Полный текст (6 440 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٦ الى ١٤٨]
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
كلمة في السياق:
في هذا المقطع فقرتان كل منهما مبدوءة بنهي:
لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا .....
وفي سياق الفقرة الأولى، صدرت مجموعة أوامر تعمق مفهوم التقوى وتحدد صفات أهلها، وختمت بآية تذكرنا بالآية الأولى في سورة البقرة:
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وفي الفقرة الثانية نهي عن الوهن والضعف في أي حالة من الأحوال، وتبيان سنة الله في خلقه وعباده، وتبيان بعض ما يتحقق به المؤمنون، وتأتي هذه التعليمات من خلال عرض ما حدث في وقعة أحد، وتختم هذه الفقرة بتبيان الموقف الصحيح للأنبياء وأتباعهم في صراعهم مع الكفر والكافرين.
والفقرة الثانية مرتبطة بالفقرة الأولى، من حيث إن المعاني التي بها لا تتحقق، إلا من خلال التحقق بالمعاني التي رفع الله إليها همم المؤمنين في الفقرة الأولى، وسنرى الارتباط ما بين الآية والآية أثناء التفسير الحرفي للآيات.
[تفسير الفقرة الأولى]
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً. فهم كثير من الجهال:
أن الربا المنهي عنه هو المضعف، وهذا منتهى الجهل، لأن الله في سورة البقرة قال:
فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ وإنما هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه، وفي النهي عن الربا المضاعف- مع كون المراد كل الربا- إشارة إلى أن الربا من طبيعته التضعيف المؤدي إلى امتصاص دماء الناس، وإن كانت الآية نازلة بما كان
стр. 842
عليه أهل الجاهلية. فكانوا فى الجاهلية يقولون: إذا حل الدين، إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. مر معنا في أول سورة البقرة أن المفلحين هم المتقون، وهاهنا أمرنا بالتقوى لتحصيل الفلاح.
وقد مر معنا في أول سورة البقرة وصف المتقين، وسيأتي بعد قليل وصف لهم، وسنرى هنا أن أول صفة من صفاتهم الإنفاق في السراء والضراء، وقد رأينا في آخر سورة البقرة كيف جاء تحريم الربا بعد سياق الأمر بالإنفاق.
وهاهنا يأتي الأمر بترك الربا، وفي سياقه يأتي الحض على الإنفاق؛ لأن المرابي والربا على طرفي نقيض مع المنفق والإنفاق. والأمر بالتقوى في هذا السياق، وتعليق الفلاح عليها أمر يترك أكل الربا بشكل ضمني، وإشارة إلى عدم الفلاح معه.
ثم توعد الله بالنار وحذر منها فقال تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه،
ثم أتبع ذلك بتعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته، وطاعة رسوله فقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال النسفي:
«وفيه رد على المرجئة في قولهم «لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلا».
وعندنا: غير الكافرين من العصاة قد يدخلها، ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى (لعل وعسى) فى نحو هذه المواضع- وإن قال أهل التفسير إن لعل وعسى من الله للتحقيق- ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضى الله تعالى، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه،
ثم ندبنا تعالى إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات. فقال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ كما أعدت النار للكافرين، أعدت الجنة للمتقين، ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يوصل إليهما من طاعة وإخلاص، جمعة وجماعة. قال ابن كثير: وقد قيل إن في قوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ تنبيها على اتساع طولها ... وقيل بل عرضها كطولها. لأنها قبة تحت العرش، والشئ المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن»،
ثم وصف الله أهل الجنة المتقين فقال:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. أي: في الشدة والرخاء، والصحة
стр. 843
والمرض، في حالة اليسر والعسر، وفي جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حالة مسرة ومضرة.
وافتتحت الصفات بذكر الإنفاق لأنه أشق شئ على النفس، وأدله على الإخلاص، ولأن الحاجة دائما شديدة إليه في مجاهدة العدو، ومواساة فقراء المسلمين.
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي والممسكين الغيظ عن الإمضاء، والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب، وكظمه أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر، ولا يظهر له أثرا، فالمتقون إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى كتموه فلم يعلموه، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي: إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، فى وصفهم بكظم الغيظ بين تعالى أنهم لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله. وفي هذه الصفة أثبت الله لهم أنهم مع كف الشر يعفون عن من ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، إذ إنه من مقامات المحسنين، ومن ثم ختمت هذه الآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال الثوري: «الإحسان أن تحسن إلى المسئ، فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة» والإحسان أوسع مدلولا، فهو فعل الحسن، والأحسن مع الإخلاص لله.
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الفاحشة: هي الكبيرة كالزنا وشرب الخمر. أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة. فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ فتابوا عنها لقبحها نادمين. والمعنى: أنهم إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، وفي قوله تعالى هذا تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث لها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته، وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلت، فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم، والإصرار: الإقامة، أي تابوا من ذنوبهم، ورجعوا من قريب، ولم يستمروا على المعصية، ويصروا عليها، ولو تكرر منهم الذنب، تابوا منه.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن من تاب؛ تاب الله عليه.
في الصحيحين عن رسول الله ﷺ : «أن رجلا أذنب ذنبا فقال رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال الله- عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي،
стр. 844
ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره لي. فقال : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره فقال: الله : عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء».
أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر.
جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: بأن يتوب عليهم. وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعطيهم إياها برحمته ماكثين فيها أبدا. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني: المغفرة والجنات.
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت من قبلكم قوانين مما سنه الله تعالى، تجري على خلقه بإرادته وقدرته، منها ما هو خاص بالمؤمنين، ومنها ما هو خاص بالأنبياء والمرسلين. وسنن الله لا تتغير ولا تتبدل، هذه السنن مذكورة في الكتاب والسنة، فلا يعرفها إلا عالم بالكتاب والسنة، ومن استكشفها وعلمها، استطاع أن يعرف
الحاضر، وأن يتحسس المستقبل، ومن سنة الله أن جعل العاقبة للتقوى والمتقين، وأن جعل الدائرة في النهاية تدور على المكذبين والكافرين ولهذا قال: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي نهاية المكذبين للرسل، من الاستئصال، والهلاك، والعذاب، والهزيمة. وهذه الآية مقدمة لما سيقصه الله علينا من سنن أثناء الكلام الطويل عن غزوة أحد، ودروسها، وما رافقها مما تحتاجه الأمة الإسلامية في كل حين.
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ أي: هذا القرآن فيه توضيح لكل ما يحتاجه الناس، كما فيه توضيح لسنن الله التي لا تتخلف، أنعم به على الناس جميعا.
وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ومع ما حوى من بيان، ففيه الهداية الكاملة، والإرشاد الكامل للقلوب، والأنفس، والأجسام، وفيه ترغيب، وترهيب، وزجر عن المحارم، ولكن هذا الهدى، وهذه الموعظة لا يستفيد منها إلا المتقون، الذين اتقوا الشرك والمعاصي، وأقبلوا على الله بطاعة أوامره.
كلمة حول السياق:
لاحظنا أن سورة آل عمران إنما هي تفصيل لما أجمل في مقدمة سورة البقرة، وتفصيل لما تحتاجه إقامتها من معان. وفي مقدمة سورة البقرة وصف للمتقين. وفي الآية الأولى منها قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وفي آخر الوصف قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
стр. 845
ومن تأمل الفقرة التي مرت معنا، لاحظ أن الآية الأولى منها ختمت بالفلاح، والآية الأخيرة منها ختمت بقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وبين ذلك كلام عن الإنفاق وغيره. والآية الأخيرة ذكرتنا بالهداية والموعظة الموجودتين في هذا القرآن، لتستعد الأنفس لتلقي الهداية، والموعظة الموجودتين في الفقرة الثانية من هذا المقطع، والتي هي دروس لأهل الإيمان من خلال تجربة عملية هي ما جرى يوم أحد.
فوائد حول الفقرة السابقة:
١ - روى البزار عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسوله الله ﷺ فقال:
«أرأيت قوله تعالى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شئ فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله، قال وكذلك النار تكون حيث شاء الله ».
قال ابن كثير وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان.
الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، كما قال الله : كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار. اهـ ويمكن أن نعبر عن المسألة بشكل أبسط، لو افترضنا أن السموات السبع كروية، وبعضها داخل بعض، فالسماء السابعة محيطها أكبر من قطرها، وكون الجنة عليها لا يعني أنه لم يبق مكان للنار، لأن في داخلها عوالم من السموات والأرض، فأي حماقة تلك، حماقة الذي يتصور أن سعة الجنة تقتضي ألا يبقى مكان للنار أو لغيرها.
٢ - بمناسبة قوله تعالى وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ نذكر الأحاديث التالية:
أ- روى الإمام أحمد: قال رجل: يا رسول الله أوصني قال: «لا تغضب»، قال الرجل ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.
стр. 846
ب- ومن حديث رواه الإمام أحمد: قال النبي ﷺ «ما الصرعة؟ قالوا:
الصريع الذي لا تصرعه الرجال، فقال ﷺ : الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشعر شعره، فيصرع غضبه».
