Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
فعلها بالكلية كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية كما قال مسروق وأبو الضحى، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك له قسطه من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها .. ).
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ فهم فضلا عن سهوهم عنها مراءون فيما يصلونه منها قال النسفي:
(والمراءاة مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار الفرائض، فمن حقها الإعلان بها)
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال ابن كثير: (أي لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى). أقول: وقد أحسن ابن كثير فيما قاله، فالماعون في الأصل هو ما يتعاوره الناس من قدر وفأس وقلم وأمثال ذلك، فإن كان مانعا لهذا مع أنه سيعود له فمنعه لغيره أولى وأولى. لقد فسر بعضهم الماعون بالزكاة وهو معنى بعيد، إلا أنه داخل بالأولى في الآية فهؤلاء منعوا إعارة الماعون، وتلك زكاته فمنعهم لبقية أنواع الزكاة الأولى، فإذا اتضح هذا، فلنر ما قاله النسفي في الآيات الثلاث: (يعنى بهذا المنافقين لا يصلونها سرا لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية رياء، وقيل فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة، وهم غافلون عن صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم، ولا تأدية للفرض، فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة).
كلمة في السياق .
١ - من سياق السورة عرفنا أن التكذيب بالدين ينبثق عنه سلوك من مواصفاته دفع اليتيم دفعا شديدا، وعدم الحض على طعام المسكين، وينبثق عنه سلوك عند المنافق من مظاهره أن يسهو عن صلاته، وإذا صلاها فإنه يكون مرائيا فيها، ومن مظاهره أن يمنع أصحابه الماعون، فالمنافقون كما وصفهم الله في سورة أخرى وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ.
٢ - في مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، ووصف
стр. 6372
المنافقين بأنهم يدعون الإيمان ولا يؤمنون، وفي هذه السورة وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم يكذبون بالدين، وفي مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بالإنفاق، وفي هذه السورة وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم لا ينفقون ولا يحضون على الإنفاق، بل يؤذون اليتيم، ويمنعون الماعون، وفي مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بإقام الصلاة، وفي هذه السورة وصف الله المنافقين بأنهم ساهون عن صلاتهم وإذا صلوا فهم مراءون، من هذا نعلم أن سورة الماعون أتمت بيان الصورة العامة للمتقين والكافرين والمنافقين التي رسمتها مقدمة سورة البقرة، وأعطتنا تفصيلا أوسع لقضية النفاق، فارتباطها بمحورها واضح، ومعانيها تتكامل مع معاني مجموعتها، فسورة العصر ركزت على خصائص المتقين، وسورة الهمزة، والفيل، وقريش لها صلة بالكلام عن الكافرين، وسورة الماعون لها صلة بالكلام عن المنافقين، ولذلك كله صلاته بمقدمة سورة البقرة التي تحدثت عن المتقين والكافرين والمنافقين.
الفوائد:
١ - رأينا أن ابن كثير ذكر كل ما يمكن أن يدخل في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ونضيف هنا أنه بعد أن ذكر ذلك قال: (ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي، كما ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» فهذا أخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص، إلى آخر وقتها وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا، ولهذا «لا يذكر الله بها إلا قليلا» ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يصل بالكلية. قال الله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
وقال تعالى هاهنا الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ).
وقال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» (قلت) وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد وقتها،
стр. 6373
وتأخيرها عن أول الوقت وكذا رواه الحافظ أبو يعلى بسنده. ثم رواه عن أبي الربيع عن عاصم عن مصعب عن أبيه موقوفا «لهوا عنها حتى ضاع الوقت» وهذا أصح إسنادا وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم).
وقال ابن كثير: (قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم ساهون). قال النسفي: تعليقا على ذلك: لأن معنى (عن) أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، ومعنى (في) أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم، وكان رسول الله ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره. أقول: ومن مثل هذه الدقة في التعبير القرآني نرى مظهرا من مظاهر الإعجاز في القرآن.
٢ - بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ قال النسفي: (ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار الفرائض فمن حقها الإعلان بها لقوله ﷺ : «لا غمة في فرائض الله» أي لا تخفي ولا تستر، والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا). وقال ابن كثير بمناسبة الآية: (وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال «إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد، لحامل كتاب الله، وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله» (أي: إذا كانوا مراءين) وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﵌: «من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره»).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال ابن كثير: «وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله قال: الماعون العواري: القدر والميزان والدلو، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وأبو مالك وغير واحد أنها العارية للأمتعة، وقال ابن أبي سليم ومجاهد عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: لم يجئ أهلها بعد، وقال العوفي عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: اختلف الناس في ذلك فمنهم من قال يمنعون الزكاة، ومنهم من قال يمنعون الطاعة، ومنهم من قال يمنعون العارية، رواه ابن
стр. 6374
جرير. ثم روي عن الحارث عن علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة. رواه ابن أبي حاتم.
وهذا الذي قاله عكرمة حسن فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شئ واحد وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال المعروف، ولهذا جاء في الحديث «كل معروف صدقة». وروى ابن أبي حاتم عن الزهري وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: بلسان قريش المال).
стр. 6375
سورة الكوثر
وهي السورة الثامنة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاث آيات (قال النسفي: مكية، وقال ابن كثير: مدنية، وقيل مكية)
стр. 6376
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6377
بين يدي سورة الكوثر:
قال الألوسي في سورة الكوثر: (وآيها ثلاث بلا خلاف وليس في القرآن- كما أخرج البيهقي عن ابن شبرمة- سورة آيها أقل من ذلك، بل قد صرحوا بأنها أقصر سورة في القرآن، وقال الإمام هي كالمقابلة للتي قبلها، لأن السابقة وصف الله تعالى فيها المنافق بأربعة أمور: البخل، وترك الصلاة، والرياء، ومنع الزكاة، فذكر في هذه السورة في مقابلة البخل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي: الخير الكثير. وفي مقابلة ترك الصلاة فَصَلِّ أي دم على الصلاة. وفي مقابلة الرياء لِرَبِّكَ أي لرضاه لا للناس. وفي مقابلة منع الماعون وَانْحَرْ وأراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي ثم قال: فاعتبر هذه المناسبة العجيبة انتهى فلا تغفل).
