Полный текст (6 440 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)
*** [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٤ الى ١٦٨]
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)
كلمة في المقطع:
بدأ المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ..
وانتهى بقوله تعالى عن المنافقين:
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
стр. 877
فالبداية والنهاية في موضوع واحد. وفي وسط المقطع ذكرنا الله- بمنتين علينا: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وفي منة الله- علينا بذلك في وسط الكلام الذي ينهانا عن مواطأة الكافرين والمنافقين في قضية الموت، ما هو كالبيان لنعم يذكرنا الله- بها، لا ينبغي معها أن نواطئ الكافرين والمنافقين في اعتقادهم في شأن الموت.
وفي هذه الأجواء، أجواء القتل في سبيل الله، وأجواء أقوال الكافرين والمنافقين في من قتلوا في سبيل الله، مما يترك آثاره في قلوب المسلمين يأتي قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإلى ماذا يشير هذا؟
إن هذا يشير إلى أن القائد عليه أن يكون لينا، وأن يعفوا ويستغفر ويشاور، فليس دخول معركة يترتب عليه ما يترتب أمرا سهلا، خاصة وأن الكافرين والمنافقين سيثيرون زوابع. فلا بد أن يكون الصف الإيماني على غاية من الوعي والتلاحم، وذلك لن يتم إلا إذا كان على رأس الأمر قائد هذه صفاته.
وفي هذا السياق يذكرنا الله بالتوكل عليه، وأن النصر والخذلان منه، وفي هذا السياق يعمق الثقة بشخصية الرسول ﷺ مما يوحي بأن القائد لا ينبغي له الغلول، ولا ينبغي أن يكون محل شك، فعلى القادة أن يلاحظوا ذلك.
ولنبدأ عرض المقطع:
في هذا المقطع نهى الله عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم، عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، ثم بين الله- أنه خلق هذا الاعتقاد الفاسد في قلوبهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم رد عليهم اعتقادهم الفاسد، بأنه تعالى بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يموت أحد ولا يحيا إلا بمشيئته وقدره، ولا يزداد في عمر أحد ولا ينقص منه شئ إلا بقضائه وقدره. ثم بين أن علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شئ، ثم بين أن القتل في سبيله والموت في سبيله خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني؛ لأن القتل أو الموت في سبيله وسيلة إلى نيل رحمته وعفوه ورضوانه، ثم
стр. 878
أخبر تعالى أن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله- فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذه المعاني رد على تصور الكافرين الفاسد. وفي نهاية المقطع عود إلى هذه المعاني. وبين نهاية المقطع وهذه البداية معان سنرى الصلة بينها وبين ما قبلها وما بعدها، فبعد المعاني التي ذكرناها، من الله- على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين بما ألان قلب رسوله لهم، فأطاب لفظه لهم. ثم بين الحكمة في ذلك، بأنه لو كان ﵇ سيئ الكلام، قاسي القلب، لانفضوا عنه وتركوه، ولكن الله جمعهم عليه، وألان جانبه لهم تأليفا لقلوبهم. وفي ذلك رحمة من الله بالجميع. ثم أمر رسوله أن يعفو عنهم، وأن يشاورهم، وأن يستغفر لهم تطييبا للقلوب، وزيادة حرص على خيرهم. ثم أمره إذا شاور وعزم، أن يتوكل على الله ويمضي، فالله يحب المتوكلين. ثم بين لهم أن النصر والخذلان من الله، ثم أمرهم بالتوكل بعد ما بين لهم من قبل أنه يحب أهله. ثم بين عصمة رسوله من الخيانة في أمر الدنيا والدين، وهدد الخائنين بعقابه وجزائه. ثم بين عدم استواء من يتبع رضوان الله مع من يسخط الله. ثم بين أن أهل الخير وأهل الشر درجات، وأن كلا موفى عمله. ثم بين أن له على المؤمنين منة أخرى ببعثته رسولا للمؤمنين من جنسهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، ويعلمهم ويربيهم بعد أن كانوا في جهالة وضلالة، ثم يعود السياق إلى البداية التي لها علاقة في غزوة أحد، ودروسها وتصحيح التصورات حول الموت والقتل.
فما الصلة بين ما ذكر في وسط هذا المقطع، وبين طرفيه؟ إن منة الله على عباده ببعثة رسوله، وبخصائصه، وعصمته، وأمر الله له ﷺ بالمشاورة كل ذلك مرتبط بما ينبغي أن يرافق ما يحدث للمسلمين بالرضا سواء كان قتلا أو غيره، كما ينبغي أن يرافقه شعور بالنعمة لا يبقى معه أي بقية للتصورات الكفرية في أي شأن، كما ينبغي أن يرافقه شعور بتولي الله للمؤمنين في كل حين، كيف وقد من عليهم بكل هذا.
وإذا اتضح شئ من الصلة بين وسط المقطع وطرفيه، فلنذكر المعاني العامة الواردة في طرفه الأخير: بين للمسلمين في نهاية المقطع سبب ما وقع بهم من قتل، مع تذكيرهم بنعمته عليهم يوم بدر، وأن علة ذلك هم. ثم بين أن ما أصابهم كان بمشيئة الله؛ تأديبا وتمحيصا للمؤمنين؛ وتمييزا للصف الإيماني من الصف المنافق، الذي تخلى عن القتال في أشد اللحظات بحجة أنه لا قتال، يقولون هذا وهم يكتمون خلافه، ويقولون عمن قتل: لو أطاعنا ما قتل، فرد الله عليهم أن يردوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين.
стр. 879
والملاحظ أن منطق المنافقين الذي ختم به المقطع، هو نفس منطق الكافرين الذي بدئ به المقطع، ومن ثم نعرف وحدة المقطع.
وإذا نظرنا إلى المقطع من خلال السياق، وكنا متذكرين صلة هذا المقطع بمقدمة سورة البقرة، عرفنا أن هذا المقطع يصفي المؤمنين، من أن تكون عندهم تصورات الكافرين، أو المنافقين، في قضية القتل، أو الموت، مع تبيان التصورات الصحيحة، مع تبيان مجموعة النعم التي ينبغي أن يقوم بشكرها المؤمنون، مع تبيان كثير من الأخلاق والتصورات الإيمانية، مع معان أخر، وكلها مرتبطة بقضية الإيمان، وكل ذلك مرتبط بشكل ما بمقدمة سورة البقرة.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي: لا تتشبهوا بالكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه ما يأتي وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي: عن إخوانهم في النسب، أو في المذهب والمسلك إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي: سافروا للتجارة أو نحوها أَوْ كانُوا غُزًّى أي: أو كانوا في الغزو فأصابهم موت أو قتل لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا أي: لو كانوا عندنا في البلد ما ماتوا في سفر، وما قتلوا في غزو والمعنى: لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: قالوا ذلك واعتقدوه، وأراده الله؛ ليكون ذلك حسرة في قلوبهم، والحسرة: هي الندامة على فوت المحبوب. أما أنتم فصونوا منها قلوبكم بالاعتقاد الصحيح بقضاء الله وقدره. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ هذا رد لقولهم الفاسد: من أن القتال أو السفر يقطع الآجال أو يقربها، فالأمر بيده- سبحانه- فقد يحيي المسافر والمقاتل ويميت المقيم والقاعد، لا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شئ، ولا يحيا أحد، ولا يموت إلا بمشيئته وحده- ﷻ وقضائه وقدره.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم على أعمالكم.
دل ختم الآية بهذا، على أن القول من العمل، فما أعقل من استشعر رؤية الله لأعماله، وأقواله، وأحواله، وعرف مجازاة الله له على ذلك كله.
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ أي: لنيل أهل الإيمان مغفرة الله ورحمته في حال قتلهم أو موتهم خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ خير مما يجمع أهل
стр. 880
الدنيا من حطامها الفاني.
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ أي: المصير والمرجع إلى الله، في حال موتكم أو قتلكم، فلتعملوا، ولتحسنوا، وكلوا أمركم في الحياة وغيرها إلى الله.
كذب الكافرين أولا في زعمهم أن السفر أو الغزو يقصران الآجال، ونهى المسلمين عن اعتقاد ذلك وقوله؛ لأنه، سبب التقاعد عن الجهاد، ثم بين لهم أنه إن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله، فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله، خير مما يجمعونه من الدنيا، فإن الدنيا زاد المعاد للعاقلين. فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد.
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي: فبرحمة من الله كان لينك للمؤمنين، ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه، وتوفيقه للرفق، والتلطف بهم. دل على أن لينه لهم ما كان ليكون إلا برحمة من الله تعالى، وامتنان الله على المؤمنين بهذا في السياق يدل على أن كل مبررات مطاوعة الكافرين، ومسايرتهم، لا يجوز وجودها، بل يجب انتفاؤها لوجود الكمال في القائد وسلوكه، وتعامله، ولوجود الكمال في الدعوة كما سيمر. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ الفظ: هو الجافي الغليظ الكلام، وغليظ القلب: قاسيه، والانفضاض:
التفرق أي: لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد، فإذا كان رسول الله ﷺ هذا الشأن معه لو كان كذلك لتفرق عنه الناس، وهو المفروض على الناس اتباعه، فما بال غيره. فليتق الله أحد أعطاه الله قيادة، أو إمامة للمسلمين ألا يرفق. بهم ثم أمر الله رسوله فَاعْفُ عَنْهُمْ بدوام إحسانك للمسيئ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله فيما يختص بحقه إتماما للشفقة عليهم، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي: في كل ما يختص من أمورهم من حرب لسلم لغير ذلك، مما لم ينزل عليك فيه وحي تطييبا لنفوسهم، وترويحا لقلوبهم، ورفعا لأقدارهم، وتوعية لهم على قضاياهم، وتسييرا لهم من حيث يقتنعون أنه المصلحة، واستخراجا لطاقات عقولهم فيما هو خير لمجموعهم.
