرسول؛ لأن المجموعة التي حثت على الإيمان بالله تحدثت ضمنا عما يوجب الإيمان بالرسول ﷺ . ٢ - تبدأ الآيات الأولى من سورة البقرة والتي هي محور سورة الحديد بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وقد جاء في المجموعة التي مرت معنا قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وفي ذلك تقرير لكون هذا القرآن منزلا من عند الله، وأنه منزه عن الريب، وأن فيه الهداية، وأنه يدل على الله. فصلة ما جاء في المجموعة الأولى من الفقرة الأولى بمحور السورة واضحة.

стр. 5464

٣ - ثم تأتي المجموعة الثانية في الفقرة الأولى من المقطع وفيها حث على الإنفاق، قال ابن كثير: (ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق، ثم حثهم على الإيمان وبين أنه قد أزال موانعه، حثهم على الإنفاق). تفسير المجموعة الثانية: وَما لَكُمْ في أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: في طريقه، أي: في طريق الجهاد لإعلاء دينه وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال النسفي: (أي: يرث كل شئ فيهما، لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله ﷺ ، والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله، ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أي: فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله، ودخول الناس في دين الله أفواجا، ومن أنفق من بعد الفتح بدلالة ما بعده عليه أُولئِكَ أي: الذين أنفقوا من قبل الفتح أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ أي: من بعد الفتح وَقاتَلُوا في سبيل الله وَكُلًّا أي: كل واحد من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: فيجازيكم على قدر أعمالكم. قال ابن كثير: (أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق)، ثم هيج الله على الإنفاق بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي: بطيب نفسه ومراده الإنفاق في سبيله قال النسفي: (واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء وقال عمر ابن الخطاب في الآية: هو الإنفاق في سبيل الله). أقول: وهو الذي يشهد له السياق قال ابن كثير: وقيل هو النفقة على العيال والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية فَيُضاعِفَهُ لَهُ أي: يعطيه أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة من فضله وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ قال النسفي: أي: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. وقال ابن كثير: أي: جزاء جميل، ورزق باهر وهو الجنة يوم القيامة، ثم بين الله متى يكون ذلك، وأنه يكون في اليوم الذي لا تقبل فيه فدية من كافر أو منافق، عندئذ يوفى

стр. 5465

هؤلاء المؤمنون أجرهم هذا أحوج ما يكونون إليه. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي: لهؤلاء المؤمنين المقرضين الله قرضا حسنا أجر كريم، يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ أي: يوم القيامة بحسب أعمالهم وفي الآية إشعار بأن هذا النور كان لهم جزاء إيمانهم، ومن السياق نعرف أن من أعمالهم التي استحقوا بها ذلك الإنفاق. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم ... ). قال النسفي: وإنما قال: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون، سعى بسعيهم ذلك النور، وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي: دخول جنات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وأي فوز أعظم من دخول الجنة، وكأن السياق يقول: أيها المؤمنون أنفقوا لتكونوا من هؤلاء ثم قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ أي: للمنفقين في سبيل الله أجر كريم، يوم يقول المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا أي: انتظرونا، لأن أهل الإيمان يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أي: انتظرونا لنلحق بكم فنستنير بنوركم قِيلَ أي: تقول لهم الملائكة أو المؤمنون طردا لهم وتهكما بهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ أي: إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فَالْتَمِسُوا نُوراً أي: فالتمسوا النور هنالك بتحصيل سببه وهو الإيمان وليسوا بقادرين فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ أي: بين المؤمنين والمنافقين بِسُورٍ أي: بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار قال النسفي: قيل هو الأعراف لَهُ بابٌ أي: لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه باطِنُهُ أي: باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: النور أو الجنة وَظاهِرُهُ أي: ما ظهر لأهل النار مِنْ قِبَلِهِ أي: من عنده وفي جهته الْعَذابُ أي: الظلمة أو النار يُنادُونَهُمْ أي: ينادي المنافقون المؤمنين أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي: في الدنيا؟ يريدون مرافقتهم في الظاهر وادعاءهم أنهم معهم بلسانهم قالُوا أي: المؤمنون بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: أحرقتموها بالنفاق وأهلكتموها وَتَرَبَّصْتُمْ أي: بالمؤمنين الدوائر وَارْتَبْتُمْ في التوحيد والقرآن والبعث وَغَرَّتْكُمُ

стр. 5466

الْأَمانِيُّ أي: الآمال والطمع في الجاه والدنيا حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي: الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي: الشيطان، أي: وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم، أو بأنه لا بعث ولا حساب فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ أيها المنافقون فِدْيَةٌ أي: ما يفتدى به وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: لا يؤخذ منهم فدية كذلك مَأْواكُمُ النَّارُ أي: هي مصيركم وإليها منقلبكم هِيَ مَوْلاكُمْ أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار. وكأن السياق يقول: يا أيها المؤمنون والمؤمنات أقرضوا الله بالإنفاق في سبيله، لتأخذوا نوركم، وتنجوا بأنفسكم، وتنالوا أجوركم يوم لا يقبل من كافر ولا منافق فدية. كلمة في السياق: ١ - دعت هذه المجموعة إلى الإنفاق في سبيل الله، وحضت عليه من خلال التذكير بأن لله ميراث السموات والأرض، ومن خلال التذكير بحال أهل الإيمان والكفر والنفاق يوم القيامة، ومن السياق عرفنا أن المنفقين في سبيل الله هم المؤمنون حقا، وأن النفاق والكفر يرافقهما البخل، ومن ثم عرفنا سر اقتران الأمر بالإيمان بالله ورسوله، مع الأمر بالإنفاق في سبيل الله في الآية الأولى من هذا المقطع. ٢ - من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ... نعلم أن الإيمان الصادق بالله والرسول يرافقهما إنفاق في سبيل الله وجهاد في سبيله. ٣ - ومن السياق عرفنا أن الإيمان يقابله الكفر والنفاق، وعرفنا من صفات المنافقين: أ- الافتتان أي: قبولهم الفتنة عن دين الله بفتنة الكافرين إياهم وارتياحهم لذلك. ب- والتربص بانتظار نتائج الصراع بين الكفر والإيمان، فهم لا يربطون مصيرهم بمصير أهل الإيمان ابتداء. ج- والارتياب، ومن محور السورة نعلم أن الكافرين يرتابون في وجود الله، وفي وجود اليوم الآخر، وفي القرآن. د- والاغترار بالأماني والتطلعات الدنيوية، وأن ذلك كله أثر من آثار تغرير الشيطان بهم، وهكذا عرفنا تفصيلات جديدة عن المنافقين، زائدة على التفصيلات التي ذكرتها مقدمة سورة البقرة. ٤ - مما ذكرته مقدمة سورة البقرة عن المنافقين: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ والملاحظ أن سورة الحديد ذكرت

