Полный текст (6 440 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وبعد هذه الجولة عن المعاني العامة والكلية في سورة الفاتحة نقول مختصرين:
اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية وتنزيهه من أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط المفضي بهم يوم القيامة إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا محل القدوة، فاشتملت السورة على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكون الإنسان مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشر الإنسان مع سالكيها يوم القيامة.
٥ - المعنى الحرفي
بِسْمِ اللَّهِ تعلقت الباء بمحذوف تقديره: أقرأ أو أتلو لأن الذي يلي التسمية مقروء «وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدءا له» وإنما قدرنا الفعل متأخرا لأن ذلك أقوى لدلالته على الاختصاص والمعنى: متبركا باسم الله أقرأ ففيه تعليم الله عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه و (الله) هو الإله ولكن كلمة الإله تطلق على كل معبود بحق أو بباطل ثم غلب على المعبود بحق، وأما اسم (الله) فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره وهو اسم غير صفة لأنك تصفه ولا تصف به فصفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجري عليه وهو اسم الله ﷻ .
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صفتان واسمان يعبران عن رحمة الله تعالى التي مظهرها إنعامه على عباده فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ (سورة الروم) وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك لا يسمى ولا يوصف بالرحمن غير الله ويسمى ويوصف بالرحيم غيره، ومن ثم ذهب بعضهم إلى أن الرحمة في اسم الرحمن تشمل الكافر والمؤمن، والرحمة في اسم الرحيم تخص المؤمنين
الْحَمْدُ لِلَّهِ الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل وهو أحد شعب الشكر لأن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح وإنما يكون باللسان الحمد ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الكفران، وإنما يستحق الحمد إما بكمال الذات والصفات والأفعال أو بكثرة الإنعام، والله لا أكمل من ذاته وصفاته وأسمائه، ولا إنعام إلا منه مباشرة أو بالواسطة فله في الحقيقة الحمد كله.
стр. 37
رَبِّ الْعالَمِينَ الرب هو المالك ومنه قول صفوان بن أمية: «لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن» ولا يطلق إلا على الله وحده وهو في العبيد مع التقييد إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ (سورة يوسف) قال الواسطي في تفسير كلمة الرب: (هو الخالق ابتداء والمربي غذاء والغافر انتهاء وهو اسم الله الأعظم) والعالم هو كل ما سوى الله تعالى لأنه علم على وجود ربنا تعالى، إذ يعرف الخالق بما خلق.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مر الكلام عليهما.
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يوم الدين هو يوم الجزاء ولذلك قالوا: كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى، والله تعالى مالك الأمر كله في يوم الدين وغيره، وإنما كان التخصيص بيوم الدين لأن الأمر فيه لله وحده لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
هذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه ربا للعالمين ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: الحمد لله دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ العبادة هي أقصى غاية الخضوع والتذلل، والاستعانة هي طلب المعونة، وتقديم إِيَّاكَ على نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ لقصد الاختصاص فيكون المعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة.
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي ثبتنا على المنهاج الواضح أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، والصراط هو الطريق والمراد: طريق الحق وهو ملة الإسلام، والمستقيم هو الذي لا عوج فيه.
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي صراط المسلمين، وفائدة تكرار كلمة الصراط مع هذه الزيادة التأكيد والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده؛ والذين أنعم الله عليهم هم مجموع من ذكرهم الله بقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (سورة النساء) وإذن فهم المؤمنون الكاملون غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يعني: أن المنعم
стр. 38
عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال فجمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال. و (آمين) بالإجماع ليست من القرآن، وهي اسم فعل بمعنى (استجب).
ملاحظة: في حديث حسن غريب رواه أحمد عن عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى .. وفي هذا المعنى وردت أكثر من رواية ولذلك قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا قال ابن كثير: (فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الحق ضلوا. وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ (سورة المائدة) وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ، وَأَضَلُّوا كَثِيراً، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ .. (سورة المائدة).
أقول: إذا كنا نهينا أن نسير في طريق اليهود والنصارى وهم أهل كتاب فكيف نتابع غيرهم ونجعلهم قدوتنا؟! وانظر الآن إلى حال الكثيرين من أبناء المسلمين فإنك تجدهم إما مقلدين للغربيين وهم على بقية من كتاب، وإما متابعين للشيوعيين وهم يكفرون بالكتاب كله.
٦ - فصول شتى ..
فصل في البسملة:
افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها كتبت للفصل لا أنها آية، على أقوال للعلماء سلفا وخلفا. والجهر بها في الصلاة مفرع على هذا الخلاف، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال:
إنها آية في أولها. وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا؛ فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وأحمد. وعن الإمام مالك أنه لا يقرأ
стр. 39
البسملة بالكلية لا جهرا ولا سرا. قال ابن كثير بعد أن عرض مآخذ الأئمة في هذه المسألة: «وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر».
... ومن ابتداء الله كتابه بالتسمية ندرك فضلها، ونأخذ منه أدبا عاما في ألا ننسى التسمية حيث تستحب التسمية فللابتداء باسم الله بركة، ولذكر الله عامة بركة.
أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن مردويه «عثر النبي ﷺ فقلت: (القائل هو أسامة بن عمير رديف النبي ﷺ : تعس الشيطان. فقال النبي ﷺ : لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» قال ابن كثير: فهذا من تأثير بركة باسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة كما جاء «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم»، وتستحب عند دخول الخلاء كما ورد من الحديث في ذلك، وتستحب في أول الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن ..
مرفوعا: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهو حديث حسن ... وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذبح، ومطلقا في قول بعضهم ... وهكذا تستحب عند الأكل كما في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لربيبه عمر بن أبي سلمة «قل باسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك»
ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذا تستحب عند الجماع كما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا».
فصل في الاستعاذة:
سيأتي الكلام عن الاستعاذة عند الآيات التي تذكرها وهاهنا ننقل ما له صلة بالصلاة والتلاوة بشكل مختصر.
قال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة وليست بمتحتمة يأثم تاركها وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة. قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب .. أقول على رأي ابن سيرين: إنها واجبة في العمر مرة، وما سوى ذلك فهي مستحبة.
стр. 40
قال ابن كثير: وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوذ وإن أسر فلا يضر وقال في الأم بالتخيير ... واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها على قولين ورجح عدم الاستحباب .. فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة ...
... ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد تكبيرة الإحرام وقبل تكبيرات العيدين، والجمهور يعدها قبل القراءة. ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وهو لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني ... ».
فصل في الحمد:
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» .. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب.
وإنما كان الحمد أفضل الدعاء، لأنها رأس الشكر والله يقول لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وفي الحديث الذي رواه ابن جرير «إذا: قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك». وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطي أفضل مما أخذ»، وقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال: الحمد لله لكان الحمد أفضل من ذلك» قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة من نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حدثهم: أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله تعالى فقالا:
يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها قال الله:- وهو أعلم بما قال عبده-ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها». وأخرج الإمام أحمد والنسائي عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد
стр. 41
حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: «أما إن ربك يحب الحمد» أقول: وفي هذا الحديث إشارة إلى الشعر، وعلى من يعالج قضية الإنشاد في المجتمع الإسلامي أن يضعه في حسابه ولنا جولة في هذا الموضوع في آخر سورة الشعراء.
فصل في التأمين:
يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين، ومعناها اللهم استجب سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، ويتأكد في حق المصلي سواء كان منفردا أو إماما أو مأموما. وقال أصحاب مالك: لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم.
واختلفوا في الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية. قال الشافعية: إن نسي الإمام التأمين جهر المأموم به قولا واحدا، وإن أمن جهرا فالجديد أنه لا يجهر المأموم والقديم أنه يجهر. ومذهب الحنفية عدم الجهر للإمام وهو رواية عن مالك، وقال الحنابلة بالجهر وهو رواية أخرى عن مالك.
والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي عن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقال آمين مد بها صوته. ولأبي داود رفع بها صوته. قال الترمذي: هذا حديث حسن وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول. رواه أبو داود وابن ماجه وزاد فيه فيرتج بها المسجد. قال الدارقطني: هذا إسناد حسن وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا أمن الإمام فأمنوا فانه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، ولمسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه» قال ابن كثير: «قيل: بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان وقيل في الإجابة في صفة الإخلاص وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا إذا قال- يعني الإمام- ولا الضالين فقولوا: آمين يحيكم الله».
فصل في قراءة الفاتحة في الصلاة:
اختلف الأئمة في أنه هل تتعين فاتحة الكتاب في الصلاة؟ أم تجزئ هي أو غيرها؟ ففي ذلك قولان مشهوران فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه أن قراءة الفاتحة أو سورة قصيرة، أو ما يعادلها واجب في كل ركعات النفل وواجب في الركعتين الأوليين من الفرض إلا أنه لو لم يقرأ الإمام أو المنفرد الفاتحة وقرأ شيئا من القرآن فإن الصلاة صحيحة مع الكراهة، فعندهم أن قراءة أي شئ من القرآن
стр. 42
في الصلاة هو الركن لقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وأما الفاتحة فإنها واجبة كما رأينا. وعند الشافعي ومالك وأحمد أنها تتعين قراءتها للصلاة ولا تجزئ الصلاة بدونها، واختلف هؤلاء هل تجب قراءتها في كل الركعات؟ أو في معظم الركعات؟ أو في بعضها؟ فمذهب الشافعي وجوب قراءتها في كل الركعات، ومذهب الحسن وأكثر البصريين أنها تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلاة.
واختلف الأئمة: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ ففيه ثلاثة أقوال للعلماء: أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه، والثاني لا تجب على المأموم بل تكره، والثالث لا تجب قراءتها في الجهرية وتجب في السرية. ومحل التفصيل في هذا الشأن وغيره من اتجاهات الفقهاء هو في القسم الثاني من هذه السلسلة الأساس في السنة وفقهها.
فصل في كيفية أداء الفاتحة:
في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داوود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ... قال الدارقطني: إسناده صحيح، أقول: والوقوف على رؤوس الآي سنة متبعة ولكنها من نوع المستحبات في الصلاة وغيرها.
فصل في أن الصراط المستقيم هو الإسلام
أخرج الإمام أحمد عن النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول:
يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم».
إن صراطك أيها المسلم هو الإسلام وله داعيتان داعية الفطرة وداعية الوحي الإلهي، فلا تفرط في هذا الإسلام بأن ترتكب الحرام فتدخل في متاهات طرق الشيطان.
فصل: في أن المالكية العليا لله:
في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله قال:
يقبض الله الأرض بيمينه ثم يقول: «أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون» فالله مالك يوم الدين وهو رب العالمين وكل منازعة لله في
стр. 43
ربوبيته أو مالكيته العليا لا تصح ولو في التسمية. ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «أبغض اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله»، وقد وقع في هذا الغلط الكثيرون ممن حكموا المسلمين.
فصل في رد مزاعم:
- مما ذهبت إليه الفلسفة اليونانية أن الله لا يتدخل في شؤون الخلق، والآن تجد أكثر الخلق لا يعتبرون أن من حق الله أن يتدخل في أمر الناس، وليست فكرة فصل الدين عن الدولة إلا مظهرا من مظاهر هذه العقلية، وفي سورة الفاتحة تصحيح لهذه المعاني كلها: فالله رب العالمين هو الخالق وهو المربي وهو المالك، وعلى الناس أن يعبدوه وأن يسيروا في طريقه طالبين العون والهداية.
زعم بعض المستشرقين أن الدين الإسلامي لا يعرف أهله فيه عن الله إلا صفات القسوة وأي زعم أظهر في البطلان من هذا الزعم؟! فالإسلام الذي يبتدئ كتابه بقوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والذي تثنى فيه كلمتا الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بعد آية من ذلك، هل يدعي ما ادعوه إلا مجنون؟! ألا إنه العمى عن الحق ليس إلا. فالله غفور رحيم، وهو عزيز ذو انتقام، ولله الأسماء الحسنى. في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد»، ولكن الله حدد في كتابه المرحومين وغيرهم فحيثما كان له حكم فعنده نقف.
فصل في مسألة اعتقادية:
من المسائل التي وقع فيها خلاف كثير بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة مسألة تسمى بمسألة خلق الأفعال. فأهل السنة يرون أن كل شئ يجري في هذا الكون إنما هو بعلم الله وإرادة الله وقدرة الله، وذلك لا ينافي اختيار الإنسان وهو موضوع سنبسطه في أكثر من مكان. والمعتزلة يقولون بالقوة المودعة، وأن الإنسان يخلق أفعال نفسه الاختيارية. وهو كلام ظاهره براق لأنه يتفق مع النظرة الحسية، ولكنه منقوض عقلا ونقلا كما سنرى. ومناقشات أهل السنة والجماعة لهم في هذا الموضوع كثيرة، ونادرا ما تجد سورة من سور القرآن إلا ولأهل السنة حجة فيها على المعتزلة في هذا الشأن، ومما استدلوا به على المعتزلة من سورة الفاتحة كلمة الحمد لله فإن الألف واللام للاستغراق، وهذا يفيد أن كل أنواع الحمد لله. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الله هو الفاعل لكل شئ قال ابن كثير: والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع
стр. 44
أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث «اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله»، واستدلوا من الفاتحة على المعتزلة بقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وبقوله تعالى اهْدِنَا فلولا أن الله هو الخالق فكيف يستعان؟ وكيف تطلب الهداية منه؟ وهذا موضوع سنرى حيثياته في أمكنة أخرى.
ملاحظة في قضايا اختلاف الأئمة:
يقول ﵊ في الحديث الصحيح «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه .... »، إن كل مناقشات أئمة أهل السنة والجماعة مع بعضهم إنما تدور حول أمور مشتبهات، وكل منهم على بصيرة حاول أن يعطي حكم الله في هذه الأمور، ومن ثم فالأمر واسع؛ فمهما كان الواحد منا على مذهب إمام في مثل هذه الشؤون فإنه لا حرج عليه، ولكن الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية، كالمعتزلة وأنواع من المرجئة، وطوائف من الشيعة والخوارج ليس فيما ذكرنا، وإنما هو خلاف حيث لا ينبغي أن يكون خلاف لكثرة النصوص ووضوحها، ولذلك في قسم التفسير قد لا نعتني بعرض أدلة الأئمة في اختلافاتهم ولكننا نعتني بعرض الأدلة في أي خلاف بين أهل السنة والجماعة ومن خالفهم.
٧ - فوائد
أ- من أساليب العرب في الكلام: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والعرب يستكثرون منه، ويرون أن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ لاستلذاذ إصغائه، وتختص مواقعه بفوائد ولطائف يراعيها القائل وتتضح للحذاق المهرة. والقرآن جاء على أساليب العرب في الخطاب ومن ثم تجد فيه هذا النوع من طرق البيان على أدقها وأرقاها وأعظمها فوائد ولطائف وقد رأينا ذلك في سورة الفاتحة. إذ عدل عن لفظ الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ بعد قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ .. قال صاحب الكشاف: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ. وقد التفت امرؤ القيس ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات:
стр. 45
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه .. وقد رأينا عند عرض المعاني العامة حكمة الالتفات في سورة الفاتحة.
ب- مما يدل على أن كلمة الدين تأتي بمعنى الحساب والجزاء الحديث الذي رواه أحمد والترمذي: «الكيس من دان نفسه- أي حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت» واستطرادا ننقل كلمة عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم» يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ.
ج- أكمل أحوال الداعي أن يبدأ بالحمد ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين ومن ثم جاء قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بعد الثناء، فالسؤال بعد الثناء أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. وقد يتقدم مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
د- يتشدد كثير من الناس في أمر تحرير مخارج الحروف أثناء تلاوة القرآن وذلك شئ جيد، ولكن بعضهم يعتبر الإخلال بالتحرير مبطلا للصلاة، وذلك خطأ ولتصحيح مثل هذا ننقل كلام ابن كثير. يقول ابن كثير: «الصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما»، وكلامنا كله عند ما لا يخرج الحرف صافيا، أما إذا استبدل حرف بحرف فلذلك أحكامه التي سنراها.