وقال صاحب الظلال: (هذه السورة خالصة لرسول الله ﷺ كسورة الضحى، وسورة الشرح يسري عنه ربه فيها، ويعده بالخير، ويوعد أعداءه بالبتر، ويوجهه إلى طريق الشكر).
كلمة في سورة الكوثر ومحورها:
بعد مقدمة سورة البقرة دعا الله الناس جميعا لعبادته، وعلل للأمر بإنعامه، وهذه سورة الكوثر تخاطب رسول الله ﷺ مذكرة له بنعمتين: العطاء الكثير، وبتر المبغض، وتأمره فيما بين ذلك بالصلاة والنحر وهما عبادتان.
سورة الكوثر
وهي ثلاث آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
التفسير:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ الكوثر: هو المفرط الكثرة. قال النسفي: وعن ابن
стр. 6378
عباس ﵄: هو الخير الكثير. فقيل له: إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة. فقال له: هو من الخير الكثير. أقول: فالكوثر من أنهار الجنة ولكن كلمة الكوثر في الآية تعم ذلك وغيره من كل ما أعطيه رسول الله ﷺ . قال ابن كثير تعليقا على تفسير ابن عباس: (وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر)
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال ابن كثير أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة ومن ذلك النهر الذي تقدمت صفته، فأخلص لربك النافلة وصلاتك المكتوبة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له .... وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه. وقال النسفي في الآية: (أي فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك من فتن الخلق مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله) وَانْحَرْ لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفا لعبدة الأوثان في النحر لها. أقول: وحمل الآية بعضهم على جزئية مما يدخل فيها، فحمل الصلاة على أنها صلاة الأضحى، والنحر على أنه نحر الأضاحي بعد صلاة العيد، وهو مما يدخل ضمن عموم الآية، وليس وحده المراد. وتأمل النقل التالي عن ابن كثير. قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالا وصفها بأنها غريبة في تفسير النحر في الآية:
(والصحيح القول الأول أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يشتهى فيه اللحم قال: «شاتك شاة لحم» قال: فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك» قال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال إن معنى ذلك فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفاء له وخصك به، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي وعطاء).
ثم قال تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال ابن كثير: أي إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور البين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع، أقول: فصار معنى السورة: فصل لله وحده، وانحر لله وحده، شكرا له على ما أعطاك، ولا تبال الشانئين والمبغضين فإنهم المنقطعو الذكر والأثر،
стр. 6379
ولا تبال بما يقولونه فيك، فإنهم هم أهله ولست أهله. قال النسفي في الآية الأخيرة:
(أي من أبغضك من قومك بمخالفتك لهم هو الأبتر المنقطع).
كلمة في السياق:
١ - رأينا أثناء عرضنا للسورة صلة آيات السورة ببعضها، ورأينا في الكلمة التي قدمنا بها لسورة الكوثر بعض صلاتها بمحورها، ونتكلم عن هذه الصلات مرة ثانية:
دعا الله بعد مقدمة سورة البقرة الناس جميعا لعبادته، وقد بينت سورة الكوثر مظهرين من مظاهر العبادة، وهما: إخلاص الصلاة لله ، وإخلاص النحر لله ، وذلك من خلال توجيه الأمر لرسول الله ﷺ القدوة العليا للناس جميعا، فكأن السورة تقول: إذا لم يستجب الناس للأمر فاستجب أنت أيها الرسول، فقد أعطيناك الكثير، وجعلنا لك العاقبة، فإذا كفر الناس النعم العامة فاشكر أنت الله على النعم العامة والخاصة، بأنواع العبادة والإخلاص فيها.
٢ - في الآيتين الآتيتين بعد مقدمة سورة البقرة أمر ونهي. الأمر اعْبُدُوا والنهي فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقد رأينا كيف أن المفسرين فهموا من صيغة قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أن ذلك أمر بالصلاة والنحر، وأمر بالإخلاص فيهما لله ، إذ تقديم الجار والمجرور على الأمر بالنحر يفيد الاختصاص، وهو يفيد الإخلاص، ففي السورة تفصيل لقضايا عبادية توحيدية. اعبد الله بالصلاة والنحر، ولا تشرك بالله في صلاتك ونحرك، ولذلك صلته بمحور السورة.
٣ - يبقى أن تعرف ما الصلة بين سورة الكوثر وما قبلها؟ لقد أمرت سورة قريش قريشا بعبادة الله وجاءت سورة الماعون لتبين موقف الكافرين من الخير عامة.
وموقف المنافقين من الصلاة والخير، وتأتي سورة الكوثر لتفرد رسول الله ﷺ بالخطاب في الصلاة والنحر، مذكرة بنعم الله الخاصة عليه، وفي ذلك
تعليم وتبيان أنه إن أعرض خلق عن الخير وفعله، ورفضوا طاعة أوامر الله ، فإن هناك من يستجيب على الكمال لذلك، ومن أجل أمثال هؤلاء تنزل الشرائع مهما كان عدد المعرضين كثيرا، وبمناسبة هذه السورة نحب أن نسجل ملاحظة حول إعجاز القرآن.
стр. 6380
ملاحظة حول إعجاز القرآن
رأينا من قبل أن الله تحدى الناس جميعا أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، وقد عجز الناس قديما وحديثا عن ذلك، وسيعجزون أبدا، ولنتأمل هذه السورة سورة الكوثر التي هي أقصر سورة في كتاب الله . إنك عند ما تتأمل محلها مما قبلها ومما بعدها، وصلتها بالسياق القرآني العام القريب والبعيد، وانسجامها مع طريقة القرآن في عرض المعاني على تسلسل معين مما تحكمه محاور المجموعة من سورة البقرة، فإنك تجد عجبا، ثم إن السورة توجد فيها خصائص القرآن كله، فكلماتها أفصح الكلمات. حتى لو بحثت عن كلمة تحل محل كلمة من كلماتها، وتؤدي معناها وجمالها فإنك عاجز، ومعانيها هي الحق الذي لا ينقض فليس فيها شطحة خيال، وهي في الوقت نفسه مذكرة وواعظة، وهي مربية ومعلمة، ومشرعة ومبشرة، ومفصلة ومبينة، ومحكمة، وهي مع ذلك كله لا تتناقض مع بقية معاني القرآن، بل هي وإياه كلها تخرج من مشكاة واحدة وتصب في مصب واحد، ثم إن معانيها بقدر كلماتها، بل كلماتها وحدها هي التي تسع معانيها، فهل يستطيع أحد من البشر أن يأتي بسورة من مثل هذه السورة في مكانها وخصائصها؟!.
