لأنه لم يعثر عند تأليفه على تدوين في ذلك (١).
أما في الوصايا في الركوب: فما علمنا به ألبتَّة.
وأما في الضرب بالسيف وما في معناه: فكذلك، وأعلم الناس به بعد المغاربة أهل كيلان والبغادِدَة؛ لأنهم يحسنون الثقاف المخلص، ولأهل كيلان فيه يد، وكذلك في المطبر.
وأما العمل بالرمح: فقد رأينا فيه تأليفات في تعيين بنوده، وأحكام الطعن والتبطيل إنما يؤخذ عملًا.
وأيضًا فعند ملاقاة الخصوم تلوح للفرسان فرص قدر كونها لا تعلم فتحصر بالوصية.
وأيضًا فلم يذكر ﵁ من أحكام الحروب التي تنصب لأجلها شيئًا ألبتة، وقد أثبثُّ فيها في كتابنا الذي وسمناه بـ "فرج المكروب في مدارات الحروب" ما يفتح الباب (٢)، والتبحّر فيه، فالشيء بالشيء يذكر.
وبالجملة فشكر الله تعالى سعيه، فلو لم يحقق العالم من فنّ إلا مسألة مقررة فيها تحصيلًا … (٣) فكيف بما أورد ﵁، وبالله
_________
(١) ويحتمل أنَّه لم يذكره لِبُعْدِهِ عن مكتبته العامرة، أو رأى عدم دخول ذلك هنا، أو غير ذلك.
(٢) هنا كلمة لم أتبينها.
(٣) هنا كلمة لم تظهر لي.
стр. 37
تعالى التوفيق".
٣ - وقال في (ص/ ٧٦) ما نصُّه:
"أقول: أما عمله في اليمين والشمال ووراء وأمام وفوق فحق، فأما عمله في الأسفل فغير محقق؛ إلا أن يذهب السهم في الأرض، ولعل الشيخ إنما حمله على ذلك: ذكر السفل مع العلو، واليمين مع الشمال، وإن أراد بالسفل الرمي على الاستواء فقوله [أمام] يعطي ذلك، وعذر الشيخ مبسوط لعدم مباشرته لما ألَّف فيه، وعدم اختلاطه بالعلماء المباشرين له وبالله تعالى التوفيق".
٤ - وقال في (ص/ ٧٧) ما نصُّه:
"أقول: وليس هذا على ظاهره، لأنا نجزم بأن الرمي ليس بمساوٍ لفريضة الصلاة حتى تُتْرك له، وإنما المعنى: أن الوقت إذا حضر للصلاة وهم في النضال أتمُّوا وصلُّوا، فلو كان النضال وهم في آخر الوقت، فالحقُّ أنهم مخاطبون بترك النضال".
٥ - وقال في (ص/ ٧٧) ما نصّه:
"أقول: وما عدده الشيخ من وجوهه العشرين يأتي عليه هذا، وهو ظاهر".
٦ - وقال في (ص/ ٨٤) ما نصُّه:
"أقول: ومن حق هذا التأصيل أن يكون مقدمًا في صدر التأليف، فإنَّه مما يُبنى عليه وينقاد إليه، فاعلمه".
стр. 38
٧ - وقال في (ص/ ١٦٦) ما نصُّه:
"أقول: … ، ولخصمك أن يقول: إنما يطلب الحق من الأدلة الراجعة إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، أو إلى إجماع متيقن، وغاية ما أوردته على خصمك ينازعك فيه، وكيف تسمِّي قول خصمك شاذًّا وأنت قررت فيه موردًا ما أثبت، وهل رجح لديك أن الصواب ما علمت، فمن أين لك أنك [لن] (١) تعثر على ما ينقضه عليك، أو يأتي به سواك.
وأيضًا فلو قال لك معترض إن كل ما [أوردته] في هذه الفصول، وفيما قبلها هو من وظيفة الفقيه المعلم للأمور الشرعية في هذه المسائل الفرعيَّة النظرية، وأنت إنما بنَيْت [الكتاب على] تعليم الفروسية الشرعية، وهذه إنما هي مسائل فقهية، فأنَّى ساغ أن تجعلها فروسية لتعلقها بأمورٍ حرام، فأين أحكام المغانم [ومسائل] قسم الفيء، فهو أيضًا بهذا النظر لازم، وتتعدد هذه المطلوبات.
وقد جعلتُ لهذا الكتاب فهرستًا، ذكرت فيه جملة، ونبهتُ ثم على [أمور] توضح هذا، وهو لازم.
والكتاب على ما اشتمل عليه من الفوائد قليل الحظّ من الفوائد الحربية، ومن نظر كتابنا الذي وسمناه بـ "فرج المكروب في أحكام الحروب ومعاناتها ولوازمها وما يسوء بأمرها" علم يقينًا أن هذا الكتاب أن يسمى "أحكام الفروسية" أولى به من أن يعلم الفروسية أو يدل
_________
(١) جميع ما بين المعقوفتين لم تظهر في التصوير، وأثبتُّ ما رأيته مناسبًا.
стр. 39
عليها، أو يذكر أسبابها، والذي يظهر من شأنه ﵁ أنَّه ضمَّ إلى كتابه في أحكام رماية السهم ما يتعلق بذلك من مسائل الفقه التي اختلفت الناس فيها، وسنبينه عند انقضاء كلامه في هذه المسائل [التي] (١) ابتدأ بالكلام في العمل.
