Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6406–6440 · переход к 6411.
стр. 6406
عمه أبو لهب. رواه أحمد أيضا والطبراني بهذا اللفظ).
وقال ابن كثير: وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم.
٢ - في سبب نزول هذه السورة قال ابن كثير:
روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخرها. وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه.
التفسير:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أي: جعلت يداه هالكتين، والمراد إهلاك جملته، قال النسفي: التباب الهلاك. قال ابن كثير: أي خسرت وخابت وضل عمله وسعيه وَتَبَّ قال النسفي: أي وكان ذلك وحصل. وقال ابن كثير: أي وقد تب أي تحقق خسارته وهلاكه
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ أي: لم يغن عنه ماله ومكسوبه أو كسبه، قال النسفي: أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه، والذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد أو الطارف، وعن ابن عباس ﵄ ما كَسَبَ ولده. أقول: فعلى هذا القول يكون معنى الآية: ما أغنى عنه ماله ولا ولده من عذاب الله شيئا، قال الألوسي: (وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي فأنزل الله في ذلك: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ
سَيَصْلى أي سيدخل ناراً ذاتَ لَهَبٍ أي ذات توقد. قال ابن كثير: أي ذات شرر ولهب وإحراق شديد، قال النسفي: والسين للوعيد أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته
وَامْرَأَتُهُ أي ستصلى النار ذات اللهب حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قال
стр. 6407
النسفي: والتقدير: أعني حمالة الحطب
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال النسفي:
والمسد الذي فتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان أو جلد أو غيرهما. أقول: قد اختلفت عبارات المفسرين في تفسير قوله تعالى حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ هل هذا وصف لها في الدنيا؟ وما المراد به إن كان الأمر كذلك؟ أو هو وصف لها في الآخرة وما المراد به إن كان الأمر كذلك؟ أو هو وصف لها في الدنيا والآخرة؟ وقد سرد ابن كثير الأقوال الواردة في ذلك متداخلة. فلننقل كلامه.
قال ابن كثير عند قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ:
(يعني تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه وهي مهيأة لذلك مستعدة له فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال مجاهد وعروة من مسد النار، وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي: حمالة الحطب كانت تمشي بالنميمة، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس وعطية الجدلي والضحاك وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ . قال ابن جرير: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب فعيرت بذلك، كذا حكاه ولم يعزه إلى أحد، والصحيح الأول والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار. وروى ابن جرير عن الشعبي قال:
المسد الليف، وقال عروة بن الزبير: المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعن الثوري: هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا، وقال الجوهري: المسد الليف، والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجد فتله.
وقال مجاهد: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي: طوق من حديد ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟
وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي: في عنقها حبل في نار جهنم ترفع به إلى شفيرها ثم ترمى إلى أسفلها ثم كذلك دائما. قال أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير: وقد روى ذلك وعبر بالمسد عن حبل الدلو كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رشاء. وأنشد في ذلك:
وبكرة ومحورا صرارا ... ومسدا من أبق مغارا
قال: والأبق القنب.
стр. 6408
وقال آخر:
يا مسد الخوص تعوذ مني ... إن تك لدنا لينا فإني
ما شئت من أشمط مقسئن
أقول: الذي ينشرح له الصدر أن وصف أم جميل بحمالة الحطب هو وصف ذم لها في الدنيا، وهل المراد به سيرها بالنميمة لإشعال الفتن، أو المراد بذلك حملها للحطب فعلا لتضعه في طريق رسول الله ﷺ فحقرها الله بذلك بأن شبهها بالحطابين والحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها. وهما في بيت العز والشرف، وفي منصب الثروة والجد، كلا المعنيين وارد. وأما قوله تعالى فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فترجح أن المراد به الإشارة إلى نوع من أنواع عذابها في الآخرة، والمراد بالحبل من المسد حبل من حبال النار كما قال مجاهد وعروة: من مسد النار. وكما قال مجاهد: أي طوق من حديد. ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟ وكما قال سعيد بن المسيب: فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار، وكما قال عروة بن الزبير، المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وكما قال الثوري: هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا. وبذلك تكون الآيتان قد حقّرتا زوجة أبي لهب غاية التحقير، إذ وصفتها في الدنيا بصفة تعتبرها هي غاية في الحقارة، ووصف حالها في الآخرة بصفة تفيد أقصى حالات الذلة. أن يكون كحبل الليف في عنقها تسحب منه، ولا يفهمن فاهم أن حمل الحطب للعمل مذموم في الآية، فالآية لا تتعرض لهذا الموضوع وإنما تحقر امرأة بما تعتبره هذه المرأة تحقيرا في مثل حالها. قال النسفي: (ونصب عاصم حَمَّالَةَ الْحَطَبِ على الشتم، وأنا أحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل من أحب شتم أم جميل) أقول: هذا ترجيح منه أن المراد بالآية تحقير أم جميل وأن من أحب هذا المعنى مأجور.
كلمة في السياق:
١ - نزلت هذه السورة في أوائل الإسلام، ومن المعلوم أن كثيرين ممن حاربوا الدعوة الإسلامية. ابتداء دخلوا فيها بعد ذلك كعمر وأبي شعبان وخالد بن الوليد وغيرهم كثير. فإن تذكر السورة أن أبا لهب وزوجته سيدخلان النار فهذا إخبار بالغيب أنهما سيبعثان على كفرهما، وقد تحقق هذا، وفي ذلك وحده معجزة من
стр. 6409
معجزات هذا القرآن تقطع بأنه من عند الله ، وقد رأينا شبيها بهذا في سورة النصر، وهكذا نجد أن المجموعة الأخيرة من القرآن فيها ألوان من الإعجاز، وألوان من المعاني عدا عن التغطية الواسعة لآيات كثيرة من سورة البقرة، مما يجعلنا نعرف حكمة الله فيها، بأن جعلها خاتمة مجموعات القرآن.
