← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

أخرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها ثم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا: اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج منا ثلاثون ليسمعوا منك، فإن صدقوك آمنا كلنا ففعل فقالوا: كيف نفهم ونحن ستون اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج لك ثلاثة من علمائنا، ففعل ﵊، فاشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك، فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها وكان مسلما، فأخبرته بما أرادوا، فأسرع إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم- على ما قال ابن هشام في سيرته- ست ليال، وقيل: إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين، فطلبوا الصلح فأبى ﵊ عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من المتاع، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات إلا أهل بيتين منهم آل سلام بن أبي الحقيق، وآل كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فلحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وقبض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أموالهم وسلاحهم، فوجد خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، وكان ابن أبي قد قال لهم: معي ألفان من قومي وغيرهم أمدكم بها وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فلما نازلهم صلى الله تعالى عليه وسلم اعتزلتهم قريظة، وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فأنزل الله تعالى قوله). كلمة في سورة الحشر ومحورها: تفصل سورة الحشر في مقدمة سورة البقرة؛ ولذلك فإنك تجد فيها كلاما عن المؤمنين والكافرين والمنافقين، وذلك في سياق التعريف على الله وأفعاله وأسمائه، ومن المعلوم أن الإيمان بالله هو الركن الأول من أركان الإيمان بالغيب، ومن خلال هذا ندرك سر وحدتها، وسر اتصالها بمحورها، فهي تعرفنا على الله من خلال أفعاله؛ وذلك نوع تفصيل لمقدمة سورة البقرة، وفي هذا الجو تعرفنا على صفات المتقين والكافرين والمنافقين، ولذلك صلاته بمقدمة سورة البقرة. ... تتألف السورة من مقدمة ومقطعين، المقدمة هي قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وكل من المقطعين مبدوء بقوله تعالى:

стр. 5532

هُوَ* المقطع الأول يعرفنا على الله من خلال فعله، والمقطع الثاني يعرفنا على الله من خلال ذكر أسمائه. ... ونلاحظ أن سورة الحشر بدأت بالتسبيح وبذكر اسمي الله العزيز الحكيم، وختمت بالتسبيح وبذكر اسمي الله العزيز الحكيم. بدأت بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وختمت بقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ومن قبل لاحظنا أن سورة الجاثية بدأت بقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وختمت بقوله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وكما فصلت سورة الجاثية في مقدمة سورة البقرة فإن سورة الحشر تفصل في ذلك، مع أن لكل منهما تفصيلها وسياقها وطريقتها الخاصة في التفصيل. ...

стр. 5533

المقدمة والمقطع الأول ويمتدان من الآية (١) إلى نهاية الآية (٢١) وهذان هما: المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الحشر (٥٩): آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) المجموعة الأولى من المقطع الأول [سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢ الى ١٠] هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)

стр. 5534

المجموعة الثانية من المقطع الأول [سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ الى ١٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)

стр. 5535

المجموعة الثالثة من المقطع الأول [سورة الحشر (٥٩): الآيات ١٨ الى ٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) ملاحظة: سورة الحشر ذكرت ماذا جرى لبني النضير، فهي تعطينا عبرة هذه الحادثة من خلال سياق سورة الحشر الخاص فيما يخدم السياق العام للقرآن، ومن أجل أن يكون عندنا تصور واضح عن القصة؛ ننقل ملخصا عنها ليكون ذلك معينا على الفهم. قال ابن كثير: (ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وبالله المستعان: وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير أنه لما قتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وكانوا سبعين، وأفلت منهم عمرو بن أمية

стр. 5536

الضمري فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «لقد قتلت رجلين لأدينهما» وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد؛ فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها. قال محمد ابن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج- منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس- قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا وقذف في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﵌ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل؛ فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال

стр. 5537

لرسول الله ﵌، فكانت لرسول الله خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة؛ ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمرو بن كعب عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد ابن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله ﵌ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني» فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلا على أن يقتل عمرو ابن حجاش فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، وهكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم). ملاحظة في السياق: يلاحظ أن هناك آية واحدة هي مقدمة السورة ، ثم يأتي المقطع الأول، ويتألف من ثلاث مجموعات مترابطة المعاني، فلنعرض المقطع على هذا الأساس. مقدمة السورة وتتألف من آية واحدة التفسير: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ قال ابن كثير: (يخبر تعالى أن جميع ما في السموات والأرض من شئ يسبح له ويمجده ويقدسه ويصلي له ويوحده) وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: منيع الجناب الْحَكِيمُ في قدره وشرعه. كلمة في السياق: من مقدمة السورة ندرك مضمونها وأن له صلة بتنزيه الله وخضوع الأشياء كلها له، واتصافه بالعزة والحكمة، ولذلك فسنرى في السورة مظاهر من عزته، وحكمته، ومن قبل أشرنا إلى هذا الموضوع أثناء الكلام عن (آل حم)، وكيف أن ذكر اسم من أسماء الله في ابتداء سورة يشعرنا أن السورة مجلى لظهور هذا الاسم، وهاهنا في سورة الحشر نرى فعل الله بالكافرين والمنافقين وذلك من مظاهر عزته، وتدبير الله

стр. 5538

للمؤمنين وذلك من مظاهر حكمته. تفسير المجموعة الأولى من المقطع الأول: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى: يهود بني النضير مِنْ دِيارِهِمْ حول المدينة المنورة لِأَوَّلِ الْحَشْرِ قال النسفي: (ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام ... أو هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام) أقول: هذا كلام من لم يدرك حشرهم الجديد في فلسطين وبلاد الشام فلعل المراد بقوله تعالى: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ الإشارة أن لهم حشرا أي: جمعا وجمعا وجمعا فيما بعد ذلك في بلاد الشام، وأن ما حدث لبني النضير هو أول هذه الظاهرة، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأول الحشر أي: أول المكان الذي سيحشر فيه الناس يوم القيامة، أي: أول بلاد الشام. وهناك اتجاه آخر في التفسير معناه: أن الله أخرج هؤلاء من ديارهم لأول حشد حشده رسول الله ﷺ عليهم أي: لأدناه، والمعنى الأول أولى ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا قال النسفي: أي: لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي: وظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، والتركيب يدل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، كما يدل على شدة اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في غزوهم، ذكر ذلك كله النسفي وبرهن عليه فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي: من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ قال ابن كثير: أي: الخوف والهلع والجزع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ قال النسفي: (والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة، وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج، وأما المؤمنون فداعيهم إلى التخريب إزالة متحصنهم، وأن يتسع لهم مجال الحرب، ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه) فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ قال النسفي: (أي: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء والسبب الذي استحقوا به ذلك فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم وهذا دليل