стр. 5467

أن المنافقين ينادون المؤمنين ويذكرونهم بهذه المعية الكاذبة في الدنيا، كما ذكرت أنهم لا يستفيدون منها. ٥ - ثم تأتي فقرة جديدة نقدم لها بما يلي: في مقدمة سورة البقرة كلام عن الإيمان كركن في التقوى، وعن الإنفاق كركن في التقوى، ويقابل قضية الإيمان الكفر كرفض صريح للإيمان، والنفاق كرفض للإيمان مع ادعاء له، وسورة الحديد حتى نهاية المجموعة الثانية التي مرت معنا أمرت بالإيمان، وأمرت بالإنفاق كعلامة على الإيمان، وتحدثت عن النفاق والكفر ضمن سياق الأمر بالإيمان والإنفاق كما رأينا، وبذلك عرفنا تفصيلات عن ركنين في التقوى، وعما يقابل ذلك وكل ذلك قد مر معنا في الفقرة الأولى من المقطع، وها هي الفقرة الثانية تبدأ معاتبة من لم يخشع قلبه للقرآن، ولذلك صلة بقوله تعالى في المحور: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ثم تعود للكلام عن الرسل والكتب والقدر ولذلك صلته بقوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ كما تتحدث عن الإنفاق في سياق ذلك. إن سورة الحديد تفصيل جديد لمقدمة سورة البقرة: يبدأ من نقطة البداية؛ التعريف على الله الذي يستتبع إيمانا، وإنفاقا، وجهادا، واهتداء بكتاب الله، وبعدا عن الصوارف التي تصرف عن ذلك، فلنر الفقرة الثانية من المقطع ولنا عودة على السياق. الفقرة الثانية تفسير مقدمة الفقرة الثانية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي: ألم يحن للذين آمنوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ أي: القرآن وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أي: القرآن سماه ذكرا، ووصفه بالحق النازل من السماء لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء. قال ابن كثير: (يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه) وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ أي: من قبل القرآن كاليهود والنصارى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ أي: الأجل أو الزمان فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم يعد يؤثر فيها كتاب الله بسبب اتباعهم الشهوات. قال ابن كثير: (نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله

стр. 5468

الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد). وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي: في الأعمال، قلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة قال النسفي: (أي: خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين أي: وقليل منهم يؤمنون). قال الألوسي: (وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه إن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب، ولعله أراد رضي الله تعالى عنه أن الطراز الأول كان كذلك حتى قست قلوب كثير من الناس، ولم يتأسوا بالسابقين، وغرضه مدح أولئك القوم بما كان هو ونظراؤه عليه رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يكون قد أراد ما هو الظاهر، والكلام من باب هضم النفس كقوله رضي الله تعالى عنه: أقيلوني فلست بخيركم). كلمة في السياق: ١ - هذه الآية تكاد تكون مقدمة للفقرة الثانية في المقطع، وفيها تهييج على الخشوع للقرآن، والخضوع له، والاتعاظ فيه، والعمل به، وتحذير أن تكون هذه الأمة كالأمم السابقة فيما وقعت فيه من قسوة القلب والفسوق عن أمر الله ، وصلة ذلك بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة، فبعد التفصيل في قضيتي الإيمان والإنفاق جاء التفصيل لموضوع اتباع الكتاب، والاتباع هو النتيجة التلقائية للإيمان وبقية أركان التقوى. ٢ - بعد هذه المقدمة للفقرة الثانية تأتي الآن مجموعات سنرى محلها في سياق السورة، وصلتها بمحور السورة، وقبل أن نعرض المجموعة الأولى من الفقرة الثانية فلنلخص ما مر معنا من السورة. بدأت السورة بالتعريف على الله ، ثم أمرت بالإيمان به وبرسوله، وبالإنفاق في سبيله، وذكرت بكل ما يساعد على ذلك ويحققه، ثم أمرت بالخشوع للقرآن، ونهت عن قسوة القلب والفسوق عن أمر الله، ثم تأتي مجموعات تأمر بما يحقق هذا الخشوع، وبما يزيل قسوة القلب، وبما يبعد عن الفسوق، وذلك بعد

стр. 5469

الآية الأولى في الفقرة، الآية التي رفعت القلب البشري إلى أعلى درجات الاستعداد للتلقي والتذكر والاتعاظ. تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فهو وحده المحيي، وعليكم أن تعلموا ذلك، وأن تتذكروه قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قال النسفي: قيل هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض، وقال ابن كثير: (فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال). أقول: إن التذكير بهذا المعنى بعد الآية الأولى يشير إلى أن الإنسان عليه ألا ييأس إن كان قلبه قاسيا وكان فاسقا، بل يقبل على الله، والله يحيي قلبه، وفي الآية توجيه للدعاة إلى الله أن يذكروا، والله يحيي موات القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها، وبعد أن ذكر الله بهذه الحقيقة أعاد التذكير بموضوع الإنفاق، وموضوع الإيمان بالله ورسله مما يشير إلى أهمية هذه الأمور ابتداء وانتهاء، ومحلها في قضية الاهتداء بكتاب الله والخشوع له، ومحلها في قضية إحياء القلوب إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ أي: المتصدقين وَالْمُصَّدِّقاتِ أي: المتصدقات وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً. قال ابن كثير: أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورا. وقال النسفي: (والقرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة). يُضاعَفُ لَهُمْ قال ابن كثير: أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ قال ابن كثير: أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح، ومآب كريم. قال النسفي: أي: الجنة. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال النسفي: يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في