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. أي: فإذا قطعت الرأي على شئ بعد الشورى، فتوكل على الله في إمضائه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. أي: المعتمدين عليه والمفوضين أمورهم إليه، يأخذون بالأسباب، ويقومون بحق الله، وتنفيذ أمره باستنفاد الوسع، وبذل الطاقة، ولا يعتمدون إلا على الله.
فوائد حول الآية:
١ - قال الحسن البصري في هذه الآية: «هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به»
стр. 881
ونضيف: وعلى وراثه أن يتخلقوا به، وعلى قيادات المسلمين أن يكونوا كذلك.
٢ - يقول صاحب الظلال في قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. «وبهذا النص الجازم: «وشاورهم في الأمر» .. يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم- أن الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه .. أما شكل الشورى، والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها. وكل شكل وكل وسيلة. تتم بها حقيقة الشورى- لا مظهرها- فهي من الإسلام.
لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة، فقد كان من جرائها ظاهريا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم! اختلفت الآراء. فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها، حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة. وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين. وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف. إذ عاد عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، والعدو على الأبواب- وهو حدث ضخم وخلل مخيف- كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم تكن- في ظاهرها- أسلم الخطط من الناحية العسكرية. إذ إنها كانت مخالفة «للسوابق» في الدفاع عن المدينة- كما قال عبد الله بن أبي- وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية، فبقوا فعلا في المدينة، وأقاموا الخندق، ولم يخرجوا للقاء العدو. منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد.
ولم يكن رسول الله ﷺ يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج. فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها، والتي يعرف مدى صدقها، فقد تأولها قتيلا من أهل بيته، وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعا حصينة .. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى .. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات. لأن إقرار المبدأ وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف؛ وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية. وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربي بالشورى؛ وأن
стр. 882
تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ- مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة- لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ .. والخسائر لا تهم، إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المقدرة للتبعة. واختصار الأخطاء، والعثرات، والخسائر، في حياة الأمة ليس
فيه شئ من الكسب لها، إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية. إنها في هذه الحالة تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية. ولكنها تخسر نفسها وتخسر وجودها، وتخسر تربيتها، وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية. كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي- مثلا- لتوفير العثرات والخبطات. أو توفير الحذاء!
كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها، ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية، كي تدرب عليها في حياة الرسول ﷺ وبإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشئون- كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا، وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب- ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة- لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشئون، لكان وجود محمد ﷺ ومعه الوحي من الله كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى- وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة. ولكن وجود محمد رسول الله ﷺ ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث، ووجود تلك الملابسات، لم يلغ هذا الحق. لأن الله- سبحانه- يعلم أن لا بد من مزاولته في أخطر الشئون، ومهما تكن النتائج، ومهما تكن الخسائر، ومهما يكن انقسام الصف، ومهما تكن التضحيات المريرة، ومهما تكن الأخطار المحيطة .. لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة، المدربة بالفعل على الحياة؛ المدركة لتبعات الرأي والعمل، والواعية لنتائج الرأي والعمل .. ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي، وفي هذا الوقت بالذات:
فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ .. ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله؛ وليثبت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة أيا كانت الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة،
стр. 883
ولو كان هو انقسام الصف، كما وقع في «أحد» والعدو على الأبواب .. لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ. ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق!.
على أن الصورة الحقيقة للنظام الإسلامي لا تكمل حتى نمضي مع بقية الآية؛ فنرى أن الشورى لا تنتهي أبدا إلى الأرجحة والتعويق، ولا تغني كذلك عن التوكل على الله في نهاية المطاف: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ..
إن مهمة الشورى هي تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة.
فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد، انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ .. التنفيذ في عزم وحسم، وفي توكل على الله، يصل الأمر بقدر الله، ويدعه لمشيئته تصوغ العواقب كما تشاء ..
وكما ألقى النبي ﷺ درسه النبوي الرباني، وهو يعلم الأمة الشورى، ويعلمها إبداء الرأي، واحتمال تبعته بتنفيذه في أخطر الشئون وأكبرها .. كذلك ألقى عليها درسه الثاني في المضاء بعد الشورى، وفي التوكل على الله، وإسلام النفس لقدره- على علم بمجراه واتجاهه- فأمضى الأمر في الخروج، ودخل بيته فلبس درعه ولأمته- وهو يعلم إلى أين هو ماض، وما الذي ينتظره وينتظر الصحابة معه من آلام وتضحيات .. وحتى حين أتيحت فرصة أخرى بتردد المتحمسين، وخوفهم من أن يكونوا استكرهوه ﷺ على ما لا يريد، وتركهم الأمر له ليخرج أو يبقى .. حتى حين أتيحت هذه الفرصة لم ينتهزها ليرجع؛ لأنه أراد أن يعلمهم الدرس كله. درس الشورى. ثم العزم والمضي.
مع التوكل على الله والاستسلام لقدره. وأن يعلمهم أن للشورى وقتها، ولا مجال بعدها للتردد، والتأرجح، ومعاودة تقليب الرأي من جديد. فهذا مآله الشلل والسلبية، والتأرجح الذي لا ينتهي .. إنما هو رأي وشورى. وعزم ومضاء. وتوكل على الله، يحبه الله» اهـ.
٣ - ذكر ابن كثير أمثلة كثيرة عن استشارة الرسول ﷺ أصحابه كاستشارته لهم يوم بدر، ويوم الخندق، ويوم الحديبية، وحالات أخرى ثم قال:
فكان ﷺ يشاورهم في الحروب، ونحوها. وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبا عليه أم من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين. ونقول: إن الأصل في الأمر أن يكون للوجوب، إلا إذا وجد صارف، ولا صارف هنا، خاصة وأن قوله تعالى في
стр. 884
سورة الشورى عن المؤمنين وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ مذكور بين الصلاة والزكاة، وهما فريضتان، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لرسول الله ﷺ ، فكيف بالنسبة لغيره.
وإذا استشار رسول الله ﷺ ، أو خلفاؤه، أو أمراء المسلمين، فهل النزول على رأي الأكثرية واجب أم لا؟ وهذه مسألة عصرنا التي طرحها بعضهم تحت عنوان: هل الشورى ملزمة أم معلمة، فيما لا نص فيه مما يدخل في دائرة الاجتهاد الحياتي؟ والذي أراه في هذه القضية أن الشورى إذا أعطيت لأهلها، فإن رأي أكثريتهم في هذه الحالة ملزم. ويشهد لهذا قول الرسول ﷺ الذي رواه الإمام أحمد لأبي بكر وعمر «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما»، وما رواه ابن مردويه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم» ولم يعرف قط أن خليفة راشدا طرح مسألة على الشورى ثم ترك رأي الأكثرية إلا في قضية اتضح له فيها نص، كما فعل أبو بكر في موضوع الردة، ويشهد لما ذهبت إليه قول الحنفية: ويجب طاعة الأمير إلا إذا
رأى الأكثر أنه ضرر فيتبع.
والأمير الذي يعطل الشورى أو لا يعطيها لأهلها، أو لا ينزل على رأي أكثرية أهلها أمير لا يقود إلا إلى الدمار. على أن للأمير أن يطرح أمرا ما على دائرة أوسع أو أعلى حال الاختلاف إذا كان بالإمكان ذلك.
٤ - قال النسفي: «في الحديث: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم.
وعن أبي هريرة ﵁: «ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله ﷺ ». ومعنى شاورت فلانا: أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي. وشرت الدابة: استخرجت شريها، وشرت العسل: أخذته من مأخذه، وفيه دلالة جواز الاجتهاد، وبيان أن القياس حجة» اهـ.
وإذن فأدب المسلم الاستشارة، وأدب القائد الاستشارة، وأدب الخليفة الاستشارة، ومن ثم قال ﵇ مؤدبا من يستشار «المستشار مؤتمن» وهو حديث حسن رواه أبو داود وغيره وقال: «إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه» رواه ابن ماجه.
كلمة حول محل هذه الآية في السياق:
هذا المقطع كله في سياق قصة أحد، ودروسها، وفي سياق عدم متابعة الكافرين في الحسرة على من يقتل أو يموت؛ تصورا منهم أن القتال أو غيره يقرب أجلا. وقد
стр. 885
جاءت هذه الآية في هذا السياق، فهذا رسول الله ﷺ وهو كما وصفته الآية وقد اتخذ قراره بعد مشاورة، ثم أقدم متوكلا على الله، فكيف يحق لمسلم أن يتحسر على نتيجة.
لقد كان رسول الله ﷺ كما وصف الله- ، وقد شاورهم يوم أحد، ونزل على رأي أكثريتهم، ثم أمضى الشورى وكان ما كان، فلا مجال بعد ذلك لحسرة على شهيد، وإنما هي أثر عن تصور كفري للموت والحياة. وإذ يكون وراثه من بعده على قدمه، فأي قرار اتخذوه بعد الشورى ونفذ، فإنه لا ينبغي أن يكون تحسر على ما يكون من بعد، بل تسليم لله، فهو الولي في الأمر كله.
وبعد الأمر بالشورى، وبعد الأمر بعدم الحسرة على ما يكون من نتائج تأتي آية تقرر قاعدة، وتأمر أمرا. أما القاعدة فهي قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أي: فلا أحد يغلبكم، ولو تواطأ العالم عليكم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي: يحجب عنكم نصره فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد خذلانه أي من بعد ترك معونته.
وأما الأمر فهو قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض؛ لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يقتضي ذلك.