стр. 5539

على جواز القياس) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي: الخروج من الوطن والأهل والولد لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة وَلَهُمْ سواء أجلوا أو قتلوا فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ الذي لا أشد منه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: خالفوا الله ورسوله، فكذبوا وعاندوا وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يعاقب المحاربين له بما يشاء من العقوبات الشديدة في الدنيا والآخرة. ... كلمة في السياق: من الآيات التي مرت معنا في هذه المجموعة عرفنا سنة من سنن الله وهي أن من شاق الله ورسوله، فإنه يستحق العقاب الشديد، ومن عقوبات الله الشديدة أن يسلط على قوم فيجليهم من ديارهم، وفي ذلك درس للمسلمين ألا يفعلوا فيما يأتي من الزمان فعل هؤلاء فيستحقون العقاب الشديد؛ ولذلك قال تعالى في الآيات فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ وللأسف فإن بعض ذراري المسلمين فعلوا مثل فعلهم فعوقب الكثير منهم بالجلاء عن أوطانهم، والآيات عرفتنا على الله من خلال فعله وسنته، ولذلك صلته بموضوع الإيمان بالغيب من محور السورة من سورة البقرة، ولنتابع عرض المجموعة الأولى: ... ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة: النخلة أو الكريمة من النخل، أو ما سوى العجوة منه والمعنى: ما قطعتم من شجرة نخل لبني النضير أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي: فقطعها وتركها مأذون فيه شرعا وقدرا. قال ابن كثير: (وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهابا وإرعابا لقلوبهم) والبخاري يروي أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع، وابن عباس يعلل ذلك بأنه- ﵇ أراد استنزالهم من حصونهم. أقول: وهو نوع من أنواع الضغط في الحروب يراد به تدمير اقتصاد البلد المحارب، وهؤلاء يراد إجلاؤهم، ومن ثم فتقطيع بعض نخلهم وتحريقه يساعد على قطع تعلقهم بأرضهم، ثم علل الله الحكمة من الإذن في تقطيع النخيل وإحراقه فقال: وَلِيُخْزِيَ

стр. 5540

الْفاسِقِينَ قال النسفي: أي: وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها. أقول: وسبق التعليل بالواو يفيد أن هناك مصالح أخرى في هذا التقطيع، أحدها إذلال أعداء الله ، وعدم استئصال الشجر كله فيه إشارة إلى أنه ليس المراد القطع أو التخريب لعينه، بل المراد مجرد الضغط والإذلال وانتزاع النصر مع الإبقاء على اقتصاد العدو سليما ليكون غنيمة للمسلمين، وهذا هو الأصل الذي لا يلجأ إلى غيره إلا في حالة وجود حكمة ومصلحة كما هو الحال في الوضع الذي نحن بصدد دراسته، وهذا المعنى من مقررات الحرب الحديثة، إذا كان انتزاع النصر يقتضي تخريب اقتصاد عدوك فدمره، وإلا فأبقه ليكون غنيمة لك وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ أي: وما جعله الله فيئا لرسول الله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ الركاب: الإبل أي: فلم يكن ذلك بإيجاف خيل أو ركاب منكم والمعنى: فما أجهدتم على تحصيله والاستيلاء عليه خيلا ولا ركابا ولا تعبتم في القتال فيه وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ قال النسفي: يعني: إن ما خول الله رسوله في أموال بني النضير شئ لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: هو قدير لا يغالب ولا يمانع؛ بل هو القاهر لكل شئ. قال ابن كثير في الآية: (يقول تعالى مبينا ما الفئ، وما صفته، وما حكمه؟. الفئ كل مال أخذ من الكفار من غير قتال، ولا إيجاف خيل، ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ ، فأفاءه على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء، فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله- في هذه الآيات). أقول: دلت الآية الأخيرة على أن المسلمين إذا قاتلوا استحقوا أربعة أخماس الغنائم، وقد ينفل الإمام المسلم المقاتل، أو المجموعة المقاتلة السلب كله تشجيعا لهم، أما إذا لم يقاتلوا، أو استولوا على أراض بدون قتال مباشر، فالأمر في هذه الحالة له أحكام خاصة ستفصلها الآيات اللاحقة. قال تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى قال ابن كثير: أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال

стр. 5541

ابن كثير: إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفئ ووجوهه. أقول: دلت الآية على أن مصرف الخمس في حال القتال هو مصرف الكل في هذه الحالة، أي: في حالة مثل حالة فئ بني النضير، فكل الأموال والغنائم لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وذكر اسم الله للبركة، وسهما رسول الله ﷺ وقرابته كانا له في حياته كما هو مذهب الحنفية، والفقراء من آل بيته يدخلون في فقراء المسلمين عامة، وعلى هذا فالفيء كله يوزع على اليتامى والمساكين وابن السبيل في مثل هذه الحالة، وقد بين الله الحكمة في ذلك بقوله: كَيْ لا يَكُونَ المال أو الفئ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي: دائرا بين الأغنياء منكم خاصة، وليس بين يدي الفقراء منه شئ. قال ابن كثير: (أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفئ كيلا يبقى مأكلة يتقلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء). أقول: دل هذا التعليل على أن من الأهداف المراعاة في نظام المال في الإسلام ألا يتجمع المال بيد الأغنياء، ومن ثم حرم الله الربا والاحتكار، وشرع نظام الإرث وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قال ابن كثير: (أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر) وَاتَّقُوا اللَّهَ أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ممن خالف الله ورسوله. قال ابن كثير: أي اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره، فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه، وبعد أن بين الله مصارف الفئ إجمالا فصل في ذلك. فقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ أي: جنته وَرِضْواناً قال ابن كثير: أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: وينصرون دين الله ويعينون رسوله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم وتقواهم وجهادهم وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال ابن كثير: أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ حتى شاطروهم أموالهم وأنزلوهم منازلهم، وعرضوا عليهم أن ينزل من كانت له زوجتان عن إحداهما لأخيه إن شاء أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا أي: مما أوتي المهاجرون يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطي المهاجرون، ولم تطمح إلى شئ منه تحتاج إليه. قال النسفي: وقيل لا يجدون في صدورهم مس

