← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

[سورة النساء (٤): آية ٦] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) *** [سورة النساء (٤): الآيات ٧ الى ١٠] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) *** [سورة النساء (٤): الآيات ١١ الى ١٤] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)

стр. 947

*** [سورة النساء (٤): الآيات ١٥ الى ١٧] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧)

стр. 948

[سورة النساء (٤): آية ١٨] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) كلمة في المقطع: طالبنا المقطع بالتقوى. ثم طالبنا بما هو من مقتضياتها. ومن ذلك: إعطاء اليتامى أموالهم، وترك زواج اليتيمات إذا خشي ظلمهن، وأن الزواج مقيد في حدود الأربع في حالة العدل، والواحدة إذا كان التعدد يؤدي إلى ظلم، ووجوب إعطاء المرأة حقها، وحكم مال اليتيم إذا بلغ غير رشيد، ووجوب إعطائه ماله إذا بلغ رشيدا، ومتى يحل للوصي أن يأكل من مال اليتيم، وما حدود ذلك؟ وأعطانا المقطع. قاعدة في قضية الإرث، وحذرنا من الاعتداء على مال اليتيم، ثم فصل في موضوع الإرث، وبين ما ينبغي فعله مع الزناة، وما يجب عليهم أن يفعلوه. فالمقطع يفصل في ما يدخل في التقوى. ولذلك نلاحظ أنه بعد الأمر بالتقوى تأتي هذه الأوامر، والنواهي، والتفصيلات. فكأن مقتضى التقوى ذلك. وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة لا تخفى. فالمحور يدعو إلى العبادة، كطريق للتقوى. وهذا المقطع يفصل لنا ماذا يدخل في التقوى من أمور ينبغي أن تراعى. يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. المعنى العام: يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه، وهي أثر عبادته وحده، لا شريك له، ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇. وخلق منها زوجها حواء ﵍. خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم. فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه وذرأ من آدم وحواء. رجالا كثيرا

стр. 949

ونساء. ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم. وألوانهم ولغاتهم. ثم كرر الله- الأمر بتقواه وهو الذي يسأل الناس بعضهم بعضا به وبأرحامهم، أو أنه كرر الأمر بتقواه ليجمع معها الأمر باتقاء قطيعة الرحم. وختم الله الآية بتبيان أنه تعالى مراقب لجميع أحوالنا، وأعمالنا. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا النَّاسُ. أي: يا بني آدم. اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. أي: فرعكم من أصل واحد. وهو نفس آدم أبيكم. وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها. أي: حواء خلقها من ضلع من أضلاعه، وأنشأ آدم من تراب، وخلق منه زوجته، ثم شعب الناس منهما. وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً. أي: نشر من آدم وحواء رجالا كثيرا، ونساء كثيرات. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. أي: واتقوا الله الذي تتساءلون به، وتتساءلون بأرحامكم. كقول القائل: أسألك بالله، وبالرحم. ويمكن أن يفهم الأمر فهما آخر، وهو: واتقوا الله، واتقوا الأرحام. والمعنى: واتقوا الله الذي تتعاقدون به، وتتعاهدون، وتتساءلون به، لطاعتكم إياه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ولكن بروها، وصلوها. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. أي: إن الله مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم. وفي الرقيب معنى الحفظ والعلم. وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. فوائد: ١ - قال الألوسي عند قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. «والمراد من النفس الواحدة آدم ﵇، والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد، وهو أبو البشر. وذكر صاحب جامع الأخبار من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبرا طويلا نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خرابا بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم ﵇، وروى ابن بابويه في كتاب التوحيد عن الصادق في حديث طويل أيضا أنه قال: لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشرا غيركم! بلى، والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك

стр. 950

الآدميين، وقال الميثم في شرحه الكبير على النهج- ونقل عن محمد بن علي الباقر- أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، وذكر الشيخ الأكبر في فتوحاته ما يقتضي بظاهره أن قبل آدم بأربعين ألف سنة آدم غيره، وفي كتاب الخصائص ما يكاد يفهم منه التعدد أيضا الآن حيث روي فيه عن الصادق أنه قال: «إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم، كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالم منهم أن لله- عالما غيرهم، وإني للحجة عليهم»، وأما القول بظواهر هذه الأخبار فمما لا يراه أهل السنة والجماعة، نعم إن آدمنا هذا ﵇ مسبوق بخلق آخرين، كالملائكة، والجن، وكثير من الحيوانات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى، لا بخلق أمثاله، وهو حادث نوعا وشخصا، خلافا لبعض الفلاسفة في زعمهم قدم نوع الإنسان، وذهب الكثيرون إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة، وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، ورووا أخبارا كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن، وأما أنه متى كان فمما لا يعلمه إلا الله تعالى، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعول عليها» اهـ. أقول: يحتاج هذا الكلام إلى كتاب كامل لمناقشته فليقرأه القارئ على حذر، وإنما نقلته لسبب واحد هو: أنه قبل نظريات التطور الحديثة وجد في مقالات الإسلاميين ما يشير إلى أن جنسنا البشري الحالي مسبوق بمثله، أو شبيهه، مع الجزم بأننا من أبينا آدم، ومع الجزم بأن آدم خلق خلقا مباشرا، ولم يوجد أثرا عن تطور، ومع الجزم بأنه إن كانت هناك مخلوقات شبه الإنسان الحالي قبل آدمنا ﵇، فإنها لا صلة لها بإنساننا الحالي من حيث التوالد أو الوجود، ومع الجزم بأنه لا توجد نصوص صحيحة أو قطعية في هذا الموضوع ولذلك فنحن نسجلها لاحتمال أن يستفيد منها الباحثون عن المستحسات لقوله تعالى قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ (سورة العنكبوت) ٢ - في الحديث الصحيح: «إن المرأة خلقت من ضلع. وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه. فإن ذهبت تقيمه، كسرته. وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج». في الحديث أمر بالرفق بالمرأة. وفيه دليل على كيفية خلق أمنا حواء من أبينا آدم ﵉. قال ابن عباس: (خلقت المرأة من الرجل. فجعلت نهمتها في الرجل. وخلق الرجل من الأرض فجعلت نهمته في الأرض. فاحبسوا نساءكم).

стр. 951

رواه ابن أبي حاتم. وهذا الأثر عن ابن عباس يؤكد أن هناك فهما وحيدا لآية وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها هو الذي تدل عليه النصوص والآثار، وقد رد الألوسي على بعض المتحذلقين في هذا المقام فقال: «والقول بأنه: أي فائدة في خلقها من ضلع والله تعالى قادر على أن يخلقها من تراب؟ يقال عليه: إن فائدة ذلك سوى الحكمة التي خفيت عنا إظهار أنه سبحانه قادر على أن يخلق حيا من حي، لا على سبيل التوالد- كما أنه قادر على أن يخلق حيا من جماد كذلك- ولو كانت القدرة على الخلق من التراب مانعة عن الخلق من غيره لعدم الفائدة، لخلق الجميع من التراب بلا واسطة لأنه سبحانه- كما أنه قادر على خلق آدم من التراب- هو قادر على خلق سائر أفراد الإنسان منه أيضا، فما هو جوابكم عن خلق الناس بعضهم من بعض مع القدرة على خلقهم كخلق آدم ﵇ فهو جوابنا عن خلق حواء من آدم مع القدرة على خلقها من تراب» اهـ. ٣ - وبمناسبة ذكر الأرحام في قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ يقول الألوسي: وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح «إن من أربى الربا الاستطالة بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة». والأخبار في هذا الباب كثيرة، والمراد بالرحم: الأرقاب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب وإن بعد، ويطلق على الأقارب من جهة النساء، وتخصيصه في باب الصلة بمن ينتهي إلى رحم الأم منقطع عن القبول إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقا. كلمة في السياق: قلنا إن محور سورة النساء من البقرة الآيات الخمس الأولى من مقطع الطريقين فلنلاحظ: أن الآية الأولى من المحور هي يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وأن الآية الأولى في سورة النساء بدأت ب يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً ألا ترى التشابه كاملا بين البدايتين، مع زيادة تفصيل في سورة النساء في حيثية من الحيثيات، حتى الألفاظ تكاد تكون متشابهة يا أَيُّهَا النَّاسُ،

стр. 952

خَلَقَكُمْ، اتَّقُوا ..... تَتَّقُونَ.* .. وهكذا نرى أنه من الآية الأولى قد تحدد إلى حد كبير محور سورة النساء من سورة البقرة، وهو موضوع سنتعرض له كثيرا. بدأت السورة بالأمر بالتقوى، والتذكير بأننا مخلوقون من نفس واحدة ابتداء، سواء في ذلك رجالنا ونساؤنا، ثم كررت الآية الأولى الأمر بتقوى الله، وأمرت باتقاء الأرحام، وذكرت برقابة الله علينا، وسنرى أنه بعد هذه الآية تأتي أوامر بإيتاء اليتامى أموالهم وإيتاء النساء مهورهن. ألا ترى أن الصلة واضحة بين الآية الأولى وما جاء بعدها مباشرة، أليس التذكير بوحدة الأصل يثير العطف والرحمة والشفقة، ويهيج على أداء الحقوق، أليس التذكير برقابة الله يبعث على الرحمة بالضعيف، واليتيم والمرأة في العادة ضعيفان. وهكذا تبدأ السورة سياقها الخاص مع تفصيلها لمحورها من سورة البقرة، ومن خلال تفصيلها لمحورها نعرف من الآيات الأولى في سورة النساء أن مما يدخل في حقيقة التقوى: القيام بصلة الأرحام، والقيام بحق اليتيم، والحذر من ظلمه أو غبنه إذ لا تظهر تقوى الله، كما تظهر في معاملة الضعيف بالعدل. حيث لا يخشى الإنسان بشرا، ولنمض في تفسير المقطع الأول. وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا* وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً. المعنى العام: يأمر تعالى في هذه الآيات، أن تدفع أموال اليتامى إليهم- إذا بلغوا الحلم- كاملة موفرة. ونهى أن يستبدل الإنسان الحلال بالحرام. كما نهى أن تؤكل أموال اليتامى بضمها، وخلطها إلى أموال الأوصياء ثم أكلها. فإن هذا ذنب كبير، يتنافى مع التقوى. ثم نهى عن حالة من حالات ظلم اليتامى. وهي حالة ما إذا كانت تحت حجر أحدنا يتيمة، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها في حالة تزوجها فإن الله- نهاه عن تزوجها في هذه الحالة. وندبه إلى العدول إلى ما سواها من النساء، فإنهن

