← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أولًا، ويشدها آخرًا. وهؤلاء الذين اختلفوا في ذلك، هل اختلفوا في جنس واحد من القسي أم في أجناس، وفي كفٍّ واحدة، أم في أكُفٍّ شتى؟! ولا ريب أنك تجد قوسًا قبضتها مربعة، وتجد قوسًا قبضتها مدوَّرة، وقوسًا بين المدورة والمربَّعَة. وأما القبضة المربَّعة: فهي قبضات العجم، والتَّحريف لهم جيِّد، والاستواء يبطل الرمي بها. وأما القبضة المدوَّرة: فهي قبضات (١) العرب، والتحريف يبطل الرمي بها. وأما المتوسطة: فيتوسط لها. ولكل قوس قبضةٌ، ولكل كفٍّ قبضةٌ، فمَن كانت كفُّه كبيرة؛ فالأصلح له من القبضات الدقيقة، والمتوسطة للكفّ المتوسط، واختيار المقبض في الكف أن يقبض بجميع (٢) كفِّه، ويدخل لحم راحته في كفِّه، فإنْ لحقت أطرافُ أصابعه لكفِّه فالمقبض صغير على الكف، فلا يصلح له به رمي، ويَدْخُلُه العيب إن رمى به، وكذلك إن كانت القوسُ غليظةَ المقبضِ على الكفِّ. وحكم القبضة: أن تقبض عليها بجميع كفِّك، فإنْ بقي بين

стр. 492

أصابعك مقدار عرض نصف أصبع (١)، فهو حسن، فإن زاد أو نقص فلا خير فيه. ذكر العقد ووجوهه أقوال (٢) الناس في العقد على الوتر على تسعة أقسام: أحدها: وهو الصَّحيح الجيِّد القوي: أن يعقد ثلاثًا وستين. الثاني: تسعة وستين. وعلى هذين العقدين جميع الأساورة والأكاسرة، والأوَّل عندهم أصحُّ وأثبت. الثالث: أن يعقد (٣) ثلاثة وسبعين. الرابع: أن يعقد ثلاثةً وثمانين. الخامس: أن يعقد أربعة وعشرين. السادس: أن يعقد إحدى وعشرين. وعلى هذا أكثر الترك والروم؛ لأنهم يرمون بقوسٍ ليِّنة وبغير أصل، فيعقدون كيفما تيسَّر عليهم. والسابع: عقد يسمى الرَّديف، وهو: أن يعقد اثنين وستين ممكنة، ويلقي الوسطى مع السبابة على الإِبهام. وهذا العقد جيِّد لِجبْذ القوس الصلبة، لكنَّها بطيئة الإِطلاق.

стр. 493

الثامن: أن يجعل أصابعه الثلاثة: الخِنْصر، والبِنْصر، والوسطى في الوتر، ويجعل السبابة ممدودة مع طول السهم، ولا حظَّ للإبهام هنا. وهذا عقد جميع (١) الصقالبة وإليهم يُنسب، ويصنعون للأصابع الثلاث كشتبانات الذَّهب والفضة والنحاس والحديد، والقوس على هذه الصفة واقفة لا راقدة. التاسع: أن يجْبِذ بالأربعة أصابع (٢): بالسبابة والوسطى والخنصر والبنصر. وهو مذهب العرب القدماء في الجاهلية. ومنهم من كان (٣) يجبذ بهذه الأصابع والقوس راقدة، ويجعل السهم بين الوسطى والبنصر، ويجبذون إلى صدورهم، وعليها أكثر باديتهم. وقال بعضُ الأئمة: وهذه العقد كلها خطأ؛ إلا عقدة ثلاث وستين، وربما دعت الحاجة والضَّرورة إلى استعمال بعضها؛ لحادثٍ يحدث في الإبهام وغيرها، فينبغي تعلُّمها أو بعضها، ومَن أراد القوَّة والشدَّة والسرعة؛ فعليه بعقد ثلاث وستين. ثم من الرماة من قال: أكتم أظفاري كتمانًا بالغًا، وأجعل الوتر من الإبهام في مفصلها مستويًا غير محرَّف.

стр. 494

ومنهم من قال: أكتم أظفاري كتمانًا (١) شديدًا، وأجعل الوتر في مفصل الإبهام، وأحرفه قليلًا. وكلاهما جيِّد حسنٌ، فالاستواء أقوى للمدِّ، والتَّحريف أسرع لخروج السهم. ومنهم من يجعل الوتر قدَّام الجرِّ في مفصل الإبهام قليلًا. وهو أحسن المذاهب، وأسرع إفلاتًا من الأول والثاني، وأطْرَدُ للسَّهم. فصلٌ وعند الرماة أنّ القوة (٢) والسرعة والبُعد إنما هو في الإبهام من العقد باليمين، وفي القبض بالشمال، فعليهما مدار الشدَّة، ولكل أصبعٍ عقدٌ؛ كما أن لكل كفٍّ قبضة (٣)، فإذا كان المتعلِّم للرَّمي طويل الأصابع أو قصيرها؛ فاختر له من هذه المذاهب أوْلاها بأصابعه، وأوفقها لرميه، وأبعدها آفة عن جسمه. فصلٌ تركيب السبابة على الإبهام ثلاثة أنواع:

стр. 495

أحدها: أن تركب السَّبَّابة (١) فيصير طرفُها على الوتر. الثاني: أن تركبها فتصير خارج الوَتَر. الثالث: أن تركبها فتكون داخل الوَتَر. فمذهب سابور وبهرام جور وغيرهما: أن تكون السبَّابة خارج الوتر، واختاره أبو هاشم، وهو الرَّمي القديم، وهو جيِّد للأقواس الصلبة. ومذهب طاهر وحذَّاق أهل هذه الصناعة: أن تكون على الوتر، وهذا أحدُّ للسَّهم، وأسرع للإفلات. ومذهب إسحاق: أن تكون السبَّابة داخل الوتر. وقال بعض الرماة: من قال بتحريف العقد؛ طالَتْ سبَّابتُه، وقصرت إبهامُه، فصارتِ السبَّابةُ من (٢) داخل الوتر. ومن قال باستواء العقد؛ قصُرت سبابتُه، وطالت إبهامُه، فصارت (٣) السبابةُ خارج الوتر. ومن توسَّط بين المذهبين؛ صارت السبابةُ على الوتر. وحكم السبابة أن تجعل على ثلثي اللحم، والثلث على الظفر، ويكون نصفُها على الوتر، والنصف الثاني خارج عنه، ويكون فوق السهم مما يلي السَّبابة، ولا يُطوِّلُها تطويلًا، ولا يقصرها (٤) كثيرًا؛ لأن السبابة إنْ كانتْ من داخل الوتر طويلةً؛ ضربت الوتر في عرض أصبعه

