← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

الأمم والله أعلم، فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أي: من مصدر هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أي: من هذه الأمة. روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي بكر المزني قال: سمعت الحسن أتى على هذه الآية وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قال: قرأ الحسن وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة، ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم، كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» فهذا الحديث- بعد الحكم بصحة إسناده- محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني؛ ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ﵇: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة» وفي لفظ: «حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك» والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها، وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: «مع كل ألف سبعون ألفا- وفي آخر- مع كل واحد سبعون ألفا» وقد روى الحافظ أبو القاسم عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود، زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء ﵈»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ قال ابن كثير: (هذه

стр. 5427

الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها ويدل على ذلك حديث عكراش ابن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده عن عبد الله ابن عكراش عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: «بعثتني مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ فقدمت المدينة، فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى قال: «من الرجل؟» قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: «ارفع في النسب» فانتسبت له إلى مرة بن عبيد، وهذه صدقة مرة بن عبيد، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «هذه إبل قومي هذه صدقات قومي» ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة، وتضم إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة فقال: «هل من طعام؟ فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمني فقال: «يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد». ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب- شك عبيد الله رطبا كان أو تمرا- فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق وقال: «يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد». ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثا ثم قال: «يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار». وهكذا رواه الترمذي مطولا وابن ماجه جميعا ... به وقال الترمذي: غريب. وروى الإمام أحمد عن ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﷺ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان- فسمعت اثني عشر رجلا كان النبي ﷺ قد بعث سرية قبل ذلك- فجئ بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذج، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر فأتوا بصحفة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا، فما يقلبوها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم، فجاء البشير من تلك السرية فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا فدعا رسول الله ﷺ المرأة فقال: «قصي رؤياك». فقصتها وجعلت تقول فجئ بفلان وفلان كما قال. هذا لفظ أبي يعلى قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم. وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل إذا نزع ثمرة من

стр. 5428

الجنة عادت مكانها أخرى»). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه لطير ناعمة فقال: «آكلها أنعم منها- قالها ثلاثا- وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة من حديث إسماعيل ابن علي الحطمي عن نافع عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟» قال: الله ورسوله أعلم قال: «طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا، ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت» فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيرا ناعما؟ قال: «أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى» وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: «من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر». وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ سئل عن الكوثر فقال: «نهر أعطانيه ربي في الجنة أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر» فقال عمر إنها لنا عمة، قال رسول الله ﷺ : «آكلها أنعم منها» وكذا رواه الترمذي وقال: حسن عن أنس. ثم روى ابن أبي حاتم عن عطاء عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت، يأكل من ثمرات الجنة، ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئا أتى حتى يقع بين يديه فيأكل من خارجه وداخله، ثم يطير لم ينقص منه شئ؛ صحيح إلى كعب، وقال الحسن بن عرفة عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا»). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجار عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم قال: أقبل أعرابي يوما فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول الله ﷺ : «وما هي؟» قال: السدر فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله ﷺ : «أليس الله تعالى يقول: فِي

стр. 5429

سِدْرٍ مَخْضُودٍ خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها لتنبت ثمرا ففتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر». (طريق آخر) روى أبو بكر بن أبي داود عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرا أكثر شوكا منها- يعني: الطلح- فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون الآخر»). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد: طلح منضود قال: الموز، قال وروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك وبه قال مجاهد وابن زيد وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز الطلح ولم يذكر ابن جرير غير هذا القول). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال ابن كثير: (روى البخاري عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» ورواه مسلم من حديث الأعرج به. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» وكذا رواه مسلم من حديث الأعرج به وكذا رواه البخاري. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين- أو مائة- سنة هي شجرة الخلد» وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن رسول الله قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها واقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» إسناد جيد ولم يخرجوه وهكذا رواه ابن جرير والبخاري كلهم عن محمد بن عمرو به وقد رواه الترمذي من حديث عبد الرحيم بن سليمان به. وروى ابن جرير عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ فبلغ ذلك كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس عن النبي ﷺ في قوله تعالى:

стр. 5430

وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» وكذا رواه البخاري بسنده، وكذا رواه أبو داود الطيالسي بسنده، وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد عن رسول الله ﵌ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها» فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله، وروى الترمذي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب» ثم قال: حسن غريب. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في كل نواحيها مائة عام، قال: فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا. هذا أثر غريب وإسناده قوي حسن). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ قال ابن كثير: (وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر، وفيهما أيضا عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فذكر الصلاة، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت قال: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا»، وروى الحافظ أبو يعلى عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئا ليأخذه، ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه قال: «إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقص منه». وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه. وروى الإمام أحمد عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﵌ فسأله عن الحوض وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي فيها فاكهة. قال: نعم، وفيها شجر تدعى طوبى. قال: فذكر شيئا لا أدري ما هو، قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبه شيئا من شجر أرضك؟ فقال النبي ﷺ : أتيت الشام؟ قال: لا. قال: تشبه شجرة بالشام تدعى

стр. 5431

الجوزة، تنبت على ساق واحد وينفرش أعلاها. قال: عظم العنقود؟ (أي: في شجرة طوبى) قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر. قال: ما عظم أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما. قال: فيها عنب؟ قال: نعم. قال: فما عظم الحبة؟ قال: هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما، قال: نعم. قال: فسلخ إهابه فأعطاه أمك، فقال: اتخذي لنا منه دلوا؟. قال: نعم. قال: فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: نعم وعامة عشيرتك). أقول: من قوله ﵊: «إنه عرضت علي الجنة ... فتناولت قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه» فهمت أن الجنة غيب من الغيب، فهذا رسول الله ﷺ رآها عند ما دنت له، ولم يرها غيره، وإذ كانت الجنة جزءا من السماء السابعة فهذا يفيد أن السموات السبع غيب من الغيب. فهذا الحديث أحد أدلتي فيما ذهبت إليه في هذا التفسير أن السموات السبع التي أخبرنا عنها القرآن سماوات غيبية محجوبة عن الإنسان، فهي موجودة ولكنها مغيبة عنا، والسماء المرئية لنا هي السماء اللغوية فكل ما علاك فهو سماء، وندر من الناس من يعرف كيف يحمل لفظ السماء إذا ورد في كتاب أو سنة، فقد يرد ويراد به مطلق العلو، وقد يرد ويراد به السحاب، وقد يرد ويراد به مجرات هذا الكون، وقد يرد ويراد به السموات السبع. ٩ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً* لِأَصْحابِ الْيَمِينِ قال ابن كثير: (أي أعدناهن في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصا صرن أبكارا عربا، أي بعد الثيوبة عدن أبكارا، عربا متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة. وقال بعضهم: عربا أي غنجات، قال: موسى ابن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا أنشأناهن إنشاء قال: نساء عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا» رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان وروى ابن أبي حاتم عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً يعني: الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا، وروى عبد ابن حميد ... عن الحسن قال أتت عجوز فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يدخلني الجنة فقال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز» قال: فولت تبكي قال:

стр. 5432

أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد. وروى أبو القاسم الطبراني عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ قال: «حور بيض عين ضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر» قلت: أخبرني عن قوله تعالى: كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ قال: «صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي» قلت: أخبرني عن قوله: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ قال: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» قلت: أخبرني عن قوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال: «رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشرة وهو الغرقئ» قلت يا رسول الله: أخبرني عن قوله تعالى: عُرُباً أَتْراباً قال: «هن اللواتي قبضن في الدار الدنيا عجائز رمصا شمطاء خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربا متعشقات محببات أترابا على ميلاد واحد» قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة»، قلت: يا رسول الله وبم ذاك! قال: «بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله . ألبس الله وجوههن النور، وأجسادهن الحرير. بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب: يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنا له وكان لنا» قلت يا رسول الله: المرأة هنا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها؟ قال: «يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا، فتقول: يا رب إن هذا كان أحسن خلقا معي فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» وفي حديث الصور الطويل المشهور أن رسول الله ﷺ يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم في دخولها، فكان رسول الله ﵌ يقول: «والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله، وثنتين وسبعين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب، مكلل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وأنه

стр. 5433

لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة- يعني: وكبدها له مرآة- فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها إلا أنه لا مني ولا منية، فبينما هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أن لك أزواجا غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شئ أحسن منك، وما في الجنة شئ أحب إلي منك». وروى عبد الله بن وهب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال: «نعم: والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا» وروى الطبراني عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا». وروى أبو داود الطيالسي: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء» قلت يا رسول الله: ويطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة» ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: صحيح غريب، وروى أبو القاسم الطبراني عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: «إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء» قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا الحديث عندي على شرط الصحيح والله أعلم). ... جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء» وروى الإمام أحمد والطبراني واللفظ له عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع». وروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين بني ثلاث وثلاثين سنة» ثم قال: حسن غريب، وروى ابن وهب عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبدا

стр. 5434

وكذلك أهل النار» ورواه الترمذي. وروى أبو بكر ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك! على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون» وروى أبو بكر بن أبي داود عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين جردا مردا مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم»). ا. هـ. أقول: بمناسبة ما ورد هنا أن آدم ﵇ طوله ستون ذراعا: حاك في صدري سؤال هو: هل بقي آدم ﵇ على طوله عند ما أهبط إلى الأرض، أو تغير؟ وكان الأمر عندي محتملا، غير أن ما ذكره الدكتور حسن زينو في كتابه (التطور والإنسان) حول العثور على هيكل للإنسان العملاق الذي يعدل حجمه ستة أضعاف إنساننا الحالي، وما ذكرته بعض الإذاعات (١) من العثور على هيكل إنسان تبلغ خطوته مترين، كل ذلك رجح لدي أن آدم بقي على طوله وحاله عند ما أهبط إلى الأرض. ١٠ - بمناسبة قوله تعالى عن أهل اليمين ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال ابن كثير: (أي جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. وروى ابن أبي حاتم عن عمران بن حصين عن عبد الله بن مسعود قال- وكان بعضهم يأخذ عن بعض- قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي الأنبياء وأتباعها بأممها فيمر علي النبي في العصابة! والنبي في الثلاثة، والنبي وليس معه أحد- وتلا قتادة هذه الآية أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ- قال حتى مر علي موسى بن عمران في كبكبة من بني إسرائيل، قال: قلت: ربي من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن تبعه من بني إسرائيل، قال: قلت: رب فأين أمتي؟ قال انظر عن يمينك في الظراب قال: فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت؟ قال: قد رضيت رب، قال: انظر إلى الأفق عن يسارك فإذا وجوه الرجال قال: أرضيت، قلت رضيت رب، قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» قال: وأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد قال سعيد وكان بدريا قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «اللهم اجعله

стр. 5435

منهم»، قال أنشأ رجل آخر قال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «سبقك به عكاشة» قال فقال رسول الله ﷺ : «فإن استطعتم- فداكم أبي وأمي- أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الظراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت ناسا كثيرا قد ناشبوا أحوالهم ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة» قال فكبرنا ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» قال فكبرنا فقال: «إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» قال فكبرنا قال ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: فقلنا: بيننا من هؤلاء السبعون ألفا؟ فقلنا هم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا قال فبلغه ذلك فقال: «بل هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». وكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه، وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه في الصحاح وغيرهما. روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ : «هما جميعا من أمتي»). ١١ - يلاحظ أن اللام قد دخلت في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً على كلمة جعلناه، بينما لم تدخل على جعلناه من قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً قال النسفي في تعليل ذلك: (ودخلت اللام على جواب لو في قوله لجعلناه حطاما، ونزعت منه هنا لأن لو لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة الشرط كإن، ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتيها أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به، وتساوي حالي حذفه وإثباته، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ثانية، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب؛ للدلالة على أن المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب). ١٢ - بمناسبة قوله تعالى عن النار نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ قال ابن كثير: (قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى قال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: «يا قوم ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار

стр. 5436

جهنم» قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال: «إنها قد ضربت بالبحر ضربتين أو مرتين حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها» وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فروى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» وروى الإمام مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية فقال: «إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» رواه البخاري ومسلم وفي لفظ لمسلم: «والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» وقد روى أبو القاسم الطبراني ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادا من ناركم هذه بسبعين ضعفا» قال الضياء المقدسي: وقد رواه أبو مصعب عن مالك ولم يرفعه وهو عندي على شرط الصحيح). ١٣ - وبمناسبة قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ قال صاحب الظلال: (ولم يكن المخاطبون يومذاك يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل، الذي يدركونه بعيونهم المجردة. ومن ثم قال لهم: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ- لَوْ تَعْلَمُونَ- عَظِيمٌ فأما نحن اليوم فندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به نصيبا أكبر بكثير مما كانوا يعلمون. وإن كنا نحن أيضا لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم. وهذا القليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة، المحدودة المناظير، يقول لنا: إن مجموعة واحدة من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل الذي لا نعرف له حدودا. مجموعة واحدة- هي المجرة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية- تبلغ ألف مليون نجم! «ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه. هذه كلها تسبح في الفلك الغامض؛ ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة. وهو احتمال بعيد، وبعيد جدا. إن لم يكن مستحيلا».