стр. 5542

حاجة من فقد ما أوتوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال ابن كثير: يعني حاجة. أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال ابن كثير: أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. قال النسفي: والشح: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، وأما البخل فهو المنع نفسه وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ قال ابن كثير: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفئ وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي: بغضا وحسدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال عمر بن الخطاب عن الآيات الثلاثة الأخيرة: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي بسرد حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه. كلمة في السياق: ١ - في سياق ما فعله الله بالكافرين من خزي في الدنيا، وقهر وجلاء ونصرة لرسوله ﷺ ذكر لنا بعض أحكام الفئ، وفي سياق ذلك عرفنا الله على بعض سننه، وفصل لنا في خصائص المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، أي: أعطانا تصورا عن الخصائص العليا لأهل الإيمان والتقوى، مهاجرين ومهاجرا إليهم ومن يأتي بعدهم، وبذلك عرفنا: أن من خصائص الإيمان الهجرة، والنصرة لله ورسوله، والمحبة للمهاجرين، والإيثار، والتحرر من الشح، والمحبة للسابقين، والاستغفار لهم، وبذلك عرفنا تفصيلا جديدا لخصائص المتقين، وعرفنا أنواعا من العذاب العظيم الذي يوقعه الله في الكافرين في الدنيا والآخرة، ولذلك صلاته مع مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إن الصلة بين الآية الأخيرة وبين قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ واضحة، فآيات سورة الحشر تعرض علينا خصائص المتقين من خلال سياق سورة الحشر الخاص. وفي قوله تعالى: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ وفي قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وفي قوله: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ

стр. 5543

لَمْ يَحْتَسِبُوا ... وفي قوله: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ نوع تفصيل لقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ٢ - بعد أن فصل الله- خصائص المتقين من خلال سياق سورة الحشر الخاص، وبعد أن أرانا نماذج من تعذيبه للكافرين في الدنيا؛ لأنهم يشاقون الله ورسوله تأتي المجموعة الثانية في المقطع الأول لسورة الحشر، فتعرفنا على طبيعة المنافقين، وفي ذلك زيادة تفصيل عن المنافقين، ولذلك صلته بمقدمة سورة البقرة، إن مقدمة سورة البقرة عرضت علينا حقيقة المنافقين، وعرفتنا عليهم من خلال أقوالهم، ومثلت لحالهم، ومما عرضته لنا أنهم إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ وفي المجموعة التالية من المقطع نرى حقيقة معية المنافقين للكافرين في اللحظات الحاسمة من الصراع بين الكافرين والمؤمنين، ومن خلال ذلك ندرك أن سورة الحشر تفصل في مقدمة سورة البقرة من خلال المواقف العملية. فلنر المجموعة الثانية. تفسير المجموعة الثانية في المقطع الأول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا كعبد الله بن أبي، وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر من أنفسهم يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: بني النضير والمراد أخوة الكفر لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ أي: مصيرنا ومصيركم واحد وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً أي: إن أمرنا فيكم أمرا فلن ننفذه وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ أي: فاثبتوا وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ قال ابن كثير: أي: لكاذبون فيما وعدوهم به، إما لأنهم قالوا لهم قولا ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ فهم كاذبون في ما قالوه لهم في هذا الشأن وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ فهم كاذبون فيما قالوه لهم في هذا الشأن وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ على الفرض والتقدير لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ أي: ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن المنافقون ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بعد ذلك، أي: يهلكهم الله

стр. 5544

ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين لَأَنْتُمْ أيها المؤمنون أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي: لا يعرفون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً أي: مجتمعين يعني: اليهود والمنافقين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أي: في القلاع والحصون أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ كالدبابات والمدرعات والمصفحات، ومن عرف أن نظرية القتال عند اليهود في عصرنا تقوم على التحصينات المكثفة، والجيوش المحمولة على الدبابات والطائرات والمصفحات، أدرك أن هذا القرآن من عند الله الذي وسع علمه كل شئ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي: عداوتهم بينهم شديدة يعني: أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا يهودا ويهودا، أو يهودا ومنافقين، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً أي: تحسب اليهود والمنافقين، أو كلا منهم مجتمعين ذوي ألفة واتحاد وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي: متفرقة لا ألفة بينها. قال النسفي: يعني: إن بينهم إحنا وعداوات فلا يتعاضدون حق التعاضد، وهذا تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم ذلِكَ أي: التفرق بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم. قال النسفي: (أقول: إن سبب التفرق هو أنهم لا يملكون العقل الشرعي الذي يصون شرع الله- إذ الحق وحده يجمع الناس، فإذا لم يكن حق فلا اجتماع) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً أي: مثل هؤلاء كمثل أهل بدر، أو كمثل بني قينقاع الذين أجلاهم الرسول ﷺ من قبل ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي: ذاقوا سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار مَثَلُهُمْ* أي: مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإطلاقهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي: كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرأ منه في العاقبة. قال ابن كثير: (يعني مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم لئن قوتلتم لننصرنكم. ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان- والعياذ بالله- الكفر فإذا دخل فيما سوله له تبرأ منه وتنصل وقال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَ

стр. 5545

الْعالَمِينَ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، أي: فكان عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له والمراد به في هذا السياق المنافق والكافر أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أي: جزاء كل ظالم، وبهذا انتهت المجموعة الثانية. كلمة في السياق: من خلال موقف المنافقين من بني النضير أخذنا تصورا عن النفاق وأهله، وفي ذلك تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة، وهكذا من خلال قصة بني النضير أخذنا تفصيلا لكثير من المعاني الموجودة في مقدمة سورة البقرة، وتعرفنا على الله وعلى بعض سنته والآن تأتي مجموعة أخيرة في هذا المقطع، تبني على ما ورد في المجموعتين السابقتين فتخاطب المؤمنين وتطالبهم بالتقوى والعمل لليوم الآخر، وتعمق معرفتنا بهذا القرآن. فلنر المجموعة الثالثة في المقطع. تفسير المجموعة الثالثة في المقطع الأول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في أوامره فلا تخالفوها. قال ابن كثير: أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني: يوم القيامة. قال النسفي: سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتعظيم أمره وَاتَّقُوا اللَّهَ كرر الأمر بالتقوى تأكيدا إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير. قال النسفي: فيه تحريض على المراقبة؛ لأن من علم وقت فعله أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي: تركوا ذكر الله وما أمرهم به فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال النسفي: (أي: فتركهم من ذكره إياهم بالرحمة والتوفيق) أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي: الخارجون عن طاعة الله. قال ابن كثير في الآية: أي: لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ أي: الناجون من عذاب