ح- روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
«من انظر معسرا أو وضع عنه؛ وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة- ثلاثا-، ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتنة، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا».
د- روى الإمام أحمد عن معاذ بن أنس قال رسول الله ﷺ : «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» ورواه أبو داود والترمذي وقال عنه حسن غريب.
هـ- وعن الإمام أحمد عنه ﵇: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو قادر عليه- قال بشر (أحد رواة الحديث): أحسبه قال تواضعا- كساه الله حلة الكرامة، ومن توج لله كساه الله تاج الملك».
و- روى أبو داود عن رسول الله ﷺ قوله:
«إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» اهـ. وأغضب ناس أبا ذر، وكان قائما فجلس، فقيل له: يا أبا ذر: لم جلست؟ ثم اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» والقصة في مسند الإمام أحمد.
ز- وقد وردت السنة في الاستعاذة عند الغضب.
ح- وفى حديث رواه الحاكم، وقال عنه: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه:
«من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه».
стр. 847
ط- وذكر ابن كثير حديثا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة».
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ نذكر هذه الأحاديث:
أ- روى الإمام أحمد وغيره، والحديث حسن عن رسول الله ﷺ :
«ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضأ، ويحسن الوضوء- قال مسعر- فيصلي- وقال سفيان- ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله- إلا غفر له».
ب- وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسامهم فقال تعالى: «وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني».
ح- روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ أتي بأسير فقال: «اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله».
د- وروى أبو يعلى في مسنده وغيره، والحديث حسن عن رسول الله ﷺ قال:
«وما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» ولذلك قالوا: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
هـ- وروى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون».
و- وبمناسبة قوله تعالى وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا يقول الألوسي:
ثم إن في هذه الآيات- على ما ذهب إليه المعظم- دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات: متقين، وتائبين، ومصرين، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم، ويدخلون الجنة، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا، لأن السكوت عن الحكم ليس بيانا لحكمهم عند بعض، ودال على المخالفة عند آخرين، وكفى في تحقيقها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء، وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا- ويا له من فضيحة- وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين، على
стр. 848
أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر؛ وكذلك المغفرة، أما نفي التفضل بهما فلا.
ز- وفي أسباب نزول الآية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ....
يقول الألوسي:
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله ﷺ حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية.
وفي رواية الكلبي «أن رجلين أنصاريا، وثقفيا آخى رسول الله ﷺ بينهما، فكانا لا يفترقان، فخرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، وخرج معه الثقفي، وخلف الأنصاري في أهله وحاجته، فكان يتعهد أهل الثقفي، فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه، وقد اغتسلت، وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه، فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها، فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبل ظاهر كفها، ثم ندم واستحيا، فأدبر راجعا فقالت: سبحان الله تعالى، خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصل إلى حاجتك قال: وندم على صنيعه؛ فخرج يسيح في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه، حتى وافى الثقفي، فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له: قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله ﷺ فاسأله عن ذنبك، لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة، فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل ﵇ بتوبته فتلا وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا إلى قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة؟ فقال ﵊: «بل للناس عامة».
وفي رواية عطاء عن ابن عباس، أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا، فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي ﷺ وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية. «وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول».
[تفسير الفقرة الثانية]
ولننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في هذا المقطع، وقد رأينا صلتها بما قبلها، ومحلها في السياق القرآني العام، ومناسبة النزول هي وقعة أحد.
وَلا تَهِنُوا أي: ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم أو يصيبكم وَلا
стр. 849
تَحْزَنُوا على ما فاتكم، أو يفوتكم، أو أصابكم، أو يصيبكم في سبيل الله وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: والحال أنكم أعلى منهم وأغلب إن صح إيمانكم، وهذه بشارة للمؤمنين بالعلو، والغلبة، والنصر، والظفر، في العاقبة. والآية تفيد أن صحة الإيمان توجب قوة القلب، والثقة بوعد الله، وقلة المبالاة بأعدائه
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ القرح: الجراحة في الأصل فالمعنى: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل وأذى، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك، من قتل
وجراح. أو إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم قبله يوم بدر. ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال، فأنتم أولى ألا تضعفوا. والنص وإن كان بمناسبة أحد، وبمناسبة معركة، فهو أعم من أن يكون في أحد خاصة، أو في القتال خاصة. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي: نصرفها، وهذه من سنن الله، يديل المؤمنين تارة، ويديل الكافرين تارة، وإن كانت العاقبة للمؤمنين، ويصرف ما في هذا العالم من نعم ونقم، فيعطي لهؤلاء تارة، وطورا لهؤلاء؛ لضروب من الحكم قد تعلم، وقد لا تعلم، ومن جملة هذه الحكم وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ، ذكر هنا أربع حكم، وذكر قبلها الواو ليفيد أن هناك حكما أخرى.
أما قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فقد فسره ابن عباس بمعنى: لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء. وقال النسفي: وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم، كما علمهم قبل الوجود، هذه هي الحكمة الأولى لمداولة الأيام بين الناس تبيان المؤمن الذي يثبت على الإيمان في كل الظروف. والحكمة الثانية هي قوله تعالى وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يحتمل معنيين: الأول- وهو المتبادر- ليكرم ناسا منكم بالشهادة حين يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم من أجله، وفي سبيل مرضاته، والثاني ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة. ولولا أن الأيام دول ما ظهر فضل أهل الفضل، الذين يبذلون المهج، أو يستقيمون في كل حال داعين إلى المنهج، وبعد أن ذكر هاتين الحكمتين لجعله الأيام دولا، وقبل أن يذكر الحكمتين الأخيرتين جعل بين ذلك- قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
أي: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان، المجاهدين الباذلين أرواحهم في سبيله. أشعر ذكر الظالمين في ختام الآية أن من ليس مؤمنا مجاهدا فهو ظالم، فالظلم هنا للنفس يدخل فيه: الكفر، والنفاق، ويدخل فيه القعود عن الجهاد، وعدم
стр. 850
الاستقامة على أمر الله.
ثم ذكر الحكمة الثالثة والرابعة، في جعله الأيام دولا:
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ التمحيص: هو التطهير والتصفية، والمحق: هو الإهلاك، فصار المعنى: إن جعل الله الدولة على المؤمنين فللتمييز، والاستشهاد، والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.
ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري حيث الدولة على الإسلام والمسلمين، فمن منا الذي يستحق كرامة الله؛ فيثبت على الإيمان، ويبذل مهجته من أجل الإسلام، ويبقى في الصف الإيماني الإسلامي على ما أصابه؛ لتطهر بذلك نفسه، وتزكو وترتفع درجاته، ويعمل لمحق الكافرين، واستئصالهم، وكسر شوكتهم، لتكون الدولة للمسلمين؟ نسأل الله أن نكون من هؤلاء؛ لنكون من الطائفة الظاهرة، التي لا يضرها من خالفها وخذلها إلى يوم القيامة. ثم صحح الله مفهوما خاطئا، وتصورا مغلوطا يقع فيه كثير من الناس، وحتى ممن يظنون أنفسهم في الذروة من المسلمين، هذا التصور: أنه بلا جهاد وصبر يمكن أن يدخلوا الجنة.
قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. أم هنا تفيد الإنكار. ففي الآية إذن إنكار على من يظن أن دخول الجنة يكون بلا جهاد وصبر، أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء، أو بتعبير آخر: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولما تجاهدوا وتصبروا. ولما في الآية بمعني: لم، إلا أن فيها ضربا من التهييج على الجهاد، والصبر من حيث كونه متوقعا، ومنتظرا من المؤمنين، وفي هذا السياق يأتي معنى جديد مرتبط بما قبله كل الارتباط، فلنذكر شيئا عن السياق:
الآيات التي نشرحها الآن جاءت في سياق النهي عن الوهن والحزن في حالة هزيمتنا، وكون الدولة علينا، من خلال ما حدث للمسلمين يوم أحد، وفي هذا السياق بين الله الحكمة في جعله الأيام دولا، وصحح مفهوما خاطئا يمكن أن نقع فيه حول تصور دخول الجنة، وفي هذا السياق تأتي الآن مجموعة من الآيات تصور حال الجماعة الإسلامية كما ينبغى أن تكون في حالة قتل زعمائها، المتمثلين بالأنبياء والرسل وخلفائهم ووراثهم من بعدهم إلى يومنا هذا، وكيف أن هذا القتل لا ينبغي أن يؤثر على الاستمرار والمتابعة. وخلال ذلك ينكر الله- على من يرتد بعد قتل رسوله أو موته، وهذا كله يأتي في سياق دروس أحد، فلنر الآيات
стр. 851
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. في هذه الآية مجموعة أمور منها: أن هذا الخطاب ابتداء لأصحاب رسول الله ﷺ بعد أحد، وقد كان هذا حالهم قبل أحد، أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتتحرقون عليه، وتودون مناجزتهم، ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا، وصابروا.
