← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وتغير وجهه، فأنزل الله- عليه ذات يوم، فلما سري عنه قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» والفقهاء مختلفون في موضوع الجمع بين الرجم والجلد، وبين الجلد والنفي، فمنهم من يعتبر الجمع منسوخا، ومنهم من يعتبر ما زاد على الرجم في الثيب والجلد في البكر من باب السياسة الشرعية، ومنهم من يأخذه على ظاهره، وهو موضوع يأتي في سورة النور. وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ للمفسرين أقوال في المراد بهؤلاء، فمنهم من قال: هذا في الذكور الزناة قبل النسخ، ومنهم من قال: هذا في الزانية والزاني جميعا، لكن الزانية تعاقب زيادة على ذلك بالحبس، ومنهم من قال: هذا في اللواطين. فَآذُوهُما. أي: بالشتم والتعيير والضرب. فَإِنْ تابا عن فعلهما وَأَصْلَحا بإحسان العمل، دل ذلك على أن من علامة الصدق في التوبة إصلاح العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما. أي: فاقطعوا التوبيخ والمذمة ولا تعنفوهما، ولا تعيروهما بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وكذلك لا يجوز التعيير بعد إقامة الحد، وقد ثبت في الصحيحين «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها». إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً. أي: يقبل توبة التائب ويرحمه. إِنَّمَا التَّوْبَةُ. أي: إنما قبول التوبة عَلَى اللَّهِ كلمة «على» هنا لا تفيد الوجوب على الله، إذ لا يجب على الله شئ، ولكنه لتأكيد الوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك. لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ. أي: الذنب بِجَهالَةٍ ليس المراد بالجهالة هنا الجهل الذي يقابل العلم، وإنما الجهل الذي يقابل العقل، وقيل جهله: اختياره اللذات الفانية على الباقية. وقيل ليس المراد جهالته بأن ارتكب ذنبا، بل المراد جهالته بكنه عقوبته. روى عبد الرزاق عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شئ عصي الله به فهو جهالة، عمدا كان أو غيره. وقال مجاهد: «كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها» وإذن فهناك حالة يستوي فيها العلم والجهل، حالة ما إذا فعل الإنسان الفعل كأثر عن غلبة نفس، أو شهوة أو نزوة، أو طيش أو حماقة .. فالمراد بالجهالة هنا، ترك العلم. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ. أي: ثم يتوبون من زمان قريب، وهو ما قبل حضرة الموت؛ يدل على ذلك قوله في الآية اللاحقة: حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ فدل على أن وقت الموت هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة؛ قال الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب، وفي الحديث الحسن قال ﵊ «إن الله

стр. 982

يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» فدل على أن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. (ومن) في قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ للتبعيض، فصار المعنى: أي: يتوبون بعض زمان قريب، كأنه سمى ما بين وجود المعصية، وبين حضرة الموت زمانا قريبا فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هذه عدة من الله تعالى لمن تاب، فإنه يفي له، وإعلام بأن الغفران كائن. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً عليما بعزمهم على التوبة، حكيما بفتح باب التوبة، وجعله الندم توبة. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ. أي لا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الموت، ومعاينة ملك الموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة؛ لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار، وقبول التوبة ثواب، ولا وعد به إلا لمختار؛ وبعد أن ذكر ابن كثير أحاديث تؤيد هذا قال: فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله- وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة، وقال: وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وخرجت الروح عن الحلق، وضاق به الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم (جمع غلصمة: وهي اللحم بين الرأس والعنق) فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص». وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ. أي: وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار أُولئِكَ دخل في ذلك الذين ماتوا ولم يتوبوا، والذين ماتوا وهم كفار أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. أي: هيأنا وحضرنا لهم عذابا مؤلما. ولسعيد بن جبير فهم في هاتين الآيتين: فقوله تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ .. جعلها في المؤمنين. وقوله تعالى وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ .. قالَ إِنِّي تُبْتُ جعلها في المنافقين، وقوله تعالى وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ .. جعلها في الكافرين. فوائد: ١ - آية وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ منسوخة كما رأينا بما نزل في الموضوع في سورة النور، وآية وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ .. إن فسرت بأن المراد منها الزاني والزانية فهي منسوخة، وإن فسرت بأن المراد منها الفاعل والمفعول به فهي غير منسوخة، وتكون دليلا ظاهرا لأبي حنيفة في أنه يعزر في اللواطة، ولا يحد حد الزنى، وقد يصل التعزير عنده إلى القتل. وهذه المسألة ترجع عنده إلى رأي الإمام، فإن شاء عزر بما هو الأشد حتى القتل، وإن شاء عزر بما دون ذلك وعليه يحمل ما ورد في تعدد العقوبات الواردة في شأن الفاعل والمفعول فيه؛ ومن ذلك ما رواه أصحاب السنن عن

стр. 983

ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». ٢ - يقول صاحب الظلال تعليقا على قوله تعالى فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ: «وفي النص دقة واحتياط بالغان. فهو يحدد النساء اللواتي ينطبق عليهن الحد: «من نسائكم» - أي المسلمات- ويحدد نوع الرجال الذين يستشهدون على وقوع الفعل: «من رجالكم» - أي المسلمين- فحسب بهذا النص يتعين من توقع عليهن العقوبة إذا ثبت الفعل. ويتعين من تطلب إليهم الشهادة على وقوعه. إن الإسلام لا يستشهد على المسلمات- حين يقعن في الخطيئة- رجالا غير مسلمين. بل لا بد من أربعة رجال مسلمين مِنْكُمْ من هذا المجتمع المسلم. يعيشون فيه، ويخضعون لشريعته، ويتبعون قيادته، ويهمهم أمره، ويعرفون ما فيه ومن فيه. ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم، لأنه غير مأمون على عرض المسلمة، وغير موثوق بأمانته وتقواه، ولا مصلحة له ولا غيرة كذلك على نظافة هذا المجتمع وعفته، ولا على إجراء العدالة فيه. وقد بقيت هذه الضمانات في الشهادة حين تغير الحكم، وأصبح هو الجلد أو الرجم» اهـ. ٣ - رأينا أن آية وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ... قد وقع على بعض أحكامها نسخ، فهي من الآيات التي تضرب كمثال على نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، وحكمة نسخ الحكم مع بقاء التلاوة تثبيت وجود النسخ، وابتلاء الخلق بذلك، ثم إن نسخ حكم من أحكام الآية لا يعني نسخ كل شئ فيها، فهي في مكانها وفي سياقها، وفي معانيها تؤدي معاني كثيرة. ٤ - روى الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». وروى الإمام أحمد أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يقبل توبة عبده، أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب، قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة». كلمة في السياق: ١ - نلاحظ في السياق القرآني أن الموضوع الواحد قد يتكرر في القرآن مرات

стр. 984

ومرات، وأن الموضوع الواحد قد يوجد جزء منه في مكان، وجزء منه في مكان آخر، والحكمة في ذلك أن الموضوع يتكرر بحسب احتياجات تعميقه في النفس البشرية، وأن الموضوع يتجزأ بحسب احتياج السياق الوارد فيه للجزء الوارد منه، ويتجزأ ليذكره الإنسان أكثر من مرة. فالقرآن كتاب تربية وتزكية وإعجاز، كما هو كتاب علم وحكمة، كما هو كتاب تشريع وتوجيه للبشر في كل شئ، وكتاب هذا شأنه تساق المواضيع فيه لا ككتب التشريع المجرد، ولا ككتب العلم المجرد، ولا ككتب الحكمة المجردة، ولا ككتب المعجزات المجردة، فهو على ما هو عليه يؤدي مجموعة أمور ويحقق مجموعة قضايا بآن واحد، وبسبب من كونه كذلك فإن ملايين المواضيع تنبثق عنه بما يغطي احتياجات الزمان والمكان. ٢ - رأينا محل سورة النساء ضمن السياق القرآني العام، والمقطع الذي مر معنا هو المقطع الأول في هذه السورة، وهو مقطع إذا نظرنا إليه على ضوء محل سورة النساء في السياق القرآني العام كما رأيناه من قبل، فإننا نفهم أن هذا المقطع قد ربى الإنسان على التقوى لله في مجموعة أمور: معرفة الله، وصلة الأرحام، وحفظ أموال اليتامى، وعدم الاعتداء عليها، وعدم أكل أموالهم ظلما وإعطائهم إياها كاملة، وإعطاء المرأة حقها المالي، وتوزيع تركة الميت على حسب ما أوصى الله، ووأد الفاحشة بعقوبة فاعليها، والحض على التوبة. وكل ذلك معان داخلة في المفهوم القرآني للتقوى، وهو مفهوم أوسع من مفهوم التقوى في موازين العامة من الناس، ونقصد بالعامة: كل من لم يتفقه في دين الله حق التفقه. فإذا تأكدت هذه المعاني من التقوى في المقطع الأول، ينتقل السياق إلى المقطع الثاني ليبين لنا معاني جديدة في قضية التقوى. ونحب أن نذكر هنا- ولو كررنا-: إن سورة النساء تفصل في محورها، من سورة البقرة. ومحورها يبدأ بالدعوة إلى العبادة كطريق للتقوي. وهنا نضيف، إن مقاطع سورة النساء التي تبدأ في الغالب بقوله تعالي: يا أَيُّهَا. إنما هي تفصيل للعبادة والتقوى بمعناهما الواسعين. فطاعة أمر الله وترك نهيه، عبادة، والتزام شرعه تقوى. فما من مقطع في سورة النساء إلا وهو تعميق لمفهوم العبادة، كطريق للتقوى، أو هو تعميق لمفهوم التقوى نفسه، وما ينبثق عنها، أو هو تبيان لما يدخل في التقوى من أجزاء. ٣ - هناك قاسم مشترك يجمع بين المقطع الأول والثاني، وهو الكلام عما يسمى الآن بالأحوال الشخصية، من زواج، وإرث، وانحراف جنسي، وظلم للأيتام، إلى