٢ - رأينا في السورة تفسيرا للخسران الذي تحدث عنه محور السورة، وهو دخول أبي لهب وزوجته نار جهنم، وأي خسران أكبر من ذلك، ومن الخسران ألا يغني عن الإنسان ماله وولده شيئا، ومن الخسران أن يذم الله أحدا أو يحقره، فما أشده من خسران. ولذلك كله صلة بمحور السورة، فأبو لهب وزوجته ناقضا عهد، قاطعان لما أمر الله به أن يوصل، مفسدان في الأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وبهذا نكون قد عرفنا صلة السورة بمحورها، وصلتها بما قبلها، ونكتفي بهذا القدر.
الفوائد:
١ - بمناسبة الكلام عن السورة ينقل لنا ابن كثير كيفية استقبال زوجة أبي لهب لهذه السورة. قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول.
مذمما أبينا ... ودينه قلينا
وأمره عصينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال:
يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال: رسول الله ﷺ «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت: تعس مذمم فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعد أعلم، وقال الحافظ أبو بكر البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله
стр. 6410
صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول الله ﷺ : «إنه سيحال بيني وبينها» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: «لا ما زال ملك يسترني حتى ولت» ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر ﵁.
٢ - رأينا أن اسم أبي لهب هو عبد العزى وقد علل ابن كثير لتكنيته في السورة بأبي لهب بقوله: وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بها دون الاسم أو لكراهة اسمه فاسمه عبد العزى، أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته.
٣ - ختم ابن كثير الكلام عن سورة المسد بالإشارة إلى ما تضمنته من معجزة إذ تتحدث عن المستقبل فيقع، وهو المعنى الذي ذكرناه من قبل قال:
(قال العلماء وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا، لا مسرا ولا معلنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة).
стр. 6411
سورة الاخلاص
وهي السورة الثانية عشرة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة العاشرة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي أربع آيات وهي مكية
стр. 6412
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6413
بين يدي سورة الإخلاص:
قال صاحب الظلال في سورة الإخلاص:
(هذه السورة القصيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة. روى البخاري عن أبي سعد: أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها.
فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له- وكأن الرجل يتقالها- فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن» ..
وليس في هذا من غرابة فإن الأحدية التي أمر رسول الله ﷺ أن يعلنها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .. هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة .. وقد تضمنت السورة- من ثم- أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة ..
هذه السورة إثبات وتقرير لعقيدة التوحيد الإسلامية، كما أن سورة الكافرون نفي لأي تشابه أو التقاء بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك .. وكل منهما تعالج حقيقة التوحيد من وجه. وقد كان الرسول ﷺ يستفتح يومه- في صلاة سنة الفجر- بالقراءة بهاتين السورتين .. وكان لهذا الافتتاح معناه ومغزاه .. ).
كلمة في سورة الإخلاص ومحورها:
بعد الآيتين اللتين كانتا محور سورة المسد من سورة البقرة يأتي قوله تعالى في سورة البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
لاحظ مضمون الآيتين، ومضمون سورة الإخلاص:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فكما ترى فسورة الإخلاص تعرفنا على الله الذي أنكرت وعجبت آية سورة البقرة الأولى من الكفر به، والذي دللت على وجوده الآيتان كلتاهما، فسورة الإخلاص إذن تعرفنا على الله ، كما عرفتنا عليه آيتا المحور، مع ملاحظة أن سورة الإخلاص
стр. 6414
تعرفنا على صفات الله التي لا ينبغي أن تغيب عن أحد، ولا ينبغي أن تغيب عن عقل، لأنها الصفات التي توصل إليها البداهة.
جاء قبل سورة الإخلاص سورة الكافرون وسورة النصر وسورة المسد، وقد أمرت سورة الكافرون رسول الله ﷺ أن يعلن أنه لا يعبد ما يعبده الكافرون، وجاءت سورة النصر لتبين أن النصر كائن لرسول الله ﷺ على أهل الكفر، وجاءت سورة المسد لتبين عقوبة الكافرين، وتأتي سورة الإخلاص لتعرفنا على الله الذي يعبده رسول الله ﷺ ، والملاحظ أن سورة الكافرون مبدوءة بقوله تعالى قُلْ وسورة الإخلاص مبدوءة بقوله تعالى قُلْ وبينهما سورتان ليستا مبدوءتين (بقل). في سورة الكافرون أمر لرسول الله ﷺ أن يعلن مفاصلته للكافرين في العبادة والدين، وهذه سورة الإخلاص يأمر الله رسوله ﷺ أن يعلن صفات إلهه الذي يعبده، والذي لا يعبده الكافرون ولا يعرفونه ﷻ .
وإذا كنا رأينا في كل من السورتين السابقتين معجزة أو أكثر زائدة على الإعجاز، فإن في سورة الإخلاص معجزة تعدل آلاف المعجزات، وهي أنها على قصرها وصفت الله وصفا لا تنتهي عجائبه، حتى إن كل ضلال وقعت فيه البشرية في موضوع معرفة الذات الإلهية فإن سورة الإخلاص قد أحاطت به، ونفته وخلصت الإنسان منه، ثم إن العقل البشري قد يصل إلى ما ذكرته هذه السورة في التعرف على الله ، ولكن بعد آماد وآماد، وإن أقصى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري في موضوع تنزيه الذات الإلهية هو ما ورد في هذه السورة، وسيتضح معنا هذا شيئا فشيئا كلما سرنا في دراسة السورة، فلنر السورة.