ورؤيتهم الموت: معاينتهم له حين قتل إخوانهم بين أيديهم، وشارفوا أن يقتلوا.
وفي الآية نوع من التوبيخ، إذ إن تمنيهم الموت تجاوز الحد المراد، ولم يعط حقه إذ جاء حقه؛ والأصل أن المسلم يتمنى الشهادة؛ لينال كرامة الشهداء، من غير قصد إلى ما يتضمنه قتله من غلبة الكفار، بل لينتصر الإسلام، كمن شرب الدواء من طبيب غير مسلم، فإن قصده حصول الشفاء، ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو لله، وتمني الشهادة شئ، وتمني الموت شئ آخر، وتمني لقاء العدو شئ مختلف عنهما.
فالرسول ﵊ يقول كما ثبت فى الصحيحين: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» والصحابة قبيل أحد حرصوا على الموت، حتى حملوا رسول الله ﷺ نزولا على الشورى، أن يخرج للقتال خارج المدينة، ولم يكن ذلك رأيه ﷺ ،
ثم انهزم قسم كبير عنه. والخطاب وإن كان للصحابة ممن رافق الحادثة، فهو درس للمسلمين في كل عصر ومصر، ينبغي أن يحبوا الشهادة، ولكن الحرص على
الشهادة ينبغي أن يرافقه قرار نابع من محض المصلحة. ولما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدا! وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه، وشاع بين المسلمين أن رسول الله ﷺ قد قتل، فحصل ضعف ووهن، أعطى الله المسلمين درسا في ذلك: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي: قد مضت من قبله الرسل فسيخلوا كما خلوا. وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة، وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه، فيتعلق بوجوده قيامهم بالجهاد، وبأمر الله. فإذا مات ترك ذلك ولذلك أنكر الله- على من حصل له ضعف فقال: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي: رجعتم القهقرى، والهمزة تفيد الإنكار أن يجعلوا خلو الرسول سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله لم يؤثر على بقاء دينهم متمسكا
стр. 852
به، والانقلاب على الأعقاب مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام. وأفادت الآية جواز القتل على الرسل، فما أجهل الذين يرون القتل في سبيل الله علامة على خطأ السير.
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أي: ومن يرتدد. فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه. وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي: الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام في ثباتهم على كل حال، وقيامهم بطاعة الله، وقتالهم عن دينهم، واتباعهم رسوله حيا وميتا.
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا أي: كتب الموت كتابا مؤقتا، له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. فصار المعنى:
وما جاز لنفس أن تموت إلا بعلم الله، وإرادته، وقدرته، أو بإذنه لملك الموت أن يقبضها إذا انتهت المدة المحددة لها، فلا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله.
يفهم من هذا كله أن موت الأنفس لا يكون إلا بمشيئة الله. وفي ذلك تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر المؤدي إلى معصية الله لا ينفع، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك. وإذا كان الأمر كذلك فكيف ترتدون على الأعقاب إذا قتل أو مات رسول الله ﷺ ؟! وكيف لا تستمرون على دينه؟. وإذ كان الثبات وعدمه مرتبطين بالإيمان بالآخرة، ختم الله الآية بقوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي: من كان عمله للدنيا فقط ناله منها مما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب. وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي: ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها، وما قسم له في الدنيا ناله .. وفي الآية تعريض مباشر بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، وتحذير لكل مسلم أن تكون الدنيا مؤثرة عنده على الآخرة، فيترك الإسلام قولا أو عملا من أجل دنيا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذين يثبتون على دين الله، قولا وعملا واعتقادا، أي:
سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا.
ثم بين الله- الموقف الصحيح في مثل هذه الظروف من خلال مواقف الأنبياء السابقين وأتباعهم. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ الربيون: هم الربانيون، قال الحسن في تفسير الآية: علماء كثير، وقال: علماء صبر، وفسرها ابن كثير فقال: أي أبرار أتقياء. ومآل المعنى كما اختاره ابن جرير: كم من نبي قتل،
стр. 853
وقتل معه ربيون من أصحابه كثير فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: فما فتروا عند قتل نبيهم للذي أصابهم في سبيل الله وَما ضَعُفُوا عن الجهاد بعد قتل نبيهم. وَمَا اسْتَكانُوا أي: وما ضعفوا لعدوهم، ولا ذلوا له، بل استمر من بقي منهم على الجهاد، والعزة، والإسلام، وفي هذا نوع تعريض بما أصاب الصحابة من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله ﷺ ، واستكانة بعضهم حتى أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان. وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على الإسلام وجهاد أعدائه.
وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا الدعاء الآتي الذي فيه إضافة الذنوب إلى أنفسهم، مع كونهم ربانيين، هضما لها، وفيه منتهى الافتقار، والتذلل لله، ليثبتهم على ما يحبه: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي: تجاوزنا حد العبودية وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي: في القتال والمواقف وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ بالغلبة، وقدموا الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في موطن الحرب والنصرة على الأعداء؛ لأنه أقرب إلى الإجابة، لما فيه من الخضوع والاستكانة.
وقوله تعالى في الابتداء وَما كانَ قَوْلَهُمْ يوحي أنه لم يكن لهم من دأب وعادة إلا كثرة الذكر بهذا الدعاء،
فاستحقوا في مقابل ذلك ما ذكره الله فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا أي: أعطاهم النصرة، والظفر، والغنيمة، والعاقبة. وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي: أعطاهم في الآخرة المغفرة والجنة، فجمع لهم خيري الدنيا والآخرة، وقال: ثواب الدنيا بينما قال: وحسن ثواب الآخرة ليدل على فضل ثواب الآخرة، وتقدمه، وكونه المعتد به، ولذلك وصفه بالحسن. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ دلت نهاية الآية على أن من كان كذلك فهم المحسنون، وهم الذين يحبهم الله، فما أجهل من لم يعرف أن مثل هذا من الإحسان.
فوائد:
١ - لئن كان بعض الصحابة قد وهنوا يوم أحد، فإن بعضهم قد ضرب أروع أمثال البطولة، ونذكر هنا مثالا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه «دلائل النبوة»:
أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط بدمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري إن كان محمد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ...
стр. 854
٢ - ذكر ابن كثير عن ابن عباس «أن عليا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه، ووارثه، فمن أحق به مني».
٣ - عند قوله تعالى وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا.
قال الألوسي: «وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين: إن المقتول ميت بأجله أي: بوقته المقدر له، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت؛ لأن القتل فعل العبد؛ والموت فعل الله سبحانه أي: مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين: أحدهما القتل، والآخر الموت، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت» اهـ.
أقول: مذهب المعتزلة في هذا الشأن نموذج على ترك المحكم إلى المتشابه فالنصوص في هذا الشأن في غاية الوضوح كما نرى فإن تترك لنصوص تحتمل أكثر من معنى فذلك خطأ.
٤ - في قراءة ورش وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ وعليها الوقوف، ثم مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ وهذا يدل على ما ذهبنا إليه في التفسير أن الذى قتل هو النبي، ومعه طائفة من أصحابه، فاستمر الباقون على أمر الله. وقد مات رسول الله ﷺ وورثنا دينه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين المحسنين.
٥ - استشهد أبو بكر بقوله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... الآية يوم مات رسول الله ﷺ فكانت هذه الآية خير عزاء، وقصة ذلك كما ذكرها البخاري: أن أبا بكر ﵁ أقبل- أي يوم وفاة رسول الله ﷺ على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله وهو مغطى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها.
стр. 855
وقال الزهري: «وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس وقال: اجلس يا عمر. قال أبو بكر: أما بعد؛ من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى قوله وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال:
والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض».
٦ - قد مر معنا ارتباط هذا المقطع بالسياق القرآني العام، وقد رأينا أن المقطع يفصل في بعض أخلاق المؤمنين والمتقين، ويعلمهم كيف ينبغي أن يكونوا في مواقفهم العامة، وفي صراعهم مع الكافرين.
كلمة في القسم الرابع:
١ - يلاحظ أن هذا القسم بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ... لاحظ كلمة يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.
ثم لاحظ أن آخر مجموعة فيه هي قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. فما بين بداية القسم ونهايته ارتباط واضح، من خلال الكلام عن الردة بعد الإيمان. فالقسم فيه تثبيت لأهل الإسلام بالبقاء على الإسلام، من خلال ترك ما يؤدي إلى الردة، وفعل ما يثبت على الهداية، وعلى ضوء ذلك علينا أن نفهم المسرى العام لآيات هذا القسم من كون الاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق فيه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم اتخاذ بطانة من دون المؤمنين، وترك الربا، وطاعة الله والرسول ﷺ ، والتحقق بصفات المتقين، وترك الوهن والحزن. على أن ذلك كله وغيره مما مر في هذا القسم لا بد منه للثبات على الإسلام.
