← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

ابن كثير: (أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقا عليكم وسخطا لدينكم) تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ قال ابن كثير: أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر. قال النسفي: (أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو تسرون إليهم أسرار رسول الله ﷺ بسبب المودة) وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم والمعنى: أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي: ومن يفعل منكم هذا الإسرار فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي: فقد أخطأ طريق الحق والصواب إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي: إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم يكونوا لكم خالصي العداوة، ولا يكونوا أولياء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ أي: بالقتل والشتم. قال ابن كثير: (أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال) وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ أي: وتمنوا لو ترتدون عن دينكم وما دام الأمر كذلك فموادة أمثالهم خطأ عظيم. قال ابن كثير: (أي: ويحرصون على ألا تنالوا خيرا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟) وهذا تهييج على عداوتهم أيضا. وقال النسفي شارحا الآية: (يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين، من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شئ عنده أن يقصد أهم شئ عند صاحبه). لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ أي: قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ الذين توالون الكفار من أجلهم، وتتقربون إليهم محاماة عليهم ثم قال: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ أي: وبين أقاربكم وأولادكم، فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منه غدا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم على أعمالكم. قال ابن كثير: (أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد بكم سوءا، ونفعهم لا يصل إليكم، إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبا إلى نبي من الأنبياء). ثم قال تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، أي: قد كانت لكم قدوة حسنة في

стр. 5567

إبراهيم ﵇ ومن معه من المؤمنين إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي: تبرأنا منكم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: تبرأنا منكم ومن آلهتكم كَفَرْنا بِكُمْ أي: بدينكم وبطريقتكم وبأشخاصكم التي تمثل بها هذا الدين والطريقة وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ بالأفعال وَالْبَغْضاءُ بالقلوب أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ فحينئذ نترك عداوتكم وبغضكم. قال ابن كثير: (يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدا نتبرأ منكم ونبغضكم ... ) إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون معه من الأنداد إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ قال النسفي: أي: اقتدوا به (أي: في إبراهيم) في أقواله ولا تأتسوا به في الاستغفار لأبيه الكافر، وقال ابن كثير: أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ثم أتم الله قول إبراهيم لأبيه وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي: من هداية ومغفرة وتوفيق فكأنه قال له: سأستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار، ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم ﵇ والذين معه حين فارقوا قومهم، وتبرءوا منهم فلجأوا إلى الله ، وتضرعوا إليه فقالوا: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا لا على أحد سواك وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي: أقبلنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: المرجع. قال ابن كثير: أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك، وإليك المصير أي: المعاد في الدار الآخرة، وقالوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قال النسفي: أي: لا تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب. وقال ابن كثير: (قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا) وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا أي: واستر ذنوبنا عن غيرنا، واعف عنها فيما بيننا وبينك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي: الذي لا يضام من لاذ بجنابك الْحَكِيمُ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك، ثم كرر الله الحث على الاقتداء بإبراهيم ﵇ فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ هذا تهييج للتأسي بإبراهيم ومن معه لكل مؤمن بالله والمعاد وَمَنْ يَتَوَلَّ عما أمر الله به من الاقتداء بإبراهيم ومن معه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عن الخلق

стр. 5568

الْحَمِيدُ المستحق للحمد، وبعد أن أمر الله بمعاداة الكافرين والبراءة منهم قال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً أي: محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة بأن يوفقهم للإيمان، وقد كان ذلك للمهاجرين يوم فتح الله مكة فأسلم قومهم وتم بينهم التحاب وَاللَّهُ قَدِيرٌ على تقليب القلوب، وتحويل الأحوال، وتسهيل أسباب المودة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أسلم من المشركين. قال ابن كثير: أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان، وبعد أن قرر الله أن الأصل بين المسلم والكافر العداء، وأنه لا ولاء بينهما ذكر من يجوز بره من الكافرين، وينبغي القسط فيه، وحدد الذين لا تجوز موالاتهم بحال فقال: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ قال النسفي: (أي: تكرموهم وتحسنوا إليهم قولا وفعلا) وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ قال النسفي: أي: وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي: العادلين والمعنى: لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا عن القسط فيهم، لأن الله يحب من اتصف بصفة العدل ثم قال تعالى محددا من تجب معاداته، ولا تجوز موالاته إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أي: أيدوا هذا الإخراج وعاونوا عليه أَنْ تَوَلَّوْهُمْ أي: أن تعطوهم أي مظهر من مظاهر الولاء وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ حيث وضعوا التولي في غير موضعه، ومعنى الآيتين: لا ينهاكم الله عن مبرة أولئك، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وإنما ذكر جواز المبرة والقسط مع الأولين، ولم يذكر الولاء، وذكر تحريم الولاء مع الآخرين؛ لأن الولاء لا يجوز أن يعطى أبدا إلا لأهل الإيمان. قال ابن كثير: (أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم) فمواطنونا من غير المسلمين إذا لم يدخلوا في صراع معنا أو قتال، وإذا لم يبذلوا جهدا من أجل إخراجنا من بلادنا فهؤلاء يجوز البر لهم، والعدل فيهم، أما الولاء لهم فلا، وأعظم مظاهر الولاء في عصرنا الدخول معهم في حزب واحد، يعطيهم المسلم من خلاله الولاء، ويحجبه عن المسلمين، وأما الذين يريدون استئصال ديننا وفتنتنا عنه فهؤلاء لا ولاء لهم بل عداء،

стр. 5569

لأن الفتنة أكبر من القتل، ومن ثم فالعمل الإسلامي المعاصر يجب أن يحدد علاقته ومواقفه من هؤلاء وأولئك، ولا بأس بعقد ميثاق وطني مع الذين لا يقاتلون ولا يظاهرون، ومع الميثاق تكون صلات ومبرات وإقناع وبيان، ولا شئ يكشف المقاتلين والمظاهرين كالانتساب إلى الأحزاب التي من أهدافها استئصال الإسلام، فمتى وجد انتساب كان العداء وحجب البر مع البيان، ومتى لم يوجد انتساب ولا تأييد كان البر والقسط، وهل يدخل في البر توظيفهم واستعمالهم وإشراكهم في مجلس شورى القطر، وإشراكهم في الوزارات والجيش؟ الذي عليه العمل خلال العصور هو هذا مع اشتراط أن يكون السلطان للمسلمين، والسيطرة لهم، ومع الأمن من جانب هؤلاء ومحاسبتهم الدقيقة، أما الآخرون فاستعمالهم من أكبر الجرائم عند الله، قال ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: «إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه» فكل من شارك من الكفرة في الأحزاب التي من أهدافها استبعاد الإسلام أو إقصاؤه أو محاربته أو محاربة أهله، فهؤلاء يجب إسقاط الحقوق المدنية عمن يبقى منهم حيا بعد القتال، بأن يطردوا من وظائفهم، ويحال بينهم وبين أي عمل في الدولة على كل مستوى، وتبدأ عملية تأليف قلوبهم من خلال أشياء أخرى إن اقتضى الأمر ذلك، أما المسلمون الذين يشاركون في مثل هذه الأحزاب فهؤلاء إما مرتدون، أو منافقون، إلا رجلا أمر أن ينتسب ودخل بنية صالحة، فأما المرتد فالقتل إلا إذا تاب، وأما المنافق فيعامل على ظاهره إلا إذا ظهر منه ما يدل على ارتداده فيقتل حينئذ إلا إذا تاب، وبمقدار ما تصدق التوبة وتظهر آثارها يمكن أن يعامل هؤلاء، أما أن يعطى هؤلاء إمرة على المسلمين فلا. كلمة في السياق: ١ - واضح في الفقرة أن السياق انصب على عدم جواز موالاة أعداء الله والإسلام، ولم يخالط الفقرة شئ ليس له علاقة بهذا الموضوع، ومن ثم فسينصب كلامنا على صلة الفقرة بمحور السورة. ٢ - قلنا إن محور السورة هو محور سورة المائدة، فلنعرض هذا المحور، ولنر صلة ما مر معنا به:

стр. 5570

أ- إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ويلاحظ في الآية الأولى من الفقرة مجئ كلمة (الحق) وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ. ب- وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ يلاحظ في الآية الأولى من الفقرة ورود قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي: إسرار المودة فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ مما يشير إلى أن من يفعل ذلك دخل في الفاسقين الذين يضلهم الله بسبب فسوقهم. ج- الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يلاحظ أن آيات الفقرة ذكرت مظهرا من مظاهر نقض الميثاق مع الله وهو موالاة أعدائه. د- وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يلاحظ أن الفقرة تحدثت عن الولاء للكافرين الذي هو قطع لما أمر الله به أن يوصل وهو موالاة المؤمنين، كما ذكرت الفقرة أن بر من لم يقاتلنا في الدين ويخرجنا من بلادنا ويؤيد إخراجنا لا يعتبر من هذا القبيل، كما أن الأرحام والأولاد في المجتمع الكافر لا تعتبر قطيعتهم من باب قطع ما أمر الله به أن يوصل. هـ- وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ نلاحظ أن الفقرة تعرضت لما يفعله الكافرون بالمؤمنين: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهذه جوانب من الإفساد في الأرض واضحة. ومن ثم فالفقرة قد فصلت في آيتي سورة البقرة اللتين هما محور السورة، ومحور سورة المائدة من قبل تفصيلا واضحا، وسنرى صلة الفقرات الآتية بمحور السورة، وسنرى في ذلك دليلا واضحا على صحة ما ذهبنا إليه. ***

стр. 5571

الفقرة الثانية وهي آيتان: وتمتد من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (١١) وهذه هي: [سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٠ الى ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) فائدة في سبب النزول: قدم ابن كثير لتفسير هاتين الآيتين بقوله: (تقدم في سورة الفتح ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا، وفي رواية على أنه لا يأتيك منا أحد- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة فإن الله أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أحمد بن جحش من المسند الكبير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم ... عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الهجرة،

стр. 5572

فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان). التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ سماهن مؤمنات مع أنهن لم يمتحن بعد لنطقهن بكلمة الشهادة، أو لشهادة ظاهر الحال لهن بالإيمان، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان فَامْتَحِنُوهُنَّ أي: فاختبروهن بالنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن وسنرى في الفوائد صيغ الامتحان في زمن رسول الله ﷺ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ أي: منكم فإنكم وإن رزتم أحوالهن لا تعلمون ذلك حقيقة، وعند الله حقيقة العلم به فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ أراد به العلم الذي تبلغه الطاقة البشرية. قال النسفي: (وهو الظن الغالب بظهور الأمارات، وتسمية الظن علما يؤذن بأن الظن الغالب وما يفضي إليه القياس جار مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ). وقال ابن كثير: فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينا فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أي: فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين في حالة علمكم إيمانهن لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ قال ابن كثير: هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة. وقال النسفي: أي: لا حل بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا أي: وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال ابن كثير: يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. وقال النسفي: نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات، إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن لأن المهر أجر البضع، وبه احتج أبو حنيفة ﵁ على أن لا عدة على المهاجرة وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ قال ابن كثير: تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. وقال النسفي: (العصمة ما يعتصم به من عقد وسبب، والكوافر جمع كافرة وهي التي بقيت في دار الحرب، أو لحقت بدار الحرب مرتدة، أي: لا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة

стр. 5573

زوجية. قال ابن عباس ﵄: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه) وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ قال النسفي: من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار ممن تزوجها، وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا من مهور نسائهم المهاجرات ممن تزوجها منا، قال ابن كثير: أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن؛ وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين ذلِكُمْ أي: جميع ما ذكر في هذه الآية حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ قال ابن كثير: أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه، قال النسفي: وهو منسوخ فلم يبق سؤال المهر لا منا ولا منهم. أقول: إنما قال النسفي ذلك لعدم تصور أن تعقد معاهدة لا تلاحظ فيها الأحكام الموجودة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال ابن كثير: أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ أي: وإن انفلت أحد منهن إلى الكفار فَعاقَبْتُمْ أي: فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا قال النسفي: أي: فأعطوا المسلمين الذين ارتدت زوجاتهم ولحقن بدار الحرب مهور زوجاتهم من هذه الغنيمة، وقيل هذا الحكم منسوخ أيضا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ أن تخالفوا أوامره ونواهيه وأحكامه. كلمة في السياق: ١ - من الملاحظ أن هاتين الآيتين جاءتا تفسران بعض القضايا التي لا تدخل في معاهدة الحديبية، وهي في ذلك تبين معاني لا تدخل في موضوع نقض المواثيق، ولا في قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولا في موضوع الإفساد في الأرض، وذلك من خلال ما حكم الله به في الآيتين، كما فصلتا في مواثيق لا ينبغي أن تعقد، وقضايا ينبغي أن توصل، وفساد في الأرض ينبغي أن يزول، وكل ذلك من خلال عرض الأحكام الخاصة في النساء التي تقيد اتفاقية الحديبية، ومن هنا ندرك صلة الفقرة بمحور السورة الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ والصلة التي تنتظم هذه الفقرة مع ما قبلها هي انتظام محور السورة لكل ما ورد في السورة. ٢ - وبعد الفقرة الثانية تأتي فقرة فيها ذكر مضمون بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 5574

للنساء، وفي ذلك تحديد لأمهات المعاني التي إذا تحققت بها المرأة خرجت عن كونها فاسقة، ناقضة لعهد الله، قاطعة لما أمر الله به أن يوصل، مفسدة في الأرض، وصلة هذه الآية بما قبلها واضحة، فما قبلها يتحدث عن المؤمنات المهاجرات، وهذه تتحدث عن بيعتهن مع غيرهن لرسول الله ﷺ فلنر الفقرة. ***

стр. 5575

الفقرة الثالثة وتتألف من آية واحد هي الآية (١٢) وهذه هي: [سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) فائدة في السياق: مما يدل على صلة هذه الآية بما قبلها، هذه الرواية التي أخرجها البخاري عن عروة ابن الزبير: (روى البخاري ... عن عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك» هذا لفظ البخاري). التفسير: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ قال النسفي: يريد وأد البنات. أقول: بل هي أعم من ذلك، قال ابن كثير: وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها إما لغرض فاسد، أو ما أشبهه. أقول: وفي جواز إسقاط الجنين وعدمه تفصيل سنراه في الفوائد، وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ أي: بكذب