سورة الإخلاص
وهي أربع آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
стр. 6415
التفسير:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قال ابن كثير: يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عزّ
وجل، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. أقول: فالله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، والأحدية هي التعبير الأعلى للواحدية في هذه المعاني كلها
اللَّهُ الصَّمَدُ قال ابن كثير: قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. أقول: أي هو الذي يفتقر إليه خلقه، وهو لا يفتقر إلى خلقه، ومن ثم فالصمدية تفيد القيومية كما سنرى، ويدخل في ذلك معان كثيرة أخرى سنراها. قال النسفي: أي وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه وهو الغني عنهم
لَمْ يَلِدْ قال النسفي: (لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا) أقول: التوالد أمارة الفناء، فالتوالد يكون من أجل بقاء الجنس، وذلك علامة فناء المتوالدين، والله باق فلا ولد له ﷻ وَلَمْ يُولَدْ أي: ليس له والد لأن الوالدية علامة الحدوث، والله أزلي قديم لا بداية لوجوده ﷻ . وقد جعلنا أول ظاهرة تدل على الله بشكل قطعي في كتابنا (لله ﷻ هي ظاهرة حدوث الكون الذي دلت عليها قوانين كثيرة عقلية وعلمية، وهي تدل بشكل قطعي على قدم الله كما برهنا على ذلك هناك وفصلناه
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ قال النسفي: أي ولم يكافئه أحد، أي لم يماثله. أقول: ففي الآية نفي المماثلة عنه. قال النسفي في السورة: (فقوله:
هُوَ اللَّهُ إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي، لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد وأن يكون حيا، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفا بها لكان موصوفا بأضدادها وهي نقائص، وذا من أمارات الحدوث، فيستحيل اتصاف القديم بها، وقوله أَحَدٌ وصف بالوحدانية ونفي الشريك،
стр. 6416
وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات، وقوله الصَّمَدُ وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إليه كل أحد، وقوله لَمْ يَلِدْ نفي للشبه والمجانسة، وقوله وَلَمْ يُولَدْ نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية، وقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نفي أن يماثله شئ، ومن زعم أن نفي الكفء- وهو المثل في الماضي- لا يدل على نفيه للحال، والكفار يدعونه في الحال- فقد تاه في غيه؛ لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة؛ إذ الحادث لا يكون كفؤا للقديم، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا).
كلمة في السياق:
١ - ما ضلت البشرية في موضوع معرفة الذات الإلهية إلا لجهلها بما لا يليق بالذات الإلهية، فأشركوا ونسبوا إلى الله الافتقار والاحتياج، ونسبوا له الولد والزوجة، وجعلوه مماثلا لخلقه، وسورة الإخلاص تطهر الضمير البشري والعقل البشري من أي غلط في باب معرفة الذات الإلهية.
٢ - عند ما يتحدث علماء التوحيد عن الذات الإلهية وأسمائها وصفائها يتحدثون عن الصفات السلبية للذات الإلهية، أي الصفات التي تسلب عن الله ما لا يليق به، ويذكرون أن أمهاتها خمس: الوحدانية، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس. ويقيمون الأدلة الطويلة التي تستغرق الصفحات على كل صفة من هذه الصفات، والملاحظ أن الصفات الخمس هذه مرجعها إلى سورة الإخلاص.
فالوحدانية قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقيامه بنفسه اللَّهُ الصَّمَدُ، وقدمه لَمْ يَلِدْ، وبقاؤه وَلَمْ يُولَدْ، ومخالفته للحوادث وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
ومتى عرف الإنسان الله بهذه الصفات فقد عرف الله حق المعرفة. أما صفات الله الوجودية وأسماؤه الحسنى، فتلك لا يختلف عليها الخلق؛ لأن أدنى تفكير يوصل إليها، من علم، وإرادة، وقدرة، وحياة. والملاحظ أن النسفي قد جعل هذه الصفات داخلة فيما ذكر في السورة- كما رأينا- آخذا ذلك من قوله تعالى هُوَ اللَّهُ فإذا لم يكن هذا إعجازا فما هو الإعجاز؟.
стр. 6417
وأما صلة السورة بمحورها فهو كالتالي: محور السورة من سورة البقرة يقول كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وسورة الإخلاص تأمر رسول الله ﷺ أن يعلن أمام كفر الكافرين بالله عن صفات الله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
الفوائد:
١ - قال النسفي: وكان أبو عمرو يستحب الوقف على (أحد) ولا يستحب الوصل، قال عبد الوارث: على هذا أدركنا القراء، وإذا وصل نون وكسر أو حذف التنوين.
٢ - بمناسبة قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قال النسفي: (والدليل على أنه واحد من جهة العقل: أن الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافيا أو لا فإن كان كافيا كان الآخر ضائعا غير محتاج إليه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلها، وإن لم يكن كافيا فهو ناقص، ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل، والفاعل الواحد كاف، وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد، فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها، وذا محال، فالقول بوجود إلهين محال، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلا، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزا، ولأنا لو فرضنا معدوما ممكن الوجود فإن لم يقدر
واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزا، والعاجز لا يكون إلها، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلها، وإن قدرا جميعا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا إلى إعانة الآخر، فيكون كل واحد منهما عاجزا، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرا عليه، وهو محال لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلا قدرة الثاني، فيكون عاجزا ومقهورا تحت تصرفه، فلا يكون إلها، فإن قلت: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد
стр. 6418
زالت قدرته، فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزا. قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزا، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزا).
٣ - في تفسير (الصمد) أقوال كثيرة نذكرها لاحتياج السالك إلى الله لمعرفتها. قال ابن كثير: (وقوله ﵎: اللَّهُ الصَّمَدُ قال عكرمة عن ابن عباس يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شئ سبحان الله الواحد القهار، وقال الأعمش عن سفيان عن أبي وائل:
الصَّمَدُ السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود وقال مالك عن زيد بن أسلم: (الصمد) السيد، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن أيضا: (الصمد) الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال عكرمة:
(الصمد) الذي لم يخرج منه شئ ولا يطعم، وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرا له وهو قوله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وهو تفسير جيد وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير عن أبي بن كعب في ذلك وهو صريح فيه، وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله ابن بريدة وعكرمة أيضا وسعيد ابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي: (الصمد) الذي لا جوف له. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: (الصمد) المصمت الذي لا جوف له، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، وقال عبد الله بن بريدة أيضا: (الصمد) نور يتلألأ، روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وروى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلم إلا قد رفعه قال: «الصمد الذي لا جوف له» وهذا غريب جدا والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب (السنة) له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة وهي صفات ربنا ، هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له،
стр. 6419
ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك).