стр. 5437

وكل نجم في موقعه المتباعد عن موقع إخوته، قد وضع هناك بحكمة وتقدير. وهو منسق في آثاره وتأثراته مع سائر النجوم والكواكب، لتتوازن هذه الخلائق كلها في هذا الفضاء الهائل. فهذا طرف من عظمة مواقع النجوم، وهو أكبر كثيرا جدا مما كان يعلمه المخاطبون بالقرآن أول مرة. وهو في الوقت ذاته أصغر بما لا يقاس من الحقيقة الكلية لعظمة مواقع النجوم!). ١٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «وتجعلون رزقكم يقول: شكركم، أنكم تكذبون تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا» وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن إسرائيل به مرفوعا، وكذا رواه الترمذي وقال: حسن غريب وقد رواه سفيان الثوري عن عبد الأعلى ولم يرفعه. وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرا؛ يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وروى مالك في الموطأ عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب» أخرجاه في الصحيحين وأبو داود والنسائي كلهم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث فيقولون بكوكب كذا وكذا» انفرد به مسلم من هذا الوجه، وروى ابن جرير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا» قال محمد- هو ابن إبراهيم- فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم أبقى من نوء الثريا؟ فقال العلماء: يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا، قال:

стр. 5438

فما مضت سابعة حتى مطروا، وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده). وروى ابن جرير عن إسماعيل بن أمية- فيما أحسبه أو غيره- أن رسول الله ﷺ سمع رجلا ومطروا يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد فقال: «كذبت بل هو رزق الله». ثم روى ابن جرير عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين- ثم قال- وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا». وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعا: «لو قحط الناس سبع سنين ثم مطروا لقالوا مطرنا بنوء المجدع». وقال مجاهد: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال: قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا يقول: قولوا: هو من عند الله وهو رزقه وهكذا قال الضحاك وغير واحد، وقال قتادة أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به ولهذا قال قبله أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ* وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ. أقول: يستدل لمصلحة الأرصاد الجوية بسؤال عمر، فهو سؤال عن عالم الأسباب، فالعرب قديما كانت تعرف من خلال علامات معينة قرب نزول المطر وقلته وكثرته، وهذا الذي أصبح الآن علما برأسه، له أجهزته واختصاصيوه، وهذا العلم يقدم الآن نشرات جوية لمدة طويلة أو قصيرة، وهذه النشرات قابلة للصواب وللخطإ، ولا اعتراض عليها، ولا زال كثيرون من الناس يشركون بالأنواء كأولئكم الذين يقولون مطرنا بتيار كذا وكذا معتقدين أنه ليس لله دخل في ذلك، أولئك المشركون، أما المؤمنون فيثبتون عالم الأسباب ويعرفون أن الله هو الفاعل. ١٥ - عرض صاحب الظلال قوله تعالى: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ عرض هذه الآيات بأسلوبه الرائع مبرزا الحجة في الآيات فقال: (فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ... كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين من خلال قوله: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. هنا. في هذه اللحظة. وقد فرغت الروح من أمر الدنيا. وخلفت وراءها الأرض

стр. 5439

وما فيها. وهي تستقبل عالما لا عهد لها به، ولا تملك من أمره شيئا إلا ما ادخرت من عمل، وما كسبت من خير أو شر. هنا. وهي ترى ولا تملك الحديث عما ترى. وقد انفصلت عمن حولها وما حولها. الجسد هو الذي يراه الناظرون. ولكنهم ينظرون ولا يرون ما يجري ولا يملكون من الأمر شيئا. هنا تقف قدرة البشر، ويقف علم البشر، وينتهي مجال البشر. هنا يعرفون- ولا يجادلون- أنهم عجزة عجزة. قاصرون قاصرون. هنا يسدل الستار دون الرؤية. ودون المعرفة. ودون الحركة. هنا تتفرد القدرة الإلهية، والعلم الإلهي. ويخلص الأمر كله لله بلا شائبة ولا شبهة ولا جدال ولا محال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ! وهنا يجلل الموقف جلال الله، ورهبة حضوره- وهو حاضر في كل وقت. ولكن التعبير يوقظ الشعور بهذه الحقيقة التي يغفل عنها البشر. فإذا مجلس الموت تجلله رهبة الحضور وجلاله. فوق ما فيه من عجز ورهبة وانقطاع ووداع. وفي ظل هذه المشاعر الراجفة الواجفة الآسية الآسفة يجئ التحدي الذي يقطع كل قول وينهي كل جدال: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ! فلو كان الأمر كما تقولون: إنه لا حساب ولا جزاء. فأنتم إذن طلقاء غير مدينين ولا محاسبين. فدونكم إذن فلترجعوها- وقد بلغت الحلقوم- لتردوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء. وأنتم حولها تنظرون. وهي ماضية إلى الدينونة الكبرى وأنتم ساكنون عاجزون! هنا تسقط كل تعلة. وتنقطع كل حجة. ويبطل كل محال. وينتهي كل جدال. ويثقل ضغط هذه الحقيقة على الكيان البشري، فلا يصمد له، إلا وهو يكابر بلا حجة ولا دليل!). ١٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ قال ابن كثير: (وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وبعض المباحات فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ أي فلهم روح

стр. 5440

وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: «إن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان وجنة ورب غير غضبان» قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَرَوْحٌ يقول: راحة، وريحان يقول: مستراحة، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة، وقال أبو حرزة: الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح: الفرح وعن مجاهد فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وجنة ورخاء، وقال قتادة فروح فرحمة وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: وريحان ورزق وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة؛ فإن من مات مقربا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن وَجَنَّةُ نَعِيمٍ قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيقبض روحه فيه، وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ولو كتبت هاهنا لكان حسنا، وأجلها حديث تميم الداري، عن النبي ﷺ : «يقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى فلان فائتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب. ائتني به فلأريحنه، قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا، لكل منها ريح سوى صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك» وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم، وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية. روى الإمام أحمد عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ برفع الراء وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون- وهو ابن موسى الأعور- به وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه، وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرءوا فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ بفتح الراء. وروى الإمام أحمد عن أم هانئ أنها سألت رسول الله ﷺ أنتزاور إذا متنا، ويرى بعضنا بعضا؟ فقال رسول الله ﷺ : «يكون النسم طيرا يعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها». هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى يعلق يأكل، ويشهد له بالصحة أيضا ما رواه الإمام أحمد عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي عن الإمام مالك ابن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم

стр. 5441

يبعثه». وهذا إسناد عظيم ومتن قويم. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل ملعقة بالعرش» الحديث، وروى الإمام أحمد عن عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» قال: فأكب القوم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: إنا نكره الموت، قال ليس ذاك ولكنه إذا احتضر فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله، والله تعالى للقائه أكره، هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه). ١٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ* وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ... قال ابن كثير: (وقوله تعالى: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ أي: تبشرهم الملائكة بذلك تقول لأحدهم: سلام لك أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ* نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وقال البخاري فَسَلامٌ لَكَ أي: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وقد يكون كالدعاء له كقولك: سقيا لك من الرجال إن رفعت السلام فهو من الدعاء وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومال إليه والله أعلم. وقوله تعالى: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى فَنُزُلٌ أي: فضيافة مِنْ حَمِيمٍ وهو المذاب الذي يصهر به