стр. 953

كثيرات. ولم يضيق الله عليه في ذلك. بل وسع عليه أن يتزوج حتى الأربع من النساء. وذلك من أجل أن لا يقع ظلم. ثم أمر أن تعطى المرأة مهرها، فريضة واجبة على الرجل. فإن طابت هي له- بعد تسميته- عنه، أو عن شئ منه فليأكله حلالا، طيبا له. وعلى هذا فإننا نفهم من السياق أن من قضايا التقوى الرئيسية، عدم ظلم اليتامى، وخاصة إذا كن نساء. والاقتصار في الزواج على أربع، وإعطاء المرأة مهرها، وعدم الاعتداء عليه. فإعطاء الحق لليتيم والمرأة من أول مظاهر التقوى. ومن ثم صدرت سورة النساء بهذا الموضوع. المعنى الحرفي: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ. اليتم في اللغة: الانفراد. وفي الشريعة: من مات أبوه، فانفرد عنه. وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار. لبقاء معنى الانفراد عن الآباء. إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال. فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم. قال ﷺ «لا يتم بعد الحلم». يعني إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. ومعنى النص: آتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ. وسماهم يتامى مع أنه لا يتم بعد حلم، لقرب عهدهم بالصغر. وفيه إشارة إلى أنه لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، إن أنس منهم الرشد. وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار بحكم الاستمرار، وذلك بمجرد البلوغ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ. أي: ولا تستبدلوا الحرام- وهو مال اليتامى- بالحلال: وهو مالكم، أو تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. وقال سفيان الثوري عن أبي صالح في تفسيرها: (لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك). وقال السدي: (كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة. ويقول: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويطرح مكانه الزيف ويقول: درهم بدرهم). وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ. أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعا، أو تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم، قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال. إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً. أي: إن أكلها كان ذنبا عظيما. فالحوب: هو الإثم. والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم، وخطأ كبير

стр. 954

فاجتنبوه. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في الإناث اليتامى، لأن كلمة اليتامى جمع ليتيم ويتيمة. والمراد بها هنا النساء. فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. أي: فانكحوا ما حل لكم من النساء ثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا. فصار معنى ما مر من الآية. أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها. فليعدل إلى ما سواها من النساء فإنهن كثيرات. ولم يضيق الله عليه. فانكحوا ما شئتم من النساء سواهن، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثا، وإن شاء أربعا. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ. أي: فإن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد. أو إن خفتم تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن فالزموا، أو اختاروا أن تقتصروا على واحدة، أو على الجواري. أي فليقتصر من خاف الجور على واحدة، أو على الجواري السراري. فإنه لا يجب قسم بينهن، بل يستحب. فمن فعل، فحسن. ومن لا، فلا حرج. وسوى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر. ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا. أي: اختيار الواحدة أو التسري أقرب من ألا تميلوا ولا تجوروا، يقال: عال الحاكم في حكمه، إذا جار. وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً. الصدقات: المهور. والنحلة: العطية. وفسرها كثيرون بالفريضة، والواجب. والخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء. لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم كما يفعل كثير من الأعراب في عصرنا من أخذ المهر، أو بعضه. والمعنى: أعطوا النساء مهورهن طيبة بذلك أنفسكم. والأمر هنا للوجوب. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً. فإن طاب الزوجات للأزواج عن شئ من الصداق. فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً. أي: فكلوا ما وهبنه لكم أكلا هنيئا لا إثم فيه، أو هنيئا في الدنيا لا يطالبكم به أحد. مريئا- أي سائغا- لا تنغيص فيه ولا تبعة. والتعبير يفيد المبالغة في الإباحة، وإزالة التبعة. والمعنى: فإن وهبن لكم شيئا من الصدقات. وتجافت عنه نفوسهن طيبات، لا بسبب منكم تضطروهن به إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم، فعندئذ فكلوه سائغا، لا تنغيص فيه. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ. ولم يقل، فإن وهبن لكم. إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب، طيبة نفسها بذلك.

стр. 955

فوائد: ١ - قال الفقهاء: يحرم الزواج بأكثر من واحدة، إذا تأكد من نفسه الجور. فإن ظن من نفسه ولم يتأكد، كره له كراهة تحريمية، أن يتزوج بأكثر من واحدة. وأما الزواج من واحدة، فسنة عند اعتدال الشهوة. فإن تاقت نفسه إلى الجماع، فواجب. فإن خشي على نفسه الزنا أو اللواط إن لم يتزوج، أصبح الزواج فريضة. ٢ - معنى قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. أي: ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. كقول القائل: اقتسموا هذا الألف: درهمين درهمين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. فكان الخطاب بذلك ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. وجيء بالواو؛ لتدل على تجويز الجمع حتى الأربع. ولو جئ ب (أو) في هذا المقام، لما فهم هذا الفهم. وقصر الجمع على الأربع مفهوم من هذه الآية، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: «وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن رسول الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة» وهذا الذي قاله الشافعي، مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع، إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وهو مذهب مرذول، فاسد، منقوض بنص القرآن، وصحيح السنة، وإجماع الأمة. وأما ما ذكره أنس، أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن، بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. فذلك من خصائصه ﷺ . وما ورد في السنة يفيد وجوب الاقتصار على أربع، من ذلك ما رواه أبو داود، وغيره بإسناد حسن أن عميرة الأسدي قال: أسلمت، وعندي ثمان نسوة. فذكرت للنبي ﷺ فقال: «اختر منهن أربعا». وقد حدث مثل هذا لأكثر من واحد كان عنده أكثر من أربع، فأمره الرسول ﷺ باختيار الأربع وتطليق ما زاد على ذلك، قال ابن كثير بعد ما ذكر أكثر من حديث في هذا الباب: «دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال. فإذا كان هذا في الدوام ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى». ٣ - مما فسرت به كلمة النحلة في الآية: الديانة. وعلى هذا يكون المعنى: وآتوا النساء مهورهن ديانة. ولكن ما ذكرناه هناك أقوى والنتيجة واحدة.

стр. 956

٤ - وفسر الشافعي قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا: بمعنى ألا تكثر عيالكم، فتفتقروا فتضطروا إلى ترك الورع. لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم. وفي كثرة العيال ما يصعب معه المحافظة على حدود الورع، وكسب الحلال. قال ابن كثير: وليس ما مر كلامه، ولكنه ذكر هذا التفسير وعلق عليه بقوله: ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر!. فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا، والصحيح قول الجمهور ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا. أي: ألا تجوروا. ٥ - روى البخاري عن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى .. قالت: «يا ابن أختي: تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن». ٦ - وفي حكمة إباحة تعدد الزوجات في الشريعة يقول صاحب الظلال: «إن الإسلام نظام للإنسان. نظام واقعي إيجابي. يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه، ويتوافق مع واقعه وضروراته، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان، وشتى الأحوال. إنه نظام واقعي إيجابي، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه، ومن موقعه الذي هو عليه، ليرتفع به في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة في غير إنكار لفطرته أو تنكر؛ وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال؛ وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف!. إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء؛ ولا على التظرف المائع؛ ولا على «المثالية» الفارغة؛ ولا على الأمنيات الحالمة، التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته، ثم تتبخر في الهواء. وهو نظام يرعى خلق الإنسان، ونظافة المجتمع، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي من شأنه انحلال الخلق، وتلويث المجتمع، تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع. بل يتوخى دائما أن ينشئ واقعا يساعد على صيانة الخلق، ونظافة المجتمع، مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع. فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات ... فماذا نرى؟

стр. 957

نرى .. أولا .. أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة- تاريخية وحاضرة- تبدو فيها زيادة النساء الصالحات للزواج، على عدد الرجال الصالحين للزواج .. والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يعرف تاريخيا أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد. وهو يدور دائما في حدودها. فكيف يعالج هذا الواقع، الذي يقع ويتكرر وقوعه، بنسب مختلفة. هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار؟ نعالجه بهز الكتفين؟ أو نتركه يعالج نفسه بنفسه؟ حسب الظروف والمصادفات؟! إن هز الكتفين لا يحل مشكلة! كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد، يحترم نفسه، ويحترم الجنس البشري!. ولا بد إذن من نظام، ولا بد إذن من إجراء. وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات: ١ - أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج ... ثم تبقى واحدة أو أكثر- حسب درجة الاختلال الواقعة- بدون زواج، تقضي حياتها- أو حياتهن- لا تعرف الرجال! ٢ - أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجا شرعيا نظيفا. ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر، من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال. فيعرفن الرجل خدينا أو خليلا في الحرام والظلام! ٣ - أن يتزوج الرجال الصالحون- كلهم أو بعضهم- أكثر من واحدة. وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل، زوجة شريفة، في وضح النور لا خدينة ولا خليلة في الحرام والظلام! الاحتمال الأول ضد الفطرة، وضد الطاقة، بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال. ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب. فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون، المتحذلقون، المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان. وألف عمل، وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية .. سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة، ومطالب الروح والعقل، من السكن والأنس بالعشير ... والرجل يجد العمل ويجد الكسب؛ ولكن هذا لا يكفيه؛ فيروح يسعى للحصول على العشيرة، والمرأة