стр. 5546

الله ، قال النسفي: هذا تنبيه للناس، وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز العظيم مع أصحاب الجنة، والعذاب الأليم مع أصحاب النار، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، ثم قال تعالى معظما لأمر القرآن، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق، والوعيد الأكيد لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قال النسفي: أي: من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن لخشع، أي: لخضع وتطأطأ وتصدع، أي: تشقق من خشية الله ... والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره، قال ابن كثير: أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيعقلون فيخشعون، وبهذا انتهت المجموعة الثالثة وانتهى بانتهائها المقطع الأول. كلمة في السياق: بدأت السورة بقوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثم عرفتنا على الله من خلال فعله ببني النضير هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ثم أمرت المؤمنين بالتقوى، وأمرت بالعمل للآخرة، وذكرت بعدم استواء أهل النار وأهل الجنة، ثم ذكرت بعظمة هذا القرآن، وفي ذلك مطالبة بالخشوع والتقوى، وبعد ذلك يأتي المقطع الثاني وهو يعرفنا على الله- من خلال ذكر أسمائه، فالسورة تعرفنا في مقطعها الأول على الله من خلال أفعاله، وتعرفنا على الله في مقطعها الثاني من خلال أسمائه، وفي وسط ذلك يتوجه الخطاب للمؤمنين بالتقوى، والعمل للآخرة، والخشوع وقد فصلت السورة في أخلاق المتقين والكافرين والمنافقين ضمن سياقها الخاص، ولنا عودة على هذا الموضوع فيما بعد. فلنر الآن المقطع الثاني. ***

стр. 5547

المقطع الثاني ويمتد من الآية (٢٢) إلى نهاية الآية (٢٤) أي: إلى نهاية السورة وهذا هو: [سورة الحشر (٥٩): الآيات ٢٢ الى ٢٤] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) التفسير: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي: العالم بجميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا، فلا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قال ابن كثير: (والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) فمن كان هو الإله وحده، ومن كان يعلم الغيب والشهادة، ومن كانت رحمته تبلغ الأشياء كلها، فكيف لا يتقى؟ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ أي: المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة الْقُدُّوسُ قال النسفي: أي: المنزه عن القبائح السَّلامُ قال النسفي: (أي: الذي سلم الخلق من ظلمه) وقال ابن كثير: (أي: من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله) الْمُؤْمِنُ أي: واهب الأمن الْمُهَيْمِنُ أي: الرقيب على كل شئ الحافظ له الْعَزِيزُ أي: الغالب غير المغلوب. قال ابن كثير: أي: الذي قد عز كل شئ فقهره، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه الْجَبَّارُ أي: العالي العظيم، الذي يذل له من دونه، أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان أو القهار ذو الجبروت الْمُتَكَبِّرُ أي: البليغ الكبرياء والعظمة. قال ابن كثير: أي: الذي لا تليق الجبرية إلا له،

стр. 5548

ولا التكبر إلا لعظمته سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ بعد أن ذكر الله ما ذكر من أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، نزه ذاته عما يصفه به المشركون هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ أي: المقدر لما يوجده الْبارِئُ أي: الموجد الْمُصَوِّرُ الذي أعطى كل شئ صورته لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى الدالة على الصفات العلى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ختم السورة بما بدأها به. كلمة في السياق: رأينا أن السورة في سياقها الرئيسي تركز على التعريف بالله ، وتطالب بناء على هذا التعريف بالتقوى، والعمل للآخرة، والخشوع لكتاب الله ، وقد ذكرت لنا السورة مظاهر من عزة الله وحكمته، فكانت مجلى لظهور اسمي الله العزيز الحكيم اللذين بدأت بهما السورة وانتهت، فرأينا حكمة الله في أفعاله وشرعه فيها، ورأينا عزة الله في انتصاره وانتقامه، ورأينا في السورة تدبير الله لرسوله وللمؤمنين، وفعله بالكافرين والمنافقين، ورأينا مزيدا من خصائص المؤمنين، وعرفنا مزيدا من صفات المنافقين والكافرين، ومن ثم كانت السورة تفصيلا لمقدمة سورة البقرة، فمقدمة سورة البقرة تتحدث عن المتقين، ولا تقوى إلا بمعرفة الله ، وقد عرفتنا السورة على الله ، ومن صفات المتقين الاهتداء بكتاب الله الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقد عرفتنا السورة على عظمة هذا القرآن، وطالبت بالخشوع له لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ... ومن صفات المتقين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وقد دعتنا السورة للعمل للآخرة، وأرتنا خصائص للمتقين التي تمثلت في رجال مهاجرين وأنصار وتابعين لهم بإحسان، وحدثتنا السورة عن تعذيب الله للكافرين في الدنيا والآخرة، وحدثتنا السورة عن المنافقين وصفاتهم من خلال موقفهم من بني النضير، فكان في ذلك كله تفصيل لمقدمة سورة البقرة. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ قال ابن كثير: (يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد، كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة على أن

стр. 5549

لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد، فأجلاهم النبي ﷺ وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئا، وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وسيرهم رسول الله ﷺ وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم؛ ولهذا قال تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ قال صاحب الظلال: (أتاهم من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب، ففتحوا حصونهم بأيديهم! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم، ولا يحكمون قلوبهم، ولا يمتنعون على الله بإرادتهم وتصميمهم! فضلا على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم. وقد كانوا يحسبون حساب كل شئ إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم. فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمرا. يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر، وهو يعلم كل شئ، وهو على كل شئ قدير). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ قال صاحب الظلال: (ومن ثم فالنظام الإسلامي نظام يبيح الملكية الفردية، ولكنه ليس هو النظام الرأسمالي، كما أن النظام الرأسمالي ليس منقولا عنه، فما يقوم النظام الرأسمالي إطلاقا بدون ربا وبدون احتكار، إنما هو نظام خاص من لدن حكيم خبير. نشأ وحده، وسار وحده، وبقي حتى اليوم وحده، نظاما فريدا متوازن الجوانب، متعادل الحقوق والواجبات، متناسقا تناسق الكون كله، مذ كان صدوره عن خالق الكون، والكون متناسق موزون!). ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن عبد الله- هو ابن مسعود- ﵁ قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن،

