← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر الحمد لله ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت- يا رب- من شيء بعد. والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وآله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين. وبعد ... إنني وأنا أكتب هذه الكلمات تقديما لهذا التفسير الجليل، أزداد إيمانا على إيمان، وثقة على ثقة، بقول الصادق المصدوق- ﷺ لابن عباس- ﵁: « ... واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك ... ». ذلك لأنني منذ أسست (دار السلام) عام ١٣٩٣ هـ وأنا أطمع وأطمح ... أطمع- من قرارة نفسي- في أن أقدم عملا قيما، أخدم به كتاب الله- ﵎ وأنفع به أمتي التي أنتمي إليها ... وأطمح- في نفس الوقت- إلى أن يكون هذا العمل جديدا كل الجدة، لم يسبقني أحد إليه؛ فإني أكره منافسة الناس في أرزاقهم فأحب أن أنشر ما لم أسبق إليه. وفي عام ١٣٩٨ هـ أرسل إلي المؤلف الكريم هذا المصنف التفسيري الضخم الذي بين أيديكم. وأحسست- ساعتها- أن العمل أكبر من إمكانياتي، إلا أنني استعنت بالله وهو خير معين، وأعددت العدة النفسية لهذا العمل الذي كنت أطمح لمثله. وبعد بضعة أشهر حضر إلي ناشر كريم من بيروت، أقدر مني في هذا المجال وأطول باعا. حضر إلي وهو يحمل رغبة الشيخ المؤلف- أعزه الله- في أن يشار كني جهدي في هذا العمل، رغبة من فضيلته في أن يخرج هذا الكتاب مخدوما خدمة تامة تليق بمقام كتاب الله تعالى. فتنازلت عن حقي كاملا للأخ الناشر متمنيا له- من كل قلبي- التوفيق والسداد. ودارت الأيام دورتها، وقدر الله أن يحدث ببيروت ما حدث، بحيث أصبح متعذرا على الأخ الناشر إتمام هذا العمل بعد أن قطع شوطا كبيرا في تنضيد حرفه. فاعتذر الأخ الناشر عن إتمام العمل لظروف خارجة عن إرادته- ومرة أخرى- أدبا ولطفا من فضيلة الشيخ المؤلف- يرسل إلي مستشيرا، ماذا يفعل؟ وكأنه يرشحني من جديد لهذا العمل. وشاءت أقدار الله أن يصيبني هذا الخير بعد أن أخطأني في المرة الأولى، وعاد إلي هذا التفسير لكي أقوم بطبعه، ويكون أول عمل لي في مجال خدمة كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ولعل من حكمة الله العزيز في هذا العمل أن أخطأني في المرة الأولى؛ لأنني لم أكن على مستوى

стр. 3

القدرة الكاملة لإتمام مثل هذا العمل الكبير القيم، الذي هو جزء من أساس تبني أمتنا الحبيبة بناءها عليه صرحا شامخا عاليا، هذا الأساس هو الفهم الدقيق لكتاب الله والوعي العميق بأبعاده ومتطلباته، حتى يكون ثمرة ذلك الفهم الإيمان العميق بالله تعالى والالتزام بما أوجب بعد ذلك. وهذا المصنف التفسيري غني عن القول بأن فيه من الجديد الكثير، فإنه قد تفرد بأشياء لم يسبق إليها، خاصة مسألة تقديم أول نظرية متكاملة عن الوحدة القرآنية في القرآن الكريم. كما أنه استفاد من القديم وأعمل فيه بعض التهذيب بما يناسب حاجة عصرنا، فلكل عصر حاجته ومشاكله التي يواجهها. ولن أطيل الحديث عن هذا التفسير، وأترك الحكم للقارئ الكريم ولأولي العلم بخاصة. وأما عن المؤلف فلن أعرف أو أمتدح الرجل، فهو غني عن التعريف على مستوى العالم الإسلامي وغيره، وما أقول إلا دعاء من كل قلبي له بالتوفيق والسداد والرشاد في كل أمر من أموره. وأود أن أوجه الكلمة لكل من يقرأ أو يطالع هذا التفسير ألا يألو جهدا في النصيحة. فإن وجد تقصيرا أو نقصا في أي جانب من جوانب التفسير فليتصل بالناشر مباشرة، فإن النقص يعتري كل البشر، وقد جعل رسولنا الكريم- ﷺ النصيحة هي الدين، وليثق القارئ الكريم في أن أي ملاحظة مهما كان حجمها ومهما كانت لهجتها، ستؤخذ في الاعتبار وستكون محط عناية وتقدير؛ ذلك أن المؤمن مرآة أخيه فكونوا لنا مرآة حتى نصل- إن شاء الله- بهذا العمل وبغيره من الأعمال إلى أقصى ما يصل إليه البشر من الدقة والإحكام. ولا أنسى في هذا المقام أن أقدم شكري وتقديري ومحبتي لأسرة دار السلام من مصححين وإلى أقسام المونتاج والتصوير والجمع وإلى مندوبي المبيعات والمحاسبين، لما قدموا، فهم نعم الإخوة، حاولوا جهدهم إخراج هذا التفسير على أفضل ما يستطيعون، جزاهم الله خيرا وأحسن إليهم. وأخيرا وليس آخرا .. أقول: اللهم إن أحسنت فمن فضلك وكرمك، وإن كانت الأخرى فمن نفسي. أرجوك حسن العاقبة وأن ألقاك وأنت راض عني، فاجعل اللهم هذا العمل ذخرا لي إلى يوم ألقاك، يوم لا ينفع مال ولا بنون. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الناشر عبد القادر البكار

стр. 4

مقدمة سلسلة الأساس في المنهج هذه السلسلة تتألف من ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأساس في التفسير . القسم الثاني: الأساس في السنة وفقهها . القسم الثالث: الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص . وهذا القسم الأخير بمثابة المفاتيح لأمهات القضايا، التي تلزم دارس الكتاب والسنة، أو تصلح كمقدمات لدراسة الكتاب والسنة، سواء كانت هذه القضايا مرتبطة بأصول الفقه، وكيفية انبثاق الأحكام عن الكتاب والسنة، أو كانت مرتبطة بقضايا اختلاف الفقهاء، وأسباب اختلاف الفرق الإسلامية، فضلا عن الكلام في قضايا الحكم العقلي والعادي والشرعي، ومحل كل «وصلة كل» من الثلاثة بالآخر، إلى غير ذلك. ولا يظنن ظان أن تسميتي لهذه السلسلة باسم الأساس في المنهج، وكذلك في استعمالي كلمة الأساس في كل من أقسامها الثلاثة أن ذلك تزكية لها وإشعار بإحاطتها، فالأمر ليس كذلك، بل كل ما أحلم به هو أن أقدم لإخواني المسلمين أساسا يبنون عليه، ولكن حرصت على أن يكون أساسا غاية في القوة والمتانة.

стр. 5

إن القارئ سيرى بإذن الله كيف أن هذه السلسلة تعطيه أساسا في فهم القرآن، وأساسا في السنة وفقهها، بل ستعطيه كذلك أساسا في أشياء كثيرة من توحيد إلى فقه إلى سلوك ... إلى غير ذلك، بل ستعطيه أساسا لفقه الدعوة الإسلامية، وأساسا لنظرة المسلم إلى القضايا المعاصرة؛ ولكن نرجو ألا يطالبنا المسلم بأكثر من الأساس، وإن كنا قد نقدم أكثر من ذلك أحيانا. ولقد حرصنا فيما حرصنا عليه في هذه السلسلة بأقسامها الثلاثة على أن ندل المسلم على أسباب اختلاف الأمة الإسلامية في فرقها الاعتقادية مبرهنين على الاعتقاد الحق بأدلته الساطعة، كما حاولنا أن نبرز أسباب اختلاف الأئمة المجتهدين، وكيف أن الاجتهاد كان ضرورة لا بد منها، وكيف أن من أهم ميزات المجتهد استشرافه الشامل لمجموع النصوص، وقدرته على أن يضع كل نص في محله بالنسبة لمجموع النصوص، ولقد حاولنا في هذه السلسلة أن نبرز منطلقات الأئمة المجتهدين وحججها، وما ترتب على الاختلاف في المنطلقات من آثار، وكما حرصنا على إبراز ذلك كله، فقد حرصنا على أمور كثيرة أخرى ستضح في هذه المقدمة، وكلها تقتضيها احتياجات عصرنا إذ كانت هذه الاحتياجات في الحقيقة هي الدافع الأول نحو العمل في هذه السلسلة، فهي خدمة تضاف إلى خدمات هذه الأمة لكتاب ربها تعالى، ولسنة نبيها ﵊، إنه لم تخدم نصوص في تاريخ هذا العلم كما خدمت نصوص القرآن الكريم، ونصوص السنة النبوية المطهرة، حتى إن مجموعة العلوم التي وجدت لأنواع من هذه الخدمة تبلغ العشرات بل المئات، ومجموعة الكتب التي ألفت لهذه الخدمة لا يمكن حصرها ولا إحصاؤها فضلا عن الكتب التي تعتبر انبثاقا عن علوم انبثقت من الكتاب والسنة، ومع هذا كله فإن لكل عصر احتياجاته التي تختلف عن احتياجات عصر سبقه، ومن ثم فلا بد من ملاحظة احتياجات عصرنا، لمعرفة ما ينبغي أن يضاف إلى المكتبة القرآنية والحديثية مستفادا مما قدمه المؤلفون في عصور سابقة، مع ملاحظة أن ما قدمه السابقون يكاد ألا يكون عليه مزيد، ولا في شأنه مستزيد، ومن ثم فإن المؤلف المعاصر ليس عليه في الغالب إلا أن يتخير من تحقيقات السابقين في كثير من الأمور، وأن يكون تخيره ملاحظا فيه احتياجات العصر. [بعض احتياجات عصرنا] إذا اتضح هذا الأمر، فلنر بعض احتياجات عصرنا بالنسبة للقرآن الكريم ثم بالنسبة للسنة المطهرة، وبعض جوانب الخدمة التي نرغب أن نقدمها نتيجة لذلك في بعض أقسام هذه السلسلة:

стр. 6

(الأساس في التفسير) و (الأساس في السنة وفقهها) و (الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص) أولا: بالنسبة للقرآن: أ- دندن علماؤنا حول الصلة بين آيات السورة الواحدة وحول الصلة بين سور القرآن وحول السياق القرآني؛ وجاءت نصوص تتحدث عن أقسام القرآن: قسم الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل. ولم يستوعب أحد من المؤلفين الحديث عن هذه القضايا- في علمي- بما يغطيها تغطية مستوعبة. وفي عصرنا- الذي كثر فيه السؤال عن كل شئ- أخذ كثيرون من الناس يتساءلون عن الصلة بين آيات القرآن الكريم وسوره، وعن السر في تسلسل سور القرآن على هذه الشاكلة المعروفة. فأصبح الكلام في هذا الموضوع من فروض العصر الذي نحن فيه. ولقد من الله علي في أن أسد هذه الثغرة مصححا الكثير من الغلط في هذا الشأن، ومضيفا أشياء كثيرة لم يسبق أن طرقها أحد. ب- في عصرنا وجدت علوم كثيرة، هذه العلوم قدمت فهوما جديدة للنصوص، أو أنها رجحت فهوما قديمة، وبسبب من هذه العلوم وبسبب من الوقائع التي انبثقت عنها، طرحت تساؤلات حول كثير من معاني القرآن، وكأثر عن ذلك كله كان لا بد من عرض للقرآن الكريم يغطي ذلك كله .. ولقد حاولت في قسم التفسير أن أقدم جوابا لتساؤلات وتبيانا لنصوص، وإقامة حجة في شأنها بالنسبة لقضايا العلوم والدراسات الحديثة بحسب الإمكان. ج- وفي عصرنا كثرت الشبه والاعتراضات على القرآن، وعلى إمكانية انبثاق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عنه، ووجدت مفاهيم واتجاهات مزخرفة ومعاكسة، محليا وعالميا، ضد بناء الحياة المعاصرة على أساس قرآني، والمسلمون الحقيقيون يتحركون حركتهم الصعبة في البيان والتبيين، لإقناع هذا العالم بأن القرآن هو الكتاب الرباني الوحيد، الذي تكلف به البشرية بحق، وهذا يقتضي عملا وجهدا يكافئان ذلك. ونرجو أن يكون قسم التفسير من هذه السلسلة قد أعطى هذا الموضوع حقه.

стр. 7

د- ولقد ابتعدت الشخصية المسلمة كثيرا عن التحقق بمعاني القرآن، وابتعدت الأمة الإسلامية كثيرا عن تمثل كتاب الله، ولا بد من بذل جهد لإعادة المطابقة بحيث تعود الشخصية الإسلامية إلى أن يكون القرآن خلقها، وبحيث يعود القرآن إلى الظهور في حياة الأمة المسلمة، فتكون تجسيدا لمعانيه. وذلك موضوع متشعب الجوانب ولعل هذا التفسير يؤدي دورا فيه فإنه من أهم ما ينبغي أن يشتغل به ذهن المسلم المعاصر. هـ- والمسلم المعاصر يعجبه أن يأخذ خلاصة التحقيق بأدلته المباشرة في أمر ما، أما التحقيق نفسه فإنه يولع به طبقة من الناس. ومن ثم فحتى أمهات كتب التفسير كثيرا ما يضيق المسلم العادي ذرعا وهو يقرؤها، وكثيرا ما يضيع وهو يرى أقوالا متعددة، وروايات كثيرة ومناقشات لا حصر لها، وهذا كله ينبغي أن يختصر للمسلم غير المختص ليكون فهم كتاب الله متيسرا للجميع. ولقد راعيت في قسم التفسير هذه الضرورة بحيث لم أقدم فيه إلا ما له مساس مباشر في فهم القرآن دون مخالط كثير. و- وفي عصرنا هناك قضايا إسلامية مطروحة، ومناقشات تدور بين المسلمين أنفسهم، بعض هذه القضايا استمرار لمناقشات قديمة، سببها الاختلاف المذهبي أو الخلاف الاعتقادي، وبعضها وليد عصرنا، وهذا موضوع لا بد من الاستقرار فيه على شئ، وقد حاولت في هذه السلسلة كلها أن أغطي هذا الموضوع في كل مناسبة ذات صلة بشيء من ذلك. هذه أبرز النقاط التي تعتبر احتياجات عصر، والتي استهدفتها في قسم التفسير وبعضها مستهدف في السلسلة كلها. وهناك نقاط أخرى لم تكن هدفا في حد ذاتها بل جاءت بسبب ظروفي التي بدأت فيها العمل في التفسير: إنه من الواضح أن كل من يرغب في أن يشتغل بالتفسير سيجد نفسه بين أمرين:- الأول: أن قسما من التفسير الذي يريده سيجده في أي تفسير معتمد، وهو بالتالي لا يحتاج إلا إلى نقله وأحيانا إلى تبسيطه.

стр. 8

- الثاني: أن الأغراض الخاصة التي يحب المفسر أن يحققها في تفسيره عليه أن يبذل جهدا خاصا من أجلها، حتى إنه ليحتاج أن يقرأ مئات الصفحات، من أجل أن يغطي نقطة صغيرة جدا. ولم يكن باختياري أنني لتحقيق النوع الأول اعتمدت في الابتداء على تفسيرين فقط هما: تفسير ابن كثير وتفسير النسفي، إذ لم يتوفر لي في سجني في المرحلة التي ابتدأت فيها العمل إلا هذان التفسيران، وهما تفسيران مشهوران يغلب على الأول التفسير بالمأثور، ويغلب على الثاني قضايا التحقيق المختصر لأمور اعتقادية أو مذهبية، مع محاولة كل من التفسيرين أن يغطي المعنى الحرفي لآيات القرآن الكريم، فأقبلت على هذين التفسيرين محاولا من خلالهما أن أغطي المعاني الحرفية لكتاب الله تعالى، وأحيانا المعاني الإجمالية، ومحققا خلال ذلك ما أستطيع تحقيقه من أغراض هذا التفسير، على أن أكمل فيما بعد- إذا تغيرت ظروفي- كل ما استهدفته من هذا التفسير. ولقد حاولت في المرحلة الأولى من العمل أن أضمن هذا التفسير خلاصة التفسيرين ومجمل الفوائد الموجودة فيهما تاركا ما لا يتفق وأهداف هذا التفسير، وكنت أرى حرص الكثيرين من المسلمين على استيعاب تفسير ابن كثير، ولم أزل أرى فشل الكثيرين في استيعاب هذا التفسير، بسبب هو ميزة في حق العالم، ومتعب في حق الرجل العادي، وهو ذكر ابن كثير للأسانيد والروايات المتعددة والأقوال الكثيرة في الموضوع الواحد، ومن ثم فقد حاولت أن أريح القارئ العادي من مثل هذا فأخذت خلاصة ما في هذا التفسير من معان إجمالية، أو معان حرفية، أو فوائد مذكورة فيه؛ حتى إنه ليستطيع قارئ تفسيري هذا أن يطمئن إلى أنه أخذ تفسير ابن كثير دون ما يمله الرجل العادي منه، مضافا إليه تحقيقات وفوائد كثيرة مبثوثة في تفسير النسفي، حتى ليكاد أن يكون هذا التفسير كذلك مستوعبا الكثير مما هو موجود في تفسير النسفي، تاركا نقل أمور كثيرة لا تتمشى مع أهداف هذا التفسير؛ فكانت هذه القضايا ميزة لهذا التفسير، ولكنها ميزة لم تكن مستهدفة في الأصل، ومن خلال هذين التفسيرين وضعت الأساس الذي بنيت عليه هذا التفسير، ثم بعد ذلك بدأ العمل الذي تم به هذا التفسير كما يراه القارئ. وسيرى القارئ أنني كعادتي في كل ما أجمعه، لا أكلف نفسي عناء صياغة شئ يحتاجه كتابي، إذا كان غيري قد صاغه الصياغة التي أرضاها، أو التي تقصر عنها صياغتي أصلا. فليس الهدف إلا وجه الله ، وما سوى ذلك فإنني أرجو أن أتجاوزه. ولم يزل علماؤنا ينقلون في كتبهم الفصول الطويلة، وأحيانا لا ينسبونها إلى أصحابها، معتمدين فكرة أن أي تجديد في علم أو فن تعطي صاحبه حق النقل دون

стр. 9

العزو؛ على أنني لا أفعل ذلك بل أنقل وأعزو؛ وإنما ذكرت هذا من باب الاعتذار، ومن باب الاعتذار كذلك أقول: إنه من الظلم لهذا التفسير أن يقول قائل: إن هذا التفسير هو خلاصة لكتابين، كما أنه من الظلم أن يقول قائل: إن إحياء علوم الدين للغزالي هو مجرد دمج لكتابي: قوت القلوب، والرعاية. على أنني لا أدعي أن لهذا التفسير ميزة على تفسير ابن كثير أو تفسير النسفي بل أريد أن أقول: إن في هذا التفسير شيئا آخر، هو من الكثرة بمكان مما يحقق أهداف هذا التفسير ولم يكن هدفا أصلا لابن كثير أو للنسفي رحمهما الله. وبعد هذا الاستطراد الذي اضطرنا إليه استكمال ميزات هذا التفسير، في سياق الكلام عن بعض احتياجات عصرنا في شأن عرض القرآن في هذا العصر؛ نرجع إلى ذكر الأسباب الموجبة، التي أدت إلى إيجاد هذه السلسلة والتي هي احتياجات العصر كما ذكرنا، فنذكر بالنسبة للسنة بعض ما نراه احتياجات عصر. ثانيا: بالنسبة للسنة: أما بالنسبة للسنة، فإنني أرى أن احتياجات عصرنا في شأنها مجموعة أمور: ١ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطا شكله مشروحا غريبه. ٢ - والمسلم غير المتخصص بالحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر- دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته- أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها. ٣ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أن يفهم السنة فهما صحيحا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها. ٤ - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.