стр. 958

كالرجل- في هذا- فهما من نفس واحدة! والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف؛ وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف؛ وضد كرامة المرأة الإنسانية. والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع، هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله، ويتطاولون على شريعته، لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول. بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير. والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام. يختاره رخصة مقيدة. لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين، ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء. يختاره متمشيا مع واقعيته الإيجابية، في مواجهة الإنسان كما هو- بفطرته وظروف حياته- ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر، ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح، والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة. ولكن في يسر ولين وواقعية. ثم نرى ... ثانيا .. في المجتمعات الإنسانية. قديما وحديثا. وبالأمس واليوم والغد إلى آخر الزمان. واقعا في حياة الناس، لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله. نرى أن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها. بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها. فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة. وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما، امتدادات الحياة بالإخصاب والإنسال، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال. ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع- الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال- هذه الرخصة- لا على سبيل الإلزام الفردي، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري، ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء .. وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائما في التشريع الإلهي. لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية، لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له، ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة، ولا تنظر من جميع الزوايا، ولا تراعي جميع الاحتمالات. ومن الحالات الواقعية- المرتبطة بالحقيقة السالفة- ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في

стр. 959

أداء الوظيفة الفطرية، مع رغبة الزوجة عنها- لعائق من السن أو من المرض- مع رغبة الزوجين كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال- فكيف نواجه مثل هذه الحالات؟ نواجهها بهز الكتفين؛ وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار؟! أو نواجهها بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف؟ إن هز الكتفين- كما قلنا- لا يحل مشكلة. والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية، ومشكلاتها الحقيقية. وعندئذ نجد أنفسنا- مرة أخرى- أمام احتمال من ثلاثة احتمالات: ١ - أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان! ونقول له: عيب يا رجل! إن هذا لا يليق، ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها! ٢ - أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء! ٣ - أن نبيح لهذا الرجل التعدد- وفق ضرورات الحال- ونتوقى طلاق الزوجة الأولى ... الاحتمال الأول ضد الفطرة، وفوق الطاقة، وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي، وثمرته القريبة- إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان- هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت، ومعاناة جحيم هذه الحياة .. وهذا ما يكرهه الإسلام، الذي يجعل من البيت سكنا، ومن الزوجة أنسا ولباسا. والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي، وضد منهجه في ترقية الحياة البشرة، ورفعها وتطهيرها وتزكيتها، كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان. والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية، ويلبي منهج الإسلام الخلقي، ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية، ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما، وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية. وشئ كهذا يقع في حالة عقم الزوجة، مع رغبة الزوج الفطرية في النسل. حيث

стр. 960

يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما: ١ - أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل. ٢ - أو أن يتزوج بأخرى، ويبقى على عشرته مع الزوجة الأولى. وقد يهذر قوم من المتحذلقين- ومن المتحذلقات- بإيثار الطريق الأول. ولكن تسعا وتسعين زوجة- على الأقل- من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى ما يشير على الزوج بهذا الطريق! الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور- فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغبا في الزواج- وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار، تجيء بهم الزوجة الأخرى من زوجها، فيملئون عليها الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص. وهكذا حيثما ذهبنا نتأمل الحياة الواقعية بملابساتها العملية، التي لا تصغي للحذلقة، ولا تستجيب للهذر، ولا تستروح للهزل السخيف والتميع المنحل في مواضع الجد الصارم ... وجدنا مظاهر الحكمة العلوية، في سن هذه الرخصة مقيدة بذلك القيد: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ- مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ- فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً. فالرخصة تلبي واقع الفطرة، وواقع الحياة؛ وتحمي المجتمع من الجنوح- تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة- إلى الانحلال أو الملال. والقيد يحمي الحياة الزوجية من الفوضى، والاختلال، ويحمي الزوجة من الجور والظلم ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل. ويضمن العدل الذي تحتمل معه الضرورة ومقتضياتها المريرة» اهـ. ولنعد إلى السياق: فبعد أن أمرنا الله- أن نؤتي اليتامى أموالهم وحقوقهم تأتي آية تنهانا أن نؤتي اليتامى أموالهم إذا كانوا سفهاء فكما أنه من التقوى أن ندفع لليتيم حقه كاملا، فإن من التقوى ألا نسلمه ماله إذا كان سفيها. أي: غير رشيد في أمر المال. قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً.

стр. 961

المعنى العام: نهى الله- عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم، من التجارات وغيرها، مع الأمر بالإحسان إلى من تحت الحجر بالإنفاق في الكساء والأرزاق وبالكلام الطيب وتحسين الأخلاق. المعنى الحرفي: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ: الخطاب للأولياء. وأضاف الأموال إليهم، لأنهم يلونها، ويمسكونها. أو الخطاب للأمة، وإضافة الأموال إليها مع أن المال ملك للسفيه للإشعار بأن سوء تصرف الفرد في ماله، أو حسن تصرفه فيه، ينعكس أثره على الجميع. ومن ثم كان مال الأفراد مالا للأمة، وهي مسئولة عن حسن تصرف كل فرد فيها بما يملك. والسفيه هنا: هو غير الرشيد في أمر المال. ويدخل فيه المبذر الذي ينفق ماله فيما لا ينبغي. ويدخل فيه العاجز عن تثميره، والتصرف فيه، وإصلاحه. ومن السياق مما قبل هذه الآية، وما بعدها، نفهم أن السفيه هنا، هو اليتيم الذي يبلغ غير رشيد في أمر المال. ولكن يدخل معه غيره ممن هو على مثل شأنه. ومن هنا أخذ الفقهاء مبدأ الحجر، والحجر تارة يكون للصغر، فإن الصغير يكون مسلوب العبارة. وتارة يكون للجنون. وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين. وتارة يكون للإفلاس. وهو ما إذا أحاطت الديون برجل، وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه. الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. أي: قواما لأبدانكم، ومعاشا لأهلكم وأولادكم. فالمال به قيام الحياة البشرية. وإذا كان المال له مثل هذه الأهمية في الحياة البشرية، فينبغي عدم التفريط فيه. ولو بتسليم المال إلى غير صاحبه إذا كان صاحبه ليس رشيدا في أمر التصرف فيه. قال ابن كثير في تفسير قِياماً. (أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها). وَارْزُقُوهُمْ فِيها. أي: وارزقوا السفهاء في هذه الأموال، بأن تتجروا فيها وتشغلوها. فيكون لهم رزق من ذلك. قال النسفي: (واجعلوها مكانا لرزقهم، بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق، فما أعظم هذا القرآن، إذ بهذا التعبير القصير أمرنا بالإنفاق عليهم، وأمرنا بتثمير مالهم لهم وَاكْسُوهُمْ الأمر بالكساء هنا دل على أن الأمر السابق فيه تضمن الإطعام والإنفاق. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً. أي: وعدوهم عدة جميلة، كالقول لهم:

стр. 962

إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وهذا يفيد أنه لا ينبغي أن يرافق الحجر قسوة من الولي، لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة، قد تبلغ حد العداء والجريمة. والمعروف هو كل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل، والمنكر ما أنكرته لقبحه. فوائد: ١ - رأينا أكثر من مرة في هذا التفسير كيف أن معاني هذا القرآن لا تنتهي بسبب أن بعض معانيه تؤخذ من السياق الجزئي، وبعضها من السياق العام، وبعضها من النص الحرفي، ويتولد عن كل من هذه معان يعضد بعضها بعضا، بالشكل الذي لا يحيط به إلا منزله وهو الله تعالى. ويتفاوت الناس في الفهم، وهذه الآية تصلح شاهدا على هذا كله. فمن السياق فهمنا أن المراد بالسفيه اليتيم. ومن السياق فهمنا أن الخطاب هنا للولي. ومن النص يدخل في النهي كثير، ومن ثم قال ابن عباس وابن مسعود وكثير في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ هم النساء والصبيان. قال أبو هريرة: هم الخدم- أي العبيد- وفسرها أبو موسى: بإعطاء المال لسفيه، أي هبة أو صدقة. واختلاف الأقوال مرجعها إلى دقة الملحظ ومأخذه، والجميع داخل في الآية، وإن كان المراد الرئيسي هو ما ذكرناه أثناء الشرح الحرفي. ولكن غيره يدخل فيه فلننتبه إليه، كان ابن عباس يقول أخذا من الآية: «لا تعمد إلى مالك وما خولك الله، وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك، أو بنتك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومئونتهم ورزقهم». ٢ - بمناسبة قوله تعالى أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً قال النسفي «وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان- وكان له بضاعة يقلبها- لولاها لتمندل بي بنو العباس» ونقول: هذه الآية بينت لنا أهمية المال في الحياة البشرية، ولذلك نلاحظ الآن عالميا، أن ميزان التقدم الذي ارتضاه العالم لنفسه، هو مقدار التقدم الاقتصادي، ومقدار دخل الفرد الواحد من مجموع الأمة، ولئن كان في ذلك نوع غلو، إلا أن الآية بينت لنا الأهمية الكبرى للمال في شئون الحياة البشرية. ومن ثم فإن الدولة المسلمة ينبغي أن