وبالجملة فقد ترك اللازم قريبًا، وتعلق بلازمٍ أبعد، فإن جانب الفروسية إنما تلزم بيان ما تولَّت هي [فعله]، وذلك يرجح ميزان طلبه، أعني: في كيفية العمل بها في الحروب، وما أورده الشيخ هو وصفة الفقيه المبيّن حكم ما إذا نَقَل مَنْ له بالصِّناعة [فَهْم عن] غيره فعلًا على نهجٍ شرعيٍّ، ما الحكم فيه؟
وهذا إنما يتمُّ بعْد إحكامه وصْفًا، ثم إذا قام به، وتلبَّس بعمل بنصَّ الشرع بعد تحكُّم، وذاك أمر زائد على العِلْم بالصناعة، ونحن نرى في آخره أن الفروسية إنما هي طلب الظَّفَر على وجهٍ سائغ، وبالله تعالى التوفيق".
٨ - وقال في (ص/ ١٧٦) ما نصه:
"أقول: فتح الشيخ الاحتجاج بالذوق ليس بجيد (٢)، وما ينتج منه ظاهر".
٩ - وقال في (ص/ ١٧٦) ما نصُّه:
_________
(١) جميع ما بين المعقوفتين لم تظهر في التصوير، وأثبتُّ ما رأيته مناسبًا.
(٢) قلت: لم يفتح المؤلف الاحتجاج بالذوق، وإنما الناسخ ليس من أهل هذا الفن - أعني علم نقد الأحاديث وتعليلها - فظنه كذلك.
стр. 40
"أقول: وفي هذا أيضًا مقال، وإذا لم تستو الأذواق فبم تقوم الحجة على الخصم، وانفراد الخصم بدعوى الذوق وخصمه ينازعه بالحجة فيه، اللهم إلا أن يكون هذا الذوق بيانه وظهوره يحمل عند سامعه كالذي عند [الخصم] الأوّل القائل، وبالجملة فكان ترك هذا الذي ختم به الفصل أولى (١) وبالله تعالى التوفيق".
١٠ - وقال في (ص/ ١٧٨) ما نصُّه:
"أقول: ابن اسحاق روى له مسلم في غير موضع" (٢)!
١١ - وقال في (ص/ ٢٠٨) ما نصُّه:
"أقول: وبعض هذا الإسهاب في هذا الباب معني لأول الباب، وعلى ما أوردته مناقشات كثيرة تركناها لظهورها للمتدبر، وبالله تعالى التوفيق".
١٢ - وقال في (ص/ ٢١٠) ما نصُّه:
"أقول: ..... وهذا التأليف [أن يكون] كتاب فقه أولى به من أن يكون كتاب فروسية، وبالله تعالى التوفيق".
١٣ - وقال في (ص/ ٢٢٥) ما نصُّه:
"أقول: … كل ما قررته بالنسبة إلى تعليم الأعمال [الحربية]
_________
(١) بل ما ذكره المؤلف أولى، وعذر الناسخ أنَّه ليس من أهل الفن.
(٢) كلها في المتابعات، وهذا يدل على أن الناسخ ليس من أهل هذا الفن.
стр. 41
الفروسية العملية غير متعلق بالأمر العملي. وأيضًا فلو أن الكتاب قد أوردته بتقرير هذه المسائل وتحقيق الصواب فيها (١) صحة الدليل كنت أيضًا قد فعلت بما لا يليق من هذا النحو إلا بمبسوط المؤلَّفات بتعليم الفروسية، وإنما الذي يبديه في ترجيح ما يراه صوابًا في المسألة التي تتعلّق ببحث جرى، هل يجوّز الشرع [مع] الرهان أم لا، وقد أضربت عن تعليم الأبضاع التي بها إذا أتقنت على ما قررها أهلها ساغ منها بالقيام بذلك (٢) غير عالم بكيفية العمل بالصناعة، فكيف يسوغ له الرهان، وهب أن الأمر في اللزوم على ما (٣) وهو على غير ذلك مع الصحيح من المذهب الذي تراه باختصار ملائم، وبالله تعالى التوفيق".
١٤ - وقال في (ص/ ٣١٢) ما نصُّه:
"أقول: لكل حسن شيء ما يشينه، وإنما شان هذا التأليف طول هذا التكليف عن هذه المبرمات مما لا يتعلق بالعمل الحربي ولا بالفروسية العملية، وقد قدمنا عنه أنَّه أسهب وأطال فمثل (٤) هذا من وظيفة الفقيه أو طالب فقه هذه الأعمال، أما نفس الفروسية فهي الشيء الذي إذا عمل على أوضاع تغير منها هذه الأحكام وغيرها.
أما نفس ما يقوم به ذلك العمل فهو: أعني حكمه اللازم شرعًا،
_________
(١) كلمة لم أتبينها، وتحتمل (مع بيان).
(٢) هنا ثلاث كلمات لم أتبينها.
(٣) هنا كلمة لم تتضح لي.
(٤) في الأصل (مثل أن).