٢ - ولقد مر معنا أثناء عرض مقاطع القسم ما يدل على أن هذا القسم كغيره من أقسام سورة آل عمران، إنما هو تفصيل لمقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها في سورة البقرة. ولو أردنا أن نذكر هنا ما يدل على ذلك فإننا نخشى أن يمل القارئ
стр. 856
ولذلك فإننا نكتفي بأن نقول:
إن سورة البقرة بدأت بمقدمة تتحدث عن المتقين، والكافرين، والمنافقين، ثم جاء القسم الأول والثاني فيها ليحكما بناء التقوى وأركانها، حتى إذا استقرت التقوى وقامت، جاء القسم الثالث آمرا بالدخول في الإسلام كله، كل ذلك رأيناه أثناء تفسير سورة البقرة.
وجاءت بعد ذلك سورة آل عمران؛ لتفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتداداتها ضمن سياقها الخاص، فأرست الأسس النظرية في أقسامها الثلاثة الأولى؛ لتتوجه بعد ذلك لعملية البناء للمجتمع الإسلامي؛ من خلال الحركة والصراع، ومن خلال الدروس اليومية؛ والتوجيه المباشر. وقد رأينا كيف تكرر كثيرا اشتقاق الفلاح والتقوى، ونلاحظ أن الآية الأولى في القسم الخامس تنتهي بقوله تعالى فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ وأن الآية الأخيرة في القسم والسورة تنتهي بقوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
إن القسمين الأخيرين في السورة يوضحان لنا طريق الفلاح، ويجنباننا طريق الخسران الذي هو ضد الفلاح، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة لا تخفى.
стр. 857
القسم الخامس
يمتد القسم الخامس من الآية (١٤٩) إلى نهاية السورة، أي إلى نهاية الآية (٢٠٠)، يبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. وينتهي بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ويتألف من أربعة مقاطع:
المقطع الأول: وفيه نهي عن طاعة الكافرين، ووعد من الله بأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب. وينصرنا عليهم، ثم تعليل لما حدث يوم أحد مما ظاهره يتعارض مع هذا الوعد. وفي هذا المقطع يرد عرض لصور مما حدث يوم أحد.
المقطع الثاني: وفيه نهي عن أن يقول المؤمنون عن إخوانهم الذين قتلوا. لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا. وفي المقطع كذلك دروس من غزوة أحد.
المقطع الثالث: وفيه تصحيح للتصورات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.
المقطع الرابع: وفيه تعليمات وتوجيهات وتربية لأهل الإيمان.
وفي هذا القسم، تبرز بشكل واضح طريقة التربية من خلال الواقع، ومن خلال المحاسبة على الخطأ. ففي سياق المعاني التي تشكل مسرى السورة تعرض صور مما حدث يوم أحد، ليأخذ المسلمون دروسها.
وسنرى ما في القسم من تسلسل ومعان أثناء عرض مقاطعه، وهاهنا نذكر بما يذكر بصلة هذا القسم ببقية سورة آل عمران، وبمقدمة سورة البقرة.
في القسم السابق على هذا القسم نهينا عن طاعة أهل الكتاب، وفى هذا القسم، نهينا عن طاعة الكافرين مطلقا، مع وعد من الله- بالنصر على الكافرين، وبهذه المناسبة قد يتساءل متسائل: وماذا حدث يوم أحد؟ وهاهنا يأتي السياق ليحدثنا عن دروس أحد، وهو بذلك يعرض علينا شروط النصر الرباني.
стр. 858
ويأتي المقطع الثاني لينهانا عن خلق من أخلاق الكافرين، ويحررنا من تصوراتهم.
ويأتي المقطع الثالث ليصحح تصوراتنا عن كثير من القضايا.
ثم يأتي المقطع الرابع ليدفع الهمم إلى كمالات عليا.
فالقسم الخامس امتداد للمقطع الرابع، وإذا كان القسم الرابع قد بني على الأقسام الثلاثة السابقة عليه، فإن القسم الخامس قد بني على الأقسام الأربعة السابقة عليه.
وإذا كانت مقدمة سورة البقرة قد ذكرت المتقين، والكافرين، والمنافقين، فإن هذا القسم يفصل في أخلاق المتقين، والكافرين، والمنافقين، ويحذر من أخلاق الكافرين، والمنافقين، ويفصل في صفات المتقين، ويحظر على المسلم أن يتابع الكافرين أو يوافقهم في أقوال أو تصرفات، ويحدد العلاقات بين أهل الإيمان، وأهل الكفر.
وسنرى بالتفصيل أثناء عرض المقاطع كيف أن القسم فصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات معانيها ولنبدأ عرض المقطع الأول في القسم.
стр. 859
المقطع الأول
يبدأ المقطع الأول بالنهي عن طاعة الكافرين، ويعد المسلمين بالنصر على الكافرين.
فهو إذن يحدد العلاقات بين المؤمنين والكافرين، وتبين مقدمة المقطع أن طاعة الكافرين توصل إلى الردة عن الإسلام. فالصلة بين مقدمة المقطع وبين المجموعة السابقة عليه واضحة، إذ المجموعة السابقة تقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فالآيات تنبهنا على كل ما يؤدي إلى الردة، وفيها وعد بالنصر، ثم تبين تتمة المقطع شروط النصر من خلال ما حدث يوم أحد، فيوم أحد صدق الله وعده، فنصر المسلمين ولكن ماذا فعل المسلمون؟ لقد ارتكبوا مجموعة أخطاء أدت بهم إلى الفشل، وإذن فالوعد بالنصر على الكافرين مشروط بشروط، ولذلك ختم المقطع بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
يبدأ المقطع بالآية (١٤٩) وينتهي بنهاية الآية (١٥٥). وهو يتألف من مقدمة وفقرة وهذا هو المقطع:-
«المقدمة»
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٩ الى ١٥١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
«الفقرة»
[سورة آل عمران (٣): آية ١٥٥]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)
стр. 860
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٢ الى ١٥٥]
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)
*** كلمة في السياق:
في هذه الآيات حذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الخسران في الدنيا والآخرة، ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم، والذلة لهم بسبب كفرهم، وشركهم مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال. ثم ذكر
стр. 861
الله- بعض ما حدث يوم أحد، وبعض دروس معركته. والمناسبة بين هذه الدروس، وبين هذه المقدمة: أن يوم أحد حدث فيه نوع هزيمة للمسلمين. فما أسباب هذه الهزيمة مع قيام وعد الله بنصرة أوليائه؟ يذكر الله- أسباب ذلك: الجبن، وعصيان الأوامر، والخلل في نية طلب الآخرة. ومع هذا كله فإن الله ما تخلى عنهم، بل تولاهم، بأن أحاط هذه الهزيمة بكل لطف، وتوج هذا كله بالعفو عما حدث، وعرض خلال هذا حالات، ومواقف للمنافقين، والمؤمنين، وبين أسباب الزلل. وسنرى هذا كله أثناء استعراض المعنى الحرفي للآيات، والصلة فيما بينها، ومحلها من السياق القرآني العام.
المعني الحرفي لمقدمة المقطع ومقدمة القسم:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا دخل في ذلك كل الكافرين والمنافقين، فبعد أن خصص في آية سابقة طاعة أهل الكتاب، فنهى عنها وحذر منها، يحذر هاهنا المؤمنين من طاعة كل أصناف الكافرين، والنفاق شر أنواع الكفر، ويبين النتيجة يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. أي: يرجعونكم إلى الكفر، إلى الجاهلية، إلى الفسوق، إلى النفاق، إلى الشرك. فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. أي: فتخسروا الدنيا والآخرة.
فعلى المؤمنين إذن أن يجانبوا الكافرين، والمنافقين، ولا يطيعوهم في شئ حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وإذا كان سبب طاعة الكافرين، رغبة في النصرة، أو رغبة في الرعاية، أو رغبة في كسب القلوب، بين الله- في الآية: أن نصرته وولايته خير من نصرة وولاية غيره فقال: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ. أي: ناصركم فاستغنوا به عن نصرة غيره، لأنه وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ. فلا نصرة مثل نصرته، ولا ناصر مثله، بل هو الناصر الحقيقي لأن غيره قد يريد منفعتك فيضرك، أما هو فهو العالم بكل شئ، فإذا نصرك نصرك ..
ومن مظاهر نصره وتوليته، ما بشرهم به بقوله سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وهذا من أعظم مظاهر النصرة، إذ من المعلوم أن الجيوش التي تفقد معنوياتها لا تستطيع أن تقاتل، ولا تستطيع أن تستعمل سلاحها. وقد أعطانا الله ذلك على الكافرين بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً. أى: بسبب شركهم، وما من كافر إلا وهو مشرك نوع شرك، والملحد يشرك بالله هذا الكون كله، إذ يخلع عليه صفات
стр. 862
الألوهية. والسلطان في الآية: الحجة، ولا تعني الآية أن للشرك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم، لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي الحجة، ونزولها جميعا، ومن الآية نعلم أن هذا الوعد من الله لنا بسبب إيماننا، وكفر غيرنا، فإذا جمعنا وإياهم الكفر- والعياذ بالله- لم يبق وعد.