стр. 985

غير ذلك من قضايا مرت معنا، أو ستمر، وكل ذلك مرتبط بالآية التي صدرت بها السورة: فالآية ذكرت الرجال والنساء، وذكرت الأرحام، وجاء المقطع الأول والثاني فى ذلك. ويأتي المقطع الثالث وفيه حديث عن أكل أموال الناس بالباطل، وقتل الأنفس، والتمرد وصلة ذلك بالآية الأولى كذلك لا تخفى، وفي المقطع الثالث يأتي أمر بعبادة الله وحده، ويأتي أمر بالإحسان، ويأتي تحذير من الاختيال والفخر والبخل، وصلة ذلك بالحياة الاجتماعية واضحة، ومجئ الأمر بالعبادة في هذا السياق يشير إلى دور العبادة في إقامة ما سبقه وما سيلحقه من أحكام. ثم يأتي مقطع يبدأ بالنهي عن قربان الصلاة في حالة السكر؛ ولذلك صلة بالعبادة وفي ذلك المقطع يوضح الله- لنا مجموعة من مواقف أهل الكتاب ويستقر المقطع على قوله تعالي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ولذلك صلة بكل ما سبق، ثم يأتي مقطع يأمر بالطاعة لله والرسول ﷺ ، ومقطعان في موضوع القتال، ومقطع في موضوع الحكم بالقرآن، وينتهي ذلك المقطع بقوله تعالي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ فكأن المقاطع الثلاثة تتحدث عما تقوم به أداء الأمانات، وعما يقوم به العدل، ثم تستمر السورة في سياقها. من مثل هذا يتضح لنا كيف أن للسورة سياقها الخاص كما سنرى تفصيلا، كما أنها مرتبطة بمحورها من سورة البقرة، وبروابط هذا المحور، وبامتداداته، كما سنرى كذلك تفصيلا، فليكن ما مر معنا هنا بمثابة المقدمة لسياق المقاطع اللاحقة. المقطع الثاني من سورة النساء ويمتد من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٢٨). وهذا هو: [سورة النساء (٤): الآيات ١٩ الى ٢٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)

стр. 986

[سورة النساء (٤): الآيات ٢٠ الى ٢٤] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)

стр. 987

[سورة النساء (٤): الآيات ٢٥ الى ٢٨] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) كلمة في المقطع: جاء هذا المقطع بعد الآيات التي تحدثت عما ينبغي أن يعاقب به فاعلو الفاحشة. فهو يكمل ذكر الأشياء التي لا ينبغي أن تكون في الحياة الاجتماعية. كما يذكر المحرمات من النساء. وفي سياقه يذكر العلاقة الزوجية والزواج، والبديل عن زواج الحرائر. وصلة هذا المقطع بالمقطع السابق واضحة، فكلا المقطعين يتحدث عن الأسرة، وما يسمى الآن بالأحوال الشخصية. وكل ذلك جاء في سياق التذكير بأن أصل الإنسان من ذكر وأنثى. وأن الله- هو الخالق. والمقطع يضيف إلى بناء التقوى، مجموعة أمور. فليس من التقوى أن تكون المرأة كالمتاع يورث. ولا من التقوى أن يضغط الرجل على المرأة من أجل أن يأكل شيئا من مهرها وهو يريد أن يطلقها. ولا من التقوى، الزواج بزوجات الآباء. ولا من التقوى الزواج بمحرم. وسنعرض المقطع على فقرات. فلنبدأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ

стр. 988

فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً* وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً* وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا. المعنى العام: كانت المرأة فى الجاهلية، تورث كما يورث المتاع، فكانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته. إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها. وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من نفسها ومن أهلها. فأنزل الله تحريم ذلك في الآية الأولى من هذا المقطع، فنهى فيه عن إرثهن وما كانوا يرتبون عليه، كما نهى عن مضارتهن بالعشرة وقهرهن حال كراهيتهن، من أجل أن يتخلين عن حقوقهن ليخلصن أنفسهن. ولم يسمح بذلك إلا في حالة واحدة: في حالة الزنا، فقد سمح فيه أن يضاجرها ليسترجع صداقها ويخالعها. وهذا إذا لم يرد أن يلجأ إلى اللعان، فإذا لا عن طلقت منه، وسقط حقه في المهر. ثم أمر بالإحسان بعشرتهن بطيب القول، وحسن الفعل، وتحسين الهيئة. ثم بين أنه حتى لو كان الرجل يكره امرأته فإنه يندب له أن يصبر ويمسك، إذ عسى أن يكون في الصبر على إمساكهن مع الكراهة خير كثير في الدنيا والآخرة. كأن يرزق منها ولد، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وفي الحديث الصحيح: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر». وفي الآية الثانية بين الله- أن الزوج إذا أراد أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئا، ولو كان قنطارا من المال. إذ كيف يؤخذ من الصداق بعد ما حدث من الجماع، وكان العقد والعهد. فهذا يقتضي إن كان طلاق ألا يكون استرجاع صداق. ثم نهى الله- عن نكاح زوجات الآباء، تكرمة لهم، وإعظاما واحتراما أن توطأ من ولده من بعده. حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها. وهذا أمر مجمع عليه. وقد بشعه الله غاية التبشيع. فوصفه بأنه فاحشة، وأن الله يمقت عليه. وأنه بئس طريقا لمن سلكه من الناس. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. أي لا يحل لكم أن

стр. 989

تأخذوا النساء على سبيل الإرث، كما تحاز المواريث، وهن كارهات لذلك، أو مكرهات. والتقييد بالكره، لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما في قوله تعالى: (في سورة الإسراء) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ العضل هنا: الحبس والتضييق. أي: لا تحبسوهن، وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بأموالهن، ويختلعن ببعض ما دفعتم لهن من المهر. إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: الفاحشة تطلق على الزنا. وقد فسرها بعضهم بذلك. وعلى هذا فإن المعنى إلا أن يزنين. فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع. وبعضهم فسر الفاحشة في الآية بالذنب المتعلق بهذه الشئون، وهو هنا النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء. فيكون المعنى: إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهنّ فقد عذرتم في طلب الخلع. والفاحشة المبينة، هي الواضحة. وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. في البيتوتة، والنفقة، والإجمال في القول، والملاطفة، والمداعبة وبسط الوجه، والتودد، والمؤانسة. فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ. لقبحهن، أو سوء خلقهن، أو لانصراف قلوبكم عنهن، فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً، وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً. أي: ويجعل الله في ذلك الشئ، أو في الكره ثوابا جزيلا، أو ولدا صالحا. والمعنى: فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها. فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك. فإن فارقتم ففارقوا لا من حيث الكره، ولكن من حيث ما هو الأصلح. وإذن فالمعنى: فإن كرهتموهن، فاصبروا عليهن مع الكراهية، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا قد لا تجدونه فيما تحبونه. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ أي: وإن أردتم تطليق امرأة وتزوج أخرى. وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً. أي: وأعطيتم إحدى الزوجات مالا عظيما. فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي: لا تأخذوا أي شئ من هذا المال الكثير الذي أعطيتموهن إياه مهرا. أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً: الإثم المبين: الذنب الواضح، والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو برئ منه، لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير، والمعني: أتأخذونه باهتين وآثمين. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ. إنكار للأخذ بعد حدوث ما يأتي. وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. الإفضاء: هو الخلوة في الأصل وما يكون فيها من جماع. والميثاق الغليظ: هو العهد الوثيق. والمعنى: كيف تأخذون من المهر بعد أن خلا بعضكم إلى بعض، وبعد عقد الزواج وما يحتويه ضمنا من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وغير ذلك، ثم تطلقوهن،