стр. 5576

يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ قال ابن عباس: يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر فَبايِعْهُنَّ أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ عما مضى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ بتمحيص ما سلف رَحِيمٌ بتوفيق ما ائتلف، وسنذكر في الفوائد صيغ هذه البيعة في زمن رسول الله ﷺ ونماذج منها، وكيفية تطبيقات هذه البيعة في عصرنا، وغير ذلك مما له علاقة بهذا الموضوع كلمة في السياق: ١ - هذه البيعة نموذج على المعاني التي لا ينبغي أن ينقضها المسلم، لأنها ميثاق مع الله ورسوله، ولذلك صلته بمحور السورة، فلو أن إنسانا نقض هذه البيعة فإنه يدخل في قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ كما يدخل في قوله تعالى: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ كنسبة الأولاد إلى غير آبائهم كما يدخل في قوله تعالى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالشرك والسرقة والزنى وقتل الأولاد وإتيان البهتان والمعصية لله والرسول ﷺ . ٢ - من تحديد مضمون هذه البيعة- وهي البيعة التي كان رسول الله ﷺ يأخذها على النساء بشكل دائم، وعلى الرجال أول الأمر، ومن صلة ذلك بمحور السورة- ندرك أن ما ذكره الله في هذه الآية هو مظاهر الفسوق الرئيسية عن أمر الله. ولم يبق عندنا في السورة إلا آية واحدة تتحدث عن الموضوع الذي بدأت به السورة، موضوع النهي عن موالاة الكافرين فلنرها. ***

стр. 5577

الفقرة الرابعة وهي آية واحدة، هي الآية (١٣) وهي آخر آية في السورة وهذه هي: [سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قال ابن كثير: (يعني: اليهود والنصارى، وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه، واستحق من الله الطرد والإبعاد) وحالهم أنهم قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ أي: من ثواب الآخرة ونعيمها كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ أي: كما يئسوا إلا أنه وضع الاسم الظاهر موضع الضمير مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أي: أن يرجعوا إليهم، أو كما يئس أسلافهم الذين هم في القبور من الآخرة، أو كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة، لأنهم تبينوا قبح حالهم، وسوء منقلبهم، فيكون المعنى: قد يئس هؤلاء الكافرون من ثواب الآخرة كما يئس موتى الكافرين من هذا الثواب، وعلى كل فالآية تبين تحريم موالاة من هذا شأنه. ... كلمة في السياق: يلاحظ أن السورة ختمت بما بدأت به من النهي عن موالاة الكافرين، وصلة موضوع الولاء بمحور السورة واضحة، فولاء الكافرين نقض للميثاق، وقطع لما أمر الله به أن يوصل، وإفساد في الأرض، وهذا شئ يدركه كل بصير بعصرنا، فعند ما والى المسلم الكافرين واقع المسلم هذه الأشياء كلها. وقام سوق هذه الأشياء كلها، ويبقى الآن سؤال هو: يلاحظ أن السورة بدأت بالكلام عن الولاء، وختمت به، فما صلة ما ورد في وسط السورة بهذا؟، يلاحظ أنه ورد في وسط السورة كلام عن بيعة النساء وهجرتهن، ولا شك أن البيعة والهجرة هما أعظم مظهرين من مظاهر تحرير

стр. 5578

الولاء لله والرسول ﷺ والمؤمنين، فمتى هاجر الإنسان انتقل من ولاء إلى ولاء، ومتى بايع فقد خلع كل ولاء، وأعطى كل الولاء لمن بايعه، فذكر الهجرة والبيعة في هذا السياق يشير إلى طريقي التحرر من ولاء الكافرين، وهذا موضوع يجب أن نعطيه في عصرنا الأهمية الكبرى والعظمى في عملية نقل ولاء المسلم والمسلمة كما سنرى في الفوائد . يبقى أن نتساءل: ما الحكمة في عرض قضيتي الهجرة والبيعة من خلال موضوع المرأة؟ والجواب- والله أعلم- أولا: لأن ذلك واقعة حال تحتاج إلى جواب، وقد جعل الله جوابها في هذه السورة. ثانيا: لتذكير المسلمين بموضوع المرأة، على أنه أصل في العمل الإسلامي على كل مستوى وليس فرعا. ثالثا: لتبين لنا السورة أن أخذ ولاء المرأة له صلة بأخذ ولاء المجتمع الإسلامي كله، وأن رعاية شأن المرأة برعاية الأحكام الخاصة بها شئ له وزنه العظيم في قضية التطهير من الفسوق. ولننقل الآن بعض الفوائد المتعلقة ببعض آيات السورة. الفوائد: ١ - من روايات أسباب نزول صدر سورة الممتحنة هذه الرواية: (في الصحيحين ... عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ فقلنا الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي ﷺ : «ما حملك على ما صنعت؟» قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله ﷺ ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: «صدق لا تقولوا له إلا خيرا» فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ فدعني فلأضرب عنقه، فقال: «أليس من أهل بدر؟» فقال: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا

стр. 5579

ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة» أو «قد غفرت لكم» فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر). أقول: يستدل بما ورد في هذه الرواية لأمور كثيرة تخص أمن المجتمع الإسلامي، منها جواز التفتيش الدقيق إذا تأكدت لنا معلومات أمنية، ومنها جواز التهديد والتعزير لانتزاع الإقرار من العاملين ضد أمن المجتمع الإسلامي إذا ثبتت عليهم الخيانة. تعليق: علق صاحب الظلال على حادثة حاطب بقوله: (وأول ما يقف الإنسان أمامه هو فعلة حاطب، وهو المسلم المهاجر، وهو أحد الذين أطلعهم رسول الله ﷺ على سر الحملة ... وفيها ما يكشف عن منحنيات النفس البشرية العجيبة، وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها وقوتها؛ وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها. ثم يقف الإنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول ﷺ وهو لا يعجل حتى يسأل: «ما حملك على ما صنعت» في سعة صدر وعطف على لحظة الضعف الطارئة في نفس صاحبه، وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق، ومن ثم يكف الصحابة عنه: «صدق لا تقولوا إلا خيرا» ... ليعينه وينهضه من عثرته، فلا يطارده بها، ولا يدع أحدا يطارده. بينما نجد الإيمان الجاد الحاسم الجازم في شدة عمر: «إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين. فدعني فلأضرب عنقه» ... فعمر- ﵁ إنما ينظر إلى العثرة ذاتها فيثور لها حسه الحاسم وإيمانه الجازم. أما رسول الله ﷺ فينظر إليها من خلال إدراكه الواسع الشامل للنفس البشرية على حقيقتها، ومن كل جوانبها، مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية. في موقف المربي الكريم العطوف المتأني الناظر إلى جميع الملابسات والظروف. ثم يقف الإنسان أمام كلمات حاطب، وهو في لحظة ضعفه، ولكن تصوره لقدر الله وللأسباب الأرضية هو التصور الإيماني الصحيح ... ذلك حين يقول: (أردت أن تكون لي عند القوم يد ... يدفع الله بها عن أهلي ومالي) ... فالله هو الذي يدفع، وهذه اليد لا تدفع بنفسها، إنما يدفع الله بها. ويؤكد هذا التصور في بقية حديثه وهو يقول: (وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع ... الله ... به عن أهله وماله» فهو الله الحاضر في تصوره، وهو الذي يدفع لا العشيرة. إنما العشيرة أداة