стр. 963

تكون حريصة على أن يكون دخل كل فرد في الأمة مرتفعا، وأن تحرص على أن يكون تصرف كل فرد في الأمة في ماله تصرفا صحيحا، من خلال القضاء، والتربية، والتوعية، والمؤسسات، والتنظيم. وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً. المعنى العام: يأمر تعالى باختبار الأيتام قبل البلوغ، فإذا بلغوا مصلحين لدينهم وأموالهم، انفك الحجر عنهم، فتسلم إليهم أموالهم التي تحت يد أوليائهم، ونهى الله- هؤلاء الأولياء أن يأكلوا أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية، بالإسراف فيها، والمبادرة بإنفاقها قبل بلوغهم. ثم أذن الله لولي اليتيم إن كان محتاجا، أن يأكل بقدر حاجته. ثم أمر تعالى، أنه في حالة البلوغ، وإيناس الرشد، ودفع الأموال إلى أصحابها: أمر بالإشهاد عليهم، لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه. وختم الله- الآية بالتذكير بالله خير الشهداء والرقباء والمحاسبين ليتذكر الأولياء في حال نظرهم للأيتام. وحال تسليمهم لأموالهم هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مزور حسابها، أو مدلس أمرها؟ الله عالم بذلك كله. المعنى الحرفي: وَابْتَلُوا الْيَتامى. أي: واختبروهم، أي اختبروا عقولهم، وزنوا أحوالهم، ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ. وقال النسفي: فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى تتبين حاله فيما يجئ منه. وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة. حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ. أي: الحلم، لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن ينزل في منامه الماء الدافق الذي يكون منه الولد، والعبرة في هذه الحالة للنزول في المنام أو في غيره. وتارة يكون بالسن وهو خمس عشرة سنة قمرية. فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً. أي: فإن تبينتم منهم هداية في التصرفات، وصلاحا في المعاملات. وتنكير الرشد يفيد: أن المراد رشد مخصوص، وهو الرشد في التصرف

стр. 964

والتجارة. أو يفيد التقليل، أي: طرفا من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فالمراد بالرشد على هذا الاتجاه- وهو اتجاه الحنفية- مجرد القدرة على التصرف الرشيد في شأن المال، وليس غير ذلك. وقال سعيد بن جبير في تفسير الرشد: صلاحا في دينهم، وحفظا لأموالهم، فوسع دائرة الرشد. فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ. أي: فسلموا إليهم أموالهم التي تحت أيديكم. والأمر للأوصياء والأولياء. ويفهم من الآية: أن الابتلاء يكون قبل البلوغ، فإذا كان البلوغ، وأونس الرشد فلا يتأخر عن دفع الأموال إليهم. فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت الرشد منهم، وهذا يقتضي تدريب اليتيم على الرشد قبل البلوغ. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. أي: ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم، فتفرطوا في إنفاقها، وتقولوا: ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. أي: إن الوصي: إما أن يكون غنيا أو فقيرا، فالغني يستعف عن أكل مال اليتيم، أي يحذر من أكل مال اليتيم. واستعف أبلغ من عف؛ كأنه طالب زيادة العفة. والفقير يأكل قوتا مقدرا محتاطا في أكله. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ. الشهداء على أنهم تسلموها وقبضوها دفعا للتجاحد، وتفاديا على توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً. أي: وكفى بالله محاسبا. فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب. فعليكم بالإصلاح، وإياكم والإفساد بالاعتداء أو الإسراف. فوائد: ١ - في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم». ٢ - في سنن أبي دواد عن علي قال: «حفظت من رسول الله ﷺ ، لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل» وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني؛ فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الكبير والصغير» وعن عائشة- ﵂ وغيرها من الصحابة عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة. عن الصبي حتى يحتلم- أو يستكمل خمس عشرة سنة- وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق». مما مر يفهم أن

стр. 965

البلوغ يكون: إما بالسن، أو الاحتلام. قال ابن كثير: «واختلفوا في نبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل يدل على بلوغ أو لا؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين وبين صبيان أهل الذمة، فلا يكون بلوغا على القول الثالث في حق أبناء المسلمين، ويكون بلوغا في حق أهل الذمة. قال ابن كثير: والصحيح أنها بلوغ في الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة فيه بعيد». وقد روى الإمام أحمد عن عطية القرظي قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فأمر من ينظر من أنبت فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلى سبيلي .. » وأخرجه أهل السنن الأربعة. ٣ - روى الإمام أحمد: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : فقال: «ليس لي مال ولي يتيم، فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال: أو تفدي مالك بماله». شك أحد الرواة، وروى ابن ماجه وأبو داود في سننه أن رجلا قال: يا رسول الله: فيم أضرب يتيمي؟ قال: «مما كنت ضاربا منه ولدك غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا». قال فقهاء الشافعية: ولي اليتيم الفقير له أن يأكل من أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر حاجته. واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: أحدهما، لا. لأنه أكل بأجرة عمله، وكان فقيرا، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية والأحاديث أباحت الأكل من غير بدل، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. قال عمر بسند صحيح عنه: إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت» والأقوى الاتجاه الأول: أي لا يرد ومذهب عمر زيادة في الاحتياط. وما مقدار ما يأكل منه؟ قال النسفي عن إبراهيم: ما سد جوعه، ووارى العورة. ٤ - إن قياس عمر أمر نفسه على وصي اليتيم في مال الأمة أصل عظيم من أصول الاجتهاد السياسي في الإسلام. فالدولة المسلمة، والإمام المسلم تصرفاته مقيدة بما يقيد به وصي اليتيم؛ فما كان فيه مصلحة اليتيم نفذ، وما لم تكن له فيه مصلحة لم ينفذ. وعلى هذا فكل التصرفات والعقود والمعاهدات الدولية التي تجريها الحكومات تلزم الأمة بمقدار ما فيها من مصلحة للأمة، وكل تصرف أو عهد، أو عقد أجرته، أو تجريه حكومة ليس فيه مصلحة، فإنه لاغ حكما.

стр. 966

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً* إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً*. المعنى العام: كان المشركون العرب في الجاهلية يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا. وهذا شبيه ببعض أنظمة العالم المعاصر، إذ تعطي الابن الأكبر حق الإرث فقط. فأنزل الله هذه الآيات مبينا في الآية الأولى منها أن الرجال والنساء سواء في استحقاق الوراثة، ما داموا سواء في سبب الاستحقاق، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بسبب الذكورة والأنوثة أو بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية أو أولاد، مما ستبينه الآيتان التاليتان لهذه الآيات. ثم حض الله الورثة أن يرضخوا للأقارب واليتامى والمساكين ممن لا يرثون إذا حضروا قسمة الميراث. وهل هذا الرضخ واجب أو مندوب، أو أن هذا كان فى أول الإسلام ثم نسخ؟ أقوال سنراها. وإذا فهمنا الآية في حدود أنه: إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شئ منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم بائسون لا شئ يعطونه؛ فأمر الله تعالى وهو الرءوف الرحيم أن يرضخ لهم شئ يكون برا بهم، وصدقة عليهم وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم على حساب ما تطيب به أنفس الورثة. إذا فهمنا الآية في هذه الحدود، لا نكون قد فهمنا شيئا ينكره أحد، أو يختلف في جواز تطبيقه أحد، ثم ذكر الله بحالة يخشاها الإنسان، وهي حالة ما إذا كان له ذرية ضعاف وأصابه الموت، فكما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة، فلينظر لورثة الآخرين. دخل في ذلك ما إذا حضر أحدا الموت فسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فعلى من سمعه أن يسدده. ودخل في ذلك من ولي أيتام إنسان ما، فعليه أن يفعل لهم ما يحب أن يفعل بأولاده. كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم. ثم أعلم الله- أن من أكل أموال اليتامى ظلما، فإنما يأكل في بطنه نارا

стр. 967

تتأجج فيها يوم القيامة. ولعلنا نلاحظ أن هذه الآيات الأربع مرتبطة بما قبلها، من حيث إن لها علاقة باليتامى، ونلاحظ كذلك أنها مرتبطة بما بعدها من آيات المواريث، إذ قررت استحقاق الرجال والنساء في الميراث، وندبت الورثة إلى التصدق، وحذرت من ظلم اليتامى، وندبت إلى معاملة أبناء الميت مثلما يحب الناس أن تعامل أبناؤهم من بعدهم. فالمقطع كله مرتبط بعضه ببعض، وكله يحدد التصرف الصحيح في قضايا حياتية، ليحقق الإنسان في نفسه التقوى كما أرادها الله، وأحبها، وشرعها لنا في كتابه. ومن هذا المقطع ندرك كيف أن قضية التقوى أكبر وأوسع مدلولا مما يظنها كثير من الناس. المعنى الحرفي: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. أي: لكل من الرجال والنساء حظه من الميراث، والمراد بهم المتوارثون دون غيرهم بحسب ما فرض الله لكل منهم، والنصيب: الحظ والقدر مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ. أي: من قليل المتروك وكثيره. نَصِيباً مَفْرُوضاً. أي: نصيبا مقطوعا لا بد لهم من أن يحوزوه. وقد بين الله- هذا النصيب المفروض بآيات المواريث الآتية بعد ثلاث آيات من هذه الآية، والمبدوءة ب يُوصِيكُمُ .. ، وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. أي: قسمة التركة أُولُوا الْقُرْبى ممن لا يرث، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ من الأجانب. فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ. أي: فأعطوهم مما ترك الوالدان والأقربون. قال النسفي: وهو أمر ندب، وهو باق لم ينسخ. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً القول المعروف هنا: هو الاعتذار الجميل والعدة الحسنة، أو العطاء الذي لا يرافقه استكثار أو من، أو الدعاء مع العطاء، كقولهم: خذوا بارك الله عليكم، أو ما فيه تطييب خاطر، أو ما تعورف عليه من القول الطيب في مثل هذه الأحوال، أو هذا كله. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ المراد بهم الأوصياء، أمروا أن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى، فيشفقوا عليهم، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه، حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. فصار المعنى: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا- وذلك عند احتضارهم- خافوا عليهم الضياع بعدهم، لذهاب كافلهم، فليتذكروا ذلك،