وهاهنا ملاحظة، لطيفة وهي أن هذا الوعد جاء بعد النهي عن طاعة الكافرين، وترتيب الردة على هذه الطاعة، مما يدل على أن هذا الوعد لا يكون لنا إذا أعطينا طاعتنا للكافرين؛ لما يترتب على ذلك من ردة، وانظر واقعنا الحالي إذ ارتد من ارتد منا؛ بسبب إعطائه الطاعة للكافرين، وانظر جرأة اليهود، وغيرهم من الكافرين علينا، وخذلاننا بسبب من ذلك.
وبعد أن بين الله- أنه سيلقي الرعب في قلوب الكافرين، بين جزاءهم الأخروي فقال: وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ. هذا ما ادخره الله للكافرين في الآخرة، من العذاب، والنكال، أن النار مقرهم ومرجعهم، وبئس هذا المقر للظالمين.
دل أن الكفر ظلم بل هو أعظم الظلم، وأي ظلم أكبر من ظلم الله الخالق المنعم، ومن ثم استحق الكافر الخلود الأبدي في سجن جهنم.
فوائد:
١ - ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال:
«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي
يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
٢ - يقول صاحب الظلال في الآية التي بدأ بها القسم: «يحذر الله الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة، وليس فيها ربح ولا منفعة. فيها الانقلاب على الأعقاب بعد الكفر. فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار، ويكافح الباطل والمبطلين، وإما أن يرتد على عقبيه كافرا- والعياذ بالله- ومحال أن يقف سلبيا بين بين، محافظا على موقفه، ومحتفظا بدينه .. إنه قد يخيل إليه هذا .. يخيل إليه في أعقاب الهزيمة، وتحت وطأة الجرح والقرح، أنه مستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين، وأن يسالمهم ويطيعهم، وهو مع هذا محتفظ بدينه،
стр. 863
وعقيدته، وإيمانه، وكيانه! وهو وهم كبير. فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يتخاذل ويتقهقر، ويرتد إلى الوراء، والذي لا يكافح الكفر والشر والضلال والطغيان لا بد أن يتخاذل، ويتقهقر ويرتد على عقبيه إلى الكفر والشر والضلال والباطل والطغيان! والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين، والاستماع إليهم، والثقة بهم، يتنازل- في الحقيقة- عن عقيدته، وأن يستمع إلى وسوستهم، وأن يطيع توجيهاتهم .. الهزيمة بادئ ذي بدء. فلا عاصم له من الهزيمة في النهاية، والارتداد على عقبيه إلى الكفر، ولو لم يحس في خطواته الأولى أنه في طريقه إلى هذا المصير البائس .. إن المؤمن يجد في عقيدته، وفي قيادته، غناء عن مشورة أعداء دينه وأعداء قيادته. فإذا استمع إلى هؤلاء مرة فقد سار في طريق الارتداد على الأعقاب .. حقيقة فطرية وحقيقة واقعية، ينبه الله المؤمنين لها، ويحذرهم إياها، وهو يناديهم باسم الإيمان:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. اهـ.
كلمة في السياق:
لقد جاءت مقدمة القسم الخامس وهي نفسها مقدمة المقطع الأول، وفيها نهي عن طاعة الكافرين، وإعلام بولاية الله لنا، ونصرته إيانا، وفيها وعد بإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا، وهي معان مرتبط بعضها ببعض، فكثيرا ما يحدث أن يتوهم المتوهمون أن الكافرين غالبون، وأن في قلوبهم خيرا، وأننا نحتاج إلى نصرتهم وتوليهم، فجاءت الآيات تنهى عن طاعتهم، وتبين أن الله هو المولى وهو الناصر، وأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فمعاني المقدمة إذن متلاحمة مترابطة، وبعد المقدمة تأتي فقرة تتحدث عما حدث يوم أحد، فما الصلة بين الفقرة وبين ما سبقها؟ في المقدمة وعد بالنصر، وقد حدثت يوم أحد هزيمة فما السبب؟ نلاحظ أن الفقرة تبدأ بقوله تعالى وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وإذن فبين الفقرة اللاحقة والآيات السابقة صلة، هذه الصلة يكشفها لنا السياق شيئا فشيئا، ففيها يأتي تعليل لما حدث يوم أحد، مما نستبين منه أن وعد الله لنا بالنصر، والمعونة، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائنا، معلق بشروط فلنر ذلك من خلال السياق.
المعنى الحرفي للفقرة:
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ الحس: القتل، ووعد الله:
стр. 864
موعوده للمؤمنين بالنصر من مثل قوله تعالى وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ.
ومن مثل قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ومعنى الآية. ولقد صدقكم الله وعده بالنصر والغلبة يوم أحد، إذ كان عدوكم ثلاثة آلاف، وأنتم ما بين الستمائة إلى السبعمائة، إذ تقتلون أعداءكم قتلا ذريعا بتسليط الله إياكم عليهم، قال ابن عباس: وقد كان النصر لرسول الله ﷺ أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المشركون جولة نحو الجبل (أى هاربين). وقال الزبير بن العوام ﵁ كما يرويه ابن إسحاق: «والله لقد رأيتني انظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب». فهذا تحقيق قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ أي: حقق لكم ما وعدكم به، وهذا جواب تساؤل. قال النسفي: لما رجع رسول الله ﷺ مع أصحابه إلى المدينة قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل (أي هذه الآيات وما بعدها). وقبل أن نبدأ باستعراض الأسباب التي أدت إلى الهزيمة، نحب أن نذكر فكرة سريعة تكون كمقدمة للدروس التي سنأخذها من هذا السياق من خلال عبرة أحد:
فى معركة بدر انتصرت القلة على الكثرة، رغم تفوق الكثرة على القلة بالعدة والعتاد، والعبرة التى نأخذها من هذا أن قوانين النصر المادية من تفوق بالعدة والعدد والتدريب والسلاح والقيادة، وفن القتال، وأمثال ذلك، لا تعمل عملها إذا وجد جند الله، ولا يعني هذا أن جند الله يهملون!، لا بل عليهم أن يبذلوا جهدهم في كل شئ، ويدخلوا المعركة متوكلين على الله ليظهر الله فيهم سنته الأخرى؛ إذ وجد جنده، حيث ينصر جنده على تخلف عندهم في عالم الأسباب، مع عدم تقصيرهم في الأخذ بها، ومع عدم اعتمادهم عليها. ولكن هذا متوقف على توفر شروط الجندية الكاملة لله، من قيادة ربانية، وجند رباني، وطاعة في الله، وتقوى خاصة وعامة وغير ذلك مما سنراه.
وفي معركة أحد تخلف عن جند الله النصر بعد أن أعطوه في ابتداء الأمر لخلل- كما سنرى- في الانضباط والنيات. فحلت بهم الهزيمة، فدل ذلك على أن وعد الله للمؤمنين بالنصر مشروط بقيام المؤمنين بأوامر الله في كل شئونهم. ومن ثم فقد تركت هاتان المعركتان آثارهما في نفوس المسلمين إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض.
стр. 865
فما من معركة بعد هاتين المعركتين إلا وعبرتاهما ماثلتان: حقق أمر الله فيك، وقاتل العالم، وإذا لم تفعل فليس لك قبل بأحد، لأن العالم في القوانين المادية أقوى منك،
فلنتذكر هذا ولنرجع إلى السياق حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي جبنتم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي: اختلفتم في التنفيذ الكامل لأمر رسولكم، إذ أقام الرماة منكم على الجبل وقال لهم: «احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا» فلما غنم النبي ﷺ وأناخوا عسكر المشركين، قال بعض الرماة: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا، فادخلوا عسكر المشركين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم. وقال بعضهم: لا تخالفوا أمر رسول الله ﷺ ، وهم أمير الرماة عبد الله بن جبير، ومعه نفر دون العشرة، والملاحظ أن الخطاب لجميع المسلمين مع أن الذين تنازعوا هم الرماة فقط، مما يدل على أن الخلل الذي تحدثه مجموعة يسري على الصف كله ومن ثم ينبغي أن يكون الجميع على الغاية في التربية وَعَصَيْتُمْ أي أمر نبيكم بترككم مراكزكم، واشتغالكم بالغنيمة. مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من الظفر وقهر الكافرين. ثم بين علة العصيان فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الذين يريدون الدنيا: هم الذين تركوا مراكزهم من الرماة، ورغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة. والذين يريدون الآخرة: هم الذين ثبتوا في مراكزهم. فصار المعنى العام في الآية: ولقد حقق الله وعده لكم بالنصر، حتى إذا جبنتم، واختلفتم في تنفيذ الأمر، وعصيتم أمر رسولكم، بسبب خلل نيات بعضكم بأن لم تتمحض للآخرة، منعكم الله نصره. أو المعنى: ولقد حقق الله لكم وعده إلى وقت فشلكم وتنازعكم وعصيانكم، فمنعكم بسبب ذلك نصره. قال: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي: ثم كف معونته عنكم فغلبوكم، وعبر بالصرف على أن الأمر أمره.