стр. 5550

المغيرات خلق الله ، قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا؟ قالت: بلى قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا، فجاءت فقالت ما رأيت شيئا قال: لو كان كذا لم تجامعنا. أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري، وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»). وقال صاحب الظلال: (فأما القاعدة- قاعدة تلقي الشريعة من مصدر واحد: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ... فهي كذلك تمثل النظرية الدستورية الإسلامية. فسلطان القانون في الإسلام مستمد من أن هذا التشريع جاء به الرسول ﷺ قرآنا أو سنة ... والأمة كلها والإمام معها لا تملك أن تخالف عما جاء به الرسول. فإذا شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا سلطان، لأنه فقد السند الأول الذي يستمد منه السلطان ... وهذه النظرية تخالف جميع النظريات البشرية الوضعية، بما فيها تلك التي تجعل الأمة مصدر السلطات، بمعنى أن للأمة أن تشرع لنفسها ما تشاء، وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان. فمصدر السلطات في الإسلام هو شرع الله الذي جاء به الرسول- ﷺ والأمة تقوم على هذه الشريعة وتحرسها وتنفذها والإمام نائب عن الأمة في هذا وفي هذا تنحصر حقوق الأمة. فليس لها أن تخالف عما آتاها الرسول في أي تشريع). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن أنس ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشر كونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله قال: «لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» لم أره في الكتب من هذا الوجه. وروى البخاري عن يحيى بن سعيد أنه سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين قالوا: لا إلا أن تقطع

стр. 5551

لإخواننا من المهاجرين مثلها قال: «أما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة» تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى البخاري ... عن أبي هريرة قال: «قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال: لا، فقالوا: أتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا» تفرد به دون مسلم). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا قال ابن كثير: (قال الحسن البصري وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً يعني: الحسد مِمَّا أُوتُوا قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم. وكذا قال ابن زيد: ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث روى عن أنس ﵁ قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال: «نعم» قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ! قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق، ورواه النسائي في اليوم والليلة بإسناد صحيح على شرط الصحيحين). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال ابن كثير: (وروى الأعمش وشعبة ... عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال

стр. 5552

رسول الله ﷺ : «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» ورواه أحمد وأبو داود والنسائي. وروى الليث عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا». وروى ابن أبي حاتم عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا، فقال عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل وبئس الشئ البخل. وروى سفيان الثوري عن أبي الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁. رواه ابن جرير. وروى ابن جرير عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: «برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة». ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ قال ابن كثير: (هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفئ وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ أي: قائلين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفئ نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي: بغضا وحسدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وروى ابن أبي حاتم عن

стр. 5553

عائشة ﵂ أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الآية. وروى إسماعيل بن علية عن عائشة قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسببتموهم: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها» رواه البغوي وروى أبو داود عن الزهري قال: قال عمر ﵁: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ قال الزهري: قال عمر ﵁: هذه لرسول الله ﷺ ، وقرى عرينة وكذا وكذا، مما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، والذين جاءوا من بعدهم فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق. قال أيوب أو قال حظ إلا بعض من تملكون من أرقائكم، وكذا رواه أبو داود وفيه انقطاع. وروى ابن جرير عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ حتى بلغ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى الآية ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى حتى بلغ لِلْفُقَراءِ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة، فليس أحد إلا وله فيها حق ثم قال. لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرد حمير نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه.). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ قال ابن كثير: (وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، روى ابن جرير عن أبي إسحاق سمعت عبد الله بن نهيك قال سمعت عليا ﵁ يقول: إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، قال: فجاءوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك إنك أعييتني،

стр. 5554

أنا صنعت هذا بك، فأطعني أنجك مما صنعت بك، فاسجد لي سجدة، فسجد له فلما سجد قال: إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ). ١٠ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى آخر الآية وقرأ الآية التي في الحشر وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره- حتى قال- ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ» انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة بإسناده مثله). ١١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁. أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله ، إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا

стр. 5555

بسنانه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله علمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. هذا إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وشيخ جرير بن عثمان وهو نعيم بن نمحة لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ جرير كلهم ثقات وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر والله أعلم). ١٢ - بمناسبة قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قال ابن كثير: (وقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع جاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكت لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله ﷺ من الجذع، وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى الآية وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن، وقد قال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ). ١٣ - بمناسبة قوله تعالى: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى قال ابن كثير: (ونذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﵌: «إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» وتقدم سياق الترمذي وابن ماجه له عن أبي هريرة أيضا وزاد بعد قوله: وهو وتر يحب الوتر. واللفظ للترمذي: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل،

стр. 5556

اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» وسياق ابن ماجه بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير). ١٤ - بمناسبة الآيات الأخيرة من سورة الحشر قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن معقل بن يسار عن النبي ﵌ قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا؛ ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» ورواه الترمذي، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه). كلمة أخيرة في سورة الحشر: جاءت سورة الحشر بعد سورة المجادلة فكانت نموذجا للموضوع الرئيسي في سورة المجادلة، وهو استحقاق الذين يحادون الله ورسوله الكبت والذلة، إذ عرضت لنا ما أصاب بني النضير من خزي وإذلال بسبب مشاقتهم لله وللرسول، وقد ذكر الله في هذه السورة موقف المنافقين وتوليهم للكافرين، وسنرى أن سورة الممتحنة ستأتي لتبدأ بالنهي عن تولي أعداء الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... وهكذا تتعانق نهايات السور ببدايات ما بعدها بشكل عجيب، ولقد رأينا في السورة بعض ملامح الحكمة في توزيع آيات الأحكام على القرآن كله، فقد عرضت السورة التشريع الذي له علاقة بالفئ في سياق يستخرج التسليم المطلق من المؤمن، إذ وضعت هذه الأحكام في سياق التذكير بخصائص الإيثار واحتياجات المحتاجين، وفعل الله ، وغير ذلك مما رأيناه بحيث لا يسع الإنسان إلا أن يسلم بالفئ لأهله، وهكذا فعل الله في كل ما أمر به