стр. 5470

سبيل الله. لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ قال ابن كثير: (أي: لهم عند الله أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقتل، فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا» ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله ﷺ أو قلنسوة عمر «والثاني مؤمن لقي العدو فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح جاءه سهم غرب فقتله، فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة» وهكذا رواه علي بن المديني عن أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن ابن لهيعة، وقال هذا إسناد مصري صالح، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال حسن غريب). وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي: بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي: النار. قال ابن كثير: لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم. أقول: لما ذكر المؤمنين بالله ورسله، والمتصدقين في سبيله في سياق الخشوع لكتابه، ذكر حال المكذبين بهذا القرآن، الكافرين به يوم القيامة. ... كلمة في السياق: بدأت المجموعة بالأمر اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وجاء بعد هذه الآية وقبلها ما أشعر بأن المراد بالآية حياة القلوب، حتى إذا أخذ هذا المعنى مداه تأتي آيات مبدوءة بالأمر (اعلموا) هي تتمة المجموعة لتبني على ما مر فتذكرنا بالآخرة، وذلك هو الدواء لقسوة القلب. ... اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ قال النسفي: كلعب الصبيان وَلَهْوٌ قال النسفي: كلهو الفتيان وَزِينَةٌ قال النسفي: كزينة النسوان وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ قال النسفي: كتفاخر الأقران وَتَكاثُرٌ قال النسفي: كتكاثر الدهقان فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أي: مباهاة بهما. قال ابن كثير: أي: إن حاصل أمرها عند

стр. 5471

أهلها هذا. أقول: إن هذه المعاني كلها من الدنيا التي رغب الله عنها وزهد فيها كَمَثَلِ غَيْثٍ وهو المطر أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي: الزراع نَباتُهُ قال ابن كثير: أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار؛ فإنهم أحرص شئ عليها وأميل الناس إليها ثُمَّ يَهِيجُ أي: هذا النابت بالغيث فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً أي: متفتتا. قال ابن كثير: (أي: يصير يبسا متحطما، هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزا شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره، وعنفوان شبابه غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه، ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشئ اليسير). وقال النسفي: (شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما؛ عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين). قال ابن كثير: ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ للكفار وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ للمؤمنين. قال النسفي: (يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور، وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ أي: لمن ركن إليها واعتمد عليها. قال ابن كثير: (أي: هي متاع فان غار لمن ركن إليه؛ فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها)، وهكذا عرفنا الله على حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، مع إقامة الدليل على مجئ اليوم الآخر، وإذ استقرت تفاهة الدنيا بالنسبة للآخرة يأتي الآن الأمر بالمسابقة إلى الآخرة. قال النسفي: ولما حقر الدنيا وصغر أمرها، وعظم أمر الآخرة، بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة يقول: سابِقُوا أي: بالأعمال الصالحة أو سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال ابن كثير: حث الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عن الذنوب والزلات، وتحصل الثواب والدرجات وَجَنَّةٍ

стр. 5472

عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي: كعرض السموات كلها والأرض، ولنا عودة على هذا المعنى في الفوائد. قال النسفي: وذكر العرض دون الطول؛ لأن كل ماله عرض وطول؛ فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط، أو أريد بالعرض البسطة أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: هيأت لهم. قال النسفي: وهذا دليل على أنها مخلوقة أي: موجودة الآن فمن يدعي أنها ستخلق بعد فهو مخطئ بنص الآية ذلِكَ أي: الموعود من المغفرة والجنة فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وهم المؤمنون. قال النسفي: وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال ابن كثير: أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم ... وبهذا انتهت المجموعة الأولى من الفقرة الثانية. كلمة في السياق: ١ - يلاحظ أن موضوع الإيمان بالله ورسله تكرر الحديث عنه في هذه المجموعة مرتين ثناء عليهم وتبيانا لما أعد الله لهم، وذلك في سياق الأمر بالخشوع، كما ذكر موضوع الإنفاق في هذه المجموعة بالحث عليه وعلى المسارعة فيه، وهكذا نجد تركيزا على الإيمان بالله والرسول في المقطع سواء في ذلك فقرته الأولى أو الثانية. ٢ - يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بالحديث عن الخشوع للقرآن؛ والإيمان به من أركان الإيمان، ثم وصلت للحديث عن الآخرة؛ والإيمان بها ركن من أركان الإيمان، وها هي أوصلتنا إلى المجموعة الثانية التي تبدأ بالحديث عن القدر؛ وهو ركن من أركان الإيمان كذلك. تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الثانية: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ من الجدب وآفات الزروع والثمار وغير ذلك وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد إِلَّا فِي كِتابٍ أي: في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها أي: من قبل أن تخلق الأنفس. قال النسفي: بين أن كل شئ كائن بقضاء الله وقدره، وقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية). إِنَّ ذلِكَ أي: إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وإن كان عسيرا على العباد. قال

стр. 5473

ابن كثير: أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله ، لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال النسفي: ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله لِكَيْلا تَأْسَوْا أي: تحزنوا حزنا يطغيكم عَلى ما فاتَكُمْ أي: من الدنيا وسعتها، أو من العافية وصحتها، أو من كل شئ ترغبون في وجوده وتودون عدم فوته وَلا تَفْرَحُوا فرح المختال الفخور بِما آتاكُمْ أي: بما أعطاكم. قال ابن كثير: (أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشرا وبطرا، تفخرون بها على الناس)، وقال ابن كثير في الآية: (أي: أعلمناكم بتقدم علمنا، وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم). قال النسفي: (وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكرا، والحزن صبرا، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر) وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ في نفسه فَخُورٍ علي غيره، قال النسفي: لأن من فرح بحظه من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به، وتكبر على الناس، وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا، والحزن صبرا ثم وصف الله المختالين الفخورين بصفة هي أثر عن الاختيال والفخر فقال: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي: ويحضون غيرهم على البخل، ويرغبونهم في الإمساك، دل هذا على أن الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له، وعزته عندهم، يزورون عن حقوق الله ويبخلون به، ويبخلون غيرهم كذلك وَمَنْ يَتَوَلَّ قال النسفي: ومن يعرض عن الإنفاق، أو عن أوامر الله ونواهيه، ولم ينته عما نهي عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن جميع المخلوقات الْحَمِيدُ في أفعاله. كلمة في السياق: ما صلة هذه المجموعة في السياق؟. ١ - إن الإيمان بالقضاء والقدر هو علاج الاختيال والفخر اللذين ينشأ عنهما البخل والتبخيل، وترك الإنفاق في سبيل الله، ولذلك صلته بسياق السورة التي

