← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كالرّواح إلى تعلُّم العِلْم، فيذهب على وضوء، ذاكرًا الله ، عامدًا إلى روضة من رياض الجنة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وصل إلى الموضع؛ دخل بأدبٍ، وسلَّم، ووضع سلاحَه، وحَسُنَ أن يصلي ركعتين، وليست (١) بتحيَّة البقعة، ولكنها مفتاح للنجاح والإصابة، فالأمور إذا افتتحت بالصلاة، كانت جديرة بالنُّجْح، ثم يدعو ويسأل الله التوفيق والسَّداد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يا علي! سَلِ الله الهُدَى والسَّداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسَّداد سداد السهم" (٢). ثم يُخْرِج قوسَه ويتفقَّده، ثم يتفقَّد سهامه، فيُمِرُّها على إبهامه، وينظر ما ينبغي الرَّمي به، فإذا وقع اختيارُه على رشق منه - وهو النَّدب - مسحه، وتركه، ثم يُوتِر قوسه، ويتفقد وَتَرَه، وينظر في سِيَة (٣) القوس ومَغَامِزها، فإن كانت على الاستواء، رَمَى عليها، وإن كانت على (٤) اختلاف، تجنَّبها. فإذا رمى رسيله، لم يبكِّته على خطإ، ولم يضحك عليه منه؛ فإنَّ هذا من (٥) فِعْل السُّفَّل، وقلَّ أن أفلح مَنِ اتَّصف به، ومن بَكَّتَ بُكِّتَ به، ومن ضَحِك من الناس، ضُحِك منه (٦)، ومن عيَّر أخاه بعمل، ابتُلِي به ولا بُدَّ، ولا يَحْسِدُه على إصابته، ولا يصغِّرها في قلبه،

стр. 457

ويقول: رَمْية من غير رام ونحو هذا من (١) الكلام، ولا يَحْسُن أن يُحِدَّ النظر إلى رسيله حال رميه؛ فإن ذلك يشغله، ويشوِّش عليه قلبه، وجمعيَّته، وينبغي للرُّماة أن يخرجوا هذا من بينهم فإنَّ ضرره يعود عليهم. فإذا وصلت النوبة إليه قام، فشمَّر كُمَّهُ وذَيْلَه، وسمَّى الله، وأخذ سهامه بيمينه، وقوسه بيساره، ووقف على موقفه بأدبٍ وسكينةٍ ووقارٍ وإطراقٍ ولَبَاقةٍ وخفَّةٍ واستمدادٍ ممَّن الحولُ والقوَّة بيده أن يُمِدَّه بالقوة (٢) والإصابة، ويجعل سهامَه بين رجليه، وسِيَةَ قوسِه السُّفْلَى على الأرض، والعليا عند صدره، ثم يأخذ السهم (٣)، فيديره على إبهامه، ويمسك القوس بلباقة، ويُفَوِّق عليه السهم كما ينبغي، ويعتمد على وسطها، ويمدُّ، فإذا بلغ نهايته، سَكَن قليلًا، ثم أطْلَق. فإذا خرج السَّهمُ، تأمَّل موضع وقوعِه، فإنْ مرَّ سادًّا حفظ ذلك الوضع والهيئة، ورعاهما كلما رمى، وإن خرج إلى يمين الغرض أو يساره أو أعلاه أو أسفله، نظر في علَّة ذلك، ومن أي شيء حدث، هل هو من قِبَل القوس، أو الوتر، أو السهم، أو الريح، أو من قبل الرامي نفسه، إما مِنْ قبضه، أو عقده، أو إطلاقه، أو نظره؟ فإذا وقع على علَّة الخطإ تجنَّبها، وسمَّى الله تعالى عند كلِّ رمية، فإن أصاب، حَمِدَ الله تعالى، وأثنى عليه، وقال: هذا من فضْلِ ربي، وإن

стр. 458

أخطأ، فلا يتضجَّر، ولا يتبرَّم، ولا يَيْأس من روح الله تعالى، فخطأُ هذا الباب أحبُّ إلى الله من الإصابة في أنواع اللعب سواه. ولا يشتم قوسه، ولا سهمه، ولا نفسه (١)، ولا أستاذه؛ فإن هذا كله من الظُّلْم والعُدْوان، ولْيصابر الرمي وإن كثر خطؤه، فيوشك أن ينقلب الخطأ صوابًا، وليعلم أن الخطأ مقدمة الصواب، والإساءة مقدِّمة الإحسان. ولقد حُكِيَ عن بعض أكابر العلماء أنه تكلَّم يومًا في مسألة، فأصاب، فاستحسنه الحاضرون، وقالوا: أحسنت والله، فقال: واللهِ ما قيل لي أحسنت حتى احمرَّ وجهي من خطئي فيها كذا وكذا مرة، أو كما قال. ولا يفتُّ في عضده ما يرى من إصابة غيره، وحذقه، وعدم وصوله هو إلى تلك المرتبة؛ فإن هذا ليس بنقص، بل النَّقص كل النقص أن تتقاصر همَّته عن البلوغ إلى درجة ذلك، ولا يحدِّث نفسه بأن يصل إلى ما وصل إليه، فهذا هو الذي لا يفلح؛ فإنَّ المُعَوَّل على الهِمَم، وقد قيل: إذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئٍ … فَكُنْهُ يَكُنْ مِنْكَ مَا يُعْجِبُكْ فلَيْسَ عَلى الجُودِ والمَكْرُمَاتِ … إذا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكْ (٢)

стр. 459

وقال آخر (١): لا يُؤيِسَنَّك مِنْ مَجْدٍ تُباعِدُهُ … فإنَّ للمَجْدِ تدْرِيجًا وتَرْتِيبا إنَّ القَنَاة الَّتي شَاهَدْتَ رِفْعَتَها … تَنْمُو وتَصْعَدُ أُنْبُوبًا فأُنْبُوبًا فصلٌ في الخصال التي بها كمال الرمي رأيت للأستاذ أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الطَّبَرِي (٢) في ذلك كلامًا حَسَنًا أمليه (٣) بلفظه قال: "ينبغي أن يَجْعَل الرامي عينَه اليمنى من خارج القوس مع النصل على الغرض ويكون نظرُه بعينه اليمنى من فَوْق عقد السبابة اليسرى من قبضته، ويفْتُلُ خِنْصَرَهُ على جانبه الأيمن قليلًا قليلًا (٤) فَتْلًا خفيفًا فيه يصحُّ الاعتماد وتمام النظر من العين اليمنى من خارج القوس، وينبغي أن يُسْبِل كتفه اليسرى؛ ليطول شماله،