стр. 5557

ونهى عنه إذ جاء في سياق يحمل على التطبيق والالتزام، وسورة الحشر مع سورة الممتحنة مجموعة برأسها، ولذلك فإن سورة الحشر تؤلف مع سورة الممتحنة كلا متكاملا يظهر ذلك في أن سورة الحشر تحدثت عن الكافرين وموالاتهم، وها هي ذي سورة الممتحنة تنهى المؤمنين عن سلوك هذا الطريق. ... بعد مقدمة سورة البقرة جاءت دعوة لعبادة الله وتوحيده للوصول إلى التقوى، وجاءت بشارة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وكل ذلك في الآيات الخمس الأولى من المقطع الأول من القسم الأول، والملاحظ أن سورة الحشر عرفتنا على الله من خلال أسمائه وأفعاله، ومعرفة الله هي الأساس الذي تقوم عليه العبادة كما جاء في سورة الحشر قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وهذا يشير إلى أن سورة الحشر فصلت في مقدمة سورة البقرة والآيات الخمس بعدها. ... وقد جاء في الآيات الخمس قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وجاء في سورة الحشر قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فهذه الخصيصة للقرآن تنفي الريب عنه. ... وبعد مقدمة سورة البقرة، وهذه الآيات الخمس، تأتي آيتان ستفصل فيهما سورة الممتحنة. ***

стр. 5558

سورة الممتحنة وهي السورة الستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية والأخيرة من المجموعة الثالثة من قسم المفصل، وهي ثلاث عشرة آية وهي مدنية

стр. 5559

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5560

بين يدي سورة الممتحنة: قدم الألوسي لسورة الممتحنة بقوله: (قال ابن حجر: المشهور في هذه التسمية أنها بفتح الحاء وقد تكسر؛ فعلى الأول هي صفة المرأة التي أنزلت بسببها، وعلى الثاني صفة السورة كما قيل لبراءة: الفاضحة، وفي جمال القراء تسمى أيضا سورة الامتحان. وسورة المودة، وأطلق ابن عباس. وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم القول بمدنيتها، وذكر بعضهم أن أولها نزل يوم فتح مكة فكونها مدنية إما من باب التغليب أو مبني على أن المدني ما نزل بعد الهجرة، وهي ثلاث عشرة آية بالاتفاق. ومناسبتها لما قبلها أنه ذكر فيما قبل موالاة الذين نافقوا للذين كفروا من أهل الكتاب، وذكر في هذه نهي المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء لئلا يشابهوا المنافقين، وبسط الكلام فيه أتم بسط. وقيل في ذلك أيضا: إن فيما قبل ذكر المعاهدين من أهل الكتاب وفي هذه ذكر المعاهدين من المشركين لأن فيها ما نزل في صلح الحديبية، ولشدة اتصالها بالسورة قبلها فصل بها بينها وبين الصف مع تواخيهما في الافتتاح- بسبح-). ومن تقديم صاحب الظلال للسورة نقتطف ما يلي: (هذه السورة حلقة في سلسلة التربية الإيمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة في المجتمع المدني. حلقة من تلك السلسلة الطويلة، أو من ذلك المنهج الإلهي المختار للجماعة المسلمة المختارة، التي ناط بها الله تحقيق منهجه الذي يريده للحياة الإنسانية، في صورة واقعية عملية، كيما يستقر في الأرض نظاما ذا معالم وحدود وشخصية مميزة؛ تبلغ إليه البشرية أحيانا، وتقصر عنه أحيانا، ولكنها تبقى معلقة دائما بمحاولة بلوغه؛ وتبقى أمامها صورة واقعية منه، تحققت يوما في هذه الأرض). (إن العالم الذي يريده الإسلام عالم رباني إنساني. رباني بمعنى أنه يستمد كل مقوماته من توجيه الله وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره وعمله. وإنساني بمعنى أنه يشمل الجنس الإنساني كله في رحاب العقيدة وتذوب فيه فواصل الجنس والوطن واللغة والنسب. وسائر ما يميز إنسانا عن إنسان، عدا عقيدة الإيمان. وهذا هو العالم الرفيع اللائق أن يعيش فيه الإنسان الكريم على الله، المتضمن كيانه نفحة من روح الله. ودون إقامة هذا العالم تقف عقبات كثيرة- كانت في البيئة العربية وما تزال في العالم كله إلى اليوم- عقبات من التعصب للبيت، والتعصب للعشيرة، والتعصب للقوم، والتعصب للجنس، والتعصب للأرض. كما تقف عقبات أخرى من رغائب

стр. 5561

النفوس وأهواء القلوب، من الحرص والشح وحب الخير للذات، ومن الكبرياء الذاتية والالتواءات النفسية ... وألوان غيرها كثير من ذوات الصدور! وكان على الإسلام أن يعالج هذا كله في الجماعة التي يعدها لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عمليه واقعة. وكانت هذه الصورة حلقة في سلسلة هذا العلاج الطويل. وكان بعض المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم في سبيل عقيدتهم، ما تزال نفوسهم مشدودة إلى بعض من خلفوا هنالك من ذرية وأزواج وذوي قربى. وعلى الرغم من كل ما ذاقوا من العنت والأذى من قريش فقد ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم وبين أهل مكة المحاسنة والمودة؛ وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قرابتهم، وتقطع ما بينهم وبينهم من صلات! وكان الله يريد استصفاء هذه النفوس واستخلاصها من كل هذه الوشائج، وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه. وهو- سبحانه- يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من الميول الطبيعية ورواسب الجاهلية جميعا- وكان العرب بطبيعتهم أشد الناس احتفالا بعصبية القبيلة والعشيرة والبيت- فكان يأخذهم يوما بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث وبالتعقيب على الأحداث، ليكون العلاج على مسرح الحوادث وليكون الطرق والحديد ساخن!). ... كلمة في سورة الممتحنة ومحورها: تفصل سورة الممتحنة في محور سورة المائدة، ومن ثم فلها مثل بدايتها، فسورة المائدة مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وكذلك سورة الممتحنة، ونجد في سورة المائدة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ونجد فيها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وسورة الممتحنة مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... وقد رأينا من قبل أن سورة المجادلة فصلت في محور سورة المائدة نفسه، وكانت خاتمتها لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ

стр. 5562

حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... وبعد الآيات الخمسة والعشرين الأولى من سورة البقرة والتي تتحدث عن التقوى، وطريقها، وأركانها، ومظاهرها التي فصلت فيها سورة الحشر، تأتي آيتان هما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ هاتان الآيتان تتحدثان عن الأسباب التي يستحق بها الفاسقون الإضلال وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ .... وسورة الممتحنة تأتي لتحدد للمؤمنين ما ينبغي فعله، وما لا ينبغي فعله ليتحرروا من هذا كله، ومن ثم ستلاحظ أن الآية الأولى من سورة الممتحنة تنهى عن موالاة أعداء الله سرا وعلانية ثم تقول: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ... لاحظ الصلة بين قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وبين قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ لتجد من خلال هذه الملاحظة صدق ما ذكرناه. ... وتتحدث سورة الممتحنة عمن يجوز وصله، وعمن لا يجوز، كما تتحدث عن عقود واجبة البر كبيعة النساء، وعقود لا تصح أصلا، كما تتحدث عن مظاهر الإفساد في الأرض، ولذلك صلاته بمحورها. ... وقد يتساءل متسائل، لماذا هذا التركيز كله على الآيات الأولى من سورة البقرة حتى ليكاد يكون قسم المفصل كله تفصيلا لذلك؟، والجواب: إن هذه المعاني التي ذكرتها الآيات الأولى من سورة البقرة عليها مدار الإسلام كله، فبقدر ما تتعمق معانيها في النفس البشرية وتتضح يكون الإسلام قائما والأمر مستقيما. ولنعرض سورة الممتحنة على أنها فقرات كل فقرة منها مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا. ***

стр. 5563

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) إلى الآية (٩) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)

стр. 5564

فائدة في سبب النزول: قال ابن كثير: (كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب ابن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان، فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد فأمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: «اللهم عم عليهم خبرنا» فعمد حاطب هذا فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله ﷺ استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة، فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته. روى الإمام أحمد عن عبيد الله بن أبي رافع أنه سمع عليا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم

стр. 5565

ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يا حاطب ما هذا؟» قال: لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ : «إنه صدقكم» فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : «إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من غير وجه عن سفيان بن عيينة به، وزاد البخاري في كتاب المغازي فأنزل الله السورة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ. التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ قال ابن كثير: (يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع عداوتهم ومصادمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء). أقول: وللتولي مظاهر متعددة حاولنا أن نحصيها في كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) ومن مظاهرها التي يدل عليها سبب نزول هذه الآيات أن ينقل المسلم للكافرين أسرار المسلمين، وأن يطلعهم على مخططاتهم تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي: لا تتخذوا الكافرين أولياء ملقين إليهم بالمودة، دل ذلك على أن إلقاء المودة للكافرين من مظاهر الولاء قال النسفي: والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ أي: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم بالمودة، وهذه حالهم أنهم قد كفروا بما جاءكم من الحق الذي هو دين الإسلام والقرآن، ثم ذكر بمظاهر كفرهم وعتوهم فقال: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ أي: يخرجونكم من مكة لإيمانكم بالله ربكم، أي: لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين. قال ابن كثير: (هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده) إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي أي: إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي ومبتغين مرضاتي فلا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. قال

стр. 5566

ابن كثير: (أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقا عليكم وسخطا لدينكم) تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ قال ابن كثير: أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر. قال النسفي: (أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله ﷺ بسبب المودة) وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم والمعنى: أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي: ومن يفعل منكم هذا الإسرار فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي: فقد أخطأ طريق الحق والصواب إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي: إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يكونوا لكم خالصي العداوة، ولا يكونوا أولياء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ أي: بالقتل والشتم. قال ابن كثير: (أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال) وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي: وتمنوا لو ترتدون عن دينكم وما دام الأمر كذلك فموادة أمثالهم خطأ عظيم. قال ابن كثير: (أي: ويحرصون على ألا تنالوا خيرا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟) وهذا تهييج على عداوتهم أيضا. وقال النسفي شارحا الآية: (يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين، من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شئ عنده أن يقصد أهم شئ عند صاحبه). لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي: قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين توالون الكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم ثم قال: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ أي: وبين أقاربكم وأولادكم، فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منه غدا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم على أعمالكم. قال ابن كثير: (أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد بكم سوءا، ونفعهم لا يصل إليكم، إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبا إلى نبي من الأنبياء). ثم قال تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، أي: قد كانت لكم قدوة حسنة في

стр. 5567

إبراهيم ﵇ ومن معه من المؤمنين إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي: تبرأنا منكم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: تبرأنا منكم ومن آلهتكم كَفَرْنا بِكُمْ أي: بدينكم وبطريقتكم وبأشخاصكم التي تمثل بها هذا الدين والطريقة وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ بالأفعال وَالْبَغْضاءُ بالقلوب أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فحينئذ نترك عداوتكم وبغضكم. قال ابن كثير: (يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم ... ) إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون معه من الأنداد إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ قال النسفي: أي: اقتدوا به (أي: في إبراهيم) في أقواله ولا تأتسوا به في الاستغفار لأبيه الكافر، وقال ابن كثير: أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ثم أتم الله قول إبراهيم لأبيه وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي: من هداية ومغفرة وتوفيق فكأنه قال له: سأستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار، ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم ﵇ والذين معه حين فارقوا قومهم، وتبرءوا منهم فلجأوا إلى الله ، وتضرعوا إليه فقالوا: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا لا على أحد سواك وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي: أقبلنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: المرجع. قال ابن كثير: أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك، وإليك المصير أي: المعاد في الدار الآخرة، وقالوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قال النسفي: أي: لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب. وقال ابن كثير: (قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا) وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا أي: واستر ذنوبنا عن غيرنا، واعف عنها فيما بيننا وبينك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي: الذي لا يضام من لاذ بجنابك الْحَكِيمُ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك، ثم كرر الله الحث على الاقتداء بإبراهيم ﵇ فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ هذا تهييج للتأسي بإبراهيم ومن معه لكل مؤمن بالله والمعاد وَمَنْ يَتَوَلَّ عما أمر الله به من الاقتداء بإبراهيم ومن معه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن الخلق