стр. 496

وقت الإطلاق، وإن كانت مستويةً طويلةً على الوتر؛ ضربت (١) الوتر وقت الإطلاق أيضًا فعقرتْهُ، وإن كانت مطرفةٌ جدًّا، ضَعُفَ مدُّه، وافْلت السهمُ عن أصبعه (٢) قبل الوفاء. وكذلك لا يجعل السبَّابة على ظِفْر الإبهام؛ فإن الظفر يَسْوَدُّ، ومن كشف ظفره كله كان أقوى على القوس الصلبة، ولكنه أبطأ إطلاقًا. فصلٌ ولا ينبغي للرامي أن يقلِّم أظافر يده اليمنى، بل يتركها موفَّرة؛ لأنه إذا استأصل قَطْعها ضَغَطَها الوتر وقت الجبذ، فخرج الدَّم بين الظفر واللحم. والتحقيق: أن لكل يد عقدٌ، ولكل وجهٍ عملٌ، ولكل حالٍ عتادٌ، ولكل مقامٍ مقالٌ، وكلٌّ ميسَّر لما هُيِّئ له، وأُعين عليه. فصلٌ في القفلة بالأصابع الثلاث من اليد اليمنى من الرماة من يستر أظفاره (٣) الثلاثة حتى لا تُرى ويجعل داخلها مجوَّفًا، ومنهم من يجعلها غير مجوَّفة. وأحْمَدُ المذهبين مذهب (٤) من يكتمها، حتى تكاد أصابعه تقطر دمًا من شدَّتها وتجوُّفها.

стр. 497

وقد كانت حذَّاق الرُّماة تأمر تلاميذها أن يجعلوا في أكفِّهم صنجةً (١) صغيرةً ويقفلوا عليها، فإن سقطتْ من كفَّ أحدهم أدَّبه عليها، وكانوا يفتخرون بذلك، وكانوا يأمرونهم أن لا يُخِلُّوا القفلة (٢) بالأصابع الثلاث من اليد اليمنى، ولا القبضة من اليد اليسرى، حتى يكمل رميُهم، فإذا كمل حطُّوا القوس، وفتحوا أكفَّهم (٣)، وكذلك لا ينبغي أن يغير جلوسه إلا عند عيبٍ يظهر له. وشدُّهُ أصابع الكف اليمنى في القفلة (٤)، واليسرى في القبضة = أسرعُ للسَّهم، وأنكى للرَّمي، وأقوى، وأنفذ. وأكثر عيوب الرَّامي من اليد اليمني وسداد الرَّمي في اليسرى، وملاحته في اليمنى، وحسن الرمي في القعود والوقوف، والإصابة في النظر، وملاك ذلك كله المداومة والإدمان؛ فإن التَّرك خوَّان.

стр. 498

ذكْرُ المدِّ اختلفوا في مدِّ النشابة (١): فمنهم من يمدها إلى مشاش منكبه. ومنهم من يمدُّ إلى حاجبه الأيمن، ومنهم من يمدُّ إلى شحمة أذنه. ومنهم من يمدُّ إلى آخر عظام (٢) لحييه، فيجري السهم بين شفتيه. ومنهم من يمدّ إلى ذقنه، ومنهم من يمدُّ إلى نهده اليمنى. هذا مجموع اختلافهم. فأما من يمدُّ إلى مشاش منكبه: فهو المذهب القديم، وذلك أنَّهم يجلسون منحرفين، فيطول نشابُهم على هذا الجبذ، ومن هنا قالوا: إنَّ طول النشابة اثنتا عشرة قبضة، وهو كثير النكاية، وقلَّ من يرمي به أو يحسنه، وهو يُحدِث للرامي عيوبًا كثيرة. فصلٌ وأمَّا المدُّ إلى الحاجب الأيمن: فهو مذهب إدريس، وهو جيِّد، وبه (٣) يطول النشابة، وفيه قوَّة كثيرةٌ للمدِّ؛ إلا أنَّ نشابته تمرُّ محطوطة أبدًا، وهو جيِّدٌ لمن يرمي الحصون والأسوار والمواضع المرتفعة، وليس بجيد للقرطاس، وهو من الرمي القديم أيضًا.

стр. 499

فصلٌ وأمَّا المدُّ إلى شحمة الأذن: فهو مذهب بسطام، وهو جيّد جدًّا، وليس في المذاهب القديمة أحْمَدُ منه، ولا أحسن عاقبة؛ إلا أنَّ نشابته أقصُر من أن يمد إلى مشاش الكتف و (١) المنكب والحاجب، وغير أنه أكثر إصابة من الأوَّلين. وأما من يمدُّ إلى آخر عظام لِحْيَيه، ويُجْري السهم على شفتيه: فهو مذهب أهل الاستواء، وعليه جماعةٌ من رماة خراسان، وهو أيضًا (٢) مذهب إسحاق وطاهر وغيرهما من حذَّاق الصناعة. ومعنى الاستواء: أن يكون أصلُ السهم مع مفرقه في حال استواء، لا (٣) ينحطُّ منهما واحدٌ، ولا يرتفع. وليس في جميع المذاهب أحسن منه، وهو رمي قليل الآفات، كثير الإصابة، وعليه حُذَّاق (٤) الرُّماة بالغرب وغيره. وأما المدُّ إلى الذِّقن أو الصَّدر: فخطأ فاحشٌ، لا خير فيه، وبه تقلُّ الإصابة، وتكثرُ العيوبُ.