стр. 5580

يدفع الله بها). (ولعل حس رسول الله الملهم قد راعى هذا التصور الصحيح الحي في قول الرجل، فكان هذا من أسباب قوله ﷺ : «صدق. لا تقولوا إلا خيرا». وأخيرا يقف الإنسان أمام تقدير الله في الحادث؛ وهو أن يكون حاطب من القلة التي يعهد إليها رسول الله ﷺ بسر الحملة. وأن تدركه لحظة الضعف البشري وهو من القلة المختارة. ثم يجري قدر الله بكف ضرر هذه اللحظة على المسلمين. كأنما القصد هو كشفها فقط وعلاجها! ثم لا يكون من الآخرين الذين لم يعهد إليهم بالسر اعتراض على ما وقع، ولا تنفج بالقول: ها هو ذا أحد من استودعوا السر خانوه، ولو أودعناه نحن ما بحنا به، فلم يرد من هذا شئ؛ مما يدل على أن أدب المسلمين مع قيادتهم وتواضعهم في الظن بأنفسهم واعتبارهم بما حدث لأخيهم). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أأصلها؟ قال: «نعم صلي أمك» أخرجاه في الصحيحين). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس كيف كان امتحان رسول الله ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله، ثم رواه من وجه آخر عن الأغر ابن الصباح به، وكذا رواه البزار من طريقه، وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله ﵌ له عمر بن الخطاب ﵁، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وقال مجاهد: فَامْتَحِنُوهُنَّ فاسألوهن عما جاء بهن فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن، أو سخطه أو غيره ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن، وقال عكرمة: يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك

стр. 5581

فذلك قوله: فَامْتَحِنُوهُنَّ وقال قتادة: كان امتحانهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله، وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن، وقوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينا). ٤ - بمناسبة قوله تعالى عن المؤمنات والمشركين: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ قال ابن كثير: (هذه الآية التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، وعلى هذا كان أمر أبي العاص ابن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب ﵂، وقد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا» ففعلوا فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه فوفى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقا، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صداقا، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ومنهم من يقول بعد سنتين وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين، وقال الترمذي ليس بإسناده بأس، ولا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله جاء من حفظ داود ابن الحصين، وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث وحديث ابن الحجاج- يعني ابن أرطاة- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد، فقال يزيد: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. (ثم قلت): وقد روى حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وضعفه الإمام أحمد وغير واحد والله أعلم. وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين تحتمل أنه لم تنقض عدتها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم انفسخ

стр. 5582

نكاحها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس والله أعلم). أقول: انعقد الإجماع على أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج إلا من مسلم، أما المسلم فإنه يجوز له أن يتزوج من مسلمة أو كتابية على خلاف بالنسبة للكتابية في بعض الصور. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ قال ابن كثير: (تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. وفي الصحيح ... عن المسور بن مروان بن الحكم أن رسول الله- صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء من المؤمنات فأنزل الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ إلى قوله: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. وقال أبو ثور عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى أزواجهم وقال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد، وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوجها معاوية، وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبد الله فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه، وهما على شركهما، وطلق طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ... قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا الآية وقال: «فيما استطعتن وأطقتن» قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: «إني لا أصافح النساء إنما قولي

стр. 5583

لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة» هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة والنسائي أيضا من حديث الثوري ومالك بن أنس كلهم عن محمد بن المنكدر به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضا من طريق آخر عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة، وكذا رواه ابن جرير بسنده. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر حدثتني أميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فيها إلى في فذكره، وروى الإمام أحمد عن سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت قيس وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأت ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف قال: «ولا تغششن أزواجكن» قالت: فبايعناه ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله ﵌: ما غش أزواجنا؟ قال فسألته فقال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره» وروى الإمام أحمد عن عائشة بنت قدامة- يعني ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة ابنة أبي سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: «أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف» - قلن: نعم- «فيما استطعتن» فكن يقلن وأقول معهن وأمي تقول لي: أي بنية نعم فكنت أقول كما يقلن. وروى البخاري عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﵌ فقرأ علينا ولا تشركوا بالله شيئا، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يديها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها، ورواه مسلم، وفي رواية فما وفى منهن امرأة غيرها وغير أم سليم بنت ملحان، وللبخاري عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة- امرأة معاذ-، وامرأتان، أو ابنة أبي سبرة- امرأة معاذ- وامرأة أخرى. وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد كما روى البخاري عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني انظر إليه

стр. 5584

حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: «أنتن على ذلك؟» فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري حسن- أحد رواة الحديث- من هي قال: «فتصدقن» قال وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على ألا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى» وقد روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ثم قرأ الآية التي أخذت على النساء إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» أخرجاه في الصحيحين. وروى محمد ابن إسحاق ... عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء- وذلك قبل أن يفرض الحرب- على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف وقال: «فإن وفيتم فلكم الجنة» ورواه ابن أبي حاتم، وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: «قل لهن إن رسول الله ﷺ يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت: إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقا من رسول الله ﷺ ، فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال؟ فنظر إليها رسول الله ﷺ وقال لعمر: «قل لهن ولا يسرقن» قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شئ مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فدعاها فأخذت بيده فعاذت به فقال: «أنت

стр. 5585

هند؟» قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: «ولا يزنين» فقالت: يا رسول الله وهل تزني امرأة حرة؟ قال: «لا والله ما تزني الحرة- قال- ولا يقتلن أولادهن» قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ قال: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: منعهن أن ينحن وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور. وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء يحلفهن عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ولا تقتلن أولادكن قالت هند: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم، وروى ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال: «اذهبي فغيري يديك» فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا» فبايعته وفي يدها سواران من ذهب فقالت: ما تقول في هذين السوارين فقال: «جمرتان من نار جهنم». وروى ابن أبي حاتم ... عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: «ولا تقتلن أولادكن» فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاء النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن فإذا أقررن رجعن فقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعهن على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» أخرجاه في الصحيحين، وقوله تعالى: وَلا يَزْنِينَ كقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا وفي حديث سمرة ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم، وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت:

стр. 5586

جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع الله ورسول الله ﷺ فأخذ عليها أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ الآية قال: فوضعت يدها على رأسها حياء فأعجبه ما رأى منها فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت فنعم إذا فبايعها بالآية، وروى ابن أبي حاتم عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: «ولا تقتلن أولادكن». فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصي بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن فإذا أقررن رجعن، وقوله تعالى: وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. وقوله تعالى: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: «أيما امرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شئ، ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين» وقوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ يعني: فيما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. روى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف، والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف. وقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد: نهاهن يومئذ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضا. وروى ابن جرير عن قتادة في هذه الآية ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ عليهن النياحة، ولا تحدثن الرجال إلا رجلا منكن محرما، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافا وإنا لنغيب عن نسائنا، فقال رسول الله ﵌: «ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت» وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ ألا يحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه. وروى ابن جرير عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله ﷺ من