٤ - بمناسبة قوله تعالى وَلَمْ يُولَدْ قال النسفي:
(لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده؛ إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا لعدم الواسطة بينهما، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث، فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل، وليس بجسم لأنه اسم للمتركب، ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال، فيكون كل جزء إلها فيفسد القول به كما فسد بإلهين، أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال).
٥ - في كتابنا (الله ﷻ تدليل طويل على الصفات المذكورة في هذه السورة للذات الإلهية، فليراجع وليعلم أن هذه السورة تغني عن كل كتاب أرضي لمن عرفها وأيقن بها.
٦ - بمناسبة هذه السورة، ذكر ابن كثير الحديث التالي، قال:
وفي صحيح البخاري «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم» وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» ورواه أيضا عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعا بمثله تفرد بهما من هذين الوجهين).
٧ - في سبب نزول هذه السورة قال ابن كثير:
روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكذا رواه الترمذي وابن جرير، زاد ابن جرير والترمذي قال:
(الصمد) الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شئ يولد إلا سيموت، وليس شئ يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شئ. ورواه ابن أبي حاتم بسنده.
وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عزير ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن
стр. 6420
نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله).
٨ - ذكر ابن كثير تسعة أحاديث تفيد أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن نكتفي منها بذكر الحديث الأول:
روى البخاري عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له- وكأن الرجل يتقالها- فقال النبي ﷺ :
«والذى نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن»).
أقول: قال النسفي في تعليل كون سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن:
(لأن القرآن يشتمل على توحيد الله، وذكر صفاته، وعلى الأوامر والنواهي، وعلى القصص والمواعظ، وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات، فقد تضمنت ثلث القرآن، وفيه دليل شرف علم التوحيد، وكيف لا يكون كذلك والعلم يشرف بشرف المعلوم، ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك، العاملين لك، الراجين لثوابك، الخائفين من عقابك، المكرمين بلقائك).
٩ - وذكر ابن كثير بابا آخر غير الباب المذكور آنفا يدل على فضل سورة الإخلاص.
(حديث آخر في فضلها) روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* ... فلما رجعوا ذكروا ذلك النبي ﷺ فقال: «سلوه لأي شئ يصنع ذلك» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ :
«أخبروه أن الله تعالى يحبه» هكذا رواه في كتاب التوحيد، وقد رواه مسلم والنسائي أيضا من حديث عبد الله بن وهب)
١٠ - وذكر ابن كثير بابا آخر عن سورة الإخلاص تحت عنوان: (حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة) قال:
(روى الإمام مالك بن أنس عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبد بن حسين قال:
سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي ﷺ فسمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
стр. 6421
فقال رسول الله ﷺ : «وجبت- قلت: وما وجبت؟ قال: الجنة» ورواه الترمذي والنسائي من حديث مالك وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك وتقدم حديث «حبك إياها أدخلك الجنة).
وقال ابن كثير: (روى الإمام أحمد أيضا عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكثر وأطيب» تفرد به أحمد ورواه أبو أحمد الدارمي في مسنده فقد روى عن سعيد بن المسيب يقول إنه قال: إن نبي الله ﷺ قال: «من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب: إذا نكثر قصورنا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أوسع من ذلك» وهذا مرسل جيد).
١١ - وعقد ابن كثير بابا تحت عنوان: (حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء):
(روى النسائي عند تفسيرها عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، قال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق عن مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن غريب).
١٢ - وعقد ابن كثير بابا في فضل سورة الإخلاص مع المعوذتين نقتطف منه بعض رواياته ختاما لهذه الفوائد لتكون هذه الفائدة مقدمة للكلام عن سورتي الفلق والناس.
قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد ... عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله بم نجاة المؤمن؟. قال: يا عقبة أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ فابتدأني فأخذ بيدي فقال: يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم. قال قلت: بلى جعلني الله فداك. قال: فأقرأني (قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس) ثم قال: يا عقبة
стр. 6422
لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن. قال: فما نسيتهن منذ قال لا تنسهن، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: يا عقبة صل من قطعك، واعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» روى الترمذي بعضه في الزهد عن علي بن يزيد
فقال: هذا حديث حسن، وقد رواه أحمد من طريق عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ فذكر مثله سواء تفرد به أحمد (حديث آخر) في الاستشفاء بهن روى البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات» وهكذا رواه أهل السنن من حديث عقيل به.
(حديث آخر) روى عبد الله بن الإمام أحمد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي فقال: «قل»، فسكت. قال: «قل»، قلت: ما أقول؟ قال «قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا تكفيك، كل يوم مرتين» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه عن عقبة بن عامر فذكره ولفظه «تكفك كل شئ»).
стр. 6423
سورة الفلق
وهي السورة الثالثة عشرة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الحادية عشرة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي خمس آيات (وهي مدنية على رأي ابن كثير)
стр. 6424
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6425
بين يدي سورة الفلق:
قال صاحب الظلال في سورتي الفلق والناس:
(هذه السورة والتي بعدها توجيه من الله- لنبيه ﷺ ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعا، للعياذ بكنفه، واللياذ بحماه، من كل مخوف، خاف وظاهر، مجهول ومعلوم، على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل .. وكأنما يفتح الله سبحانه لهم حماه، ويبسط لهم كنفه، ويقول لهم، في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا، تعالوا إلى الحمى. تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه، تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاف، وأن لكم أعداء، وأن حولكم مخاوف، وهنا .. هنا الأمن والطمأنينة والسلام .. ).
وقال الألوسي في تقديمه لسورة الفلق (ولما شرح أمر الإلهية في السورة قبلها جئ بها بعدها شرحا لما يستعاذ منه بالله تعالى من الشر الذي في مراتب العالم ومراتب مخلوقاته.
وهي والسورة التي بعدها نزلتا معا كما في الدلائل للبيهقي فلذلك قرنتا مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين ومن الافتتاح بقل أعوذ).
كلمة في سورتي الفلق والناس ومحوريهما:
بعد الآيتين اللتين ذكرنا أنهما محور سورة الإخلاص من سورة البقرة تأتي قصة آدم ﵇ وهذه هي:
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ* وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها
стр. 6426
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ* فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.
من الملاحظ في هذه القصة أن الذي حمل إبليس على ما فعله حسده لآدم ﵇. وسورة الفلق تختم بقوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ فهي تأمر بالاستعاذة من أشياء آخرها الاستعاذة من شر الحاسدين إذا حسدوا، وصلة ذلك بقصة آدم ﵇ واضحة، ومن الملاحظ في قصة آدم أن الله حذرنا من إبليس عليه اللعنة، وأرانا الآثار الفظيعة التي ترتبت على وسوسته لأبينا آدم ﵇، وتأتي سورة الناس لتأمرنا بالاستعاذة من الوسواس الخناس، سواء كان شيطانا إنسيا أو جنيا، من هذه الملاحظات السريعة نرى صلة المعوذتين بمحورهما من سورة البقرة كما تعرف هذا المحور أصلا.
فلنر صلة المعوذتين بما قبلهما:
لقد عرفتنا سورة الإخلاص على الله وكماله وصفاته، وتأتي المعوذتان لتأمراننا بالاستعاذة بالله من كل ما ينبغي أن يحذر منه في أمر دنيا ودين، فالصلة واضحة بين المعوذتين وبين ما قبلهما من سورة الإخلاص.
وقبل أن نبدأ عرض السورتين فلنذكر بعض ما قدم ابن كثير للسورتين قال: (وقد روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ورواه أحمد ومسلم أيضا والترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح (طريق أخرى) روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: «يا عقبة ألا تركب» قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنية ثم ركب ثم قال: «عقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس» قلت: بلى يا رسول الله فأقرأني قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 6427
فقرأ بهما ثم مر بي فقال: «كيف رأيت يا عقب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت).
(عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح).
(روى النسائي عن عبد الله الأسلمي هو ابن أنيس أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: «قل» فلم أدر ما أقول، ثم قال لي: «قل» قلت هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم قال لي: قل، قلت: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ حتى فرغت منها ثم قال لي: «قل»، قلت: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ حتى فرغت منها فقال رسول الله ﷺ : «هكذا فتعوذ وما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط»: (حديث آخر) روى النسائي عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ يا جابر» قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: «اقرأ قل أعوذ برب الفلق- و- قل أعوذ برب الناس» فقرأتهما فقال: «اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما» وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن وينفث في كفيه ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، وروى الإمام مالك عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها ورواه البخاري).
سورة الفلق
وهي خمس آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)
стр. 6428
التفسير:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ أي برب الصبح، قال ابن كثير- بعد أن ذكر أكثر من قول في الآية-: قال ابن جرير: والصواب القول الأول أنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه الله تعالى
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ قال ابن كثير: أي من شر جميع المخلوقات
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ قال النسفي:
الغاسق الليل إذا اعتكر ظلامه، ووقوبه: دخول ظلامه في كل شئ
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ قال النسفي: النفاثات النساء أو النفوس أو الجماعات السواحر اللواتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ مع ريق. أقول: من كلام النسفي نفهم أن هناك اتجاها عند المفسرين في تفسير النفاثات بالنفوس، فهل يدخل في ذلك الاستعاذة من النفوس التي تنفث في عقد النفوس لتغذيها أو لتستغلها أو لتوجهها توجيها سيئا؟ لا أجزم بذلك ولكنني أحتمل أن يكون هذا داخلا في النص، فإن القرآن لكل العصور
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ قال النسفي: إذا أظهر حسده، وعمل بمقتضاه، لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره، وهو الآسف على الخير عند الغير، وقد ختم النسفي كلامه عن السورة بقوله:
(والاستعاذة من شر هذه الأشياء بعد الاستعاذة من شر ما خلق، إشعار بأن شر هؤلاء أشد، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها، وهو أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس، وفي الأرض من قابيل، وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه لأن كل نفاثة شريرة، فلذا عرفت النفاثات ونكر غاسق؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، وكذلك كل حاسد لا يضر، ورب حسد يكون محمودا كالحسد في الخيرات).
كلمة في السياق:
١ - تأتي قصة آدم ﵇ في سورة البقرة بعد قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بعد هذه الآية تأتي قصة آدم وفيها ذكر لتبشير الله الملائكة بخلافة
стр. 6429
آدم، وفيها عرض ماهيات الأشياء، وعلى الملائكة وسؤالهم عن أسمائها، وفيها حسد إبليس لآدم ورفضه السجود له، وسورة الفلق تبين أن للمخلوقات شرا، ولليل شرا، وللنفاثات ضررا، وللحاسد ضررا، وأمرت رسول الله ﷺ وهو أمر لكل مسلم- أن يستعيذ برب الصبح الذي يجلو به الصباح من شر هؤلاء جميعا، فإنه وحده الذي يخلص من شرها، لأنه خالقها، وهو الأعلم بحدود الخير والشر، وهو القادر على الإنجاء منها، فالصلة قائمة بين المعاني التي أمرت السورة بالاستعاذة منها، وبين المعاني المذكورة في محور سورتي الفلق والناس من سورة البقرة.
٢ - إن سورة الفلق فصلت في جوانب ذكرتها قصة آدم ﵇، فإن يعرف أن فيما خلقه الله شرا، وأن تعرف بعض مظاهر هذا الشر، وأن يدل على طريق الخلاص منها، كل ذلك ترتبط به سورة الفلق بمحورها من سورة البقرة، وكما أن سورة الفلق فصلت في محورها فإن ما ذكر في محورها كان أساسا بنت عليه، فرؤية شر الحاسد إبليس، من خلال قصة آدم عرفتنا أن الاستعاذة بالله منه ضرورية.
٣ - وهناك علاقة بين السحر والجن قال تعالى في سورة البقرة:
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ من هذه الآية نرى أن للسحر علاقة بعالم الشياطين، ومن ثم ندرك صلة أخرى ما بين سورة الفلق وقصة آدم، وما ورد فيها من وسوسة إبليس عليه اللعنة، وبهذا نكون قد أوضحنا بما فيه الكفاية الصلة بين سورة الفلق ومحورها.
الفوائد:
١ - هناك اتجاه عند المفسرين يفسر الغاسق إذا وقب بالقمر، وقد نقل هذا القول ابن كثير ونقل جواب الآخرين عليه قال:
(وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن الحارث بن أبي سلمة قال:
قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع وقال:
«تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب» ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير
стр. 6430
من سننيهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ولفظه «تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» ولفظ النسائي «تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب» قال أصحاب القول الأول: وهو آية الليل إذا دلج، هذا لا ينافي قولنا لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضئ إلا بالليل، فهو يرجع إلى ما قلناه والله أعلم).
٢ - بمناسبة قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ قال ابن كثير: (قال مجاهد وعكرمة والحسن عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما من شئ أقرب إلى الشرك من رقية الحية والمجانين. وفي الحديث الآخر أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ فقال: «نعم» فقال: بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين الله يشفيك» ولعل هذا كان من شكواه ﷺ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، ورد كيد السحرة والحساد من اليهود في رءوسهم وجعل تدميرهم في تدبيرهم وفضحهم.
وروى البخاري في كتاب الطب من صحيحه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا- فقال: «يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟
أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للآخر:
ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه، قال: لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وأين؟
قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان» قالت: فأتي البئر حتى استخرجه فقال: «هذه بئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكان نخلها رءوس الشياطين» قال: فاستخرج فقلت: أفلا تنشرت؟ فقال: «أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا» وأسنده بسند آخر وفيه قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولم يفعله، وعنده فأمر بالبئر فدفنت، وذكر أنه رواه عن هشام أيضا ابن أبي الزناد والليث بن سعد، وقد رواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن هشام به ورواه الإمام أحمد أيضا عن عائشة قالت:
لبث النبي ﷺ ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب، قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم وذكر تمام الحديث).
стр. 6431
سورة الناس
وهي السورة الرابعة عشرة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية عشرة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ست آيات (وهي مدنية على رأي ابن كثير)
стр. 6432
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6433
ذكرنا من قبل محور سورة الناس وصلتها بهذا المحور وصلتها بما قبلها فلنبدأ عرضها.
سورة الناس
وهي ست آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
التفسير:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ قال النسفي: أي مربيهم ومصلحهم
مَلِكِ النَّاسِ أي: مالكهم ومدبر أمورهم
إِلهِ النَّاسِ أي: معبودهم
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ أي: الشيطان، قال النسفي: والوسوسة الصوت الخفي الْخَنَّاسِ قال النسفي: أي الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الله
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي: في قلوبهم الموجودة في صدورهم
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قال النسفي: بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان: جني وإنسي.
قال ابن كثير في السورة:
(هذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية، والملك، والإلهية، فهو رب كل شئ ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة له عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهدا في الخبال، والمعصوم من عصمه الله).
стр. 6434
كلمة في السياق:
١ - تنتهي قصة آدم- ﵇ في سورة البقرة بقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وفي قصة آدم في سورة البقرة رأينا خطر وسوسة الشيطان، وفي سورة الناس رأينا أن هناك شياطين الجن، وهناك شياطين الإنس وهم الكافرون المذكورون في آخر قصة آدم من سورة البقرة. وقد أمرنا الله بالاستعاذة به وهو الرب والملك والإله من شر هؤلاء وهؤلاء، فصلة السورة بمحورها من سورة البقرة واضحة.
٢ - في ذكر ربوبية الله ومالكيته وألوهيته للناس في السورة التي أمر الله بها أن يستعاذ به من شر الجنة والناس إشعار بأن من كان هذا شأنه هو وحده الذي يعيذ من شر الموسوسين.
الفوائد:
١ - بمناسبة ما مر معنا من قبل في موضوع استرقاء الرسول ﷺ بسورتي الفلق والناس، قال النسفي: (ولهذا جوزوا الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسوله ﵇، لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية فإنه لا يحل اعتقاده، ولا الاعتماد عليه).
٢ - بمناسبة الكلام عن وسوسة شياطين الجن والإنس ذكر ابن كثير أنه ما من إنسان إلا وله شيطانه الذي يوسوس له. قال ابن كثير في تأييد هذا القول: (وقد ثبت في الصحيح أنه «ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه» قالوا: وأنت يا رسول الله؟
قال: «نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير»، وثبت في الصحيحين عن أنس في قصة زيارة صفية للنبي ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلا ليردها إلى منزلها فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال: رسول الله «على رسلكما إنها صفية بنت حيي» فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا- أو قال شرا-».
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس» غريب. وروى الإمام أحمد عن أبي تميمة يحدث عن رديف
стр. 6435
رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حماره فقلت: تعس الشيطان فقال النبي ﷺ :
«لا تقل تعس الشيطان فإنك إذ قلت تعس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته، وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» تفرد به أحمد وإسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأبس به كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه أو ألجمه» قال أبو هريرة ﵁: وأنتم ترون
ذلك أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله . تفرد به أحمد).
٣ - بمناسبة قوله تعالى الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ قال ابن كثير: (وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس، وكذا قال مجاهد وقتادة وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله الْوَسْواسِ قال: هو الشيطان يأمر فإذا أطيع خنس).
٤ - بمناسبة قوله تعالى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قال ابن كثير: وقيل قوله مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن كما قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وكما روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: «يا أبا ذر هل صليت؟» قلت: لا، قال: «قم فصل» قال فقمت فصليت ثم جلست فقال: «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» قال: فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «نعم» قال: فقلت يا رسول الله الصلاة؟ قال: «خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر» قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: «فرض مجزئ وعند الله مزيد» قلت: يا رسول الله فالصدقة، قال:
«أضعاف مضاعفة» قلت: يا رسول الله أيها أفضل، قال «جهد من مقل أو سر إلى فقير» قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: «آدم»، قلت: يا رسول الله ونبيا كان؟ قال «نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا» وقال مرة «خمسة عشر» قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟
стр. 6436
قال: «آية الكرسي» اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. ورواه النسائي من حديث أبي عمر الدمشقي به وقد أخرج هذا الحديث مطولا جدا أبو حاتم بن حبان في صحيحه بطريق آخر ولفظ آخر مطول جدا فالله أعلم وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال:
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ إني لأحدث نفسي بالشئ لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به قال: فقال النبي ﷺ : «الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن ذر به).
كلمة أخيرة في المجموعة الخامسة عشرة:
رأينا أن المجموعة الخامسة عشرة فصلت تفصيلا شاملا، وغطت تغطية كاملة إلى نهاية قصة آدم من سورة البقرة، وهو الجزء الذي عرض المعاني الأساسية والرئيسية والطريق الإجمالي، ورأينا كيف أن المجموعة مترابطة مع بعضها، متكاملة فيما بينها، وكل ذلك رأيناه، فالحمد لله رب العالمين.
كلمة أخيرة في السياق القرآني العام:
رأينا أن سورة الفاتحة ذكرت كل المعاني القرآنية بإجمال، وجاءت سورة البقرة لتفصل في الطريقين: طريق المنعم عليهم، وطريق المغضوب عليهم والضالين، وجاءت الآيات التسعة والثلاثون من سورة البقرة للتحدث عن المعاني الرئيسية في الهدى والضلال.
ثم جاءت بقية السورة لتخدم معنى من المعاني الآتية في هذه التسعة والثلاثين آية، ثم جاءت بعد ذلك أربع وعشرون مجموعة قرآنية، كل مجموعة فصلت في معاني سورة البقرة على ترتيب ورود هذه المعاني في سورة البقرة بشكل رأينا حكمه وتفصيلاته فيما مر معنا، ورأينا أن في كل تفصيل جديدا، وفي كل سورة جديدا.
لقد رأينا ابتداء أن القرآن ينقسم إلى أربعة أقسام: قسم الطول، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل، ورأينا أن كل قسم من هذه الأقسام يتكامل مع بعضه، وأن هذه الأقسام كلها تتكامل مع بعضها، وقد رأينا أن القسم الأول يتألف من سورة البقرة ومجموعة واحدة تفصل في سورة البقرة من أولها إلى آخرها، ثم رأينا أن قسم
стр. 6437
المئين يتألف من ثلاث مجموعات، كل مجموعة تفصل في سورة البقرة من ابتدائها إلى مكان فيها، ثم جاء قسم المثاني وفيه خمس مجموعات، كل مجموعة تفصل في سورة البقرة من ابتدائها حتى آية منها على اختلاف في المدى الذي يبلغه التفصيل، ثم جاء قسم المفصل وفيه خمس عشرة مجموعة، كل مجموعة تفصل في سورة البقرة من ابتدائها إلى مكان ما فيها، وهكذا نجد أن سورة البقرة قد فصلت أربعة وعشرين مرة تفصيلا بعد تفصيل، وقد أصاب الآيات الأول منها خاصة من التفصيل على عدد المجموعات.
وقد رأينا أن بعض المجموعات استغرق حوالي ثمانية أجزاء، بينما نجد المجموعة التي لا تتجاوز صفحة واحدة مع أن كل مجموعة فصلت في المعاني الرئيسية لسورة البقرة، والحكمة في ذلك- والله أعلم- أن ينال كل إنسان حظه من الذكر حفظا وتلاوة وتذكرا بما يسع حاله، وبحيث يأخذ نصيبه من تذكر المعاني الرئيسية على قدر ما يسعف وقته وفراغه واستعداده وذاكرته، مع ملاحظة أن القرآن بمجموعه لا بد من تلاوته وتدبره لمن أراد أن يعرف حقائق الأشياء على ما هي عليه وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.
خاتمة التفسير
هذا التفسير جزء من سلسلة الأساس في المنهج التي تتألف من القسم الأول:
الأساس في التفسير، والقسم الثاني. الأساس في السنة وفقهها، والقسم الثالث:
الأساس في فهم النصوص. وللاختصار فقد أخرت الحديث عن كثير من الأمور، أو أخرت التفصيل فيها؛ لأنه لا بد أن ترد في قسم السنة. على أنني حاولت أن أذكر الشئ إذا جاءت مناسبة بما يسد احتياجات الدارس العادي للكتاب والسنة. وعذري في تأخير كثير من الأمور إلى القسم الثاني هو حرصي على إبراز النقاط التي استهدفتها
في هذا التفسير وهي:
١ - إبراز الوحدة القرآنية الجامعة، وإبراز الوحدة في السورة الواحدة من خلال نظرية تطرح لأول مرة تبين القاعدة الجامعة في شأن ترتيب سور القرآن.
٢ - إبراز الإعجاز والمعجزة في القرآن حيث جاءت مناسبة ذلك. فالإعجاز هو القاسم المشترك في القرآن كله، ومع هذا الإعجاز فإن في القرآن معجزات كثيرة.
стр. 6438
زائدة على أصل الإعجاز، ولقد حاولت أن أبرز هذا وهذا، وكل ذلك ليزداد إيمان المؤمن، فكثيرا ما يحدث أن القارئ للتفاسير يضيع بين النكتة البلاغية والإعراب والأقوال الكثيرة والأقوال الضعيفة بحيث لا يستشعر نمو الإيمان مع الدراسة، وقد تسبب بعض الروايات الفاسدة وساوس عند بعض ضعفاء اليقين، أو غير الراسخين في العلم، وقد حاولت في هذا التفسير أن ينصب الكلام على ما هو تفسير مجرد على الطريقة الأولى التي كان يقدم فيها التفسير لطالبه في الجيل الأول، ومن أراد ما سوى ذلك، فالمراجع أمامه كثيرة، إن الإنسان عند ما يقرأ بعض التفاسير يشعر أحيانا بتشتت يبعده عن لب ما أراده من قراءة التفسير. وبالتالي فإنه لا يستغرق الاستغراق التام وهو يقرأ، وقد جاء هذا التفسير ملاحظا ذلك.
٣ - لقد كان لكل عصر معطياته التي تفتح آفاق أهله على معان من كتاب الله تحقيقا لقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ولعصرنا معطياته الجديدة، ولقد حاولت أن أستفيد من ذلك ما استطعت بما لا يخرج نصا عن معناه أو مضمونه الذي تقدمه ألفاظه، فلا تكلف ولا تعسف.
٤ - حاولت- ما استطعت- أن أعرض القرآن عرضا قريبا يستطيع من خلاله المثقف العادي أن يفهمه، هذا مع محاولة اقتناص ما تيسر لي من فوائد مبثوثة تخدم الفهم لكتاب الله.
٥ - حاولت- إلى حد كبير- أن أقدم مفهوم أئمة الاجتهاد للكثير من آيات الأحكام، ولكن باختصار وبدون تدليل ومناقشة، لأن محل ذلك في القسم الثاني من هذه السلسلة في كتاب الأساس في السنة وفقهها.
٦ - إبراز الكثير من الأسس التي عليها تبنى الأمة المسلمة، أو تقوم عليها حياتها العملية، أو ينبثق عنها العمل الإسلامي المعاصر، على أنه في القسم الثاني من السلسلة يأتي كلام كثير حول هذه الشئون.
ولعل القارئ لحظ أننا ابتعدنا عن الحشو وعن كل ما لا يهم القارئ غير المختص. كما لحظ أننا حاولنا إبراز خصائص القرآن، وأعطينا موضوع التربية حقه على قدر استطاعتنا، وحاولنا أن نضع كثيرا من الأمور ضمن إطارها العام، وكثيرا من الجزئيات ضمن إطارها الكلي.
стр. 6439
إن استهداف هذه الأشياء حال بيننا وبين التوسع في كثير من الأمور، وصرفنا عن أمور كثيرة. وليكن ذلك بمثابة اعتذار لمن لم ير في هذا الكتاب ما تخيله أو تصوره مما كان ينبغي أن يكون فيه، وحسبنا أن يكون قارئ هذا التفسير قد خرج بانطباع جديد، وفهم جديد ليكون ذلك نقطة انطلاق نحو جهاد متواصل، من أجل أن يكون هذا القرآن مهيمنا على الأرض كلها، وليكون ذلك نقطة انطلاق لسير منضبط وصحيح إلى الله، ولقد حاولت- ما استطعت- أن أجنب هذا التفسير أي فهم خاطئ أو منحرف أو متكلف لكتاب الله وإذا فاتني شئ فإني أستغفر الله.
وقد ألزمت نفسي في آيات الصفات أن أبقى ضمن الحدود التي ذكرها ابن كثير؛ لإيماني بأن هذا الموضوع لا يستطيع أحد أن يعرف أبعاد ما يقال فيه إلا إذا كان من الراسخين في العلم، فالكلام بتوسع فيه في مثل هذا التفسير قد يساء فهمه عند أنواع من القراء فاقتصرت فيه على ما قاله ابن كثير، وكلامه يسع الجميع ويكفي الجميع.
ومن خلال استقرائي لأصناف كثير من الراغبين في دراسة القرآن وجدت أن هناك ناسا تهمهم الفائدة الشاردة، والنكتة اللطيفة، وآخرون تهمهم دقائق السياق، والربط بين الآيات والسور، وآخرون لا يهمهم إلا أن يعرفوا المعنى الحرفي ضمن أدنى حد ممكن، ولذلك فصلت الكلام بين المعنى الحرفي والسياق والفوائد فالراغب في الجميع لم يفته شئ، والراغب في شئ بعينه يجده منفصلا عن غيره.
وقد اعتمدت أربعة تفاسير كأساس: تفسير ابن كثير، وتفسير النسفي، وتفسير الألوسي، وتفسير الظلال، واعتقدت أن فوائد هذه التفاسير هي أقصى ما يحتاجه القارئ العادي، فابن كثير يفسر القرآن بالقرآن وبالمأثور في الغالب، والنسفي يعطي للمعنى الحرفي أهمية، وقد كاد هذان التفسيران أن يستوعبا فوائد التفاسير التي سبقتهما، وتفسير الألوسي وسيد قطب تفسيران متأخران، الأول منها استوعب التفسير التقليدي، والثاني منها فسر القرآن بلغة العصر، وقد رأيت أنه باعتمادي هذه التفاسير الأربعة أكون قد استوعبت- إلى حد ما- الفائدة من كتب التفاسير على مر العصور.
стр. 6440
وكما قلت من قبل فإني لم أذكر إلا ما له صلة مباشرة بالتفسير، اعتمادا مني على أن أي شئ آخر يريده طالب المعرفة عن القرآن يستطيع أن يجده في المكتبة القرآنية، فليس من كتاب في هذا العالم قد خدم كما خدم هذا القرآن، حتى إنه ليكاد يكون من المستحيل أن تحصى كتب المكتبة القرآنية، فما من شئ له صلة بالقرآن إلا وتجد فيه عشرات الكتب: في إعرابه وبلاغته وأحكامه وتفسير آياته وإعجازه وأسباب نزوله والناسخ والمنسوخ فيه إلى غير ذلك، لذلك فقد انصب همي أن أقدم للقارئ ما له صلة مباشرة بفهم القرآن وتفهيمه.
ولو لم أرد ذلك اختيارا لاضطررت إليه اضطرارا لأنني لو أردت غير ذلك لتوسع التفسير سعة لا يعود معها ذا نفع إلا لأفراد من الناس.
فإلى القسم الثاني من سلسة الأساس في المنهج ولله الحمد والمنة.