стр. 5474

تتحدث عن الإنفاق. ٢ - بعد أن عرض الله علينا في المجموعة الأولى من هذه الفقرة حقيقة الدنيا والآخرة، وأمرنا بالمسابقة إلى الآخرة علمنا من خلال عرض موضوع القضاء والقدر كيف ينبغي أن يكون موقفنا من الدنيا عند ما تأتينا أو تفوتنا، ولذلك صلته بسياق السورة. ٣ - وموضوع القضاء والقدر له صلته بموضوع الإيمان بالغيب، وهو أحد مواضيع مقدمة سورة البقرة. ٤ - وقبل الانتقال إلى المجموعة الثالثة في الفقرة الثانية، فلنلخص ما مر معنا من هذه الفقرة: بدأت الفقرة بالتهييج على الخشوع للقرآن، والتحذير من قسوة القلب والفسوق، ثم تحدثت الفقرة عن أمور كلها أساسية للتحقق بالخشوع، والخلاص من الفسوق وقسوة القلب: من معرفة بالله، وإيمان به وبرسوله، ومن إنفاق، ومن معرفة للدنيا على حقيقتها، ومعرفة للآخرة على حقيقتها، ومن إيمان بالقدر، فإذا استقرت هذه المعاني فإن آية تأتي تتحدث عن أصل الحكمة في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وصلة ذلك ببداية الفقرة واضحة، ثم تأتي آيتان تتحدثان عن موقف أمتين من الوحي المنزل عليهم ممن حذرنا الله أن تقسو قلوبنا ونفسق، كما قست قلوبهم وفسقوا، وصلة ذلك ببداية الفقرة واضحة، فالمجموعة الثالثة ترتبط ارتباطا مباشرا ببداية الفقرة الثانية: تفسير المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا قال النسفي: يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات والحجج الباهرات والدلائل القاطعات وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ أي: الوحي قال النسفي: وقيل الرسل الأنبياء والأول أولى لقوله (معهم) لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب. أقول: وذكر ابن كثير أن المراد بالرسل هاهنا الملائكة ولم يذكر غيره، وفسر الكتاب بالنقل الصدق عن الله، وفسر الميزان بالعدل، والذي أرجحه أن المراد بالرسل الرسل البشر، وأن المراد بالميزان ما توزن به الأشياء، فالكتاب لإقامة العدل في التصورات والشعائر والشرائع، والميزان لإقامة العدل في الأشياء التي تكال وتوزن وتقاس ... ومن ثم قال تعالى: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ قال

стр. 5475

ابن كثير: (أي: بالحق والعدل وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا به فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق كما قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا أي: صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوءوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) فهذه هي حكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وفي ذلك درس من دروس وجوب الخشوع للقرآن الذي تحدثت عنه بداية المجموعة ثم قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أي: خلقناه فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ إذا قوتل به، قال ابن كثير: يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها. أقول: والدبابات والبوارج والقنابل والصواريخ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أي: في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، قال ابن كثير: (أي: في معايشهم كالسكينة والفأس والقدوم والمنشار والإزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك) وكالسيارات والطيارات والقطارات وسكك الحديد وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ قال النسفي: باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بِالْغَيْبِ أي: غائبا عنهم إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته عَزِيزٌ يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته، قال ابن كثير: أي: هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض. ... كلمة في السياق: ١ - ما المناسبة بين الأشياء التي ذكرت في الآية: الكتاب والميزان والحديد؟ قال النسفي: (والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة أن الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية، يبين سبل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن البغي والطغيان، واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل، ويحصل بها التساوي والتعادل، وهي الميزان. ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية، إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعند، ونزع عن صفقة

стр. 5476

الجماعة اليد، وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد). ٢ - للآية التي مرت معنا أخيرا صلة بالآية الأولى من الفقرة الثانية، فهذه الآية بينت أن الحكمة في إنزال الكتب إقامة العدل بين الناس، ومن ثم فإن على الأمة أن تخشع لكتاب الله، ولا تقسو قلوبها، وفي ذكر الحديد في الآية بيان لوجوب نصرة الله ورسوله بالقتال كلما حدث انحراف عن أمر الله، كما يجب القتال أصلا لنصرة شرع الله. ٣ - وأما محل الآية في سياق السورة العام وصلتها بالمحور؛ فمن حيث إن الآية تحدثت عن الكتب والرسل، ونصرة الله بالغيب، ولذلك صلته بقوله تعالى عن القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ كما أن له صلة بقوله تعالى من سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فمن آثار الإيمان بالغيب استعمال السلاح لنصرة الله ورسوله، ولقد جاء في الفقرة الأولى من سورة الحديد: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ وفي هذه الفقرة يذكر الحديد وتذكر الحكمة في خلقه، وهي أن ينصر المسلمون دين الله، فما أشد تقصير المسلمين إذ أصبحت صناعة السلاح بيد غيرهم. ٤ - وفي نصرة الله ورسوله بالسلاح- في سياق السورة التي ركزت على الإيمان والإنفاق- إشارة إلى أن على المسلمين أن ينفقوا من أجل صناعة السلاح وتأمين السلاح. وتعليقا على هذه الآية أقول: واضح من الآية أن الله خلق الحديد ليضع بيد أوليائه السلاح لينصروه، وينصروا رسله وشريعته، فما أشد غفلة المسلمين عند ما يكونون أقل الخلق استعمالا للسلاح، وتملكا له وبحثا عنه على مستوى دولهم وأفرادهم. أليس عجيبا ألا نجد الآن في العالم الإسلامي مصانع سلاح إلا قليلا، في الوقت الذي وصلت فيه الدول الكافرة إلى تملك أنواع من الأسلحة كافية لتدمير العالم مرات ومرات. ولنعد إلى عرض تتمة المجموعة الثالثة. ...

стр. 5477

تتمة تفسير المجموعة الثالثة: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ قال النسفي: خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء ﵈ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا أي: في أولادهما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أي: الوحي فَمِنْهُمْ أي: فمن الذرية أو المرسل إليهم بدليل ذكر الإرسال والمرسلين مُهْتَدٍ أي: فمنهم من اهتدى باتباع الرسل وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي: خارجون عن الطاعة ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ أي: على آثار نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بِرُسُلِنا اللاحقين لهم وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي: وأتبعنا بعيسى ابن مريم وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهم الحواريون ومن على سنتهم رَأْفَةً أي: رقة وهي الخشية وَرَحْمَةً أي: بالخلق أو مودة ولينا وتعطفا بإخوانهم وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها أي: ابتدعتها أمة النصارى، قال النسفي: هي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة ... وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها أي: أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ أي: لم نفرضها نحن عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ قال النسفي: أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وذكر ابن كثير قولا آخر في معناها: ما كتبنا عليهم ذلك (أي: الرهبانية) إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها قال النسفي: كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه، قال ابن كثير: (أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ أي: أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى ﵇، أو الذين آمنوا بمحمد ﷺ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي: خارجون عن أمر الله . ... كلمة في السياق: يلاحظ أن الآية الأولى في هذه الفقرة وهي آية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... قد