стр. 990

فكيف تأخذون من مهورهن شيئا. وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ. أي: لا تطئوا ما وطئ آباؤكم من النساء. إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. أي: لكن ما قد سلف، فإنكم لا تؤاخدون به. إِنَّهُ. هذا العقد على نساء الآباء كانَ فاحِشَةً. أي: بالغة في القبح. وَمَقْتاً. أي: بغضا عند الله، وعند المؤمنين. وَساءَ سَبِيلًا. أي: وبئس الطريق طريقا ذلك. فوائد: ١ - في أسباب نزول الآية الأولى عبارات كثيرة للمفسرين ننقل بعضها: أ- قال ابن عباس. «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته. إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها. وإن شاءوا لم يزوجوها. فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ... » رواه البخاري وغيره. وفي الآية نفسها قال ابن عباس. (وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها. فأحكم الله تعالى عن ذلك). أي نهى عنه. رواه أبو داود. وفي الآية نفسها قال ابن عباس. (كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها). وقال زيد بن أسلم في سبب نزول الآية: «كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث امرأته من يرث ماله. وكان يعضلها حتى يرثها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسئ الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد، حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك» رواه ابن أبي حاتم. ب- وقال عطاء: إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهلها على الصبي يكون فيهم، فأنزل الله لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. ج- وقال مجاهد: (كان الرجل إذا توفي، كان ابنه أحق بامرأته. ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء: أخاه، أو ابن أخيه). د- وقال عكرمة: (نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس. توفي عنها أبو

стр. 991

قيس بن الأسلت. فجنح عليها ابنه. فجاءت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية). ٢ - وفي قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. اختار ابن جرير أن ذلك الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها. قال ابن كثير: (وهذا جيد). ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال ابن كثير: (وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة ويضحك نساءه، حتى كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂ يتودد إليها بذلك قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم، فسبقني. فقال ﷺ «هذه بتلك». ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤنسهم بذلك ﷺ . ٤ - قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. (في الجاهلية. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ. في الإسلام). وهذه لفتة كريمة من ابن المبارك فإرث النساء انتهى. ولكن العضل لا زال محتملا. ٥ - وبمناسبة قوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً. قال ابن كثير: (وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل. وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما روى الإمام أحمد ... عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: (ألا لا تغالوا في صداق النساء. فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ كان أولاكم بها النبي ﷺ . ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه. وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة). والأثر حسن صحيح كما قال الترمذي ...

стр. 992

وكلام سيدنا عمر هنا لا اعتراض عليه. فهو ندب إلى تخفيف المهور. ولكن روايات أخرى تذكر أنه عزم على الناس ألا يزيدوا على أربعمائة درهم. وأراد أن يمنع الزيادة بقوة السلطان. وعندئذ اعترضته امرأة من قريش. فقالت: يا أمير المؤمنين. نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟. قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟. قال: وأي ذلك؟. فقالت: أما سمعت الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ... الآية. قال: اللهم غفرا. كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع، فركب المنبر فقال: يا أيها الناس. كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم. فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: فمن طابت نفسه فليفعل» إسناده قوي. ٦ - وبمناسبة قوله تعالى وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قال ابن كثير: وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال فيها: «واستوصوا بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله». ٧ - وفي سبب نزول وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ .... ذكر ابن كثير رواية أخرى لحادثة مرت من قريب قال: أخرج ابن أبي حاتم: لما توفي أبو قيس- يعني ابن الأسلت- وكان من صالحي الأنصار- فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ فقالت: إن أبا قيس توفي فقال خيرا. ثم قالت: إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه وإنما كنت أعده ولدا فما ترى فقال لها: «ارجعي إلى بيتك» قال: فنزلت وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ... الآية. ٨ - ذكر ابن كثير حكمة لتحريم زوجة الأب على الابن فقال: فإن في الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم علي حب النفوس (صلوات الله وسلامه عليه). أقول: ولئن كانت هذه حكمة فهناك حكم أخرى، فالرجل سيد زوجته، وأمه سيدته، فما أبشع أن يحل أمه محل تابعته، وزوجة أبيه أم له، والمسألة ذات وجوه أكثر تعقيدا، وأبعد عن أن يتكلم بها، يحس ذلك ذو الذوق المرهف. ثم قال ابن كثير: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال، كما رواه الإمام أحمد، وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة وفي رواية عمر «أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه

стр. 993

من بعده أن يقتله ويأخذ ماله». ٩ - قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية فعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنها تحرم أيضا بذلك. أقول: وعند الحنفية لو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها الداخل بشهوة فإنها تحرم على ابنه وتحرم عليه بنتها. ١٠ - أخذ الحنفية من قوله تعالى وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ... أن الخلوة الصحيحة توجب المهر ولو لم يكن جماع لأن الإفضاء في الأصل: الخلوة. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. المعنى العام: لما ذكر في أول السورة نكاح ما حل من النساء، وذكر بعض ما حرم قبل هذا وهن نساء الآباء، ذكر هنا المحرمات الباقيات، وهن سبع من النسب، وسبع من السبب، وبدأ بالنسب، فهاتان الآيتان هما آيتا تحريم المحارم، وما يتبعه من الرضاع، والمحارم بالصهر، وبعد أن عدد الله المحارم، بين أن ما عدا من ذكرن هن لنا حلال، إذا حصّلناهنّ بأموالنا من زوجات أربع، أو ما شئنا من السراري بالطريق الشرعي، لاعن طريق سفاح، وأنه كما نستمتع بهن فعلينا أن ندفع لهن مهورهن، في مقابل ذلك، إلا إذا وضعت هي لك منه شيئا؛ فهو لك سائغ، وختم الآية الأخيرة بالتذكير بعلمه وحكمته؛ فهو إن حرم حرم بعلم، ووضع كل شئ محله، يفهم من ذلك أن ما حرمه علينا ففي تحريمه محض الحكمة، وتحريمه أثر العلم.

стр. 994

المعنى الحرفي: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ هؤلاء المحرمات السبع من النسب. ١ - الأمهات، والجدة من قبل الأم أو الأب في حكم الأم. ٢ - البنات، وبنات الابن، وبنات البنت ملحقات بهن. ٣ - الأخوات، سواء كن أخوات لأب وأم، أو أخوات لأب، أو أخوات لأم. ٤ - العمات: وهن أخوات الأب من أمه أو من أبيه، أو من أبيه وأمه. ٥ - الخالات وهن أخوات الأم، سواء كن أخواتها لأمها، أو لأبيها، أو لأبيها وأمها. ٦ - بنات الأخ سواء كان أخا لأم، أو أخا لأب أو أخا لأب وأم. ٧ - بنات الأخت سواء كانت أختا لأب، أو لأم، أو لأب وأم وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ... هؤلاء المحرمات بسبب وهن سبع: ١، ٢ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ. أنزل الله الرضاعة منزلة النسب؛ فسمى المرضعة أما للرضيع والمراضعة أختا، فكما تحرم عليك أمك التي ولدتك أو أختك؛ تحرم عليك أمك التي أرضعتك، وبناتها، وبنات أبيك من الرضاعة قال ﵊ في الحديث الذي رواه مسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» وعلى هذا فزوج المرضعة أب للرضيع، وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ولد لزوج المرضعة ولو من غير مرضعته قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدته وأختها خالته وكل من ولد لها من هذا الزوج، فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم في الحكم. ٣ - وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ... سواء دخل بمن عقد عليها أو لم يدخل فإن أمها تحرم عليه فبمجرد العقد على البنات تحرم أمهاتهن. ٤ - وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ. القاعدة: أن الدخول بالأمهات يحرم بناتهن، أما مجرد العقد على الأمهات بلا دخول بهن فإنه لا يحرم بناتهن، والربائب جمع ربيبة، والربيبة والربيب: هما ولد المرأة من غير زوجها، سميا بذلك لأن زوج الأم يربيهما كما يربي ولده في

стр. 995

الغالب، ثم توسع في ذلك، فسميا به وإن لم يربهما. وذكر الحجر في الآية على غلبة الحال دون الشرط، وفائدة ذكره التعليل للتحريم، أي: إنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم لهن، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم. والربيبة إنما تحرم إذا دخل الرجل بأمها، فإذا لم يدخل بأمها فلا إثم عليه أن يتزوجها. والدخول بالأمهات كناية عن الجماع. واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول. وهل يحق له أن يتزوجها إذا لم يدخل بأمها مع بقاء العقد على أمها؟. بديهي أنه لا يجوز له ذلك. لأنه لو فعل، يكون قد جمع بين المرأة وابنتها، وهو لا يجوز. وإذن يجوز له أن يتزوج بنت زوجته التي لم يدخل بها بعد طلاق أمها أو بعد موتها. وهل يحل له أن يتزوج بنتها بعد طلاق أمها مباشرة؟ الجواب نعم لأنه إذا طلقها ولم يدخل بها كان الطلاق بائنا ولا عدة عليها. ٥ - وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ. الحلائل: جمع حليلة. وهي الزوجة. لأن كل واحد منهما يحل للآخر. أو يحل فراش الآخر، من الحل، أو الحلول. والمعنى: أن أزواج أبنائكم الذين من أصلابكم، محرمات عليكم. وذكر أبناء الأصلاب، لإخراج أزواج من كانوا يتبنونهم. وقد زوح الله رسوله ﷺ زينب حين فارقها زيد. وقال الله تعالى (فى سورة الأحزاب) مبينا حكمة هذا التزويج. لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ. وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع. لدخول ذلك في السنة. والحكم الحرمة سواء دخل بها الابن أو لم يدخل، فإنها تحرم على أبيه. ٦ - وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين في النكاح. ولكن ما مضى مغفور. قال ابن كثير في تفسيرها. (وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج). وكذا في ملك اليمين بأن يطأ الأختين المملوكتين له إلا ما كان منكم في جاهليتكم، فقد عفونا عنه، وغفرنا له. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل. لأنه استثني ما سلف .... وقد أجمع العلماء من الصحابة، والتابعين، والأئمة قديما، وحديثا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما، ويطلق الأخرى لا محالة. وبمناسبة عفو الله عما سلف من الجمع بين الأختين، فقد ختم الله هذه الآية بقوله. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. غفر لكم ما مضى مما لم يسبق إليكم فيه بلاغ. ورحمكم بهذا الشرع الذي لم يحرم إلا ما في تحريمه رحمة بكم، وحكمة بالغة، تستفيدون بها في