стр. 10

وقد كنت أحس بضرورة وجود الكتاب الذي يخدم في هذه الشئون، وغيرها مما رأيناه وسنراه، ولكن ما العمل؟ ولم أكن أستطيع وخاصة في المراحل الأولى من سجني أن أصل إلى أي كتاب إلا بصعوبة شديدة، ومن ثم لم أكن أطمع في أن أقدم خدمة مستوعبة في شأن السنة تحقق كل الأمور التي أعتبرها احتياجات عصرنا، كما لم يكن بإمكاني أن أقدم التحقيق المناسب الذي يخدم أغراض هذه الاحتياجات، ومن ثم فقد رأيت أن أعمل بقدر المستطاع المتاح، مما سنرى حدوده في مقدمة الكلام عن القسم الثاني من هذه السلسلة، وهو بفضل الله كثير طيب. هذه مجمل أمور في شأن الكتاب والسنة أعتبرها من احتياجات عصرنا، وأرجو أن أكون قد قدمت خدمة لا بأس بها فيها ويأتي القسم الثالث ليضع الأساس في ضبط مسار الفهم. ولئن كان المشتغلون قديما في خدمة الكتاب والسنة يفترضون في الغالب أنهم يخاطبون إيمانا كاملا، وبالتالي فإنهم لا يتكلفون كثيرا لما يخدم قضية الإيمان؛ فإنني أعتبر أن من واجبات العصر أن نلاحظ قضية الإيمان: إن في عرض المعاني، أو إبراز ما يلزم لذلك. ففيما يتعلق بعرض السنة فإنه ينبغي على الباحث أن يلاحظ هذا الموضوع حتى في عملية ترتيب أبحاث السنة. وأما بالنسبة للتفسير فإذا لم تخدم قضية الإيمان فيه في عصرنا المادي والشهواني فكأن المفسر لم يفعل شيئا، إن الله يقول: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً. فالأصل الأصيل هو أن يتعمق الإيمان بتلاوة الآيات، وعلى المفسر أن يساعد في ذلك. إن كثيرا من التفاسير- كما قلنا- يفترض سلامة الإيمان وكماله، ومن ثم يركز على النكت والشروح والفوائد ومناقشة الخصوم، وكل ذلك له فوائده، ولكن هذا التفسير يريد صاحبه أن يكون أداة لرفع درجات اليقين، بحيث لا يخلص القارئ من صفحة إلى صفحة إلا وقد ارتقى يقينه، هذا مع تصحيح التصورات وزيادة العلم. إن من أهداف هذه السلسلة خدمة قضية زيادة الإيمان، وإصلاح الاعتقاد والعمل . ولقد حرصت على أن أربط بين أقسام هذه السلسلة برباط، مع أنه جرت عادة المؤلفين أن يخصوا الكتاب بالتأليف وكذلك السنة وكذلك الأصول دون أن يتكلف

стр. 11

الواحد منهم لتأليف متسلسل يضمها مكتفيا بما استقر في ضمير المسلم من أنه سيأخذ حظه من الكتاب ومن السنة ومن الأصول كل من مصادره. لكني وجدت أن الربط بين الكلام عن الكتاب والسنة والأصول في سلسلة واحدة مفيد لأسباب متعددة، أولها: الاختصار، فبدلا من أن يبحث الباحث قضية واحدة فيفصلها هاهنا وهاهنا فإنه يكتفي بالتفصيل في مكان واحد. ثم إن السنة هي المبينة للكتاب، فالوضع الكامل أن تدرس معه. ولكي أضمن الاقتراب من الكمال في الفهم، حرصت على أن تكون السلسلة شاملة لعرض نصوص الكتاب والسنة، ثم إن الحركة الإسلامية وهي تنطلق مصححة لأوضاع محلية أو لأوضاع عالمية أو لإرث موروث أو لدخن مختلط أو وهي تقيم الحجة على الناس كل الناس مسلمين وغير مسلمين، لا بد أن تقدم الفهم الحق للكتاب والسنة، اللذين هما أصل الإسلام على طريقة سواء وضوابط هذا الفهم كل ذلك وغيره من معان متعددة كلها يصب في كون المسلم لا بد له من معرفة بنصوص الكتاب والسنة، ولا بد له لتحقيق كمالاته من الاطلاع على الكتاب والسنة، ولا بد له من فهم لنصوص الكتاب والسنة فهما صحيحا يحفظه من الخطأ، كل ذلك دعاني لإصدار هذه السلسلة تحت عنوان واحد (الأساس في المنهج) لأن منهج الحق يتمثل في الكتاب والسنة كليهما. وشئ بدهي أن أوضح في هذه السلسلة موضوع أن الإسلام تغطية كاملة لشئون الحياة، وأن أبين أنه يستحيل شئ مما وصل إليه الإنسان من حقائق علمية ينقضه نص من نصوص الكتاب والسنة، بل إن الكثير مما وصل إليه الإنسان من حقائق علمية قطعية كان لصالح إثبات أن الكتاب والسنة حق خالص، وكيف أن عصرنا قد أبرز من معجزات الكتاب والسنة ما تقوم به الحجة على أهل جيلنا أكثر من أي جيل مضى، كل ذلك شئ عادي أن أبرزه في هذه السلسلة. وفي سلسلتنا (في البناء) أشرنا أكثر من مرة إلى هذه السلسلة ووعدنا هناك أن نحقق هنا نعاني بعينها، ونرجو أن نفي بوعودنا كلها في هذه السلسلة بإذن الله. ومن المعلوم أنه ينبثق عن نصوص الكتاب والسنة كثير من المواضيع، ومن ثم فلا نطمع أن نخص كل موضوع بعنوان. على أننا سنستعين بالفهارس للدلالة على وجود بعض المواضيع التي تعتبر أهم من غيرها.

стр. 12

وسنعطي قضايا الحكم العقلي والشرعي والعادي، وأصول ذلك وصلة ذلك بالنصوص أهمية خاصة. هذا كله مراعى في تأليف هذه السلسلة ودافع نحو تأليفها غير أن هناك أسبابا بعينها كانت هي الأقوى في الدفع نحو هذا التأليف وهذه هي: ١ تعتبر العصور المتأخرة ومنها عصرنا عصور الامتحان لكل شئ؛ لأن الإنسان في الغالب قد شك في كل شئ، خاصة وأن الشعوب التي ملكت السيطرة المادية على العالم، والتي أصبحت نتيجة لذلك هي التي تصدر الأفكار وتدعو إليها وتفلسفها، وتحاول- سواء كانت رأسمالية أو شيوعية- أن تصوغ الأمور بالقالب الذي تريد. إن هذه الحكومات والشعوب جعلت كل شئ محل امتحان في الظاهر، ولكنها في الواقع قد أصدرت أحكامها سلفا في كثير من الأمور، وتحاول باسم الامتحان أن توصل الناس إلى ما تريد في الاعتقاد والسلوك وغير ذلك، وارتبط ذلك كله بعملية تناحر هائلة جبارة على المواد الخام وعلى السيطرة على العالم، وبقضية الصراع من أجل البقاء، ومن ثم فقد سخر في عملية الامتحان الظاهري للأشياء وفي عملية صبغ الأشياء بالفكر المسبقة، سخر لهذا الموضوع من الإمكانات والطاقات ما لا يخطر بالبال، فأصبحت الأشياء كلها محل امتحان وكادت تتغير كل المسلمات القديمة لدى أكثر الناس، والقليل من الناس هم الذين بقوا في مثل هذا الجو الضاغط الفظيع محتفظين بمسلماتهم، وقليل من هذا القليل هو الذي احتفظ بالمسلمات على بصيرة. وأمام هذا كله لا بد من عرض شامل واستعراض كامل لنصوص الإسلام التي هي بالدليل والبرهان تشكل المسلمات الوحيدة الصحيحة في هذا العالم، أو أنها وحدها الميزان الصحيح الذي توزن به المسلمات. هذه النصوص التي هذا شأنها والتي ليس أمام أحد خيار إلا قبولها والتسليم لها، وهذا العرض الشامل والاستعراض الكامل هما أول دافع قوي نحو إصدار هذه السلسلة؛ لأنه بدون العرض الشامل والاستعراض الكامل تبقى ثغرات كبيرة يمكن أن ينفذ من خلالها المشككون، فتسهل بدون ذلك عملية سقوط المتشككين، فضلا عن كون ذلك واجب العصر، إذ لكل عصر واجبات على أهل الحق، يقتضيها حق العصر وهذه إحدى أهم واجبات هذا العصر.

стр. 13

٢ وفي عصرنا طرحت كثير من الأمور نفسها بشكل حاد، فأصبح لا بد من إجابة شافية كاملة عنها، واختلط الأمر واختلطت الإجابات، فكان لا بد من عملية تمييز شاملة كاملة للإجابة الصحيحة من ناحية، وللتوضيح من ناحية أخرى، وإذا كانت نصوص الإسلام هي الإجابة الشاملة والكاملة على كل قضية تخطر ببال الإنسان، وهي التي من خلالها يتم التمييز الشامل الكامل، فإن هذه النصوص لا بد أن تفهم في إطارها الصحيح لتعطي الجواب، ويتم التمييز ويكون الوضوح. إن كل تساؤل حاد لا يحتمل عصرنا تأخير الإجابة عليه أو السكوت عنه، وإجابة شاملة على كل الأمور لن تتم إلا من خلال عرض شامل لكل النصوص لأن الله جعل كتابه تبيانا لكل شئ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وبدون السنة التي هي بيان للقرآن، لا يتم البيان قال تعالى وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وبدون علم الأصول لا يستطيع الإنسان أن يضع الأمور في مواضعها. ٣ وفي عصرنا انطلق كل شئ من عقاله بحرية كاملة دون أي التزام مسبق في الظاهر كما رأينا. ولكن الأمر العجيب أن كل شئ يخدم قضية الحق أبعد لصالح الهوى، وكل شئ يخدم قضية اليقين أبعد لصالح الظنون. وكل ذلك يعطى صفة علمية يتم الإيهام بأنها قطعية، وهي باطل في جوهرها. فعلى سبيل المثال: لقد انطلق علم الجيولوجيا والبيولوجيا والمستحاثات وغير ذلك من العلوم، وبدأت الحفريات عن الآثار وعن غيرها للوصول إلى حقائق، فإذا جاءت النتائج تؤيد النصوص الدينية استبعدت، وإذا جاءت لغير صالح نوع من النصوص الدينية المحرفة تبنيت وحمل بسببها على كل دين، حتى ولو كانت نصوصه لا تتناقض مع هذه المكتشفات، وأصاب الإسلام من ذلك الكثير. نجد مثلا دارسي التاريخ الفرعوني في مصر يرجحون أن جثة فرعون الذي عاصر موسى موجودة حتى الآن. والقرآن يذكر النجاة البدنية لفرعون من الغرق مع إثباته الغرق. وفي ذلك دليل على أن القرآن هو الذي أعطى الجواب الكامل الصحيح على هذا