стр. 500

ذكر النَّظر وأحكامه (١) اختلف حذَّاق الرمي فى النظر إلى المرمى اختلافًا كثيرًا؛ لعلوِّه وشرفه، وعليه عمدةُ الرَّمي، وهم عليه على ثلاثة أقسام، ثم تتفرَّع إلى ستة: الأول من الثلاثة: النَّظر من خارج القوس. والثاني: من داخل القوس. والثالث: من داخلها وخارجها. واختلفوا في النظر: هل الأولى أن يكون بالعينين جميعًا، أو بأحدهما؟ * فجمهور الرماة رجَّحوا النَّظر بالعينين؛ لأنه أتمُّ وأكمل وأقوى. * ومنهم من رجَّح النظر بعين واحدةٍ. واحتجَّ هؤلاء بأنه إذا كان بعين واحدةٍ؛ كان أجمع للنُّور الباصر، وأقوى له، وإذا كان بالعينين جميعًا تفرَّق في وصوله إلى الغرض فضعف. قالوا: فإنَّ الناظر إذا نظر بعينٍ واحدة، اجتمع فيها نورُ العينين معًا؛ فإنَّ النور الباصر ينزِلُ من الدِّماغ على تقاطع صَلِيْبِي في الجبهة، فيفترق هناك في منفذين إلى كل عين منفدٍ (٢)، فإذا أغمض الناظرُ أحد عينيه، رجع

стр. 501

قسطها من ذلك النور الباصر إلى العين الأخرى، فيقوى نظرُه بها (١) ضرورةُ. ولهذا تجد الأعور قويَّ النَّظر حديدَه، وأرباب الصناعات إذا أراد أحدُهم امتحان أمْرٍ بالنظر؛ أغمض إحدى عينيه، وصوَّب الأخرى إلى المنظور إليه. ولهذا كانت عينُ الأعور في الشرع قائمةً مقام عينين في الدَّية: فإذا فُقِئت عيْنُ الأعور؛ فعلى الجاني الدِّية كاملةً، نصَّ عليه الإمام أحمد. فإن قلع مَنْ له عينان عَيْن الأعور عمدًا؛ فله أن يقلع من عينيه نظيرة عينه، ويأخذ منه نصف الدِّية، نصَّ عليه أيضًا. وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمدًا فلا قَوَد عليه؛ لأن القَوَد يُعْمِيه، وعليه الدية كاملة. وقيل: يقلع عينه، ويعطيه نصف الدية. وإن قلع الأعور عيني صحيح؛ خيَّرنا بين قلع عينه وبين أخذ دية عينه (٢). فصلٌ و النظر من (٣) الداخل: يقولون: إنه نظر بهرام جور، وإن صورته الممثَّلة على الجدار تعطي كأنه ينظر من داخل القوس بالعينين جميعًا،

стр. 502

وعينه في مجيء السهم مع العلامة، لا يفارق نظره ذلك، فإذا رأى النصل على أصبعه أطلق سهمه (١). وهو رميٌ حسن عندهم؛ إلا أنه صعبٌ، قليلُ النكاية، ولا يمكن صاحبُه أن يرمي الرمي القوي، ولا يمكن راميه أن يجلس مُنْحَرفًا، بل متربَّعًا، فتكون نشابتُه قصيرةً، ورميُه غير منكي، وهو جيَّد لرمي الأغراض القريبة والدَّقيقة. فصلٌ وأما النظر من خارج؛ فعلى ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يجعل السَّهم من خارج القوس، وينظر بالعينين جميعًا في العلامة، ويعتمد بالعين اليسرى، ثم يختلس (٢) السَّهم بسرعةٍ في القوس. الوجه الثاني: أن يجعل النَّصل من خارج القوس في العلامة، وينظر بعينه اليسرى، ويعتمد عليها، ويجعل عينه اليمنى في دستان (٣) القوس، ولا ينظر بها شيئًا من العلامة، مع تصحيحه بالعين اليسرى، وعقده أصابع يده اليسرى في وسط العلامة. الوجه الثالث: أن يقلب (٤) نور عينيه جميعًا إلى عين واحدة،

стр. 503

فتكون حَدَقَةُ عينه اليسرى في مؤخر عينه اليسرى، وحدقةُ عينه اليمنى (١) في مقدمة عينه اليمنى، فيصيرُ نور حدقة عينه اليمنى إلى حدقة عينه اليمنى إلى حدقة عينه اليسرى. وهذا النظر يسمى الأحول، فتصير العينان كأنَّهما عين (٢) واحدة، وهو محمودٌ جدًّا في هذا المذهب، وهذا النَّظر كلُّه جيد للفارس ولمن يرمي بالسلاح، وهو شديد النكاية؛ لأن صاحبه يجلس للعلامة منحرفًا، وبه يطول سهمُه، وتكثرُ نكايتُه، ولا يصحُّ له أن يجلس متربِّعًا، وهو النظر القديم، وعليه الأكاسرة والأساورة. وأما النَّظر إلى العلامة بقسمة (٣) النظرين جميعًا: بأن يجعل النَّصل في العلامة بالعين اليسرى من خارج القوس، ويصحِّح نظره بالعين اليمنى إلى العلامة من داخل القوس، بحيث لا يفارق النصل باليمنى، وباليسرى إلى العلامة حيث يفلت. والوجه الثاني: أن يجعل النَّصل في العلامة من خارج القوس بالعينين (٤)، فإذا بقي له من المدِّ قدر ثلث السهم، وغاب عن بصره النصل؛ ترك عينه اليسرى في موضعها من العلامة، وينظر بعينه اليمنى مجيء النَّصل على يده من داخل القوس، فإذا رأى النصل على

стр. 504

أصبعه؛ أطلق، وهذا (١) حسنٌ جدًّا، وهو أكثر إصابةً وأقلُّ آفةً، وصاحبه يجلس بين التحريف والتّربيع، فتذهب بذلك عنه عيوب أهل التَّربيع وأهل التحريف، مع ما فيه من الإصابة ودقَّة النظر. فصلٌ في ميزان النظر قال بعضُ أئمَّة الرماة: من أراد أن يتعلَّم حقيقة الوزن، فليأخُذْ سراجًا يجعله على بُعد، كما يجعل العلامة، ويأخذ قوسًا ليِّنة جدًّا - فهي أمكن له -، ويجلس بين التَّحْريف والتَّربيع، كما يجلس للعلامة، ويجعل النَّصل في السراج، ولا يزال ينزع في القوس، ويفتح عينًا، ويطبق أخرى، ويفتحهما جميعًا، ويمدُّ إلى آخر السهم، وينظر للسَّراج أبدًا، حتى يصحَّ له، فإن صحَّ؛ علم أنَّه قد حصل على فائدةٍ جليلةٍ، وذخيرةٍ عظيمةٍ في هذه الصَّناعة. فصلٌ واعلم أن خارج القوس مما يلي اليسار إذا رميت بها، والداخل مما يلي اليمين، فأهل التَّربيع يبطلون عمل أهل التَّحريف، ويقولون: إنه يفسد النَّظَّر، وإن جميع السِّلاح إذا دخله التحريف أبطله. وأهل التَّحريف يبطلون عمل أهل التَّربيع، ويقولون: إن التَّحريف