стр. 996

دنياكم، وأخراكم. ومن رحمته بكم أن حرم عليكم ما حرم من المحرمات؛ لما في التحريم من مصالح لأنفسكم، ولمحارمكم. ٧ - وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ. المحصنات من النساء: أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج، ثم استثنى من ذلك ذوات الأزواج إذا ملكناهن بالسبي وأزواجهن في دار الحرب. قال النسفي: (والمعنى: وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي: اللائي لهن أزواج، إلا ما ملكتموهن بسبيهن فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستيلاء) وبعد أن ذكر الله المحارم من النسب أو السبب قال تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. أي: فريضة الله عليكم أي: كتب الله عليكم فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه، وما فرضه. وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ. أي: وأحل لكم ما سوى المحرمات المذكورة مما عدا من ذكرن من المحارم، فهن حلال لكم. أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ. أي: يبين لكم ما يحل وما يحرم لأن تبتغوا بأموالكم ما أحل الله لكم من الزوجات إلى الأربع، أو السراري. وذكر الأموال في هذا المقام، دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب المهر وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهرا، وأن القليل لا يصلح مهرا إذ الحبة لا تعد مالا عادة. مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. الإحصان: هو العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح: الزاني من السفح: وهو صب المني في غير محله الصحيح وهو الفرج الحلال، أي: ابتغاؤكم بأموالكم ينبغي أن يكون في حال كونكم محصنين، لا مسافحين، لئلا تضيعوا أموالكم فيما لا يحل. فتخسروا دينكم ودنياكم. ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. أي: فما نكحتموه منهن فآتوهن مهورهن مقابله. إذ المهر ثواب البضع. فَرِيضَةً. أي: فرض ذلك فريضة. أي: فرض إيتاء المهور في مقابل النكاح فريضة. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ. أي: ولا إثم عليكم فيما تراضيتم به فيما تحط هي عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو فيما يزيدها هو على ما تم الشروط عليه، أو فيما يتراضيان به من مقام أو فراق بعد أن تتم الفريضة وتستقر. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً: عليما بما خلق عليما بما شرع لخلقه، حكيما فيما خلق، وشرع، وفرض. ومن ذلك ما شرعه من عقد النكاح الذي به تحفظ الأنساب، ويبقى النسل، وتسعد المرأة والرجل.

стр. 997

فوائد: ١ - رأينا أن من جملة المحرمات، البنات. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزانى عليه بعموم قوله تعالى وَبَناتُكُمْ فإنها بنت فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة، وما لك، وأحمد بن حنبل. وقد حكي عن الشافعي شئ في إباحتها، لأنها ليست بنتا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في الآية، والله أعلم. ٢ - قال بعض الفقهاء: كل ما يحرم من النسب يحرم من الرضاعة، إلا أربع صور. وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع، والتحقيق أنه لا يستثنى شئ من ذلك لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على القاعدة المأخوذة من نصوص الأحاديث شئ. ٣ - اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة: فمنهم من قال: القطرة الواحدة في سن الرضاع تحرم، ومنهم من قال: لا تحرم أقل من خمس رضعات. ٤ - في الصحيحين: أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان. وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان. قال: «أو تحبين ذلك؟». قالت نعم. لست بك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: «فإن ذلك لا يحل لي». قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: «بنت أم سلمة»؟ قالت: نعم. قال: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي. إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن». وفي رواية للبخاري: «إني لو لم أتزوج أم سلمة، ما حلت لي». جعل في هذا الحديث مناط التحريم، مجرد تزوجه أم سلمة. وهذا أصل للقاعدة، أن الدخول في الأمهات يحرم البنات، وأن العقد على البنات يحرم الأمهات. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور السلف، والخلف. ٥ - قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها بملك اليمين. لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ. وملك اليمين عندهم، تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس. وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم.

стр. 998

٦ - رأينا أن الدخول بالأمهات، يحرم البنات. وقد قال الحنفية: إن الخلوة الصحيحة دخول وبها تحرم البنت. ولكن ابن جرير قال: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها، ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة، ما يدل على أن معنى ذلك (أي الدخول) هو الوصول إليها بالجماع. ٧ - عن إياس بن عامر قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني. اتخذت إحداهما سرية، فولدت لي أولادا. ثم رغبت في الأخرى. فما أصنع؟. فقال علي: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى. قلت: فإن ناسا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها، أو مات عنها. أليس ترجع إليك؟. لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله- من الحرائر إلا العدد. ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب. قال أبو عمر بن عبد البر بعد أن ذكر هذا الأثر مبينا قيمته: هذا الحديث رحلة رجل لو لم يصب من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره، لما خابت رحلته. قال ابن كثير: وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ ... إلى آخر الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، وكذلك يجب أن يكون نظرا وقياسا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. ٨ - روى الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أصبنا سبيا من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكر هنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ . فنزلت هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فاستحللنا فروجهن). ٩ - حمل بعضهم قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً. على أنه في نكاح المتعة. والنص لا يفهم ذلك كما رأينا. وسواء كانت في نكاح المتعة أو لم تكن، فحرمة نكاح المتعة مقررة في السنة وثابتة فيها، فالمسألة تدور بين كون الآية منسوخة بالسنة إذا فهمناها على أنها في المتعة. أو أنها غير منسوخة إذا فهمناها على أنها في غير المتعة. والعمدة في تحريم المتعة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم

стр. 999

الحمر الأهلية يوم خيبر). وفي صحيح مسلم عن سبرة بن معبد الجهني أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس: إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». ١٠ - ذكر صاحب الظلال تعليقا على الآيات التي حرمت علينا ما حرمت من النساء فقال: «هذه هي المحرمات في الشريعة الإسلامية، ولم يذكر النص علة للتحريم- لا عامة ولا خاصة- فكل ما يذكر من علل، إنما هو استنباط ورأي وتقدير .. فقد تكون هناك علة عامة. وقد تكون هناك علل خاصة بكل نوع من أنواع المحارم. وقد تكون هناك علل مشتركة بين بعض المحارم. وعلى سبيل المثال يقال: إن الزواج بين الأقارب يضوي الذرية، ويضعفها مع امتداد الزمن. لأن استعدادات الضعف الوراثية قد تتركز وتتأصل في الذرية، على عكس ما إذا تركت الفرصة للتلقيح الدائم بدماء أجنبية جديدة، تضاف استعداداتها الممتازة، فتجدد حيوية الأجيال واستعداداتها. أو يقال: إن بعض الطبقات المحرمة كالأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت. وكذلك نظائرهن من الرضاعة. وأمهات النساء، وبنات الزوجات- الربائب في الحجور- يراد أن تكون العلاقة بهن علاقة رعاية وعطف، واحترام وتوقير، فلا تتعرض لما قد يجد في الحياة الزوجية من خلافات تؤدي إلى الطلاق والانفصال- مع رواسب هذا الانفصال- فتخدش المشاعر التي يراد لها الدوام. أو يقال: إن بعض هذه الطبقات كالربائب في الحجور، والأخت مع الأخت، وأم الزوجة، وزوجة الأب .. لا يراد خدش المشاعر البنوية أو الأخوية فيها. فالأم التي تحس أن ابنتها قد تزاحمها في زوجها، والبنت والأخت كذلك، لا تستبقي عاطفتها البريئة تجاه بنتها التي تشاركها حياتها، أو أختها التي تتصل بها، أو أمها، وهي أمها! وكذلك الأب الذي يشعر أن ابنه قد يخلفه على زوجته. والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له؛ لأنه سبقه على زوجته: ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب، بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب. أو يقال: إن علاقة الزواج جعلت لتوسيع نطاق الأسرة، ومدها إلى ما وراء رابطة القرابة. ومن ثم فلا ضرورة لها بين الأقارب والأقربين، الذين تضمهم آصرة القرابة القريبة، ومن ثم