لِيَبْتَلِيَكُمْ. أي: ليختبركم ويمتحنكم بامتحان صبركم على المصائب وثباتكم عندها، مع علمه- ولكن عدله اقتضى أن يجازي العبد على ما يعمله لا على ما يعلمه منه. وإذ كان ما حدث هو التجربة الأولى، والخطيئة الأولى من نوعها، فإنه- عامل أصحاب رسوله ﷺ بالفضل فقال: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ هذه بشارة من الله لهم، ويدل ذلك على أنهم ندموا وتابوا على ما فرطوا وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بعدم تسليط الكافرين عليهم ليستأصلوهم، وعدم متابعة الكافرين القتال حتى ينهوا أمر المسلمين، وبالعفو وقبول التوبة، وبغير ذلك من أنواع فضله التي لا تحصى، فهو- ﷻ متفضل على المؤمنين في جميع الأحوال، سواء أديل
стр. 866
لهم، أو أديل عليهم، غلبوا أو غلبوا، ومن نظر إلى الأمر بعين الحكمة، وبعين مريد الآخرة، علم أن الابتلاء رحمة، كما أن النصرة رحمة،
ثم بين الله- كيف تم الصرف الذي ذكره بقوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ فقال إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ هذا تصوير حالهم في الهزيمة بمنتهى الاختصار، وبأبلغ تصوير. فما أعظم إعجاز هذا القرآن، ولنر ما حوى هذا الوصف:
معنى تصعدون: أي تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإصعاد: الذهاب في صعيد الأرض والإبعاد فيه. وبعضهم فسر الإصعاد: بصعود بعضهم إلى جبل أحد فرارا، والواقع يدل على الأول. قال السدي: لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة. ومعنى قوله وَلا تَلْوُونَ أي: ولا تلتفتون على أحد، وهو تعبير عن مدى انهزامهم وخوفهم من عدوهم. وقوله تعالى: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي: في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة، وهذا يفيد أنهم خلفوا رسول الله ﷺ وراء ظهورهم، وأنه ﵇ لم يفر، بل كان- وهو في هذه الحالة- يدعوهم إلى ترك الفرار، وإلى الرجعة والعودة والكرة، كما ورد في السيرة أنه ﵇ كان يناديهم «إلي عباد الله، إلي عباد الله». فصار المعنى العام: ولقد صرفكم الله عنهم بعد نصره لكم عليهم، فأصبحتم بعد النصر ممعنين في الهرب منهم في كل صعيد من الأرض، لدرجة أن الواحد منكم لم يعد يلتفت على أحد قريب أو بعيد، حبيب أو عظيم، وخلفتم رسول الله ﷺ في أرض المعركة وهو يدعوكم ولا تستجيبون، إلا من ثبت معه وهم قليل. هذا حالكم بعد النصر، وكل ذلك إنما كان بسبب الخطأ الذي ارتكب:
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أي: فجازاكم بالهزيمة وتوابعها، وهذا هو الغم العظيم، بسبب غم وقعتم فيه، وأذقتموه رسول الله ﷺ بمخالفتكم أمره. ويمكن أن يكون المعنى فجازاكم الله بغم بعد غم، وغم متصل بغم، من الجرح، والقتل، وظفر المشركين، وفوت الغنيمة، والنصر. وأعظم غم أصابهم سوى هذا كله، ما أرجف به من قتل رسول الله ﷺ . وهذا كله بسبب الصرف الذي سببه الجبن، والاختلاف، والعصيان، بسبب عدم خلوص نية بعضهم، إذ لم تتمحض للآخرة، فهذه العلة الكبرى قال ابن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثم بين الله-
стр. 867
عزّ وجل- حكمته البالغة فيما حدث وهو: تمرين المسلمين وتدريبهم على تحمل المصائب، وعدم الجزع لها، وعدم المبالاة بالفائت، فقال: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ. جرعكم الغموم لئلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع. وقال ابن كثير:
أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم وَلا ما أَصابَكُمْ أي ولا على مصيبة من المضار من مثل ما حدث لكم هنا من الجراح والقتل. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي: عالم بعملكم لا يخفى عليه شئ من أعمالكم. وهذا ترغيب في الطاعة، وترهيب عن المعصية. وإذ تخلف عن المسلمين نصر الله بسبب ما وقعوا فيه، فإن رحمة الله بالمؤمنين، وتوليه لهم، موجودة، فهم عباده، ولئن منعهم أو سلط عليهم، فلتأديبهم.
ومن مظاهر توليه ورحمته ما ذكره الله- بعد ما مر. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً. أي: ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. والمعنى أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة.
ويبدو من السياق أن هذا قد كان بعد المعركة وقبل النفير الذي أعلنه الرسول ﷺ في اليوم الثاني كما سنرى. ولكن بعض الروايات التي سننقلها في قسم الفوائد، تذكر أن النعاس أصاب المسلمين ليلة المعركة، ويمكن أن يكون النعاس قد أصابهم مرتين، مرة ليلة المعركة ليواجهوا المعركة مستريحين، ومرة بعد
المعركة لينسوا آثارها. والذي يدل على أن المراد بالنعاس هنا ما أصابهم بعد المعركة مجئ كلمة (ثم) التي تفيد الترتيب دون التعقيب، وقول المنافقين الآتي: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا فكلامهم هذا إنما كان بعد ما حدث للمسلمين من قتل في المعركة يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ أي: هذا النعاس يغشى قسما من المسلمين: وهم أهل الإيمان، واليقين، والثبات، والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله- سينصر رسوله، وينجز له مأموله. وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ هم المنافقون لا يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها، لا هم الدين، ولا هم رسول الله ﷺ ، ولا هم الجماعة المسلمة، فهؤلاء لا يغشاهم النعاس من القلق، والجزع، والخوف. يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به، فهم يظنون ألا ينصر رسوله وجنده. ظنوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة. ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي: الظن المختص بالملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، أي: لا يظن مثل ذلك الظن، إلا أهل الشرك الجاهلون بالله تعالى:
стр. 868
يَقُولُونَ أي: أهل النفاق والريب في تلك الحال. هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي: هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والغلبة، والسلطان والسيطرة والعز، والجاه، والمنافع. فقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي: قل إن الغلبة، والنصر، والسلطان، كله لله؛ يعطيه من شاء، ويمنعه من شاء.
وقد وعد أولياءه أن تكون لهم العاقبة.
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ خوفا ورهبة كما قال تعالى في المنافقين.
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ (الحشر: ١٣) ثم بين هذا الذي يخفونه في أنفسهم، ويبدونه لبعضهم. يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان الأمر كما قال محمد ﷺ . إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وأن أولياءه هم الغالبون، لما غلبنا قط، ولما قتل منا من قتل في هذه المعركة. روى ابن إسحاق عن الزبير ﵁ قال:
لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا لقول معتب، ورواه ابن أبي حاتم. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي: هذا قدر قدره الله- وحكم حتم لا محيد عنه، ولا مناص منه. فمن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة، كما كتب ذلك فى اللوح المحفوظ لم يكن بد من قتله. فلو قعدتم في بيوتكم لبرز من بيوتهم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، أي إلى أمكنة مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون. والمعنى: أن الله كتب في اللوح المحفوظ قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم. وبعد أن ذكر الله- نموذجا من كلام المنافقين، وبين دخيلة أنفسهم، بين بعد هذا أن من جملة الحكم فيما حدث يوم أحد للمسلمين اختبار ما في الصدور، وتمحيص ما في القلوب، وهو أعلم فقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي فعل ذلك ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان، وذكر الواو في ابتداء بيان الحكمتين يشعر بأن مع هاتين الحكمتين حكما أخرى. فالمعنى إذن فعل ذلك لمصالح جمة، وللابتلاء والتمحيص الذي هو التمييز. نفهم من ذلك أنه يستخرج ما
стр. 869
في الصدور، ويعرف ما في القلوب على الحقيقة في لحظات المحن، فهي محك الإيمان.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفياتها وما يختلج فيها من السرائر والضمائر. ثم بين الله- علة ما حدث، وهو المعاصي التي كان يواقعها من يواقعها منهم.
مما يدل على أن الطاعة قبل المعركة والتوبة قبل المعركة، عاملان من عوامل الثبات فيها فقال:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي: إن الذين انهزموا منكم- دل ذلك على أن محمدا والصفوة لم ينهزموا- يوم التقى جمع المسلمين بجمع المشركين يوم أحد.
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أي: إنما دعاهم الشيطان إلى الزلة، وحملهم عليها ببعض ذنوبهم السالفة، وهل المراد بذلك ذنب من عصى يوم المعركة بتركه مركزه في القتال، أو المراد ذنوب قبل ذلك،
قولان للمفسرين: قال بعض السلف: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها» والإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب، والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب، ثم بشرهم الله- بالعفو فقال: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي ولقد تجاوز عنهم عما كان منهم من الفرار فهو يغفر الذنوب، حليم لا يعاجل بالعقوبة، حليم بخلقه، ويتجاوز عنهم.