القاعدة دلت على أن الأمر كله لله، والأمر بني على ما تقتضيه القاعدة، ومجئ هذه الآية بعد الآية السابقة أن النصر والخذلان من عند الله، ومجئ هذه الآية في سياق المقطع يشير إلى أن المسلم عليه أن يعرف أن نتائج الأعمال بيد الله، فمهما كان من أمر فالأمر أمره، وعليه فينبغي أن يتصف بالتوكل في كل حال، حال النصر أو الخذلان، حال القتل، أو حال السلامة،
ثم يعود السياق بعد هذه الآية إلى وصف رسول الله ﷺ بتنزيهه عن الخيانة بعد أن وصفه في ما قبل الآية السابقة بما وصفه به. فقال:
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ الغلول: هو الأخذ خفية، والمعنى أن النبوة تنافي الغلول، والغلول خيانة، وكذلك فسرها ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد، فقالوا في تفسيرها: ما ينبغي لنبي أن يخون، قال ابن كثير: وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه، من جميع وجوه الخيانة، في أداء الأمانة، وتقسيم الغنيمة، وغير ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في تفسيره: «بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغ أمته»، والنبي معصوم عن ذلك كله.
стр. 886
وسبب النزول يحدد المعنى الأول، إذ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها فأنزل الله وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي يخون، وروى مثله غيره.
والصلة بين هذه الآية ومقطعها من أكثر من وجه. فالمقطع يبين ما ينبغي أن تكون عليه أخلاق المؤمنين بعد المعركة في مواقفهم مما يحدث لإخوانهم من قتل.
وهذه الآية تبين أمانة المؤمنين بعد المعركة في الغنيمة بأمانة سيدهم وقدوتهم.
وهناك صلة أخرى وذلك أن الذي دعا الرماة إلى النزول عن الجبل ومخالفة الأمر؛ الغنائم، ولا مبرر لذلك إذ ما دام حقهم سيصل إليهم بمنتهى الدقة، فلا مبرر للهلع لتصور أن يفوت بعضهم شئ. ولعل لهذا المدرك اللطيف،، فسرها حبر هذه الأمة ابن عباس فقال: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضا، ويمكن أن تكون الصلة بنوع من العطف بعيد لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولا تَغْلُوا* لأن الغلول لا يصح أن يكون لرسول الله ﷺ ولا لأتباعه. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: ومن يأخذ شيئا غلولا يأت بالشئ الذي غله بعينه، حاملا له كما ورد في كثير من الأحاديث، أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: ثم تعطى كل نفس جزاءها وافيا دون أن تنقص شيئا، فكل يعطى جزاءه على قدر كسبه، والله ذو فضل. ودخل في هذا التهديد الشديد كل كاسب من الغال وغيره، والتهديد في حق الغال أشد، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص مع عظم ما اكتسب.
وبعد أن نهى الله عن أخلاق للكافرين، ووصف أخلاق المؤمنين من خلال وصف أخلاق سيدهم، بين أن هؤلاء وهؤلاء لا يستوون، ليرفع همم أهل الإيمان إلى ما ينبغي.
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ باتباع ما يوصل إلى هذا الرضوان كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي: كمن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، وهم المنافقون والكفار. وَمَأْواهُ
جَهَنَّمُ
أي: منزله. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي: وبئس المرجع والمآل جهنم.
هُمْ أي: أهل الخير وأهل الشر. دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي:
منازل، يعني هم متفاوتون في منازلهم، درجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، أو هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، أو هم ذوو درجات بحسب تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين، أو بحسب تفاوت الثواب والعقاب. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي:
стр. 887
عالم بأعمالهم وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرا، ولا يزيدهم شرا، بل يجازي كل عامل بعمله. وكما من الله على المؤمنين برحمة رسوله ﷺ لهم، ولينه لهم، يمن عليهم هنا برسالته، وأعظم المن في ذلك على العرب؛ ومجئ هذه الآية في هذا السياق، تذكير بالنعمة في مقامها، إذ المقام مقام إبعاد عن أخلاق الكافرين، وتصوراتهم، وأقوالهم التي يعني السير فيها كفرانا لنعمة الله ببعثة رسوله ﷺ .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عامة والعرب خاصة؛ بدليل ما بعده، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالبعثة إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله، ومجالسته، والانتفاع به، ولكن ما المراد بالجنس التي فسرنا بها كلمة الأنفس؟ هل المراد بها الجنس البشري، أو المراد بها الجنس العربي؟ فيكون المعنى: من جنسهم عربيا مثلهم أو المراد بقوله مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: من ولد إسماعيل لما أن أشرف العرب من ولده.
والمنة على الوجه الأول، أي: بكون الرسول من البشر من حيث إمكان الاقتداء به، وسهولة مخاطبته، ومراجعته، والتعرف على حاله. والمنة على الوجه الثاني: أي: في كونه عربيا بالنسبة للعرب، زيادة على ما مر من حيث كون اللسان واحدا فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه. والمنة على الوجه الثالث: زيادة على ما مر من حيث كونه من أشرف العرب، فيسهل ذلك على الأنفس المتابعة، والمنة لله على خلقه عامة ببعثة رسوله ﷺ ، وعلى العرب أشد، وعلى بني إسماعيل وقريش أبلغ. فما أفظع كفر من يكفر من قريش، أو من العرب، أو من المؤمنين بعد كمال المنة، فيتابع الكافرين في أقوالهم، أو أفعالهم، أو أحوالهم، أو تصوراتهم، ثم عدد الله مظاهر النعمة بالرسالة يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي القرآن بعد أن كانوا في جاهلية لم يطرق أسماعهم شئ من الوحي، وهذا على القول بأن المراد إظهار المنة بالرسالة على العرب. وعلى القول بأن المراد جنس البشر يبقى المراد هو القرآن. والمنة بآياته من حيث كونها تذكيرا لهم بالله من خلال قرآنه المعجز وَيُزَكِّيهِمْ أي ويطهرهم بالإيمان والإسلام والإحسان، والتربية بالقول والعمل، والقدوة، والحال من كل دنس، وخبث، اعتقادي، أو أخلاقي، أو سلوكي، أو غير ذلك وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي القرآن والسنة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي:
من قبل بعثة الرسول ﷺ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: لفي عمى وجهالة وغي ظاهر جلي بين لا شبهة فيه. وهذا يرجح أن الخطاب والآية يراد به العرب خاصة، لأن من بقايا أهل الكتاب من كان قبل بعثته عليه الصلاة السلام على علم، وعلى هدى، ولكن الخطاب وإن أريد به العرب خاصة هنا، فإنه يدخل فيه غيرهم ممن هو مثل حالهم. ولعل
стр. 888
الحكمة في قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هو تعميم التوجيه لكل من أصبح من هذه الأمة؛ إذ من أصبح من هذه الأمة كان له شرف النسبة إلى الرسول العربي، وشرف النسبة إلى جيل هذه الأمة الأول وهو عربي عامة.
وعلى كل الأحوال فالمنة ظاهرة على العرب ببعثة هذا الرسول الكريم ﵊ وبمناسبة هذه الآية يقول صاحب الظلال: كان الإسلام بخصائصه هذه هو «بطاقة الشخصية» التي تقدم بها العرب للعالم، فعرفهم، واحترمهم، وسلمهم القيادة. وهم اليوم وغدا لا يحملون إلا هذه البطاقة. ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم. وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم؛ وإما أن ينبذوها فيعودوا هملا- كما كانوا- لا يعرفهم أحد، ولا يعترف بهم أحد! وما الذي يقدمونه للبشرية حين لا يتقدمون إليها بهذه الرسالة؟ يقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق، تنحني له الجباه، ويغرقون به أسواقها، ويغطون به ما عندها من إنتاج؟ لقد سبقتهم شعوب كثيرة، في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار!.
يقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية، ومناهج اقتصادية وتنظيمية من صنع أيديهم، ومن وحي أفكارهم البشرية؟ إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية.
وتشقى بها جميعا غاية الشقاء!
ماذا إذن يقدمون للبشرية لتعرفهم به، وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز؟
لا شئ إلا هذه الرسالة الكبيرة. لا شئ إلا هذا المنهج الفريد. لا شئ إلا هذه المنة التي اختارهم الله لها، وأكرمهم بها، وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم.
والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها، وهي تتردى في هاوية الشقاء، والحيرة والقلق والإفلاس!
إنها- وحدها- بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديما للبشرية فأحنت لها هامتها.
والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم، فيكون فيها الخلاص والإنقاذ.
إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة. وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة. هي التي تقدم أكبر منهج. وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة.
والعرب يملكون هذه الرسالة- وهم فيها أصلاء، وغيرهم من الشعوب هم
стр. 889
شركاء- فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم؟ أي شيطان؟!
لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول، وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة.
وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان .. وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان؟!.»
ثم يعود السياق بعد هذه الآية إلى المعنى الذي بدأ به المقطع وهو أحد دروس يوم أحد، والمرتبط بما أصاب المؤمنين فيه، والذي يناقش قولة الكافرين ويردها. لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ... وكما قلنا، لقد اعترض ما بين بداية المقطع ونهايته بالآيات التي رأيناها، والتي بدأت بالتذكير بنعمة، وختمت بالتذكير بنعمة.
وكلتا النعمتين في موضوع الرسالة والرسول، ليتخلص المؤمنون من هذا التصور الكاذب الفاسد في فهم ما حدث، وما يحدث من أمثاله للمسلمين في معاركهم. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يوم أحد من قتل سبعين منكم قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها. أي: يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. قُلْتُمْ أَنَّى هذا. أي: من أين جرى علينا هذا.