стр. 1000

حرم الزواج من هؤلاء لانتفاء الحكمة فيه، ولم يبح من القريبات إلا من بعدت صلته، حتى ليكاد أن يفلت من رباط القرابة. وأيا ما كانت العلة، فنحن نسلم بأن اختيار الله لا بد وراءه حكمة، ولا بد فيه مصلحة. وسواء علمنا أو جهلنا، فإن هذا لا يؤثر في الأمر شيئا، ولا ينقص من وجوب الطاعة والتنفيذ، مع الرضى والقبول. فالإيمان لا يتحقق في القلب، ما لم يحتكم إلى شريعة الله ثم لا يجد في صدره حرجا منها ويسلم بها تسليما» اهـ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ. ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً* يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً. المعنى العام: بعد أن بين الله- ما أحل وما حرم من النساء، بين أنه في حالة عجز الإنسان عن نكاح الحرائر العفائف المؤمنات. فإن الله قد أباح له أن يتزوج من الإماء اللاتي يملكهن المؤمنون. والله- وحده هو الذي يعلم حقائق الأمور وسرائرها، ومن ذلك حقيقة الإيمان، غير أن لنا الظاهر، فمن كانت مؤمنة في الظاهر حل لنا نكاحها، ولكن نكاح الأمة ينبغي أن يتم بإذن سيدها ومالكها. ثم أمر تعالى بدفع مهورهن إلى أسيادهن، وألا يبخس منه شئ استهانة بهن. ثم بين أن الأمة التي تنكح ينبغي أن تكون عفيفة عن الزنى، لا معلنة به ولا مسرة به، لا زانية لكل الناس، ولا لأصحاب، أو صاحب معين. ثم بين أنه في حالة زناها بعد زواجها، فعليها نصف ما على المحصنات من الحد وهو: خمسون جلدة ولا ترجم. ولا يعني هذا أنه لا عذاب عليها إذا لم تكن متزوجة، بل عليها كما سنرى. والمهم أن نعرف أن حد الرجم لا يطبق عليها. وهذه الإباحة للزواج من الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا،

стр. 1001

وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا، فهو خير له، لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء. ومن هذه الآية الكريمة، استدل جمهور العلماء: على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ولا بد من خوف العنت حتى يجوز نكاح الإماء؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما في ذلك من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. ولأبي حنيفة رأي في هذا الموضوع خلاصته: أن من لم يكن متزوجا بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية. سواء كان واجدا لطول حرة، أم لا، وسواء خاف العنت، أم لا. وسنرى ذلك إن شاء الله. ثم بين الله- في الآيات الأخيرة، أن له إرادة، وللكفار والفساق إرادة. فإرادته تعالى أن يبين لنا الحلال والحرام، وأن يدلنا على الطرائق الحميدة لمن قبلنا من الأنبياء والمرسلين والصالحين والشهداء، وأن يطهرنا من ذنوبنا بتوبته علينا. وهو العليم الحكيم، يظهر علمه وحكمته في شرعه وقدره وأقواله وأفعاله. وأما إرادة الكفار، والفساق، ممن يتبعون الشهوات، فهي أن ننحرف انحرافا كبيرا عن الصراط المستقيم. وما نراه في عصرنا من تواطؤ الكافرين والفساق على إضلال أهل الإيمان تجسيد عملي لما ذكرته الآية. ثم بين الله- أن إرادته بنا ليست لإرهاقنا وعنتنا. بل أراد بنا فيما بين وشرع وهدى، التخفيف علينا في شرائعه، وأوامره، ونواهيه. وذلك لأن الله الذي خلق الإنسان، وعلم ضعفه، وتهالكه أمام الشهوات، أنزل له شريعة تناسب هذا الضعف في نفسه وعزمه وهمته، فكانت شريعة يسر، وشريعة تخفيف. وقد جاءت الآيات الثلاث الأخيرة، عقب التخفيف علينا، بإباحة تزوج الإماء. وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن المجتمع الإسلامي النظيف، يحتاج إلى وجود إماء، كعامل مساعد على نظافته من الزنا والفاحشة. نقول هذا غير آبهين لأي صوت كافر، يريد أن يأخذ على الإسلام إباحته الرق. في الوقت الذي يمتهنون فيه الإنسان كما لم يمتهن الحمار في يوم من الأيام.

стр. 1002

المعنى الحرفي: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. أي: ومن لم يجد منكم سعة، وقدرة، وزيادة أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ. أي: أن يتزوج الحرائر المسلمات، أو الحرائر العفيفات المسلمات فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ. أي: فلينكح مملوكة من الإماء المسلمات. وقوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ. أي: من فتيات المسلمين. والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة، فلينكح أمة. وقال النسفي- وهو من أئمة الحنفية-: ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا (أي عند الحنفية). والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقا مع التقييد به وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ. أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، والإيمان- وهو مغيب- هو أعلم به، وفيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن، ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان، لأن العلم بالإيمان المسموع لا يختلف، فلكم- أيها الناس- الظاهر من الأمور، فخذوا به. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. أي: فكلكم بنو آدم، وفيه تحذير من التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب. وفيه إشارة إلى عدم الاستنكاف من نكاح الإماء عند ضرورته. فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ. أي: فتزوجوا الإماء بإذن سادتهن. قال الحنفية: وهو حجة لنا، في أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن. لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم، وأنه ليس للعبد أو الأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى. وقال ابن كثير: فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه. وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. أي: وأدوا إليهن مهورهن من غير مطل ولا إضرار. وملاك مهورهن مواليهن. فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي. قال ابن كثير: أي وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات. مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ: الإحصان: العفة. والمسافحة: هي الزانية علانية. والمتخذة خدينا: هن الزواني سرا. والأخدان: الأخلاء في السر. نهى الله عن تزوج وتزويج الأمة إذا كانت زانية سرا أو علنا، ولم تكن عفيفة ما دامت كذلك. فَإِذا أُحْصِنَّ. أي: بالتزويج. فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ. أي: بزنا. فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ

стр. 1003

الْعَذابِ. أي فعليهن نصف ما على الحرائر من الحد. يعني خمسين جلدة. فقوله: نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ. يدل على أن المراد بالعذاب هنا الجلد لا الرجم؛ لأن الرجم لا يتنصف، وأن المحصنات هنا: الحرائر اللاتي لم يزوجن، ودل على أن الإماء لا يرجمن في الزنا ولو تزوجن. ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ. أي: نكاح الإماء رخصة لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر. فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم. وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ. أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعففين خير لكم، لأن فيه إرقاق الولد. ولأنها (أي الأمة) خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: غفور يستر المحظور، رحيم يرفع عنكم ما فيه مشقة عليكم. يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ. أي: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفضل أعمالكم، وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. أي: وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء، والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم. وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ. أي: ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: عليم بمصالح عباده، حكيم فيما شرع لهم. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ. هذا تأكيد لما سبق. كرره لذكر ما يقابله. وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ. من الكفرة والفجرة. أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً. أي: أن تميلوا عن القصد إلى الجور، وعن الحق إلى الباطل. والميل: الانحراف. ولا انحراف أعظم من موافقة أهل الباطل والفجور، ومساعدتهم على اتباع الشهوات. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ: في شرائعه، وأوامره، ونواهيه ومن ذلك ما أباحه لكم من إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص. وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً. أي: أمام الشهوات، لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات، ومن ثم خفف الله عليه بما يناسب ضعفه، وهو في سياقه يفيد ضعفه في أمر النساء، ومن ثم وسع عليه في شأنهن، قال وكيع في ذلك: يذهب عقله عندهن. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ. يبحث المفسرون موضوع: هل تجلد الأمة إذا زنت قبل

стр. 1004

الإحصان خمسين جلدة نصف حد الحرة البكر؟. الجمهور قالوا: الأمة تجلد خمسين جلدة سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة إذا زنت. وذهب قوم- منهم ابن عباس- أن الأمة إذا زنت، ولم تحصن فلا حد عليها وتضرب تأديبا، ويشهد للأولين ما رواه الإمام مسلم عن علي ﵁ أنه خطب فقال: (يا أيها الناس، أقيموا الحد على إمائكم من أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها. فإذا هي حديثة عهد بنفاس. فخشيت إن جلدتها أن أقتلها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ . فقال: «احسنت، اتركها حتى تتماثل»). وهل يجمع بين الجلد والنفي؟. أقوال. والخلاف فيه أثر عن الخلاف في الأصل في جمع الجلد، والنفي على الحرة البكر إذا زنت. كلمة في السياق: لاحظنا أن هذا المقطع انصب على موضوع الحل والحرمة في قضايا نسائية: إرث المرأة، حسن العشرة، حرمة العضل، حرمة نكاح زوجة الأب، المحارم من النساء، ما أحل الله بعد المحارم، حل زواج الأمة في حالة تعذر طول الحرة. ولو أننا تذكرنا أن سورة النساء تفصل في قوله تعالى في سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وما هو ألصق بها من معاني سورة البقرة. وتذكرنا أن العضل قد ورد في سورة البقرة، أثناء الكلام عن موضوع الطلاق والوفاء والخطبة؛ فإننا نجد أن هذا المقطع من سورة النساء هو تفصيل لامتدادات محور هذه السورة في سورة البقرة. وعلى هذا الأساس نفهم أن من التقوى في الإسلام عدم العضل للمرأة، وحسن العشرة لها، واجتناب نكاح المحارم، وإيتاء الزوجة حقوقها. وتحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم. وقبول بيان الله، وهداه في كل شأن من شئون الحياة. إن هذا المقطع من سورة النساء، يشبه المقطع الذي تم فيه الكلام عن كثير من الأحوال الشخصية للإنسان في سورة البقرة، وكل ذلك مكانه في التقوى الاهتداء بكتاب الله: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ولنتذكر أن سورة النساء تفصل في الآية المشابهة لبدايتها في سورة البقرة. والمعاني المرتبطة بها في سورة البقرة نفسها، فإذا تذكرنا هذا فلنذكر أن في سورة البقرة قوله