стр. 14

الموضوع، وأن القرآن ليس مستمدا من روايات الكتب السابقة كما يزعم الزاعمون؛ لأن ما يسمى بالتوراة- الحالية- تذكر غرق فرعون دون أن تذكر نجاة جثته. فبدلا من أن يرى فيما ذكره القرآن دليلا على الوحي وعلى أن القرآن وحي إلهي، تكون المسألة أن يشكك في كل الوحي الإلهي، بسبب أن ما يسمى بالتوراة حاليا- وهي محرفة كما سنرى بالدليل- عارضت مكتشفات أثرية. والحفريات التي تمت في العراق أوصلت إلى ملحمة جلجاميش التي تحدثت عن نوح ﵇ وعن الطوفان، وأوصلتنا هي وغيرها إلى أن الطوفان كان مشهورا معروفا، وأن قصة نوح ﵇ كانت معلومة معروفة، ثم تذكر هذه الحفريات كما يقول أنطون مورتكات في تاريخ الشرق الأدنى القديم الذي عربه توفيق سليمان وآخران: (لقد صنفت المصادر المحلية التي ترجع إلى ما بعد الطوفان سلالة كيش الأولى في ثلاثة وعشرين ملكا بلغ مجموع حكمهم (٢٤) ألف سنة. ثم تتبعها سلالة أوروك الأولى باثني عشر ملكا وصل مجموع حكمهم مدة زادت عن ألفي سنة). هذا ما أوصلت إليه الحفريات وفيه دليل على أن الناس في الماضي كانوا يعمرون فعند ما يحكم ثلاثة وعشرون ملكا أربعة وعشرين ألف سنة فذلك دليل على أن ما ذكره القرآن من رقم (٩٥٠) سنة في حق نوح ﵇ تسنده الحفريات، وأن الإنسان في الماضي كان يعمر أكثر من إنساننا الحالي، ولكن هذه القضية نفسها تعرض على أنها مستبعدة أصلا فما أوصلت إليه الحفريات مرفوض إذا! ولماذا الحفريات إذا! إن هذا يؤكد أن الإنسان الحالي في الغالب عنده أحكام مسبقة يحاول أن يفسر الأشياء بها لا أن يصل إلى الحق. ويذكر الدكتور حسن زينو المتخصص في الجيولوجيا في كتابه (التطور والإنسان) كيف أن الحفريات أوصلت إلى اكتشاف الإنسان العملاق، وكيف أن الحفريات أعطتنا جثة إنسان أضخم من إنساننا الحالي بست مرات وهذا يؤيد النصوص التي تذكر أن الخلق لم يزل يتناقص منذ خلق آدم كما سنرى، ولكن بدلا من أن يكون مثل هذا الاكتشاف يخدم قضية الإيمان فإنه يصاغ صياغة تخدم قضية الكفر. وقل ذلك في أمور كثيرة.

стр. 15

لقد انطلق الإنسان بحرية كاملة في كل شأن فوصل إلى حقائق تخدم قضية الإيمان فرفضها، ووصل وأوصل إلى تخريب وضلال في العقل والوجدان، وفي السلوك والاجتماع وفي السياسة والاقتصاد، وهو مصر على أن يستمر في هذا الطريق. ومن ثم فقد آن الأوان أن يقول المسلم لهذا العالم كلمته الحاسمة، وبداية ذلك العرض الشامل لنصوص الإسلام وإقامة الحجة في شأنها على أنها الحق الخالص. لقد آن الأوان للمسلم أن يرجع الأمور إلى نصابها في هذا العالم، الذي انطلق كل شئ فيه في غير مساره الصحيح، ليرجع الأشياء كلها إلى المسار الصحيح، بأن تصبح كلمة الله هي العليا، وبداية ذلك كله أن تفهم كلمة الله فهما صحيحا، وأن تفهم كلمة رسول الله ﷺ فهما صحيحا، وأن تقام الحجة بكلمات الله ورسوله ﷺ على العالم. ٤ إن الوحي الإلهي في صيغته الصحيحة الوحيدة حاليا، يتمثل بالدليل والبرهان بما أنزل الله على محمد ﷺ من قرآن وحكمة، هذا القرآن الذي كانت مهمة محمد ﷺ فيه البلاغ والبيان هو حجة الله على خلقه، وهو حجة الله على أن محمدا عبده ورسوله. هذا القرآن الذي هذا شأنه؛ لا بد من إبراز كمال الحجية فيه، وما أكثر الحجج وأكبرها، إنه كلمات الله إلى هذا العالم، فلا بد من إقامة الحجة فيه، ولا بد من الإجابة على شبهات الخلق في شأنه. ومن آخر هذه الشبه وأعجبها ما تثيره الآن أكثر دوائر الكفر بشكل مهذب أو وقح حول الوحدة القرآنية والصلة بين سور القرآن بعضها ببعض، أو آيات القرآن بعضها ببعض، كما ترى نموذج ذلك في مقدمة (كلود كاهن) في تاريخه، مع أن هذا الموضوع وحده هو من أعظم مظاهر الإعجاز في القرآن كما سنرى في هذه السلسلة، ولكن الأمر يحتاج إلى بيان، فكانت هذه السلسلة وخاصة جزؤها الأول هي هذا البيان. ومع البيان لمثل هذا الشأن وغيره مما تندفع به الشبه وتقوم به الحجة، فهناك محاولة الفهم الصحيح لكلمة الله وكلمة رسول الله ﷺ في عصر أصبحت فيه كثير من النصوص تفهم فهما خاطئا ويبنى على هذا الفهم الخاطئ أحكام خاطئة.

стр. 16

٥ ثم إنه منذ العصور الأولى وجدت عقلية حرفية، تحاول أن تفهم نصوص الكتاب والسنة غير مراعية طرائق العرب في الخطاب والفهم، كما وجدت عقلية تأويلية تنطلق بالتأويل بدون ضوابط، وهناك عقلية تريد أن تفهم الأصل على ضوء الفرع، وعقلية تنسى الأصل وتستيقظ على الفرع، وكل ذلك لا يسع المسلمين أن يبقوا على غفلة عنه في عصر المخاض لميلاد الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى. هذه النقاط الخمس تشكل الدوافع الأقوى لإصدار هذه السلسلة، ولكن هل استطعت أن أحقق هذه الأحلام؟ لا أقول هاهنا شيئا فلي كلمة في الختام، ولكن أستعين بالله وأبدأ، وأرجو ألا يندم أحد سهر الليالي في قراءة هذه السلسلة، بل إنني لأرجو أن ينتهي القارئ منها وقد شعر أنه بحاجة إلى أن يقرأها مرة ومرة. وإني لأعتبر السلاسل الأربع التي أصدرتها: سلسلة الأصول الثلاثة، وسلسلة في البناء وسلسلة إحياء الربانية، وهذه السلسة مما لا ينبغي أن يتجاوزها طالب علم إلا وقرأها، فضلا عن إنسان له دور الداعية أو المربي في هذه الأمة، لأنني أعتبرها جميعا احتياجات عصر. وإني لأرجو أن أكون بهذه السلاسل قد أجبت على كل شبهة، وأعطيت جواب الحركة الإسلامية على كل المسائل المعاصرة. ومن ثم فإنني أرجو أن تكون نقاط علام مضيئة على طريق طويل، وضع النقاط الأولى فيه حسن البنا، ووضع النقاط التالية فيه حسن الهضيبي، ووضع نقاطا مضيئة كثيرة فيه سيد قطب وغيره من أبناء هذه الحركة في الشرق الإسلامي وعلى امتداد هذا العالم؛ فإن الكثيرين قد وضعوا من هذه النقاط على هذا الطريق، وأخص بالذكر منهم الأستاذ أبا الأعلى المودودي، وشيخنا أبا الحسن الندوي، فجزى الله الجميع خيرا. ولئن وضعت اسمي بين هذه الأسماء اللامعة، فما ذلك إلا لتشجيع القارئ على قراءة هذه السلاسل، وإلا فإنني بفضل الله أعرف مكاني وهو الجندية الخالصة لهذه الدعوة الربانية. هذا ونسأل الله أن يعين وأن يتقبل إنه سميع مجيب. اللهم آمين. ولنبدأ في القسم الأول من هذه السلسلة مبتدءين بالمقدمة المباشرة لقسم الأساس في التفسير.

стр. 17

مقدمة الأساس فى التفسير

стр. 18

رأينا في مقدمة هذه السلسلة (الأساس في المنهج) مجموعة من الأمور لها صلة بالسلسلة كلها. ولا شك أن قسما مما ذكرنا هناك هو بمثابة مقدمة لهذا التفسير، غير أنا رأينا أن نقدم مقدمة خاصة لهذا التفسير ولو تكررت بعض المعاني لإبراز بعض خصائصه، ليدرك القارئ أن هذا التفسير- وإن كان في بعض جوانبه- لا يحوي جديدا إلا أنه في جوانب أخرى كان جديدا، وما ذلك إلا من فضل الله . إن الخاصية الأولى لهذا التفسير وقد تكون ميزته الرئيسية أنه قدم لأول مرة- فيما أعلم- نظرية جديدة في موضوع الوحدة القرآنية، وهو موضوع حاوله كثيرون وألفوا فيه الكتب ووصلوا فيه إلى أشياء كثيرة، ولكن أكثر ما اشتغلوا فيه، كان يدور إما حول مناسبة الآية في السورة الواحدة، أو مناسبة آخر السورة السابقة لبداية السورة اللاحقة، ولم يزيدوا على ذلك- فيما أعلم- هذا مع ملاحظة أن الموضوع الأول نادرا من استوعبه والتزم به في تفسير كامل للقرآن، وإذا التزم به فلم يكن ذلك على ضوء نظرية شاملة تحتوي مفاتيح الوحدة القرآنية. ولقد من الله علي منذ الصغر أنني كنت كثير التفكير في أسرار الصلة بين الآيات والسور ووقع في قلبي منذ الصغر مفتاح للصلة بين سورة البقرة والسور السبع التي جاءت بعدها وهي بمجموعها تشكل القسم الأول من أقسام القرآن كما سنرى ذلك في حديث حسن. فقد لاحظت مثلا أن الآيات الأولى في سورة البقرة مبدوءة بقوله تعالى: الم ومنتهية بقوله تعالي: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وأن سورة آل عمران مبدوءة ب: الم ومنتهية بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فقلت في نفسي هل سورة آل عمران تفصيل للآيات الأولى من سورة البقرة؟ ثم لاحظت أنه بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وأن سورة النساء الآتية بعد سورة آل عمران مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ....