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. أي: أنتم السبب، أي: ما أصابكم كان بسبب عصيانكم لرسول الله ﷺ حين أمركم ألا تبرحوا من مكانكم، فعصيتم يعني بذلك- الرماة- إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ولا معقب لحكمه. يقدر على النصر وعلى منعه، وقد منعكم نصره في أحد، وأعطاكم إياه في بدر. منعكموه الآن عدلا، وأعطاكموه قبل فضلا، والاستفهام في قوله تعالى:
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ .. في الآية يراد به التقرير والتقريع كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا. وإذا تذكرنا بداية المقطع لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ .. علمنا أن المقصود الرئيسي في المقطع هو تصحيح التصورات للجماعة المسلمة في موضوع القتال، وآثاره السلبية من خلال وقعة أحد.
وبعد الآية السابقة، تأتي آية تؤكد الحكمة التي مرت من قبل وتبينها ليتوصل منها إلى كلام المنافقين، الذين لا يدركون حكم الله فيما يفعل، والذين يشبه كلامهم كلام الكافرين الذي ابتدأ به المقطع، ليرده وليبين أن الكفر والنفاق شئ واحد وليسجل خلال ذلك الموقف الشائن للمنافقين قبل المعركة إذ انفصلوا عن المؤمنين، فقال مبينا هذا كله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي: جمعكم وجمع المشركين في أحد، والذي أصابكم فيه هو فراركم بين يدي عدوكم، وقتل جماعة منكم، وجرح
стр. 890
آخرين فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي: فبعلمه وقضائه وقدره، فسلموا لله في ذلك، لأن أفعاله كلها حكمة. ثم بين بعض الحكمة في ما حدث، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا. أي: وما أصابكم فكائن بإذن الله، وكائن ليتميز المؤمنون من المنافقين، وليظهر إيمان هؤلاء، ونفاق هؤلاء، إيمان المؤمنين بصبرهم وثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم، ونفاق المنافقين بمواقفهم وأقوالهم: وَقِيلَ لَهُمْ ... أي:
للمنافقين تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أي: جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، أَوِ ادْفَعُوا أي: قاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة! وفسر آخرون الدفع في هذا المقام: بتكثير السواد. أي: أو ادفعوا العد وبتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا! لأن كثرة السواد مما تروع العدو.
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ أي: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لا تبعناكم.
وقولهم هذا يحتمل معنيين: إما أنهم يريدون أنه لا قتال أصلا، ويحتمل أنهم أرادوا أن هذا النوع من القتال ليس قتالا، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة.
قال النسفي: يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة. والمعنى الأول هو الذي يشير إليه كلام أهل السير، وذلك أن المنافقين وقحون لا يبالون أن يقولوا الكلمة التي تنقضها كل الوقائع. روى محمد بن إسحاق في سيرته بسنده عمن ذكر: خرج علينا رسول الله ﷺ يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم. ومضى رسول الله ﷺ . هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ قال النسفي: يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم، واقتربوا من الكفر. أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين.
стр. 891
وقال ابن كثير: استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ أي: يظهرون خلاف ما يضمرون، والله يعلم أسرارهم.
وهذه طبيعة المنافق يتظاهر بشيء ويبطن شيئا، يقول القول ولا يعتقد صحته، ومن ذلك كلامهم السابق؛ فإنهم يعرفون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين؛ بسبب ما أصاب أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، فالقتال كائن لا محالة، ومع ذلك ادعوا أنه لا قتال،
ثم وصفهم الله بأنهم الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي: لأجل إخوانهم، أي: عن إخوانهم- في الصورة- ممن قتل يوم أحد وَقَعَدُوا أي: قالوا وقد قعدوا عن القتال لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا أي: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله ﷺ والقعود، ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل. ويبدو- والله أعلم- أنهم يريدون بإخوانهم هنا من قتل من الأنصار. قال تعالى: ردا عليهم قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت،
فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. أو المعنى:
إن كنتم صادقين بأن الحذر ينفع من القدر، ويدفع الموت، فادفعوه عن أنفسكم، ولن تستطيعوا. أو المعنى: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع الموت سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا. والملاحظ أن كلامهم هذا يشبه كلام الكافرين الذي نهى الله عنه في أول المقطع بقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا وهذا يشعر أن المنافقين كافرون. وفيه تعرية للمنافقين، وتدليل عليهم من كلامهم.
ومن ثم ندرك كيف أن سورة آل عمران تفصيل لمقدمة سورة البقرة.
لقد تحدثت مقدمة سورة البقرة عن المتقين المؤمنين، وعن الكافرين، وعن المنافقين، وهذا المقطع زادنا بيانا في أخلاق الكافرين، وصفاتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وزادنا بيانا في أخلاق المنافقين، وكلامهم، ومواقفهم، وصفى تصورات أهل الإيمان، وعرفهم على مزيد من نعمه عليهم؛ بما من عليهم من رسوله ﵊ وعرفهم على كثير مما ينبغي أن يفعلوه ويتأدبوا به.
وصلة المقطع بما قبله مباشرة واضحة، فالكلام فيه استمرار للكلام عن دروس
стр. 892
أحد، وصلة ذلك كله بابتداء القسم لا تخفى.
بدأ القسم بالنهي عن طاعة الكافرين، والطاعة قد تكون بالاقتداء، وقد تكون بتنفيذ الأمر. والمقطع قد نبهنا على نماذج من الطاعة لا يجوز أن تكون سواء في ذلك هذا النوع، أو هذا النوع، وفي كثير من الأحيان قد يبدو للناظر أن طاعة الكافرين فيها مصلحة، والكافرون يدعون أن طاعتهم فيها مصلحة لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا فالمقطع إذن بصرنا بمثل هذا. وارتباط ذلك ببداية القسم واضحة، وفي مقدمة القسم قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ وقد مرت معنا في هذا المقطع بعض مظاهر تولي الله لنا، وفي مقدمة القسم قال الله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وجاءت بعد ذلك دروس غزوة أحد لنعرف شروط الوعد، وكان المقطع الذي مر معنا استمرارا لذلك.
ولعله بذلك اتضح لنا أن لكل مقطع في القسم وحدته، ولكل قسم في السورة وحدته، وأن لكل سورة محورها، ولكل مجموعة سور ترتيبها، ولكل قسم من أقسام القرآن ترتيبه ووحدته، وكل ذلك سنراه شيئا فشيئا. وكما صحح لنا هذا المقطع مفاهيم، ونبهنا على محاذير، فإن المقطع اللاحق سيصحح، وينبه، ويعرفنا على أمهات من التصورات الخاطئة لا ينبغي أن نقع فيها.
فوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ نذكر بعض الأحاديث حول الغلول، ونلاحظ أن بعضها جعل من الغلول هدايا العمال أي الموظفين عند الدولة، وكذلك الاعتداء على مال الأمة:
أ- روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض، أو في الدار فيقطع أحدهما من خط صاحبه ذراعا، فإذا قطعه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».
ب- وروى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «من ولي عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادما، أو ليس له دابة ليتخذ دابة، ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال».
أقول: وذلك إذا أخذه من غير إذن.
стр. 893
ج- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي قال:
«استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فرجع فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي؟ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا! والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه. ثم قال: اللهم هل بلغت- ثلاثا-».
د- روى الترمذي عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني، فإنه غلول. وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
هـ- روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملا فكتمنا منه مخيطا فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة قال: فقام رجل من الأنصار أسود، قال مجاهد: هو سعد بن عبادة كأني انظر إليه، فقال يا رسول الله:
اقبل مني عملك، قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذلك الآن: من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى» رواه مسلم.
و- روى عبد الله بن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من ظهر البعير من المغنم ثم يقول: «ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط، وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله، القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم».
ز- روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا، فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها- أو عباءة- ثم قال رسول الله ﷺ : اذهب فناد في الناس أنه لا
стр. 894
يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» ورواه مسلم.
ح- روى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس فيجوز بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه فجاء رجل يوما بعد الغداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال:
«أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟ قال: نعم. قال: فما منعك أن تجئ؟ فاعتذر إليه! فقال: كلا أنت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله منك».
- وفي عقوبة الغال، للفقهاء أقوال: منهم من قال يحرق ما غل ويضرب. ومنهم من قال: يعزر تعزير مثله، ومنهم من قال: يباع الغلول ويتصدق بثمنه.
٢ - قال عمر بن الخطاب ﵁ في تبيان الحكمة الكلية مما أصاب المسلمين يوم أحد: قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بأخذكم الفداء اهـ.
وهو نظر دقيق في الربط الكلي بين أفعال الله، ملاحظا الحكمة القريبة، والحكمة البعيدة.
стр. 895
كلمة في السياق:
لعل متهما يتهمنا أننا نتكلف للربط بين الآيات، وللصلة بين سور القرآن، ولعل فيما سنذكره هنا وبعد قليل ما يزيل شبهته. لقد قلنا: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها في سورة البقرة، بل نقول: إن سورة آل عمران تحدد لنا امتدادات معاني مقدمة سورة البقرة في سورة البقرة، وتأمل فيما يلي:
جاء في سورة البقرة: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.
لاحظ أن المقطع الذي مر معنا ينتهي بآيات هي مقدمة للمقطع اللاحق، وأن نهاية المقطع السابق، وبداية المقطع اللاحق، فيها حديث عن منة الله علينا بالرسول، وفيها حديث عن المصائب في القتال، وفيها حديث عما لا ينبغي قوله عن القتلى في سبيل الله، وفيها حديث عن حياة الشهداء. فإذا ما تأملت هذه الآيات لم تشك أنها تفصيل لما ذكر في سورة البقرة، وهذه هي الآيات: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ* الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ....
إنه لمن الواضح أن هناك ارتباطا بين هذه المعاني وبين ما ذكرناه في سورة البقرة.