стр. 505

أكثر نكايةً، وإنه يبطل النُّشَّاب، فمنهم من حرف القوس إحدى عشرة قبضة، واثنتي عشرة قبضة وأكثر. فصلٌ في ميزانٍ آخر واعلم أنَّ الوزن على نوعين فمنهم (١) من يزن أوَّلًا ويستمر على وزنه إلى حين (٢) إطلاقه، ومنهم من يزن آخرًا. فأما من يزن أوَّلًا، فعلى وجهين أيضًا: أحدهما: أن يجعل النَّصل في العلامة، ويحقِّقه، ويجبذ عليه من نظره إلى ذراعه الشمال ومرفقه اليُمْنَى في اعتدالهما واستوائهما. وهذا مذهب طاهر. والوجه الثاني: أن ينظر أوَّلًا إلى العلامة، فإذا جبذ من السَّهم نصفه أو أقلَّ حقَّقه وأطلق (٣). وهذا أحمدُ النَّوعين، وأعظمُهما سدادًا. وأما الذي يزن آخرًا فعلى نوعين أيضًا: أحدهما: أن لا يخلَّ (٤) بتحقيق الوزن أوَّلًا، فإذا بقي له (٥) من

стр. 506

السَّهم قبضةً، سكن تسكينةً لطيفةً جدًّا، واختلس السَّهم بسرعةٍ، وأطلق. وهذا النوع حسنٌ للحرب جدًّا. الثاني: أن يحقق وزنه أولًا (١)، فإذا بقي لهم من السهم مقدار قبضة أو أكثر قليلًا؛ حقَّقه أيضًا ثانيةً، واختلس سهمه، وأطلقه بسرعة. وهذا النوع جيِّدٌ للأغراض وغيرها. فصلٌ في (٢) ذكر الإطلاق ووجوهه الإطلاق على ثلاثة أنواع: المختلس، والمفروك، والمتمطِّي. فالمُخْتَلَس: أن يجبذ السهم، ثم يسكن، ثم يختلِسُه اختلاسًا شديدًا، ويُفْلِت أصابعه، فيفتح الاثنين السبابة مع الإبهام. وهذا المذهب فيه سُرْعة، وليس سكونه عند الإفلات، وإنما يسكن إذا بقيت له قبضة، ويفتح ذراعيه جميعًا، ويميل وتر القوس إلى الأرض. وأما المفروك: أن يمدَّ السهم، فإذا صار النَّصل على أصبعه، سكن قليلًا بمقدار عدَّتين، ثم فرك يده (٣) اليمنى فركةً من حرف الوتر، فيحول يده قليلًا، فيجعل الشقَّ الذي من بين (٤) إبهامه والسبابة مع خدِّه حاكًّا له.

стр. 507

وأما المتمطِّي: فهو أن يمدَّ السهم، فإذا عَلَّم بالسَّهم على أصبعه سكن بمقدار عدَّتين، وأطلق بنفْضةٍ من الوتر، ويكون جبذه أوَّلًا وآخرًا سواء. وهذا المذهب لمن ينظر من داخل القوس = جيَّد، والفركة من فوق الوتر لمن ينظر بالنَّظرين، والاختلاس لمن ينظر من خارج الوتر. ولا خلاف (١) بين الرُّماة أن القبضة للوتر تكون بشدَّةٍ وسرعةٍ دون تأنًّ ولا لبثٍ؛ لأن فيها القوَّة والشدَّة والنفوذ. فصلٌ في مرِّ السهم على اليدِ وهو على أربعة أنواع: - منهم من يجريه على عقدة إبهامه. - ومنهم من يجريه على سبابته، ويميل إبهامه عن (٢) السَّهم. - ومنهم من يرفع إبهامه ويجعل سبابته تحتها، فيصير كأنه عاقدٌ ثلاثة عشر، فيجري السهم على ظفر إبهامه. - ومنهم من يُجريها على طرفي أصبعيه السبابة والإبهام (٣)، فيكون كأنه عاقدٌ ثلاثين.

стр. 508

فمن أجراها (١) على عقدة إبهامه؛ فهو عيبٌ عند الحذَّاق؛ لأنه لا يخلو أن يضربه فيه الريش فيجرحه، وربما ضربه السهم (٢) فعقر أصبعه. وأما من يجريها على سبَّابته، وهو أحسن قليلًا من الأول، وكلاهما مذهب أهل الاستواء في قبضته، وليسا بجيِّدين. وأما من يجريها على أصل ظفري أصبعيه: الإبهام والسبابة كعاقد ثلاثين؛ فهو مذهب التوسُّط، وهو أحْمَدُ المذاهب. وأما من يوقف (٣) إبهامه، فيجريها على طرف ظفره، كعاقد ثلاث عشرة؛ فهو مذهب أهل التَّحريف، وهو رديء جدًّا؛ لأن صاحبه يحرف قبضته تحريفًا شديدًا، ويوقف إبهامه، فإنْ هو أمال قوسه قليلًا سقط السهم من على ظفره، وهو رديءٌ في الحرب، لا يكاد يستقيم له رميٌ؛ لسرعة سقوط سهمه. ذكر سبب (٤) ارتفاع السهم في الجوِّ ونزوله وسداده اختلف أهل العلم من الرُّماة في ذلك اختلافًا متباينًا، ونحن نذكر أقوالهم وما فيها، ونبيِّن الصحيح منها. * فقالت طائفة: سبيل السَّهم إذا خرج من كَبد القوس أن يقطع ما بينَه وبين الغرضِ في خطِّ الاستواء بغير صُعُود وَلا هبوط، بل محاذِيًا