стр. 19

فتساءلت عما إذا كانت سورة النساء تفصيلا لآيات تقابلها من سورة البقرة. ثم لاحظت أنه بعد آيات من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ... وأن سورة المائدة الآتية بعد سورة النساء مبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. فتساءلت عما إذا كانت سورة المائدة تفصيلا لشئ يقابلها في سورة البقرة. ثم لاحظت أنه بعد ذلك في سورة البقرة يأتي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. وأن سورة الأنعام تفصل هذا المعني ولذلك تتكرر فيها الآيات المبدوءة بقوله تعالى: وَهُوَ. بل آخر آية فيها هي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ... وصلة ذلك بآية البقرة واضحة فتساءلت عما إذا كانت سورة الأنعام تفصيلا لآية أو لأكثر تقابلها في سورة البقرة؟ ثم لاحظت أنه بعد ذلك في سورة البقرة، تأتي قصة آدم وهي منتهية بقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .... وأن الآية الثانية في سورة الأعراف هي قوله تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. وأن قصة آدم معروضة فيها منذ بدايتها، فهل لسورة الأعراف صلة بآيات تقابلها في سورة البقرة؟ ثم بعد ذلك بآيات كثير في سورة البقرة، تأتي الآية التي يفرض بها القتال كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ... وبعدها مباشرة آية فيها سؤال عن قضية لها صلة بالقتال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ .... وأن سورة الأنفال وبراءة- وهما في موضوع واحد: وهو القتال- قد بدئتا بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ فكأنهما تفصيل لقضايا متعلقة بالقتال. وهكذا وجدنا أن السور السبع التي جاءت بعد البقرة، وهي التي تشكل مع سورة البقرة القسم الأول من أقسام القرآن كما سنرى، هذه السور التي جاءت بعد سورة البقرة مباشرة أتت على تسلسل معين هو نفس التسلسل الذي جاءت به

стр. 20

المعاني في سورة البقرة، وأن لكل سورة منها محورا موجودا في سورة البقرة هذه الملاحظة وقعت في قلبي منذ الصغر وسجلتها في كتاب (الرسول) ﷺ في فصل المعجزة القرآنية، ورأيتني بعد استعراضات كثيرة لكتاب الله قد عثرت فعلا على مفتاح من مفاتيح الوحدة القرآنية، وتفتحت لدي من آفاق الفهم معان كثيرة بخصوص السياق العام للقرآن والسياق الخاص داخل السورة الواحدة. وكلما سرت في عرض القرآن الكريم تبين لي من الأدلة على سلامة سيري الكثير الكثير. وليست هذه المقدمة هي محل عرض هذا الاتجاه في موضوع فهم الوحدة القرآنية، ولكنها نموذج على عملي في التفسير أكملت فيه بناء أو حققت فيه أملا، فلقد دندن علماؤنا حول هذا الموضوع ولم يستوعبوه، واستوعبته بفضل الله، وأشاروا إليه ولم يفصلوا فيه، ولقد فصلت فيه تفصيلا استوعب الآيات في السورة الواحدة والسور في القرآن كله على ضوء نظرية شاملة أثبت البحث صحتها، وهي تعطي الجواب على كثير من الأمور مما له صلة بوحدة السورة، ووحدة المجموعة القرآنية، ووحدة القسم القرآني، ثم في الوحدة القرآنية كلها. وبدون هذه النظرية فإن كثيرا من الصلات التي تحدث عنها المتحدثون، إنما تتحقق بنوع من الاستكراه. ولئن توسعت في هذا الشأن بما لم يتوسع به أحد، فلأنه كما ذكرت احتياج عصر وضرورته، أما الماضون فلم يكونوا يستشعرون ضرورته، فاكتفوا بالتلميح إليه مع اعتقادهم أنه موجود. قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لسورة البقرة ما نصه: «ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته. ولعل الذين قالوا: إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار. وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر» ا. هـ وقال الشيخ ولي الدين الملوي: «وقد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة، وفصل الخطاب: أنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا، فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، كما أنزل جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما

стр. 21

قبلها أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له .. اه.» هذان النقلان نقلهما صاحب (مناهل العرفان) في الصفحة ٧٣ - ٧٤ من كتابه في طبعته الثانية من هذين النقلين ندرك أن علماءنا قد دندنوا حول ضرورة البحث عن الصلة والمناسبة بين الآيات في السورة الواحدة. بل كان البقاعي الذي يطبع تفسيره الآن ولم أطلع عليه، يلوم علماء بغداد لإهمالهم الكلام في هذا الشأن. وكما دندنوا حول المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة، بحثوا عن الصلة والمناسبة بين سور القرآن عامة. وهذه قضايا بمجموعها نادرا ما تجد تفسيرا قد خلا عن طرف منها، ونادرا ما تجد مفسرا إلا وقد عرج عليها ما بين مكثر ومقل. ويبدو أن بعض الصحابة قد عرج عليها فقد ذكر ابن كثير: «قال الأعمش عن أبي وائل: استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة وفي رواية سورة النور، ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا»، ترى ما هو هذا التفسير الذي فسره ابن عباس حتى لو سمعه هؤلاء لأسلموا إلا أن يكون من جملته ذكر معان دقيقة زائدة على ما يفهم الرجل العادي من مجرد النظرة البادهة لسورة البقرة، ولا شك أن هذا احتمال ولكنه احتمال له حظه من النظر. ولكن لئن عرج بعض المفسرين على هذا الموضوع، فإن أحدا منهم لم يستوعب القرآن كله بذكر الربط والمناسبة بين الآيات في السورة الواحدة وبين سور القرآن بعضها مع بعض على ضوء نظرية شاملة، وقد بذل حتى الآن الجهد الأكبر في الربط بين الآيات في السورة الواحدة، ولكن النقطة الثانية لم يبذل فيها جهد إلا ضمن حدود ضيقة وكلا الجهدين فاتته إلى حد كبير بعض أسرار الوحدة الشاملة. ولقد حاولت في هذا التفسير أن أسد هذه الثغرة مع اعتقادي أن أسرار الوحدة القرآنية لا يحاط بها، ولكن وإذ أصبح الكلام عن هذا الموضوع مطلبا خاصا وعاما حتى جعلها بعض المستشرقين مدخلا يلج من خلاله إلى تشكيك المسلمين أو اتهام القرآن أو اتهام علماء المسلمين بالقصور، إذ أصبح الأمر كذلك فقد أصبحت على يقين من أن هذا الموضوع لا بد من تغطيته، وسيرى قارئ هذا التفسير أنني بفضل الله غطيت هذا الموضوع تغطية تامة، وسيرى قارئ هذا التفسير صحة سيرنا في هذه التغطية كلما قرأ صفحة جديدة من صفحات هذا التفسير.

стр. 22

هذه التغطية لهذا الموضوع كما أنها تلبي مطلبا من مطالب عصرنا، فإنها تروي ظمأ طلاب المعرفة والباحثين عن دقائق أسرار هذا القرآن، كما أنها تضع لبنة في صرح الحديث عن إعجاز القرآن ومعجزاته، كما أنها تجيب على تساؤلات كثيرة من جملتها موضوع فواتح السور، سواء منها المصدرة بالأحرف الهجائية أو المصدرة بما سوى ذلك، ومن خلالها يزداد ترجيح بعض الجوانب التي وقع فيها خلاف كقضية: إن ترتيب سور القرآن توقيفي وليس اجتهاديا. فمع أن جماهير الأمة ذهبت إلى هذا، فإن هذا التفسير سيبرهن على هذا الموضوع بشكل عملي، كما أنه بإبرازنا الوحدة القرآنية، بإبراز الصلة بين سور القرآن والصلة بين الآيات في السورة الواحدة، سنأخذ الجواب على السؤال: لماذا لم تكن المعاني ذات المضمون الواحد موجودة بجانب بعضها؟ وسنجد لذلك حكما كثيرة، وسيرى القارئ لهذا التفسير أن هذا الترتيب ما بين سور القرآن على هذه الشاكلة التي رتبها الله في كتابه، شئ به وحده تقوم الحجة على كل من يتصور أن هذا القرآن يمكن أن يكون بشري المصدر. وذلك من جانب ترتيبه فقط، فكيف بما سوى ذلك من عشرات الظواهر التي فى كل واحدة منها الدليل من خلال عشرات الأمثلة، على أن هذا القرآن يستحيل أن يكون بشري المصدر. ثم إنه بعملنا هذا نكون قد زدنا بعض حجج الكاتبين عن القرآن وضوحا. فمثلا ذكر صاحب (مناهل العرفان) في باب حكم نزول القرآن منجما هذه الحكمة التي هي الحكمة الرابعة في عرضه فقال: «الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد ﷺ ولا كلام مخلوق سواه». وبيان ذلك أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب قوي الاتصال آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، وعقد فريد يأخذ بالأبصار، نظمت حروفه وكلماته ونسقت جمله وآياته وجاء آخره مساوقا لأوله وبدا أوله مواتيا لآخره. وهنا نتساءل: كيف اتسق للقرآن هذا التأليف المعجز؟ وكيف استقام هذا التناسق المدهش على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة، بل تنزل آحادا مفرقة تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما؟ الجواب: أننا نلمح هنا سرا جديدا من أسرار الإعجاز .. ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ

стр. 23

اخْتِلافاً كَثِيراً .. وإلا فحدثني بربك كيف تستطيع أنت أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط، متين النسج والسرد، متآلف البدايات والنهايات، مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر، وهي وقائع الزمن وأحداثه، التي يجئ كل جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ومتحدثا عنها سببا بعد سبب، وداعية إثر داعية، مع اختلاف ما بين هذه الدواعي، وتغاير ما بين تلك الأسباب، ومع تراخي زمان هذا التأليف وتطاول آماد هذه النجوم إلى أكثر من عشرين عاما!!!. لا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي، يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام. أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا: نزل مفرقا منجما، ولكنه تم مترابطا محكما، وتفرقت نجومه تفرق الأسباب، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب، ولم يتكامل نزوله إلا بعد أكثر من عشرين عاما ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما. أليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر، ومالك الأسباب والمسببات ومدبر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، العليم بما كان وما سيكون الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون. لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال: (ضعوها في مكان كذا من سورة كذا) وهو بشر لا يدري- طبعا- ما ستجئ به الأيام ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث، فضلا عما سينزل من الله فيها. وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول ﷺ على هذا العهد، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت بل يعجز الخلق طرا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. وإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتساق والانسجام لا يمكن أن يأتي على مثل هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط لا في كلام الرسول ﷺ ولا كلام غيره من البلغاء، خذ مثلا حديث النبي ﷺ وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموه: لقد قال الرسول ﷺ في مناسبات مختلفة لدواع متباينة في أزمان متطاولة، فهل في مكنتك

стр. 24

ومكنة البشر معك أن ينظموا مثله أو يزيدوا عليه أو يتصرفوا فيه؟ ذلك ما لن يكون ولا يمكن أن يكون ... إذن فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجما بأنه كلام الله وحده. وتلك حكمة جليلة الشأن تدل الخلق على الحق في مصدر القرآن قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (سورة الفرقان) اه. إن هذه الحكمة التي ذكرها المؤلف تتضح أبعادها بشكل أقوى وأكثر بيانا عند ما يقرأ الإنسان تفسيرنا هذا، ليجد من عجائب الصلة بين الآيات والسور ما لا يمكن أن يخطر ببال بشر، بحيث يجد أنواعا من الوحدة الشاملة التي تضم معاني القرآن وآياته وسوره بما يحير الألباب ويدهش الأبصار والبصائر. ولا يستعجلن القارئ علينا وهو يرى هذا الكلام قبل أن يقرأ هذا التفسير. فإن وجد الأمر كما ذكرنا فليدع لنا بحسن الخاتمة وبالمغفرة. وإذا لم يجد ما نقلناه هنا فإني أسامحه في كل ما يقول. ولقد سئلت أكثر من مرة من بعض من عرضت عليه وجهة نظري في فهمي للصلة بين الآيات والسور عن فائدة هذا الموضوع، وكنت أجيبه بمثل ما ذكرته فيما مضى من هذه المقدمة، في أن الإجابة على هذا الموضوع تخدم رد شبهة أن هذا القرآن لا يجمع آياته في السورة الواحدة جامع ولا يجمع بين سوره رابط، وذلك لا يليق في كلام البشر فكيف بكلام رب العالمين، إنها لشبهة فظيعة جدا أن يحاول محاول إشعار المسلم بأن كتاب الله ينزل عن كتب البشر في هذا الشأن. ولقد استطعت بتوفيق الله أن أبرهن على أن كمال القرآن في وحدة آياته في السورة الواحدة، وكماله في الواحدة الجامعة التي تجمع ما بين سوره وآياته على طريقة لم يعرف لها العالم مثيلا ولا يمكن أن تخطر على قلب بشر. لقد استطعت خلال هذا أن أرد السهم إلى كبد راميه من أعداء الله في هذه النقطة بالذات. على أن الإجابة على هذا الموضوع كما قلنا تخدم قضايا أخرى: منها قضية تأكيد إعجاز القرآن، ومنها قضية دحض شبهة أن هناك افتراقا بين القرآن المكي والمدني، ومنها أنها تخدم في معرفة بعض أسرار القرآن، ومنها أنها تخدم قضية الفهم للكثير من المعاني التي يدل عليها السياق. إن هذه النقطة التي هي في بعض جوانبها تميز هذا التفسير عن غيره لا تخدم فقط فيما ذكرناه، بل تخدم في رؤية كثير من المعاني، ومحل هذه المعاني في البرهان

стр. 25

على كثير من القضايا. كما أنها ترينا أن هذا القرآن من خلال سياق الآية في السورة ومن خلال سياق الآيات بالنسبة لمجموع القرآن ومن خلال صلات السور بعضها ببعض، ومن خلال نواح أخرى، يعطينا معاني لا نهاية لها ولا يمكن الإحاطة بها وهو موضوع سنراه كثيرا في هذا التفسير. وكأثر من آثار هذه النظرة الشاملة التي على ضوئها فهمت الوحدة القرآنية تكشفت لي إحدى الحكم في كون بعض السور مفتتحة ببعض الحروف، فكانت ملاحظة جديدة تضاف إلى ملاحظات كثيرة، سجلها علماء المسلمين خلال العصور حول أسرار هذه الأحرف. لقد أقمت على هذا الاتجاه الذي اتجهته في موضوع الوحدة القرآنية من الحجج الكثير، بحيث لا يرتاب عالم منصف بعد الاطلاع عليها بأن اتجاهي في ذلك كان صحيحا. ولكني تعمدت ألا أذكر حججي كلها في مكان واحد بل وزعتها في الكتاب كله عند ما تأتي مناسبتها، ولولا ذلك لاقتضى إبراز كل الحجج مجلدا كاملا من مجلدات هذا التفسير، ثم هي في هذه الحالة لا تستوعب كما لو جاءت في مناسبتها. وهذا جوابي على من يقول: إنه كان بالإمكان أن أكتفي بإبراز هذه القضية من خلال كتاب مستقل بدلا من كتابة تفسير كامل. إنه لم يكن بالإمكان أن أعرض لهذا الموضوع منفصلا عن تفسير آيات القرآن على اعتبار أن هذا الاتجاه له صلة بفهم القرآن كله، فلو أنني ذكرته منفصلا لكان عملي ناقصا؛ ولذلك جعلت هذا الموضوع جزءا من تفسير، فلكي تتجلى الوحدة القرآنية بشكل واضح لا بد أن يكون النص القرآني مفسرا وواضحا، ثم إن الهدف من إصدار هذه السلسلة متعدد أصلا كما رأينا. إني أتمنى لإخواني المسلمين ألا يتسرعوا في الحكم على هذا الاتجاه الذي اتجهته إلا بعد أن يقرءوا التفسير كله وأظن أن أشدهم إنكارا علي سيكون أكثرهم حماسا لما ذهبت إليه. ولا أدعي العصمة، ولكن فضل الله كبير، وعلى كل الأحوال فهذا موضوع لم يعد بالإمكان السكوت عن الإجابة عليه وهذا اجتهادي فيه، وأرجو أن أكون مصيبا في هذا الاجتهاد، وأتمنى لكل من عنده رأي آخر أن يناقشني فيه ولكن بعد أن يقرأ هذا التفسير كله. ولئن كانت هذه هي المزية الرئيسية لهذا التفسير فإن له مميزات أخرى ذكرنا بعضها من قبل:

стр. 26

فمن مميزاته أنه حاول أن يستفيد من المراجع التي توفرت لدينا حاليا من كتب دينية قديمة وأن ينقل عنها مباشرة مع العزو إليها مضافا إلى ذلك قضية نقد ما ينبغي نقده، ومضافا إلى ذلك تبيان نقاط الضعف فيها. ومن مميزاته أنه حاول التبسيط والتقريب ولكن مع الاحتفاظ إلى حد كبير بعبارات المفسرين أو بدقة طرائقهم في الأداء، وهو موضوع لا يدرك صعوبته إلا من عاناه، إذ إن كثيرا من العبارات لم تستقر على ما هي عليه إلا بعد عمليات تنقيح أجريت عليها خلال العصور، وكل من حاول التقريب أو التبسيط أو الانطلاق في التعبير وقع في محاذير ينتقده عليها العلماء، ومن ثم فقد حاولت في هذا التفسير أن أتقيد بعبارات العلماء ومصطلحاتهم. وفي الحالات التي وجدت أنه لا بد من التبسيط والتقريب فيها فقد حاولت ما استطعت أن أبسط مع الاحتفاظ بمقاصد العلماء نفسها وملاحظة احترازاتهم وهم يتخيرون اللفظ المناسب والمعنى المناسب. ومن مميزاته أنه ليس فيه حشو وليس فيه إلا ما له علاقة بصلب التفسير وقد استبعدت منه كل قضية لم أعتبرها علمية. ومن مميزاته أنه حاول الاستفادة بقدر المستطاع من مزية العصر الكبرى: التخصص وما ترتب عليه من علوم ودقائق وحقائق في كل جانب من جوانب الحياة والكون والإنسان. إنه في عصرنا إذ توفرت لنا معان وتيسرت لنا علوم وأصبح بإمكاننا من خلالها أن نلحظ كثيرا من المعجزات القرآنية وأن نلحظ كثيرا من أسرار هذا القرآن فقد أصبح مما لا يحسن لمشتغل بالتفسير ألا يعطي هذا الموضوع حقه مع كونه مرهقا جدا، فقد تحتاج أن تقرأ مئات الصفحات للوصول إلى كلمة، أو لالتقاط حجة، ولقد حاولت أن أبذل جهدا في هذا السبيل، وأرجو أن يتضح ذلك للقارئ شيئا فشيئا، وكأثر من آثار هذه المزية والتي قبلها فقد حررت هذا التفسير من تأثير ثقافات خاطئة على فهم القرآن، مما نجده عند كثير من المفسرين وحاولت ألا أقع في مثل أخطائهم، بحيث أحمل النصوص القرآنية على فرضيات أو نظريات لم تثبت. ومن مميزات هذا التفسير أنه حاول ربط المسلم بقرآنه وحاول تبصير المسلم بواقعه، وإذا كان للمسلم الحق في عصرنا معارك متعددة وعلى جبهات متعددة، وإذا كان المسلم لا بد أن يخوض معاركه على أساس القرآن من خلال توضيح الفارق بين ما يجري في هذا العالم وما بين أحكام القرآن، وإذا كان لا يحسن بكتاب معاصر للتفسير