стр. 42
فتعيَّن أن حُكمَ عِلْم الشيء الوضعي غيرُ حكمه بعد علمه، وذلك الحكم بعد علمه يتوقف على مسوّغه الشرعي أو العقلي، وقد كان يغني عنه إن كان لا بد له من وضع تعليمي شرعي في هذا التأليف، فليكن بقدر الحاجة الداعية إلى ذلك فإن من وقف على كتاب فقه في هذه المسائل لم يجدها اشتملت على مجموع ما ضم فيه من هذه المسائل الشرعية، وكان الأولى بالتأليف أن يكون هذا الإسهاب في كيفية العمل بأوضاع الفروسية، وقد كان مع هذا تام (١) فلِلتأليف في كل فن حكم هو حذقه، والوقوف عنده في التأليف أنسب، وبالله تعالى التوفيق".
١٥ - وقال في (ص/ ٣٩٤) ما نصُّه:
"أقول: قد كان الحكم للبحث النظري، وكنا نقول لجنابك: إن هذا من وظيفة المفتي المسؤول عن حكم المسألة علمًا، وكنا نقول: إن الأليق بما وضعت له التأليف القول في العلم العملي الحربي، وقد برحنا مما لا يعني العامل للفروسية، والمقصد الأقصى منه تعليمها، وأما الاختلاف في أحكام ذلك من العلوم (٢) فشيء من حقِّه إلى الفقيه القائم بذلك، وذكرنا أن الذي وضعت له الكتاب إنما هو الفروسية ولم يعلم منها فيما يعني شيئًا.
وبالجملة فقد أوردت ما يقرب من مئة فصل لا تعلّق لها بشيء من
_________
(١) رسمها في الأصل محتمل.
(٢) قوله (من المعلوم)، وقع في الأصل (المعلوم)، ولعل الصواب ما أثبته.
стр. 43
العمل الحربي ألبتة، وبعد ذلك أنشأت في ذلك المفاخرة بين القوسين بألفاظ كان اللائق بالقائم بالبلاغة ترك إيرادها، فإنها … غير قائمة على ساق البرهان، وإنها مع ذلك عريت عن تقليد يخبر قائله عن أمر لا يصح إلا بوحي من المعصوم، … فما الذي دعاك إلى الاحتجاج بما لا تراه حجة بدون (١) ذلك؟ - هذا الموْرَد في شريعتك - فكيف بأمرٍ أتى عليه آلاف من السنين، وأنت لا تجعل مثله حجة مع قرب العهد.
وأيضًا فإنَّ قوس اليد لمن هو على ظهر نسرين طائرين يطيران به إلى الجوّ علوًا أرمى من قوس الرجل، لما في ذلك من المشقة على من حاله حال راكب على تابوت على ظهر نسرين، لا بد له من مدّ رجله ليؤيّد سهمه في محله، ثم يرمي به، فلله عاقبة الأمور.
وقد أوردت أن القوس المحمود أنزلها الله تعالى على آدم ومعها الوتر، وأنزل سهمين، وقررت أن قوس الرجل من موضوع نمرود! أو علمت أن علم القوس المحمودة لديك صار إلى إبراهيم ثم إلى إسماعيل، أفتراه كان علم قوس اليد كان مدخورًا عند إبراهيم لم يكن عند غيره لأنه قاله بوحي كوحي الله تعالى، فالقوس المذكورة لآدم، أو كان علم ذلك شائعًا، فإن جنحت إلى الاختصاص طولبت بدليله النقلي، وما أعزُّه عليك وإن ملت إلى إذاعة علم تلك القوس، فما الذي أدى نمرود إلى تكلف حملها مع نقلها كما قلت كنصف طاحون معه في الجو وترك الأخفّ مع شياعه في الناس حينئذ؟ ما أوهى ما
_________
(١) في الأصل (بدور).
стр. 44
أسندت إليه في نصرة ما رجّحته، وهب أنَّه كان راجحًا فما زاده ترجيحك إياه بهذا الاستدلال إلا ضعفًا، يغفر الله لنا ولك، وبالله تعالى التوفيق.
وقد قلنا: إنك - رحمك الله تعالى - أضفت إلى كتاب الطبري في الرماية ما استطعته من المسائل التي ذكرها العلماء في ذلك من أحكام تتعلّق بالرماة، وعن قريب أخذتَ بذكر تعليم الرماية، وبذكر القسي ونعوتها = ذكر أجنبي من الفن فلله تعالى عاقبة الأمور.
والذي يتعلق بالفروسية إذا أفردناه على العدل ينحصر في قدر أربعين قائمة فقط، ومن تدبَّر هذا بأوّل نظرة وجده ظاهرًا، وبالله تعالى نتأيَّد به".
١٦ - وقال في (ص/ ٤٧٣) ما نصّه:
"أقول: ربما يرى من ينظر في أثناء فصوله ما أثبتُّه ثمَّ، فلم أُرد إلا الخير مطلقًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، وقد اجتهد ﵁ بمبلغ علمه، ولم يقصد إلا الخير، وقد صح أن المجتهد إذا أصاب أحرز أجرين، وإذا أخطأ أحرز أجرًا واحدًا، نسأل الله تعالى لنا ولَهُ الخير، ولعل من يقف على هذا التأليف لهذا الإمام، ويعتبر وضعه وما أخلَّ (١) فيه ما لا ينبغي الإخلال به، مما قد نبّهنا عليه في فهرست الكتاب، الذي جعلناه صدرًا وفي أثناء فصول منه، فقد كررنا أنَّه لم يرد إلا الخير، وهذه قدر
_________
(١) في الأصل (أخلى)، والمثبت هو الصواب.