стр. 5568

الْحَمِيدُ المستحق للحمد، وبعد أن أمر الله بمعاداة الكافرين والبراءة منهم قال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً أي: محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة بأن يوفقهم للإيمان، وقد كان ذلك للمهاجرين يوم فتح الله مكة فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب وَاللَّهُ قَدِيرٌ على تقليب القلوب، وتحويل الأحوال، وتسهيل أسباب المودة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أسلم من المشركين. قال ابن كثير: أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان، وبعد أن قرر الله أن الأصل بين المسلم والكافر العداء، وأنه لا ولاء بينهما ذكر من يجوز بره من الكافرين، وينبغي القسط فيه، وحدد الذين لا تجوز موالاتهم بحال فقال: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ قال النسفي: (أي: تكرموهم وتحسنوا إليهم قولا وفعلا) وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ قال النسفي: أي: وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: العادلين والمعنى: لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا عن القسط فيهم، لأن الله يحب من اتصف بصفة العدل ثم قال تعالى محددا من تجب معاداته، ولا تجوز موالاته إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أي: أيدوا هذا الإخراج وعاونوا عليه أَنْ تَوَلَّوْهُمْ أي: أن تعطوهم أي مظهر من مظاهر الولاء وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ حيث وضعوا التولي في غير موضعه، ومعنى الآيتين: لا ينهاكم الله عن مبرة أولئك، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وإنما ذكر جواز المبرة والقسط مع الأولين، ولم يذكر الولاء، وذكر تحريم الولاء مع الآخرين؛ لأن الولاء لا يجوز أن يعطى أبدا إلا لأهل الإيمان. قال ابن كثير: (أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم) فمواطنونا من غير المسلمين إذا لم يدخلوا في صراع معنا أو قتال، وإذا لم يبذلوا جهدا من أجل إخراجنا من بلادنا فهؤلاء يجوز البر لهم، والعدل فيهم، أما الولاء لهم فلا، وأعظم مظاهر الولاء في عصرنا الدخول معهم في حزب واحد، يعطيهم المسلم من خلاله الولاء، ويحجبه عن المسلمين، وأما الذين يريدون استئصال ديننا وفتنتنا عنه فهؤلاء لا ولاء لهم بل عداء،

стр. 5569

لأن الفتنة أكبر من القتل، ومن ثم فالعمل الإسلامي المعاصر يجب أن يحدد علاقته ومواقفه من هؤلاء وأولئك، ولا بأس بعقد ميثاق وطني مع الذين لا يقاتلون ولا يظاهرون، ومع الميثاق تكون صلات ومبرات وإقناع وبيان، ولا شئ يكشف المقاتلين والمظاهرين كالانتساب إلى الأحزاب التي من أهدافها استئصال الإسلام، فمتى وجد انتساب كان العداء وحجب البر مع البيان، ومتى لم يوجد انتساب ولا تأييد كان البر والقسط، وهل يدخل في البر توظيفهم واستعمالهم وإشراكهم في مجلس شورى القطر، وإشراكهم في الوزارات والجيش؟ الذي عليه العمل خلال العصور هو هذا مع اشتراط أن يكون السلطان للمسلمين، والسيطرة لهم، ومع الأمن من جانب هؤلاء ومحاسبتهم الدقيقة، أما الآخرون فاستعمالهم من أكبر الجرائم عند الله، قال ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه» فكل من شارك من الكفرة في الأحزاب التي من أهدافها استبعاد الإسلام أو إقصاؤه أو محاربته أو محاربة أهله، فهؤلاء يجب إسقاط الحقوق المدنية عمن يبقى منهم حيا بعد القتال، بأن يطردوا من وظائفهم، ويحال بينهم وبين أي عمل في الدولة على كل مستوى، وتبدأ عملية تأليف قلوبهم من خلال أشياء أخرى إن اقتضى الأمر ذلك، أما المسلمون الذين يشاركون في مثل هذه الأحزاب فهؤلاء إما مرتدون، أو منافقون، إلا رجلا أمر أن ينتسب ودخل بنية صالحة، فأما المرتد فالقتل إلا إذا تاب، وأما المنافق فيعامل على ظاهره إلا إذا ظهر منه ما يدل على ارتداده فيقتل حينئذ إلا إذا تاب، وبمقدار ما تصدق التوبة وتظهر آثارها يمكن أن يعامل هؤلاء، أما أن يعطى هؤلاء إمرة على المسلمين فلا. كلمة في السياق: ١ - واضح في الفقرة أن السياق انصب على عدم جواز موالاة أعداء الله والإسلام، ولم يخالط الفقرة شئ ليس له علاقة بهذا الموضوع، ومن ثم فسينصب كلامنا على صلة الفقرة بمحور السورة. ٢ - قلنا إن محور السورة هو محور سورة المائدة، فلنعرض هذا المحور، ولنر صلة ما مر معنا به:

стр. 5570

أ- إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ويلاحظ في الآية الأولى من الفقرة مجئ كلمة (الحق) وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ. ب- وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ يلاحظ في الآية الأولى من الفقرة ورود قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي: إسرار المودة فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ مما يشير إلى أن من يفعل ذلك دخل في الفاسقين الذين يضلهم الله بسبب فسوقهم. ج- الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يلاحظ أن آيات الفقرة ذكرت مظهرا من مظاهر نقض الميثاق مع الله وهو موالاة أعدائه. د- وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يلاحظ أن الفقرة تحدثت عن الولاء للكافرين الذي هو قطع لما أمر الله به أن يوصل وهو موالاة المؤمنين، كما ذكرت الفقرة أن بر من لم يقاتلنا في الدين ويخرجنا من بلادنا ويؤيد إخراجنا لا يعتبر من هذا القبيل، كما أن الأرحام والأولاد في المجتمع الكافر لا تعتبر قطيعتهم من باب قطع ما أمر الله به أن يوصل. هـ- وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ نلاحظ أن الفقرة تعرضت لما يفعله الكافرون بالمؤمنين: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهذه جوانب من الإفساد في الأرض واضحة. ومن ثم فالفقرة قد فصلت في آيتي سورة البقرة اللتين هما محور السورة، ومحور سورة المائدة من قبل تفصيلا واضحا، وسنرى صلة الفقرات الآتية بمحور السورة، وسنرى في ذلك دليلا واضحا على صحة ما ذهبنا إليه. ***
следующие страницы →