стр. 1005

تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ .... وأننا قلنا هناك: إن هذه الآية تصحح مفهوما، وتوسع مفهوما، وتدخل في التقوى ما هو منها. والآن يأتي مقطع جديد في سورة النساء يعمق مفهوم التقوى، ويدخل فيها ما هو منها. ويهذب الإنسان مما يناقضها. وهو مبدوء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ .... وبعد هذا الكلام العام عن صلة المقطع بمحوره من سورة البقرة وامتدادات هذا المحور فلنقف وقفات متأنية حول السياق: ١ - لو تأملنا الآية الأولى من مقطع الطريقين: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لوجدنا أنها تقرر أن الله- هو الذي خلقنا، وخلق من قبلنا؛ وبناء عليه فإنها تطالبنا بالعبادة؛ من أجل أن نتحقق بحقيقة تقواه، ونلاحظ أن سورة النساء تفرع على هذه الأصول، فهي تطالبنا بالتقوى وتذكرنا بأن الله- خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وبناء على أن الأمر كذلك فما هي الأحكام التي تحكم هؤلاء الرجال والنساء؟ وهكذا وجدنا المقطع الأول والثاني يفصل في مثل هذه الشئون. ٢ - وسنلاحظ أن المقطع الثالث في مجموعة من مجموعاته هو استمرار لمثل ما مر معنا في المقطع الأول والثاني ولكنا سنري أن مجموعة أخرى من مجموعاته ستبدأ بقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وتأمل محور السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. إن الدمج بين الأمر بالعبادة وترك الشرك، والأمر بالإحسان لأنواع من البشر، مرتبط أي ارتباط بالمحور، وبعد آيتي المحور اللتين ذكرناهما يأتي قوله تعالي: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا .. وسنرى أن المقطع الرابع سيكون فيه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ. ثم إن آية المحور الرابعة تختم بقوله تعالى:

стр. 1006

فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ والآية الخامسة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .... وسنرى أنه في نهاية المقطع الرابع سيأتي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا. ألا ترى كيف أن هذه المقاطع تفصل في محورها من سورة البقرة بشكل واضح. ٣ - ونحب دائما أن نذكر أن ارتباط أي سورة بمحورها لم يكن على حساب سياقها الخاص، فالصلات بين الآيات في المقطع، وبين بدايات المقاطع اللاحقة، ونهايات المقاطع السابقة، كل ذلك على أكمله وأتمه، ونحن في الغالب أثناء الشرح الإجمالي، أو الحرفي، أو في التقديم للمقطع، نشير إلى دقائق في هذه الشئون نرجو ألا تغيب عن ذهن القارئ وهو يستجمع ما نقوله في موضوع السياق. المقطع الثالث من سورة النساء يمتد هذا المقطع من الآية (٢٩) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذا هو: [سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ الى ٣٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)

стр. 1007

[سورة النساء (٤): الآيات ٣٣ الى ٣٩] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) ***

стр. 1008

[سورة النساء (٤): الآيات ٤٠ الى ٤٢] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢) كلمة في المقطع: أثناء الكلام عن سورة آل عمران قلنا: إن سورة آل عمران، تفصل في محورها من سورة البقرة وهو المقدمة، وفي امتدادات معاني هذه المقدمة في السورة. ورأينا نماذج ذلك. ولقد رأينا في المقطعين، الأول والثاني من سورة النساء، كيف أن سورة النساء تفصل في محورها من سورة البقرة وفي امتدادات هذا المحور في سورة البقرة. ومن ثم، فكثير من القضايا التي جاءت في سورة البقرة، والتي هي ذات صلة بالعبادة والتقوى. تأتي هاهنا تفصيلات، أو توضيحات في شأنها. وقد أدخل هذا المقطع في قضية العبادة، والتقوى، والإيمان، والعمل الصالح. ألا نأكل أموال بعضنا بالباطل. وألا نقتل أنفسنا، وألا يتمنى النساء ما أعطيه الرجال، والإحسان إلى أصناف من الناس، وتحريم الاختيال والفخر والبخل. كما عرض المقطع في سياقه لأمور أخرى. ولو أردنا أن نبرهن على ما ذهبنا إليه، من أن سورة النساء تفصيل لمحورها من سورة البقرة، ولامتدادات هذا المحور. فإننا نقول: إن محور سورة النساء من سورة البقرة هو: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ..... هُمْ فِيها خالِدُونَ. وفي سورة البقرة نجد من امتدادات المحور: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. وفي سورة البقرة نجد من امتدادات المحور: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. ومن امتدادات المحور: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

стр. 1009

ونلاحظ هنا أن هذا المقطع قد وجد فيه: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ .... وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إن من تأمل مثل هذا، لا يستغرب ما ذهبنا إليه في موضوع المحور، وامتدادات معانيه. وأن سورة النساء تفصيل لذلك كله. ولنبدأ بعرض الفقرة الأولى في المقطع. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً* إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً* وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً* وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً. المعنى العام: ينهى الله ﵎ عباده في الآية الأولى عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل. أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كالنهب، والسرقة، والغصب، والغش، والربا، والقمار، وما جرى مجرى ذلك، ويدخل في ذلك سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في صورة الحكم الشرعي، فإنه مما لا يخفى على الله نية صاحبها في أنه يريد أن يحتال، ثم بين الله- طريق الحل في التعامل، وهو طريق التبادل القائم على الرضا ضمن ما أباحه الله وشرعه، ثم نهانا- ﷻ أن نقتل أنفسنا، بقتل بعضنا بعضا. أو بقتل الواحد منا نفسه، ثم بين أنه شرع لنا هذا كله رحمة بنا. وفي الآية الثانية، بين الله- أن من يتعاطى ذلك منا من أكل مال بباطل، أو قتل نفس مؤمنة، معتديا في فعله، ظالما في تعاطيه، عالما بتحريمه، متجاسرا على

стр. 1010

انتهاكه؛ فإن الله سيصليه نارا، وأن إصلاءه هذه النار ليس صعبا على الله. وفي هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. فليحذر منه كل عاقل لبيب. وفى الآية الثالثة، قعد الله- قاعدة وهي: أننا إذا اجتنبنا الكبائر؛ غفر الله لنا الصغائر؛ وأدخلنا باجتناب الكبائر جنته، وقد فهم من ذلك من فهم- كما سنرى إن شاء الله- أن ما ذكر فى المحرمات فيما مضى من سورة النساء قبل هذه القاعدة كبائر يجب اجتنابها. وفي الآية الرابعة نهى الله الرجال أن يتمنوا ما خص به النساء، ونهى النساء أن يتمنين ما خص به الرجال، ومن ذلك: ما خص به النساء في الإرث، وما خص به الرجال في الإرث، وأن كلا من الرجال والنساء، مجزي على عمله ونيته بما يستحقه، وأمر الله الجميع رجالا، ونساء أن يسألوه من فضله. فإنه كريم وهاب. وختم الله الآية، بالإعلام أنه بكل شئ عليم. وهي في هذا المقام تفيد أنه إن خص الرجال بشيء فبعلم، وإن خص النساء فبعلم، وإن أعطى فبعلم، وإن جازى فبعلم، وإن سئل فإنه يعلم؛ وبعلم يعطي. وبمناسبة الكلام عن عدم أكل أموال الناس بالباطل، وعدم تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض، وعدم تمني النساء ما للرجال، والعكس، تأتي القاعدة: أن لكل من الرجال، والنساء جعل الله ورثة، يرثون ما تركه الوالدان والأقربون، مما هو مقرر في وصية الإرث، ويذكر الله هنا صورة تسمى عند فقهاء الحنفية ومن وافقهم- والتي يعتبرها غيرهم منسوخة- بعقد مولى الموالاة: وهو الرجل من غير العرب إذا أسلم وليس له وارث معروف، فيتعاقد مع عربي أن يرثه العربي المسلم إذا لم يكن وارث أحق، ويعقل عنه العربي إذا جنى أي جناية تستوجب العقل، فهؤلاء الذين عقدوا هذا العقد يورثون من مواليهم إذا لم تكن قرابة أولى كما رأينا، فههنا وعلى هذا الفهم للآية يأمر الله- في هذا السياق أن يعطى هؤلاء نصيبهم من التركة، ويذكرنا الله- بأنه الشهيد على كل شئ. ويفيد هذا المعنى في هذا السياق: أن الله شاهد على عقودكم ففوا بها. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. أي: لا تأكلوا أموالكم