стр. 968

وليتصرفوا مع من هم تحت رعايتهم على ضوئه. فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في هذا الشأن، وليخافوا انتقامه. وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً. أي: قولا مسددا يليق بالمقام، والقول السديد من الأوصياء، أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم بيا بني، ويا ولدي، فالآية إذن أدبت الأولياء والأوصياء أن يعاملوا من تحت رعايتهم معاملتهم لأولادهم. ثم عاد المقطع إلى موضوع أكل أموال اليتامى، مهددا بعد هذه الاستجاشة لعواطف الرحمة الإنسانية فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً. أي: يأكلونها ظالمين إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ. أي: ملأها ناراً لأنهم أكلوا ما يجر إلى النار بأكلهم الحقوق، فاستحقت بطونهم التعذيب من لحظة بعثهم يوم القيامة. وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. أي: وسيدخلون نارا يعذبون فيها؛ وأبهمت النار هنا لتعظيم ما سيعذبون به، ولبيان عظيم جرمهم فيما أتوه. فوائد: ١ - في آية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى .. ثلاثة أقوال، القول الأول فيها: أنها محكمة وهي على ظاهرها، وأنها للندب، ندبت إلى ذلك الورثة تطييبا لخواطر غير الورثة من القرابات، وخواطر الفقراء واليتامى، وذهب إلى ذلك خلق كثير. والقول الثاني: أنها محكمة ولكن هي في الوصية، فكأن الآية تندب الميت إلى أن يوصي لهذه الطبقات، فإذا مات وزع ما أوصى الميت على أصحابه ممن ذكرهم الله، ويندب للميت أن يقدمهم على غيرهم. والقول الثالث: أن الآية منسوخة نسختها آيات المواريث بعدها. ولا شك أن الواجب في التركة هو ما ذكرته آيات المواريث والوصية. فمن أراد أن يفهم الأمر في الآية على الوجوب فلا شك أنه ليس أمامه إلا أن يقول بالنسخ، وأن تكون الآية في الوصية ففيه صرف للآية عن ظاهرها. وما يتفق مع السياق قبل وبعد: هو أن نحمل الأمر في الآية على الندب، وهذا لا يعارض ما بعده، مع ملاحظة أن الإنفاق في هذه الحالة مقيد برضى الورثة جميعا، وأن يكون الورثة ممن يملكون حق التبرع. أما إذا كان الورثة صغارا، فلا يحق لأحد أن يتبرع عنهم، أو إذا كان في الورثة صغار، فللكبار أن ينفقوا من أنصبائهم لا من نصيب الصغار. ونحب هنا أن نذكر أن كلا من الأقوال الثلاثة في فهم الآية منسوب لابن عباس مع وجود غيره معه فيه.

стр. 969

٢ - روى ابن مردويه في سبب نزول قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ .. عن جابر قال: أتت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما، وليس لهما شئ فأنزل الله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ. ٣ - في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله: وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات». وروى ابن مردويه وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، قيل يا رسول الله: من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. كلمة في السياق: ١ - في السياق الخاص للسورة نلاحظ أن هذا المقطع حتى الآية الأخيرة التي مرت معنا قد ركز على حق المرأة، وحق اليتيم. وقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم». أي: أوصيكم باجتناب مالهما. نفهم من كون هذا المعنى قد تقدم في سورة النساء على غيره أن له أهمية في قضية التقوى، فلا تظهر تقوى الإنسان بشيء، ظهورها في موقفه من حق اليتيم، وماله، ومعاملته، وفي موقفه من حقوق المرأة بالمعروف. ٢ - رأينا في سورة آل عمران، أن سورة آل عمران فصلت في مقدمة سورة البقرة، وامتداد معانيها من سورة البقرة، على نسق جديد، وتسلسل جديد، وترتيب جديد. ونقول الآن: إن سورة النساء تفصل في الآيات الخمس المبدوءة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وما في معناها من سورة البقرة، وما هو متعلق بها من سورة البقرة. وتفصل ذلك ضمن ترتيب ونسق جديدين يتناسبان مع الموضوع الخاص بسورة النساء، كما كان ترتيب سورة آل عمران متناسبا مع موضوعها الخاص. ولا يفهمن فاهم من التفصيل

стр. 970

معناه الضيق، بل فلنفهمها بمعناها الواسع. ولنضرب الآن مثالين على هذا التفصيل بمعناه الواسع، وهما مثالان على الصلة أيضا بين سورة النساء وما هو بمعناها في سورة البقرة مما له ارتباط بآيات المحور. ١ - مر معنا في سورة البقرة عن ابن عباس قوله: لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً. الآية (وهي من سورة النساء): انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. إن آية النساء سبقت آية البقرة، وآية البقرة أخرجت من أكل أموال اليتامى، تلك الحالة التي تقتضيها العشرة والمصلحة، ولكن آية النساء تبقى تفصيلا في هذا الموضوع، تراعي فيه قضية الخلطة. فليتذكر دائما المخالط ألا تكون الخلطة إلا لصالح اليتيم، وفي حدود رفع الحرج، وألا تصل المسألة إلى حد أكل مال اليتيم، فإن الجزاء فظيع. فآية النساء من هذا الباب تفصيل لهذا الموضوع في قضية التقوى. ب- في قوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ. قال ابن عباس مفسرا لها: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة. قال ابن كثير: «وهكذا قال مجاهد وغير واحد» فلنتذكر ما ورد في سورة البقرة. فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ألا نجد هنا في سورة النساء تفصيلا لقضية وردت في البقرة لها علاقة بقضية التقوى، لكنها ترد هنا ضمن السياق الخاص لسورة النساء، وهناك ضمن السياق الخاص في سورة البقرة. فإذا اتضح هذا فإننا نرجح القول الذي نقلناه في سورة البقرة، وهو أن قوله تعالى في البقرة: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ تفسره الآية القادمة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .. فهذا تفسير الوصية الواردة في البقرة.

стр. 971

فهذا القرآن لا تنقضي عجائبه، أنزله المحيط علما بكل شئ. من هذين المثالين ندرك كيف أن سورة النساء تفصل في محورها من سورة البقرة وفي امتداد معاني هذا المحور من سورة البقرة نفسها. ولعل ما مر معنا هنا يصلح أن يكون مقدمة لما وصلنا إليه من آيات في هذا المقطع: آيات المواريث التي هي بيان للنصيب المفروض المذكور في قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ ... يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً* وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ* تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ. المعنى العام: الآيتان الأوليان من هذه المجموعة، وآخر آية في هذه السورة، هن آيات علم الفرائض أي: علم المواريث، وهذا العلم كله مستنبط من هذه الآيات الثلاث. ومن الأحاديث الواردة في ذلك، مما هو كالتفسير لذلك. وهذا من أعظم مظاهر إعجاز هذا القرآن، أن تجد علم الميراث كله في هذه الآيات، بمثل هذه الدقة، وهذا العدل في التوزيع، وفي مثل هذا الشمول، وبمثل هذا الإيجاز، وبمثل هذه الطريقة من العرض المعجز البالغ الروعة الذي لا ينزل- وهو النص التشريعي- عن المستوى البياني

стр. 972

والبلاغي لأي نص قرآني آخر. إن إنسانا لا يعرف الله في كتابه من مثل هذا محروم محروم. في الآية الأولى: أمر الله- بالعدل في الأولاد بين الذكور والإناث في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مئونة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. فإذا كان الأولاد إناثا فقط، فإن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان من تركة الميت، وإن كن ثنتين فكذلك، وإن كانت واحدة فلها النصف. وللأبوين إن كان للميت أولاد لكل منهما السدس، فإن كان الأبوان هما الوارثين الوحيدين، فللأم الثلث، والثلثان للأب. فإن كان للميت إخوة، حجب الإخوة الأم عن الثلث إلى السدس، دون أن يكون لهم شئ مع وجود الوالد، وللوالد الباقي؛ وهذا كله بعد أن تدفع الديون التي على الميت عنه؛ وهذا كله بعد دفع الوصية إن كانت في حدود الثلث. ثم بين الله- في نهاية الآية الأولى حكمة هذه الفريضة للآباء والأبناء، إذ الملاحظ أن الآية الأولى كانت في ميراث الآباء والأبناء بشكل رئيسي، إن الحكمة في هذا التشريع هي: أن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي، أو الأخروي، أو هما، من كل من أبيه أو ابنه. وقد يكون أحدهما أرجى نفعا، ولكن النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرض الله لهذا وهذا، وجعل لكل نصيبه بما يناسب حاله. ثم بين الله- أن ما ورد في هذه الآية من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله حكم به وقضاه، والله عليم حكيم؛ يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه. وفي الآية الثانية: بين الله حصة الأزواج والزوجات، فبين أن للرجال نصف ما ترك أزواجهم إذا متن عن غير ولد، فإن متن عن ولد فللزوج الربع من بعد الوصية والدين، وللزوجات الربع في حالة عدم الولد. فإذا وجد الولد فللزوجة إن كانت واحدة، أو للزوجات إن تعددن الثمن من بعد الوصية أو الدين. فإن مات رجل أو امرأة وليس له أو لها والد ولا ولد، وكان له أولها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كانوا أكثر من ذلك رجالا أو نساء أو مختلطين فكلهم شركاء في الثلث. وكل