стр. 5442

ما في بطونهم والجلود وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته). ا. هـ. أقول: إن هناك اتجاهين في هذه الآيات. الاتجاه الأول: أن الحديث فيها عما يكون للميت يوم القيامة بعد إذ تقع الواقعة، وعندئذ تكون خاتمة السورة تتحدث عما تحدثت به بدايتها، والاتجاه الثاني يقول: إن الحديث في هذه الآيات يدور حول ما يستقبل به الميت فور وفاته، فهي حديث عما يستقبل الميت في البرزخ في الفترة بين الموت وقيام القيامة، وعلى هذا الاتجاه تكون السورة بدأت بالحديث عن القيامة، وختمت بالحديث عما قبل ذلك من حياة برزخية، وموت وحياة أولى. ١٨ - بمناسبة قوله تعالى في خاتمة السورة: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهنى قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في سجودكم» وكذا رواه أبو داود وابن ماجه، وقال روح بن عبادة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» هكذا رواه الترمذي ورواه هو والنسائي أيضا عن جابر عن النبي ﷺ به وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير. وروى البخاري في آخر كتابه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله). أقول: وردت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ في السورة مرتين، وفي كل مرة كانت ترد بعد ما تستجاش في النفوس عوامل الشعور بالعظمة؛ ليأتي التسبيح بعد ذلك خارجا من أعماق النفس. وقد أمر رسول الله ﷺ أن نجعل هذا التسبيح في ركوعنا، فإذا عرفنا أن سورة كاملة قد سيقت للوصول إلى التسبيح في الركوع الذي هو سنة من سنن الصلاة ندرك أهمية الصلاة في حياة المسلم، وفي بقاء الإسلام. والملاحظ أن كل جزء من أجزاء الصلاة قد جاء في سياق سورة من السور؛ ليكون لهذا الجزء أرضيته العميقة التي يستند إليها، فالقيام في الصلاة جاء في سورة، وقراءة القرآن فيها جاءت في سورة، والركوع

стр. 5443

والسجود جاءا في أكثر من سورة. وهذا يوصلنا إلى أصل عظيم في الدعوة والتربية: إن كثيرا من الأمور إذا لم تستند إلى أرضية واسعة فإنها تكون معرضة للخطر، فلا إله إلا الله مثلا إذا لم يكن أساسها متينا فإن الطغيان يحاول استئصالها، ولذلك نجد القرآن قد تحدث عنها كثيرا، ولقد ورث المسلمون في العصور المتأخرة شعائر الإسلام دون أن يرثوا مع ذلك الأرضية الواسعة للشعائر فكاد أن يتغلب أعداء الإسلام على الإسلام، لولا أن الدعوة الإسلامية المعاصرة قد أعادت الأمر إلى نصابه. كلمة أخيرة في سورة الواقعة: سورة الواقعة هي أول سورة تبدأ بقوله تعالى: إِذا ثم تأتي بعد ذلك سور مبدوءة بهذه الكلمة أكثر من مرة إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وبعد التأمل في محل هذه السور بالنسبة لما قبلها وما بعدها. وبعد التأمل في مضامينها نلاحظ أن هذه السور لا تأتي في بداية مجموعات، وليس شرطا أن تأتي في نهاية مجموعات كذلك، قد يكون وقد لا يكون، فسورة الواقعة نهاية مجموعة، وسورة المنافقون نهاية مجموعة، بينما سورة النصر ليست نهاية مجموعة مثلا كما سنرى. وحيثما جاءت سورة مبدوءة بإذا فإنك تجدها مهيجة على العمل والعبادة والتقوى من خلال ذكر ما يبعث على ذلك، فالتشابه كثير جدا بين مضمون هذه السور. ... لقد لاحظنا أن سورة الواقعة فصلت في حيز قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... بأن فصلت قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ... فلنتذكر أن بداية سورة الحج هي: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ولنلاحظ أن أكثر السور المبدوءة بقوله تعالى: إِذا* فيها حديث عن الساعة إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها مثل هذا يجعلنا نستأنس أن

стр. 5444

محور هذه السور هو محور سورة الحج أو حيزه، وهو الشئ الذي وجدناه من خلال سورة الواقعة، وسنجده من خلال السور المشابهة لها. .. ومن تأمل لهذه السور نجد أنها تعظ، ومن الوعظ تنقلنا إلى معنى هو من باب العبادة أو التقوى، ففي سورة الواقعة نجد قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وفي سورة النصر وهي آخر سورة مبدوءة ب (إذا) نجد قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً وقبل ذلك في سورة المنافقون نجد لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... وفي سورة التكوير إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وفي سورة الانشقاق فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ... وفي سورة الزلزلة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ كل ذلك يجعلنا نستأنس بأن محور هذه السور، هو إما الأمر يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... في سورة البقرة، أو في الآيات الآتية في حيزه، وعلى كل فالمعنى هو الذي يرينا إن كانت هذه القاعدة كلية أو أغلبية، وهو موضوع سنراه أثناء سيرنا. وقد رأينا محور سورة الواقعة. ... ونلاحظ من خلال المعاني أنه بسورة الواقعة تنتهي المجموعة الأولى من قسم المفصل، لتبدأ مجموعات متوالية، هي مجموعات المسبحات المبدوءة بسورة الحديد التي بدايتها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... ونلاحظ أن سورة الواقعة منتهية بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وأن سورة الحديد مبدوءة بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مما يذكرنا بالقاعدة أن نهاية كل سورة من سور القرآن مرتبطة ببداية ما بعدها نوع ارتباط، أحيانا يكون واضحا جدا، وأحيانا يحتاج إلى تأمل، فسور القرآن إذن من ابتدائها إلى انتهائها متعانقة عناقا عجيبا. لاحظ مثلا أن نهاية سورة الفاتحة هي: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ... وأن بداية سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... لاحظ ذكر لفظة (الهداية) في نهاية الفاتحة، وبداية سورة البقرة. لاحظ مثلا نهاية سورة آل عمران يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولاحظ بداية سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ لاحظ وجود لفظ (اتقوا) في النهاية