فهل لذلك قاعدة أم لا؟ إن الذين يظنون أن هذا القرآن لا ترابط بين آياته في السورة الواحدة، أو لا ترابط بين سوره، محجوجون عن واقع هذا القرآن.
стр. 896
ونحن نتعمد في هذا التفسير ألا نذكر شيئا حتى يأتي محله، حتى لا يكون للإنكار علينا سبيل إن شاء الله.
وكثير من الأمور ستتضح كلما سرنا في هذا التفسير.
وإنما ذكرنا هنا ما ذكرناه لتأكيد على أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها في سورة البقرة نفسها. وإن مما يحدد امتدادات معاني مقدمة سورة البقرة في سورتها، سورة آل عمران، وإنما نؤكد على هذا لأننا سنرى أن سورا كثيرة ستفصل في آيات من سورة البقرة، بينما سنجد آيات في سورة البقرة لا تفصلها سور، وما ذلك إلا لمثل هذا الذي ذكرناه.
هذه الكلية التي نذكرها هنا، والتي ستأتي الأدلة عليها كثيرا كلما سرنا في هذا التفسير تجعلنا نؤكد: أن ما أجمل في مقدمة سورة البقرة، قد فصل بعضه في سورة آل عمران، وستأتي سور أخرى تفصل بعضه الآخر، كما أن هناك سورا، ستفصل في آيات أخرى من سورة البقرة على نسق وترتيب خاصين.
كل ذلك نقوله لنلفت النظر إلى أن المسلم لا ينبغي أن يخرج من سورة آل عمران، إلا وقد خرج بمزيد من وضوح الرؤية في قضية التقوى والكفر والنفاق.
لقد عرفنا في مقدمة سورة البقرة، أن الكافرين لا يؤثر فيهم الإنذار. وعرفنا- مثلا- من المقطع الذي مر معنا، أن الكافرين يربطون بين الموت وعالم الأسباب فقط، وعرفنا في مقدمة سورة البقرة بعضا من أقوال المنافقين ومواقفهم، وهاهنا عرفنا بعضها الآخر من أنهم لا يشاركون في قتال، ومن كونهم مثبطين عنه، داعين للقعود،
إلى غير ذلك. وعرفنا من مقدمة سورة البقرة، أن الإيمان يستلزم صلاة، وإنفاقا، واتباع كتاب، ومن سورة آل عمران عرفنا، أن الإيمان يستلزم عدم طاعة الكافرين والمنافقين، وعدم اتخاذ بطانة من غير المؤمنين.
ولننتقل إلى المقطع الثالث والرابع من القسم الخامس من سورة آل عمران، وسنبدأ الكلام عن المقطعين معا لشئ له صلة بما مر معنا آنفا:
المقطعان الثالث والرابع من القسم الخامس من سورة آل عمران
يمتد المقطع الثالث من الآية (١٦٩) إلى نهاية الآية (١٨٩)، ويمتد المقطع الرابع حتى نهاية السورة، وهو خاتمة السورة.
стр. 897
والمقطع الثالث يصحح مفاهيم وتصورات، ولذلك فإن كل فقرة من فقراته تبدأ إما بقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ أو وَلا يَحْسَبَنَّ والمقطع الرابع يوجد في سياقه الرئيسي تقريران: تقرير في حق أهل الإيمان، وتقرير في حق من آمن من أهل الكتاب.
وتنتهي السورة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
رأينا في هذا القسم صلة المقطع الثاني بالأول، والمقطع الثالث امتداد للأول، فالآيات الأولى منه امتداد لما قبلها مباشرة، والمقطع كله امتداد للمقطع السابق عليه، فقد سبق مباشرة بقوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ...
وجاء المقطع الثالث مبدوءا بقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ...
ثم إن المقطع الثاني بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ....
وهذا المقطع يبدأ بنفس المضمون، ويستمر بتصحيح تصورات يتبناها الكافرون أو يقولون بها. ويأتي المقطع الرابع ليعرض علينا صفحة من حال أهل الإيمان، سواء سبق لهم أن كانوا مؤمنين بكتاب أو لا، وتنتهي السورة بالأمر بالصبر والمصابرة، والمرابطة والتقوى. وكل ذلك قد جاء في سياق القسم المبدوء بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ* سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
فالمقاطع كلها تخدم فكرة عدم الطاعة للكافرين، وتؤكد ولاية الله للمؤمنين، وتعمق الصفات والخصائص التي ينبغي أن يكون عليها أهل الإيمان، ليستأهلوا وعد الله، ومن ذلك الصبر والمصابرة والمرابطة.
إن المقطع الثالث من حيث إنه تصحيح للتصورات التي يطرحها أهل الكفر، فإن صلته بمقدمة سورة البقرة- التي هي حديث عن المتقين والكافرين والمنافقين- لا
стр. 898
تخفى. وإن المقطع الرابع- الذي يتحدث عن حال المؤمنين عامة، وحال المؤمنين من أهل الكتاب خاصة لا تخفى صلته بمقدمة سورة البقرة. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. على أنه يمكن أن يقول قائل: إن أي آية في القرآن يمكن أن يقال إن لها صلة بمقدمة سورة البقرة بشكل من الأشكال، وهذا صحيح لأن القرآن كله موضوع واحد. ولكنا نقول: إنه زيادة على هذه الوحدة الموضوعية، فهناك سور ألصق بموضوع بعينه، وسنرى كيف أن سورتي الأنفال وبراءة ألصق بموضوع القتال، وقل ذلك في كل سورة. فمن هذه الحيثية نقول: إن لكل سورة محورها من سورة البقرة، ومحور سورة آل عمران، هو مقدمة سورة البقرة وامتدادات معاني هذه المقدمة في السورة. ونظن أنه في النموذج التالي سيكتشف المنصف صدق ما نقول:
جاء في سورة البقرة قصة آدم ﵇، ثم مقطع بني إسرائيل، ثم قصة إبراهيم ﵇، ثم مقطع القبلة؛ ومن خلال الحوار مع بني إسرائيل وغيرهم، عرفنا وضع الكافرين ومواقفهم وقد انتهى مقطع القبلة في سورة البقرة بقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ. ثم جاء أمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، ونهي عن القول بأن الشهداء أموات، وإخبار بأن الابتلاءات، وأن علينا أن نعترف لله بالمالكية إذا ابتلينا وذلك في مقطع الصبر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وفي هذا السياق جاء كلام عن كتمان ما أنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى. ثم في هذا السياق جاء قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ هذا كله جاء على تسلسل في مقطعين من سورة البقرة.
وفي سورة آل عمران نجد تفصيلا لهذا كله.
فلقد رأينا أن المقطع الثاني جاء في آخره قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ.
стр. 899
و المقطع الثالث يبدأ بقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ...
وفي المقطع الثالث يرد قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ.
ويختم المقطع الثالث بإعلان المالكية لله وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ويبدأ المقطع الرابع بقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ... فهو يعرفنا على العقلاء الذين يرون آيات الله، وينتهي المقطع بالأمر بالصبر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا ...
ألا ترى أن المعاني التي وردت في ذلك الحيز من سورة البقرة، جاء هذا الحيز من هذه السورة ليفصل فيها ضمن ترتيب جديد وفي سياق جديد!
أليس في ذلك ما يلفت النظر ويطالب بالبحث عن الناظم الذي يفسر هذه الشئون!.
إن تفسيرنا نحن لهذا هو ما قلناه: إن سورة آل عمران، محورها مقدمة سورة البقرة وامتدادات معاني هذه المقدمة. فسورة آل عمران هي التفصيل الأول لذلك. وستأتي سور أخرى تفصل تفصيلا ثانيا وثالثا ورابعا في مقدمة سورة البقرة وهذا مظهر من مظاهر كون القرآن كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ.
(سورة هود)
المقطع الثالث
يتألف هذا المقطع من أربع فقرات متشابهة البدايات، كل منها مبدوء بفعل مشتق من الحسبان، ويجمع الفقرات جامع وهو أنها تصحح تصورا يمكن- لولا البيان- أن يتسلل إلى أصناف من الناس. فلنقبل على تفسير فقرات المقطع الثالث، وهو مقطع تصحيح التصورات في فقراته الأربع بشكل مباشر، فقد أطلنا التعلقيات.
الفقرة الأولى من المقطع الثالث
[سورة آل عمران (٣): آية ١٦٩]
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)
стр. 900
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٠ الى ١٧٧]
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)
المعنى العام:
يخبر تعالى في هذه الفقرة عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية، مرزوقة في دار القرار، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، وأنهم يسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم، على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وإنما كان سرورهم بما عاينوه من وفاء الموعود، وجزيل الثواب، ومعرفتهم أن الله لا يضيع أجر المؤمنين المتأخرين عنهم ممن لهم مواقف المؤمنين الصادقين. وقد ضرب الله مثلا لهذا النموذج الصادق المؤمن أصحاب رسول الله ﷺ فيما استجابوا له في
стр. 901
اليوم التالي لأحد، إذ استنفرهم رسول الله ﷺ للحاق العدو فنفروا على ما بهم من جراح وضعف، مستجيبين لله ورسوله، إذ بلغهم جمع المشركين لهم، بغية أن يستأصلوهم، فلم يكن منهم إلا أن قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فأكرمهم الله بأن كف أيدي الناس عنهم. ثم بين الله- أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه، بأن يوهمهم بأسهم، وحذرنا الله أن نطيع الشيطان، وأمرنا أن نخافه وحده، ثم نهى رسوله ﷺ أن يحزن على من يسارع في الكفر؛ محقرا له كيدهم، مبينا أنهم هم الخاسرون، ثم ختم هذه الفقرة بتبيان أن الذين يبيعون الإيمان بالكفر لا يضرون الله بل يضرون أنفسهم باستحقاقهم عذاب الله.