стр. 973

ذلك بعد الوصية أو الدين. هذه هي وصية الله لنا في شأن الميراث، وهو المحيط علما بكل شئ فهو الأعلم بما ينبغي، وهو ذو الحلم الذي يشرع لعباده التشريع الأرفق بهم. ثم بين الله- في الآية الثالثة والرابعة: أن هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت، واحتياجهم إليه، وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها. ثم وعد من وقف عند حدوده بجناته، وأوعد من عصى الله ورسوله، وتعدى حدود الله بناره وإهانته، لكونه غير حكم الله، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله، وحكم به؛ ولهذا يجازى صاحبه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم، فليسمع من يريدون أن يبدلوا أحكام الله، ويغيروا شريعته، فليسمع أصحاب الدعوات الكافرة على أرضنا ممن يريدون أن يبدلوا شرع الله بأهوائهم. إن الآيتين الأولى والثانية، وآخر آية في سورة النساء، هما جماع علم المواريث في القرآن. ومن قرأ كتب هذا العلم أدرك كيف أن هذه الآيات أحاطت بالمسائل كلها، من خلال ما سيق له النص بشكل رئيسي، ومن خلال ما يفهم بشكل آخر من أشكال الفهم للنصوص، ومن خلال الشرح النبوي لهذه الآيات، وسيتضح لنا شئ من هذا في نهاية الكلام عن هذه الآيات الأربع. ونكتفي هنا أن نسجل أننا فهمنا بشكل واضح من النص: حصة البنات إذا انفردن، وحصة الأب والأم إذا انفردا بالإرث، وحصة الأب والأم في حالة فقدان الولد، ووجود الإخوة، وحصة الزوج والزوجة وجد ولد أو لم يوجد، وحصة الإخوة في حالة فقدان الوالد والولد. ولن ننتهي من الكلام عن الآيات إلا وقد وضح لنا هذا العلم إن شاء الله تعالى. المعنى الحرفي: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ. أي: يعهد إليكم ربكم، ويأمركم في شأن ميراث أولادكم. وهذا إجمال تفصيله ما بعده. لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. أي: للذكر منهم حظ الأنثيين، والمراد حال الاجتماع، أي: إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له

стр. 974

سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله إذا انفرد والبنتان تأخذان الثلثين. والدليل على ذلك هو ذكر حكم البنات حال الانفراد مباشرة بعد هذا. فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ. أي: فإن كانت الأولاد نساء خلصا يعني: بنات ليس معهن ابن، وكن نساء زائدات على اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك الميت. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ. أي: وإن كانت المولودة منفردة فلها نصف ما ترك الميت. وحتى الآن ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن، وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد، فما حكمهما؟ ألحق ابن عباس البنتين بالبنت فقال: لهما النصف؛ وخالفه في ذلك الأمة كلها فجعلوا لهما الثلثين وهو الذي عليه الفتوى. وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة من سورة النساء؛ فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين، فلأن يرث البنتان الثلثين بالطريق الأولى. وقد حكم رسول الله ﷺ لا بنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ما ذكرنا. قال النسفي: «ولأن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث، كان أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها». وقال النسفي: «وفي الآية دلالة على أن المال كله للذكر إذا لم يكن معه أنثى، لأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد جعل للأنثى النصف إذا كانت منفردة، فعلم أن للذكر في حال الانفراد ضعف النصف وهو الكل» وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ الولد يقع على الذكر والأنثى. والمعنى: إن كان للميت أولاد، أو أولاد أولاد، فلأبيه السدس، ولأمه السدس. ثم إن كان للميت بنت واحدة، فلها النصف في هذه الحالة، وللأم السدس، وللأب السدس. وما تبقى يرثه الأب تعصيبا، إذ الحديث الشريف يقول: «ألحقوا الفروض بأهلها وما تبقى فلأولى رجل ذكر» وأولى رجل ذكر في حالة عدم وجود الابن، أو ابن الابن هو الأب. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. أي: إذا انفرد الأبوان في الميراث، فللأم الثلث، وأخذ الأب الباقي تعصيبا، أي يأخذ الثلثين. ولكن لنفرض أنه كان معهما زوج أو زوجة، فالزوج في هذه الحالة يأخذ النصف، والزوجة الربع، فماذا تأخذ الأم بعد ذلك؟ الذي عليه الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، أنها تأخذ ثلث الباقي، لأن الأب أقوى من الأم في الإرث، فلو أعطيناها ثلث

стр. 975

التركة في هذه الحالة، لكانت في حالة وجود الزوج تأخذ ضعفي ما يأخذه الأب، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وهذا يناقض البداءة، ثم ذكرت الآية حالة ثالثة للأبوين، وهي اجتماعهما مع الإخوة. فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ. أي: إن كان للميت اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا سواء كانوا من أب أو كانوا من أم، أو كانوا لأب وأم، فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، دون أن يأخذوا هم شيئا، ويأخذ الأب في هذه الحال الباقي. أما الأخ الواحد فإنه لا يحجبها عن الثلث، وكان أهل العلم يرون أن حكمة حجب الأم إلى السدس في حالة وجود الإخوة فيزاد في حصته وينقص من حصتها لأن مئونة الأب أكثر بوجود الإخوة. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ. أي: قسمة الأنصباء التي تقدمت إنما تكون من بعد وصية أو دين. وأجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية، والحكمة في تقديمها في التلاوة أن إخراجها مما يشق على الورثة، وأن أداءها مظنة التفريط، بخلاف الدين، فقدمت على الدين ليسارعوا إلى إخراجها معه. آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً. أي: فرض الله الفرائض على ما هو عنده لحكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت بالسهام بتفاوت المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها، فتولى الله ذلك فضلا منه، ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. أي: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، فرض من الله حكم به وقضاه. وإنما ختمت الآية بهذا لكي لا يفهم فاهم من قوله تعالى: يُوصِيكُمُ أن الأمر وصية غير لازمة، بل هي فريضة لازمة. ولنتذكر مرة أخرى الصلة بين هذه الآية وقوله تعالى في سورة البقرة كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. ولنلاحظ كلمة فريضة هنا بعد قوله تعالى آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً علمه محيط، وحكمته بالغة. وقد قسم الفرائض على ما قسمها، وذلك من آثار علمه وحكمته، فما أجهل من رفض، وما أحمق من عاند، وما أكثر المرتدين في عصرنا جهلا وجاهلية. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ. أي: زوجاتكم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ابن أو بنت فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ منكم أو من غيركم فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ والدين مقدم على الوصية، وبعده

стр. 976

الوصية، ثم الميراث. وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء. وحكم أولاد البنين وإن سفلوا، حكم أولاد الصلب. وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان والثلاث والأربع، يشتركن فيه. ولاحظنا أن ميراث الرجل جعل ضعف ميراث الزوجة انسجاما مع الأصل لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ الكلالة: من لم يخلف ولدا ولا والدا، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، وما فسرنا به الكلالة هو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل حكى الإجماع عليه غير واحد. ومعنى النص: إن كان الميت يورث وهو كلالة: لا والد له ولا ولد، أي: إن كان رجلا مورثا وهو كلالة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ. أي: من أم، إذ لو لم يكونوا من أم هنا، لكان الإرث بالتعصيب في حالة وجود الذكور. فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ لأنهم يستحقون بقرابة الأم، وهي لا ترث أكثر من الثلث. ولهذا لا يفضل الذكر منهم على الأنثى، قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثى. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ كررت ذكر الوصية والدين لذكر الكلالة. غَيْرَ مُضَارٍّ. أي: يوصي بها وهو غير مضار لورثته، بأن يوصي بزيادة على الثلث، أو يوصي لوارث وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ أي ما مر مما بدئ بقوله تعالى يُوصِيكُمُ وصية من الله، فحافظوا عليها، والتزموا بها، وأقيموها وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ عليم بمن جار، أو عدل، أو حرف، أو بدل. عليم إذا شرع وحكم وقدر، حليم على الجائر لا يعاجله بالعقوبة، فلا يغتر من جار أو جنف، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ. أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه، وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله سماها حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها، فذكرها هنا أمر بعدم تعديها وتجاوزها. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في حدوده، فلم يزد ولم ينقص بحيلة أو وسيلة، أو يتعد أو يتجاوز عملا أو حالا أو قولا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ التي حدها في باب المواريث وغيرها، يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ لهوانه عند الله باستهانته بحدوده، وكفره، واستحلاله ما حرم الله، وما أشده تهديدا ووعيدا في هذا

стр. 977

المقام، تعرف حكمته في هذا العصر، إذ تسمع الدعوات الفاجرة من ناس آباؤهم مسلمون، أو يحملون أسماء إسلامية، يدعون إلى نسف شريعة الله في باب المواريث وغيرها. فوائد: ١ - في الصحيحين وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي، فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .. وفي مسند الإمام أحمد عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: «يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك». أقول: من المعلوم أن العرب في الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء شيئا. ٢ - في قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .. إشعار لنا منه سبحانه أنه أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم وغيرهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، فشرعه ﷻ رحمة كله. ٣ - روى البخاري عن ابن عباس قال: «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع». ٤ - روى ابن أبي حاتم، وابن جرير قولا لابن عباس- وهو جزء من كلام طويل، يصف حال الناس يوم نزلت آيات المواريث- قال واصفا أهل الجاهلية: «لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر». ٥ - ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» وقد مر معنا في سورة البقرة أن الوصية تجوز في حدود ثلث التركة بعد الدين، وإذا كان الورثة لا تجوز لهم الوصية زيادة عما فرضه الله لهم،