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت فقال رسول الله ﷺ : «إنه أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ حتى حتمها فقال: «هل تدرون ما الكوثر؟» قالوا الله ورسوله أعلم. قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول:
يا رب إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشخب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن آنيته عدد نجوم السماء وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي عن أنس، ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا في المسجد إذا أغفى
стр. 6381
إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا: ما أضحك يا رسول الله؟ قال: «لقد أنزلت علي آنفا سورة» فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ثم قال «أتدرون ما الكوثر؟» - قلنا: الله ورسوله أعلم. قال:
«فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك».
وروى البخاري عن أبي عبيدة عن عائشة ﵂، قال: سألتها- يعني أبا عبيدة- عن قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم. ورواه أحمد والنسائي.
وروى البخاري عن سعيد بن حبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر:
هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن حبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. ورواه أيضا من حديث هشيم عن أبي بشر وعطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر الخير الكثير، وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير، وهذا التفسير يعني النهر وغيره، لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة. وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل. وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك، وروى ابن جرير عن ابن عمر أنه قال:
الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وكذا رواه الترمذي عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا، وقد رواه الإمام أحمد- مرفوعا- عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل» وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعا وقال الترمذي حسن صحيح).
стр. 6382
٢ - بمناسبة قوله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قال ابن كثير: (أي إن مبغضك يا محمد ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: نزلت في العاص بن وائل، وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل الله هذه السورة، وقال شمر بن عطية: نزلت في
عقبة بن أبي معيط، وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، وجماعة من كفار قريش، وروى البزار عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، قال:
فنزلت إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ هكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح. وعن عطاء نزلت: في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين فقال: بتر محمد الليلة، فأنزل الله في ذلك إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.
وعن ابن عباس نزلت في أبي جهل، وعنه إِنَّ شانِئَكَ يعني عدوك وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم. وقال عكرمة: الْأَبْتَرُ الفرد، وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا بتر، فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا بتر محمد فأنزل الله إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره- فتوهموا- لجهلهم- أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد).
стр. 6383
سورة الكافرون
وهي السورة التاسعة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة السابعة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ست آيات وهي مكية
стр. 6384
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6385
بين يدي سورة الكافرون:
قال الألوسي عن هذه السورة: (وآياتها ست بلا خلاف، وفيها إعلان ما فهم مما قبلها في الأمر بإخلاص العبادة له ويكفي ذلك في المناسبة بينهما.
وجاء في حديث أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر مرفوعا وفي آخر أخرجه في الصغير عن سعد بن أبي وقاص كذلك، أنها تعدل ربع القرآن، ووجه ذلك الإمام بأن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات، والنهي عن المحرمات، وكل منهما إما أن يتعلق بالقلب، أو بالجوارح، فيكون أربعة أقسام، وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بالقلوب فتكون كربع القرآن، وتعقب بأن العبادة أعم من القلبية والقالبية والأمر والنهي المتعلقان بها لا يختصان بالمأمورات والمنهيات القلبية والقالبية، وأن مقاصد القرآن العظيم لا تنحصر في الأمر والنهي المذكورين بل هو مشتمل على مقاصد أخرى كأحوال المبدأ والمعاد، ومن هنا قيل لعل الأقرب أن يقال إن مقاصد القرآن التوحيد، والأحكام الشرعية، وأحوال المعاد، والتوحيد عبارة عن تخصيص الله تعالى بالعبادة، وهو الذي دعا إليه الأنبياء ﵈ أولا بالذات، والتخصيص إنما يحصل بنفي عبادة غيره تعالى، وعبادة الله ، إذ التخصيص له جزءان: النفي عن الغير، والإثبات للمخصص به، فصارت المقاصد بهذا الاعتبار أربعة وهذه السورة تشتمل على ترك عبادة غيره سبحانه والتبري منها فصارت بهذا الاعتبار ربع القرآن).
ومن كلام صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (لم يكن العرب يجحدون الله ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه. أحد، صمد. فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء، أو يرمزون بها إلى الملائكة ..
وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. وأن بينه- سبحانه- وبين الجنة نسبا، أو ينسون هذا الرمز ويعبدون هذه الآلهة، وفي هذه الحالة أو تلك كانوا يتخذونها لتقربهم من الله كما حكى عنهم القرآن الكريم في سورة الزمر قولهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ..
ولقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا يعترفون بخلق الله السموات والأرض، وتسخيره للشمس والقمر، وإنزاله الماء من السماء كالذي جاء في سورة العنكبوت: وَلَئِنْ
стр. 6386
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ..
وفي أيمانهم كانوا يقولون: والله، وتالله. وفي دعائهم كانوا يقولون: اللهم ..
الخ ..
وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وأنهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية، لأن اليهود كانوا يقولون: عزير ابن الله. والنصارى كانوا يقولون: عيسى ابن الله. بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من الله- بزعمهم- فكانوا يعدون أنفسهم أهدى؛ لأن نسبة الملائكة إلى الله ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى .. وكله شرك. وليس في الشرك خيار، ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقا!.
فلما جاءهم محمد ﷺ يقول: إن دينه هو دين إبراهيم- ﵇ قالوا:
نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول ﷺ خطة وسطا بينهم وبينه؛ وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط!
ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم بالله مع عبادة آلهة أخرى معه، لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين،
والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية!
ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة، بهذا الجزم، وبهذا التوكيد، وبهذا التكرار، لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة، وتفرق نهائيا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير).
وقدم ابن كثير للكلام عن سورة الكافرون بقوله: (هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم
стр. 6387
كفار قريش، وقيل إنهم من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية).