стр. 5445

والبداية، ولم نحاول فيما قبل المجموعات السابقة أن نقف وقفات طويلة عند هذا الموضوع، لأن تركيزنا الرئيسي كان منصبا على النسق الذي تمشى عليه أقسام القرآن ومجموعاته، وهو نفس النسق الذي سارت عليه سورة البقرة. ... غير أن ظهور الصلات بشكل واضح في السور الست التي مرت معنا فيما بين نهايات السورة السابقة وبدايات السورة اللاحقة، جعلنا نركز على هذا المعنى هنا، وهي ظاهرة تجدها في القرآن كله: أن السورة السابقة توصلك إلى السورة اللاحقة وتمهد لها، لاحظ مثلا نهاية سورة يونس وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ وبداية سورة هود الر* كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ... تجد الصلة، لاحظ نهاية سورة هود فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ... ثم ادرس سورة يوسف بعدها، تجد سورة يوسف درسا في التوكل وهكذا، إلا أنه كما قلنا: أحيانا تكون الصلة واضحة، وأحيانا تحتاج إلى تأمل، ومن هذا المعنى والمعاني الأخرى التي ذكرناها حول ترتيب القرآن نجد أن هذا الترتيب للقرآن فيه من أنواع الإعجاز ما لا يحيط به البشر، فما أكثر جنون أولئكم الذين لا يدركون أسرار هذا الترتيب، ويطالبون بترتيب آخر أو يعترضون على هذا الترتيب، وما أكثر ما أخطأ- وغفر الله له- من حاول أن يفسر القرآن على غير ترتيبه الحالي، كأن فسره على حسب ترتيب النزول في زعمه، وهو موضوع لا توجد أدواته أصلا ولا أدلته بشكل يستقصي القرآن كله، وذلك من فعل الله لهذا القرآن؛ حتى لا تفكر الأمة إلا بهذا الترتيب الخاص لما يحويه من إعجاز ويترتب عليه من مصالح. ... لقد رأينا في المجموعة المارة معنا- وهي المجموعة الأولى من المفصل- كيف أنها فصلت في مقدمة سورة البقرة، والمقطع الأول من القسم الأول من السورة، ورأينا أدلة ذلك وتوجيهه، ورأينا صلة نهاية السورة منها ببداية ما بعدها، وسنلاحظ في كل المجموعات الآتية من المفصل أنها تفصل في حدود هذه الآيات من سورة البقرة، ولا تتجاوزها لما بعدها، بينما رأينا أن مجموعات القسم الأول والثاني وبعض مجموعات القسم الثالث تفصل في هذا، وفيما يأتي بعده من سورة البقرة، واقتصار المفصل على هذا الحد من التفصيل يشير إلى أن تفصيل هذه الآيات هو الأساس الذي يبنى عليه

стр. 5446

غيره، كما أن هذا يشير إلى أن المعاني الأولى من سورة البقرة هي البداية والنهاية، وأنها المعاني التي تحتاج النفس البشرية إلى أن تذكر بها مرة بعد مرة، كما أن هذا يشير إلى كثرة المعاني المستكنة في الآيات الثلاثين الأولى لسورة البقرة حتى احتاج تفصيلها إلى عشرات السور. ... وسنلاحظ فيما سيأتي معنا من السور أن المجموعة الواحدة تفصل في معنى متسلسل مرتبط بالآيات الأولى من سورة البقرة، ثم تأتي المجموعة الأخرى فتفصل في معنى يتكامل مع السياق بحيث يتم تكامل متعدد الجوانب في قسم المفصل، بشكل معجز وبديع. ... ومن مثل ما مر معنا ندرك كيف يأخذ كل إنسان حظه من هذا القرآن، فمن لا يدرك إلا المعاني الحرفية لكل آية يأخذ حظه كاملا، ومن يدرك مع هذا محل الآية مع ما قبلها وما بعدها يأخذ حظا آخر، ومن يدرك وحدة السورة يأخذ حظا زائدا، ومن يدرك صلة السورة بمجموعتها يأخذ حظا جديدا، ومن يدرك صلة المجموعة بقسمها، وصلة الأقسم بسورة البقرة، وسر سياق سورة البقرة الخاص يأخذ حظوظا ومعاني أخرى، ثم الناس يتفاوتون في هذا كله، فمن إدراك محدود إلى أوسع منه إلى أوسع، بما لا يلغى فيه فهم أوسع من فهم دونه، وكل ذلك هو بعض الشأن في هذا القرآن. ... هذا كله إذا نظرنا إلى المسألة من خلال قراءة واحدة، ولكن هناك قراءات، وأوسع من ذلك أن القرآن أنزل على سبعة أحرف سنرى معناها في كتاب (الأساس في السنة وفقهها) وفي ذلك أسرار كثيرة. فالوقف في قراءة يعطيك معنى، والوقف في قراءة أخرى يعطيك معنى جديدا، والإعراب المتعدد للكلمة الواحدة في القراءة الواحدة- أو في القراءات- يعطيك معاني جديدة، وكل معنى من هذه المعاني هو صحيح في بابه، وباجتماعها مع بعضها تتولد عندك معان لا تتناهى، ولا يستطيع أحد لها حصرا وليس هذا هو كل شئ في هذا القرآن، بل هذا بعض الشئ. ...

стр. 5447

فكتاب هذا شأنه هل يشك إلا مجنون جاهل أعمى في أنه من عند الله ، كيف ومع تقادم العصور تجد معانيه تسبق العصور، وتتحدى أن يستطيع أحد أن ينقض معنى منها. وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من قسم المفصل نحب أن نذكر بما يلي: ١ - هناك تكامل بين معاني السورة الواحدة ودليله وحدة معانيها، وهناك تكامل بين سور المجموعة الواحدة، والمجموعة التي بين أيدينا تصلح نموذجا على ذلك، فقد بدأت المجموعة في الذاريات التي تحدثت عن القيامة، وختمت المجموعة بسورة الواقعة، ولقد تكامل الكلام عن التقوى في سور الذاريات والطور والنجم، وجاءت سورة القمر- وفيها إنذار- لتدفع نحو التقوى، وجاءت سورة الرحمن- وفيها تذكير بالنعمة- لتدفع نحو التقوى، ثم جاءت سورة الواقعة لتكمل الدفع نحو الوصول. ٢ - وكما أن هناك تكاملا بين معاني السورة الواحدة، وتكاملا بين سور المجموعة، فإن تكاملا بين مجموعات القسم كائن، وسنتعرض لهذا أثناء عرضنا لهذا القسم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. ٣ - وكل قسم من الأقسام يكمل بقية الأقسام، فقسم المفصل يكمل تفصيل قسم المثاني، وقسما المثاني والمفصل يكملان تفصيل قسم المئين، والأقسام الثلاثة تكمل تفصيل قسم الطوال، ولهذا كله قواعده وأسرار انتظامه، وكل ذلك قد ربط بخيوط إلى سورة البقرة، فكأنها الأصل الذي ينبثق عنه بانتظام فروع أولى، ثم فروع ثانية، ثم فروع ثالثة، ثم فروع رابعة، فكأنها شجرة فيها أربع وعشرون طبقة، كل طبقة لها فروعها وثمارها، وكل طبقة ترتبط بآيات سورة البقرة بخيوط منتظمة. ***

стр. 5448

المجموعة الثانية من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سورتي: (الحديد، والمجادلة)