стр. 5478

انتهت بقوله تعالى: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ وأن الآيتين الأخيرتين كل منهما انتهت بقوله تعالى: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ مما يشير إلى أن الله أعطانا نموذجين على انحراف في الناس، الأول بعد نوح وإبراهيم ﵉، والثاني في أتباع عيسى، وكل ذلك لنجتنب مثل هذا الانحراف، ومن الانحراف الذي رأيناه في أتباع عيسى ابتداعهم الرهبانية، وعدم قيامهم بما ألزموا أنفسهم به، وفسوقهم عن أمر الله، وكل ذلك مما ينبغي اجتنابه. وبهذا ينتهي الكلام عن المقطع، وقد رأينا أثناء عرضه سياقه الخاص، ومحل كل آية وفقرة في سياق السورة العام، وصلة ذلك بالمحور، ولم يبق عندنا في السورة إلا آيتان هما خاتمة السورة. ***

стр. 5479

خاتمة السورة وتشمل الآيتين (٢٨) و (٢٩) وهاتان هما: [سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٨ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ باتباع كتابه، والإيمان به، والصلاة له، والإنفاق في سبيله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ﷺ بالتصديق وبالالتزام بسنته وبالقيام لنصرته يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي: ضعفين مِنْ رَحْمَتِهِ قال النسفي: لإيمانكم بمحمد ﷺ ، وإيمانكم بمن قبله، قال ابن كثير: وزادهم وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ قال ابن كثير: يعني هدى يتبصر به من العمى والجهالة وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي: ذنوبكم ففضلت هذه الأمة على غيرها بالتضعيف والنور والمغفرة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فاتقوه وآمنوا برسوله لتنالوا مغفرته ورحمته لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أي: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يسلموا أَلَّا يَقْدِرُونَ أي: أنه لا يقدرون عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال ابن كثير: أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله ولا إعطاء ما منع الله وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ أي: وليعلموا أن الفضل بيد الله أي: هو مالكه والمتصرف فيه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الذي لا يقدره أحد حق قدره. أقول: هذه الآية من الآيات التي يغيب معناها عن كثير من الناس فليلاحظ ما يلي: إن اليهود من أهل الكتاب يرون فضل الله وقفا على موسى ولم يتعده إلى غيره، فيعطى مثل ما أعطي وأنه وقف عليهم، فلم تعط أمة مثل ما أعطوا، كما أن النصارى

стр. 5480

من أهل الكتاب يرون فضل الله وقف عند عيسى فلم يتعده إلى غيره من بعده لمحمد ﷺ فيعطى مثل ما أعطي، وأن فضل الله وقف عليهم فلم تعط أمة مثل ما أعطوا، ومن ثم أمر الله هذه الأمة بتقواه والإيمان برسوله ﷺ ليعلم هؤلاء جميعا أنهم لا يستطيعون حصر فضل الله، وأنهم عاجزون عن نيله، وأن الله مطلق المشيئة، يؤتي فضله من يشاء، وكل ذلك يكون من خلال تقوى هذه الأمة وإيمانها برسولها، فإن أفراد هذه الأمة إذا كانوا متقين مؤمنين، فإنهم بسلوكهم العملي يعرفون أهل الكتاب على هذه الحقيقة، هذا إذا كان تقدير الكلام يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله ... أما إذا كان التقدير يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ... لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فإن المعنى يكون: إن الله أعطاكم هذا ليعلم أهل الكتاب الكفرة يوم القيامة أنهم عاجزون عن نيل شئ من فضل الله، وأن الفضل بيده يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ .... ... كلمة في السياق: ١ - جاءت هاتان الآيتان بعد ما ذكر الله موقف أمم سابقة من الهدى الذي أنزل عليها، فجاءتا لتهيجا المسلمين على التقوى والإيمان، ولتحولا بين المسلمين وبين الفسوق، ولذلك صلته بما جاء قبلهما مباشرة. ٢ - نلاحظ أن المقطع الوحيد في السورة بدأ بالأمر بالإيمان بالله ورسوله ﷺ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... وبعد أن انتهى المقطع جاءت هاتان الآيتان آمرة بتقوى الله، والإيمان برسوله ﷺ تأكيدا لما بدأ به المقطع. ٣ - وبانتهاء السورة نلاحظ أن السورة بدأت بالتعريف على الله وأسمائه وأفعاله، ثم أمرت بالإيمان به وبرسوله، وبالإنفاق في سبيله، ثم أمرت بالخشوع للقرآن، وحذرت من قسوة القلب والفسوق، ثم ختمت السورة بالأمر بتقوى الله والإيمان برسوله، وجاء خلال ذلك ما يخدم هذه المعاني، وكان حصيلة ذلك كله تفصيلا لقضايا من الإيمان بالغيب، والإنفاق في سبيل الله، والاهتداء بكتاب الله، وما يقابل ذلك من كفر ونفاق وفسوق، وفي ذلك تفصيل لمقدمة سورة البقرة.

стр. 5481

فوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال الألوسي: (قال الجمهور: المراد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال، كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ولسان الحال، كتسبيح غيرهم، فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود، المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وذهب البعض إلى أن التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع وهو مبني على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما يليق بكل). وقال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية: (هكذا ينطلق النص القرآني الكريم في مفتتح السورة؛ فتتجاوب أرجاء الوجود كله بالتسبيح لله. ويهيم كل شئ في السماوات والأرض، فيسمعه كل قلب مفتوح غير محجوب بأحجبة الفناء. ولا حاجة لتأويل النص عن ظاهر مدلوله. فالله يقول. ونحن لا نعلم شيئا عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا الله عنه ... ف سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تعني سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... ولا تأويل ولا تعديل! ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السماوات والأرض له روح، يتوجه بها إلى خالقه بالتسبيح. وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ما وردت به الآثار الصحيحة، كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها، واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها. وقد جاء في القرآن الكريم: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ... فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود! وجاء في الأثر: أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت. إني لأعرفه الآن» ... وروى الترمذي- بإسناده- عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- قال: كنت مع رسول الله ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: «السلام عليك يا رسول الله» ... وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك قال: «خطب رسول الله- ﷺ إلى لزق جذع. فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة، فنزل الرسول فمسحه، فسكن».