كلمة في سورة الكافرون ومحورها:
رأينا أن الآيتين الآتيتين بعد مقدمة سورة البقرة أمرتا بالعبادة لله، ونهتا عن الشرك.
وتأتي سورة الكافرون لتأمر رسول الله ﷺ أن يعلن أنه لا يعبد ما يعبده الكافرون، لا حالا ولا استقبالا. فإذا كانت آيتا سورة البقرة أمرتا الناس جميعا بالعبادة، ونهتا عن الشرك، فسورة الكافرون تبين أن الناس قسمان، قسم استجابوا لعبادة الله وحده، وقسم لم يستجيبوا، قسم أشركوا، وقسم وحدوا، وتأمر إمام العابدين وسيد الموحدين، وقدوة المسلمين، أن يعلن لهؤلاء الكافرين أنه لا يعبد ما يعبدون، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة سورة الكافرون بمحور السورة.
بعد الآيتين الآتيتين بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وسورة الكافرون تأمر عبد الله محمدا ﷺ الذي أنزل عليه القرآن أن يعلن براءته من عبادة الكافرين، وتميز دينه عن دينهم، ومفاصلته لهم في أمر العبادة والدين، وذلك مظهر آخر من مظاهر صلة سورة الكافرون بمحورها من سورة البقرة، وهي الآيات الخمس الواردة بعد مقدمة سورة البقرة.
وصلة سورة الكافرون بما قبلها واضحة، فقد عرفنا من سورة الكوثر أن هناك شانئين ومبغضين لرسول الله ﷺ وهم الكافرون، وتأتي سورة الكافرون لتأمر رسول الله ﷺ أن يعلن مفاصلته في عبادته ودينه للكافرين إعلاما أنه لا يبالي بهم، وتوضيحا لكونه على الحق، وفي سورة الكوثر أمر الله رسوله ﷺ بنوعين من العبادة يختلف فيهما المسلمون عن غيرهم من الناس، وتأتي سورة الكافرون لتأمر رسول الله ﷺ أن يعلن أن إلهه الذي يعبده هو الله وحده، وأنه لن يعبد- حالا أو استقبالا- آلهة الكافرين والمشركين، وأن دينه متميز عن كل دين، وصلة ذلك بسورة الكوثر لا تخفى، وهكذا رأينا صلة سورة الكافرون بما قبلها، وصلتها بمحورها، وسنرى صلتها بما بعدها. فلنر السورة.
стр. 6388
سورة الكافرون
وهي ست آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
التفسير:
قُلْ يا محمد يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ جميعا
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ يعني من الأصنام أو الأنداد والأوثان والشركاء مهما كانوا، بشرا أو حجرا أو شمسا أو قمرا
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي: ولا أنتم عابدون إلهي وهو الله رب العالمين، ومن هنا نفهم أن أي إنسان لا يدخل في هذا الدين فإنه لا يكون عابدا لله ، ولو ادعى ما ادعى، وعمل ما عمل
وَلا أَنا عابِدٌ أي: فيما يأتي من الزمان ما عَبَدْتُّمْ
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ فيما يأتي من الزمان ما أَعْبُدُ بسبب من وصولكم إلى درجة من الكفر لا عودة فيها. وهذا الذي ذكرناه هو توجيه النسفي للسورة، فالعبادة الأولى يراد بها الحال، والعبادة الثانية يراد بها الاستقبال، وقال ابن كثير: أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي: لا تعتقدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم. أقول: إن للمفسرين أربعة أقوال في تعليل تكرار موضوع
المفاصلة في العبادة. هذان القولان اللذان نقلناهما، وقولان آخران، وقد ذكر الأقوال الأربعة ابن كثير. ولعل أكثر الأقوال غموضا هو القول الذي قدمه، ومن ثم فسنعرض الأقوال الأربعة كما ذكرها، ونفسر القول الأول الذي قدمه وهو الذي اعتمده. قال ابن كثير ملخصا أقوال المفسرين: (فهذه ثلاثة أقوال:
стр. 6389
أولها ما ذكرناه أولا (أقول: والذي ذكره هو ما نقلناه ومضمونه: أنه فسر (ما) في القول الأول بمعنى (من) وفسر (ما) في القول الثاني بأنها المصدرية، فيكون هذا القول على الشكل التالي: لا أعبد ما تعبدون من الآلهة، ولا أنتم عابدون من أعبد وهو الله، ولا أنا عابد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي، فلا إلهكم إلهي، ولا عبادتكم عبادتي، ولا إلهي معبودكم، ولا عبادتي عبادتكم،
ومن ثم ختمت السورة بقوله تعالى:
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ التي سنرى معناها فيما بعد، ولنعد إلى نقل كلام ابن كثير). قال ابن كثير: (الثاني) ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في الماضي وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في المستقبل. (الثالث) أن ذلك تأكيد محض. (وثم قول رابع) نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه وهو أن المراد بقوله لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ نفي الفعل لأنها جملة فعلية وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ نفي قبوله لذلك بالكلية، لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلا لذلك، ومعناه نفي الوقوع، ونفي الإمكان الشرعي أيضا. وهو قول حسن أيضا.
والله أعلم).
أقول: والذي أميل إليه هو القول الذي اختاره النسفي، وهو قول البخاري كما رأينا، إلا أن هذا يحتاج إلى تعليل لقضية هي أن بعض الكافرين يسلمون، فكيف نفسر الآية وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ بأن المراد بها الاستقبال، أقول: الجواب إن هذا الخطاب موجه لكفار مصرين على الكفر مستمرين عليه، علم الله أنهم سيموتون على ذلك. أو أن الخطاب يفيد: أي أنكم ما دمتم على كفركم. فلن تكونوا في يوم من الأيام عابدين لإلهي، ولن أكون عابدا لمعبودكم، ثم قال تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ قال النسفي: أي لكم شرككم ولي توحيدي. وقال البخاري في تفسيرها: لَكُمْ دِينُكُمْ الكفر وَلِيَ دِينِ الإسلام.