أعطتنا هذه الفقرة التصور الصحيح عن وضع الشهداء، وبينت لنا خلقا من أخلاق الإيمان، من حيث متابعة أهله للجهاد في كل الظروف، ومن حيث استعصاء أهله على الحرب النفسية، ثم بينت لنا قاعدة: وهي أن الشيطان يحاول تخويفنا من أعداء الله، وحذرتنا من الوقوع في شباكه، ثم جاء نهي، وقاعدة لها علاقة بالمنافقين والمرتدين.
كلمة حول السياق:
يلاحظ أن في هذه الفقرة نهيين موجهين لرسول الله ﷺ وهما للأمة كلها. النهي الأول: نهي عن تصور أن الشهداء أموات، والنهي الثاني: نهي عن الحزن على من كفر بعد إيمان، والصلة بين هذا وبداية المقطع السابق عليه واضحة، إذ في بداية المقطع السابق نهي عن أن نكون كالذين كفروا في تصوراتهم حول موضوع الموت والقتل، وهو موضوع يكفر بسببه من يكفر بعد إيمان، ومن ثم كان النهي الأخير له علاقة بهذا الموضوع. والفقرة كما هي مرتبطة بقسمها في سياقه الخاص، فهي مرتبطة بالسياق القرآني العام إذ هي توضيح لقضايا إيمانية وكفرية ونفاقية، وهو السياق العام لسورة آل عمران المرتبطة بمقدمة سورة البقرة وامتداداتها.
المعنى الحرفي:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الخطاب مباشرة لرسول الله ﷺ وهو خطاب لكل أحد بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. أي: بل هم أحياء عند ربهم، مقربون عنده، ذوو زلفى، يرزقون مثل ما يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون. وذكر الرزق بعد ذكر الحياة تأكيد لكونهم أحياء، ووصف لحالهم التي هم
стр. 902
عليها من التنعم برزق الله. وشرط هذه الحال: أن يكون القتل في سبيل الله، أي: من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا كما قال ﵇: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
ثم وصف الله- حالهم في حياتهم ورزقهم:
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من توفيقه لهم للشهادة، وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين، معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ. أي: ويستبشرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد فيلحقوا بهم. بل بقوا خلفهم يتابعون جهادهم.
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أي: لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم. فهم فرحون لأنفسهم، فرحون لإخوانهم الذين من ورائهم، وإنما استبشروا لإخوانهم بتبشير الله لهم. وفي ذكر الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على الجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء.
فكأنها قالت للباقين: إن إخوانكم الذين سبقوكم وجدوا خيرا، فلم يحزنوا على فائت ورأوا ما سرهم فالحقوهم يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. أي: يسرون بثلاثة أمور: بما أنعم الله عليهم، وبما تفضل الله عليهم من زيادة الكرامة، وبسرورهم بإعطاء الله المؤمنين أجورهم كاملة موفرة. هذا حال من قتل يوم أحد. ويأتي الآن وصف من بقي: فإذا نقلنا الآيات إلى العموم المعتاد، إذ القاعدة أن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، نعرف أن ما ذكر لكل شهيد، وأن ما يأتي هو حال المؤمنين في كل زمان. وأصحاب رسول الله ﷺ هم النماذج العليا في هذا الباب. ولنذكر سبب النزول مقدمة لتفسير الآيات اللاحقة ليعين ذلك على الفهم.
لما أصاب المشركون ما أصابوا يوم أحد، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لم يستأصلوا المسلمين. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم، ويريهم أن بهم قوة وجلدا، ولم يأذن لأحد إلا لمن حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله لما سنذكره، فنهض المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان؛ طاعة لله- ولرسوله ﷺ . وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال، وكان انتداب المسلمين للخروج يوم الأحد لست عشرة ليلة من شوال. فكانت استجابتهم الرائعة بعد كل ما أصابهم هو الموقف الأروع الذي
стр. 903
سجله الله لهم. ومجموع ما له علاقة بهذا هو الذي يذكر في السيرة تحت عنوان غزوة حمراء الأسد. فلنذكر الآيات مع ذكر النص المباشر قبلها.
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ. أي: من بعد ما أصابهم الجراح، فالقرح: هو الجرح. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ في الآخرة. وقوله تعالى (منهم): للتبيين لا للتبعيض، لأن كل من استجابوا لله والرسول محسنون متقون ﵃.
هذه صفة أولى من صفات الإيمان، الاستجابة لداعي الجهاد في كل الظروف والأحوال.
ثم تأتي الصفة الثانية. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: هم ركب من عبد القيس، كلفهم أبو سفيان أن يقولوا للمسلمين في حمراء الأسد، أنهم قد أجمعوا المسير إلى المسلمين لاستئصالهم، ووعدهم أن يجعل لهم في مقابل ذلك شيئا عينه لهم، وهذا ما سجلته الآية. إِنَّ النَّاسَ أي: أبا سفيان ومن معه، قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ. أي: فخافوهم. فَزادَهُمْ إِيماناً. أي: فزادهم هذا القول بصيرة ويقينا. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. أي: يكفينا أن الله ولينا وحده فنتكل عليه، ونعم الموكل هو. هذه صفة ثانية من صفات أهل الإيمان؛ أنهم إذا ادلهمت الأمور عليهم ازدادوا توكلا على الله، وإيمانا به. والله عند حسن ظن عباده به، فكان من أمر المشركين يومها، أن قذف الله في قلوبهم الرعب، وفروا بعد أن كانوا يفكرون في الهجوم، واستئصال المسلمين كما سنرى في قسم الفوائد، وكفى الله المؤمنين شرهم، وسجل ربنا ذلك؛ ليمن به على المسلمين مريا إياهم أنه عند حسن ظن عباده به.
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ أما النعمة: فهي السلامة، وأما الفضل: فهو فرار الكافرين، وعودة الهيبة للمؤمنين، ورجوع الروح المعنوية للمسلمين وغير ذلك. لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ. أي: لم يلقوا ما يسوءهم من كيد العدو. وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ باستجابتهم لله والرسول، وجرأتهم، وخروجهم، وحسن توكلهم، واستعصائهم على ما يسمى في اصطلاحنا الحديث الحرب النفسية. وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ على عباده وأوليائه في الدنيا وفي الآخرة. والآن يأتي دور أخذ الدروس مما حدث.
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ. أي: إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وشدة، فلننتبه إلى هذا التفسير، وهو الوجه الوحيد الذي ذكره ابن كثير؛ إذ قدر
стр. 904
محذوفا بعد قوله تعالى: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ففسرها بقوله (يخوفكم). وفسرها النسفي بأن الشيطان يخوف من يواليه من المنافقين. ومن ثم فإن الخوف يلازم النفاق؛ ثم نهى الله عباده المؤمنين أن يخافوا أولياء الشيطان قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. أي: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تخافوا أولياء الشيطان، بل خافوا الله
وحده؛ لأن مقتضى الإيمان أن يؤثر العبد خوف الله؛ فيطيعه ولا يعصيه ومن خاف الله خافه كل شئ، وسخر له كل شئ؛
ولما كان رسول الله ﷺ شديد الحرص على إيمان الناس، وكان يحزنه كفر من كفر فضلا عن كفر من آمن، قال الله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ هذا النهي فيه أمر لرسول الله ﷺ أن ينظر إلى هذا الموضوع بعين الحكمة لا بعين الرحمة.
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. أي: إنهم بمسارعتهم للكفر لن يضروا دين الله ولا أولياءه؛ وهذه بشارة عظيمة للمؤمنين؛ فإذا صبروا واتقوا، فإن من يسارع إلى الكفر لن يضر إلا نفسه، وما وبال ذلك عائد إلا عليه، وقد بين الله- كيف أن وبال ذلك لا يعود إلا عليه بقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. أي: يريد الله بمشيئته وقدرته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة، فالحظ: هو النصيب. ومع حرمانهم من ثواب الله وجنته فإن لهم عذابا عظيما؛ وأي ضرر يضر به الإنسان نفسه أبلغ من هذا الضرر! أن يحرمها جنة الله، وأن يدخلها ناره.
ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك إخبارا مقررا إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ. أي: استبدلوا هذا بهذا لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً. أي: لن يضروه أي ضرر، ولكن يضرون أنفسهم. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ عقوبة لهم. وهل الآيتان الأخيرتان في المنافقين، أو في الكافرين كفرا أصليا، أو الأولى في الكافرين، والثانية في المنافقين، أو العكس، أو الأولى في المرتدين، والثانية في الكفار كلهم؟ كل ذلك تحتمله الآيتان. وبهذا نكون قد انتهينا من استعراض المعنى الحرفي للفقرة الأولى من المقطع الثالث. فلننقل بعض ال فوائد التي تتعلق بها، وتساعد على فهمها.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس قال: «قال رسول الله ﷺ : لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب
стр. 905
مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» وهذا أثبت ما ورد في سبب نزول هذه الآية وما بعدها مباشرة.
٢ - روى مسلم في صحيحه عن مسروق قال: «إنا سألنا عبد الله عن هذه الآية وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فقال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسامنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» أقول: وفي كون أرواحهم في جوف طير خضر كرامة لهم فهذه الطيور في حقهم كالمركوب بالنسبة للإنسان.
٣ - وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية» قال ابن كثير في التعليق على هذا الحديث: وكأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة ... وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن، فإن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد ﵀ رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀ عن مالك ... قال رسول الله ﷺ : «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» قوله يعلق: أي يأكل. وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يجمعنا على الإيمان».
стр. 906
٤ - روى محمد بن إسحاق عن رجل من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحدا قال:
«شهدنا أحدا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي، رجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي- أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جراحا منه فكان إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون» اهـ. ففي مثل هذين نزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ....
٥ - بعد ما حدث في أحد، أصبح المسلمون في وضع حرج من عدة وجوه:
سقوط الهيبة العسكرية، احتمال كرة المشركين على المدينة، احتمال جرأة الأعراب والمنافقين واليهود عليهم، هبوط الروح المعنوية عندهم، فكان خروج الرسول ﷺ إلى حمراء الأسد لاحقا بالمشركين، وبقاؤه فيها ثلاثة أيام، وبلوغ هذا لأبي سفيان، وإلقاء الله الرعب في قلوب المشركين حتى رجعوا إلى مكة بما يشبه الفرار، غسلا لكل آثار أحد.
٦ - أخرج البخاري عن ابن عباس قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد
جمعوا لكم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» اهـ.
وقال ﵊ لأحد أصحابه «فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في حديث.
٧ - فسر الفضل في قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ بما مر، وهناك من فسر الفضل بربح تجاري أصابه المسلمون عقب رجوعهم من حمراء الأسد، ومنهم من حمل هذه الآية على غزوة بدر الصغرى إذ إن أبا سفيان واعد المسلمين بدرا من العام القادم يوم أحد، وحاول أن يرهب المسلمين بالإشاعات لعلهم لا يخرجون إلى بدر، فقال المسلمون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وخرجوا إلى بدر، وتخلف المشركون، وابتاع المسلمون من سوقها، وكانت سوقا تجاريا، وربحوا فحمل بعضهم الآية على هذا. والآية يدخل فيها مثل هذا، أما أن يقال: بأن هذا سبب النزول، فإن السياق لا يدل عليه، بل يدل على ما ذكرناه أثناء التفسير.
стр. 907
كلمة في السياق:
رأينا أن الفقرة فيها نهيان موجهان لرسول الله ﷺ : «لا تحسبن»، «ولا يحزنك» وهما نهيان لكل الأمة. ومن هذا ندرك أن السياق الرئيسي في الفقرة هو التصحيح والتوجيه، تصحيح التصورات في شأن الشهداء، وتوجيه النظر إلى الحكمة في شأن المرتدين، وفي سياق النهي عن حسبان الشهيد ميتا عرضت علينا أخلاقية المؤمنين الذين يستأهلون البشارة، وعرض أيضا المرشحون للشهادة من خلال النموذج الكامل للإيمان.
فالمؤمنون الذين يستأهلون البشارة، والمرشحون للشهادة، هم الذين يستجيبون لداعي الجهاد في كل الظروف، وهم الذين لا تؤثر فيهم الحرب النفسية؛ لعمق توكلهم على الله- والذين لا يستجيبون لوساوس الشيطان في التخويف من أوليائه هؤلاء هم المؤمنون حقا.
فالفقرة إذن، عمقت مفهوم الإيمان عندنا، وأعطته مضمونا زائدا على ما مر، كما صححت تصورا في شأن الكفر والكافرين، وفي شأن المنافقين الذين يسارعون إلى الكفر، فالفقرة تتكامل معانيها، فتشكل وحدة فيما بين آياتها. وصلتها بالآية التي قبلها واضحة، فما قبلها هو:
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ ... الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا.
فجاءت هذه الفقرة بعد ذلك مباشرة تبشر بما للشهداء، وتطالب بألا نحزن على الذين يسارعون في الكفر من هؤلاء المنافقين. ثم إن هذه الفقرة تأتي في سياق القسم الخامس من سورة آل عمران، والذي فيه وعد من الله للمؤمنين بالرعاية والنصر، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين. ومن ثم فهي تربي على المعاني التي ينال بها أهل الإيمان وعد الله بذلك، وتقدم نموذجا على فعل الله لأوليائه في أشد حالات الضيق إذ انتصروا بالرعب، كما تأتي هذه الفقرة بعد مقطع ينهى عن مشابهة الكافرين في بعض أقوالهم، فتكمل هذه الفقرة موضوع ما لا ينبغي أن تتوافق فيه تصورات أهل الإيمان مع أهل الكفر. والفقرة مع هذا كله، تفصل في محور سورة آل عمران من سورة البقرة، ففي أول سورة البقرة ورد قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
стр. 908
وفي هذه الفقرة يأتي تفصيل لأثر الإيمان، وهو الاستجابة لله ولرسوله ﷺ في كل الأحوال، والتوكل على الله في كل الظروف.
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وكما جاء كلام في مقدمة سورة البقرة عن الكافرين والمنافقين بعد الكلام عن المتقين، فإن هذه الفقرة تنتهي بكلام عن الذين كفروا بعد إيمان:
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وبعد هذه الفقرة تأتي فقرة في المقطع الثالث، تكمل معاني الفقرة الأولي في دفع توهمات الكافرين، وتصحيح تصورات المؤمنين.
الفقرة الثانية في المقطع الثالث
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)
لاحظنا أن الفقرة السابقة بدأت بقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ وهذه بدأت ب وَلا يَحْسَبَنَّ وهناك قراءة ولا تحسبن دل ذلك على أننا في بداية فقرة ضمن المقطع الذي يصحح التصورات الإيمانية ويصفيها، ويميز التصورات الكفرية
стр. 909
ويصفها، ويوجه المؤمنين إلى كمالهم في التصور. فبعد المقطع السابق الذي صحح التصور حول الموت والقتل، وأنه لا يكون إلا بأجل، جاءت الفقرة الأولى من هذا المقطع تصحح التصور حول مآل الشهداء في سبيل الله. ثم تأتي هذه الفقرة فتصحح تصورات المؤمنين حول الإملاء للكافرين، وامتحان المؤمنين، وكل ذلك يعرض من خلال أخذ الدروس مما حدث يوم أحد، وما بعده، وما قبله. فمن خلال الحياة العملية نأخذ تفصيلات في قضية الإيمان والكفر، وفي سنن الله- في أهل الإيمان
وأهل الكفر، وفي سنن الله في الصراع الذي يجري بين أهل الإيمان وأهل الكفر.
والخطاب في هذه القراءة وإن كان للكافرين إلا أنه تصحيح لتصور المؤمنين، لأن الكافرين لا يستفيدون من الخطاب، ولنلاحظ أن قراءة حمزة بالتاء.
المعنى العام:
ينهى الله الكافرين أن يتصوروا أن إمهالهم والإملاء لهم، خير لهم، بل هو شر لهم، لأنهم بهذا الإملاء يزدادون إثما، فيستحقون العذاب الأكثر، وإذ بين الله- أن الإملاء ليس علامة على إرادة الخير بصاحبه، يبين في الآية الثانية أن الامتحان لا بد منه لأهل الإيمان، ليظهر فيه الولي، ويفضح فيه العدو، وليعرف به المؤمن الصابر، من المنافق الفاجر، والأمر كله لله؛ فهو الذي يعلم الغيب كله، ومن ثم يعلم ما فيه الصلاح، وما فيه الفساد، وما هو خير للمؤمنين. فثقوا به، وتوكلوا عليه، وسلموا أموركم إليه. وإذا أطلع على شئ من الغيب، فإنما يطلع رسله، وإذ كان رسول الله ﷺ بين أظهركم، فذلك أحرى وأدعى للتوكل ورؤية الحكمة. ثم بشرهم أنهم في حالة إيمانهم وتقواهم سيعطيهم أجرا عظيما.
ففي هاتين الآيتين إذن تصحيح لمفهوم الإملاء، والابتلاء، وتبيان للحكمة في ذلك وواجب العبد المؤمن هو الإيمان والتقوى. فهذان فرضا العمر، وهاتان الآيتان واردتان في سياق الكلام عن غزوة أحد ودروسها، لذلك قال مجاهد في قوله تعالى:
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ... قال: ميز بينهم يوم أحد. وقال ابن كثير في شرح التمييز في الآية: يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين؛ فظهر به إيمانهم وصبرهم، وجلدهم، وثباتهم، وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ ، وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم، ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ ولكن كما قلنا فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فالآية في كل امتحان. ومن ثم قال
стр. 910
قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة.
المعنى الحرفي:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ. أي: لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم خير لهم. والإملاء لهم: إمهالهم وإطالة عمرهم، والتوسعة عليهم، وعدم التضييق عليهم. ثم بين لماذا ليس الإملاء خيرا لهم فقال: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً. أي: ليزدادوا خطايا فيزدادوا عذابا. وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي: مذل.
فالإملاء الذي يعقبه عذاب وإذلال، ليس خيرا لصاحبه، بل هو استدراج له.
وكما يملي للكافرين، فإنه يمتحن المؤمنين ولذلك قال: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ. أي: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما هم فيه من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين. حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. أي: حتى يعزل المنافق عن المخلص.
والخطاب في قوله تعالى: عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ للمخلصين منهم. فكأن المعنى: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط مع غيرهم، حتى يميز المخلص منكم عن غيره، وذلك بواسطة المحنة. قال ابن كثير في تفسير ما مر: أي لا بد أن يعقد شيئا من المحنة يظهر فيه وليه، ويفضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، من المنافق الفاجر، ولذلك قال تعالى بعد هذا: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي: جرت سنة الله أن لا يطلع عامة خلقه على الغيوب، وإذ كان الإيمان والنفاق غيبا، فقد جرت سنة الله أن يتم التمييز بين المؤمن والمنافق لأهل الإيمان بما يفعله من الأسباب الكاشفة عن ذلك، وذلك بواسطة الابتلاءات، والامتحانات. ويشعر قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ بمعنى زائد على ما ذكرنا، وهو أن الله يعلم الغيب وحده، وهو يحب عباده المؤمنين، فثقوا به، وتوكلوا عليه في المحنة، فإن مآلها بالنسبة لكم خير، والله أعلم.
وبعد أن بين الله، أنه وحده يعلم الغيب، وأنه لا يطلع عباده على غيبه قال:
وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ. أي: ولكن الله يصطفي من رسله من يشاء، وهي هنا تعني: ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه، ويخبره بشيء من الغيب ومن ذلك: إيمان ناس ونفاق آخرين، فهو يعلم ذلك من جهة إخبار الله له لا من جهة نفسه. وقد فهمنا هذا من مجئ قوله «ولكن» بعد قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ. وذكر معرفة الله الغيب، وعدم معرفتنا، وذكر اجتباء الله الرسول واطلاعه على شئ من الغيب، يفيد المطالبة لنا بزيادة التوكل على الله. ومن ثم
стр. 911
صدر الأمر بعد هذا بقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. أي: آمنوا بهما حق الإيمان، الإيمان الذي يرافقه الإخلاص، والثقة، والطاعة، والعمل، والاطمئنان عند الامتحان والثبات فيه. ثم وعدهم على الإيمان والتقوى أجره العظيم فقال: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ. أي: إن تؤمنوا بالله ورسله، وتتقوا النفاق، وما يؤدي إلى عقوبة الله، فلكم أجر عظيم في الآخرة.
فوائد:
١ - ذهب المعتزلة إلى وجوب الصلاح والإصلاح على الله، كما ذهبوا إلى نفي إرادة المعاصي عن الله. وفي قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً حجة لنا عليهم في أنه لا يجب على الله شئ وجوبا عقليا، بل وجوبا شرعيا بإيجابه على نفسه، وأنه لا يكون في هذا الكون شئ إلا بإرادته.
٢ - وذهب الباطنية إلى أن إمامهم يعلم الغيب، وفي قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ رد عليهم.
كلمة في السياق:
تحدثت الفقرة عن الإملاء والابتلاء، وكلاهما مما يخطئ فيه الناس، فكثيرا ما يظن الظانون أن الإملاء علامة الكرامة، وأن الابتلاء علامة الإهانة، فجاءت الفقرة تصحح هذين المفهومين، فالصلة بين معانيها قائمة. والصلة مع ما قبلها مباشرة قائمة:
فما قبلها هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فالله- توعد الكافرين في هذه الآية بالعذاب الأليم، وكثيرا ما يرى الناس أن كافرا يتنعم في هذه الحياة الدنيا، ومسلما يضطهد، فجاءت الفقرة اللاحقة تبين أن الإملاء، والابتلاء، ليسا علامة على الكرامة والإهانة، بل النار والجنة هما العلامة، فلا يخلو كافر من شقاء، ولا يحرم مؤمن من سعادة في الدنيا، والعاقبة للمتقين.
والصلة بين هذه الفقرة والفقرة التي قبلها واضحة من خلال حرف العطف، كما أن الصلة بين الفقرة وبداية القسم الخامس قائمة، فالله- وعد المؤمنين في
стр. 912
بداية القسم بالنصر والرعاية، وجاءت هذه الفقرة لتبين أن الابتلاء نفسه في حق المؤمن رعاية ونصرة. ولنتحدث عن صلة ما يمر معنا بسورة البقرة:
أقول: إن قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ* وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ أقول: إن هذه المجموعة وثيقة الصلة بمقدمة سورة البقرة التي فيها: الذين يُقِيمُونَ الصَّلاةَ والتي فيها أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وإذن فهذه المجموعة من امتدادات معاني مقدمة سورة البقرة في السورة، فلنلاحظ الآن ما يلي: بدأت المجموعة بالأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، ثم جاء قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ وجاءت الفقرة الأولى في هذا المقطع الثالث في تفصيل هذا: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً .... وبعد تلك الآية من سورة البقرة جاء قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ. والملاحظ أن هذه الفقرة التي مرت معنا كان فيها حديث عن حكمة الابتلاء والإملاء والآن تأتي فقرة تتحدث عن البخل والبخلاء، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واضحة، أليس في ذلك نوع دليل على أن محور سورة آل عمران هو مقدمة سورة البقرة، وأنها تفصل فيما هو كالامتداد لهذه المقدمة في سورة البقرة! وكل ذلك دون أن يكون على حساب السياق الخاص لسورة آل عمران. إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وهي في كل مرحلة تشد لنا معنى من امتدادات المقدمة وتفصل في الجميع.
الفقرة الثالثة في المقطع الثالث
[سورة آل عمران (٣): آية ١٨٠]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)
стр. 913
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨١ الى ١٨٧]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)
المعنى العام:
نهى الله- في هذه الفقرة أن يظن البخيل أن جمع المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل ماله يوم القيامة، إذ يعذب به.
ثم يخبر تعالى أنه وارث السموات والأرض، وأنه خبير بالأعمال والنيات، وهذا يقتضي أن ننفق مما أعطانا، وكما أمر، وبمحض الإخلاص لنلقى جزاء ذلك. ثم رد الله- عزّ
стр. 914
وجل- شبهة أثارها المتكبرون- وهي دعواهم إذ أمرنا ربنا بالإنفاق- أنه فقير، وهم الأغنياء، وهذا معناه في زعمهم احتياجه لهم، فهددهم الله على مقالتهم وعلى قتلهم الأنبياء من قبل. ومن هنا نفهم أن قائلي هذا الكلام هم اليهود، وبين أن جزاءهم على ذلك عذاب جهنم بسبب أفعالهم، لا بظلم من الله لأن ربنا ليس بظلام لخلقه، ثم بين أن من أخلاق هؤلاء، وأقوالهم دعواهم أن الله لم يأذن لهم أن يؤمنوا برسول إلا إذا قدم قربانا أكلته نار من السماء، فرد عليهم هذه الدعوى، وبين لهم أنهم كاذبون فيما يطلبون، فإن رسلا آخرين جاءوا بمعجزات، وبقربان أكلته النار فقتلوهم، فهذا دليل على أن كلامهم هذا من باب التعنت لا من باب الإنصاف، ثم عزى الله رسوله بأنه إن كذبه هؤلاء، فإن غيره من الرسل قد كذبوا مع مجيئهم بالمعجزات والوحي، ثم وعظ الله الناس وعظا عاما بالموت، وذكرهم بالنار والجنة، وأن الفوز هو في الزحزحة عن النار، ودخول الجنة، وأن هذه الدنيا فانية، والتذكير بهذا في سياق النهي عن البخل واضح الدلالة. ثم ذكر الله- المؤمنين بأن من سنته أن
يبتليهم في الأموال والأنفس، وذكرهم بأن أهل الكتاب والمشركين سيؤذونهم كثيرا، وندبهم إلى الصبر والتقوى، وأثنى على من يتحقق بهذا.
ثم إن الفقرة تتجه للتذكير بما أخذ من عهود على أهل الكتاب على ألسنة أنبيائهم أن يبينوا كتاب الله ولا يكتموه، ومن ذلك ما ورد فيه من أمر محمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكون الناس على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه. فكتموا ذلك، وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا.
المعنى الحرفي للآيات:
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ وفي قراءة:
ولا تحسبن، وهذا يؤكد الصلة بين الفقرات التي تؤلف هذا المقطع.
والمعنى: لا يظنن البخلاء بحقوق الله التي جعلها فيما رزقهم، أن بخلهم خير لهم.
بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ. أي: بل بخلهم شر لهم، لأن أموالهم ستزول عنهم، ويبقى
стр. 915
عليهم وبال البخل، والشرية لهم في الآخرة متحققة، وقد يكون بخلهم شرا عليهم في الدنيا كذلك بما يصيبهم بسبب هذا البخل من كراهية، وثورات عليهم، وعقوبات دنيوية وربانية. سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا تفسير للشر الذي يصيبهم بسبب بخلهم في الآخرة. ومعناه أن الله سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقا في أعناقهم يوم القيامة، كما شرحته السنة. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
أي: وله ما فيهما مما يتوارثه أهلها من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يغيب عنه ظاهر العمل ولا باطنه، فاعملوا خيرا، وأخلصوا نياتكم وضمائركم لله فيه، لتنقذوا أنفسكم من عذابه، وتنالوا رضوانه.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ قال ذلك اليهود عليهم اللعنة عتوا على الله في تحريفهم لمراد الله من أوامره، ومعنى سماع الله له: أنه لم يخف عليه، وأنه أعد له كفاء من العقاب. سَنَكْتُبُ ما قالُوا هذا تهديد ووعيد لهم، ومعناه: سنحفظه عليهم، ونحاسبهم عليه، أو سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف؛ لنجزيهم عليه. وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. أي: سنكتب قولهم هذا، وقتلهم الأنبياء، فجعل قتلهم الأنبياء قرينا لهذا القول إيذانا بأنهما في العظم أخوان، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على هذا القول، فهؤلاء جرآء على رسله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ولذلك قال: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. أي: ونقول لهم يوم القيامة ذوقوا عذاب النار، قال الضحاك: يقول لهم ذلك خزنة جهنم،
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ. أي: ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر، والمعاصي، والجرأة على الله ورسله. وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يكون بها، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. أي: إن الله لا يظلم عباده، فلا يعاقبهم بغير جرم. ويقال لهم هذا تقريعا وتوبيخا، وتحقيرا وتصغيرا،
ثم بين الله عتو هؤلاء وجرأتهم وكذبهم: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ. أي: إنهم ادعوا أن الله أمرهم بالتوراة، بألا يؤمنوا برسول، فيصدقوه، ويتابعوه، إلا إذا قرب قربانا لله، فتنزل نار من السماء فتأكله، والقربان: ما يتقرب به إلى الله. والمعنى:
افعل هذا يا محمد نصدقك!! وقد أمر الله رسوله أن يرد عليهم، قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ. أي: بالحجج، والبراهين، والمعجزات، سوى القربان،
следующие страницы →