стр. 5482

وآيات القرآن كثيرة وصريحة في تقرير هذه الحقيقة الكونية: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ... أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... ولا داعي لتأويل هذه النصوص الصريحة لتوافق مقررات سابقة لنا عن طبائع الأشياء غير مستمدة من هذا القرآن. فكل مقرراتنا عن الوجود وكل تصوراتنا عن الكون ينبغي أن تنبع أولا من مقررات خالق هذا الكون ومبدع هذا الوجود). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قال الألوسي: (أخرج مسلم، والترمذي، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تسأله خادما فقال لها: «قولي: اللهم رب السموات السبع ورب العرش الكريم العظيم، ربنا ورب كل شئ، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شئ أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شئ، وأنت الآخر فليس بعدك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شئ، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر» وقال الطيبي: المعنى بالظاهر في التفسير النبوي الغالب الذي يغلب ولا يغلب؛ فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء، إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن من لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجئ إليه ملتجئ، وبحث فيه بجواز أن يكون المراد أنت الظاهر فليس فوقك شئ في الظهور، أي: أنت أظهر من كل شئ، إذ ظهور كل شئ بك، وأنت الباطن فليس دونك في البطون شئ، أي: أنت أبطن من كل شئ إذ كل شئ يعلم حقيقته غيره، وأنت لا يعلم حقيقتك غيرك، أو لأن كل شئ يمكن معرفة حقيقته وأنت لا يمكن أصلا معرفة حقيقتك، وأيضا في دلالة الباطن على ما قال خفاء جدا، على أنه لو كان الأمر كما ذكر ما عدل عنه أجلة العلماء فإن الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية الإمام أحمد، وأبي داود، وابن ماجه. وهذه الآية ينبغي لمن وجد في نفسه وسوسة فيما يتعلق بالله تعالى أن يقرأها، فقد أخرج أبو داود عن أبي زميل أن ابن عباس قال له- وقد أعلمه أن عنده وسوسة في ذلك-: «إذا وجدت في نفسك شيئا فقل هو الأول» الآية.

стр. 5483

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا يزال الناس يسألون عن كل شئ حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شئ فماذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قال ابن كثير: (أي: رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وقال تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ فلا إله غيره ولا رب سواه. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي ... عن عبد الرحمن بن عامر قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: زودني حكمة أعيش بها. فقال: «استح الله كما تستحي رجلا من صالحي عشيرتك لا يفارقك» هذا حديث غريب. وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن علوية العامري مرفوعا: «ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان: إن عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة به نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الرذية ولا الشرطة اللئيمة ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه» وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: «يعلم أن الله معه حيث كان». وروى نعيم بن حماد ﵀ ... عن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» غريب. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ قال ابن كثير: (وقد روينا في الحديث من طرق أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟» قالوا: الملائكة، قال:

стр. 5484

«وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» قالوا: فالأنبياء، قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي عليهم؟» قالوا: فنحن، قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها»). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا قال ابن كثير: (والجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما رواه الإمام أحمد ... عن أنس قال: كان بين خالد ابن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: «دعوا لي أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم» ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك، والذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قال ابن كثير: (يعنى المنفقين قبل الفتح وبعده كلهم لهم ثواب على ما عملوا وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما قال تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى * وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً وهكذا الحديث الذي في الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر؛ فيتوهم عندهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول

стр. 5485

وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث: «سبق درهم مائة ألف» ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر ﵁ له الحظ الأوفر من هذه الآية فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم ... عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله قال: فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها قال: فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضته ربي ، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح ونقلت منه متاعها وصبيانها وإن رسول الله ﷺ قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» وفي لفظ: «رب نخلة مدلاة، عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة»). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ قال ابن كثير: (كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «من المؤمنين من يضئ نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من يضئ نوره موضع قدميه». وقال سفيان الثوري عن حصين عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك وقرأ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وقال الضحاك: ليس أحد لا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وقال الحسن: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني على الصراط، وقد روى

стр. 5486

ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى ... عن سعيد بن مسعود أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي ﷺ قال: «أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم» فقال له رجل: يا نبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ فقال: «أعرفهم محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم»). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قال ابن كثير: (وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله به وترك ما عنه زجر. روى ابن أبي حاتم بسنده عن سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا- يشير إلى القبر- بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ فلا يستضئ الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضئ الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ الآية إلا أنه يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن، ثم روى ابن أبي حاتم أيضا- بسنده- عن أبي أمامة

стр. 5487

قال يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نورا فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فإنا كنا معكم في الدنيا، قال المؤمنون ارْجِعُوا وَراءَكُمْ من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور، وروى أبو القاسم الطبراني ... عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورا، وكل منافق نورا فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات فقال المنافقون: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وقال المؤمنون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ قال ابن كثير: (عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الآية إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية. وقد رواه ابن ماجه بسنده عن أبي حازم عن عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه مثله فجعله من مسند ابن الزبير لكن رواه البزار في مسنده ... عن ابن مسعود فذكره وقال سفيان الثوري عن المسعودي عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ قال: ثم ملوا فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وقال قتادة: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله ﷺ قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع»). ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ قال ابن كثير: (وروى أبو جعفر الطبري عن إبراهيم

стр. 5488

قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا نعرض على بني إسرائيل هذا الكتاب فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له أتؤمن بهذا؟ قال آمنت به ويومئ إلى القرن بين ثندوتيه، وما لي لا أومن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن). أقول: لعل الكتاب الذي ذكره ابن مسعود هو التلمود وفيه الطامات الفظيعة، وهذا إذا كان المراد ببني إسرائيل اليهود، أما إذا كان المراد النصارى لأن الحواريين من بني إسرائيل وعامة من آمن بعيسى في حياته منهم، فقد يكون المراد بالكتاب ما استقرت عليه الكنيسة من باطل في زمن قسطنطين. ١٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال الألوسي: (أي أولئك هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسله عليهم الصلاة والسلام والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية، وسائر صفات الكمال، ولهم بما يليق بهم من ذلك، لهم الأجر والنور الموعودان لهم، وقال بعضهم: وصفهم بالشهادة لكونهم شهداء على الناس كما نطق به قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فعند ربهم متعلق بالشهداء، والمراد الشهداء على الناس يوم القيامة، وجوز تعلقه بالشهداء أيضا على الوجه الأول على معنى الذين شهدوا مزيد الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة، أو في حظيرة رحمته أو نحو ذلك، ويشهد لكون الشهداء معطوفا على الصديقين آثار كثيرة. أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مؤمني أمتي شهداء، ثم تلا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ»، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال يوما لقوم عنده: كلكم صديق وشهيد قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اقرءوا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الآية، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا الآية،