كلمة في السياق:
ذكرت هذه السورة موضوع المفاصلة بين المسلمين وغيرهم في العبادة والدين، فحددت بذلك أن العبادة التي أمر الله- بها في الإسلام في محور السورة تختلف عن أي عبادة أخرى، وأن الإسلام غير الأديان الأخرى؛ إذ كلها منسوخة بهذا
стр. 6390
الإسلام، ومن قبل تحدثنا عن صلة السورة بما قبلها، وصلتها بمحورها، فلا نقف أكثر من ذلك.
الفوائد:
١ - قبل أن يبدأ ابن كثير الكلام عن سورة الكافرون ذكر بعض النصوص الواردة فيها. قال: (ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ بهذه السورة وبقل هو الله أحد في ركعتي الطواف. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وروى الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد وروى أحمد أيضا عن ابن عمر قال: رمقت النبي ﷺ أربعا وعشرين أو خمسا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. وروى أحمد عن ابن عمر قال: رمقت النبي- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- شهرا وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزبيري وأخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي إسحاق به، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وروى الإمام أحمد عن فروة بن نوفل- هو ابن معاوية- عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال له: «هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟» قال: أراها زينب.
قال: ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنه قال: «ما فعلت الجارية؟» قال: تركتها عند أمها.
قال: «فمجيء ما جاء بك» قال: جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال: «اقرأ قل يا أيها الكافرون، ثم نم على خاتمها فإنها براءة من الشرك» تفرد به أحمد. وروى أبو القاسم الطبراني عن جبيلة بن حارثة وهو أخو زيد بن حارثة أن النبي ﷺ قال: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ قل يا أيها الكافرون حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك» وروى الطبراني- بسنده- أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ حتى يختمها. وروى الإمام أحمد عن الحارث بن جبلة قال: قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله عند منامي. قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك». والله أعلم.
٢ - بمناسبة قوله تعالى- على لسان رسوله ﷺ : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ*
стр. 6391
قال ابن كثير: (أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه فالرسول ﷺ وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت كلمة الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله أي لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، ولهذا قال لهم الرسول ﷺ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ كما قال تعالى وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ
مِمَّا تَعْمَلُونَ
وقال: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ* وقال البخاري: يقال لَكُمْ دِينُكُمْ الكفر وَلِيَ دِينِ الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون، فحذف الياء كما قال (فهو يهدين- ويسقين).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى- على لسان رسوله ﷺ : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ قال ابن كثير: (وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ على أن الكفر كله ملة واحدة، فورث اليهود من النصارى وبالعكس، إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها بالشئ الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين شتى»).
стр. 6392
سورة النصر
وهي السورة العاشرة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثامنة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاث آيات وهي مدنية
стр. 6393
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6394
بين يدي سورة النصر:
قدم ابن كثير لسورة النصر بذكر الآثار التالية:
(قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وروى النسائي عن عبيد بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال: صدقت. وروى الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة. وروى الحافظ البيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: «إنه قد نعيت إلي نفسي» فبكت ثم ضحكت وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: اصبري فإنك أول أهلي لحوقا بي فضحكت. وقد رواه النسائي بدون ذكر فاطمة)
كلمة في سورة النصر ومحورها:
من خلال الاستقراء نرى أن محور سورة النصر هو نفسه محور سورتي الكوثر والكافرون، وهو الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة، وأدلة ذلك كثيرة.
تأمر سورة النصر رسول الله ﷺ بالتسبيح بحمد الله وبالاستغفار إذا رأى علامة بعينها وهي الفتح والنصر، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وقد فهم رسول الله ﷺ من ذلك وفهم بعض الصحابة، أن تلك علامة على اقتراب أجله ﷺ ، ومن ثم نفهم أن العبادة المناسبة لاقتراب الأجل هي الاستغراق في التسبيح بحمد الله، وكثرة الاستغفار، وفي ذلك تفصيل للأمر الوارد في محور السورة اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فالتسبيح بحمد الله ذروة المعرفة بالله، وذروة الشكر لله على نعمه، والاستغفار فيه اعتراف بالتقصير في حق الله ، فإذا كان رسول الله ﷺ وهو أعظم الخلق قياما بحق الله قد أمر بهذا في آخر حياته، فأحرى بغيره أن يطالب بذلك، وصلة ذلك بمحور السورة من سورة البقرة واضحة.
стр. 6395
نفهم من سورة النصر أن النعمة ينبغي أن تقابلها عبادة. فالفتح والنصر والدخول في دين الله أفواجا نعم، أمر الله رسوله ﷺ أن يقابلها بالتسبيح بحمد الله والاستغفار، وهو أصل رأيناه في محور السورة، إذ أمر الله بعبادته وتوحيده في سياق الحديث عن نعمه العامة، وهذا الأصل ترى فروعه في هذه السورة التي تبين أن نعمة أخرى من نعمه تقتضي عبادة من تسبيح واستغفار، ولذلك صلته بمحور السورة من سورة البقرة.
ومن الآيات الخمس التي تشكل محور سورة النصر نعلم أن هناك كافرين ومرتابين، وهذه السورة تبين لنا أن العاقبة لرسول الله ﷺ عليهم، والسورة تأمر رسول الله ﷺ في حالة النصر والفتح والإسلام بأن يسبح ويستغفر شكرا واعترافا بالقصور وهضما للنفس، وهو درس للأمة، وهذا مظهر آخر من مظاهر صلة السورة بمحورها في الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة، والمظهر الأول والأعلى للصلة بالمحور هو أن التسبيح بحمد الله توحيد وعبادة وشكر، وأن الاستغفار عبودية وافتقار.
وأما صلة سورة النصر بما قبلها، من حيث إن سورة الكافرون تتحدث عن المفاصلة بين المسلمين والكافرين، ومن قبل ذكرت سورة الكوثر ما يفيد أن هناك مبغضين وشانئين لرسول الله ﷺ ، وكل ذلك يشعر بالصراع بين جهتين: أهل الإيمان، وأهل الكفر. وتأتي سورة النصر ليفهم منها أن العاقبة حتما لرسول الله ﷺ ، وأن نصر الله آت، وأن الفتح آت، وأن الدخول في دين الله أفواجا آت لا محالة؛ ولذلك فإن السورة تأمر رسول الله ﷺ بما ينبغي أن يفعله وقتذاك. فالسورة واضحة الصلات بما قبلها، وسنرى صلتها بما بعدها. وكالعادة في كل سورة جديد، ولنكتف بهذا القدر.