стр. 5449

كلمة في المجموعة الثانية من قسم المفصل تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم تأتي بعدها سورة المجادلة، وهي تبدأ بقوله تعالى: قَدْ سَمِعَ ثم تأتي بعدها سورة الحشر وهي تبدأ كسورة الحديد بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. ثم تأتي بعدها سورة الممتحنة وهي تبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ثم تأتي سورة الصف ... وهي تبدأ كما بدأت سورة الحديد بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ثم تأتي سورة الجمعة وهي تبدأ بقوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ثم تأتي سورة المنافقون وهي تبدأ بقوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ ... ثم تأتي سورة التغابن وبدايتها شبيهة ببداية سورة الحديد يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... ومن استقراء المعاني نجد أننا أمام عدة مجموعات كل مجموعة تبدأ بسورة فاتحتها كلمتا (سبح أو يسبح)، والمجموعة الثالثة منها تتألف من ثلاث سور في: الصف، والجمعة، والمنافقون، وكل من سورتي الصف والجمعة تبدأ ب (سبح، يسبح) مع أنهما في مجموعة واحدة، فنحن في زمرة المسبحات أمام أربع مجموعات، المجموعة الأولى منها هي مجموعة الحديد والمجادلة وهي المجموعة الثانية من قسم المفصل. ... تفصل مجموعة الحديد والمجادلة في الآيات السبع والعشرين الأول من سورة البقرة كما سنرى، فتبرز لنا الكثير من معاني الإيمان والكفر والنفاق، وما ينبثق عن كل، وما يستلزمه كل من معان. ... وهذه المجموعة هي الأولى من مجموعات زمرة المسبحات التي تقدم كل منها تفصيلا جديدا لمعان في سورة البقرة، والتي تتكامل مع بعضها لتأخذ محلها في تكامل قسم المفصل. ***

стр. 5450

سورة الحديد وهي السورة السابعة والخمسون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وهي تسع وعشرون آية وهي مدنية

стр. 5451

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5452

بين يدي سورة الحديد: قدم الألوسي لسورة الحديد بقوله: (أخرج جماعة عن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة، وقال النقاش وغيره: هي مدنية بإجماع المفسرين ولم يسلم له، فقد قال قوم: إنها مكية، نعم الجمهور- كما قال ابن الفرس- على ذلك. وقال ابن عطية: لا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه أن يكون صدرها مكيا، ويشهد لهذا ما أخرجه البزار في مسنده، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي، وابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه دخل على أخته قبل أن يسلم، فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد، فقرأه حتى بلغ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأسلم، ويشهد لمكية آيات أخر ما أخرج مسلم، والنسائي، وابن ماجه. وغيرهم عن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله تعالى بهذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إلا أربع سنين. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه وغيرهما عن عبد الله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله تعالى بها إلا أربع سنين وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ ... الآية). (ووجه اتصالها- بالواقعة- أنها بدئت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمر به، وكان أولها واقعا موقع العلة للأمر به فكأنه قيل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ لأنه سبح له ما في السموات والأرض، وجاء في فضلها مع أخواتها ما أخرجه الإمام أحمد؛ وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن عرباض بن سارية «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، وقال: إن فيهن آية أفضل من ألف آية» وأخرج ابن الضريس نحوه عن يحيى بن أبي كثير ثم قال: قال يحيى: نراها الآية التي في آخر الحشر). وقال ابن كثير: والآية المشار إليها في الحديث هي- والله أعلم- قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة الحديد: (هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي تحقق في ذاتها حقيقة إيمانها. هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله؛ فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئا ... لا الأرواح ولا الأموال؛

стр. 5453

ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور .. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض. موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين. كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب [بالله]، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه). كلمة في سورة الحديد ومحورها: نلاحظ أن سورة الحديد تبدأ بالكلام عن الله ثم تبني على ذلك، فتأمر بالإيمان والإنفاق، وتنكر على من لا يؤمن ولا ينفق، ثم تحض على الإنفاق، ثم تنتقل من موضوع إلى موضوع حتى تصل إلى موضوع إرسال الرسل والحكمة فيه، وموقف الناس منهم، وبعض الاتجاهات الغالية عند بعض أتباعهم، وتنتهي بالأمر بالتقوى والإيمان بالرسول ﷺ ، وتتعرض السورة في سياقها لقضايا الإيمان بالله والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر، كما تتعرض للنفاق وأسبابه وآثاره، وعقوبة أهله، وتركز على الإيمان بالرسول محمد ﷺ . فإذا كانت مقدمة سورة البقرة تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين فإن سورة الحديد تعمق تصورنا لقضية الإيمان والنفاق والكفر ضمن سياقها. تتألف سورة الحديد من مقدمة، ومقطع، وخاتمة. المقدمة تتحدث عن الله . والمقطع يأمر بالإيمان بالله والرسول والإنفاق. والخاتمة تأمر بالتقوى والإيمان بالرسول ﷺ ، وتحدثنا عما وعد الله المتقين. ...

стр. 5454

مقدمة السورة وتمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (٦) وهذه هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) التفسير: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال النسفي: أي: مما يتأتى منه التسبيح، ويصح وقال ابن كثير: أي: من الحيوانات والنباتات. وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي خضع له كل شئ وقال النسفي: (أي: المنتقم من مكلف لم يسبح له عنادا) الْحَكِيمُ في خلقه وأمره وشرعه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فليس لغيره فيهما أدنى ملك يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن هُوَ الْأَوَّلُ أي: القديم الذي كان قبل كل شئ وَالْآخِرُ أي: الباقي فلا يطرأ عليه فناء ولا عدم وَالظَّاهِرُ قال النسفي: بالأدلة الدالة عليه. وَالْباطِنُ قال النسفي: لكونه غير مدرك

стр. 5455

بالحواس وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلا شئ إلا وهو معلوم له إجمالا وتفصيلا. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وذلك من مظاهر قدرته ودليل مالكيته يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أي: ما يدخل فيها من غيرها كالأشعة والنيازك والملائكة، أو ما يدخل في تربتها من حب ومطر وموتى، وغير ذلك وَما يَخْرُجُ مِنْها إلى غيرها من أرواح وملائكة وأقمار صناعية ومراكب فضائية، أو ما يخرج من تربتها من نبات وزرع وثمار وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من ملائكة وأمر وَما يَعْرُجُ فِيها من الملائكة والأرواح والأعمال والدعوات وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ قال النسفي: (بالعلم والقدرة عموما وبالفضل والرحمة خصوصا). أقول: بعد أن حدثنا في أول الآية عن مظاهر قدرته حدثنا فيما بعد ذلك عن مظاهر علمه، ثم ختم الآية بقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قال ابن كثير: (أي: رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ويعلم مكانكم ويعلم سركم ونجواكم ... ). قال النسفي: فيجازيكم على حسب أعمالكم لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كرر ذكر مالكيته بعد أن ذكر دليل ذلك ليتوصل إلى تقرير رجوع الأمور كلها إليه فقال: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أمور الدنيا والآخرة، فكلها مرجعها إليه، لأنه وحده المالك المتصرف، ثم دلل على مالكيته مرة ثانية فقال: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قال النسفي: (أي: يدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد من النهار، ويدخل النهار في الليل بأن ينقص من النهار ويزيد من الليل) وكل ذلك على أدق ما يكون وبما يحقق لمجموع سكان الكرة الأرضية من المصالح ما لا يحاط به. قال ابن كثير: (أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار، ويقدر هما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعا ثم صيفا ثم خريفا وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه) وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: يعلم السرائر وإن دقت وإن خفيت، ومن كان هذا شأنه فلا شك أن مرجع الأمور كلها إليه سبحانه، وبهذا انتهت المقدمة بعد أن دللت على مالكية الله للأشياء كلها، وعلى إحاطة قدرته وعلمه، وعلى قدمه وبقائه، وعلى ظهوره وبطونه، وعلى أنه وحده المتصرف، وأن مرجع الأمور إليه، وقدم لذلك بذكر تسبيح الأشياء له وأنه العزيز الحكيم وهذا كله يأتي كمقدمة للسورة