стр. 45
استطاعته في هذا الشأن، فربما أدّى (١) ما ذكرته بعض من لم ير من كلام هذا الإمام العالم إلا هذا الكتاب = إلى حطّ مرتبته، فليس الأمر كذلك، فالمذكور أحد الأئمة الأعلام في فنون العلم، وعليك بمؤلّفاته في فنون النظريات: شرعية وعقلية، وقد سارت بها الركبان، وتهافت على تحصيلها حذاق أهل الزمان، والحسن مطلوب في كل وقت، فلا يزال كلام هذا العالم يطلبه الموافق والمخالف، والحق مُعْرِب عن نفسه، ﵁، وشكر سعيه، ورفع في الصالحين درجته، ونفعه بما قدمه، وجعلنا ممن يقول الحق ويعمل به، قاصدين بذلك ما عند الله تعالى … ".
٩ - مطبوعات الكتاب:
١ - القاهرة: مطبعة الأنوار، (١٣٦٠ هـ/ ١٩٤١ م) - بعناية/ عزَّت العطاء الحسيني وتقع في (١٣٤) صفحة. (ط الأولى).
- الطبعة الثانية: نشر مكتبة الخانجي، (١٤١٤ هـ)، بعناية/ عزت العطار الحسيني وتقع في (١٣٤) صفحة.
٢ - بيروت: دار الكتب العلمية، (١٩٧٠ م)، وتقع في (١٧٦) صفحة.
٣ - القاهرة: مكتبة عاطف، (١٩٧٨ م)، وتقع في (١٨٤) صفحة.
_________
(١) في الأصل (أذي)، والمثبت هو الصواب.
стр. 46
٤ - المدينة النبوية: مكتبة دار التراث (١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م)، تحقيق/ محمَّد نظام الدين الفتح، وتقع في (٣٣٥) صفحة. (ط الأولى).
٥ - حائل: دار الأندلس.
- ط الأولى: (١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م)، تحقيق/ مشهور بن حسن بن محمود بن سلمان، وتقع في (٥٢٨) صفحة.
- ط الثانية: (١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م) وتقع في (٥٢٨) صفحة.
٦ - القاهرة: دار الآثار للنشر والتوزيع.
- ط الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م)، تحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن سعد، في (٢٧٠) صفحة.
стр. 47
١٠ - وصف النسخ المعتمدة في التحقيق:
اعتمدت في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ: اثنتين منها خطيَّة، والثالثة: هي الطبعة الثانية.، التي قام بتصحيحها: عزَّت العطار الحسيني.
١ - النسخة الظاهرية (ظ):
وهي محفوظة في المكتبة الظاهرية ومنه مصورة في الجامعة الإسلامية بالمدينة برقم (٣٢٨)، ويقع هذا الكتاب ضمن هذا المجلد من (٣٤٨ ق - ٤٤٩ ق) ضمن كتاب "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" لأبي الحسن علي بن الحسين بن عروة الدمشقي الحنبلي المعروف "بابن زكنون" (١) المتوفى في سنة ٨٣٧ هـ.
وتقع هذه النسخة في (١٠٠) صفحة مع تعليقات الناسخ، وخطّها واضح مقروء في الغالب ويخلو أحيانًا من النقط.
وقد كتبت هذه النسخة عام ٨٣٠ هـ، بخط يوسف بن أحمد المعروف (بابن سليماناه) (٢).
_________
(١) انظر ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي (٥/ ٢١٤)، والجوهر المنضد لابن المبرد (ص/ ٩٥ - ٩٩)، ثم (١٠٨)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٢٢)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٧٣٥) وفيه أنه رأى هذا الكتاب عام ١٢٨١ هـ وهو وقف على مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي، ويقع في (١٢٧) مجلدًا.
(٢) لم أقف على ترجمته إلى الآن، ويظهر من خلال تعليقاته وتعقّباته على =
стр. 48
وتمتاز هذه النسخة بما يلي:
١ - قدم تاريخها، حيث كتبت بعد وفاة ابن القيم بحوالي (٧٩) سنة.
٢ - انفرادها بزيادات عديدة ما بين الكلمة الواحدة إلى الصفحة فأكثر كما هو مبيَّن في حاشية الكتاب، انظر (ص/١١٢ - ١١٣، ١٦٥).
٣ - قام الناسخ بالتعليق على كلام المؤلف، وإحصاء فصول الكتاب فبلغت (١٦٥) فصلًا، وقد قمت بوضع علامة (*) في هذا الكتاب، في نهاية الفصل المتعقب على المؤلف.
_________
= المؤلف: أنه عالم، وله باع ومعرفة ودراية في الفروسية والحروب والقتال، وله كتاب "فرج المكروب في أحكام الحروب ومعاناتها، ومداراتها، وما يسوء بأمرها" وغيره.
وتلك التعليقات على النسخة، ظهر لي أنها ليوسف بن أحمد هذا، وليس "لابن زكنون" وذلك لعدة أمور منها:
١ - أن ابن زكنون لم يُوصف في ترجمته أنه شارك في شيء من الحروب والقتال، أو له دراية ومعرفة بها، بخلاف يوسف بن أحمد هذا.
٢ - أنه لم يذكر أحدًا ممن ترجم "لابن زكنون" - فيما اطلعت عليه - أن له كتاب "فرج المكروب في أحكام الحروب … ".
٣ - أن أسلوب هذه التعقبات والردود فيها شيء من الجفاء والشدَّة، فهي أشبه بكلام يوسف بن أحمد الذي له باع ومعرفة بالحروب والقتال، ولا تشبه كلام ابن زكنون الذي وصف بالزهد والانقطاع إلى العبادة.
٤ - ورود هذه التعقبات مصدرةً بقوله: "أقول: … " وهذا نص في أنه من كلام الناسخ، لا من كلام ابن زكنون.
стр. 49
٤ - أنها مقابلة على نسخة أخرى رمز لها الناسخ بـ (خـ)، ويضع علامة المقابلة كـ (بلغ)، والدائرة المنقوطة من الداخل.
٢ - نسخة حائل:
وهي محفوظة في مكتبة الشيخ/ علي بن يعقوب.
وهذه النسخة تقع في (٢٠٧) صفحة، وخطها نسخي معتاد واضح، وكان الفراغ من نسخها في ٢٠/ ٩/ ١٣١٨ هـ، وناسخها: إبراهيم بن محمد بن عمر بن سليم (١).
ولم يشر الناسخ إلى الأصل الذي كتب عنه هذه النسخة.
وتتميَّز هذه النسخة بما يلي:
١ - أنها مقابلة على نسخة أخرى كما في (ق ٦٣، ق ٩٠).
٢ - ما كان في النص من ألفاظ أو عبارات مشكلة يكتب عليها (كذا) كما في (ق ٣٦، ق ٨٩، ق ٩٠).
٣ - عليها تصويبات عديدة كما في (ق ٣٥، ق ٤١، ق ٤٤، ق ٤٧، ق ٥٥، ق ١٠٨). وغيرها.
_________
(١) العالم العابد الزاهد، ولد في بريدة عام ١٢٧٨ هـ كتب بخطِّه كثيرًا من كتب العلم، وتولّى الإمامة بعد أبيه، وكان يحفظ عمدة الفقه وزاد المستقنع ويكتبهما عن ظهر قلب فلا يكاد يخطيء، توفي عام ١٣٥١ هـ.
انظر: "علماء آل سُليم وتلميذهم وعلماء القصيم" تأليف: صالح العُمري (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، وعلماء نجد (٦/ ٣٤٠).
стр. 50
٣ - النسخة المطبوعة (مط):
وهي المطبوعة بتصحيح السيد عزَّت العطار الحسيني، وقد طبعت على نفقة عزت العطار ومحمود سكر، ط الثانية - مكتبة الخانجي سنة ١٤١٤ هـ. وقد ذكر عزت العطار أنه عثر على هذه النسخة بطريق المصادفة عند أحد الورَّاقين، مكتوبة بخط مقروء ومفهوم، يرجع تاريخ كتابتها إلى القرن التاسع من الهجرة.
ثم قابلها على نسخة أخرى عند الشيخ محمد نصيف (١).
_________
(١) وهي نسخة حائل.
* وهناك نسخة خطية في المتحف العراقي باسم "الفروسية المحمدية" رقم (٨٨٢٢) وتقع في (١٥) صفحة، وأوَّلها موافق لما في هذا الكتاب وهو (الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحق … ).
ويظهر أنها قطعة من هذا الكتاب.
انظر مجلة المورد العراقية (م ٤/ ع ١/ ص ١٨٣) رقم (١٠٧).
* وهناك نسخة في الآصفية - بحيدر أباد - بالهند [٣/ ٤٣٦] (٧٦٩) بعنوان "السبق والرمي"، منسوبة لابن القيم، ولم نطلع عليها.
* وهناك نسخة بكوبريللي - في استانبول - بتركيا بعنوان "الفروسية" في مجموع رقم (١٣٦٢).
وقد اتَّضح بعد إحضارها والاطلاع على الفهرس التفصيلي للمكتبة الذي أعدَّه: رمضان ششن، وجواد أيزكي، وجميل أفيكار (٢/ ٩٢ - ٩٣): أن هذا الكتاب ليعقوب بن أخي حزام. وهذا الكتاب له عدَّة نسخ في الأزهرية رقم (٦٣٣)، وفي تشستربيتي وغيرها.
* وهناك النسخة التيمورية، بدار الكتب المصرية، ضمن مجاميع تيمور باشا وقد طبعت أخيرًا بتحقيق عادل بن سعد، راجع (ص/ ٥٠).
стр. 51
١١ - المنهج في تحقيق الكتاب:
١ - إثبات الفروق المهمة، بعد مقابلة النص على النسختين الخطيتين والمطبوعة بمكتبة الخانجي.
٢ - إنزال أرقام النسختين: الظاهرية (ظ)، وحائل (ح) داخل النص، ووضعهما بين معقوفتين، مع الإشارة إلى مواضع تعليق ناسخ (ظ) على كلام المؤلف بوضع علامة النجمة (*).
٣ - عزو المسائل الواردة في النص إلى مصادرها من كتب المذاهب الأربعة.
٤ - توضيح بعض الكلمات الغريبة من كتب اللغة.
٥ - توثيق النقول التي أوردها المؤلف قدر الإمكان.
٦ - تخريج الأحاديث والآثار، والحكم عليها.
٧ - وضع فهارس علمية تشتمل على الفهارس اللفظية، والفهارس التفصيلية.
стр. 52
١٢ - نماذج من النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في التحقيق
стр. 53
الورقة الأولى من النسخة الظاهرية (ظ)
стр. 54
الورقة الأخيرة من النسخة الظاهرية (ظ)
стр. 55
عنوان الكتاب من النسخة الحائلية (ح)
стр. 56
الورقة الأولى من النسخة الحائلية (ح)
стр. 57
الورقة (٧٠) من النسخة الحائلية (ح)
стр. 58
الورقة الأخيرة من النسخة الحائلية (ح)
стр. 59
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخُ الفقيهُ العالمُ الحافظُ شمسُ الدين، أبو عبد الله بن (١) أبي بكر بن أيُّوب الزُّرعي (٢)، الشَّهير بابن قيِّم الجَوْزِيَّة ﵁، وغفر له، وأعلا في الجنة درجته، آمين.
الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظْهِرَه على جميع الأديان، وأيَّده بالآيات الظَّاهرة والمعجزات (٣) الباهرة ومن أعظمِها القرآن، وأمدَّه بملائكةِ السَّماءِ تُقاتِل بين يديه مقاتَلَةَ الفُرْسَان، ونصرَهُ بريحِ الصَّبَا تُحارِب عنه أهل الزَّيغْ والعُدْوان، كما نصره بالرُّعب، وقذفه في قلوبِ أعدائه وبَيْنَه وبَيْنَهُم مسِيْرةُ شهرٍ من الزَّمان، وأقامَ له جنودًا من المهاجرين والأنصار تُقَاتلُ معه بالسَّيف والسَّهم
стр. 60
والسِّنان، وتصاول بين يديه (١) في ميادين السباق تصاول (٢) الأقران، وتبذل (٣) في نصرته من نفوسها وأموالها نفائِسَ الأثمان، تسليمًا للمَبِيع الذي جرى عقده على يدي الصادق المصدوق، والتزم للبائع الضمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، وتبارك الذي أرسل رسله بالبيِّنات وأنزلَ معهم الكتاب والميزان، وأنزلَ الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ومنافعُ للناس بها تتمُّ (٤) مصالح الإنسان، وعلَّم الفروسيَّةَ وجعل الشجاعةَ خُلُقًا فاضلًا يختصُّ به من يشاء، وكمَّلَهُ لحزبه وأنصاره (٥) أهل الإيمان، فأوجب محبته للجواد الشجاع، ومقته للبخيل الجبان (٦).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له رب الأولين والآخرين، وإله العالمين (٧)، وقيُّوم السماوات والأرضين، الذي أفاض على خلقه النِّعمة، وكتب على نَفْسهِ الرحمة، وضَمَّنَ الكتاب الذي كتبه: أنَّ
стр. 61
رحمته تغْلب غضبه، تعرَّف إلى عباده بأوصافه وأفعاله وأسمائه، وتحبَّب إليهم بِنِعَمِهِ (١) وآلائه، وابتدأهم بإحسانه وعطائه، فهو المحسنُ إليهم والمجازي على إحسانه بالإِحسان، فله النعمةُ والفضلُ والثناءُ الحسنُ الجميلُ والامتنان، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُهُ على وحْيِهِ، وخيرتُهُ من خلقِه، وسفيْرُهُ بينه وبين عباده، وحجَّتُهُ على جميع الإنس والجانِّ، أرسلَه على حينِ فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطُّرق وأبْيَن السُّبل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّته وتعظيمه والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى الجنة جميع الطرق؛ فلم يفتح لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح الله له صدرَه، ورفعَ له ذِكرَه، ووضعَ عنه وِزْرَه، وبعثه بالكتاب الهادي والسّيف الناصر بين يدي الساعة حتى يُعْبَد سبحانه وحده لا شريك له، وجعل رزقه تحت ظلِّ سيفه ورمحه، وجعل الذِّلَّة والصغار على مَن قابل أمره بالمخالفة والعصيان، وأنزل عليه من الكتب أجلَّها، ومن الشرائع أكملها، ومن الأمم أفضلَها، وهم يوفّون سبعين أمَّة هم خيرها وأكرمها على الرحمن، وخصَّه من الأخلاق بأزكاها، ومن مراتب الكمالِ بأعلاها، وجمع له من المحاسن ما فرَّقه في نوع الإنسان، فهو أكمل الناس خَلْقًا، وأحسنهم خُلُقًا، وأشجعهم قلبًا، وأجودهم كفًّا، وألينهم عريكةً، وأوسعهم صدرًا، وألطفهم عِشْرةً، وأفصحهم لسانًا، وأثبتهم جنانًا، وأشرفهم بيتًا ونسبًا.
стр. 62
فهو مُحَمَّدُ بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالِك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَد بن عدنان.
فصلى الله تعالى وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه والصالحون من خلقه عليه، كما عرَّفنا بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ووحَّده ودعا إليه، وآتاه الوسيلة والفضيلة، وبعثه المقام المحمود الذي وعده به في الفرقان (١)، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن الله تعالى أقام دين الإسلام بالحجَّة والبرهان، والسَّيف والسِّنان، فكلاهما في نصره أخوان شقيقان، وكلاهما شجيع (٢) لا يتمُّ إلا بشجاعة القلب وثبات الجَنان، وهذه المنزلةُ الشَّريفةُ والمرتبةُ المنيفةُ محرَّمة على كل مهين جبان، كما حُرِّمَت عليه المسرَّة والأفراح، وأُحْضِر قلبُهُ الهمومَ والغمومَ والمخاوفَ والأحزان، فهو يحسب أنّ كل صيحة عليه، وكلَّ مصيبة قاصدة إليه، فقلبُه بالهمِّ مغموم (٣) بهذا الظن والحُسْبان.
стр. 63
وقد عُلِمَ أنَّ الفروسيَّة والشجاعة نوعان: فأكملها لأهل الدِّين والإيمان، والنوع الثاني: مورد (١) مشتركٌ بين الشُّجعان.
وهذا مختصرٌ في الفروسيَّة الشرعيَّة النبويَّة التي هي من أشرف عبادات القلوب والأبدان، الحاملة لأهلها على نصرة (٢) الرَّحمن، السائقة لهم إلى أعلى غُرفات الجنان، علَّقته على بُعدٍ من الأوطان واغترابٍ عن الأصحاب والإخوانَ، وقلَّة بضاعة في هذا الشَّان، فما كان فيه من صواب؛ فمن الله وتفضله (٣) وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ؛ فمنِّي (٤) ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. فأقول - وبالله تعالى المستعان، وعليه التُّكلان -:
ثبتَ عن النبي ﷺ أنه سابَقَ بالأقدام، وثَبتَ عنه أنه سابَقَ بين الإبل، وثَبتَ عنه أنه سابَقَ بين الخيل، وثَبتَ عنه أنه حضر نضال السهام، وصار مع إحدى الطائفتين، فأمسكت الأخرى، وصار مع الطَّائفتين (٥) كلتيهما، وثَبتَ عنه أنه رمى بالقوس، وثَبتَ عن الصِّدِّيق أنَّه راهن كفار مكَّة على غلبة الرُّوم للفرس (٦)، وراهنوه على أنّ ذلك لا
стр. 64
يكون (١)، ووضعوا الخَطَرَ من الجانبين، وكان ذلك بعلم من (٢) النبيِّ ﷺ وإذنه، وثبت عنه ﷺ أنه طعن بالرُّمح، وركب الخيل مُعرَّاة ومسرجه (٣)، وتقلَّد السيف.
فأما مسابقتُه بالأقدام:
ففي "مسند الإمام أحمد"، و"سنن أبي داود" من حديث عائشة؛ قالت: "سابقني النبيُّ ﷺ فسبقتُه، فلَبِثْنا حتى إذا أرهَقَني اللحمُ؛ سابقني فسبَقَني، فقالَ: "هذه بتلك" (٤).
стр. 65
وفي رواية أخرى (١): أنهم كانوا في سفر، فقال النبي ﷺ لأصحابه: "تقدَّموا"، فتقدَّموا، ثم قال لعائشة: "سابِقيْني"، فسابَقَها فسبقتْهُ، ثم سافرتْ معهُ مرَّة أُخرى، فقال لأصحابِه: "تقدَّموا"، ثم قال: "سابقِيْني"، فسبقها (٢) فقال: "هذه بتلك".
وتسابق الصحابة على الأقدام بين يديه ﷺ بغير رهانٍ:
ففي "صحيح مسلم" (٣) عن سلمة بن الأكوع قال: "بينما نحنُ نسير، وكان رجلٌ من الأنصار لا يُسْبَقُ شَدًّا (٤)، فجعلَ يقول: ألا مسابقٌ إلى المدينة؟ هل مِن مسابقٍ (٥)؟ فقلتُ: أما تكْرِم كريمًا وتهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله ﷺ ، قال: قلتُ: يا رسول الله! بأبي أنت وأُمِّي، ذَرْني فلأسابق (٦) الرجل، فقالَ: "إن شئتَ"، فسبقتُه إلى المدينة".
стр. 66
فصل
وأما مصارعتُه ﷺ :
ففي "سنن أبي داود" (١) عن محمد بن علي بن ركانة: "أن ركانةَ صارع النبي ﷺ ، فصرعهُ النبيُّ ﷺ ".
وهذا الحديث فيه قصة نذكرها: أخبرنا شيخُنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب "تهذيب الكمال" (٢) قال: "ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المُطَّلب بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلَاب بن مرَّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب القُرَشي المُطَّلبي، كان من مُسْلِمة الفتح، وهو الذي صارَعَ النبي ﷺ ، فصَرَعَهُ النبي ﷺ مرتين أو ثلاثًا، وذلك قبل إسلامه. وقيل:
стр. 67
إنّ (١) ذلك كان سبب إسلامه، وهو أمثل ما رُوِي في مصارعة النبي ﷺ . وأما ما ذُكِرَ من مصارعة النبي ﷺ أبا جهل فليس لذلك أصل". انتهى كلام شيخنا.
وقال الزُّبير بن بكَّار في كتاب "النَّسب" (٢):
"ورُكانة بن عبد يزيد الذي صارع النبي ﷺ بمكَّة قبل الإسلام، وكان أشدَّ الناس، فقال: يا محمَّد! إن صَرَعْتَني آمنتُ بك، فصرعَهُ رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد إنَّك ساحرٌ، ثم أسْلَمَ بَعْدُ".
فصل
وأما (٣) مسابقتُه ﷺ بين الخيل:
ففي "الصحيحين" (٤) من حديث ابن عُمر قال: "سابَقَ رسول الله
стр. 68
ﷺ بين الخيل، فأُرسلتِ التي ضُمِّرت منها، وأمَدُها الحَفْياء إلى ثَنِيَّة الوداع، والتي لم تُضَمَّر أمَدُها ثنيَّة الوداع إلى مسجد بني زُرَيق".
وفي "الصحيحين" (١) عن موسى بن عُقبة: "أنَّ بين الحَفْياء إلى ثنيَّةِ الوداع ستَّة أميال أو سبعة".
وقال البخاري (٢): "قال سفيانُ: بين الحَفْياء إلى ثنيَّة الوداع خمسة أميال أو ستَّة، ومن ثنيَّة الوداع إلى مسجد بني زُرَيْق ميل".
وفي "مسند الإمام أحمد" (٣) من حديث عبد الله بن عمر أيضًا: "أنَّ النبيَّ ﷺ سبَّق بين الخيل وراهنَ".
стр. 69
وفي لفظ له: "سبَّق (١) بين الخيل، وأعطى السابق" (٢).
وفي "المسند" (٣) أيضًا من حديث أنس أنه قيل له: أكنْتُم تراهِنون
стр. 70
على عهد رسول الله ﷺ أو: كان رسول الله ﷺ يراهن -؟ قال: "نعم والله، لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له يُقال له سَبْحَة، فسبق الناس، فانبهش (١) لذلك وأعجبهُ".
وفي "سنن أبي داود" (٢) عن ابن عمر: "أنَّ النبي ﷺ سَبَّق بين
стр. 71
الخيل، وفَضَّلَ القُرَّحَ (١) في الغاية".
فصل
وأما (٢) مسابقته بين الإبل:
ففي "صحيح البخاري" تعليقًا (٣)، عن أنس بن مالك قال: "كانت العَضْباء لا تُسْبَق، فجاء أعرابيٌّ على قَعودٍ له فسابَقها فسَبَقها الأعرابيُّ، وكأنَّ ذلك شقَّ على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: "حق على اللهِ أن لا يرفع شيئًا (٤) إلا وضَعَه".
وفي "صحيحه" (٥) أيضًا عن حُميدٍ عن أنس بهذه القصة، وقال:
стр. 72
"وإنَّ حقًّا على اللهِ أن لا يرفعَ شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ".
قلتُ: تأمَّل قوله في اللفظ الأول: "أن لا يرفع شيئًا"، وفي اللفظ الثاني: "أن لا يرفع شيئًا من الدُّنيا إلا وضَعَهُ"، فجعل الوضع لما رفع وارتفع (١)، لا لما رَفَعَه سبحانه؛ فإنه سبحانه إذا رفع عبدَه بطاعتِه، وأعزَّه بها، لا يَضعُه أبدًا (٢).
فصلٌ
وأما (٣) تناضل أصحابه بالرمي بحضرته:
ففي "صحيح البخاري" (٤) عن سلمة بن الأكوع قال: مرَّ رسول الله ﷺ على نفرٍ من أصحابه (٥) ينتضلونَ بالسُّوقِ، فقال: "ارموا يا بني إسماعيلَ فإنَّ أباكُم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فُلانٍ". قال: فأمسك أحدُ الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : "ما لكُم لا تَرمونَ؟ "، فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارموا، وأنا معكم كلكم".
стр. 73
فصلٌ
وأما مراهنة الصِّدِّيق للمشركين بإذنه وعلمه (١):
فروى الترمذيُّ في "جامعه" (٢) من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس في قول الله تعالى : ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣] قال: "كان المشركون يحبُّون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان (٣)، وكان المسلمون يحبُّون أن يظهر الرومُ على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أما إنَّهم سيُغْلَبونَ"، فذكره أبو بكر لهم (٤)، فقالوا: اجعل
стр. 74
بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتُم كان لكم كذا وكذا، فجَعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "ألا جعلت إلى دون - أُراه - العشر" - قال سعيدٌ: والبضْعُ ما دون العشر - قال: ثم ظهرتِ الروم بعدُ. قال فذلك قولُه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥] ".
قال سفيان: "سمعتُ أنَّهم ظهروا عليهم يوم بدر (١) ".
قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
وفي "جامعه" (٢) أيضًا: عن نِيَار بن مُكْرَم الأسْلَمي قال:
стр. 75
"لمَّا نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وكانت فارس يوم نَزَلَت هذه الآية قاهرين للرُّوم (١)، وكان المسلمون يحبُّون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإيِّاهم أهلُ كتاب، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥]، وكانت قريشٌ تحبُّ ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتابٍ ولا إيمانٍ ببَعْثٍ، فلما أنزل اللهُ هذه الآية، خرج أبو بكرٍ الصِّدِّيق يصيحُ في نواحي مكَّة: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فقال ناسٌ من قريش لأبي بكر (٢): فذلك بيننا وبينكم زعم (٣) صاحبكَ أنَّ الروم سَتَغْلِبُ فارس في بضعِ سنين، أفلا نُراهِنُكَ على ذلك؟ قال: بلى - قال: وذلك قبلَ تحريم الرِّهان -. فارْتَهَنَ أبو بكر والمشركونَ، وتواضَعُوا الرِّهان، وقالوا لأبي بكرٍ: كمْ نَجْعَلُ البضع - وهو من ثلاث سنينَ إلى تسع (٤)؟ فسمِّ بيننا وبينك وسَطًا تنتهي إليه، قال: فَسَمَّوا بينَهُم ستَّ سنين. قالَ: فمضت السَّتُّ سنين (٥) قبل أنْ يظهروا، فأخذ المشركون رهْنَ أبي بكرٍ، فلما دخلتِ السَّنَةُ السابعة ظهَرَتِ الرومُ على