كلمة حول السياق:
رأينا أن سورة آل عمران فيها تفصيل لما أجمل في مقدمة سورة البقرة، وتحديد للعلاقة بين أهل الإيمان والتقوى، وبين غيرهم. وفي هذا المقطع حدد الله- أنه لا يصح أن يعطي أهل الإيمان الطاعة لأهل الكفر، ووعد فيه أهل الإيمان بالنصر، ومن خلال ما حصل يوم أحد علم أن الوعد مشروط، وبين المقطع من خلال ما حدث يوم أحد، كيف يستقبل أهل الإيمان؛ وأهل النفاق ما يمتحن الله به عباده.
فالمقطع إذن أعطانا تفصيلات عن حال أهل الإيمان في المحن، وحال أهل النفاق فيها، وأعطى أهل الإيمان دروسا فيما ينبغي أن يكونوا عليه، وأدبهم على ألا يعطوا
الطاعة لأهل الكفر، وهدم المقطع كل سبب يمكن أن يتوهمه مسلم لإعطاء هذه الطاعة.
فوائد:
لقد حدثت هزيمة يوم أحد، ومنع المسلمون النصر والغلبة، ولكن الصفحات التي
стр. 870
سجلوها يوم أحد تعتبر أروع صفحات في تاريخ البطولات الإسلامية على الإطلاق، وفي السيرة والسنة بيان ذلك. وننقل هنا بعض النقول في الحدود التي تلقي أضواء على المقطع الذي ذكرناه.
١ - روى البخاري عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ- يوم أحد- وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله بن جبير: عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
قال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر رضى الله عنه- نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يحزنك. قال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
وروى الإمام أحمد عن البراء قوله: فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين.
٢ - ثبت في الصحيحين عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ إلا طلحة بن عبيد الله وسعد
وفي الصحيحين عن سعد قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما من قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل.
وروى مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة- أو وهو رفيقي في الجنة-؟. فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضا فقال: من
стр. 871
يردهم عنا وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ ما أنصفنا أصحابنا» وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه، وأراه قال: حمية، فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أعرفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ عليكما صاحبكما، يريد طلحة. وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله: وذهبت لأنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ فأزم عليها بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال:
أقسمت عليك بحقي لما تركتني قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضع وسبعون، أو أقل، أو أكثر، من طعنة، ورمية، وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه.
٣ - أخرج البخاري عن أنس بن مالك «أن عمه يعني أنس بن النضر- غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ . لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أجد. فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامته أو ببنانه وبه بضع وثمانون، من طعنة، وضربة، ورمية سهم.
٤ - وما دامت السورة تعطينا دروس أحد، فقد يكون من المناسب أن نذكر هذه الرواية:
روى ابن إسحاق. وجماعة عن ابن شهاب. ومحمد بن يحيى. والحصين بن عبد الرحمن. وغيرهم، وكل قد حدث بعض الحديث: «أنه لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره،
стр. 872
مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيبت آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك به ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ وخرجت بحدها وحديدها، وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن
التماس الحفيظة، وأن لا يفروا، وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس بهند بنت عتبة، وخرج آخرون بنساء أيضا، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله ﷺ : إني رأيت بقرا تنحر، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وندعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله ﷺ يرى رأيه في ذلك أن لا يخرج إليهم، وكان ﷺ يكره الخروج فقال رجال من المسلمين ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة يوم أحد، وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر: اخرج بنا يا رسول الله إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم؛ فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله ﷺ فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا، فلم يزل الناس برسول الله ﷺ الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمة حربه وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، ثم خرج عليهم، وتلاوم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد صلى الله تعالى عليك وسلم فقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، فخرج ﷺ بألف من أصحابه وقد وعدهم الفتح إن يصبروا، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، وما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله تعالى أن
стр. 873
تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم قال: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله تعالى أعداء الله، فسيغني الله تعالى عنكم نبيه ﷺ ، ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله، فقال ﷺ وكان يحب الفأل لصاحب السيف: شم سيفك فإني أرى السيوف تسل اليوم، ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتل أحد حتى نأمره بالقتال وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال ومشى على رجليه، وجعل يصف أصحابه فكأنما يقوم بهم القدح إن رأي صدرا خارجا قال: تأخر وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، وكانوا خمسين رجلا وقال:
انضح الخيل عنا بالنبل، ولا يأتونا من خلفنا، إن كان علينا أو لنا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، فيهم مائتا فرس قد جنبوها، ووقع القتال وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة- ثلاث من الهجرة- وكان ما كان».
٥ - بمناسبة قوله تعالى وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ يقول صاحب الظلال:
والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير .. إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات. تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق، بلا غبش ولا ضباب .. وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها ودروبها ومنحنياتها. وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير!.
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله- سبحانه- بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء، يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير: محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية.
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة، والشجاعة، والتجرد، والخلاص من الشح، والحرص .. ثم إذا هو يكشف- على ضوء التجربة العملية وفي مواجهة الأحداث الواقعية- أن في نفسه عقابيل لم تمحص. وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط!
стр. 874
ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد، على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة!. والله- سبحانه- كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرة، وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض. فمحصها هذا التمحيص، الذي تكشف عنه الأحداث في أحد، لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها، وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها.
كلمة في سياق المقطع:
من امتدادات معاني مقدمة سورة البقرة في سورة البقرة قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ وفي آخر مجموعة من القسم السابق في سورة آل عمران جاء قوله تعالى:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ....
ثم جاء المقطع الأول من القسم الخامس وفيه كلام عما يؤدي إلى الردة، ورأينا صلة ذلك بما قبله مباشرة، ثم جاء فيه كلام عما حدث يوم أحد. وهي نموذج على الزلزال الذي يصيب المسلمين، وكيفية مواجهته، فالمقطع الأول من هذا القسم مرتبط بالمقطع السابق عليه، وفي الجميع تفصيلات لمقدمة سورة البقرة، وامتداداتها في السورة نفسها.
وكما أنه في هذا المقطع أخذت دروس من أحد، فإن دروسا أخرى ستؤخذ في مقاطع لاحقة، وكل ذلك بما ينسجم مع سياق السورة الخاص بها، وبما يعطينا تفصيلات لمقدمة سورة البقرة في تعميق المعاني الإيمانية وتوضيح القضايا الكفرية، وتحديد العلاقة بين أهل الإيمان، وأهل الكفر وتمييز أهل الإيمان عن أهل الكفر والنفاق.
المقطع الثاني من القسم الخامس
المقطع الاول في هذا القسم بين لنا عاقبة طاعة الكافرين، وذكرنا بولاية الله لنا، وأنه خير الشاهدين، ووعدنا بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين بسبب كفرهم. ثم
стр. 875
جاءت فقرة تعطينا دروسا فيما ينبغي أن نكون عليه، ليعطينا الله نصره، وذلك من خلال ما حدث يوم أحد.
ويأتي هذا المقطع لينهانا عن أن نعتقد فيمن مات منا ما يعتقده الكافرون من أن الأجل يتقدم أو يتأخر. إن هذا هو المعنى الرئيسي في المقطع، بدليل أن البداية والنهاية في المقطع صبت على هذا الموضوع.
يمتد المقطع من الآية (١٥٦) إلى نهاية الآية (١٦٨) وهذا هو:
المقطع الثاني
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ الى ١٥٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
*** [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٩ الى ١٦١]
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)
стр. 876
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٢ الى ١٦٣]
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣)
*** [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٤ الى ١٦٨]
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)
كلمة في المقطع:
بدأ المقطع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ..
وانتهى بقوله تعالى عن المنافقين:
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
стр. 877
فالبداية والنهاية في موضوع واحد. وفي وسط المقطع ذكرنا الله- بمنتين علينا: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وفي منة الله- علينا بذلك في وسط الكلام الذي ينهانا عن مواطأة الكافرين والمنافقين في قضية الموت، ما هو كالبيان لنعم يذكرنا الله- بها، لا ينبغي معها أن نواطئ الكافرين والمنافقين في اعتقادهم في شأن الموت.
وفي هذه الأجواء، أجواء القتل في سبيل الله، وأجواء أقوال الكافرين والمنافقين في من قتلوا في سبيل الله، مما يترك آثاره في قلوب المسلمين يأتي قوله تعالى:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإلى ماذا يشير هذا؟
إن هذا يشير إلى أن القائد عليه أن يكون لينا، وأن يعفوا ويستغفر ويشاور، فليس دخول معركة يترتب عليه ما يترتب أمرا سهلا، خاصة وأن الكافرين والمنافقين سيثيرون زوابع. فلا بد أن يكون الصف الإيماني على غاية من الوعي والتلاحم، وذلك لن يتم إلا إذا كان على رأس الأمر قائد هذه صفاته.