стр. 5489

وأخرج عبد بن حميد نحوه عن عمرو بن ميمون، وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: «من الصديقين والشهداء». وينبغي أن يحمل الذين آمنوا على من لهم كمال في ذلك يعتد به، ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتد بها، وإلا فيبعد أن يكون المؤمن المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقا شهيدا، ويستأنس لذلك بما جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه: ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه؟ قالوا: نخاف لسانه قال: ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء، قال ابن الأثير: أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها، وكذا بقوله ﵊: اللعانون لا يكونون شهداء بناء على أحد قولين فيه. وفي بعض الأخبار ما ظاهره إرادة طائفة خواص المؤمنين. أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من فر بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه، كتب عند الله صديقا، فإذا مات قبضه الله شهيدا، وتلا هذه الآية وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ- ثم قال- هذه فيهم، ثم قال: والفرارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة» ويجوز أن يراد من قوله: «هذه فيهم» أنها صادقة عليهم وهم داخلون فيها دخولا أوليا، ويقال: في قوله ﵊: «مع عيسى في درجته» المراد معه في مثل درجته وتوجه المماثلة بما مر، والخبر إذا صح يؤيد الوجه الأول في الآية. وروي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام، وهم أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلي. وحمزة. وطلحة. والزبير. وسعد. وزيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا لا يضر في العموم كما لا يخفى). ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ قال ابن كثير: (وروى ابن جرير ... عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم. وروى الإمام أحمد ... عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 5490

«للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك» انفرد بإخراجه البخاري في الرقائق من حديث الثوري عن الأعمش به. ففي الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان). ١٤ - بمناسبة قوله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أقول: دأب الباطنيون على السؤال عن هذه الآية وعن أختها في سورة آل عمران يتساءلون إذا كان هذا سعة الجنة فأين النار؟ يطرحون هذا السؤال طرح تعجيز، يتصورون أنه لا يستطيع أحد الجواب على هذا السؤال، للوصول إلى التأويل الباطني الذي يزعمون أن أئمتهم مختصون به، مع أن الجواب في غاية البساطة، فالجنة فوق السماء السابعة على القول الصحيح فإذا اعتبرنا عرض السماء والأرض هو قطر السماء والأرض فلا شك أن محيط الدائرة أكبر من قطرها، وإذا كانت الجنة فوق السماء السابعة فهل معنى هذا أنه لم يبق فراغ توجد فيه النار!. ١٥ - بمناسبة قوله تعالى عن الجنة: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال ابن كثير: (أي: هذا الذي أهلهم الله له هو من فضله ومنه عليهم، وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال: «وما ذاك؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال: «أفلا أدلكم على شئ إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين» قال فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله ﷺ : «هذا فضل الله يؤتيه من يشاء»). ١٦ - بمناسبة قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ قال ابن كثير: (وهذه الآية الكريمة العظيمة أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق- قبحهم الله- وروى الإمام أحمد عن أبي هانئ الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» ورواه مسلم في صحيحه، وزاد ابن وهب- وهو من رجال سنده-: «وكان عرشه على الماء» ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح).

стр. 5491

١٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ قال ابن كثير: (أي: وجعلنا الحديد رادعا لمن أبي الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ولهذا أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود ... عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم»). ١٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: (وقد روى ابن أبي حاتم ... عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا ابن مسعود» قلت لبيك يا رسول الله قال: «هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، فرقة قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇ فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة، فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ». وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي ... عن سهل بن أبي أمامة دخل هو وأبوه على أنس ابن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شئ تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» ثم غدوا من الغد فقالوا نركب فننظر ونعتبر قال: نعم فركبوا جميعا فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا خاوية

стр. 5492

على عروشها فقالوا: أتعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل الديار أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه والعين تزني، والكف والقدم والجسد واللسان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. وروى الإمام أحمد ... عن أنس بن مالك أن النبي ﵌ قال: «لكل نبي رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله » ورواه الحافظ أبو يعلى ... ولفظه: «لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله». وروى الإمام أحمد ... عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شئ، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض. تفرد به أحمد والله تعالى أعلم. ١٩ - عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ... قال ابن كثير: (وقال سعيد بن جبير لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى عليه هذه الآية في حق هذه الأمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ أي ضعفين مِنْ رَحْمَتِهِ وزادهم وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني هدى يتبصر به من العمى والجهالة ويغفر لكم، ففضلهم بالنور، والمغفرة، ورواه ابن جرير عنه. وروى البخاري ... عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استعمل قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار يسير فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم؛ فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور» انفرد به البخاري.

стр. 5493

كلمة أخيرة في سورة الحديد: فصلت سورة الحديد في العشرين آية الأولى من سورة البقرة، فذكرت دوافع النفاق، وأسباب الكفر والفسوق، وذكرت بعض معالم الإيمان بالغيب، وما يقتضيه الإيمان بالغيب من آثار، وذكرت محل الإنفاق في سبيل الله، والدوافع التي تدفع إليه وعلمتنا كيف نتفاعل مع كتاب الله، وعرفتنا على أن أصل الأصول الإيمان بالله والرسول، وعرفنا من السورة لم كان الرسول ﷺ يركز على الشهادتين كبداية لكل شئ، وهكذا وجدنا تفصيلا جديدا لبعض معاني مقدمة سورة البقرة بشكل جديد، وعرض جديد، وسياق خاص، وتأتي الآن سورة المجادلة لتفصل في ما بعد مقدمة سورة البقرة وبشكل يكمل المعاني التي تعرضت لها سورة الحديد. ***

стр. 5494

سورة المجادلة وهي السورة الثامنة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية والأخيرة من المجموعة الثانية من قسم المفصل، وهي اثنتان وعشرون آية وهي مدنية