стр. 509

للموضع الذي خرج منه، فلمَّا رأيناه على خلاف ذلك في ارتفاعه ونزوله، طلبنا عِلَّة ذلك، فرأيناهُ من واحدٍ من ثلاث: إما من القوس وآفته فيه، وإما من السهم، وإما من الرامي، فلا بدَّ من آفةٍ خفِيَّة في واحدٍ من هذه الثلاث. وردَّت طائفة أخرى هذا القول، وقالت: ما رأينا راميًا قطُّ، ولا نُقِلَ إلينا أبدًا أنه رَمَى بسهمٍ، فقطع المدى في خط الاستواء، محاذيًا لموضع مخرجه، لا صاعدًا، ولا نازلًا، ولم تخلُ الأرضُ من رامٍ لا آفة في رميه ولا قوسه، ولا سهمه، بحيث تجمع الرُّماة على اعتدال الثَّلاثة المذكورة وسلامتها من كلِّ عيب. * وقال آخرون: العلَّة في الارتفاع والانخفاض من جهة اختلاف بناء (١) القوس؛ فإنَّها إذا غلبت بيتها الأعلى ارتفع السهمُ في أوَّل مداه، وإذا غلب الأسفل (٢) ارتفع في آخر مداه. وردَّ عليهم آخرون منهم، وقالوا: هذا لا يصحُّ؛ لأنا نجدُ القوسَ المعتدلةَ البيتين، الصحيحة التَّركيب، بيد الرَّجل الحاذق في الرمي، يرتفعُ عنها السهمُ جدًّا، وربما ارتفع أكثر من ارتفاع من هو دونه. * وقالت طائفةٌ أخرى: ليس ارتفاعُ السهم من قِبَلِ القوس ولا الرامي، ولا من قِبَلِ السهم في نفسه، بل من أمر خارجٍ، وهو الهواء الحامل له، وذلك أن السهم (٣) إذا كان شديدًا ثقيلًا، والقوس صلبة،

стр. 510

قطع الهواء (١) ومرَّ سادًّا، وإن كان خفيفًا حمله الهواء فارتفع. قال: والحجَّة على (٢) ذلك أنَّ المركب إذا كان ثقيلًا، غاص في الماء، وإنْ كان خفيفًا، ارتفع، والهواء للسهم مثل الماء للمركب. وردَّ آخرون هذا القول، وقالوا: نجد السَّهم السادَّ (٣) عن القوس الصلبة في اليوم الساكن الهواء لا بدَّ له من ارتفاع عن محاذاة مخرجهِ، والدَّليل على ذلك أن يَنْصِبَ حبلًا معترضًا في نصف من (٤) الأرض مساويًا لمخرج السَّهم ثم يرمي بسهم سادٍّ عن قوس صلبة، فلا بُدَّ من أن يرتفع السهم (٥) عنه. وقال آخرون منهم: الَّذي صحَّ عندنا وكشفناهُ من علَّة ارتفاع السهم ونزوله: أنَّ سير السهم لا يتمُّ إلا بثلاثة أشياء: أحدها: بدنُ الرَّامي وقوَّتُه. والثاني: قوسُه. والثالث: سهمُه. وكلُّ واحدٍ ثلُث العلة، والدليل على هذا: أنَّك تأخذ قوسًا صلبة موترة، لا يمكنك الرَّمي عنها، فتُفَوِّق عليها سهمًا، ثمَّ تمدُّها، فتحني (٦) الوتر معك يسيرًا من غير أن تنحني القوس، ثم تطلق، فيمرّ السهم (٧) أذرعًا كثيرةً، وقد علمت أنَّ القوس لم يعمل في السهم شيئًا؛

стр. 511

لأنها لم تطاوِعْكَ، وإنما خرج السهمُ من الوتر بنفضةِ الرامي وقوَّته لا بالقوس. وأما الثُّلث الذي من قِبَل القوس، فالدليل على اعتباره أنك تجد السهم في آخر الثلث (١) الأول في ارتفاع إلى أول الثلث الثالث (٢)، فيأخذ في الهبوط، وذلك من قِبَل السَّهم نفسه؛ لأنَّ طبعه - كما علمت (٣) - الهبوط، وكان ارتفاعه أوَّلًا بالقوَّة التي أفاده إياها الرامي، واعْتبِرْ هذا بالحجر: ترمي به (٤) إلى فوق فلا يزال صاعدًا ما دامت قوة الرامي تُمِدُّهُ، فإذا انتهت (٥) القوة التي أمدَّته في الصعود؛ صارت حركتهُ حينئذ النزول، وهي الحركة الطبيعية له (٦). وقالت طائفة أخرى: بل العلَّة الصَّحيحة في ذلك: أنَّ الرامي إذا فوَّقَ السهم في قسمةٍ مستويةٍ لا مرتفعةٍ ولا منخفضةٍ؛ كان العقد تحت الفُوق أسفل من ذيل (٧) القوس، فإذا مدَّ واسْتَوْفَى؛ وقعت شدَّة الغمز في الإطلاق تحت الفوق، فلا بدَّ لصدر السهم من أن يرتفعَ يسيرًا بالضَّرورة، فارتفاع صدره يسيرًا (٨) هو الذي أكسبه ذلك الارتفاع الكثير

стр. 512

في طريق سيره، وهذا واضح، والله أعلم. فصلٌ في مدح القوَّة والشجاعة وذمِّ العجز والجبن قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال تعالى في حقِّ المؤمنين: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال فيهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤]؛ أي: لا تضعفوا. وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وفي "الصَّحيحين" (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كُلًّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفَعَكَ، واستعِنْ باللهِ ولا تَعْجَز".

стр. 513

وكان النبي ﷺ يتعوَّذُ بالله (١) من الجُبن (٢): والجُبْن خُلُقٌ مذمومٌ عند جميع الخَلْق، وأهل الجُبْن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجُودِ هم أهل حُسْن الظن بالله؛ كما قال بعض الحكماء في وصيَّته (٣): "عليكُم بأهل السَّخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظنِّ بالله، والشجاعة جُنَّة (٤) للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوِّه على نفسه، فهو جندٌ وسلاحٌ يُعطيه عدوَّه ليحاربه به (٥) ". وقد (٦) قالتِ العرب: الشجاعة وقايةٌ، والجُبنُ مقْتَلَةٌ، وقد أكذب الله سبحانه أطماع الجُبناء في ظنِّهم أنَّ جُبْنَهُم يُنجيهم من القتل والموت، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦]. ولقد أحسن القائل (٧):