стр. 978

فما حكم لو أقر الميت قبل وفاته لأحد الورثة بشيء عليه؟ هل يصح الإقرار أو لا يصح؟ قولان للعلماء. فمن ذهب إلى عدم صحته قال: لا يصح لأنه مظنة التهمة. واختار الشافعي في الجديد أنه يصح. ثم إن كان الإقرار صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر جرى فيه الخلاف من حيث الإلزام للورثة، لا من حيث الجواز، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة، ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع بنص الآية، وهي قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وبنص الحديث «الإضرار في الوصية من الكبائر» وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة. قال: ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله تعالى .. عَذابٌ مُهِينٌ. ٦ - في كتب علم الفرائض يبحثون عادة موضوع الحقوق التي تتعلق بالتركة، ويحددونها بأنها أربعة، يقدم بعضها على بعض: تكفينه وتجهيزه، ثم قضاء ديونه، ثم تنفيذ وصاياه من ثلث ما تبقى، ثم قسمة الباقي بين ورثته حسب الكتاب والسنة. ثم يبحثون مراتب الورثة، وكيف أنه يبدأ بأصحاب الفرائض، وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله أو سنة رسوله، أو الإجماع. ثم بالعصبات من جهة النسب. والعصبة: كل من يأخذ ما أبقته الفرائض، وعند الانفراد يحرز جميع المال. ثم بالعصبة من جهة السبب: وهو مولى العتاقة، ثم عصبة المولى، ثم الرد على ذوي الفروض النسبية بقدر حقوقهم، ثم ذوي الأرحام. ثم مولى الموالاة، ثم المقر له بالنسب على الغير، ثم الموصى له بجميع المال، ثم بيت المال، على خلاف في بعض الشئون. ثم يذكرون موانع الإرث وهي أربعة: الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلاف الدارين: دار الحرب، ودار الإسلام، سواء اختلفت حقيقة أو حكما. ثم يبحثون موضوع الفروض ومستحقيها، وعدد مستحقيها من الرجال والنساء، ومجموعهم اثنا عشر، أربع من الرجال، وثمانية من النساء: الأب، والجد، والأخ لأم، والأخت لأم، والزوج، والزوجة، وبنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الشقيقات، والأخوات لأب، والأم، والجدة، ويبحثون عادة أحوال كل من هؤلاء، ثم يبحثون موضوع العصبات، وأقسامها، وأصنافها، وأيها يقدم على غيره، وأيها يحجب غيره، وحال كل من العصبات. ثم يذكرون باب حجب النقصان، وحجب الحرمان، من

стр. 979

يحجب، ومن لا يحجب. ثم بحث العول، وهي قضية خلافية، وتكون في حالة ضيق المخرج عن فرض فماذا يفعل في هذه الحالة؟ ثم يبحثون موضوع الرد، ومن يرد عليه، ومن لا يرد في حالة فضل المخرج عن فرض ذوي الفروض ولا مستحق له من العصبة يرد عليه؟ ثم يبحثون موضوع المناسخة: وهي حالة ما إذا صار بعض الأنصباء ميراثا قبل القسمة ماذا يفعل به؟ ثم يبحثون موضوع توريث ذوي الأرحام وتفصيلات ذلك وترتيبه. ثم يبحثون موضوع الخنثى، والحمل، والمفقود، والمرتد، والأسير، والغرقى، والحرقى، والعدمى. ويبحثون موضوع المسائل، وكيفية حلها، وكثيرا من الأمور الأخرى. نقول هذا ليعلم أن العودة في المواضيع الموسعة إلى كتبها التي اختصت بها شيء لا بد منه. وبهذه المناسبة نكرر قضية مرت معنا: وهي أن القرآن لم يتحدث عن الموضوع الواحد في المكان الواحد. وكتب السنة تروي ما ورد من الحديث في الموضوع الواحد، ولا تعرج إلا نادرا عما ورد في القرآن فيه، وإذا عرجت فإنها لا تستقصي، لأنه ليس من اختصاصها، فلا بد إذا بشكل عفوي أن تنشأ العلوم الإسلامية، وتؤلف الكتب التي تتحدث عن الموضوع الواحد في الكتاب والسنة والإجماع، وما يدخل في هذا الموضوع عن طريق القياس. ولا بد أن تختلف الأفهام، ومن ثم نشأ علم أصول الفقه، الذي يضبط الاجتهاد، وطرقه، ووسائله، ويحدد أصوله، كما نشأ علم الفقه، وغيره من العلوم الإسلامية، فما أجهل من يحارب دراسة الفقه، أو التوحيد، أو غير ذلك من العلوم الإسلامية في كتبها، أو يستغرب وجود مدارسها، وما أحمق من يفعل ذلك بحجة أنه لا تصح دراسة غير الكتاب والسنة، فمن قال إن دراسة الكتاب والسنة تناقض دراسة كتب الاختصاص؟! إن الذي يستحق اللوم هو من يهمل دراسة الكتاب والسنة بحجة دراسة غيرهما أما من يجمع فلا لوم عليه. وأما حكمة كون القرآن لم يذكر الموضوع الواحد في المكان الواحد، فقد ذكرنا بعضها من قبل، وسنذكر بعضها في نهاية هذا المقطع. ولنعد إلى السياق: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا. وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما، فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً* إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ

стр. 980

أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. المعنى العام: الآية الأولى في عقوبة المرأة إذا ثبت زناها قبل أن ينزل الحكم النهائي في سورة النور، فالحكم هنا مرحلي، وقد ذكرت الآية ما يشعر بذلك، وأما حكمة ذكر الآية مع نسخ حكمها فلذلك حكم سنذكرها. والآية الثانية في عقوبة الرجلين يعملان عمل قوم لوط، أمرنا الله- بتعزيرهما حتى إذا تابا وأصلحا كففنا عنهما. ويمكن أن تفهم الآيتان على أن الأولى في عقوبة المرأة إذا زنت، والثانية فى عقوبة الرجال إذا زنوا، وتكون الآيتان منسوختين بالحكم النهائي في عقوبة الزنا المذكورة في سورة النور. وإذ ذكرت الآية الثانية توبة الزاني أو اللائط، فقد تحدثت الآيتان الأخيرتان عن موضوع التوبة فبين الله- أنه يقبل التوبة ممن عمل الذنب بجهالة- والعاصي جاهل حتى ينزع عن الذنب- إذا تاب قبل الغرغرة أي: قبل وصول الروح إلى الحلقوم عند الموت، فمن تاب تاب الله عليه. ثم بين الله- أنه لا يقبل توبة من تاب بعد الغرغرة. وأن من مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية. وأن هؤلاء قد أعد الله لهم عذابا شديدا مقيما. المعنى الحرفي: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ الفاحشة هنا هي الزنا، وأطلق هذا الاسم عليه لزيادة الزنا في القبح على كثير من القبائح، واللاتي جمع التي فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ. أي: فاطلبوا شهادة أربعة من المؤمنين يشهدون عليهن، فَإِنْ شَهِدُوا أي: عليهن بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ. أي: احبسوهن في البيوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ. أي: حتى تأخذهن ملائكة الموت، أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أو يجعل الله لهن طريقا غير هذه. فالسبيل إذن هنا هو الحكم البديل الناسخ، وقد كان. قال ابن عباس: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد، أو الرجم. وفي الحديث الصحيح: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه، وكرب لذلك،

стр. 981

وتغير وجهه، فأنزل الله- عليه ذات يوم، فلما سري عنه قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» والفقهاء مختلفون في موضوع الجمع بين الرجم والجلد، وبين الجلد والنفي، فمنهم من يعتبر الجمع منسوخا، ومنهم من يعتبر ما زاد على الرجم في الثيب والجلد في البكر من باب السياسة الشرعية، ومنهم من يأخذه على ظاهره، وهو موضوع يأتي في سورة النور. وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ للمفسرين أقوال في المراد بهؤلاء، فمنهم من قال: هذا في الذكور الزناة قبل النسخ، ومنهم من قال: هذا في الزانية والزاني جميعا، لكن الزانية تعاقب زيادة على ذلك بالحبس، ومنهم من قال: هذا في اللواطين. فَآذُوهُما. أي: بالشتم والتعيير والضرب. فَإِنْ تابا عن فعلهما وَأَصْلَحا بإحسان العمل، دل ذلك على أن من علامة الصدق في التوبة إصلاح العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما. أي: فاقطعوا التوبيخ والمذمة ولا تعنفوهما، ولا تعيروهما بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وكذلك لا يجوز التعيير بعد إقامة الحد، وقد ثبت في الصحيحين «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها». إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً. أي: يقبل توبة التائب ويرحمه. إِنَّمَا التَّوْبَةُ. أي: إنما قبول التوبة عَلَى اللَّهِ كلمة «على» هنا لا تفيد الوجوب على الله، إذ لا يجب على الله شئ، ولكنه لتأكيد الوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك. لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ. أي: الذنب بِجَهالَةٍ ليس المراد بالجهالة هنا الجهل الذي يقابل العلم، وإنما الجهل الذي يقابل العقل، وقيل جهله: اختياره اللذات الفانية على الباقية. وقيل ليس المراد جهالته بأن ارتكب ذنبا، بل المراد جهالته بكنه عقوبته. روى عبد الرزاق عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شئ عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال مجاهد: «كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها» وإذن فهناك حالة يستوي فيها العلم والجهل، حالة ما إذا فعل الإنسان الفعل كأثر عن غلبة نفس، أو شهوة أو نزوة، أو طيش أو حماقة .. فالمراد بالجهالة هنا، ترك العلم. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ. أي: ثم يتوبون من زمان قريب، وهو ما قبل حضرة الموت؛ يدل على ذلك قوله في الآية اللاحقة: حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ فدل على أن وقت الموت هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة؛ قال الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب، وفي الحديث الحسن قال ﵊ «إن الله