هـ- رأينا من خلال سورة الفاتحة: أن الأصل في المسلم أن يكون جزءا من كل هو الجماعة، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية، وهذا يجعلنا نفكر كثيرا في الأسباب والأمراض التي تحول دون وجود هذه الروح عند الأكثرين من المسلمين ويجعلنا نتفطن لأهمية معالجة هذه الأسباب والأمراض التي تحول بين المسلم وبين مشاركته جماعة المسلمين فيما تفترض المشاركة فيه، ولا شك أن هذه
стр. 46
الأسباب إما مرجعها لمرض عام مثل انعدام الثقة أو لمرض فردي مثل حب الدنيا وإيثار العافية والشح والإعجاب بالرأي واتباع الهوى والحسد وغير ذلك من
أمراض.
و- يردد المسلم سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى.
وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنة، وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا غير الفرائض والسنة ... لما ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، «إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة» عن الظلال بتصرف. وقد رأينا الخلاف في قراءتها وراء الإمام.
٨ - كلمة في السياق
هذه السورة كما رأينا هي مقدمة القرآن، ولذلك فقد تجمعت فيها معانيه وهذا أول مظهر من مظاهر ارتباط هذه السورة بالقرآن كله، وقد رأيت بأكثر من وجه كيف تسلسلت معانيها تسلسلا خاصا هذا التسلسل ظهرت فيه أكثر من حكمة من حكم تسلسل المعاني في القرآن، فلا سير في الصراط بلا عبادة، ولا عبادة بلا عقيدة ومعرفة بالله.
والآن انتبه إلى الصلة بين آخر فقرة في سورة الفاتحة وبين أول آية في سورة البقرة تبدأ الفقرة الأخيرة في سورة الفاتحة بقول الله تعالى معلما لنا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ... وتبدأ سورة البقرة بقول الله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لاحظ الصلة بين اهْدِنَا وبين هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فبعد أن علمنا الله تعالى أن نطلب الهداية منه إلى الصراط المستقيم عرفنا على أن هذا القرآن هو محل الهدى، وهكذا نجد الصلة على أقواها بين خاتمة الفاتحة وبداية سورة البقرة، ولننتقل الآن للكلام عن القسم الأول من أقسام القرآن وهو قسم السبع الطوال.
стр. 47
القسم الأول من أقسام القرآن قسم الطوال
ويتضمن سور البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام الأعراف، الأنفال التوبة
стр. 48
كلمة في هذا القسم:
هناك أكثر من أثر وخبر يذكر السبع السور الطويلة الأولى من القرآن ويخصها بالذكر، وقد عقد ابن كثير لذلك فصلا تحت عنوان (ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال) وذكر بهذه المناسبة حديثا له أكثر من سند هو:
عن النبي ﷺ : «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور وفصلت بالمفصل»، قال الشيخ المحدث عبد الله الغماري في كتابه (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) عن هذا الحديث: فهذا الحديث حسن.
هذا الحديث ذكر أن القرآن أربعة أقسام القسم الأول هو السبع الطوال، ونحن سنرى في هذا التفسير كيف أن واقع القرآن يصدق هذا التقسيم من خلال المعاني، وكثير من الأمور التي سنراها.
وذكر ابن كثير: أن أبا عبيد، والإمام أحمد كل منهما أخرج عن أبي هريرة وعن عائشة ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أخذ السبع الاول من القرآن فهو حبر». ليس هناك نص يحدد السبع الطوال، بل المتبادر أنها السور الأول الطويلة من القرآن. ورواية عائشة وأبي هريرة تذكر السبع الأول فالمفروض أن تكون:
البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال ومعها براءة؛ لأنهما بحكم السورة الواحدة ولذلك لم يفصل الصحابة بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم:
أخرج الترمذي عن ابن عباس ﵁ قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ ووضعتموها في السبع الطوال! وما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان (الطويل) وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر: «بسم الله الرحمن الرحيم» فوضعتها في السبع
стр. 49
الطوال» فهذا نص في أن الأنفال وبراءة من السبع الطوال وإذا كان ما قبلهما ست سور الأعراف فالأنعام فالمائدة فالنساء فآل عمران فالبقرة، فذلك دليل على أن الأنفال وبراءة هما السورة الطويلة السابعة وأن براءة هي نهاية قسم الطوال. قال الشيخ الغماري في كتابه (جواهر البيان): (السبع الطوال أولها البقرة وآخرها براءة)، وإذن فبعد الفاتحة التي هي مقدمة القرآن يأتي القسم الأول من أقسام القرآن الذي يبدأ بالبقرة وينتهي بسورة براءة.
وقد ذكر ابن كثير اتجاها في تفسير السبع الطوال بأن السورة السابعة بعد الأعراف هي يونس ولكن ذكره على أنه قول في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. فقد نقل عن مجاهد وغيره أن المراد بها السبع الطوال، وفسرها بأنها البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. وسنرى عند تفسير هذه الآية أن هذا القول ليس هو الأقوى في تفسيرها، فمن باب أولى ألا يصلح تفسيرا للسبع الطوال. خاصة وكثير من الأدلة تشير إلى أن سورة يونس
من القسم الثاني من أقسام القرآن وليست من القسم الأول.
فسورة يونس مبدوءة ب الر، وكذلك سورة هود بعدها، وهذا يشير إلى أن هذه السور من زمرة واحدة ومجموعة واحدة، ثم إن سورة يونس آياتها (١٠٩)، وسورة هود بعدها آياتها (١٢٣)، بينما سورة براءة وحدها (١٢٩) آية، فهي أطول من سورة هود التي هي أطول من سورة يونس، فإذا عرفنا أن سورة الأنفال خمس وسبعون آية، فإن مجموع آيات سورة الأنفال وبراءة يكون مائتين وأربع آيات، ثم هما بالنص عن الصحابة كما رأينا في رواية الترمذي من السبع الطوال، فلم يبق بعد هذا إلا أن نرد اتجاه مجاهد ومن وافقه من أن سورة يونس هي السابعة في قسم الطوال.
لاحظنا من قبل أنه ما بين آخر فقرة في الفاتحة، وما بين أول سورة البقرة صلة ففي الفاتحة اهْدِنَا وفي البقرة عن القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وسنرى أن الصلة بين الفاتحة والبقرة ليست ضمن هذه الحدود فقبل الفقرة الأخيرة من الفاتحة قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وسنرى أن القسم الأول من سورة البقرة يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وينتهي بقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، فمقدمة سورة البقرة مرتبطة بآخر فقرة في الفاتحة، والقسم
стр. 50
الأول من سورة البقرة مرتبط بالفقرة الثانية، وسنرى أن القسم الثاني في البقرة مرتبط بالفقرة الأولى من الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ ... .. وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، والكلام في هذه المعاني قبل مجئ أوانها يبدو معقدا فلنقتصر على هذه الإشارة، ومع هذا الترابط بين سورة البقرة والفاتحة، فإن سورة البقرة ككل سورة في القرآن لها ذاتيتها الخاصة وتسلسلها الخاص، وسنرى أنه تسلسل عجيب معجز، ثم إننا سنرى كما ذكرنا في مقدمة هذا التفسير كيف أن السور الست الطوال الآتية بعد البقرة كل سورة منها تفصل في محور على نفس التسلسل الموجود في سورة البقرة، وكل ذلك سنراه، وسنرى فيه أن مثل هذا الربط، ومثل هذه الصلات لا يمكن أن تخطر بقلب بشر فضلا عن أن يستطيعها بشر وهذا بعض الأمر وليس كل الأمر، والشرح سيأتي، وتكفي هاهنا الإشارات ولنبدأ عرض سورة البقرة.
стр. 51
سورة البقرة
وهي السورة الثانية بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من قسم الطوال وآياتها مائتان وست وثمانون وهي مدنية
стр. 52
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 53
نصوص ونقول:
أخرج الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما، ثم قال: اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة».
قال ابن كثير: الزهراوان: المنيرتان والغياية: ما أظلك من فوقك.
والفرق القطعة من الشئ والصواف: المصطفة المتضامة، والبطلة: السحرة ومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها.