ولنبدأ عرض السورة.
стр. 6396
سورة النصر
وهي ثلاث آيات، وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
التفسير:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال النسفي: النصر الإعانة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر رسول الله ﷺ على العرب، أو على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم
وَرَأَيْتَ أي: أبصرت أو عرفت أو علمت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً أي جماعات كثيرة بعد ما كانوا يدخلون واحدا واحدا، أو اثنين اثنين
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال النسفي (فقل: سبحان الله حامدا له أو فصل له) وَاسْتَغْفِرْهُ قال النسفي: تواضعا وهضما للنفس، أو دم على الاستغفار إِنَّهُ كانَ ولا يزال تَوَّاباً التواب في حق الله هو الكثير القبول للتوبة، وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة.
الفوائد:
١ - قال ابن كثير: (والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة، وقد روى البخاري
стр. 6397
في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ ، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي- الحديث) أقول: رأينا أن النسفي ذكر أقوالا أخرى في المراد بالفتح، والذي يبدو أنه يرى أن المراد بالفتح والنصر في حق رسول الله ﷺ والعلامة التي حددت له هي فتح مكة. ولكن يبقى ما ورد في السورة أدبا عاما لكل مسلم أن يقابل نعمة الله عليه بالشكر والحمد والاستغفار والتسبيح).
قال ابن كثير: (فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر- ﵃ أجمعين- من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون بأن نحمد الله ونشكره ونسبحه يعني نصلي له ونستغفره، معنى مليح صحيح. وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرا لم ينو الإقامة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسع عشرة يوما يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوا من عشرة آلاف قال هؤلاء: إنما كانت صلاة الفتح قالوا فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين كما ورد في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين).
٢ - وقال ابن كثير: (روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال: ما تقولون في قول الله إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فذلك علامة أجلك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري).
стр. 6398
أقول: وإذن فالفهم البديهي للسورة هو ما فهمه عامة الصحابة، وبعد ذلك فهوم دقيقة لا تلغي الفهم الأول، ولكن تدل على أن في السورة معاني أخرى يفطن لها من آتاه الله خصوصية فهم، وذلك شأن القرآن كله، يفهم منه العامة ما يفهمون، وللخواص فهوم دقيقة لا تلغي الفهوم الصحيحة الأخرى، ولكن تزيد عليها، وذلك من عجائب هذا القرآن ومظاهر إعجازه.
٣ - رأينا في الفائدتين السابقتين أن في السورة بشارة بالفتح والنصر، وعلامة على الأجل. وكل ذلك قد حصل فكان في ذلك معجزتان من معجزات هذا القرآن زائدتان على الإعجاز العام، إذ هما معجزتان في شأن من شئون المستقبل، وقد كان الرسول ﷺ يعمل ويستبشر بعدها.
قال ابن كثير: (روى النسائي عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السورة قال نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: «جاء الفتح وجاء نصر الله وجاء أهل اليمن» فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال:
«قوم رقيقة قلوبهم لينة قلوبهم، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان»).
٤ - مما استدل به على أن المراد بالفتح في السورة فتح مكة استعمال الرسول ﷺ تعبير الفتح خاصة في فتح مكة، من ذلك قوله ﵇: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
٥ - من مظاهر التطبيق العملي لهذه السورة في حياة الرسول ﷺ ما ذكرته النصوص التالية:
روى البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث منصور به وروى الإمام أحمد عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قول «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابا فقد رأيتها إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ
стр. 6399
تَوَّاباً» ورواه مسلم. وروى ابن جرير عن أم سلمة قالت كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجئ إلا قال: «سبحان الله وبحمده»، فقلت: يا رسول الله رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجئ ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده قال: «إني أمرت بها» فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السورة. غريب.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» ثلاثا، انفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم.
أقول: إن من تأمل حال رسول الله ﷺ من الالتزام بأمر الله ، والقيام بحقه، هذا القيام الفريد يكفيه ذلك دليلا على أن محمدا رسول الله ﷺ ، وهو معنى أبرزناه في كتابنا الرسول ﷺ ، وإنما أشرنا إليه بمناسبة هذا التطبيق الرائع لأمر الله في السورة مما رأينا بعض مظاهره في النقول السابقة.
٦ - إن قول ابن عباس أن آخر سورة نزلت هي هذه السورة لا يعني أنها آخر القرآن نزولا، لأنه قد رأينا أن التحقيق أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْماً .. * وعلى هذا فمراد ابن عباس أنها آخر سورة نزلت أي كسورة كاملة، أما كآيات فقد نزل حتما بعدها.
٧ - هناك اتجاه يقول: إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع، مع أن حجة الوداع كانت بعد فتح مكة بحوالي سنتين. وعلى هذا فإن البشارة تكون باستكمال النواحي الثلاث مجتمعة: الفتح، والنصر، والدخول في دين الله أفواجا.
كلمة أخيرة في سورة النصر:
إن مجئ سورة النصر في مكانها معجزة، وفيه إعجاز، وفي بشارتها ودلالتها معجزة وإعجاز، وفي معناها معجزة وإعجاز، ألا ترى أن هذه التربية لرسول الله وللمسلمين حال النصر والفتح، وإقبال الناس على الإسلام يستحيل أن تكون بشرية أو يفطن لها الإنسان، فالناس في النصر والفتح يبطرون ويسكرون ويقبلون على المتاع واللذة، بينما
стр. 6400
السورة تربي على غير ذلك، فهل هذا مما يخطر في قلوب البشر أن يقولوه أو يسجلوه، ففي معنى السورة معجزة وإعجاز، وفي انسجام معاني السورة مع بقية المعاني القرآنية التي لا يخطئها البصر معجزة وإعجاز، وفي الكلمات التي عبر بها عن هذا كله معجزة وإعجاز، إذ لا يحل محلها غيرها، فهي كلمات في الذروة من البلاغة والفصاحة والانتقاء أخذت مدلولاتها الإسلامية، واستعملت لتأدية هذه المدلولات على مثل هذا الكمال، وهذا شئ معجز فإن توجد اصطلاحات خاصة لدين جديد، وأن تستعمل هذه المصطلحات ولأول مرة في ذروة من الكمال في التعبير والأداء ذلك معنى وحده يدلك على أن هذا القرآن من عند الله.