стр. 5587

المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهن ثم جاءت فبايعت قالت: فما وفى منهن غيرها، وغير أم سليم- ابنة ملحان أم أنس بن مالك- وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂. وقد روى نحوه من وجه آخر أيضا، فروى عن مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ قالت: فأتيته لأبايعه فأخذ علينا فيما أخذ أن «لا تنحن» فقالت عجوز: يا رسول الله إن أناسا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وأنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أن أسعدهم، قال: «فانطلقي فكافئيهم» فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتته فبايعته وقال: هو المعروف الذي قال الله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ وروى ابن أبي حاتم عن أسيد بن أبي أسيد البزار عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف وأن لا نخمش وجها ولا ننشر شعرا، ولا نشق جيبا، ولا ندعو ويلا، وروى ابن جرير عن أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁ فقام على الباب وسلم علينا فرددن أو فرددنا ﵇ ثم قال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن قالت: فقلنا مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن، ولا تزنين، قالت: فقلنا نعم، قالت: فمد يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللهم اشهد، قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز، قال إسماعيل فسألت جدتي- هي أم عطية- عن قوله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قالت: النياحة. وفي الصحيحين من طريق الأعمش ... عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت- وقال- النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» ورواه مسلم في صحيحه وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود.

стр. 5588

وروى ابن جرير عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: النوح، ورواه الترمذي في التفسير، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. تعليق: الإجهاض عند الحنفية مباح لعذر يقدره أولو الاختصاص بقدره إذا كان قبل التخلق الذي يكون عادة بين اليوم الأربعين إلى الخامس والأربعين بعد الحمل، ومكروه إلا لعذر إذا كان قبل نفخ الروح الذي يتم في نهاية الشهر الرابع، وحرام بعد ذلك، ويراعى تقوى الله في مثل هذه المسائل الحرجة فليراجع أهل التقوى والعلم. ٧ - بمناسبة قوله تعالى: كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال ابن كثير: (يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله ، وقال الحسن البصري كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات، وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا، وكذا قال الضحاك، رواهن ابن جرير، والقول الثاني معناه: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وابن زيد والكلبي ومنصور وهو اختيار ابن جرير ﵀. كلمة أخيرة في سورة الممتحنة ومجموعتها: كان الموضوع الرئيسي لسورة الممتحنة هو تحريم اتخاذ أعداء الله أولياء، وإذا تذكرنا أن سورة الحشر تحدثت عن المنافقين الذين والوا اليهود ندرك كيف أكملت سورة الممتحنة سورة الحشر، ولقد رأينا أن سورة الحشر فصلت في مقدمة سورة البقرة، والآيات الخمس بعدها، وجاءت سورة الممتحنة لتفصل في الآيتين بعد ذلك، وهكذا تكاملت المجموعة إن في المحور الذي فصلته، أو في المواضيع التي طرقتها. فلنر الآن محل هذه المجموعة في قسم المفصل. بدأ قسم المفصل بمجموعة فصلت في التقوى والكفر، وضرورة العبادة والشكر، ثم جاءت المجموعة الثانية ففصلت في وجوب الإيمان بالله والرسول، وهما أساس كل

стр. 5589

شئ، وبينت عاقبة محاربة الله ورسوله في الدنيا والآخرة، ثم جاءت المجموعة الثالثة وهي مجموعة الحشر فعرفت على الله ، وضربت مثلا عمليا على نتائج محاربة الله والرسول، وحررت من اتخاذ أعداء الله ورسوله أولياء. وهكذا نجد أن كل مجموعة من المفصل تكمل المجموعات السابقة عليها. ... ولنلاحظ بشكل عام كيف أن السابق يشكل أساسا يبنى عليه اللاحق؛ فسورة الحشر عرفت على الله وعظمته، وبعد أن عرفتنا على جلال الله تأتي سورة الممتحنة لتقول في بدايتها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، وسورة الحشر عرفتنا خسة الذين يوالون أعداء الله ، ومصيرهم ومصير أوليائهم، وسفهت المنافقين وحقّرتهم، لأنهم يوالون أعداء الله . وجاءت سورة الممتحنة لتقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، وسورة الحشر عرفتنا فعل الله بالكافرين وسنته فيهم، وجاءت سورة الممتحنة لتنهى عن ولائهم، وتفرض عداوتهم. ورأينا قبل ذلك كيف أن مجموعة سورة الحديد كانت أساسا لما ذكر في مجموعة سورة الحشر، ومجموعة سورة الذاريات هي الأساس لما ذكر في مجموعة سورة الحديد، هذا والمجموعات كلها تفصل في حيز واحد من سورة البقرة هي الآيات الأولى منها، وسنرى كيف أن المجموعات اللاحقة تفصل في هذا الحيز تقريبا، وكل منها يكمل ما سواه، ويبنى كل منها على ما سبقه. والملاحظ أن سور المجموعات السابقة أطول من سور المجموعات اللاحقة في الغالب، وكأن المعاني الأولى التي عرضتها أوائل سورة البقرة تعرض بتفصيل أوسع، ثم بتفصيل واسع، ثم بتفصيل أقل، حتى إن هذه المعاني لتعرض عليك مرة بصفحة، ومرة بعشرات الصفحات، وفي ذلك من الحكمة ما لا يخفى، وخاصة في موضوع التذكير الذي يسع كل الطبقات وكل الناس، ويسع وقت كل أحد، وفي الوقت نفسه يحيط بكل ما ينبغي، ومن ثم ندرك لم كانت بعض السور القصيرة تعدل ربع القرآن أو ثلثه أو نصفه. ***

стр. 5590

المجموعة الرابعة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: الصف، والجمعة، والمنافقون

стр. 5591

كلمة في المجموعة الرابعة من قسم المفصل في سورة الممتحنة رأينا أن الأصل في العلاقة بين أولياء الله وأعداء الله العداء، وتأتي بعد ذلك سورة الصف لتحدثنا عن الجهاد والقتال في سبيل الله، وهو مظهر تبلور العداء إلى عمل إيجابي، وتأتي سورة الجمعة لتقيم الحجة على اليهود الذين هم عقدة العقد في مواجهة الإسلام، فسورة الصف تفتح الطريق أمام المقارعة بالسنان، وسورة الجمعة تفتح الطريق أمام المقارعة بالبيان. وتأتي سورة المنافقون بعد ذلك لترينا نماذج لأناس لا يتحول الإيمان عندهم إلى شئ إيجابي، ضد الكفر بل العكس من ذلك هم أداة تعويق وإرباك. ... سورة الصف تتحدث عن مظهر من مظاهر الإيمان بالله ورسوله. وسورة الجمعة تتحدث عن حكمة بعثة رسول الله ﷺ . وسورة المنافقون تحدثنا عن طائفة لا تظهر فيهم مظاهر الإيمان، ولا يحققون الحكمة من بعثة رسول الله ﷺ . ... وسورة الصف تأمر بالجهاد، وسورة الجمعة تأمر بإقامة الجمعة، وسورة المنافقون تأمر بالذكر والإنفاق، فكل منها تؤدي دورها في بناء هذه الأمة. والسور الثلاث تفصل في مقدمة سورة البقرة، فتعطينا مزيدا من التفصيل عما هو مستكن في هذه المقدمة، أو مزيدا من التفصيلات عن الفئات الثلاث التي تحدثت عنها. وإذا كانت مجموعة سورة الحديد بلورت قضية الإيمان بالله والرسول، ومجموعة سورة الحشر بلورت قضية تميز الصف المؤمن بالله والرسول، فإن هذه المجموعة تبين ما ينبغي أن ينبثق عن الإيمان بالله وبالرسول، وتبين الحالة الردية المتردية للمنافقين الذين بدلا من أن يتحول الإيمان بالله والرسول عندهم إلى عمل فإنه يظهر بدعاوى وأكاذيب وفتن وتعويقات. ***

стр. 5592

سورة الصف وهي السورة الحادية والستون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الأولى من قسم المفصل، وهي أربع عشرة آية وهي مدنية

стр. 5593

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 5594

بين يدي سورة الصف: قدم الألوسي لتفسير هذه السورة بقوله: (وتسمى أيضا سورة الحواريين، وسورة عيسى ﵇، وهي مدنية في قول الجمهور، وروي ذلك عن ابن الزبير، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وعكرمة، ومجاهد، وقال ابن يسار: مكية، وروي ذلك عن ابن عباس، ومجاهد أيضا، والمختار الأول، ويدل له ما أخرجه الحاكم. وغيره عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه فأنزل الله سبحانه: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى ختمها، وروي هذا الحديث مسلسلا يقرؤها علينا، وهو حديث صحيح على شرط الشيخين أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وخلق كثير حتى قال الحافظ ابن حجر: إنه أصح مسلسل يروى في الدنيا إن وقع في المسلسلات مثله في مزيد علوه، وكذا ما روي في سبب النزول عن الضحاك من أنه قول شباب من المسلمين: فعلنا في الغزو كذا ولم يفعلوا، وما روي عن ابن زيد من أنه قول المنافقين للمؤمنين: نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك. وآيها أربع عشرة آية بلا خلاف، ومناسبتها لما قبلها اشتمالها على الحث على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك من تأكيد النهي عن اتخاذ الكفار أولياء الذي تضمنه ما قبل ما فيه). ومن تقديم صاحب الظلال لهذه السورة نقتطف ما يلي: (هذه السورة تستهدف أمرين أساسيين واضحين في سياقها كل الوضوح، إلى جانب الإشارات والتلميحات الفرعية التي يمكن إرجاعها إلى ذينك الأمرين الأساسيين: تستهدف أولا أن تقرر في ضمير المسلم أن دينه هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، وسبقته صور منه تناسب أطوارا معينة في تاريخ البشرية، وسبقته تجارب في حياة الرسل وحياة الجماعات، تمهد كلها لهذه الصورة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات، وأن يظهره على الدين كله في الأرض. هذا الهدف الأول الواضح في السورة يقوم عليه الهدف الثاني. فإن شعور المسلم بهذه الحقيقة، وإدراكه لقصة العقيدة، ولنصيبه هو من أمانتها في الأرض ... يستتبع

стр. 5595

شعوره بتكاليف هذه الأمانة شعورا يدفعه إلى صدق النية في الجهاد لإظهار دينه على الدين كله- كما أراد الله- وعدم التردد بين القول والفعل، ويقبح أن يعلن المؤمن الرغبة في الجهاد ثم ينكص عنه، كما يبدو أنه حدث من فريق من المسلمين كما تذكر الروايات). ... كلمة في سورة الصف ومحورها: في مقدمة سورة البقرة كلام عن الاهتداء بكتاب الله من قبل المؤمنين بالغيب المقيمين للصلاة، المنفقين في سبيل الله، وكلام عن هؤلاء أنهم مفلحون، وكلام عن الكافرين أن لهم عذابا عظيما، وأن الله قد ختم على قلوبهم، وكلام عن المنافقين، وخسار تجارتهم أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وفي سورة الصف يدلنا الله على التجارة الرابحة المنجية عنده، وهي الإيمان بالله والرسول والجهاد؛ مما يشير إلى أن الجهاد في سبيل الله هو أحد ما ينبغي الاهتداء به من كتاب الله ليحقق المسلم فلاحه وتقواه وتربح تجارته، فالإيمان العملي ينبثق عنه جهاد للكافرين، ومن ثم تبدأ السورة بالإنكار على من لا يتجاوز الإيمان عنده حدود الأقوال إلى الأفعال، مبينة أن الفعل هو المظهر الصحيح للإيمان وبالخصوص الجهاد المنظم في سبيل الله. ثم تذكر السورة مبررات هذا الجهاد من فسوق من فسق، وجرأة من تجرأ، وظلم من ظلم، وإرادة الله في نصرة دينه، ثم تدعو السورة إلى الإيمان بالله والرسول والجهاد، وإلى نصرة الله ورسوله ﷺ . في مقدمة سورة البقرة كلام عن المتقين والكافرين والمنافقين، وفي سورة الصف بيان لوجوب الصراع بين المتقين والكافرين، وإنكار على من لا يتحول عنده الإيمان إلى جهاد، وفي السورة تحديد لطريق الربح، وبالتالي ففيها بيان لطريق الخسارة الذي يحمل لواءه المنافقون الذين لا يتحول الإيمان عندهم إلى شئ إيجابي، والذين سنأخذ صورة مفصلة عنهم في السورة الثالثة من هذه المجموعة. تتألف سورة الصف من مقدمة هي آية واحدة، وثلاث فقرات، كل فقرة مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ولنبدأ عرض السورة. ***

стр. 5596

مقدمة السورة وتتألف من آية واحدة هي الآية الأولى وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الصف (٦١): آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) التفسير: سَبَّحَ لِلَّهِ أي: خضع منزها لله ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ على الإطلاق طوعا أو كرها وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي تخضع له الأشياء خضوع ذلة الْحَكِيمُ في فعله وشرعه وأمره وقدره. كلمة في السياق: الابتداء في السورة بهذه المقدمة إشعار بأن عليكم أن تخضعوا منزهين لله- فتعملوا، وإشعار بأن ما في السورة من معان هي مجلى لعزة الله تعالى وحكمته. *** الفقرة الأولى وتمتد من الآية (٢) إلى نهاية الآية (٩) وهذه هي: [سورة الصف (٦١): الآيات ٢ الى ٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)

стр. 5597

التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قال ابن كثير: إنكار على من يعد وعدا أو يقول قولا لا يفي به كَبُرَ مَقْتاً المقت: أشد البغض عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ أي: كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله. قال النسفي: وفيه دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه. أقول: وفيه دلالة على أن من آثار الإيمان أن يتطابق القول مع العمل، وأن يكون العمل على ما يحبه الله ، وهذا العقاب كان بسبب قول بعض الصحابة: (لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه) كما سنرى في الفوائد. فأنزل الله السورة مبينا فيها أحب الأعمال إلى الله، وحاضا على مطابقة القول العمل، ومعاتبا أن يكون القول في واد والعمل في واد، وفي ذلك تهييج على فعل ما هو حبيب لله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ أي: في طريقه، أي: في سبيل دينه وضمن شريعته، لا في

стр. 5598

سبيل غيره ولا خارجين عن شريعته صَفًّا أي: صافين أنفسهم كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ أي: ملتصق بعضه ببعض، متماسك أشد التماسك، والمراد بذلك أن يدخلوا المعركة برأي موحد، وأن يأخذ كل منهم محله فيها، وألا يكون في صفهم كله خلل، قال قتادة: ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره، وأن الله صف المؤمنين في قتالهم، وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به. أقول: وعلى هذا فمعنى الآية: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا واحدا متحدا كأنهم بنيان مرصوص في تماسكه، والبنيان المرصوص له جدران وله سقف، وفيه ما يواجه، وفيه ما هو مستور، وفيه أشياء تؤدي خدمات، وهو مع هذا كله متماسك، ففي التشبيه بالبنيان إشارة إلى أن المراد بذلك: التماسك والتعاون وتكامل المواقف وعدم التخاذل وعدم وجود الثغرات، لا مجرد الاصطفاف، فعند ما تتعاون صنوف الأسلحة والرجال وكل الأجهزة لتحقيق الهدف دفاعا أو هجوما ضمن خطة واحدة وقيادة واحدة فذلك شئ يحبه الله ، وبعد أن بين الله أن أحب الأعمال إليه القتال المنظم في سبيله يذكر في الآيات التالية مبررات القتال، فاليهود انحرفوا وانحرافهم يحتاج إلى قتال، والنصارى انحرفوا وانحرافهم يحتاج إلى قتال، والناس رفضوا الإسلام ظالمين، وهذا يحتاج إلى قتال، والناس يرغبون أن ينهوا هذا الإسلام ويستأصلوه، وهذا يحتاج إلى قتال، والله أرسل رسوله بدينه الحق ليظهره على الأديان كلها وهذا يحتاج إلى قتال، وقد سيقت هذه المعاني كلها ضمن سياق يفيد ما ذكرناه، ويفيد معاني أخر، وهكذا نجد الآية القرآنية في محلها تعطيك مدلولات كثيرة ما كانت لتعطيك إياها لولا وجودها في محلها. ... وَإِذْ أي: واذكر إذ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بني إسرائيل يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ قال ابن كثير: أي: لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة، وقال النسفي: أي: لم تؤذونني عالمين علما يقينيا أني رسول الله إليكم، وقضية علمكم بذلك توقيري وتعظيمي لا أن تؤذوني فَلَمَّا زاغُوا أي: مالوا عن الحق أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أي: أمالها عن الهداية. قال النسفي: لما تركوا أوامره نزع نور الإيمان من قلوبهم، أو فلما اختاروا الزيغ أزاغ

стр. 5599

الله قلوبهم، أي: خذلهم وحرمهم توفيق اتباع الحق، وقال ابن كثير: أي: فلما عدوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ قال النسفي: أي: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق. ... كلمة في السياق: ١ - ذكرنا من قبل أن السورة عند ما تفصل في محور فإنها تفصل في هذا المحور وارتباطاته وامتدادات معانيه في سورة البقرة، ويظهر هذا جليا في سورة الصف فهي تفصل في مقدمة سورة البقرة، وذلك هو محورها، وتفصل في ارتباطات المقدمة أي: في الآيات التي تليها مباشرة، وتفصل في امتدادات معاني المقدمة في سورة البقرة، ولذلك فهي تتعرض للقتال، وتتعرض لوجوب نصرة الله، ولذلك صلته بالتقوى وبالإيمان وبالاهتداء بكتاب الله ، وهي مواضيع رئيسية في مقدمة سورة البقرة، لها امتدادات في سورة البقرة فعلينا ونحن نتحدث عن سياق سورة الصف أن نتذكر هذا كله. ٢ - وصف الله بني إسرائيل في الآية السابقة بثلاثة أوصاف: (أ) إيذاؤهم موسى ﵇ مع علمهم أنه رسول الله ﷺ . (ب) زيغ قلوبهم عن أمر الله . (ج) فسوقهم عن أمر الله، وضلالهم. فإذا كانت الطبيعة البشرية فيها مثل هؤلاء فهذا يقتضي قتالا، ولذلك فقد شرع القتال في الإسلام، وحقت محبة الله للمجاهدين في سبيله. ٣ - هناك صلة بين المعاني الثلاثة التي ذكرتها الآية: إيذاء موسى، وزيغ القلوب، والفسوق، فالفسوق الكامل هو أثر عن زيغ القلوب، وزيغ القلوب له علاقة بسوء الأدب مع الرسول. ٤ - هناك صلة بين قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وبين قوله تعالى في سورة البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ

стр. 5600

مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وهذا يفيد أن بني إسرائيل قد توافرت فيهم هذه الخصال كاملة، ومن ثم لا يهديهم الله بهذا الدين، ولهذا الدين. ٥ - في قوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ تفسير لقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالختم على القلوب سببه أعمال أهلها، وزيغ قلوبهم وفسوقهم بنقض عهد الله، وقطعهم ما أمر الله به أن يوصل، وإفسادهم في الأرض. فالآية في محلها خدمت في تبيان حكمة تشريع الجهاد، وخدمت في تحذير المسلمين أن يسيروا على طريقة بني إسرائيل، وخدمت في تفصيل شئ من مقدمة سورة البقرة وفي ارتباطات المقدمة وامتدادات معانيها: لاحظ ما يلي: أ- يقول الله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وقال هاهنا في السورة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ مما يفيد تلازم التقوى مع القتال في سبيل الله ، فهذا مظهر من مظاهر التفصيل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها. ب- في مقدمة سورة البقرة كلام عن المتقين والكافرين والمنافقين، وفي هذه السورة إنكار على نوع من المؤمنين كرهوا القتال عند ما فرض عليهم، وما ذلك إلا لمرض في قلوبهم، كما قال تعالى في سورة القتال: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وتفسير المرض بالنفاق نصت عليه مقدمة سورة البقرة فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً فأهل النفاق الذين يخالطون المؤمنين وهم في الظاهر منهم كانوا في الظاهر يتمنون القتال، وبعض أهل الإيمان كانوا يتمنونه كذلك، فلما فرض عليهم نكل أهل النفاق عنه، وبناء على هذا نقول: إن الآيات تفهمنا أن الإيمان الحقيقي ينبثق عنه قول يطابق فعلا، وأن النفاق ينبثق عنه قول لا يطابق فعلا، وأن مما ينبثق عن الإيمان جهاد الكافرين، ومن ثم فسورة الصف تعطينا تفصيلا لقضايا مرتبطة بمقدمة سورة البقرة. قال ابن كثير: (وحمل الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا

стр. 5601

فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا* أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وقال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ الآية، وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله عز جل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ؟ وهذا اختيار ابن جرير). فهذا دليل على صلة معاني سورة الصف بما جاء في مقدمة سورة البقرة ولنتابع عرض الفقرة الأولى من سورة الصف: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ دل ذلك على أن رسالة عيسى ﵇ كانت إلى بني إسرائيل خاصة، ونصوص الأناجيل الحالية مع كل ما طرأ عليها تذكر ذلك، وتؤكده كما سنرى في الفوائد مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وهذا كذلك موضوع مقرر ومذكور في الأناجيل الحالية على تحريفها؛ ولذلك فالنصارى يعتمدون كتب العهد القديم على خلاف بينهم في بعض الأمور، وإنما أذكر هذا لأن في دقة عرض القرآن لمثل هذه الأمور بمثل هذا البيان والإحاطة دليلا على ربانية مصدره وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ أقول: وهذا كذلك لا زالت نصوصه موجودة في الأناجيل الحالية على تحريفها لمن تأمل أصولها المترجمة عنها، أو رأى طبعاتها العربية الأولى، وعرف شيئا من معاني بعض الكلمات التي لم تترجم، وقد نقلنا ذلك كله في كتابنا (الرسول ﷺ في فصل البشارات، ورأينا نموذجا عنه في هذا التفسير أثناء الكلام عن سورة الأعراف، ولنا في الفوائد عودة إليه، قال النسفي في الآية: يعني أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر فَلَمَّا جاءَهُمْ أي: عيسى أو محمد ﵉ بِالْبَيِّناتِ أي: بالمعجزات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: واضح، فوجود أمثال هؤلاء مع رغبتهم في إنهاء الإسلام مبرر من مبررات مشروعية القتال.

стр. 5602

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ أي: لا أحد أظلم من هذا، والمعنى: وأي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله، كأن يقول: هذا سحر، أو أن الله لم يأمر بهذا، أو أن محمدا ليس رسول الله ﷺ ، أو غير ذلك من الافتراءات على الله وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لأن سنته ألا يهدي من لا يستحق الهداية بسبب إجرامه، وأمام مثل هذا الموقف الأظلم، فإن القتال هو الحل؛ كيلا نعطي للكفر وللظلم فرصة للظهور والعلو. ... كلمة في السياق: رأينا في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وفي الآية الأخيرة عرفنا سببا من أسباب ذلك الختم وهو افتراء الكذب على الله الذي هو أشد الظلم لدفع دعوة الإسلام وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ... يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ قال النسفي: هذا تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بتقولهم على القرآن، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه، قال ابن كثير: أي: يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ قال النسفي: أي: متم الحق ومبلغه غايته وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك، وأمام إرادة الكافرين إطفاء نور الإسلام شرع الله القتال كحل وحيد على أننا لا نكره أحدا على الدخول في الإسلام. أقول: وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الإسلام في عصرنا حيث يرون أن مراد دول الكفر وأممهم وأذنابهم في الداخل إطفاء نور الله، ولكن حين يتعارض مرادان: مراد الله، ومراد خلقه، فإرادة الله هي النافذة، وإرادة الله إتمام نوره على رغم الكافرين، فالمستقبل إذن لهذا الدين. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى أي: بالقرآن أو بالهداية الشاملة للإنسان

стр. 5603

وَدِينِ الْحَقِّ أي: دين الله أو الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي: ليعليه على الدين كله، أي: على جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ومن ثم فلا بد من القتال لإعلاء دين الهدى والحق على الضلال والباطل لإرغام أنوف أهل الضلال والباطل على أننا لا نكره أحدا على الدخول في الإسلام، وفي هذه الآية بشارة لهذه الأمة، كما أن فيها تعليلا لفرضية القتال وحضا وحثا، وبهذه الآية انتهت الفقرة. كلمة في السياق: رأينا في الفقرة تعليلا للأسباب التي لا يهدي الله بسببها أهلها، وفي ذلك تفصيل لبعض المعاني الواردة في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين، كما رأينا كلاما عن أنواع من الكافرين: يهود، ونصارى، ومشركين، وكافرين، وفي ذلك نوع تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين، ورأينا في الفقرة مظهرا من مظاهر النفاق، وفي ذلك نوع تفصيل لما ذكر في مقدمة سورة البقرة عن المنافقين، ورأينا في الفقرة مظاهر تنبثق عن الإيمان الحق، وكل ذلك نوع تفصيل لقضايا مرتبطة بما وصف الله به المتقين في أول سورة البقرة، فالفقرة خدمت مقدمة سورة البقرة ضمن سياقها الخاص الذي رأينا طرفا من تسلسله والذي ملخصه ما يلي: بدأت السورة بذكر خضوع الأشياء كلها الله، وتنزيهها له، ثم عاتبت المؤمنين على انفصال القول عندهم عن العمل، لتصل إلى تقرير أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا، ثم ذكرت معاني تعرف من خلالها حكمة القتال في سبيل الله، وإذ تستقر هذه المعاني تأتيك فقرة تذكر طريق الفلاح عند الله وهو إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، ولذلك صلته بمقدمة سورة البقرة أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فالفلاح من جملة شروطه الجهاد، إما لأنه الأثر الصحيح للإيمان بالغيب، أو لأنه جزء من هدي هذا القرآن الذي يهتدي بهديه المتقون. فلنر الفقرة الثانية. ***

стр. 5604

الفقرة الثانية وهي أربع آيات من الآية (١٠) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي: [سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) التفسير: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ هذا يدل على أنه لا نجاة إلا بهذه التجارة، قال ابن كثير: ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ قال النسفي: (كأنهم قالوا كيف نعمل؟ فقال تؤمنون ... ) وهو بمعنى آمنوا وجاهدوا عند سيبويه ولهذا أجيب بقوله يَغْفِرْ لَكُمْ أي: ولذلك جزم الجواب، وإنما جئ به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين ذلِكُمْ أي: ما ذكر من الإيمان والجهاد خَيْرٌ لَكُمْ أي: من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: إن كان عندكم علم حقيقي ثم بين لم كان الإيمان بالله والرسول والجهاد خيرا لهم فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي: في جنات إقامة وخلود، قال ابن كثير: (أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

стр. 5605

أي: التجارة الرابحة، والفلاح الكبير وَأُخْرى تُحِبُّونَها أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي: عاجل، أي: ولكم إلى هذه المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بأنها النصر والفتح القريب، قال ابن كثير: (فهي الزيادة وهي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر دينه) ولهذا قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي: بشرهم يا رسول الله بذلك. كلمة في السياق: ١ - صلة هذه الفقرة بما قبلها واضحة، فبعد أن قررت الفقرة السابقة ضرورة القتال في سبيل الله، ومحبة الله لأهله، تأتي هذه الفقرة لتهيج على القتال، وتبين ما أعد الله لأهله، وما وعدهم به إذا آمنوا وجاهدوا. ٢ - جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ وجاء في الفقرة الأولى من سورة الصف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وجاء في الفقرة الثانية من سورة الصف هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ لاحظ كلمة العذاب الأليم المشتركة بين مقدمة سورة البقرة وهذه الآية، مما يشير إلى أن الله في سورة الصف يأمر عباده أوامر تمحصهم للتقوى والجنة وتخلصهم من أخلاق النفاق. ٣ - يلاحظ في مقدمة سورة البقرة أن الله ختم الكلام عن المتقين بقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وختم الكلام عن المنافقين قبل أن يضرب لهم المثلين بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ وفي هذه الفقرة من سورة الصف قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... فالفقرة إذن تفصل في التجارة الرابحة. ٤ - يلاحظ أن هناك تشابها كبيرا بين الفقرة التي مرت معنا من سورة الصف، وبين آيات في سورة البقرة هي قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
следующие страницы →