стр. 514

أَقُولُ لَهَا وقَدْ طَارَتْ شَعَاعًا … مِنَ الأبْطَالِ وَيْحَكِ لَنْ تُراعِي فإنَّكِ لَوْ سألْتِ بقاء يومٍ … على الأجلِ الَّذي لكِ لَنْ تُطَاعِي فَصَبْرًا في مجالِ الموْتِ صبْرًا … فما نيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتطاعِ (١) وما ثَوْبُ الحَيَاةِ بِثَوْبِ عِزًّ … فيُطْوَى عنْ أخِي الخَنَع اليَراع سَبِيلُ المَوْتِ غَايَةُ كُلِّ حَيًّ … وداعِيه لأهْلِ الأرْضِ دَاعِي ومَنْ لمْ يُعْتَبَطْ يَسْأمْ ويَهْرمْ … وتُسْلِمْهُ المنون إلى انقِطاعِ وما لِلْمَرْءِ خيْرٌ في حياةٍ … إذا ما عُدَّ مِنْ سَقَطِ المتاعِ واعتبرْ ذلك في معارك الحروب (٢) بأن من يُقتل مُدْبرًا أكثر ممَّن

стр. 515

يُقتل مقبلًا. وفي وصيَّة أبي بكر الصدِّيق لخالد بن الوليد: "احرِصْ على الموتِ؛ توهَبُ لك الحياة" (١). وقال خالد بن الوليد: "حضرتُ كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام وما في جسدي موضعٌ إلّا وفيه طعنةٌ برمحٍ أو ضربةٌ بسيفٍ، وها أنا ذا أموتُ على فراشي، فلا نامت أعيُنُ الجُبناء" (٢). ولا ريب عند كل عاقل أن استقبال الموت إذا جاءك خيرٌ من استدباره، والله أعلم، وقد بيَّن هذا حسان بن ثابت قائلًا (٣): وَلَسْنَا علَى الأعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا … ولكِنْ على أقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدَّمَا (٤)

стр. 516

وقال آخر محققًا هذا المعنى (١): مُحَرَّمَةٌ أَكْفالُ خَيْلِي على القنا … ودامِيَةٌ لَبَّاتُها ونُحُورُها حَرامٌ على أرْمَاحِنا طَعْنُ مُدْبِرٍ … وتَنْدَقُّ مِنْها في الصُّدورِ صُدُورُها وكانوا يفتخرون بالموت على غير الفراش، ولما بلغ عبد الله بن الزبير قتلُ أخيه مُصْعَب؛ قال: "إنْ يُقْتَلْ؛ فقد قُتِلَ أخوه وأبوه وعمُّه، إنا والله لا نموت حتف أنفنا، ولكن حَتْفُنا بالرِّماح وتحت ظلال السيوف" (٢). ثم تمثَّل بقول القائل (٣): وإنَّا لتَسْتَحْلي المَنايا نُفُوسُنا … وتُتْركُ أُخْرَى مُرَّةً ما تذوقُها وفي مثل هذا يقول السَّمَوْأل بن عادياء وهو في "الحماسة" (٤):

стр. 517

ومَا مَاتَ منَّا سيِّدٌ في فِراشِه (١) … ولَا طُلَّ مِنَّا حَيْثُ كانَ قَتِيْلُ تسِيْلُ على حدِّ الظُّبَاتِ نُفوسُنا … ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّبَاتِ تسيْلُ وإنَّا لقومٌ لا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً … إذا ما رَأتْهُ عامِرٌ وسَلُولُ إذا قَصُرَتْ أسْيَافُنا كان وصْلُها … خُطانَا إلى أعدائنا فَتَطولُ وقال محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي (٢): لسْتُ لِرَيْحانٍ ولا راحِ … ولا على الجَارِ بِتيَّاحِ (٣) فإنْ أَردْتِ الآنَ لي موقعًا (٤) … فبَيْنَ أسيافٍ وأرْمَاح

стр. 518

تَرَي فتىً تحت ظِلال القنا … يَقْبضُ أرْواحًا بأرْواحِ ولو لم يكن في الشَّجَاعة إلا أنَّ الشجاع يردُّ صِيْتهُ واسمه عنه أذى (١) الخلق، ويمنعهم من (٢) الإقدام عليه؛ لكفى بها شرفًا وفضلًا؛ كما قال عمرو بن بَرَّاقة وكان فاتكًا مشهورًا بالإقدام والثبات (٣): كذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ لا تَأْخُذونها … مُراغَمَةً ما دام للسَّيْفِ قائِمُ متَى تَجْمَعِ القَلْب الذَّكِيَّ وصارِمًا … وأنفًا حمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظالِمُ (٤) وقال تأبَّط شرًّا الفاتك العدّاء، واسمه ثابت (٥): قليلُ التَّشكَّي للمُهِمِّ يُصيبهُ … كَثِيرُ الهَوَى شتى النَّوَى (٦) والمَسالِكِ

стр. 519

يَبِيتُ بِمَوْمَاةٍ ويُضْحِي بمثْلها … جَحِيشًا ويَعْرَوْرِي ظُهُور المَهَالِكِ ويَسْبقُ وفْد الريحِ مِنْ حَيْثُ تنْتَحِي … بِمُنْخَرَقٍ مِنْ شَدَّهِ المُتَداركِ (١) إذا حاصَ عيْنَيْهِ كَرَى النَّوْم لم يَزَلْ … لَهُ كالِئٌ مِنْ قَلْبِ شَيْحانَ فَاتِكِ إذا هَزَّهُ في عَظْمِ قَرْنِ تَهَلَّلَتْ … نَوَاجِذُ أَفْوَاهِ المَنايا الضَّواحِكِ (٢) وقال أبو سعيد المخزومي وكان شُجاعًا موصوفًا بذلك (٣): ومَا يُريد بَنُو الأغْيارِ مِن رَجُلٍ … بالجَمْرِ مُكْتَحِلٍ بالليلِ مُشْتَمِلِ لا يَشْرَبُ المَاءَ إلَّا (٤) مِنْ قَلِيْب دَمٍ … ولا يَبِيْتُ لَهُ جَارٌ على وَجَلِ (٥)