- أخرج الإمام أحمد عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: سورة البقرة سنام القرآن وذروته. نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ من تحت العرش فوصلت بها أو فوصلت بسورة البقرة، ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم».
وفي مسند أحمد وصحيح مسلم وفي الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» قال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرج ابن مردويه والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصفر (أي الخالي) من كتاب الله».
وأخرج الطبراني وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شئ سناما، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام».
стр. 54
وأخرج الدارمي في مسنده عن طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة: أربع من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها وثلاث آيات من آخرها، وفي رواية: لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شئ يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق».
وأخرج النسائي وابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا وهم ذوو عدد فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحد منهم
ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنا فقال: ما معك يا فلان فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال نعم قال: اذهب فأنت أميرهم فقال رجل من أشرافهم والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها.
فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرءوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك». هذا لفظ الترمذي وقال عنه: حديث حسن.
وأخرج البخاري عن أسيد بن حضير ﵁ قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة- وفرسه مربوطة عنده- إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: اقرأ يا ابن حضير قال: قد أشفقت يا رسول الله على يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي وانصرفت إليه فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة، فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها قال: «وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال:
تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم».
قالوا والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف وهي من أوائل ما نزل بالمدينة، لكن قوله تعالى فيها: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. آخر ما نزل من القرآن. وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن. وقد رد ابن كثير الرواية التي تنهى عن
стр. 55
التسمية بسورة البقرة، وقال عن أحد رواتها: وهو ضعيف الرواية لا يحتج به ثم قال:
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود «أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام من أنزلت عليه سورة البقرة .... » وروى ابن مردويه ... عن عتبة بن مرثد قال: «رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرا فقال: يا أصحاب سورة البقرة» قال ابن كثير: وأظن هذا كان يوم حنين يوم ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم: «يا أصحاب الشجرة يعني أهل بيعة الرضوان وفي رواية:
يا أصحاب سورة البقرة» لينشطهم بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه. وكذلك يوم اليمامة، مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة جيش بني حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة حتى فتح الله عليهم.
أخرج أبو عبيد .. «أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب أقرأت البقرة وآل عمران قال: نعم. قال: فو الذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب قال: فأخبرني به قال: لا، والله لا أخبرك به. ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت» ذكره ابن كثير.
وأخرج أبو عبيد عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ «من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان- أو كتب- من القانتين» قال ابن كثير:
«فيه انقطاع ولكن ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ ، قرأ بهما في ركعة واحدة».
كلمة في سورة البقرة وسياقها:
تتألف سورة البقرة- في اجتهادي- من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة، أما المقدمة فعشرون آية وفيها كلام عن المتقين وصفاتهم، ثم عن الكافرين وأوضح علاماتهم، ثم عن المنافقين وحقيقتهم وعلاماتهم، وتوضيحات في شأنهم، وبعد أن تقسم مقدمة السورة الناس إلى أقسام ثلاثة هم: المتقون، والكافرون، والمنافقون، وتحدد السمات الرئيسية لكل من هؤلاء، يأتي القسم الأول ويمتد من الآية الحادية والعشرين إلى نهاية الآية السابعة والستين بعد المائة.
стр. 56
يبدأ القسم الأول من السورة بأمر ونهي:
أما الأمر فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وأما النهي فهو قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأمر والنهي واردان في الآيتين الأوليين من القسم الأول، وينتهي القسم الأول بفقرة هي قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ....
لاحظ الصلة بين قوله تعالى فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً في بداية القسم، وبين آخر فقرة في القسم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً وبعد ذلك يأتي القسم الثاني ويمتد من الآية الثامنة والستين بعد المائة إلى نهاية الآية السابعة بعد المائتين.
لاحظنا أن القسم الأول بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ثم لم تذكر كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ إلا بعد الآية السابعة والستين بعد المائة، حيث تظهر مرة أخرى وأخيرة في سورة البقرة:
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فكما بدأ القسم الأول ب يا أَيُّهَا النَّاسُ فإن القسم الثاني بدأ كذلك وكما انتهى بفقرة مبدوءة بقوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ فإن الثاني ينتهي بفقرة مبدوءة بقوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ.
وهكذا نجد أن مقدمة سورة البقرة مختومة بفقرة بدايتها: وَمِنَ النَّاسِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وأن القسم الأول مختوم بفقرة بدايتها: وَمِنَ النَّاسِ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً.
وأن القسم الثاني منته بفقرة تتكرر فيها وَمِنَ النَّاسِ* مرتين:
стр. 57
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
ثم يأتي القسم الثالث ويمتد من الآية الثامنة بعد المائتين إلى نهاية الآية الرابعة والثمانين بعد المائتين.
يبدأ القسم الثالث بأمر ونهي، أما الأمر: فهو في موضوع الدخول في الإسلام كله. وأما النهي: فعن اتباع خطوات الشيطان وهو نفس النهي الذي جاء في ابتداء القسم الثاني.
لاحظ أن بداية القسم الثاني كانت: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وأن بداية القسم الثالث:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام جميعا كما فسرها ابن عباس وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
ومن المعلوم أن الآيتين الأخيرتين في سورة البقرة قد ورد فيهما أكثر من نص يخصهما بالذكر فهما خاتمة السورة وبدايتهما: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ....
لاحظ صلة ذلك ببداية السورة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
هذه نقاط علام كبيرة على معالم السورة، ونحن نعلم أننا الآن ونحن نذكر مثل هذه المعاني كأننا نبني على فراغ في حق من لا يحفظ السورة أو لا يمسك بيده مصحفا يتتبع ما نقول، ولكن أحببنا في هذه الكلمة أن نضع أساسا يبني عليه القارئ ونحن نسير معه فقرة فقرة، ومقطعا مقطعا وقسما قسما ونحن نعرض الترابط والصلات بين أجزاء السورة، وإلا فإن الكلام المختصر هنا لا يغني ولكنه ينفع، ولذلك فلنستمر به على ملاحظتنا عليه:
تبدأ المقدمة بتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: متقين، وكافرين، ومنافقين. ثم يأتي القسم الأول مبتدئا بدعوة الناس لسلوك طريق العبادة والتوحيد كطريق موصل إلى التقوى، ثم يسير القسم ليناقش الكفر، وليعمق قضية السير في التقوى، من خلال تأكيد طاعة الأمر واجتناب النهي، ومن خلال عرض الآثار الخطيرة لمخالفة الأمر.
стр. 58
والوقوع في النهي، ومن خلال عرض نماذج الانحراف في قصة بني إسرائيل، ومن خلال عرض نماذج الاستقامة في قصة إبراهيم ﵇. ولا ينتهي القسم إلا وتأكدت قضية التقوى وقضية السير فيها وقضية العبادة والتوحيد ومظاهر ذلك.
ثم يأتي القسم الثاني: فيؤكد قضية التقوى، ويرسم طرائق التحقيق بها على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة، ويعمق مفهوم الشكر وطرائق الشكر، ولا نكاد ننتهي من هذا القسم إلا وقد وضحت قضية التقوى وقضية العبادة وقضية الشكر، وقضية الصراط المستقيم وقضية الانحراف عنه، واتجاهات المنحرفين، وخلال ذلك يتم الكلام عن كل أركان الإسلام: الإيمان والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فتصبح أرضية النفس والقلب والعقل جاهزة للسير في الإسلام كله. وهاهنا يأتي القسم الثالث: داعيا إلى الدخول في الإسلام كله فيعرض قضايا في الحرب والعلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة وغيرها ويعرض أمهات في قضايا السياسة والاقتصاد، ثم تأتي خاتمة السورة رابطة كل شئ بقضايا الإيمان والتوجه إلى الله معلمة في ذلك مربية عليه مفصلة فيه.
وفيما بين ذلك وخلاله نعرض القضايا الكثيرة، وكل واحدة في محلها تؤدي دورها في بناء الذات، وفي بناء الأمة بعد المقدمات التي تناسب ذلك، وتتولد المعاني الكثيرة في هذا السياق الكبير من خلال المعنى الحرفي للآية، ومن خلال محل الآية في السياق القريب، ومن خلال محلها في السياق البعيد، ومن خلال محل المقطع في القسم، ومحل القسم في السورة، ومحل السورة مع ما قبلها، وما بعدها، وفي هذا السير نجد كثرة الروابط والوشائج والصلات فيما بين الأقسام والمقدمة والخاتمة، وكل ذلك يجري على تسلسل معين وعلى طريقة عجيبة لم يألفها البشر وليس الخبر كالمعاينة فلنبدأ عرض مقدمة السورة:
مقدمة سورة البقرة:
تتألف مقدمة سورة البقرة من عشرين آية:
الأحرف الم وبعضهم يعتبرها آية ثم أربع آيات في وصف المتقين واثنتين في وصف الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين:
قال مجاهد: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين .. وعلى هذا فالمقدمة تتألف من ثلاث فقرات وهذه هي:
стр. 59
الفقرة الأولى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
الفقرة الثانية:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٦ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)
الفقرة الثالثة:
وتتألف من ثلاث مجموعات: مجموعة في تبيان حقيقة المنافقين، ومجموعة في ذكر نماذج من أقوالهم، ومواقفهم ليعرفوا بها. ومجموعة فيها مثلان يبينان ويوضحان شأنهم:
المجموعة الأولى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ الى ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)
стр. 60
المجموعة الثانية:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١١ الى ١٦]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
المجموعة الثالثة:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ الى ٢٠]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
стр. 61
١ - المعاني العامة لمقدمة السورة
قسمت المقدمة الناس إلى أصناف ثلاثة: متقين وكافرين ومنافقين، ويفهم من ذلك: أن هذا هو التقسيم المعتبر شرعا، والذي تترتب عليه آثاره في المواقف والمواقع، ومن المقدمة نعرف أن التقوى قضية محددة مفصلة، والكفر قضية محددة واضحة المعالم ومفصلة، والنفاق قضية محددة ومفصلة وله علاماته، ومقدمة سورة البقرة ذكرت الصفات الرئيسية لأهل الإيمان، من إيمان بالغيب، وصلاة، وإنفاق، واهتداء بكتاب الله في الشأن كله، وذكرت المظهر الأجلى للكفر في كون الكافر لا يؤثر فيه الإنذار من أهله، وذكرت حقيقة النفاق في أن أهله يكذبون في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر، وأن علة ذلك هي الخداع وأن سبب ذلك مرض القلب، ثم ذكرت نماذج ثلاثة من مواقفهم، نتعرف عليهم من خلالها، ثم ضربت لهم مثلين، مثلا للمنافق الخالص، ومثلا للمنافق الذي لا زال في قلبه بقية من إيمان.
٢ - المعنى الحرفي للمقدمة
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، في هذا النص أربع جمل:
الم جملة برأسها، وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية، ولا رَيْبَ فِيهِ جملة ثالثة وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ جملة رابعة، وجيء بها هكذا متناسقة بلا حرف عطف لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة. ونبه ب الم على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب
стр. 62
المنعوت بغاية الكمال من خلال استعمال لفظ الإشارة ذلِكَ فكان تقريرا لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلا بكماله لأنه لا
كمال أكمل كالحق واليقين، ولا نقص أنقص كالباطل والشبهة. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ف ذلِكَ الْكِتابُ معناه: هذا الكتاب الكامل لأن كلمة ذلِكَ فيها إشارة إلى بعده عن أن يكون على اقتراب في المستوى من غيره ولا رَيْبَ فِيهِ معناه لا شك فيه، وإنما نفى الريب على سبيل الاستغراق وقد ارتاب فيه كثير، لأن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه أحد، لا أن أحدا لا يرتاب، والهدى: هو الدلالة الموصلة إلى البغية، والمتقي: هو من يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك، وإنما خص المتقون بالاهتداء لأنهم وحدهم المهتدون بكتاب الله.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وصف المتقون بالإيمان والصلاة والصدقة، فالإيمان أساس لكل شئ من الحسنات والخيرات، والصلاة والصدقة معيار العبادات البدنية والمالية، فكان من شأنهما استتباع سائر العبادات، ولذلك اختصر الكلام بأن استغني عن عد الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والإيمان هو التصديق، والغيب هو المغيب عنهم مما أتاهم به النبي ﷺ من كل ما غاب عنهم، سواء في ذلك أمر البعث والنشور والحساب والخلق إلى غير ذلك، وإقامة الصلاة:
أداؤها حسا ومعنى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي ومما أعطيناهم يتصدقون
ثم أكمل الله وصف المتقين بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي بالقرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، أي سائر الكتب المنزلة على النبيين، وهذه وإن كانت داخلة في قضية الإيمان بالغيب من وجه لكن لها مظهرا محسوسا من جهة أخرى، ولأن للآخرة معنى استقباليا زائدا على كونها من الغيب، فقد خصت بالذكر وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الإيقان هو رسوخ العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: أي الظافرون بما طلبوا، الناجون مما هربوا، فالفلاح إدراك البغية والمفلح الفائز بالبغية وفي ذكر الحرف عَلى في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ما يدل على تمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشئ وركبه، ودخل في قوله تعالى: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ إقامة فروضها وإتمام ركوعها وسجودها وتلاوتها وخشوعها والإقبال عليها فيها، والمحافظة على مواقيتها
стр. 63
وإسباغ الطهور فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ فيها، كما دخل في ذلك فرضها ونفلها ودخل في قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ النفقات الواجبة والزكاة المفروضة وأنواع الصدقات.
في هذه الآيات قضيتان: أساس وبناء، الأساس هو: الإيمان والصلاة والإنفاق والبناء هو: اتباع الكتاب، ومجموع ذلك هو التقوى، وقد غفل الكثيرون عن هذا فعطل بعضهم كتاب الله وهم يظنون أنهم متقون، وعطلوا الصلاة والإنفاق وأخلوا بالإيمان وهم يظنون أنهم متقون، وليفهم على ضوء ذلك كله حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه «بني الإسلام على خمس ... » فهناك أساس فوقه بناء، والأساس وإن كان جزءا من البناء لكنه ركنه، والبناء هو الأركان وما فوقها وذلك هو الإسلام.
ثم وبعد أن ذكر الله أولياءه بصفاتهم المقربة إليه، وبين أن الكتاب هدى لهم قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الكفر: ستر الحق بالجحود، والإنذار: التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار: إقامة الحجة، وليكون الإرسال عاما وليثاب الرسول
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ والختم هو: التغطية، والختم والطبع واحد، والغشاوة: الغطاء، والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية. وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ العذاب هو: النكال والعظيم يقابل الحقير، والمراد بالذين كفروا هنا:
أناس علم الله أنهم لا يؤمنون فهؤلاء يستوي عليهم الإنذار وعدمه. قال الشيخ أبو منصور الماتريدي: «الكافر لما لم يسمع قول الحق، ولم ينظر في نفسه وغيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث، فيعلم أنه لا بد له من صانع جعل كأن على بصره غشاوة».
وبعد أن قدم الله وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بآيتين، ذكر حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس، أطنب في ذكرهم بصفات متعددة هنا، كما أنزل سورة براءة وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضا، لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون،
стр. 64
فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير. ولما كنا لا نعرف المنافق إلا من سيماه وفلتات لسانه كما قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (سورة محمد) فقد بين الله لنا هنا حقيقة المنافق، وأعطانا نماذج من كلامه وتصرفاته، ثم ضرب لنا الأمثلة عليه لتتضح الحال تماما، لأن النفاق أخطر شئ على الأمة، ولذلك قال ﵊ «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان ... » وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ: ادعى المنافقون إحاطتهم بجانبي الإيمان أوله وآخره، وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى المبدأ، وهي العلم بالخالق وصفاته وأسمائه وأفعاله ومسائل المعاد وهي: العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة. وفي تكرار الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام، وقد نفي الله إيمانهم على أبلغ وجه، إذ أخرج ذواتهم من أن تكون من المؤمنين، فقال:
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. ولليوم الآخر تعريفان:
الأول: هو الوقت الذي لا حد له، وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، وإنما سمي بالآخرة لتأخره عن الأوقات المنقضية.
الثاني: هو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الخداع: إظهار غير ما في النفس على نية الغش وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ النفس: ذات الشئ وحقيقته، ثم قيل للقلب والروح نفس لأن النفس بهما، وقيل للدم نفس لأن قوام النفس بالدم، وقيل للماء نفس لفرط حاجة النفس إليه، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم، والمعنى أنهم بمخادعتهم الله والمؤمنين لا يخدعون في الحقيقة إلا أنفسهم لعود أضرار ذلك عليهم، فالخداع لاحق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولكنهم لا يشعرون أن حاصل خداعهم يرجع إليهم، والشعور: علم الشئ علما حسيا، ومشاعر الإنسان في الأصل حواسه لأنها آلات الشعور. والمعنى أن لحوق ضرر الخداع بهم كالمحسوس، وهم للتمادي في غفلتهم كالذي لا حس له.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: المرض هنا هو الشك والنفاق، لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد، كما أن المريض متردد بين الحياة والموت ولأن
стр. 65
المرض ضد الصحة، والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسما لكل فساد، والشك، والنفاق فساد في القلب فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً: أي فزادهم الله رجسا وشرا إلى شرهم عقوبة لهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ: أي بكذبهم في قولهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ خداعا للمؤمنين. والكذب هو الإخبار عن الشئ على خلاف ما هو به. وبهذه الآيات الثلاث عرفنا حقيقة النفاق وأسبابه ثم بعد أن بين الله لنا ذلك، ذكر لنا ثلاثة نماذج من أقوالهم ومواقفهم لنعرفهم بها:
١ - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، قالُوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ الفساد: خروج الشئ عن حال استقامته وكونه منتفعا به، وضده الصلاح وهو: الحصول على الحال المستقيمة النافعة والمراد بالفساد في الآية الكريمة- والله أعلم- الكفر والعمل بالمعصية، فهؤلاء المنافقون يعملون بالكفر والمعصية ويدعون إليهما، ويزعمون أن ما يفعلون وما يدعون إليه إصلاح وهو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون أنه فساد و (إنما) في اللغة العربية تفيد: قصر الحكم على شئ أو قصر الشئ على حكم، وقد استعملوها في تعبيرهم. إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فذلك يدل على أنهم يتصورون أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة تقدح فيها من وجه من وجوه الفساد، ولم يظهر أهل هذه الآية في عصر كما ظهروا في عصرنا- في القرن الخامس عشر الهجري- إذ تجد الدعاة إلى الكفر والمعصية والعاملين بهما ممن لهم أسماء إسلامية، ويتظاهرون بأنهم مسلمون، ويخلعون على أنفسهم ودعواتهم الكافرة أسماء براقة تعطيهم صفة المصلحين، كالتقدمية والتقدميين، والحرية والأحرار، وقد روي من غير طريق ذكره ابن كثير عن سلمان الفارسي، في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ: ما جاء هؤلاء. لم يجئ أهل هذه الآية بعد .. أقول: قد جاءوا في عصرنا ورأيناهم ونسأل الله أن يطهر الأرض منهم. قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان ﵁ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
٢ - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ السفه: سخافة العقل وخفة الحلم. والناس في الآية هم الكاملون في الإنسانية وهم المؤمنون، لأنهم هم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم.
стр. 66
نصحهم أهل الإيمان النصيحة الأولى كما رأينا بتقبيح ما كانوا عليه؛ لبعده عن الصواب وجره للفساد، فردوا عليهم كما رأينا، ونصحوهم النصيحة الثانية كما في هذه الآية بأن بصروهم بالطريق الأسد من اتباع ذوي الأحلام، فكان جوابهم أن سفهوهم للتمادي في جهلهم، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة.
ولم يظهر أهل هذه الآية كذلك في عصر كما ظهروا في عصرنا، إذ ترى المنافقين يحتقرون أهل الإيمان من علماء وربانيين ودعاة وعباد ويعتبرونهم ضعاف العقول، ويصفونهم بالرجعية والجمود وضيق الأفق وأمثال ذلك، فهم أبعد الناس عن احترامهم، فضلا عن متابعتهم والاقتداء بهم فيما هم فيه من خير، وقد تولى الله سبحانه الجواب الذي يفضح حقيقة أمرهم فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ، فأكد وحصر السفاهة فيهم، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون أن ما هم فيه ضلال وجهل وسفه، وذلك أردى وأبلغ في العمي والبعد عن الهدى، وإنما وصفهم في الآية الأولى بأنهم لا يشعرون، وفي الآية الثانية بأنهم لا يعلمون، لأنه ذكر في الآية الثانية السفه وهو الجهل فكان ذكر العلم هو الأحسن طباقا له، ولأن الإيمان يحتاج إلى نظر واستدلال ليكتسب الناظر المعرفة، فناسب ذلك ذكر العلم، أما الفساد في الأرض فأمر مبني على العادات فهو كالمحسوس فناسب هناك أن يذكر عدم الشعور.
٣ - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
يزيدنا الله بيانا في توضيح حال المنافقين من خلال أقوالهم، ومواقفهم، فذكر لنا أن هؤلاء المنافقين إذا لقوا المؤمنين قالُوا آمَنَّا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة تغريرا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، وإذا خلوا إلى سادتهم وكبرائهم ورؤسائهم وأصحابهم من الكافرين والمشركين والمنافقين قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي إنا على مثل ما أنتم عليه إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي: إنما نحن نسخر بالقوم ونستهزئ منهم ونلعب بهم، ولم يظهر أهل هذه الآية في عصر كما ظهروا في عصرنا، إذ كثرت المؤسسات الكافرة من محافل ماسونية وأحزاب ضالة، أو مؤسسات خائنة، أو جمعيات فاجرة، أو تكتلات على أسس فاسدة. وتجد كثيرا من أبناء المسلمين يتظاهرون مع أهل الإيمان بالإيمان ولكنهم مع زعمائهم في هذه المؤسسات وأمثالها على غاية من المتابعة والولاء. وليس أبلغ من كلام الله في وصف حالهم ومقالهم
للمؤمنين ولزعمائهم،
стр. 67
ولكن الله أكبر، والله محيط بهم وبأعمالهم، وهو يتولى أمر المؤمنين، ويدافع عنهم، ويعاقب هؤلاء وينتقم منهم.
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فهذا تطمين للمؤمنين وتهديد للمنافقين والمعنى أنه تعالى مجازيهم جزاء الاستهزاء ومعاقبهم عقوبة الخداع. قال ابن كثير نقلا عن ابن جرير: «لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك». فيملي لهم تعالى ويزيدهم من نعمه على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ ليستمروا في طغيانهم يترددون؛ فتقوم عليهم الحجة باستحقاقهم عقوبة الدنيا والآخرة. والطغيان: مجاوزة الحد والإمداد: الإملاء، والعمه: هو الضلال والضياع، وقال بعضهم العمى في العين والعمه في القلب.
ثم بين الله واقع هؤلاء المنافقين الذين بدأ الكلام عنهم بقوله وَمِنَ النَّاسِ فقال: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ بين الله في هذه الآية: أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، أي بذلوا الهدى الذي هو الإيمان ثمنا للضلالة التي هي الكفر، سواء في ذلك من كان منهم حصل له الإيمان ثم رجع إلى الكفر، أو من كان منهم استحب الضلالة على الهدى، دون أن يكون الإيمان قد أصاب قلوبهم من قبل مع تظاهر الجميع بالإيمان؛ فما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك. قال قتادة: «قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة»، فليحصلوا ما حصلوا من أمر الدنيا فإنهم الخاسرون.
وبعد هذا البيان عن حقيقة المنافقين وبعد أن أعطانا الله نماذج من أقوالهم ومواقفهم نعرفهم بها، يضرب الله لنا مثلين نعرف بهما حال المنافقين معرفة تامة:
المثل الأول: لنوع من المنافقين وصلوا إلى النفاق الخالص بعد أن كانوا مؤمنين.
والمثل الثاني: لنوع من المنافقين لا زالوا مترددين، الأولون لم يعد فيهم أمل للرجوع إلى الإيمان، أما الآخرون فلم يقنطوا، وبعض المفسرين اعتبر المثلين لنوع واحد، وهذا خطأ، لأن أهل المثل الأول قال الله عنهم ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وقال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ بينما قال عن الآخرين كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ، وابن كثير وضح
стр. 68
ذلك، لذلك قال عن المثل الثاني: هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين وهم: قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم كصيب ..
المثل الأول: قال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ المثل هو القول السائر، ثم استعير للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة. ويضرب المثل زيادة في الكشف، وتتميما للبيان، وتقدير هذا المثل: إن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى: بمن استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله فبينا هو كذلك إذ أطفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك. فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضا عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا قال الرازي: «والتشبيه هنا في غاية الصحة لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين» فصار المعنى:
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي ذهب عنهم بما ينفعهم وهو النور، نور الإسلام الذي يرون به الأشياء كلها على حقائقها. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق. لا يُبْصِرُونَ أي لا يهتدون إلى سبيل خير، ولا يعرفونها وهم مع ذلك صُمٌّ لا يسمعون خيرا، بُكْمٌ لا يتكلمون بما ينفعهم، عُمْيٌ عن رؤية الحق، فبصيرتهم عمياء وهم في ضلالة. فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي فلذلك لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة، وهذا المثل نجده منطبقا على كثير من أبناء المسلمين في عصرنا ممن مرت عليهم فترات استغرقوا فيها بالعبادة والإسلام، ثم انتظموا في سلك أهل الكفر والضلال، ساخرين من حالهم الأول، مزدادين كل يوم كفرا على كفر، وقد دل المثل على أن الإنسان الذي لا يرى الأشياء بنور الإيمان منافق، ومن لم تكن منطلقاته في الحكم على الأشياء منطلقات إسلامية، فإنه: منافق لا يرى الأشياء بنور الله على ما هي عليه في الحقيقة، ثم ضرب الله مثلا آخر لنوع آخر من النفاق:
стр. 69
المثل الثاني: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال ابن كثير: «هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون تارة أخرى».
شبه دين الإسلام في المثل بالصيب أي: بالمطر لأن القلوب تحيا به، حياة الأرض بالمطر، والشبهات والشكوك في قلب هذا الضرب من المنافقين شبهها بالظلمات، والوعيد الموجود في دين الله سواء كان الوعيد بالفضيحة أو بالعذاب الأخروي أو بانتصار المؤمنين بالرعد، وبقايا الفطرة في قلوب هؤلاء بالبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا بالصواعق.
الصيب: المطر، والرعد: هو الصوت الذي يسمع من السحب لاصطكاك أجرامه، والبرق: هو الذي يلمع من السحاب. وظلمات المطر: ظلمة تكاثفه بتتابع القطر، وظلمة
إظلال غمامه مع ظلمة الليل، والإسلام والقرآن في المثل هو المطر وحده، وأما الظلمات ففي القلب والنفس ظلمات الشبهات والشكوك والشهوات.
وذكر في المثل الأصابع- ولم تذكر الأنامل مع أن رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان: اتساعا كقوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (سورة النور) والمراد إلى الرسغ، ولأن في ذكر الأصابع من الإشعار بمخالفتهم ما ليس في ذكر الأنامل، وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسد به الأذن لأن السبابة من السب، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن. ولم يذكر المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة، والصاعقة: قصفة رعد تنقض، والخطف: الأخذ بسرعة، وإحاطة الله بالكافرين تعني: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط. وكل ما علاك فهو سماء، وتطلق السماء على السحاب أو على المطر لنزوله من السحاب فصار المعنى:
مثل المنافقين كمثل أصحاب مطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والشبهات، ورعد وهو ما يزعج القلوب من الخوف، وبرق وهو ما يلمع في قلوب ذلك الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان، فهم يسدون آذانهم فلا يرغبون أن يسمعوا التهديد والوعيد وأخبار أيام الله، ولكن ذلك لا يجديهم فإن سد
стр. 70
الأذن لا يغني من الصاعقة شيئا، ومع شدة لمعان البرق فينقدح في قلوبهم نور إضافي فإنهم لا يستفيدون منه إلا قليلا لما يعقبه من ظلام. فهؤلاء إذا ظهر لهم شئ من الإيمان استأنسوا به واتبعوه، ثم تعرض لهم الشكوك فتظلم قلوبهم، فيقفون حائرين، وقد حذر الله المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير فإن الله على كل ما أراد بعباده من نعمة أو نقمة أو عفو أو عقاب أو غير ذلك قدير.
ويمكن أن يقال في المثل:
المطر يحيي الأرض وينزل من السماء، والإسلام يحيي القلوب وقد نزل من السماء، والمطر في الليل يرافقه ظلمات ورعد وبرق، وهؤلاء المنافقون بسبب ليل قلوبهم؛ صار الإسلام بالنسبة لهم ظلمة ورعدا وبرقا، فشبه الكافرين والمنافقين ظلمات تحيط بهم والتهديدات تقرع آذانهم فتخيفهم، ولشدة ضوء الحق فإنه يظهر لهم نور فيسيرون به قليلا ثم تحيط بهم الظلمة من جديد فيقفون.
هذا المثل من غوامض الأمثال القرآنية، والأمثال في القرآن كما قال الله تعالى في سورة (العنكبوت): وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ونادرا ما تجد شرحا مبسطا في كتب التفسير لهذا المثل، وإذ كان ظهور هذا المثل في عصرنا أكثر من ظهوره في بقية العصور فإننا نستطيع أن نقول:
إن هناك مسلمين بحكم النشأة والبيئة، وجدوا في عصرنا المليء بالشبه والدعوات الضالة، ولم يتح لهم أن يسيروا في طريق الإيمان حتى يحققوه في قلوبهم، فبقيت قلوبهم فيها إيمان ونفاق، أو إيمان وكفر، فتارة تأتيهم حجة من حجج الإسلام القوية فتضيء جوانب قلوبهم بالإيمان فيسيرون على زاد ذلك قليلا، ثم تحيط بهم شبهة من الشبهات فينطفئ النور في قلوبهم فيقفون حائرين، وهم في هذه الحالة على غاية من الخوف من انكشاف أمرهم للمؤمنين، أو من سلطان الكافرين، أو من عقوبة الله لهم على ما هم فيه. هذا حال الكثيرين من أبناء المسلمين في عصرنا، ولعل ما هم فيه يجعلنا نفهم المثل من خلال واقعهم.
وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل لكل كلمة وردت في المثل ما يقابلها على انفراد، ثم قابلوا ذلك بمفردات، فالمطر الإسلام، والظلمات الآيات المتشابهات، والرعد آيات الوعيد، والبرق الآيات المحكمات، أو غير ذلك على اعتبار أنهم ظنوا أن للعرب طريقة
стр. 71
واحدة في هذا السبيل، وهو أن تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها عن بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها. ولكن الواقع أن للعرب طريقة أخرى، وهي أن تشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها كما هنا. فالمراد العام هنا تشبيه حال المنافقين في ضلالتهم، وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة كحال من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.
٣ - حديث شريف كاشف
إن هناك حديثا شريفا يكشف لنا هذين المثلين ويبين لنا أهلهما كما يكشف لنا مقدمة سورة البقرة كلها فلنره:
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» قال ابن كثير: رواه الإمام أحمد بإسناد جيد حسن.
لا شك أن القلب الأول هو: قلب المؤمنين المتقين الذين وردت صفاتهم في الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة، وأن القلب الثاني هو قلب الكافرين الذين وردت صفاتهم في الفقرة الثانية من مقدمة سورة البقرة، وأن القلبين الثالث والرابع هما في من وردت صفاتهم في الفقرة الثالثة من مقدمة سورة البقرة، وأن القلب الثالث مثله هو المثل الأول وأن القلب الرابع مثله هو المثل الثاني.
والملاحظ أن القلب الرابع لا زال فيه أمل، وذلك إذا أصبح مدد الإيمان أكثر من مدد النفاق، وذلك بالإقبال على الأعمال الصالحة وترك السيئات وخلطة أهل الباطل.
وسنرى كيف أن سورة البقرة بأقسامها كلها، إنما تدل على الطريق ليكون الإنسان من الفئة الأولى. فئة الإيمان والتقوى، ولذلك فإن القسم الأول يبدأ بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وهذا حديث سيأتي فلنبق الآن في أجواء مقدمة سورة البقرة.
стр. 72
٤ - (فصول شتى)
فصل في فواتح السور:
لو أنك تأملت فواتح سور القرآن، فإنك تجد أن نوعا من الفواتح يتكرر، فمثلا تجد أكثر من سورة مبدوءة ب الم* أو الر* أو حم* أو إِنَّا* أو إِذا* أو هَلْ* أو وَيْلٌ* وتجد سورا كثيرة مبدوءة بقسم، ثم إنك تلاحظ أحيانا أن مجموعة من السور لها بدايات معينة تشبهها مجموعة أخرى لها نفس البدايات فمثلا: نلاحظ أن سورتي البقرة وآل عمران مبدوءتان ب الم* وتأتي بعدهما سورتا النساء والمائدة وكل منهما مبدوءة ب يا أَيُّهَا* ثم تأتي سورة الأنعام وهي مبدوءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ.
ونلاحظ بعد ذلك بسور كثيرة: أنه تأتي سورة العنكبوت، وهي والسور الثلاث بعدها مبدوءة ب الم، ثم تأتي بعد ذلك سورة الأحزاب وهي مبدوءة ب يا أَيُّهَا ثم تأتي بعد ذلك سورتا سبأ وفاطر وكل منهما تبدأ ب الْحَمْدُ لِلَّهِ.*
لاحظ التشابه بين بدايات هذه المجموعة، وبين بدايات المجموعة الأولى مع الاختلاف في عدد السور التي بدأت بالنوع الواحد من الفواتح.
ولنأخذ مثلا آخر:
بعد سورة المدثر: تأتي سورة القيامة، وهي مبدوءة بقسم، وتأتي بعدها سورة الدهر وهي مبدوءة باستفهام:
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ؟
ثم تأتي بعد سورة الدهر سورة مبدوءة بقسم، وبعدها سورة مبدوءة باستفهام:
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
عَمَّ يَتَساءَلُونَ
لاحظ القسم والاستفهام في كل من النموذجين الأول والثاني
وبعد سور كثيرة تأتي خمس سور متتالية مبدوءة بقسم، ثم تأتي سورة مبدوءة باستفهام:
стр. 73
وَالْفَجْرِ، لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالضُّحى. ثم سورة مبدوءة باستفهام أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
فهل هناك تعليل شامل لهذه الظاهرة
إننا الآن نقول باختصار: (وسنرى الدليل على ذلك شيئا فشيئا):
إن فواتح السور هي بعض المفاتيح التي تتعرف بها على الرابطة بين أقسام القرآن، وبين مجموعات هذه الأقسام، وبين تسلسل السور ضمن القسم الأول أو المجموعة الواحدة، فهي من مفاتيح الوحدة القرآنية المعجزة، ولو أننا أردنا أن ندلل على هذا الموضوع هاهنا لتعثر القارئ ولطال البحث وتعقد، ولذلك فإننا سنعرض لأدلة هذا الموضوع شيئا فشيئا، فإنه موضوع يصعب التدليل عليه إلا من خلال السير الشامل والوقوف عند كل سورة وبدايتها، والتدليل آت بإذن الله تعالى.
فصل في الحروف التي بدأت بها بعض السور:
هذه الحروف التي بدأت بها بعض سور القرآن مثل (الم) * أو (المص) أو (الر) * أو (أَحْرَصَ) * وقف عندها بعض المفسرين كثيرا، وبعضهم لم يقف واكتفى بأن يذكر بعد الواحدة منها: الله أعلم بمراده. والذين وقفوا عندها إما واحد أراد أن يعطيها تفسيرا فاعتبر كل حرف هو جزء لكلمة تدل عليها، ثم حاول أن يجد الكلمة التي يدل عليها الحرف، وإما واحد اعتبرها رموزا على أزمنة، وحاول من خلال ما اعتاده العرب أن يعطوا كل حرف رقمه الحسابي وأن يستخرج نبوءات زمنية، وإما واحد اكتفى بأن يسجل ملاحظة حول هذه الأحرف، ومن أهم الملاحظات التي سجلت خلال العصور أنه حيث وردت هذه الأحرف في سورة فإن السورة لها صلة في الحديث عن القرآن.
ومن ثم اعتبروا أن ذكر هذه الأحرف فيه إشارة إلى الإعجاز، وفيه مظهر من مظاهر التحدي، وقد عبر سيد قطب- ﵀ في ظلاله عن هذا المعنى تعبيرا طيبا.
يقول الأستاذ سيد قطب- ﵀ في ظلاله عند الكلام عن (الم) في سورة البقرة: «ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية وقد وردت في
стр. 74
تفسيرها وجوه كثيرة نختار منها وجها: أنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف وهي في متناول المخاطبين به من العرب، ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله. الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، فلا يملكون لهذا التحدي جوابا.
والشأن في هذا الإعجاز: هو الشأن في خلق الله جميعا، وهو مثل صنع الله في كل شئ وصنع الناس. إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات، فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة، أو آجرة، أو آنية، أو أسطوانة، أو هيكل، أو جهاز كائنا في دقته ما يكون، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة؛ حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز، سر الحياة. السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر، وهكذا القرآن حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا. والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض، هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة».
أقول وصدق الله العظيم وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
(سورة الشورى) هذه الملاحظة التي سجلها صاحب الطلال ببيانه المشرق سجلها علماء المسلمين قديما، إلا أنه في عصرنا- فيما أعلم- سجلت ملاحظة أخرى إضافية حول هذه الأحرف وهي ما ذكرناه في الفصل السابق من أن فواتح السور- ومنها الأحرف- هي مفتاح من مفاتيح الوحدة القرآنية، وهذا الموضوع سيتضح لنا شيئا فشيئا في هذا التفسير. ولنكتف هنا بتسجيل هاتين الملاحظتين حول الأحرف التي افتتحت بها بعض السور، ولنا عودة على ما قيل في هذه الأحرف في أول سورة يونس حيث أول القسم الثاني من أقسام القرآن.
стр. 75
فصل في القلوب في المصطلح الشرعي: ورد في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى عن الكافرين: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وورد قوله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وترد كلمة القلب في الكتاب والسنة كثيرا، وكثيرون من الناس يغلطون في شأنها. وباختصار نقول: إن هناك قلبا محسوسا لكل الناس يشترك فيه الإنسان مع كثير من المخلوقات هو القلب الدموي، هذا القلب الذي له وظيفة المضخة الدموية هو مركز لقلب آخر هو مركز الأحاسيس الوجدانية، من حب وبغض وحقد وسماحة وخوف وأمن، وهذه القضايا كذلك محسوسة لكل الناس، إذ كل الناس يحسون بشيء من هذه المعاني في قلوبهم. هذا القلب الثاني هو محل الإيمان الذوقي، وهو محل الكفر والنفاق كذلك، وهاهنا نجد أمورا محسة عند بعض الناس وغير محسة عند آخرين، فأهل الإيمان- مثلا يحسون بمعان كثيرة في قلوبهم، هذه المعاني لا يحس بها الكافرون لأن هذا الجانب في قلوبهم ميت، هذا القلب المرتبط بالقلب الدموي ليس هو عين القلب الدموي، بدليل أن الذين أجريت لهم عمليات استئصال لقلوبهم، وأعطوا قلبا آخر، لم تتغير أحاسيسهم، وفي التفريق بين القلب الدموي والقلب الآخر يقول صاحب حاشية الجمل على تفسير الجلالين: «وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنه للبهائم وللأموات، بل المراد به معنى آخر يسمى بالقلب أيضا، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحله أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف». هذا القلب في المصطلح الشرعي يمرض ويصح ويموت ويعمى ويصم.
ومن ثم رأينا في الكلام عن الكافرين في الفقرة كيف أن الله قال خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقال عن المنافقين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ووصفهم بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
هذا القلب في المصطلح الشرعي مقره الصدر لا كما توهم بعضهم، من أن مقره الدماغ، قال تعالى فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: ٤٦) فحدد مكانها في الصدور. وقد فصلنا في كتابنا (تربيتنا الروحية) في هذه المعاني فليراجع.
وبمناسبة قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وقوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ننقل هذه النقول:
следующие страницы →