стр. 5495

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5496

بين يدي سورة المجادلة: قال الألوسي ﵀ بين يدي هذه السورة: (بفتح الدال وكسرها، والثاني هو المعروف، وتسمى سورة (قد سمع) وسميت في مصحف أبي رضي الله تعالى عنه الظهار، وهي على ما روي عن ابن عباس. وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم مدنية؛ قال الكلبي، وابن السائب: إلا قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وعن عطاء: العشر الأول منها مدني وباقيها مكي، وقد انعكس ذلك على البيضاوي، وأنها إحدى وعشرون في المكي والمدني الأخير، واثنتان وعشرون في الباقي، وفي التيسير هي عشرون وأربع آيات وهو خلاف المعروف في كتاب العدد. ووجه مناسبتها لما قبلها أن الأولى ختمت بفضل الله تعالى وافتتحت هذه بما هو من ذلك، وقال بعض الأجلة في ذلك: لما كان في مطلع الأولى ذكر صفاته تعالى الجليلة، ومنها الظاهر والباطن، وقال سبحانه: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ افتتح هذه بذكر أنه جل وعلا سمع قول المجادلة التي شكت إليه تعالى، ولهذا قالت عائشة فيما رواه النسائي، وابن ماجه، والبخاري تعليقا حين نزلت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ» الخ، وذكر سبحانه بعد ذلك أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ الآية، وهي تفصيل لإجمال قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين سورتي الحديد والحشر، مع تواخيهما في الافتتاح- بسبح- إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل). ومن تقديم صاحب الظلال ﵀ لسورة المجادلة نقتطف ما يلي: (وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة؛ وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه، ويشعرها برعايته، ويبني في ضميرها الشعور الحي بوجوده- سبحانه- معها في أخص خصائصها، وأصغر شئونها، وأخفى طواياها؛ وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره؛ وأخذها في حماه وكنفه، وضمها إلى لوائه وظله؛ وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله، وتنتسب إليه، وتؤلف حزبه في الأرض، وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعا).

стр. 5497

كلمة في سورة المجادلة ومحورها: يلاحظ أن هناك تشابها قويا بين سورة المجادلة وسورة المائدة؛ تبدأ سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود، وتبدأ سورة المجادلة بالكلام عن طريق خاطئ لفك عقد الزواج، وفي سورة المائدة نجد قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وفي سورة المجادلة نجد قوله تعالى: فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وفي سورة المائدة نجد قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا. ونجد في سورة المجادلة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ .... ونجد في سورة المائدة كلاما كثيرا عن الولاء، ونجد في سورة المجادلة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .... ونجد لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .... ونجد في سورة المائدة تصريحا بذكر حزب الله، ونجد في سورة المجادلة تصريحا بذكر حزب الله كذلك، ولا نجد تصريحا بذكر حزب الله في القرآن كله إلا في هاتين السورتين أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة المائدة)، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة المجادلة)، وهذا يشير إلى أن محور سورة المجادلة هو محور سورة المائدة. ... إن محور سورة المائدة من سورة البقرة هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فسبب إضلال الله الإنسان يعود إلى اتصاف الإنسان بالفسوق الذي هو نقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، ومن ثم جاءت سورة المائدة لتفصل في ما يحرر من هذه المعاني ليكون الطريق إلى الهداية سالكا بسلوك طريقها الإيجابي، وهو الذي فصلته سورة النساء وأمثالها، وإن المجادلة تؤدي نفس الدور الذي أدته سورة المائدة، فهي تحرر من عوامل الضلال. فإذا كانت سورة الحديد

стр. 5498

حققت بالمعاني الإيجابية للهداية، فإن سورة المجادلة تحرر من المعاني السلبية التي تحول دون الهداية. ... إن هناك متقين وفاسقين، والفاسقون نوعان: كافرون ومنافقون، هؤلاء يقفون في طرف، وهؤلاء يقفون في طرف آخر، ولا نعني بالفسوق هنا الفسوق النسبي فهذا قد يقع فيه المؤمنون. ... وقد لخصت هذه الآيات- من سورة البقرة- خصائص المتقين: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ولخصت هذه الآية- من سورة البقرة- خصائص الفاسقين: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الأولون مفلحون وهؤلاء خاسرون، وسورة الحديد انصب الكلام فيها على ما يحقق بخصائص المتقين، وسورة المجادلة ينصب الكلام فيها على ما يحرر من أخلاق الفاسقين، والتكامل قائم والتداخل موجود. ... في القرآن سورتان مبدوءتان ب (قد) سورة المؤمنون وسورة المجادلة وقد رأينا من قبل أن سورة المؤمنون تفصل في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... وفصلت في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً ... أي في محور سورة المائدة فهي تفصل- في جملة ما تفصل- المحور الذي تفصل فيه سورة المجادلة. ... تتألف سورة المجادلة من مقدمة ومقطعين، كل مقطع مبدوء بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... * ومن مطلع المقطعين ندرك كيف تتكامل سورة الحديد وسورة المجادلة، فسورة الحديد تأمر بالإيمان بالله ورسوله، وسورة المجادلة تتحدث عن محاربة الله ورسوله، وكما قلنا من قبل فالسورتان تفصلان في صفات

стр. 5499

الفريقين المتقابلين: المتقين والفاسقين لتحققا في التقوى، وتحررا من الفسوق، وكما تفصلان في صفات الفريقين من ناحية فإنهما تتكاملان كمجموعة واحدة ضمن قسم واحد، كل مجموعة تؤدي دورها في تكميل أختها داخل القسم، ليؤدي القسم كله دورا متكاملا في البناء المكمل للأقسام الأخرى، فإذا عرفت هذا كله، وعلمت بعد ذلك أن هذا القرآن نزل منجما خلال ثلاث وعشرين سنة تقريبا حسب الحوادث والنوازل، أو حسب التدرج في بناء أمة جديدة بما يقتضيه وضع بنائها شيئا فشيئا حتى اكتمل القرآن بترتيب الله على صيغته الحالية، وكان في هذه الصيغة مثل هذا الترتيب العجيب البديع، الذي يحقق مقاصد جمة، والذي نرى فيه الإجمال، والتفصيل، والوحدة الجزئية، والوحدة الكلية، والسياق الخاص للسورة، ومحلها في السياق القرآني العام، وغير ذلك مما رأيناه ونراه من هذا ندرك أن هذا القرآن جل أن يكون بشري المصدر. ... تنتهي مقدمة سورة المجادلة بنهاية الآية (٤) ويستمر المقطع الأول فيها حتى نهاية الآية (١٩) ويستمر المقطع الثاني حتى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (٢٢) ولنبدأ عرض السورة. ***

стр. 5500

مقدمة السورة وتتألف من أربع آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) التفسير: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها أي: تحاورك، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، ظاهر منها زوجها بأن قال لها: أنت علي كظهر أمي، قال ابن كثير: (وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم) وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ كانت تقول يا رسول الله ﷺ «أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك» وسنرى تفصيلات ذلك في
следующие страницы →