стр. 982

يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» فدل على أن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. (ومن) في قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ للتبعيض، فصار المعنى: أي: يتوبون بعض زمان قريب، كأنه سمى ما بين وجود المعصية، وبين حضرة الموت زمانا قريبا فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هذه عدة من الله تعالى لمن تاب، فإنه يفي له، وإعلام بأن الغفران كائن. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً عليما بعزمهم على التوبة، حكيما بفتح باب التوبة، وجعله الندم توبة. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. أي لا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الموت، ومعاينة ملك الموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة؛ لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار، وقبول التوبة ثواب، ولا وعد به إلا لمختار؛ وبعد أن ذكر ابن كثير أحاديث تؤيد هذا قال: فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله- وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة، وقال: وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وخرجت الروح عن الحلق، وضاق به الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم (جمع غلصمة: وهي اللحم بين الرأس والعنق) فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص». وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ. أي: وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار أُولئِكَ دخل في ذلك الذين ماتوا ولم يتوبوا، والذين ماتوا وهم كفار أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. أي: هيأنا وحضرنا لهم عذابا مؤلما. ولسعيد بن جبير فهم في هاتين الآيتين: فقوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ .. جعلها في المؤمنين. وقوله تعالى وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ .. قالَ إِنِّي تُبْتُ جعلها في المنافقين، وقوله تعالى وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ .. جعلها في الكافرين. فوائد: ١ - آية وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ منسوخة كما رأينا بما نزل في الموضوع في سورة النور، وآية وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ .. إن فسرت بأن المراد منها الزاني والزانية فهي منسوخة، وإن فسرت بأن المراد منها الفاعل والمفعول به فهي غير منسوخة، وتكون دليلا ظاهرا لأبي حنيفة في أنه يعزر في اللواطة، ولا يحد حد الزنى، وقد يصل التعزير عنده إلى القتل. وهذه المسألة ترجع عنده إلى رأي الإمام، فإن شاء عزر بما هو الأشد حتى القتل، وإن شاء عزر بما دون ذلك وعليه يحمل ما ورد في تعدد العقوبات الواردة في شأن الفاعل والمفعول فيه؛ ومن ذلك ما رواه أصحاب السنن عن

стр. 983

ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». ٢ - يقول صاحب الظلال تعليقا على قوله تعالى فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ: «وفي النص دقة واحتياط بالغان. فهو يحدد النساء اللواتي ينطبق عليهن الحد: «من نسائكم» - أي المسلمات- ويحدد نوع الرجال الذين يستشهدون على وقوع الفعل: «من رجالكم» - أي المسلمين- فحسب بهذا النص يتعين من توقع عليهن العقوبة إذا ثبت الفعل. ويتعين من تطلب إليهم الشهادة على وقوعه. إن الإسلام لا يستشهد على المسلمات- حين يقعن في الخطيئة- رجالا غير مسلمين. بل لا بد من أربعة رجال مسلمين مِنْكُمْ من هذا المجتمع المسلم. يعيشون فيه، ويخضعون لشريعته، ويتبعون قيادته، ويهمهم أمره، ويعرفون ما فيه ومن فيه. ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم، لأنه غير مأمون على عرض المسلمة، وغير موثوق بأمانته وتقواه، ولا مصلحة له ولا غيرة كذلك على نظافة هذا المجتمع وعفته، ولا على إجراء العدالة فيه. وقد بقيت هذه الضمانات في الشهادة حين تغير الحكم، وأصبح هو الجلد أو الرجم» اهـ. ٣ - رأينا أن آية وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ... قد وقع على بعض أحكامها نسخ، فهي من الآيات التي تضرب كمثال على نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، وحكمة نسخ الحكم مع بقاء التلاوة تثبيت وجود النسخ، وابتلاء الخلق بذلك، ثم إن نسخ حكم من أحكام الآية لا يعني نسخ كل شئ فيها، فهي في مكانها وفي سياقها، وفي معانيها تؤدي معاني كثيرة. ٤ - روى الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». وروى الإمام أحمد أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة عبده، أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب، قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة». كلمة في السياق: ١ - نلاحظ في السياق القرآني أن الموضوع الواحد قد يتكرر في القرآن مرات

стр. 984

ومرات، وأن الموضوع الواحد قد يوجد جزء منه في مكان، وجزء منه في مكان آخر، والحكمة في ذلك أن الموضوع يتكرر بحسب احتياجات تعميقه في النفس البشرية، وأن الموضوع يتجزأ بحسب احتياج السياق الوارد فيه للجزء الوارد منه، ويتجزأ ليذكره الإنسان أكثر من مرة. فالقرآن كتاب تربية وتزكية وإعجاز، كما هو كتاب علم وحكمة، كما هو كتاب تشريع وتوجيه للبشر في كل شئ، وكتاب هذا شأنه تساق المواضيع فيه لا ككتب التشريع المجرد، ولا ككتب العلم المجرد، ولا ككتب الحكمة المجردة، ولا ككتب المعجزات المجردة، فهو على ما هو عليه يؤدي مجموعة أمور ويحقق مجموعة قضايا بآن واحد، وبسبب من كونه كذلك فإن ملايين المواضيع تنبثق عنه بما يغطي احتياجات الزمان والمكان. ٢ - رأينا محل سورة النساء ضمن السياق القرآني العام، والمقطع الذي مر معنا هو المقطع الأول في هذه السورة، وهو مقطع إذا نظرنا إليه على ضوء محل سورة النساء في السياق القرآني العام كما رأيناه من قبل، فإننا نفهم أن هذا المقطع قد ربى الإنسان على التقوى لله في مجموعة أمور: معرفة الله، وصلة الأرحام، وحفظ أموال اليتامى، وعدم الاعتداء عليها، وعدم أكل أموالهم ظلما وإعطائهم إياها كاملة، وإعطاء المرأة حقها المالي، وتوزيع تركة الميت على حسب ما أوصى الله، ووأد الفاحشة بعقوبة فاعليها، والحض على التوبة. وكل ذلك معان داخلة في المفهوم القرآني للتقوى، وهو مفهوم أوسع من مفهوم التقوى في موازين العامة من الناس، ونقصد بالعامة: كل من لم يتفقه في دين الله حق التفقه. فإذا تأكدت هذه المعاني من التقوى في المقطع الأول، ينتقل السياق إلى المقطع الثاني ليبين لنا معاني جديدة في قضية التقوى. ونحب أن نذكر هنا- ولو كررنا-: إن سورة النساء تفصل في محورها، من سورة البقرة. ومحورها يبدأ بالدعوة إلى العبادة كطريق للتقوي. وهنا نضيف، إن مقاطع سورة النساء التي تبدأ في الغالب بقوله تعالي: يا أَيُّهَا. إنما هي تفصيل للعبادة والتقوى بمعناهما الواسعين. فطاعة أمر الله وترك نهيه، عبادة، والتزام شرعه تقوى. فما من مقطع في سورة النساء إلا وهو تعميق لمفهوم العبادة، كطريق للتقوى، أو هو تعميق لمفهوم التقوى نفسه، وما ينبثق عنها، أو هو تبيان لما يدخل في التقوى من أجزاء. ٣ - هناك قاسم مشترك يجمع بين المقطع الأول والثاني، وهو الكلام عما يسمى الآن بالأحوال الشخصية، من زواج، وإرث، وانحراف جنسي، وظلم للأيتام، إلى

стр. 985

غير ذلك من قضايا مرت معنا، أو ستمر، وكل ذلك مرتبط بالآية التي صدرت بها السورة: فالآية ذكرت الرجال والنساء، وذكرت الأرحام، وجاء المقطع الأول والثاني فى ذلك. ويأتي المقطع الثالث وفيه حديث عن أكل أموال الناس بالباطل، وقتل الأنفس، والتمرد وصلة ذلك بالآية الأولى كذلك لا تخفى، وفي المقطع الثالث يأتي أمر بعبادة الله وحده، ويأتي أمر بالإحسان، ويأتي تحذير من الاختيال والفخر والبخل، وصلة ذلك بالحياة الاجتماعية واضحة، ومجئ الأمر بالعبادة في هذا السياق يشير إلى دور العبادة في إقامة ما سبقه وما سيلحقه من أحكام. ثم يأتي مقطع يبدأ بالنهي عن قربان الصلاة في حالة السكر؛ ولذلك صلة بالعبادة وفي ذلك المقطع يوضح الله- لنا مجموعة من مواقف أهل الكتاب ويستقر المقطع على قوله تعالي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ولذلك صلة بكل ما سبق، ثم يأتي مقطع يأمر بالطاعة لله والرسول ﷺ ، ومقطعان في موضوع القتال، ومقطع في موضوع الحكم بالقرآن، وينتهي ذلك المقطع بقوله تعالي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ فكأن المقاطع الثلاثة تتحدث عما تقوم به أداء الأمانات، وعما يقوم به العدل، ثم تستمر السورة في سياقها. من مثل هذا يتضح لنا كيف أن للسورة سياقها الخاص كما سنرى تفصيلا، كما أنها مرتبطة بمحورها من سورة البقرة، وبروابط هذا المحور، وبامتداداته، كما سنرى كذلك تفصيلا، فليكن ما مر معنا هنا بمثابة المقدمة لسياق المقاطع اللاحقة. المقطع الثاني من سورة النساء ويمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٢٨). وهذا هو: [سورة النساء (٤): الآيات ١٩ الى ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
следующие страницы →