стр. 1011

بينكم بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة، والخيانة، والغصب، والقمار، وعقود الربا. إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ. أي: إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة عن تراض منكم، ومظهر التراضي: العقد. وهل التعاطي يدل على التراضي؟ قولان للفقهاء. أجازه الحنفية، ومنعه الشافعية، وفرق بعضهم في جوازه بين الخسيس والنفيس، وخصت التجارة بالذكر، لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها، قال النسفي- من الحنفية-: والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي، وعلى جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا، وعلى نفي خيار المجلس؛ لأن فيها إباحة الأكل بالتجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان العقد. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. ذكر النسفي في تفسير هذا النهي خمسة معان كلها محرم. الأول: ولا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، الثاني، أي: لا يقتلن أحدكم نفسه. أي: لا ينتحر. الثالث، أي: لا تقتلوا أنفسكم بظلم بعضكم بعضا في موضوع الأموال فظالم غيره كمهلك نفسه. الرابع: لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها. الخامس، أي: لا ترتكبوا ما يوجب القتل إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ولرحمته نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم، وبقاء أبدانكم، ومن مظاهر رحمته بكم أيتها الأمة المسلمة: أن الله أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم؛ ليكون ذلك توبة لهم، وتمحيصا لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد ﷺ رحيما حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. بل نهاكم عنها. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ. أي: القتل. عُدْواناً وَظُلْماً. أي: لا خطأ، ولا قصاصا. فصار المعنى: ومن يقدم على قتل الأنفس المؤمنة، لا خطأ، ولا قصاصا. فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً. أي: فسوف ندخله نارا مخصوصة، شديدة العذاب. وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. أي: وكان إصلاؤه النار على الله سهلا. قال النسفي: وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد، وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ. أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب. وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً. أي: مدخلا حسنا. أي الجنة. قال النسفي: «وتشبث المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر، وعلى أن الكبائر غير مغفورة، باطل؛ لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء، إن شاء عذب عليهما، وإن شاء عفا عنهما لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى

стр. 1012

وقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات يطلق عليهما» وقد فهم ابن مسعود من السياق أن الكبائر هي ما ذكرت في سورة النساء سابقة لهذه الآية. وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ. هذا نهي من الله- أن يتمنى الرجال ما فضل به النساء، أو أن تتمنى النساء ما فضل به الرجال، ونهي من الله أن يتمنى الناس ما فضل الله به بعضهم على بعض. وقد جاء هذا في سياق النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، والنهي عن قتل الأنفس. فإذا عرفنا أن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض، وتمني ما فضل الله به الرجال على النساء هو مرض العصر، وأساس الكثير من مذاهبه، وعنه تصدر بعض المذاهب الضالة، إذا عرفنا ذلك أدركنا بعض مظاهر الإعجاز في هذا القرآن. والصلة بين هذه الآية وسياقها واضحة، فصلتها بما قبلها من حيث إن أخذ مال الغير بالباطل، وقتل النفس بغير حق، له صلة بتمني مال الغير وجاهه، فنهاهم الله عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض، من الجاه، والمال؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله، صادرة عن حكمة، وتدبير، وعلم بأحوال العباد، وبما ينبغي لكل من بسط له في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له، ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد: أن يتمنى كون ذلك الشئ له ويزول عن صاحبه، والغبطة: أن يتمنى مثل ما لغيره، وهو مرخص فيه والأول منهي عنه، وهذا كله مقيد بما إذا كان كل إنسان قائما بحق الله في ماله وعمله، أما إذا لم يقم بحق الله تعالى فالأمر عندئذ له أحكامه، وعلى الدولة، والإمام أن يتدخلا لإقامة أمر الله في موضوع الأموال وغيرها. وأما صلة هذه الآية بما بعدها فمن حيث إن الله سيذكر بعد آية قوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ فكانت هذه الآية مقدمة لتلك، ومخالفة النهي الموجود في هذه الآية هو رأس الأسباب التي أوصلت كثيرا من نساء المسلمين، وبناتهم إلى الردة، والفجور، والفسوق. وبداية هذا الاتجاه كانت في زمن رسول الله ﷺ ومن ثم نزلت هذه الآية تعالج هذا الأمر كما سنرى في الفوائد إن شاء الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ. أي: كل له جزاء عمله بحسبه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، أي لكل من الرجال والنساء كسبه الذي سيجزيه الله عليه فيما كلفه الله به، فعلام يتمنى أحد ما فضل به الآخر ما دام نجاح كل واحد في امتحانه عليه مدار جزائه ومكافأته، فليهتم الرجال بما كلفوا به، ولتهتم النساء بما كلفن به، وليهتم الجميع بما كلفوا به، وعوضا عن أن يتمنى أحد ما لأحد قال

стр. 1013

تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. أي: بدلا من أن تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، سلوا الله يعطكم، فإنه واسع الفضل. قال ابن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. تفضيله بعلم، وعطاؤه بعلم، وإذا سئل يعلم، فلا تعترضوا على الله في فعل أو حكم. وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الموالي: هم الوراث، يلون المال ويحرزونه. وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ. يحتمل في هذا المقام إما: ولكل أحد، وإما: ولكل مال. مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. فصار المعنى: لكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا وراثا يرثونه ويحوزونه، هذا على تقدير أن المحذوف بعد: (ولكل) كلمة: مال، وعلى القول بأن المقدر بعد (ولكل) كلمة: أحد يكون المعنى: ولكل أحد جعلنا له وراثا يرثون مما ترك الوالدان والأقربون. وعلى هذا نكون قد قدرنا فعلا قبل (مما ترك). استخرجناه من معنى قوله تعالى: مَوالِيَ. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. أي: والذين عاقدتهم أيديكم أي: عقدت عهودهم أيمانكم فأعطوهم نصيبهم من الميراث. وفي الآية إشارة إلى عقد الموالاة، وهو مشروع عند الحنفية، ويرث صاحبه الميت بعد أصحاب الفروض، والعصبة، وذوي الأرحام، وتفسيره: إذا أسلم رجل أو امرأة ولا وارث له، وليس بعربي، ولا معتق، وأراد فإنه يقول لعربي مسلم: واليتك على أن تعقلني إذا جنيت، وترث مني إذا مت، ويقول الآخر: قبلت. انعقد ذلك، ويرث العربي من مولاه إذا لم يكن هناك أحق منه من صاحب فرض، أو عصبة، أو رحم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً. فهو عالم الغيب والشهادة، ويفيد هنا أنه شهيد على عقودكم ففوا بها، وقوموا بالتزاماتها، وهو أبلغ وعد ووعيد، فإذا كان الله شهيدا على عقودنا فإنه يأجر على الوفاء، ويعاقب على الغدر والنكث. فوائد: ١ - يعتبر فقهاء الشافعية أن من تمام التراضي بالبيع، إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا». وهذا مذهب أحمد. وفهم الحنفية من الحديث، أن المراد منه تفرق الأقوال، لا الأجساد. ٢ - وقال الفقهاء: إن من تمام التراضي في عقد البيع، مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام إذا وجد في العقد. وما زاد على الثلاثة أيام، فيه خلاف فمنهم

стр. 1014

من أجاز الشروط، ولو إلى سنة. ٣ - روى الإمام أحمد، وغيره عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك. فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب». قال: قلت يا رسول الله: إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا) ٤ - قال ﷺ : من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». والحديث في الصحيحين. وفي هذا المعنى ما رواه الجماعة: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ : «كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينا، نحر بها يده. فما رقأ الدم حتى مات. قال الله- : عبدي بادرني بنفسه. حرمت عليه الجنة». ٥ - روى البزار عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: «لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا- ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال: أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ. ٦ - روى البخاري عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يوما فقال: «والذي نفسي بيده». ثلاث مرات. ثم أكب، فأكب، كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى. فكان أحب إلينا من حمر النعم. فقال: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له: ادخل بسلام». وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله: وما هن؟. قال: «الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».

стр. 1015

وقد اختلف الناس كثيرا في تفسير الكبائر، وعدها، وحدها، وكونها ذكرت في الحديث السابق سبعا لا يفيد الحصر، لأن لفظ الكبيرة قد ورد في أحاديث أخرى. وورد فيها غير السبع، فذكرت شهادة الزور على أنها من أكبر الكبائر، وذكر من الكبائر، اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله- والأمن من مكر الله، وذكر التعرب بعد الهجرة. وذكر عمر ﵁ في إحدى رسائله، أن من الكبائر، الجمع بين الصلاتين، والنهبة، وذكر في بعض الأحاديث، أن من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق. ومن الكبائر السبتان بالسبة. وذكر في بعض الأحاديث، أن من الكبائر عقوق الوالدين، واليمين الغموس. وقد ألفت كتب في الكبائر، وحدها، وعدها. فلتراجع. ومما يدل على أن الكبائر كثيرة، وهي أكثر مما ذكر في الحديث الأول: أنه لا يشك أحد في أن الزنا، والسرقة كبيرتان. ولم تدخلا في الحديث. ولذلك قال ابن عباس: (هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع). وقال مرة: (هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار) وإنا نسأل الله توبته، وإنا لنرجوا شفاعة رسولنا ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». رواه عبد الرزاق. وفي الصحيح شاهد لمعناه. وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة: «أترونها للمؤمنين المتقين؟. لا. ولكنها للخاطئين المتلوثين». ٧ - عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث؟. فنزلت الآية. أي قوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ .... وقال السدي في الآية: قال الرجال إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان. وقالت النساء: إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء. فإنا لا نستطيع أن نقاتل. ولو كتب علينا القتال لقاتلنا. فأبى الله ذلك. ولكن قال لهم: سلوني من فضلي ... وقال ابن عباس في الآية: ولا يتمنى الرجل، فيقول: ليت لو أن لي مال فلان، وأهله. فنهى الله عن ذلك. ولكن يسأل الله من فضله. ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ. روى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله. فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة،

стр. 1016

انتظار الفرج». ورواه ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله. فإن الله يحب أن يسأل. وإن أحب عباد الله إلى الله الذي يحب الفرج». ٩ - يرى بعضهم أن عقد مولى الموالاة المذكور في قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قد نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.* وبقي النصر، والرفادة، والنصيحة. ونقول: إن الذين أثبتوا الإرث بعقد الموالاة لا ينفون أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. ولكن يقولون: إذا لم يكن ورثة أصحاب فروض، أو عصبات، أو أرحام، فإن مولى الموالاة يرث. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً* وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. المعنى العام: يبين الله- في هذه الآيات أن الرجل هو القيم على المرأة، فهو رئيسها، والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت، وذلك لفضل الرجل على المرأة بالخصائص، ومن ثم كانت النبوة في الرجال، وكذلك الخلافة، وكذلك القضاء. ثم لكون الرجل هو المكلف بالمهر، والنفقة عليها؛ فالرجل في الجملة أفضل من المرأة، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، فالصالحات من النساء يعطين الطاعة لأزواجهن، ويحفظن أزواجهن في غيبتهم بما يوفقهن الله- لذلك. وإذ أعطى الله- حق الطاعة للرجل على المرأة، بين أن المرأة التي تترفع على زوجها، وتترك أمره، وتعرض عنه تستحق الوعظ، والتخويف من الله، ثم الهجر داخل البيت: إما بأن لا ينام معها، وهو معرض عنها، بأن يدير لها ظهره، ولا يكلمها، ولا يجامعها. وذلك عليها شديد. ثم إن لم ترجع إلى الطاعة، فقد أذن له أن يضربها ضربا غير مبرح. فإذا أطاعت زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها، ولا هجرانها. فإن الله العلي

стр. 1017

الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ظلمهن، وبغى عليهن. وبعد أن بين علاج حالة ما إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ذكر حالة ما إذا كان النفور من الزوجين وعلاجه، فإذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم. فإن تفاقم أمرهما، وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل ليجتمعا، فينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق- على خلاف بين الفقهاء في كونه للحكمين- أو التوفيق على إجماع. وندب الشارع إلى التوفيق. والله عليم بالنيات، والإرادات، خبير بالظلم من صاحبه. المعنى الحرفي: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. أي: الرجال يقومون على النساء آمرين، ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قواما لذلك. بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. أي: هذه القوامة والسيطرة بسبب تفضيل الله بعضهم، وهم الرجال، على بعض، وهم النساء، بالعقل، والحزم، والرأي، والقوة، ونوع العواطف المؤهلة للقوامة، والغزو، وكمال الصوم، والصلاة، والنبوة، والخلافة، والإمامة، والأذان، والخطبة، والجماعة، والجمعة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وتضعيف الميراث، والتعصيب فيه، وملك النكاح، والطلاق. وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى، والعمائم. إن الخصائص والصفات التي فضل الله بها الرجل على المرأة كأثر عن اختلاف الجسم والوظيفة، والتي ترتب عليها اختلاف في الأحكام هي سبب القوامة الأول. والسبب الثاني وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ. أي: وبسبب أن المهر والنفقة عليهم، وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ. أي: فالصالحات من النساء، مطيعات لأزواجهن، قائمات بما عليهن لهم. حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ. أي: حافظات لواجب الغيب. أي: حافظات لغيبة أزواجهن. أي: إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج، والبيوت، والأموال. ويدخل في ذلك حفظهن لأسرار أزواجهن في غيبتهم. بِما حَفِظَ اللَّهُ. أي:

стр. 1018

حفظهن للغيب، بسبب حفظ الله إياهن، وعصمتهن وتوفيقهن لحفظ الغيب، حيث صيرهن كذلك. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ. أي: واللاتي تخافون عصيانهن، وترفعهن عن طاعة الأزواج. فَعِظُوهُنَّ. هذا أول الدواء. أي: فخوفوهن عقوبة الله تعالى. والعظة، كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع النافرة. وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ. هذا ثاني الدواء، وهو الهجر في المضجع، أي المرقد. أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، وهو كناية عن الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع، إذ لم يأمر الله تعالى بهجرانهن عن المضاجع، بل قال: في المضاجع. فالهجر إذن يبقى داخل البيت، وفي الفراش. وَاضْرِبُوهُنَّ. هذا ثالث الدواء. أمر بالضرب، وقيدت السنة هذا الضرب بأن يكون غير مبرح، أي غير مؤثر. أي: ضربا رفيقا، لا يكسر فيها عضوا ولا يترك أثرا. أمر بوعظهن، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجح فيهن الوعظ والهجران. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. أي: فإن أعطين الطاعة، فلا تطلبوا لهن سبيلا لتتعرضوا لهن بالأذى. أي: فإن أطعنكم فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً: تذكير الله إيانا بصفتي العلو والعظمة في هذا المقام يفيد: أيها المؤمنون إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرة الله عليكم أعظم من قدرتكم عليهن، فاجتنبوا ظلمهن. أو: أيها المؤمنون إنكم تعصون الله على علو شأنه، وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون، فيتوب عليكم. فعليكم بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما. الخطاب لولاة المسلمين، وقضاتهم. والشقاق: العداوة والخلاف، والضمير للزوجين، ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. فصار المعنى: وإن خفتم أيها الولاة، والقضاة شقاقا بين زوجين فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. أي: فابعثوا من أهله رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما، وابعثوا من أهلها رجلا كذلك. وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إليهم، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. وما هي حدود صلاحية الحكمين؟ هل التوفيق فقط، أو التوفيق والتفريق. وإذا كان لهما التفريق، فما حدوده؟ قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين، إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر. وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع، وإن لم

стр. 1019

يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكى عن الجمهور، أنه ينفذ قولهما فيها أيضا من غير توكيل. قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة، أو بطلقتين، أو ثلاث، فعلا. وهو رواية عن مالك. ومذهب الحنفية: أن لهما الجمع لا التفريق. وسبب الاختلاف يعود إلى أن الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان، وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟. على قولين. والجمهور على الأول. وهو الجديد من مذهب الشافعي. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. الضمير في يريدا، للحكمين. وقيل للزوجين. والضمير في بينهما، للزوجين، وقيل للحكمين. والمعنى على الأول: إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. وإذا اعتبرنا الضميرين للحكمين، يكون المعنى: إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد، وإن اعتبرنا الضميرين للزوجين، كان المعنى: إن يريدا إصلاح ما بينهما، وطلبا الخير، وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة، ويبدلهما بالشقاق الوفاق، وبالبغضاء، المودة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً عليما بإرادة الحكمين، خبيرا بالظالم من الزوجين. فوائد: ١ - إن تجار السياسة في كثير من بلدان العالم يتاجرون في الأغلب في قضيتين: القضية الأولى: قضية الأموال. والقضية الثانية: قضية النساء. فباسم إعادة توزيع الملكية، أو إلغائها. وباسم حرية المرأة ومساواتها: يضلون ويضلون، مستغلين الجهل، أو الفسوق، أو عقدة النقص، أو مستثيرين الحقد. وفي هذا المقطع وضع للأمور في نصابها الصحيح. المال مال الله، لا يؤكل إلا بطريق مشروع. والرجال قوامون على النساء. ولا يصح للرجال أن يتمنوا ما أنعم الله به على بعضهم. ولا يصح للنساء أن يتمنين ما للرجال. ٢ - روى البخاري عن رسول الله ﷺ قوله: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وبعض أصحاب النظر القاصر، يستشكلون هذا خاصة في عصرنا الذي وصل فيه إلى رئاسة كثير من الدول، نساء. وكان لهن وزنهن. والجواب: أن العبرة

стр. 1020

عادة في مثل هذه الظروف، لكل النتائج التي تترتب على تصرفات المرأة الحاكمة. ليس على المدى القريب. بل على المدى القريب والبعيد. ٣ - قال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو أن زوجها لطمها فقال رسول الله ﷺ القصاص. فأنزل الله . الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الآية. فرجعت بغير قصاص. رواه ابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن جرير. وروى ابن جرير عن علي قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له. فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها، فأثر في وجهها. فقال رسول الله ﷺ : «ليس له ذلك». فأنزل الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. أي: في الأدب فقال رسول الله ﷺ : «أرادت أمرا، وأراد الله غيره». ٤ - روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النساء امرأة، إذا نظرت إليها، سرتك. وإذا أمرتها، أطاعتك. وإذا غبت عنها، حفظتك في نفسها، ومالك». قال ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ إلى آخرها. وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت». وقال رسول الله ﷺ : «ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها». وروى مسلم عن رسول الله ﷺ : «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح». وفي رواية البخاري: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح». ٥ - في السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله: ما حق امرأة أحدنا عليه؟. قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت». وقال ﷺ في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح.
следующие страницы →