стр. 460

ويَقْصُر سهمُه، ويَحْسُنَ جَرُّه، ويستوي بطنُه عند آخر وفائه، وتكون العقدة الأخيرة من أصل إبهامه اليسرى موازية لرأس مَنْكِبه الأيسر، ويمدَّ وهو كذلك؛ لا (١) يخفض شماله ولا يُصْعِدها، وتكون المداراة لزيادة السَّهم ونقصانه بالزَّنْدِ. وأما مقدار السَّهم: فقد اختلفت أقوال الرُّمَاة فيه، والصوابُ أن مقداره ما يحسن بالرامي استيفاؤه حتى يبلغ نصلُه إلى العُقْدَة الأولى من الإِبهام، ويكون مرفقه الأيمن موازيًا لمَنْكِبه وقبضتُه في خطِّ الاستواء، ومتى طوَّل مقداره عن ذلك أو قصَّره؛ اضطرب له اعتماده. ومن سبيل الرمي أن يَغْمِز على المِقْبض بأليةِ كفه اليسرى والضرة بين العقدتين من الإبهامين غمزًا واحدًا إلى أن يستوفي سهمه، وبهذا تتمُّ صحة القبضة والسرعة. فإذا أراد أن يُفْلِت السَّهم، زاد في غمزه بالضرب من حيث لا تُنقص قوة (٢) أليةُ الكفّ على ما كان في يده، وبهذا تتمُّ صحة القبضة، والسرعة، والنِّكاية. وسبيل الفَتْلة: أن تُعقدَ على ثلاثة وستين، وأن تَعْتَمِد على إبهامك أكثر من سبابتك، ولا ترفع طرف إبهامك عن العقدة حتى تواري عقدة الوسطى من سبابتك اليمنى، ويكون موقعُ الوتر النصف من سبابتك اليمنى. فإذا أردت الإطلاق؛ فسبيله أن تُطْلِق بعد الوفاء واستقرار النصل

стр. 461

بين عقدتي الإبهام مع القبضة بمقدار يعدو النصل (١)، وتفرك السهم عن الوتر بالإبهام من أسفل الفُوق، وبالسبابة من فوقه، بحيث لا يصيب شيءٌ من إبهامه وسبابته للفوق، ويزن السهم، ويفتح وسطه مع سبابته وإبهامه في وقتٍ واحدٍ عن الإطلاق؛ فإن ذلك أُسّ الإِطلاق، وأسْلَس للسهم، أو أسرع (٢)، وأنْكَى مِن فتح سبابته وإبهامه فقط، ومِن فَتْح أصابعه الخَمْس في وقت الإفلات". فصلٌ في النَّكَاية قال الطَّبَرِيُّ (٣): "قال لي عبد الرحمن الفَزَارِي: أصلُ الرمي إنما وُضِعَ للنِّكاية، فمَن لا نكايةَ له؛ لا رمي له عند علماء هذه الصِّناعة وحذَّاقها من المتقدِّمين. وكان الذي يقع به الفضل بعد بلوغهم نهاية الرمي والحذق شيئان: أحدهما: طنين الوتر، وصفاء صوته بعد إفلاته. والثاني: شِدَّة نِكَايته. فمَن صحَّ صوت وتره منهم وأنكى كان له فضلٌ عندهم. فإن تكافؤوا في طَنيْن الوَتَر، وصَفَاءِ صوته، والنِّكاية، والسُّرعة، والإِصابة؛ لم يبق لأحدهم فضل على أصحابه (٤) إلا شيء واحد، وهو

стр. 462

صحة الكُشْتِبَان (١)، وعدم تأثير الوَتَر فيه؛ فمن كان عقده صحيحًا. وسَلِم كشتبانه من حزِّ وتَرِه (٢)؛ كان أحذقَ الرماة وأفضلهم. قال: وكان طاهرٌ (٣) البلخي وأبو هاشم وإسحاق وغيرُهم من الأكابر يخفون كشاتبينهم، ولا يظهرونها لأحد (٤)؛ خوفًا أن يوجد غير سالم من جهة الوتر (٥)، فيسقط من حَدِّ الأستاذيَّة عند نظرائه (٦). وقال: بذلتُ جَهْدي في طَلَبِ رامٍ ليس في وجه كشتبانه أثر ولا عيب، فلم أجد". قال الطبري: "فسألتُ أُستاذي (٧) أن يريني كُشْتِبَانَه، فامتنع، فلم أزل ألحَّ عليه حتى أجابني، ثم أخذه وأنا أرى، فرمى عليه، ثم دفعه إليّ لمعرفته (٨) فوجدتُه مستوي الجرَّ، لا انحراف فيه ولا مَيْل، سَلِيْم الوَجْه من شَعْثِ الوَتَر، وكان طَاقًا واحدًا أديمًا (٩) صَلْبًا لا حَشْو فيه، متوسط الغِلظ

стр. 463

وقال العبَّاس القرشي - وهو من أكابر (١) تلامذة طاهر -: إنه اجتهد أن يرى عقد طاهر، فلم يَقْدر، إلى أن دخل معه الحَمَّام، فاستخرج كُشْتِبَانه من ثيابه، فنظر فيه، فإذا هو لا أَثَرَ فيه، فعلم أنَّ مداراة (٢) الرمي وصِحَّتَه في الكُشْتِبَان". قال الطبري: "وقال لي (٣) عبد الرحمن: النكاية عشرة أشياء: تسعة منها في الوفاء التام الصَّحيح، وواحد في الرامي. والوفاء وفاءان: أحدهما (٤) أن يبلغ نصلُ السهم إلى العُقْدة الأولى من الإبهام، فمَن قال بهذا الوفاء، أنكر على من يَجُوزُ بالنصلِ هذه العقدة الأولى من الإبهام، واحتجَّ هؤلاء بأن قالوا: النَّصل عدوٌّ، وليس للإنسان أن يدخل العدو على نفسه. والوفاء الثاني: بلوغ النَّصل ما بين العقدتين من الإبهام. وقال عبد الرحمن: سمعنا من شيوخنا أن مدَّ وفضل النصل في السهم أنفذ شِبْرًا في الدَّرقة، وأنهم شبهوا الوفاء الأول بالدُّخان الذي يلحق العدو من النَّار الموقدة التي يرمون بها، والوفاء الثاني بإصابة النار نفسها لهم. قال: وقد قال قومٌ: إنَّ الوفاء إلى طرف (٥) الظفر، وضعَّف غيرهم

стр. 464

هذا الرأي". قال الطبري: "وفي الرمي ثلاث خصال: واحدة في الإنسان، وأخرى في القوس، والثالثة في السهم. فأما التي في الإنسان، فخمسة عشر شيئًا: أربعة في القفلة، وثلاثة في القبضة، وخمسة فى الإطلاق، وواحدة في الفم وقت الإطلاق، واثنتان في الصدر. فأما الأربعة التي في القفلة: فهي شِدَّتها (١) في نفسها وَقْت الجَرِّ أشد ما يكون بالأصابع كُلِّها غير السبابة؛ فإنها تكون دونهن، والثلاثة الأُخر في صحة القفلة، وصحَّتها أن يعقد ثلاثًا وستين، ويكتم ما استطاع (٢) الأظافر من الأصابع الثلاث: الخِنْصَر، والبِنْصَر، والوسْطى، حتى لا يرى منها شيء، وأن يجعل الوتر من إبهامه دون الجرّ مما يلي أصلها (٣) مستويًا لا انحراف فيه ولا تعويج، ويجعل طرف الإبهام فوق عقدته الوسطى من أصبعه الوسطى (٤)، لا تتحرك عنها إلى وقت الإفلات، ويجعل سَبَّابته على لحم إبهامه بعد أن يرمي باطن لحم سبابته إلى ظهر إبهامه على الجزء الأوَّل من السبابة على جَنْبِ إبهامه مما يلي الوَتَر،

стр. 465

ويعطف طرف سبابته، ويجعل الجزء الثاني من سبابته على جَنْب ظاهر إبهامه مما يلي الفُوْق، ويجعل جانبي الفُوْق بين الإبهام والسبابة، محاذيًا لما بين العقْدة الأخيرة من أصل سبابته وبين الجزء الثاني، ويحمل السبابة عن (١) بدن السهم قليلًا من أول جرِّه إلى مخرج السَّهم عن يده. وليحذر الرامي كلّ الحذر (٢)، أن يغمز سبابته على شيء من فوق سهمه في مدِّه (٣) وإفلاته، فيتعوَّج سهمُه، وتكثُر آفاتُه بعد الإطلاق. وأما الثَّلاثة الأُخَر التي في القبضة: فواحد منها: شدّتها في نفسها وقت الجَرِّ أبلغ ما يكون بجميع الأصابع. واثنان منها: في صحتها، وهي أن تجعل متن (٤) مقبض القوس ما بين جَرِّ أصول (٥) أصابعك الأربعة ورأسه الأعلى ما بين عُقدتي إبهامك والأسفل على مقدار عرض أصبع واحدة مما يلي الكف. وأما الخمسة التي في الإطلاق: فثلاثة منها في الإبهام والسَّبابة والوسطى، وقد تقدَّمت.

стр. 466

واثنان في صحة الإطلاق: بأن يَغْمِزَ على الوَتَر بإبهامه من أسفله، وبالسَّبَّابة على الوتر من فوق القوس، بحيث لا يصيب الإبهام ولا السبابة بشيء من فُوْق السهم ولا بدنه وقت الإفْلات. وليحذر الرامي أن يفتح وقت إفلاته خِنْصَره وبنصره؛ فإنَّ شدَّة الكفِّ بهما، ولْيَفْتح الوسطى مع السبابة والإبهام؛ فإن في فتحها منافع كثيرةٌ: منها: سلاسة الإطلاق. ومنها: سلامة (١) وجه الكُشْتِبَان. ومنها: أنه يأمن بفتح الوسطى من مسِّ الوَتَر لِطَرفِ سبابته وإبهامه بَعْد الإطلاق. وأما الذي في الفَم: فهو أن يستنشق الهواء من أول مَدِّهِ إلى وقت وفائه قليلًا قليلًا، فإذا أطلق، تنفَّس مع إفلاته تَنَفُّسًا خفيًّا من حيث لا يشعر به مَنْ هو إلى جانبه. وأما الشِّيئان اللذان في الصدر: فأحدهما: أن يجمع صدره من (٢) وقت مدِّه إلى آخر استيفائه، حتى يكون صدرُه في آخر الوفاء أضيق ما يكون. والثاني: أن يفتح صدْرَه في نفس إطلاقه؛ ليحصل لكل كَتِف

стр. 467

وطرفٍ من يديه جزءٌ من القوَّة، فكأنه يعين كتفيه ويديه (١) بصدْرِه". قال الطبري: "فإذا أحكم الرامي جميع هذا، ولم يُنْقِص منه شيئًا؛ كان راميًا كاملًا، ولم يرمِ جَوْشَنا (٢) ولا خُوْذَة ولا باب حَدِيد إلا أنفذه. فصلٌ في جُمَل من أسرار الرمي ذكرها الطبري في كتابه وهي عشرون سرًّا: فمنها: ثلاثة مستوية، وثلاثة معوجَّة، وثلاثة ليِّنة، وثلاثة شديدة، وثمانية تُفرَّق (٣) في سائر البدن. فأما الثلاثة المستوية: فرأسُ القوس، والزجُّ - وهو النصل -، والمِرْفَق. وأما الثلاثة المعوجَّة: فرِجْل الدشتان عند الإيْتَار، ومُقَدَّم الرِّجْلَين عند القيام (٤) للرَّمي. وأما الثلاثة اللَّيِّنة: فعقد ثلاث وستين، ومقْبض اليسار، ومِرْفَق اليسار.

стр. 468

وأما الثمانية المفرّقة (١): فأوَّلها: أن لا يشد على القبضة في أوَّل المدّ، ويشدّها في آخره. والثاني: أن (٢) لا يرخي عقد الستين على الثلاثة، ولا يتَّكئ عليها، بل يجعل بينها فرجة في المدِّ عند الإطلاق، فهو أصلح له. والثالث: أن يجعل بُعد الوَتَر عن وجهِهِ قدر ثلاث أصابع، وأقله أصبع واحدة، وعند الإطلاق يُخرِج سِيَة (٣) قوسه قليلًا. الرابع: أن يكون أول المَدِّ برفقٍ إلى وقت الإطلاق. والخامس: شدّ الشِّمال على المقبوض جدًّا كلما أمكن. قالوا: حتى يكاد الدم يخرج من الظفر، وعليه إجماع الرُّماة؛ لأن في استرخائها عند الإطلاق آفاتٌ كثيرةٌ. والسادس: إذا رمى إلى بُعْدٍ اتَّكأ على رجله اليمنى، وإذا رمى إلى (٤) قربٍ اتَّكأ على رجله اليسرى. السابع: أن يكون بين أصابع زِنْدِه اليسرى وبين المقبض فُرْجَة؛ حتى لا يلحق الكُرْسُوع، فهو أشدُّ لها. والثامن: أن يترك الحرص على طلب الصَّائب، ويجعل حرصه

стр. 469

على صحة العمل وتوفيته حقَّه. فإذا فعل ذلك جمع الحذق والإصابة. فصلٌ في القيام والجلوس القيام على ثلاثة أوجه: - أما مذهب الأستاذ طاهر (١): فإنه كان يقوم بحِذَاء الرُّقْعة متوجِّهًا، مستوي الرجلين بينهما قَدْرُ عظم الذِّراع، ويعلِّم ذلك تلامذته. - وأما الأستاذ أبو هاشم: فإنه كان يقوم مُنْحَرِفًا يسيرًا بين المتوجِّه والمنحرِف، وزعم أنَّ هذا أعدل القيام للرمي، وعليه أكثر من يرمي في الإشارات. - وأما مذهب الفُرس والرُّوم: فيقولون بالانحِراف جدًّا، ويجعلون المَنْكِب الأيسر حِذَاء الرُّقْعة، ويلصق الرامي أحد رِجْليه بالأخرى (٢). فصلٌ وأما الجلوس؛ فعشرة أوجه (٣): - فأما مذهب أبي هاشم: فإنه كان يقعد على رجله اليمنى، ويقيم

стр. 470

اليسرى، ويشدّ يده إليها. - وكان البلخي إذا أراد الرمي في القرب، قعد على يمينه، ويقيم ركبته اليسرى، ويشدُّها إلى يساره. وإذا أراد البعد، قعد على يساره، وأقام ركبته اليمنى، وشدَّ يده إليها. وزعموا أنه كان يرمي بهذا المذهب خمس مئة ذراع. - وأما عبد الله بن زيد: فإنه كان يقعد على قدميه، ويقيم رأس ركبتيه، ويضع أَلْيَتَهُ على الأرض إذا استوى. وهو صَعْب. - وطائفة أخرى تقعد على الرجل اليمنى وتقيم اليُسرى، وهذا يصلح للرمي مع السلاح. - قال الطبري: "ورأيت منهم من يبرك (١) على الركبتين جميعًا ويرمي، وكان بعض الأستاذين يقعد على الركبة اليسرى، واليمنى بائنة عنها، ويرمي من وراء رُكبتيه (٢)، وهذا مذهب ينسب إلى (٣) الكاغَدِي". - وأما الأستاذ أبو موسى: فإنه كان يقوم قائمًا بحذاء الرقعة، ورجلاه مستويتان ملتصقتان، ثم يجرُّ الرجل اليسرى إلى خلف، ويقعد على عقبه، ويكون مشط الرجل اليمنى ملتصقًا بالركبة الشمال، وعلى ركبته اليمنى إلى خلف.

стр. 471

وفي شدِّ الركبة على الأرض معنى لطيف. - وأما مذهب الزرَّاد: فإنه كان يجعل قدمه اليسرى خلف ألْيَتِهِ، ويجعل رأس الركبة اليسرى بحذاء المنكب، والقدم (١) اليمنى بائنًا عن الركبة اليسرى، ويرمي. - وأما مذهب طاهر: فإنه كان يجلس متربّعًا متصدِّرًا، ويأمر تلامذته بالجلوس على الرجل اليسرى، والاتِّكاء على اليسار. - ومن الرُّماة من كان يقعد على رجله اليسرى، ويجعل ركبته اليمنى على ركبته اليسرى مبسوطة إذا أراد أن يرمي في القرب، فإذا أراد البُعْد، جلس على رجله اليمنى، وبسط اليسرى عليها، كما فعل في الابتداء ويرمي. ولكلِّ مذهبٍ من هذه المذاهب وجهٌ حسنٌ، وخاصيَّة. فصل: مشتمل على: فصول من طِبِّ الرمي، وعلاج علله، وآفاته فصلٌ منها (٢) فمن العلل: أن يمس الوَتَر بذراع الرامي، وذلك يكون من أسباب

стр. 472

عديدة: أحدها: دِقَّة (١) المقْبَض. الثاني: سِعَة الكف. الثالث: دخول زِنْدِه في القوس. الرابع: اسْتِرْخَاء قبضة يده اليسرى. الخامس: طول الوَتَر. السادس: قيام أسفل القوس. السابع: من جهة كُمِّه إذا لم يشمِّرْه. الثامن: من شِدِّه الجَبْذ. التاسع: صَلابة القوس. العاشر: سِعَة حلقتي الوَتَر. الحادي عشر: كَثرْة لَحْم الرَّاحة. الثاني عشر: استرخاء مفاصله. الثالث عشر: لين الوتر على القوس الصّلبة. الرابع عشر: عِوَج القبضة أو السِّيَة (٢).

стр. 473

ويمس الوتر ذراع الرامي في أربعة مواضع: أحدها: في الساعد. الثاني: في الكُرْسُوع، وهو طرف الكفّ. والثالث: بقرب الكُرْسُوع. والرابع: من القبضة. فأما مسّ الساعد؛ فمن ثلاثة أشياء: أحدها: صلابة القوس، وضعف الرامي عليه. والثاني: من سوء الجبذ مع طول ذراعه. والثالث: من طول الكُمِّ. وأما مسّ الكُرْسُوع؛ فمن ثلاثة أسباب أيضًا: أحدها: إدخال زِنده في القوس. الثاني: طول الوتر. الثالث: قيام أسفل القوس إذا لم يرفعه بزنده الأسفل. وأما مسه لما تجاوز الكرسوع؛ فمن سبعة أسباب (١): أحدها: سعة حلقتي الوتر. الثاني: كثرة لحم الرَّاحة.

стр. 474

الثالث: استرخاء المفاصل. الرابع: دِقَّة المِقْبَض. الخامس: سِعَة الكف. السادس: استرخاء القبضة في (١) القوس. السابع: عوج القبضة والسِّيَتَيْن (٢). وأما ما يمسه في القبضة: فمن طول الوتر ولينه، ولا سيما إن كانت القوس معجرة صلبة. ذكر ما يصلح به هذه الآفات: أما ما كان منها من جهة الكفِّ: فإن سبيل القبضة أن تَقْبِض عليها بجميع الكف، فإن بقي بين الأصابع والكف مقدار عرض نصف أصبع فحسن، وإن زاد أو نقص، فلا خير فيه. فما كان من هذه الآفات من سِعة (٣) الكفِّ ودقَّة المقبض، فعلاجه: بأن يلفّ على المقبض شركة (٤) طويلة من أدمٍ مبلولة رقيقة بقدر الحلقة (٥)، فإن أعوزه؛ فحاشية ثوبٍ رقيقٍ صفيقٍ، ويشدُّه شدًّا

стр. 475

قويًّا؛ لئلا يفلت (١) من المقبض. وما كان منها من الوتر: فتَلَهُ (٢) أو عَقَدَه. وما كان من القوس: أصْلَحه بتفقُّده وإزالة عيبه، أو الاستبدال به، فإن ألحَّ عليه من الوتر، ولم يقدر على إزالته؛ فليدفع بمقدار عرض أصبع ونصف أصبع من الوتر الأعلى ونصف أصبع (٣) من الأسفل، فلا يعتريه المسّ بعدها أبدًا (٤). فصلٌ في استرخاء قبضة الشمال وما يزيله واسترخاؤها يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: اجتماع لحم أصول (٥) الأصابع، فيغطي بعضُها بعضًا، فتسترخي لذلك. والثاني: من دقَّة المقبض وسِعَة الكف، فلم يمكنه شدها. والثالث (٦): أنْ يشدَّ أصابعه الثلاثة: الإبهام، والسبابة،

стр. 476

والوسطى، فيسترخي من أجلها الأصْبَعان (١) الخِنْصر والبِنْصر. وما كان من جهة اجتماع لحم أصول الأصابع؛ فعلاجه: بإنزالها إلى بطن راحته، وتحريفها (٢). . وما كان من جهة (٣) سعة الكف ودقة المقبض؛ فعلاجه: بما تقدَّم. وما كان من جهة شد (٤) أصابعه الثلاث؛ فعلاجه: بإرخائها قليلًا. فصلٌ في آفة عَقْر السبابة من اليد اليمنى وعلاجه تتعَقَّرُ السَّبَّابة (٥) وقت الإيتار من وجهين: أحدهما: أن يعتمد وقت تكبيد (٦) القوس على أصابعه، ولا يعتمد على كفِّه، فيأكل طرف السِّيَة أعلى سبابته. الثاني: أن يكون من شدَّة القوس عليه، وإخراجها إلى الاستعانة (٧)

стр. 477

بجميع (١) كفِّه، فتقع سبابته على قائم السِّيَة، فيعقرها، فإن كان من أصابعه أوتر القوس بجميع كفه، فيلف عليها خِرْقَة ويعتمد عليها بكفه. فصلٌ في آفة مس الوتر لأُذُنِ الرامي ولِحْيته وعلاجه أما هذه الآفة؛ فلها أسباب: أحدها: لين الإطلاق. الثاني: مَيَلَان سِية القوس على (٢) جِهَة السَّهم. الثالث: خروج أسفل القوس فوق المقدار. الرابع: عبثه برأسه إذا صارت يده عند (٣) منكبه. فإذا تجنَّب هذا؛ لم يمسه الوتر، فإنْ ألحَّ عليه الوتر أخرج وجهه قليلًا عن الوتر. وعِلَّة مس الوتر لحيته (٤): إما من خفض رأسه؛ فعلاجه: برفعه، وإما من ميلان سِيَة القوس، وعلاجه: بتعديلها.

стр. 478

فصلٌ في آفة كَسْر ظُفْر الإبهام في العقد وعلاجه هذه الآفة لها أسباب: أحدها: أخذه على اللحم دون المفصل، لا سيما إن كان إبهامه قصيرًا. الثاني: من تطريفه السبابة على الإبهام. الثالث: من كزازة الإرسال: بأن يفتح إبهامه قبل سبابته، فيضغطها الوتر، فتسودَّ وتندمل. وعلاجه: فتح السبابة قبل الإبهام أو معها. الرابع: من (١) حزِّ الكُشْتِبَان في الوتر. الخامس: من طول مِلْفَاف الكُشْتِبَان (٢). وعلاج ما كان من التطريف: بأن يجعل ثلثي السبابة على اللحم، وثلثها على الظفر. وعلاج طول الكُشْتِبَان: بتقصيره. فصلٌ في آفة لحوق السبَّابة عند الإطلاق وعلاجه (٣) هذه الآفة في ثلاثة أشياء:

стр. 479

أحدها: شِدَّة التمطِّي. والثاني: شِدَّة القوس وضعف الرامي، فيكون إطلاقه غير ممكن. الثالث: من عقد ثلاث وعشرين فتطول السباب على الوتر، فيلحقه. وعلاجه: بتجنُّب ذلك، والتحرّز منه (١). فصلٌ في آفة ردِّ السهم وقت الإطلاق وعلاج (٢) هذه الآفة: تكون من ذراعه إذا لم يفلته وقت الجبذ، فإذا جبذ، دخلته رخاوة، فإن أصابه ذلك؛ فليبسط شماله، ويفتح ذراعه، ويضغط (٣) يمينه عند الإرسال، فتزول العلّة. فصلٌ في آفة الكزازة وما يزيلها الكزازة تكون (٤) في اليد اليمنى وفي اليد اليسرى من شيئين:

стр. 480

أحدهما: سفل (١) يده اليسرى في القبضة، فإذا سفلها، عَلَت اليدُ اليمنى عليها، فوجد السهمُ فراغًا في القبضة، فطاش السهم. الثاني: أن يرفع يدهُ اليمنى نحو أذنه، ويسفل الشمال، فيقع سهمُه في الأرض قريبًا منه. وعلاجُ هذه العلة: إن كان من يده اليسرى، فليرفع يده في المقبض قليلًا حتى يترك من القبضة مقدار عرض أصبع. وإنْ كان من يده اليمنى، فعلاجها: أنْ يقوم على أربعين ذراعًا أو أكثر واقفًا، ويجعل العلاقة في الأرض، ويرميها (٢)، ويرمي عليها، حتى تزول. فصل في آفة ضرب سِيَة القوس الأرض عند الإطلاق هذه العلَّة تعتري الجالس للرمي من أربعة أسباب: أحدها: خروجه عن قوسه، واتِّكاؤه بأكثر جسمه. الثاني: من سوء جِلْسته؛ بأن يعتمد على رجله اليسرى، ويترك الاعتماد على اليمين. الثالث: من قوَّة قوسه عليه، فيستعين بجسمه على جبذها، فيسوقه أكثر ما (٣) يسوقها.

стр. 481

الرابع: أن تغلب يده اليسرى ليده اليمنى وقت الجبذ. فإن كان من اتِّكائه بجسمه عليها فعلاجه: أن (١) يأخذ قوسه، ويقف واقفًا، ويرمي على غرضٍ مرتفعٍ عالٍ (٢). وإنْ كان من سوء جلوسه، فلْيصلِحْهُ، وليَعْتَمِد في جلسته على رجله اليمنى، ويطوي ساقه اليمنى، ويوقف الشمال. وإن كان من قوّة قوسه، أبدلها بغيرها. وإن كان من غلب يده اليسرى؛ فلينازع في القبضة إلى أن تعتَدِل. فصلٌ في عِلَّة كَسْر فُوْق السهم وعلاجه كسره يكون في موضعين: أحدهما: أن ينكسر فينشق الفُوق بنصفين. الثاني: أن ينكسر أحد (٣) جانبي الفوق. فأما شقُّه بنصفين، فيكون من علَّتين: إحداهما: خشونة الوتر، وضيق شقّ الفوق. الثانية: أن يدخل الفوق في الوتر، فلا يصل الوتر إلى آخر الشق، ويبقى بينهما فرجة، فإذا أفلت السهمُ؛ ضرب الوتر إلى أصل الفوق فشقه.

стр. 482

وأما كسر أحد جانبيه؛ فمن غمز الرامي على الفوق بالسبابة، فينكسر جانبُه، وهو عيبٌ فاحشّ، وأكثر ما يعتري المبتدئ لصناعة الرمي. وعلاجه: باجتناب (١) الغمز على الفوق بالسبابة، وترك السبابة على السهم لينة. فصلٌ في عِلَّة حركة القوس بالسهم عند خروجه من كبد القوس، وعلاج ذلك (٢) حركته تكون من خمسة عشر سببًا (٣): أربعة منها في الوتر، وستة في السهم، وواحدة في القوس، وأربعة في الرامي. فالأربعة التي في الوتر: طولُه، وغلظُه، ورقَّتُه، وأن تكون إحدى عُرْوتَيه واسعة والأخرى ضيِّقة. والتي في القوس: أن تكون السِّيَتَان من جنسين مختلفين، تكون إحداهما: خشبًا ليّنًا، والثانية: من خشب صلب. والستّة التي في السهم: أن يكون ريشه مخالفة، فتكون ريشة خفيفة، واثنتان ثقيلتين، أو بالعكس، أو ريشة نائمة، واثنتان قائمتين، أو بالعكس، أو ريشة عريضة واثنتان دقيقتين، أو بالعكس، أو يكون

стр. 483

النصل خفيفًا والسهم ثقيلًا، أو بالعكس. وعلاجه: بإصلاح ذلك كله. والأربعة التي في الرامي: أن يغمز بالسبابة على السهم، أو تكون قبضته رخوة، أو تكون القوس لا توافقه، أو السَّهم لا يوافقه (١). فصلٌ وتحريك السهم على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يتحرَّك من أول خروجه إلى حين وقوعه. والثاني: أن يتحرَّك من أوَّل خروجه، فإذا توسَّط المدى؛ استدَّ. الثالث: أن لا يتحرك في أوَّل خروجه، فإذا توسط المدى؛ تحرَّك حتى يقع. فصلٌ فأما الذي يتحرَّك من أول خروجه إلى حين وقوعه؛ فيكون من ستة أسباب (٢): أحدها: من عِوَجٍ في السهم. الثاني: أن يكون رِيْشُه غير معتدل. والثالث: أن يكون النَّصل خفيفًا، والريش كثيرًا.

стр. 484

والرابع: أن يكون النصل ثقيلًا والريش قليلًا (١). والخامس: أن تكون إحدى الريشات (٢) قائمة والأخرى راقدة. والسادس: أن يكون الفُوْق ضيِّقًا، والوتر خشنًا، فيخرج مضغوطًا. فصلٌ وأما الذي يَخْرُج من أوَّل وهْلة مستقيمًا ثم يتحرَّك إذا توسَّط المدى؛ فمن ثمانية أسباب: أحدها: خفَّة السهم وقوة القوس. الثاني: سعة الفوق، ودقَّة (٣) الوتر. الثالث: من نقب (٤) يكون في السهم، أو شقٍّ يكون فيه، فإذا دخله الهواء؛ تحرَّك، وكان المانع له من حركته في أوَّل وَهْلة قوَّة السهم وغلبة الريح، وكلما أبعد وَهَتْ (٥) قوَّته؛ وإلا كان يمر إلى غير غاية فصادفت الريح قوته قد نقصت (٦)؛ فحرَّكته. الرابع: استرخاء الكف في القبضة عند الإفلات.

стр. 485

الخامس: عوَج السهم بقرب النَّصل أو الفُوْق. السادس: سِعة عُرْوة الوتر. السابع: أن تكون القبضة في القوس معوجَّة، أو أحد بَيْتَيها معوجٌ. الثامن: دخول بيت الإِسقاط على بيت الرمي. فصلٌ وأما الذي يتحرَّك آخرًا ولم يتحرَّك أولًا؛ فسببه أن العِلَّة لم تَعْمَل فيه إلا عند فتوره؛ فإنه كان عند خروجه في غاية القوَّة والشدِّة (١)، وكانت قوَّته تغلب عليه، فلما وهنتْ قوَّته، ظهرتْ علَّتُهُ، فإنَّ قوَّة السهم (٢) كقوَّة البدن، فإذا غلبت على العلَّة، لم يظهر أثرُها، فإذا وهنت القوى (٣) وضعفت عند آخر العمر؛ ظهرت العلل، وكان الحكمُ لسلطانها. فصلٌ وأما الذي يخرج متحرِّكًا، فإذا توسَّط استدَّ (٤)؛ فيكون ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها: رقَّة السِّيَتَيْن واعوجاجهما.

стр. 486

الثاني: غمز السبابة على السهم مع الوتر غمزًا قويًّا. الثالث: قوَّة القوس وضعف الرامي. وإنما تحرَّك أولًا من جهة أن السِّيَتَيْن باعوجاجهما دفعتا دفعتين مختلفتين، فيعوجُّ السهم من أجلهما، فإذا توسَّط مداه؛ خفَّت تلك العلة، فاستدَّ (١). وكذلك إذا غمز بالسبابة على السهم غمزًا فاحشًا؛ يعوج السهم وهو في القوس، لا سيما إن كان شِقُّ الفُوق واسعًا، فإذا خرج السهمُ من القوس؛ رجع مستويًا في سيره، فخفَّت العلَّة، فاستدَّ السهم. وكذلك من ضعف الرامي وشدَّة القوس، تَعْتريه عيوبٌ كثيرةٌ، فليَحْذَرِ الرامي كل الحذر: أن يرمي بقوسٍ فوق مقداره؛ فإنه تكثر عيوبه، وتقلُّ نكايته، وتعتريه في نفسه عيوبٌ كثيرةٌ، ومن كمال حذق الرامي عند أهل الصناعة أن يأخذ قوسًا دون مقداره. فصلٌ في عَقْر الإبهام بالسهم وقت الجرِّ وعلاجه عقرها يكون في ثلاثة مواضع: أحدها: في عقدة (٢) الإبهام. الثاني: في العقدة التي في أصل الإبهام.

стр. 487

الثالث: في اللحم الناتئ بين الأصبعين (١): السبابة والإبهام، في أصل القبضة. فأما عقرُها في عقدة الإِبهام فيكون من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشد أصبعه على القبضة بالإِبهام (٢) والسبابة. الثاني: من (٣) رَفْع عقدة إبهامه وقت الجَرِّ. الثالث: أن يجعل إبهامه على سبَّابته في الجرّ، فإن تمكَّن من شد أصبعيه؛ لينهما، وإنْ تمكَّن من تصعيد إبهامه على سبَّابته، جعلها متوسطة؛ كأنه عاقِد على ثلاثين. وأما عقرها في العقدة الثانية التي في أصل الإبهام؛ فإنه يكون من ثلاثة أسباب: أحدها: دقَّة المقبض وسِعَة الكف. الثاني: سوء القبض. الثالث: قيام بيت الإِسقاط في قوسه وعلوه على بيت الرمي. فإن كان من دقَّة المقبض: أصلحه بما تقدَّم، وإن كان من بيت القوس: أدناه على نار لينة، وإن كان من سوء القوس: أدناه على نار لينة، وإن كان من سوء المقبض فعلاجه: بإصلاح ذلك.

стр. 488

وأما عقرها عند أصل الإبهام بينه وبين السَّبابة؛ فمن وجهين: أحدهما: فساد قبضته وإشباعها (١). الثاني: من تسفل فوق السهم جدًّا. فإن كان من إشباع يده في مقبضه: أصلحه بما تقدَّم، وإن كان من السَّهم: جعله في كبد القوس في نصف الوتر، وعلَّمَ في (٢) موضعٍ علامة لا يخطئها كل رمية. فصل في (٣) ذكر أركان الرمي الخمسة وصفة كل واحد منها والاختلاف فيها (٤) قد تقدَّم، أنَّ أركانه: القبض، والعقد؛ والمدّ، والإطلاق، والنَّظر، ونحن نذكرها مفصَّلة مبيَّنة: * فأما القبض؛ فاختلف الرماة فيه: - فمنهم من يقبض على مقبض القوس بجميع كفه، ويدفع بزنده جميعًا، وهذا مذهب طاهر. - ومنهم من يُحَرِّف المقبض في كفِّه تحريفًا شديدًا، ويشدُّ

стр. 489

أصبعه، ويدفع بزنده الأسفل، ويترك بين زنده الأسفل والقبضة (١) في الكفّ مقدار عرض أصبعين. وعلى هذا جماعة الفرس، كسابور ذي الأكتاف وبهرام جور وغيرهما، وهو مذهب أبي هاشم. - ومنهم من يتوسط بينهما، وهو مذهب إسحاق الرَّفَّاء، ويجعل بين القبضة وزنده الأسفل عرض أصبع. وهو أجود المذاهب وأحسنها عند حذَّاق الرماة. وقد ذُكِر عن طاهر: أنه يجعل مقبض القوس على أصول أصابعه (٢)، والقبضة مستوية. وقد (٣) ذكر عنه: أنه كان يجعل القوس على أصول أصابعه وهي محرَّفة، وزنده مستوٍ. وهذا أحسن المذاهب عندهم (٤)، وعليه العمدة. قال بعض الحذَّاق: من قال باستواء القبضة؛ شدّ جميع أصابعه شدًّا واحدًا، ودفع بزنديه جميعًا. وهذا الرمي حسن للأغراض القريبة، ورمي الشيء الدقيق من قرب؛ غير أن صاحبه لا يسلم من مس الوتر ذراعه، وهو ضعيف الرمي.

стр. 490

ومن قال بالتحريف: كان أنكى له، وأطرد للسهم، وأحسن للرمي، وأقوى له، وهو جيِّد للفارس والراجل، ولرمي الحصون والأسوار، والرمي العالي كله، وهو أقل إصابة. ومن قال بالتوسط بينهما؛ لم يشبع كفَّه في المقبض، ولا يحرف كفَّه أيضًا تحريفًا شديدًا. قال: والأحسن في هذا كله أن تأخذ القوس بكفِّك (١)، فتضع مقبضها عند أصول أصابعك، وتدخل لحم راحتك كلَّه في المقبض، وتشد الخنصر والبنصر والوسطى شدًّا عنيفًا على ترتيبها، الخِنْصر أشدّ ثم البِنْصر ثم الوسطى، وتترك أصبعيك الإبهام والسبابة ليِّنتيْن، فتكون كأنَّكَ عاقد مئتين بهما؛ وتُدْخِل زندك الأعلى، وتسوي الأسفل، وتترك بين زندك الأسفل وبين القبضة عرض أصبع، فتزول عنك جميع العلل بذلك. وبالجملة؛ فالاستواء للعرب، والتحريف للعجم. وأجمعَ أربابُ المذاهب: أنه لا ينبغي للقبضة أن يكون منها موضع خالٍ. وأجمعوا على أن شدَّة سير السهم من شدة القبضة؛ إلا شرذمة جهلت، فقالت: إن استرخاء القبضة أحدُّ للسَّهم. وقال الأستاذ محمد (٢) بن يوسف: والأجود أن لا يشدَّ القبضة

стр. 491

أولًا، ويشدها آخرًا. وهؤلاء الذين اختلفوا في ذلك، هل اختلفوا في جنس واحد من القسي أم في أجناس، وفي كفٍّ واحدة، أم في أكُفٍّ شتى؟! ولا ريب أنك تجد قوسًا قبضتها مربعة، وتجد قوسًا قبضتها مدوَّرة، وقوسًا بين المدورة والمربَّعَة. وأما القبضة المربَّعة: فهي قبضات العجم، والتَّحريف لهم جيِّد، والاستواء يبطل الرمي بها. وأما القبضة المدوَّرة: فهي قبضات (١) العرب، والتحريف يبطل الرمي بها. وأما المتوسطة: فيتوسط لها. ولكل قوس قبضةٌ، ولكل كفٍّ قبضةٌ، فمَن كانت كفُّه كبيرة؛ فالأصلح له من القبضات الدقيقة، والمتوسطة للكفّ المتوسط، واختيار المقبض في الكف أن يقبض بجميع (٢) كفِّه، ويدخل لحم راحته في كفِّه، فإنْ لحقت أطرافُ أصابعه لكفِّه فالمقبض صغير على الكف، فلا يصلح له به رمي، ويَدْخُلُه العيب إن رمى به، وكذلك إن كانت القوسُ غليظةَ المقبضِ على الكفِّ. وحكم القبضة: أن تقبض عليها بجميع كفِّك، فإنْ بقي بين

стр. 492

أصابعك مقدار عرض نصف أصبع (١)، فهو حسن، فإن زاد أو نقص فلا خير فيه. ذكر العقد ووجوهه أقوال (٢) الناس في العقد على الوتر على تسعة أقسام: أحدها: وهو الصَّحيح الجيِّد القوي: أن يعقد ثلاثًا وستين. الثاني: تسعة وستين. وعلى هذين العقدين جميع الأساورة والأكاسرة، والأوَّل عندهم أصحُّ وأثبت. الثالث: أن يعقد (٣) ثلاثة وسبعين. الرابع: أن يعقد ثلاثةً وثمانين. الخامس: أن يعقد أربعة وعشرين. السادس: أن يعقد إحدى وعشرين. وعلى هذا أكثر الترك والروم؛ لأنهم يرمون بقوسٍ ليِّنة وبغير أصل، فيعقدون كيفما تيسَّر عليهم. والسابع: عقد يسمى الرَّديف، وهو: أن يعقد اثنين وستين ممكنة، ويلقي الوسطى مع السبابة على الإِبهام. وهذا العقد جيِّد لِجبْذ القوس الصلبة، لكنَّها بطيئة الإِطلاق.

стр. 493

الثامن: أن يجعل أصابعه الثلاثة: الخِنْصر، والبِنْصر، والوسطى في الوتر، ويجعل السبابة ممدودة مع طول السهم، ولا حظَّ للإبهام هنا. وهذا عقد جميع (١) الصقالبة وإليهم يُنسب، ويصنعون للأصابع الثلاث كشتبانات الذَّهب والفضة والنحاس والحديد، والقوس على هذه الصفة واقفة لا راقدة. التاسع: أن يجْبِذ بالأربعة أصابع (٢): بالسبابة والوسطى والخنصر والبنصر. وهو مذهب العرب القدماء في الجاهلية. ومنهم من كان (٣) يجبذ بهذه الأصابع والقوس راقدة، ويجعل السهم بين الوسطى والبنصر، ويجبذون إلى صدورهم، وعليها أكثر باديتهم. وقال بعضُ الأئمة: وهذه العقد كلها خطأ؛ إلا عقدة ثلاث وستين، وربما دعت الحاجة والضَّرورة إلى استعمال بعضها؛ لحادثٍ يحدث في الإبهام وغيرها، فينبغي تعلُّمها أو بعضها، ومَن أراد القوَّة والشدَّة والسرعة؛ فعليه بعقد ثلاث وستين. ثم من الرماة من قال: أكتم أظفاري كتمانًا بالغًا، وأجعل الوتر من الإبهام في مفصلها مستويًا غير محرَّف.

стр. 494

ومنهم من قال: أكتم أظفاري كتمانًا (١) شديدًا، وأجعل الوتر في مفصل الإبهام، وأحرفه قليلًا. وكلاهما جيِّد حسنٌ، فالاستواء أقوى للمدِّ، والتَّحريف أسرع لخروج السهم. ومنهم من يجعل الوتر قدَّام الجرِّ في مفصل الإبهام قليلًا. وهو أحسن المذاهب، وأسرع إفلاتًا من الأول والثاني، وأطْرَدُ للسَّهم. فصلٌ وعند الرماة أنّ القوة (٢) والسرعة والبُعد إنما هو في الإبهام من العقد باليمين، وفي القبض بالشمال، فعليهما مدار الشدَّة، ولكل أصبعٍ عقدٌ؛ كما أن لكل كفٍّ قبضة (٣)، فإذا كان المتعلِّم للرَّمي طويل الأصابع أو قصيرها؛ فاختر له من هذه المذاهب أوْلاها بأصابعه، وأوفقها لرميه، وأبعدها آفة عن جسمه. فصلٌ تركيب السبابة على الإبهام ثلاثة أنواع:

стр. 495

أحدها: أن تركب السَّبَّابة (١) فيصير طرفُها على الوتر. الثاني: أن تركبها فتصير خارج الوَتَر. الثالث: أن تركبها فتكون داخل الوَتَر. فمذهب سابور وبهرام جور وغيرهما: أن تكون السبَّابة خارج الوتر، واختاره أبو هاشم، وهو الرَّمي القديم، وهو جيِّد للأقواس الصلبة. ومذهب طاهر وحذَّاق أهل هذه الصناعة: أن تكون على الوتر، وهذا أحدُّ للسَّهم، وأسرع للإفلات. ومذهب إسحاق: أن تكون السبَّابة داخل الوتر. وقال بعض الرماة: من قال بتحريف العقد؛ طالَتْ سبَّابتُه، وقصرت إبهامُه، فصارتِ السبَّابةُ من (٢) داخل الوتر. ومن قال باستواء العقد؛ قصُرت سبابتُه، وطالت إبهامُه، فصارت (٣) السبابةُ خارج الوتر. ومن توسَّط بين المذهبين؛ صارت السبابةُ على الوتر. وحكم السبابة أن تجعل على ثلثي اللحم، والثلث على الظفر، ويكون نصفُها على الوتر، والنصف الثاني خارج عنه، ويكون فوق السهم مما يلي السَّبابة، ولا يُطوِّلُها تطويلًا، ولا يقصرها (٤) كثيرًا؛ لأن السبابة إنْ كانتْ من داخل الوتر طويلةً؛ ضربت الوتر في عرض أصبعه
следующие страницы →