стр. 520

فصلٌ قال عمرو بن معد يكرب: "الفزعات ثلاثة: فمن كانت فزعته في رجليه فذاك الذي لا تُقِلُّهُ رجلاه، ومن كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفرُّ عن أبويه، ومن كانت فزعته في قلبه فذاك الذي لا يقاتل" (١). والجبن والشجاعة غرائز وأخلاق، فالجبان يفرُّ عن عُرسه، والشجاع يقاتل عن (٢) من لا يعرفه؛ كما قال الشاعر (٣): يَفِرُّ جَبانُ القَوْمِ مِنْ أُمِّ نَفْسِهِ … ويَحْمِي شُجاعُ القَوْمِ مَنْ لا يُناسِبُه والشُّجاع ضدُّ البخيل، لأن البخيل يضنُّ بماله، والشجاع يجودُ بنفسه؛ كما قال القائل: كم بينَ قومٍ إنَّما (٤) نفقاتُهُم … مَالٌ وقَوْمٍ يُنْفِقُونَ نُفُوسا

стр. 521

وقال الآخر: تَجُودُ بالنَّفْسِ إنْ ضَنَّ البخيل بها … والجُودُ بالنَّفْسِ أقصى غَايَةِ الجُودِ (١) وهذا غير مطَّردٍ في بني آدم؛ فإنهم على أربع طبقات: - فمنهم: الجواد الشجاع، يجود بماله ونفسه. - ومنهم: البخيل الجبان. - ومنهم: الجواد الجبان، يجود بماله، ويضنُّ بنفسه. - ومنهم: الشجاع البخيل؛ فإنه مُنح خُلُقَ الشجاعة، وحُرِم خلق الجود؛ فإن الأخلاق مواهبُ يهبُ الله منها ما يشاء لمن يشاء، ويجبل خلقه على ما يريد منها، كما قال النبيُّ ﷺ لأشجّ عبد القيس: "إنَّ فيك خُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحِلْمُ، والأناةُ". قال: خُلُقين تخلَّقتُ بهما أم جُبلْتُ عليهما؟ قال: "بل جُبِلْتَ عليهما". فقال: الحمد لله الذي جَبلني على ما يُحِبّ (٢). ومن هنا يظهر أنه لا تلازُم بين الشجاعة والجود، كما ظنَّه بعض الناس، وإن كانت الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالبًا، وكذلك الأخلاق الدَّنيئة.

стр. 522

فصلٌ وكثيرٌ من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقُوَّة، وهما متغايران، فإن الشجاعة هي (١): ثباتُ القلب عند النوازل؛ وإن كان ضعيف البطش (٢). وكان الصِّدِّيق ﵁ أشجع الأُمَّة بعد رسول الله ﷺ ، وكان عُمَرُ وغَيْرُهُ أقوى منه، ولكن برز على الصحابة كلهم بثباتِ قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال، وهو في ذلك ثابت القلب، ربيط الجأش، يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم، فيثبَّتُهم ويشجِّعُهم. ولو لم يكن له (٣) إلا ثبات قَلْبه يوم الغَار وليلته. وثبات قَلْبهِ يوم بَدْرٍ، وهو يقول لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله! كفاك بعض (٤) مناشدتك ربَّك؛ فإنه منجز لك ما وعدك" (٥). وثبات قلبه يوم أحد، وقد صَرَخ الشيطان في الناس بأن مُحَمَّدًا قد قُتِل، ولم يبق أحدٌ مع رسول الله ﷺ إلا دون عشرين في (٦) أُحدٍ، وهو مع (٧) ذلك ثابت القلْب، سَاكن الجَأْش.

стр. 523

وثبات قلبه يوم الخندق، وقد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر. وثبات قلبه (١) يوم الحديبية، وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب، حتى إن الصدَّيق ليثبَّتُه ويُسكِّنُه ويُطَمْئنُه. وثبات قلبه يوم حُنينٍ، حيث (٢) فرَّ الناس، وهو لم يفرّ. وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزَّت لها الدنيا أجمع، وكادت تزول (٣) لها الجبال، وعُقِرَت لها أقدام الأبطال، وماجتْ لها قلوبُ أهل الإسلام، كموج البحر عند هُبُوْب قواصف (٤) الرياح، وصاح لها (٥) الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصِّيَاح، وخرج الناس بها من دين الله أفواجًا، وأثار عدو الله تعالى بها أقطار الأرض عجَاجًا، وانقطع لها الوحي من السماء، وكاد لولا دفاع الله تعالى لطمس نجوم الاهتداء، وأنكرت الصحابة بها قلوبهم، كيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهُرِهِم وحبيبهم، وطاشت الأحْلام، وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام، واشرأبَّ النفاق، ومدَّ أهله الأعناق، ورفع الباطل رأسًا كان تحت قدم الرسول ﷺ موضوعًا، وسَمِع المسلمون من أعداء الله تعالى ما لم يكن في حياته بينهم مَسْمُوعًا، وطمع عدوُّ الله أن يُعيد

стр. 524

الناس إلى عبادة الأصنام، وأن يصرف وجوههم عن البيت الحرام، وأن يصدَّ قلوبهم عن الإيمان والقرآن، ويدعوهم إلى ما كانوا عليه من التهوُّد والتمجُّس والشرك وعبادة الصُّلبان، فشمَّر الصدِّيق ﵁ من جِدِّه عن ساقٍ غير خوَّار، وانْتَضَى سيف عزمه الذي هو ثاني ذي الفقار، وامتطى من ظُهور عزائمه (١) جوادًا لم يكن يَكْبُو السَّبَاق، وتقدَّم جنود الإسلام فكان أفرسهم إنما همُّه اللَّحَاق، وقال: "والله لأجاهدنَّ أعداء الإسلام جَهْدِي، ولأَصدُقَنَّهُمُ الحرب حتى تنفرد سالفتي أو أفرد وحدي، ولأدْخِلَنَّهُم في الباب الذي خرجوا منه، ولأرُدَّنَّهُم إلى الحق الذي رغبوا عنه (٢) " (٣) فثبَّت الله تعالى بذلك القلب - الذي لو وُزِن بقلوب الأمة لرجَحَها - جيوش الإسلام، وأذلَّ بها المنافقين والمرتدين وأهل الكتاب وعبدة الأصنام، حتى استقامت قناة الدين من (٤) بعد اعوجاجها، وجرت الملَّة الحنيفية على سننها ومنهاجها، وتولّى حزبُ الشيطان وهم الخاسرون، وأذَّن مؤذَّن الإيمان على رؤوس الخلائق: ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبون (٥). هذا؛ وما ضعفت جيوش عزماته، ولا استكانت ولا وهنت، بل لم تزل الجيوش بها مؤيَّدة ومنصورة، وما فرحت عزائم أعدائه بالظفر