стр. 27

أن يغمض مؤلفه عينيه عن هذه المعارك كلها، وإذا كان هذا كله يقتضي تربية مكافئة لهذه الأمور كلها على ضوء القرآن فقد راعيت أن يكون هذا بارزا في هذا التفسير. ومن مميزات هذا التفسير أنه حاول أن يبين من هي جماعة المسلمين، وما هي مدارسها الاعتقادية والفقهية والروحية والسلوكية والأصولية، ومن يقرب من ذلك ومن يبعد عنه، وما خالط ذلك من دخن في العصور المتأخرة، وأصول الخلاف وأمهات مسائل الخلاف، وما هو الخلاف المرفوض والاختلاف المقبول؟ وما هو إطار ذلك؟ وما ينبغي أن يترتب عليه سلبا أو إيجابا؟ ومن مميزاته أنه حاول أن يبين كيف أن القرآن أعطى الجواب على كل شئ إما بشكل مباشر أو بما أحال عليه من سنة أو بما أحال القرآن والسنة على طرائق ووسائل يعرف بها حكم الله. ومن مميزاته أنه كتاب علم ودعوة وتربية وجهاد بآن واحد، فهو كتاب تبصير للمسلم في هذه الدوائر كلها، وكيف ينبغي أن يتصرف في كل دائرة منها على بصيرة بما لا يطغى فيه حق العلم على حق المعركة، أو حق المعركة على حق العلم، أو حق العلم والمعركة على حقوق الدعوة وطرائق التربية. على أنني وإن حاولت أن ألاحظ في هذا التفسير مجموعة من القضايا التي لا بد منها في تفسير معاصر، إلا أنني أحب أن أذكر بأن القصور عن المستوى المطلوب كثير، والعلة في أولا، ولكن قد يكون من العذر أنني كتبت مسودة هذا التفسير في سجن كان يصعب علي فيه- في بعض المراحل- أن أصل إلى كتاب أصلا. ثم إنني كتبت مبيضته في غربة وعزلة، وكل ذلك يحول دون الكمال المطلوب. ورحم الله امرأ دلني على خطأ أو كمال. وأسأل الله أن يتقبل، وأن يرزقني العفو والعافية وحسن الختام. ملاحظة حول اصطلاحات في هذا التفسير: اعتمادا على حديث حسن سنراه اعتبرنا أن القرآن يتألف من أربعة أقسام: قسم الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل، وبناء على معان سنراها اعتبرنا أن السبع الطوال تنتهي بانتهاء سورة براءة، وأن قسم المئين ينتهي بانتهاء سورة (القصص)، وأن قسم المثاني ينتهي بانتهاء سورة (ق)، وأن قسم المفصل ينتهي بانتهاء

стр. 28

القرآن، وبناء على تتبع المعاني رأينا أن كلا من القسم الثاني والثالث والرابع يتألف من مجموعات متعددة من السور، كل مجموعة تشكل وحدة في قسمها، هذا بالنسبة لسور القرآن، فإننا نستعمل كلمة قسم وكلمة مجموعة، أما بالنسبة للآيات في السورة الواحدة فإننا نستعمل كلمة قسم وكلمة مقطع وكلمة فقرة وكلمة مجموعة. فكلمة قسم أوسع مما بعدها ولا نستعملها إلا في السور الطويلة حيث يكون عندنا عدة مقاطع يجمعها جامع، وكلمة مقطع أوسع من كلمة فقرة ونستعلمها حيث تكون الآيات ذات الموضوع الواحد كثيرة، وكلمة فقرة أوسع من كلمة مجموعة ونستعملها عند ما يكون عندنا مقطع ذو موضوع واحد ولكنه يتألف من مجموعة معان رئيسية فنستعمل لكل معنى رئيسي في المقطع كلمة فقرة، وكلمة مجموعة أضيق من كلمة فقرة، ونستعملها إذا كان في الفقرة داخل المقطع أكثر من معنى يحسن أن نشرحه منفصلا عما قبله وعما بعده. وإذا كانت السورة طويلة فقد يرد لفظ القسم والمقطع والفقرة والمجموعة، ولكن إذا لم تكن كذلك فقد يرد في تقسيماتها لفظ المقطع والفقرة والمجموعة، أو لفظ الفقرة والمجموعة، أو لفظ الفقرة فقط، وسيكون دليلنا في هذا كله المعاني والمعالم، وسنحاول بإذن الله ألا نتكلف في شئ لا توصلنا إليه المعاني والمعالم معا. وأحيانا نجد سورا تضمها خاصية واحدة مع أنها تنتسب لأكثر من مجموعة داخل القسم فنستعمل لها تعبير الزمرة، وكل ذلك سنرى دواعية أثناء العرض فلينتبه القارئ لذلك، ثم لينتبه القارئ إلى أن هذا التفسير مبناه على قراءة (حفص) في الأصل وقد نتعرض أحيانا لبعض القراءات الأخرى ولكن الأصل هو ما ذكرناه حتى لا نشتت القارئ. ثم إننا قد نذكر أثناء العرض المعنى العام ثم المعنى الحرفي ثم نعقب بفوائد ثم نعقد فصولا ويتكامل العرض بذلك كله. فعلى القارئ أن ينتبه لمثل هذا إذا كان يبحث عن شئ بعينه. ولقد جرت عادة الكثيرين من المفسرين أن يقدموا مقدمات كثيرة لها صلة بالتفسير وعلومه وقواعده، أو لها صلة بالقرآن وقراءاته وعلومه. غير أنني أحببت أن أبدأ بالتفسير مباشرة لأنه هو المقصود المباشر للقارئ، على أنني سأحاول أن أذكر في آخر القسم الثالث ما يغطي كل ما يلزم في هذه الشئون. ولنبدأ التفسير على بركة الله.

стр. 29

سورة الفاتحة وهي السورة الأولى بحسب الرسم القرآني وهي سبع آيات وهي مكية

стр. 30

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 31

١ - فقرات السورة تتألف سورة الفاتحة من البسملة على القول بأنها آية من الفاتحة، ومن ثلاث فقرات: الفقرة الأولى وهي ثلاث آيات، والفقرة الثانية وهي آية واحدة، والفقرة الثالثة وهي ثلاث آيات على رأي من اعتبر أن البسملة ليست من السورة، وآيتان على رأي من يرى أن البسملة من السورة وهذه هي مع ملاحظة ما مر: [سورة الفاتحة (١): الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) والاستعاذة و (آمين) ليستا من السورة إجماعا ٢ - تعريفات قال ابن كثير: «يقال لها الفاتحة أي فاتحة الكتاب خطا وبها تفتح القراءة في الصلوات ويقال لها أيضا أم الكتاب عند الجمهور ... ويقال لها (الحمد) ويقال لها الصلاة لقوله ﷺ عن ربه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي .. إلخ» ... ويقال لها الشفاء لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا .. فاتحة الكتاب شفاء من كل سم .. ويقال لها الرقية لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم فقال له رسول الله ﷺ وما يدريك أنها رقية .. وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها أساس القرآن قال:

стр. 32

وأساسهابسم الله الرحمن الرحيم، وسماها سفيان بن عيينة بالواقية، وسماها يحيى بن أبي كثير: الكافية لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة «أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها .. ويقال لها سورة الصلاة والكنز ذكرهما الزمخشري في كشافه». وسورة الفاتحة مكية على القول الراجح وهي سبع آيات بلا خلاف وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية؟. قال ابن كثير: «قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفا قال البخاري في أول كتاب التفسير: وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وقيل إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته». ٣ - بعض ما ورد في الفاتحة أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: «كنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت قال: فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال، قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي قال: ألم يقل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ. ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال: نعم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته». وفي حادثة مشابهة مع أبي بن كعب يقول أبي: «فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه أم القرآن قال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني». أخرجه الإمام أحمد. وفي معناه مع زيادة أخرج الترمذي بإسناد حسن صحيح وفي حديث بإسناد جيد كما ذكر ابن كثير عن عبد الله بن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها .. أخرجه الإمام أحمد. قال ابن كثير: واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض كما هو المحكي عن كثير من العلماء ... وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك لأن الجميع كلام الله ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه وإن كان الجميع فاضلا ... »

стр. 33

أقول: فليلاحظ المحذور والمفاضلة جاءت بالنص. أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنا في سير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم (أي لديغ) وإن نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (أي نعرفه) برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا. فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا ما رقيت إلا بأم الكتاب قلنا لا تحدثوا شيئا حتى نأتي أو نسأل النبي ﷺ فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم». أخرج الإمام مسلم والنسائي وهذا لفظه عن ابن عباس قال: «بينما رسول الله ﷺ وعنده جبريل، إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته». أخرج الإمام مسلم والنسائي وغيرهما وهذه رواية النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا)، غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدى ما سأل فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله حمدني عبدي وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». أقول وفي سؤال سامعي الحديث أبا هريرة: إنا نكون خلف الإمام وفي إجابته: اقرأ بها في نفسك «ما يدل على أنه كان مشهورا في جيل الصحابة أن الصلاة وراء الإمام لها أحكامها الخاصة في موضوع القراءة، وذلك يستأنس به لمذهب الحنفية إذ لا يقرءون وراء الإمام شيئا من القرآن».

стр. 34

أخرج البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد أمنت من كل شئ إلا الموت». ٤ - المعاني العامة والكلية إذ كانت الفاتحة هي مقدمة القرآن فقد تجمعت فيها مقاصده ومعانيه. فالقرآن يدور حديثه حول العقائد والعبادات ومناهج الحياة، وقد بدأت السورة بذكر العقائد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وثنت بالعبادات إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وثلثت بمناهج الحياة اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. والقرآن دعوة إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادة، ثم إلى مناهج الحياة، وقد تسلسلت المعاني في هذه السورة على هذا الترتيب. والعقيدة في الإسلام ليست فكرة مجردة، بل إن لها ثمارها وآثارها وواجباتها، فكونك تعرف لله الربوبية والرحمة والحساب فهذا يقتضي منك عملا. ومن ثم بدأت السورة بالحمد ثم علمتنا العبادة والاستعانة وطلب الهداية والسير في صراط الله ، لقد عرفتنا السورة على الله وربوبيته، وعرفتنا أن مقامنا هو العبودية له، وأن مقام العبودية مضمونه الحمد لله والعبادة له والاستعانة به وطلب الهداية منه والسير في منهاجه. والإسلام مداره على معرفة الله ومن ثم عرفتنا السورة على الله في مقدمتها وفي وسطها وفي نهايتها: فهو رب العالمين ذو الرحمة، وهو المعين وهو الهادي. وأساس العقيدة الإسلامية الإيمان بالله واليوم الآخر، وقد ذكرت السورة ذلك رَبِّ الْعالَمِينَ .. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وأساس العبادة إخلاصها لله، وقد أشارت السورة إلى ذلك إِيَّاكَ نَعْبُدُ إذ تقديم الضمير إِيَّاكَ على الفعل يفيد ذلك. وأساس الطريق إلى الله القدوة الحسنة المتمثلة في النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد أشارت السورة إلى ذلك. وأساس الانحراف القدوة السيئة، وقد أشارت السورة إلى ذلك.

стр. 35

ابتدأت السورة بذكر الحقيق بالحمد والثناء ووصفته بالصفات العظام فتعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بهذه الصفات العظام فقيل إِيَّاكَ يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة وأطلقت الاستعانة لتتناول كل ما يطلب العون من الله فيه. ثم قيل اهْدِنَا، بيانا للمطلوب الأول من المعونة فكأنهم سئلوا عن ماهية المعونة التي يريدونها فقالوا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ .. فالاهتداء إلى الصراط المستقيم لا يكون إلا بالله، ولا تنال عطايا الله بالهداية إلا بالافتقار إليه ومظهر ذلك طلب المعونة منه ولا يوصل إلى الافتقار مثل دوام العبادة، ولا عبادة إلا بمعرفة، ومعرفة لا يعطى فيها الحمد كله لله معرفة قاصرة، ينظر العبد ما أعطي فيقول: الحمد لله، فإذا ما استقرت معرفته خاطب ربه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثم دعاه بما هو الأهم والأعظم وهو الاهتداء في الأمر كله. من المعاني الكبرى في الإسلام: موضوع لزوم الجماعة «أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .. » والسورة دلتنا من خلال الخطاب الجماعي إِيَّاكَ نَعْبُدُ اهْدِنَا .. على أن الأصل في المسلم أن يكون جزءا من كل هو جماعة المسلمين وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية. ويلاحظ من السورة أن الصراط المستقيم مظهره شيئان السير في طريق المنعم عليهم وتنكب صراط المغضوب عليهم والضالين. والمنعم عليهم فصل الله فيهم في الآية: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، وهناك نص ستراه ذكر أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى. وإذا كان هؤلاء وهؤلاء كذلك فمن باب أولى غيرهم. وكثيرا ما ينسى الناس هذه المعاني فلا يفطنون أن الشهداء هم القدوة، وأن الصديقين هم القدوة، وأن الصالحين هم القدوة، فضلا عن النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وبعضهم يفطن لذلك، ولكنهم ينسون تنكب طرق الضالين والمغضوب عليهم، ومن ثم فإن على المسلم وهو يقرأ كتاب الله أن يتفطن لهذا وهذا، فالقرآن فصل هذا كله، والمسلم عليه أن ينتبه لأخطاء أهل الضلال وأهل الغضب فيتخلى عنها، بل عليه من الأصل ألا يقربها وعليه أن يفطن لمظاهر القدوة فيسير فيها.

стр. 36

وبعد هذه الجولة عن المعاني العامة والكلية في سورة الفاتحة نقول مختصرين: اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية وتنزيهه من أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط المفضي بهم يوم القيامة إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا محل القدوة، فاشتملت السورة على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكون الإنسان مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشر الإنسان مع سالكيها يوم القيامة. ٥ - المعنى الحرفي بِسْمِ اللَّهِ تعلقت الباء بمحذوف تقديره: أقرأ أو أتلو لأن الذي يلي التسمية مقروء «وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدءا له» وإنما قدرنا الفعل متأخرا لأن ذلك أقوى لدلالته على الاختصاص والمعنى: متبركا باسم الله أقرأ ففيه تعليم الله عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه و (الله) هو الإله ولكن كلمة الإله تطلق على كل معبود بحق أو بباطل ثم غلب على المعبود بحق، وأما اسم (الله) فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره وهو اسم غير صفة لأنك تصفه ولا تصف به فصفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه وهو اسم الله ﷻ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان واسمان يعبران عن رحمة الله تعالى التي مظهرها إنعامه على عباده فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ (سورة الروم) وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك لا يسمى ولا يوصف بالرحمن غير الله ويسمى ويوصف بالرحيم غيره، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن الرحمة في اسم الرحمن تشمل الكافر والمؤمن، والرحمة في اسم الرحيم تخص المؤمنين الْحَمْدُ لِلَّهِ الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل وهو أحد شعب الشكر لأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح وإنما يكون باللسان الحمد ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران، وإنما يستحق الحمد إما بكمال الذات والصفات والأفعال أو بكثرة الإنعام، والله لا أكمل من ذاته وصفاته وأسمائه، ولا إنعام إلا منه مباشرة أو بالواسطة فله في الحقيقة الحمد كله.

стр. 37

رَبِّ الْعالَمِينَ الرب هو المالك ومنه قول صفوان بن أمية: «لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن» ولا يطلق إلا على الله وحده وهو في العبيد مع التقييد إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ (سورة يوسف) قال الواسطي في تفسير كلمة الرب: (هو الخالق ابتداء والمربي غذاء والغافر انتهاء وهو اسم الله الأعظم) والعالم هو كل ما سوى الله تعالى لأنه علم على وجود ربنا تعالى، إذ يعرف الخالق بما خلق. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مر الكلام عليهما. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يوم الدين هو يوم الجزاء ولذلك قالوا: كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى، والله تعالى مالك الأمر كله في يوم الدين وغيره، وإنما كان التخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. هذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه ربا للعالمين ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: الحمد لله دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ العبادة هي أقصى غاية الخضوع والتذلل، والاستعانة هي طلب المعونة، وتقديم إِيَّاكَ على نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ لقصد الاختصاص فيكون المعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي ثبتنا على المنهاج الواضح أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، والصراط هو الطريق والمراد: طريق الحق وهو ملة الإسلام، والمستقيم هو الذي لا عوج فيه. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي صراط المسلمين، وفائدة تكرار كلمة الصراط مع هذه الزيادة التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده؛ والذين أنعم الله عليهم هم مجموع من ذكرهم الله بقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (سورة النساء) وإذن فهم المؤمنون الكاملون غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يعني: أن المنعم

стр. 38

عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال فجمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال. و (آمين) بالإجماع ليست من القرآن، وهي اسم فعل بمعنى (استجب). ملاحظة: في حديث حسن غريب رواه أحمد عن عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى .. وفي هذا المعنى وردت أكثر من رواية ولذلك قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا قال ابن كثير: (فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الحق ضلوا. وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ (سورة المائدة) وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيراً، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ .. (سورة المائدة). أقول: إذا كنا نهينا أن نسير في طريق اليهود والنصارى وهم أهل كتاب فكيف نتابع غيرهم ونجعلهم قدوتنا؟! وانظر الآن إلى حال الكثيرين من أبناء المسلمين فإنك تجدهم إما مقلدين للغربيين وهم على بقية من كتاب، وإما متابعين للشيوعيين وهم يكفرون بالكتاب كله. ٦ - فصول شتى .. فصل في البسملة: افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها كتبت للفصل لا أنها آية، على أقوال للعلماء سلفا وخلفا. والجهر بها في الصلاة مفرع على هذا الخلاف، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال: إنها آية في أولها. وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا؛ فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وأحمد. وعن الإمام مالك أنه لا يقرأ

стр. 39

البسملة بالكلية لا جهرا ولا سرا. قال ابن كثير بعد أن عرض مآخذ الأئمة في هذه المسألة: «وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر». ... ومن ابتداء الله كتابه بالتسمية ندرك فضلها، ونأخذ منه أدبا عاما في ألا ننسى التسمية حيث تستحب التسمية فللابتداء باسم الله بركة، ولذكر الله عامة بركة. أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن مردويه «عثر النبي ﷺ فقلت: (القائل هو أسامة بن عمير رديف النبي ﷺ : تعس الشيطان. فقال النبي ﷺ : لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» قال ابن كثير: فهذا من تأثير بركة باسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة كما جاء «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم»، وتستحب عند دخول الخلاء كما ورد من الحديث في ذلك، وتستحب في أول الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن .. مرفوعا: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهو حديث حسن ... وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذبح، ومطلقا في قول بعضهم ... وهكذا تستحب عند الأكل كما في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لربيبه عمر بن أبي سلمة «قل باسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذا تستحب عند الجماع كما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا». فصل في الاستعاذة: سيأتي الكلام عن الاستعاذة عند الآيات التي تذكرها وهاهنا ننقل ما له صلة بالصلاة والتلاوة بشكل مختصر. قال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة وليست بمتحتمة يأثم تاركها وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة. قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب .. أقول على رأي ابن سيرين: إنها واجبة في العمر مرة، وما سوى ذلك فهي مستحبة.

стр. 40

قال ابن كثير: وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوذ وإن أسر فلا يضر وقال في الأم بالتخيير ... واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب .. فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة ... ... ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد تكبيرة الإحرام وقبل تكبيرات العيدين، والجمهور يعدها قبل القراءة. ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وهو لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني ... ». فصل في الحمد: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» .. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب. وإنما كان الحمد أفضل الدعاء، لأنها رأس الشكر والله يقول لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وفي الحديث الذي رواه ابن جرير «إذا: قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك». وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطي أفضل مما أخذ»، وقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال: الحمد لله لكان الحمد أفضل من ذلك» قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة من نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حدثهم: أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله تعالى فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله:- وهو أعلم بما قال عبده-ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها». وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد
следующие страницы →