وفي هذا السياق يذكرنا الله بالتوكل عليه، وأن النصر والخذلان منه، وفي هذا السياق يعمق الثقة بشخصية الرسول ﷺ مما يوحي بأن القائد لا ينبغي له الغلول، ولا ينبغي أن يكون محل شك، فعلى القادة أن يلاحظوا ذلك.
ولنبدأ عرض المقطع:
في هذا المقطع نهى الله عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم، عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، ثم بين الله- أنه خلق هذا الاعتقاد الفاسد في قلوبهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم رد عليهم اعتقادهم الفاسد، بأنه تعالى بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يموت أحد ولا يحيا إلا بمشيئته وقدره، ولا يزداد في عمر أحد ولا ينقص منه شئ إلا بقضائه وقدره. ثم بين أن علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شئ، ثم بين أن القتل في سبيله والموت في سبيله خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني؛ لأن القتل أو الموت في سبيله وسيلة إلى نيل رحمته وعفوه ورضوانه، ثم
стр. 878
أخبر تعالى أن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله- فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذه المعاني رد على تصور الكافرين الفاسد. وفي نهاية المقطع عود إلى هذه المعاني. وبين نهاية المقطع وهذه البداية معان سنرى الصلة بينها وبين ما قبلها وما بعدها، فبعد المعاني التي ذكرناها، من الله- على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين بما ألان قلب رسوله لهم، فأطاب لفظه لهم. ثم بين الحكمة في ذلك، بأنه لو كان ﵇ سيئ الكلام، قاسي القلب، لانفضوا عنه وتركوه، ولكن الله جمعهم عليه، وألان جانبه لهم تأليفا لقلوبهم. وفي ذلك رحمة من الله بالجميع. ثم أمر رسوله أن يعفو عنهم، وأن يشاورهم، وأن يستغفر لهم تطييبا للقلوب، وزيادة حرص على خيرهم. ثم أمره إذا شاور وعزم، أن يتوكل على الله ويمضي، فالله يحب المتوكلين. ثم بين لهم أن النصر والخذلان من الله، ثم أمرهم بالتوكل بعد ما بين لهم من قبل أنه يحب أهله. ثم بين عصمة رسوله من الخيانة في أمر الدنيا والدين، وهدد الخائنين بعقابه وجزائه. ثم بين عدم استواء من يتبع رضوان الله مع من يسخط الله. ثم بين أن أهل الخير وأهل الشر درجات، وأن كلا موفى عمله. ثم بين أن له على المؤمنين منة أخرى ببعثته رسولا للمؤمنين من جنسهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، ويعلمهم ويربيهم بعد أن كانوا في جهالة وضلالة، ثم يعود السياق إلى البداية التي لها علاقة في غزوة أحد، ودروسها وتصحيح التصورات حول الموت والقتل.
فما الصلة بين ما ذكر في وسط هذا المقطع، وبين طرفيه؟ إن منة الله على عباده ببعثة رسوله، وبخصائصه، وعصمته، وأمر الله له ﷺ بالمشاورة كل ذلك مرتبط بما ينبغي أن يرافق ما يحدث للمسلمين بالرضا سواء كان قتلا أو غيره، كما ينبغي أن يرافقه شعور بالنعمة لا يبقى معه أي بقية للتصورات الكفرية في أي شأن، كما ينبغي أن يرافقه شعور بتولي الله للمؤمنين في كل حين، كيف وقد من عليهم بكل هذا.
وإذا اتضح شئ من الصلة بين وسط المقطع وطرفيه، فلنذكر المعاني العامة الواردة في طرفه الأخير: بين للمسلمين في نهاية المقطع سبب ما وقع بهم من قتل، مع تذكيرهم بنعمته عليهم يوم بدر، وأن علة ذلك هم. ثم بين أن ما أصابهم كان بمشيئة الله؛ تأديبا وتمحيصا للمؤمنين؛ وتمييزا للصف الإيماني من الصف المنافق، الذي تخلى عن القتال في أشد اللحظات بحجة أنه لا قتال، يقولون هذا وهم يكتمون خلافه، ويقولون عمن قتل: لو أطاعنا ما قتل، فرد الله عليهم أن يردوا عن أنفسهم الموت إن كانوا صادقين.
стр. 879
والملاحظ أن منطق المنافقين الذي ختم به المقطع، هو نفس منطق الكافرين الذي بدئ به المقطع، ومن ثم نعرف وحدة المقطع.
وإذا نظرنا إلى المقطع من خلال السياق، وكنا متذكرين صلة هذا المقطع بمقدمة سورة البقرة، عرفنا أن هذا المقطع يصفي المؤمنين، من أن تكون عندهم تصورات الكافرين، أو المنافقين، في قضية القتل، أو الموت، مع تبيان التصورات الصحيحة، مع تبيان مجموعة النعم التي ينبغي أن يقوم بشكرها المؤمنون، مع تبيان كثير من الأخلاق والتصورات الإيمانية، مع معان أخر، وكلها مرتبطة بقضية الإيمان، وكل ذلك مرتبط بشكل ما بمقدمة سورة البقرة.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي: لا تتشبهوا بالكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه ما يأتي وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي: عن إخوانهم في النسب، أو في المذهب والمسلك إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي: سافروا للتجارة أو نحوها أَوْ كانُوا غُزًّى أي: أو كانوا في الغزو فأصابهم موت أو قتل لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا أي: لو كانوا عندنا في البلد ما ماتوا في سفر، وما قتلوا في غزو والمعنى: لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ أي: قالوا ذلك واعتقدوه، وأراده الله؛ ليكون ذلك حسرة في قلوبهم، والحسرة: هي الندامة على فوت المحبوب. أما أنتم فصونوا منها قلوبكم بالاعتقاد الصحيح بقضاء الله وقدره. وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ هذا رد لقولهم الفاسد: من أن القتال أو السفر يقطع الآجال أو يقربها، فالأمر بيده- سبحانه- فقد يحيي المسافر والمقاتل ويميت المقيم والقاعد، لا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شئ، ولا يحيا أحد، ولا يموت إلا بمشيئته وحده- ﷻ وقضائه وقدره.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيكم على أعمالكم.
دل ختم الآية بهذا، على أن القول من العمل، فما أعقل من استشعر رؤية الله لأعماله، وأقواله، وأحواله، وعرف مجازاة الله له على ذلك كله.
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ أي: لنيل أهل الإيمان مغفرة الله ورحمته في حال قتلهم أو موتهم خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ خير مما يجمع أهل
стр. 880
الدنيا من حطامها الفاني.
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ أي: المصير والمرجع إلى الله، في حال موتكم أو قتلكم، فلتعملوا، ولتحسنوا، وكلوا أمركم في الحياة وغيرها إلى الله.
كذب الكافرين أولا في زعمهم أن السفر أو الغزو يقصران الآجال، ونهى المسلمين عن اعتقاد ذلك وقوله؛ لأنه، سبب التقاعد عن الجهاد، ثم بين لهم أنه إن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله، فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله، خير مما يجمعونه من الدنيا، فإن الدنيا زاد المعاد للعاقلين. فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد.
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي: فبرحمة من الله كان لينك للمؤمنين، ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه، وتوفيقه للرفق، والتلطف بهم. دل على أن لينه لهم ما كان ليكون إلا برحمة من الله تعالى، وامتنان الله على المؤمنين بهذا في السياق يدل على أن كل مبررات مطاوعة الكافرين، ومسايرتهم، لا يجوز وجودها، بل يجب انتفاؤها لوجود الكمال في القائد وسلوكه، وتعامله، ولوجود الكمال في الدعوة كما سيمر. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ الفظ: هو الجافي الغليظ الكلام، وغليظ القلب: قاسيه، والانفضاض:
التفرق أي: لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد، فإذا كان رسول الله ﷺ هذا الشأن معه لو كان كذلك لتفرق عنه الناس، وهو المفروض على الناس اتباعه، فما بال غيره. فليتق الله أحد أعطاه الله قيادة، أو إمامة للمسلمين ألا يرفق. بهم ثم أمر الله رسوله فَاعْفُ عَنْهُمْ بدوام إحسانك للمسيئ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله فيما يختص بحقه إتماما للشفقة عليهم، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي: في كل ما يختص من أمورهم من حرب لسلم لغير ذلك، مما لم ينزل عليك فيه وحي تطييبا لنفوسهم، وترويحا لقلوبهم، ورفعا لأقدارهم، وتوعية لهم على قضاياهم، وتسييرا لهم من حيث يقتنعون أنه المصلحة، واستخراجا لطاقات عقولهم فيما هو خير لمجموعهم.
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. أي: فإذا قطعت الرأي على شئ بعد الشورى، فتوكل على الله في إمضائه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. أي: المعتمدين عليه والمفوضين أمورهم إليه، يأخذون بالأسباب، ويقومون بحق الله، وتنفيذ أمره باستنفاد الوسع، وبذل الطاقة، ولا يعتمدون إلا على الله.
فوائد حول الآية:
١ - قال الحسن البصري في هذه الآية: «هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به»
следующие страницы →