стр. 6401
سورة المسد
وهي السورة الحادية عشرة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة التاسعة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي خمس آيات وهي مكية
стр. 6402
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6403
قدم الألوسي لسورة المسد بقوله:
(وتسمى سورة المسد، وهي مكية وآيها خمس بلا خلاف في الأمرين، ولما ذكر سبحانه فيما قبل دخول الناس في ملة الإسلام، عقبه سبحانه بذكر هلاك بعض ممن لم يدخل فيها وخسرانه.
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم
كذا قيل في وجه الاتصال، وقيل هو من اتصال الوعيد بالوعد، وفي كل مسرة له ﵊. وقال الإمام في ذلك: إنه تعالى لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فكأنه ﷺ قال: إلهي فما جزائي؟ فقال الله تعالى: لك النصر والفتح، فقال:
فما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام؟ فقال: تبت يداه، وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر متصلا بقوله تعالى وَلِيَ دِينِ والوعيد راجعا إلى قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ على حد يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ الآية فتأمل هذه المجانسة الحاصلة بين هذه السور مع أن سورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة، وتبت من أوائل ما نزل بمكة لتعلم أن ترتيبها من الله تعالى وبأمره ثم قال: ووجه آخر وهو أنه لما قال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فكأنه قيل: إلهي ما جزاء المطيع؟ قال: حصول النصر والفتح، ثم قيل: فما جزاء العاصي؟ قال: الخسار في الدنيا والعقاب في العقبى، كما دلت عليه سورة تبت. انتهى وهو كما ترى).
كلمة في سورة المسد ومحورها:
بعد الآيات الخمسة الآتية بعد مقدمة سورة البقرة والتي رأينا أنها كانت محورا للسور الثلاث السابقة: الكوثر، والكافرون، والنصر، يأتي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.
لاحظ كلمة أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وأن سورة المسد تبدأ بقوله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ قال ابن كثير: (أي وقد تحقق خسارته وهلاكه)، من هذه
стр. 6404
البداية للسورة ندرك أن الله يعطينا في هذه السورة نموذجا على هؤلاء الخاسرين من الرجال والنساء، وأي نموذج؟ عم رسول الله ﷺ وزوجة عمه، وفي ذلك ما فيه من التحذير والإنذار، وقطع الطمع والإبعاد عن الأماني.
فمن ربط السورة بمحورها ندرك أن أبا لهب وزوجته هما النموذجان الرجالي والنسائي على الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ومن ثم استحقوا إضلال الله لهم.
ختمت سورة الكافرون بقوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وجاءت سورة النصر تبشر رسول الله ﷺ بالنصر على الكافرين، وتأتي سورة المسد لتتحدث عن مآل الكافرين وخسرانهم من خلال الحديث عن شخصية آذت رسول الله ﷺ هي وزوجها الإيذاء الكثير، وحرصت على رد وصد الناس عن الإسلام، فهي داخلة دخولا أوليا في قوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ .. ومن ثم فللسورة صلتها الوثيقة بما قبلها، فليس أعداء الله مغلوبين فقط، بل من حارب رسول الله ﷺ فيها واستمر على ذلك فإنه كذلك معذب عند الله يوم القيامة وفي الآخرة، وهو نصر ثان لرسول الله ﷺ ، ففي سورة النصر تسجيل للنصر الدنيوي على الكافرين وفي سورة المسد تسجيل للنصر الأخروي على الكافرين.
إن سورة المسد نزلت في أوائل الدعوة الإسلامية، فإن تأتي في محلها الذي جاءت به متصلة بما قبلها وما بعدها، متصلة بمحورها من سورة البقرة، فهذا وحده إعجاز، وفيه معجزات وفي السورة. فلنبدأ عرض السورة.
стр. 6405
سورة المسد
وهي خمس آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المسد (١١١): الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
فائدتان في التعريف بأبي لهب وزوجته وفي سبب النزول:
١ - قال ابن كثير: (فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ ، والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. روى الإمام أحمد عن رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليا فأسلم قال:
رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضئ الوجه، أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب، ثم رواه عن شريح عن ابن أبي الزناد عن أبيه فذكره قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة، تفرد به أحمد. وقال محمد ابن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب انظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضئ الوجه، ذو جمة يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به» وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به
من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه فقلت لأبي: من هذا؟ قال:
стр. 6406
عمه أبو لهب. رواه أحمد أيضا والطبراني بهذا اللفظ).
وقال ابن كثير: وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم.
٢ - في سبب نزول هذه السورة قال ابن كثير:
روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقال: «أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخرها. وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه.
التفسير:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أي: جعلت يداه هالكتين، والمراد إهلاك جملته، قال النسفي: التباب الهلاك. قال ابن كثير: أي خسرت وخابت وضل عمله وسعيه وَتَبَّ قال النسفي: أي وكان ذلك وحصل. وقال ابن كثير: أي وقد تب أي تحقق خسارته وهلاكه
ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ أي: لم يغن عنه ماله ومكسوبه أو كسبه، قال النسفي: أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه، والذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد أو الطارف، وعن ابن عباس ﵄ ما كَسَبَ ولده. أقول: فعلى هذا القول يكون معنى الآية: ما أغنى عنه ماله ولا ولده من عذاب الله شيئا، قال الألوسي: (وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي فأنزل الله في ذلك: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ
سَيَصْلى أي سيدخل ناراً ذاتَ لَهَبٍ أي ذات توقد. قال ابن كثير: أي ذات شرر ولهب وإحراق شديد، قال النسفي: والسين للوعيد أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته
وَامْرَأَتُهُ أي ستصلى النار ذات اللهب حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قال
стр. 6407
النسفي: والتقدير: أعني حمالة الحطب
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال النسفي:
والمسد الذي فتل من الحبال فتلا شديدا من ليف كان أو جلد أو غيرهما. أقول: قد اختلفت عبارات المفسرين في تفسير قوله تعالى حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ هل هذا وصف لها في الدنيا؟ وما المراد به إن كان الأمر كذلك؟ أو هو وصف لها في الآخرة وما المراد به إن كان الأمر كذلك؟ أو هو وصف لها في الدنيا والآخرة؟ وقد سرد ابن كثير الأقوال الواردة في ذلك متداخلة. فلننقل كلامه.
قال ابن كثير عند قوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ:
(يعني تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه وهي مهيأة لذلك مستعدة له فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال مجاهد وعروة من مسد النار، وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي: حمالة الحطب كانت تمشي بالنميمة، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس وعطية الجدلي والضحاك وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ . قال ابن جرير: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب فعيرت بذلك، كذا حكاه ولم يعزه إلى أحد، والصحيح الأول والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار. وروى ابن جرير عن الشعبي قال:
المسد الليف، وقال عروة بن الزبير: المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعن الثوري: هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا، وقال الجوهري: المسد الليف، والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجد فتله.
وقال مجاهد: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي: طوق من حديد ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟
وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي: في عنقها حبل في نار جهنم ترفع به إلى شفيرها ثم ترمى إلى أسفلها ثم كذلك دائما. قال أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير: وقد روى ذلك وعبر بالمسد عن حبل الدلو كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رشاء. وأنشد في ذلك:
وبكرة ومحورا صرارا ... ومسدا من أبق مغارا
قال: والأبق القنب.
стр. 6408
وقال آخر:
يا مسد الخوص تعوذ مني ... إن تك لدنا لينا فإني
ما شئت من أشمط مقسئن
أقول: الذي ينشرح له الصدر أن وصف أم جميل بحمالة الحطب هو وصف ذم لها في الدنيا، وهل المراد به سيرها بالنميمة لإشعال الفتن، أو المراد بذلك حملها للحطب فعلا لتضعه في طريق رسول الله ﷺ فحقرها الله بذلك بأن شبهها بالحطابين والحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها. وهما في بيت العز والشرف، وفي منصب الثروة والجد، كلا المعنيين وارد. وأما قوله تعالى فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فترجح أن المراد به الإشارة إلى نوع من أنواع عذابها في الآخرة، والمراد بالحبل من المسد حبل من حبال النار كما قال مجاهد وعروة: من مسد النار. وكما قال مجاهد: أي طوق من حديد. ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا؟ وكما قال سعيد بن المسيب: فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار، وكما قال عروة بن الزبير، المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وكما قال الثوري: هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا. وبذلك تكون الآيتان قد حقّرتا زوجة أبي لهب غاية التحقير، إذ وصفتها في الدنيا بصفة تعتبرها هي غاية في الحقارة، ووصف حالها في الآخرة بصفة تفيد أقصى حالات الذلة. أن يكون كحبل الليف في عنقها تسحب منه، ولا يفهمن فاهم أن حمل الحطب للعمل مذموم في الآية، فالآية لا تتعرض لهذا الموضوع وإنما تحقر امرأة بما تعتبره هذه المرأة تحقيرا في مثل حالها. قال النسفي: (ونصب عاصم حَمَّالَةَ الْحَطَبِ على الشتم، وأنا أحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله ﷺ بجميل من أحب شتم أم جميل) أقول: هذا ترجيح منه أن المراد بالآية تحقير أم جميل وأن من أحب هذا المعنى مأجور.
كلمة في السياق:
١ - نزلت هذه السورة في أوائل الإسلام، ومن المعلوم أن كثيرين ممن حاربوا الدعوة الإسلامية. ابتداء دخلوا فيها بعد ذلك كعمر وأبي شعبان وخالد بن الوليد وغيرهم كثير. فإن تذكر السورة أن أبا لهب وزوجته سيدخلان النار فهذا إخبار بالغيب أنهما سيبعثان على كفرهما، وقد تحقق هذا، وفي ذلك وحده معجزة من
стр. 6409
معجزات هذا القرآن تقطع بأنه من عند الله ، وقد رأينا شبيها بهذا في سورة النصر، وهكذا نجد أن المجموعة الأخيرة من القرآن فيها ألوان من الإعجاز، وألوان من المعاني عدا عن التغطية الواسعة لآيات كثيرة من سورة البقرة، مما يجعلنا نعرف حكمة الله فيها، بأن جعلها خاتمة مجموعات القرآن.
٢ - رأينا في السورة تفسيرا للخسران الذي تحدث عنه محور السورة، وهو دخول أبي لهب وزوجته نار جهنم، وأي خسران أكبر من ذلك، ومن الخسران ألا يغني عن الإنسان ماله وولده شيئا، ومن الخسران أن يذم الله أحدا أو يحقره، فما أشده من خسران. ولذلك كله صلة بمحور السورة، فأبو لهب وزوجته ناقضا عهد، قاطعان لما أمر الله به أن يوصل، مفسدان في الأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وبهذا نكون قد عرفنا صلة السورة بمحورها، وصلتها بما قبلها، ونكتفي بهذا القدر.
الفوائد:
١ - بمناسبة الكلام عن السورة ينقل لنا ابن كثير كيفية استقبال زوجة أبي لهب لهذه السورة. قال ابن كثير:
(روى ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول.
مذمما أبينا ... ودينه قلينا
وأمره عصينا
ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال:
يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال: رسول الله ﷺ «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت: تعس مذمم فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعد أعلم، وقال الحافظ أبو بكر البزار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله
стр. 6410
صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول الله ﷺ : «إنه سيحال بيني وبينها» فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: «لا ما زال ملك يسترني حتى ولت» ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر ﵁.
٢ - رأينا أن اسم أبي لهب هو عبد العزى وقد علل ابن كثير لتكنيته في السورة بأبي لهب بقوله: وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بها دون الاسم أو لكراهة اسمه فاسمه عبد العزى، أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته.
٣ - ختم ابن كثير الكلام عن سورة المسد بالإشارة إلى ما تضمنته من معجزة إذ تتحدث عن المستقبل فيقع، وهو المعنى الذي ذكرناه من قبل قال:
(قال العلماء وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا، لا مسرا ولا معلنا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة).
следующие страницы →