стр. 5456

التي تأمر بالإيمان بالله ورسوله وتأمر بالإنفاق. كلمة في السياق: ١ - إن الإيمان بالغيب عليه مدار الإسلام كله، والإيمان بالله هو مرتكز الإيمان بالغيب؛ فمنه يتفرع الإيمان بالرسل، وعن الإيمان بالله والرسل يتفرع الإيمان بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله والرسل، وعن الإيمان بالله يتفرع الإيمان باليوم الآخر والقدر، وعن الإيمان بالله والرسل يتفرع الإيمان بالكتب، ومن ثم نلاحظ أن السورة قدمت بالتعريف على الله وصفاته. ٢ - سيأتي بعد هذه المقدمة مباشرة أمر بالإيمان بالله والرسول والإنفاق، مما يشير إلى أن المقدمة ذكرت الأساس الذي يقوم عليه الإيمان بالله والرسول والإنفاق، فإنفاق المسلم أثر عن إيمانه بمالكية الله للأشياء كلها، ومن ثم فهو يتصرف في المال بما يتفق وأمر الله- الذي هو المالك الأصيل. ٣ - وصفت مقدمة سورة البقرة المتقين بأنهم: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وقد حدثتنا مقدمة سورة الحديد عن أصل من الأصول في موضوع الإيمان بالغيب، وعن الأصل الذي ينبثق عنه موضوع الإنفاق، وكل ذلك مقدمة مباشرة للأمر بالإيمان بالله ورسوله أي: بالشهادتين اللتين تتضمنان أركان الإيمان، ومقدمة للأمر بالإنفاق الذي هو علامة الإيمان وبرهانه كما قال ﵊ «والصدقة برهان». ٤ - نلاحظ أن سورا كثيرة فيما سبق من قسم المفصل ركزت على موضوع الصلاة بشكل أوسع مما ركزت فيه على موضوع الإنفاق، كما رأينا ذلك في سورة الذاريات والطور والنجم، ومن ثم نلاحظ أن هذه المجموعة وهي الثانية في قسم المفصل تركز على موضوع الإنفاق أكثر مما تركز على موضوع الصلاة، وهذا نوع من التكامل بين مجموعات المفصل، ومظهر من مظاهر التنوع في الدعوة إلى المعاني التي تضمنتها مقدمة سورة البقرة. ٥ - نلاحظ أن المقطع الرئيسي في السورة- الذي يأتي بين مقدمة السورة وخاتمتها- بدأ بالأمر بالإيمان بالله والرسول ﷺ والإنفاق، ثم ركز على هذه النقاط

стр. 5457

الثلاث بشكل رئيسي، وجاءت خاتمة السورة لتقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ وهذا كله يشير إلى أن قضية الإيمان بالله والرسول والإنفاق في سبيل الله هي المسار الرئيسي للسورة، وإذ كان الإيمان يقابله كفر ونفاق، فإن للكفر والنفاق ذكرا في السورة كما هما مذكوران في مقدمة سورة البقرة. ***

стр. 5458

المقطع الأول ويمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (٢٧) وهذا هو: الفقرة الأولى المقدمة [سورة الحديد (٥٧): آية ٧] آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) المجموعة الأولى من الفقرة الأولى [سورة الحديد (٥٧): الآيات ٨ الى ٩] وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) المجموعة الثانية من الفقرة الأولى [سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٠ الى ١٥] وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)

стр. 5459

الفقرة الثانية المقدمة [سورة الحديد (٥٧): آية ١٦] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) المجموعة الأولى من الفقرة الثانية [سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ الى ٢١] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)

стр. 5460

المجموعة الثانية من الفقرة الثانية [سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٢ الى ٢٤] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) المجموعة الثالثة من الفقرة الثانية [سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٥ الى ٢٧] لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)

стр. 5461

ملاحظة في السياق: يبدأ المقطع بآية تأمر بالإيمان بالله والرسول، وتأمر بالإنفاق، وتبين ما أعد الله للمؤمنين المنفقين، ثم يبدأ المقطع يناقش ويدعو، وسنعرض المقطع على أنه فقرتان: الفقرة الأولى منه تتألف من مقدمة ومجموعتين. الفقرة الأولى تفسير مقدمة الفقرة الأولى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: صدقوا بهما وَأَنْفِقُوا يدخل في ذلك الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قال النسفي: (يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها للاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيها في أيديكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به). فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالله ورسوله وَأَنْفِقُوا في سبيل الله لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ عند الله تعالى.

стр. 5462

كلمة في السياق: ١ - في مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بأنهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ووصفهم بأنهم وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وهاهنا في سورة الحديد أمر بالإيمان بالله ورسوله، والأمر بالإيمان بهما أمر بالشهادتين، وهذا الذي كان يركز عليه رسول الله ﷺ ، إذ كان يدعو إلى الشهادتين ويعتبر هما رمز الدخول في الإسلام، وما ذلك إلا لأن الشهادتين يدخل في مضمونهما كل أركان الإيمان، فمن آمن بالله والرسول آمن بالملائكة الذين هم الواسطة بين الله والرسل، ومن آمن بالرسول آمن بالوحي والكتب، ومن آمن بالله آمن بالقدر، لأن الإيمان بالقدر فرع الإيمان بالله، ومن آمن بالله والرسول آمن باليوم الآخر، ومن ثم ندرك أن الأمر بالإيمان بالله والرسول نوع تفصيل لموضوع الإيمان بالغيب، وأن يرافق الأمر بالإيمان بالله والرسول ﷺ الأمر بالإنفاق. فذلك يبين أهمية الإنفاق في دين الله ، وهو موضوع عرفت أهميته واقعيا بعد وفاة رسول الله ﷺ إذ ارتد من ارتد، وكان سبب ردة بعض هؤلاء إرادتهم النكوص عن الإنفاق. ٢ - رأينا أن الآية الأولى من المقطع أمرت بالإيمان بالله والرسول، ثم أمرت بالإنفاق والآن تأتي مجموعتان: مجموعة تحض على الإيمان بالله، ومجموعة تحض على الإنفاق. تفسير المجموعة الأولى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي: وأي عذر لكم في ترك الإيمان بالله وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ قال ابن كثير: أي: وأي شئ يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي: وقد أخذ الرسول ﷺ ميثاقكم بالبيعة، هكذا فسرها ابن كثير، وذهب مجاهد وهو الذي اعتمده ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: مصدقين قال النسفي: (أي: وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أو بما ركب فيكم من العقول، ومكنكم من النظر في الأدلة فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون إن كنتم مؤمنين لموجب ما؟ فإن هذا الموجب

стр. 5463

لا مزيد عليه). هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ أي: حججا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات يعني في هذا القرآن لِيُخْرِجَكُمْ الله أو رسوله ﷺ بدعوته بهذا القرآن مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الكفر والشك والحيرة إلى نور الإيمان واليقين، قال ابن كثير: أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: كثير الرأفة كثير الرحمة قال ابن كثير: أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه. كلمة في السياق: ١ - استدل عليهم للإيمان بالله بدعوة رسول الله ﷺ وما استقر في فطرهم، وبما أنزله على رسوله ﷺ من القرآن، فحال الرسول يدل على الله، والقرآن يدل على الله، وما ركب في الفطرة من بداهة الاعتراف بوجود الله يدل على الله، فكيف بعد ذلك كله يتأبى الإنسان عن الإيمان بالله!، وقد دللنا في سلسلة الأصول الثلاثة، على أن النظر العقلي في الكون يدل على الله، وعلى أن ظواهر القرآن تدل على الله، وعلى أن حال رسول الله ﷺ ، وما أظهر الله على يديه من المعجزات يدل على الله، وهذه المجموعة تذكر هذا كله هاهنا كأدلة توصل إلى الإيمان بالله، وفي معرض ذلك ذكرت قضية الإيمان برسول الله ﷺ كبديهية من البديهيات بسبب ما أنزل الله عليه من البينات. فالآية الأولى من المقطع أمرت بالإيمان بالله والرسول، وأمرت بالإنفاق، وجاءت المجموعة الأولى من الفقرة الأولى فحثت على الإيمان بالله، والآن ستأتي مجموعة ثانية تحث على الإنفاق ولم تأت مجموعة خاصة بالإيمان بالرسول؛ لأن المجموعة التي حثت على الإيمان بالله تحدثت ضمنا عما يوجب الإيمان بالرسول ﷺ . ٢ - تبدأ الآيات الأولى من سورة البقرة والتي هي محور سورة الحديد بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وقد جاء في المجموعة التي مرت معنا قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وفي ذلك تقرير لكون هذا القرآن منزلا من عند الله، وأنه منزه عن الريب، وأن فيه الهداية، وأنه يدل على الله. فصلة ما جاء في المجموعة الأولى من الفقرة الأولى بمحور السورة واضحة.

стр. 5464

٣ - ثم تأتي المجموعة الثانية في الفقرة الأولى من المقطع وفيها حث على الإنفاق، قال ابن كثير: (ولما أمرهم أولا بالإيمان والإنفاق، ثم حثهم على الإيمان وبين أنه قد أزال موانعه، حثهم على الإنفاق). تفسير المجموعة الثانية: وَما لَكُمْ في أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: في طريقه، أي: في طريق الجهاد لإعلاء دينه وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال النسفي: (أي: يرث كل شئ فيهما، لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله ﷺ ، والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله، ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أي: فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله، ودخول الناس في دين الله أفواجا، ومن أنفق من بعد الفتح بدلالة ما بعده عليه أُولئِكَ أي: الذين أنفقوا من قبل الفتح أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ أي: من بعد الفتح وَقاتَلُوا في سبيل الله وَكُلًّا أي: كل واحد من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: فيجازيكم على قدر أعمالكم. قال ابن كثير: (أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق)، ثم هيج الله على الإنفاق بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي: بطيب نفسه ومراده الإنفاق في سبيله قال النسفي: (واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء وقال عمر ابن الخطاب في الآية: هو الإنفاق في سبيل الله). أقول: وهو الذي يشهد له السياق قال ابن كثير: وقيل هو النفقة على العيال والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية فَيُضاعِفَهُ لَهُ أي: يعطيه أجره على إنفاقه أضعافا مضاعفة من فضله وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ قال النسفي: أي: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. وقال ابن كثير: أي: جزاء جميل، ورزق باهر وهو الجنة يوم القيامة، ثم بين الله متى يكون ذلك، وأنه يكون في اليوم الذي لا تقبل فيه فدية من كافر أو منافق، عندئذ يوفى

стр. 5465

هؤلاء المؤمنون أجرهم هذا أحوج ما يكونون إليه. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي: لهؤلاء المؤمنين المقرضين الله قرضا حسنا أجر كريم، يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ أي: يوم القيامة بحسب أعمالهم وفي الآية إشعار بأن هذا النور كان لهم جزاء إيمانهم، ومن السياق نعرف أن من أعمالهم التي استحقوا بها ذلك الإنفاق. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم ... ). قال النسفي: وإنما قال: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية، لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون، سعى بسعيهم ذلك النور، وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي: دخول جنات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وأي فوز أعظم من دخول الجنة، وكأن السياق يقول: أيها المؤمنون أنفقوا لتكونوا من هؤلاء ثم قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ أي: للمنفقين في سبيل الله أجر كريم، يوم يقول المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا أي: انتظرونا، لأن أهل الإيمان يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أي: انتظرونا لنلحق بكم فنستنير بنوركم قِيلَ أي: تقول لهم الملائكة أو المؤمنون طردا لهم وتهكما بهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ أي: إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فَالْتَمِسُوا نُوراً أي: فالتمسوا النور هنالك بتحصيل سببه وهو الإيمان وليسوا بقادرين فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ أي: بين المؤمنين والمنافقين بِسُورٍ أي: بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار قال النسفي: قيل هو الأعراف لَهُ بابٌ أي: لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه باطِنُهُ أي: باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فِيهِ الرَّحْمَةُ أي: النور أو الجنة وَظاهِرُهُ أي: ما ظهر لأهل النار مِنْ قِبَلِهِ أي: من عنده وفي جهته الْعَذابُ أي: الظلمة أو النار يُنادُونَهُمْ أي: ينادي المنافقون المؤمنين أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي: في الدنيا؟ يريدون مرافقتهم في الظاهر وادعاءهم أنهم معهم بلسانهم قالُوا أي: المؤمنون بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: أحرقتموها بالنفاق وأهلكتموها وَتَرَبَّصْتُمْ أي: بالمؤمنين الدوائر وَارْتَبْتُمْ في التوحيد والقرآن والبعث وَغَرَّتْكُمُ
следующие страницы →