стр. 525

في موطن من المواطن، بل لم تزل مذلولة (١) مكسورة. تلك لعَمْر الله تعالى الشجاعة التي تضاءلت لها فُرْسَان الأمم، والهِمَّة التي تصاغرت عِنْدها عَلِيَّات الهِمَم، ويحقُّ لصدِّيق الأُمَّة أن يضْرِب من هذا المَغْنم بأوفر نصيب، وكيف لا وقد فاز من ميراث النبوَّة بكمال التَّعْصِيْب. وقد كان الموروث صلوات الله تعالى وسلامه عليه أشجع الناس، فكذلك وارثه وخليفته من بعده أشجع الأمَّة بالقياس، ويكفي أنَّ عمر بن الخطاب سهمٌ من كِنَانَتِه، وخالد بن الوليد سلاحٌ من أسْلِحته، والمهاجرون والأنصار أهل بيعته وشوكته، وما منهم إلا من اعترف أنه يستمدُّ من ثباته وشجاعته. فصلٌ في مراتب الشَّجَاعة والشُّجْعان أول مراتبهم: الهُمام: وسُمَّيَ بذلك لِهِمَّته وعَزْمِه، وجاء على بناء فُعَال؛ كشُجَاع. الثاني: المِقْدام: وسُمِّي بذلك من الإقدام، وهو ضدُّ الإحجام، وجاء على أوزان المبالغة؛ كمِعْطاء، ومِنْحَار؛ لكثير العطاء والنَّحْر، وهذا البنَاء يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ كامرأةٍ مِعْطار: كثيرة التَّعَطُّر (٢)، ومِذْكَار: تَلِدُ الذكور.

стр. 526

الثالث: الباسِل: وهو اسم فاعل من بَسُل يبْسُل؛ كشرُف يشْرُف والبَسَالة: الشجاعة والشدَّة. وضِدُّها: فشُل يفْشل فَشَالة وهي على وزنها فِعْلا ومصدرًا، وهي الرَّذالة. الرابع: البَطَل: وجَمْعُه: أبْطَال، وفي تسميته قولان: - أحدهما: لأنه (١) يُبْطِلُ فِعْل الأقران، فتَبْطُل عنده شجاعة الشُّجعان، فيكون: بطلٌ بمعنى مفعولٍ في المعنى؛ لأن هذا الفعل غيرُ متعدٍّ. - والثاني: أنه بمعنى فاعل لفظًا ومعنى؛ لأنه الذي يُبْطِل شجاعة غيره، فيجعلها بمنزلة العدم، فهو بطلٌ بمعنى: مُبْطِل (٢). ويجوز أن يكون بطلٌ بمعنى مُبْطَل؛ بوزن (٣) مُكْرَم، وهو الذي قد بَطَلَهُ غيرُه، فلِشَجاعته تحاماه الناس، فبَطَلوا فعله باستسلامهم له، وترك محاربتهم إياه. الخامس: الصَّنْدِيْد: بكسْر الصَّاد، والعامَّة تلحن فيه (٤) فيقولون: صَنديد، بفتحها، وليس في كلامهم فَعليل بفتح الفاء، وإنما هو بالكسر في الأسماء: كقِنْدِيل وحِلْتِيت، وفي الصَّفات: كشِمْلِيل، والصَّنديد: الذي لا يقوم له شيءٌ.

стр. 527

فصلٌ ولما كانت الشجاعة خُلُقًا كريمًا من أخلاق النفس؛ ترتَّب عليها أربعة أمورٌ، وهي مظهرها وثمرتها: الإقدام في موضع الإقدام. والإحجام في موضع الإحجام. والثبات في موضع الثبات. والزوال في موضع الزوال. وضدُّ ذلك مُخِلٌّ بالشجاعة، وهو إما جُبْنٌ، وإما تَهَوُّرٌ، وإما خِفَّة وَطيْشٌ. وإذا اجتمع في الرجل الرأي والشجاعة (١)؛ فهو الذي يصلح لتدبير الجيوش، وسياسة أمْرِ الحرب. و الناس ثلاثة: رجلٌ، ونصف رجل، ولا شيء: - فالرجل: من اجتمع له إصابة (٢) الرأي والشَّجاعة، فهذا الرجل الكامل؛ كما قال أحمد بن الحسين المتنبي (٣):

стр. 528

الرّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ … هُوَ أوَّلٌ وهِي المَحَلُّ الثَّانِي فإذا هُما اجْتَمَعا لِنَفْسٍ مرَّةٍ … بَلَغَتْ مِن العَلْياءِ كُلَّ مَكان - ونصف الرجل: وهو (١) من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر. - والذي هو لا شيء: مَن عَرِيَ من الوصفين (٢) جميعًا. ونختم هذا (٣) الكتاب بآيةٍ من كتاب الله تعالى، جمع فيها تدبير الحروب بأحسن تدبير، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]. فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء، ما اجتمعت في فئةٍ قطُّ (٤) إلَّا نُصِرَت، وإن قلَّت وكثُرَ عدوُّها. أحدها: الثبات.

стр. 529

الثاني: كثرة ذِكْره . الثالث: طاعته وطاعة رسوله. الرابع: اتِّفاق الكلمة، وعدم التنازع الذي يوجِب الفَشَل والوَهَن، وهو جُندٌ (١) يقوَّي به المتنازعون عدوَّهُم عليهم؛ فإنهم في اجتماعهم كالحِزْمَة من السِّهام، لا يستطيع أحدٌ كسرها، فإذا فرَّقها وصار كلٌّ منهم وحده؛ كسرها كلها. الخامس: مِلاك ذلك كله وقوامه وأساسه، وهو الصبر. فهذه خمسة أشياء تُبْتَنى (٢) عليها قُبَّة النَّصْر، ومتى زالت أو بعضها؛ زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت، قوَّى بعضُها بعضًا، وصار لها أثرٌ عظيمٌ في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة لم تقمْ لهم أمَّةٌ من الأمم، وفتحوا الدُّنيا، ودانت لهم العباد و (٣) البلاد، ولما تفرَّقت فيمن بعدهم وضَعُفت؛ آل الأمرُ إلى ما آل. ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، والله المستعان، وعليه التُّكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل (٤). (*)

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .