← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18176

التوشيح شرح الجامع الصحيح

الجلال السيوطي

Полный текст (4 291 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(عزيز) بزاءين معجمتين: مكبر في حديث عقبة بن الحارث، وبمهملتين وضم المعجمة أوله: "محمد بن غُرَير الزهري". (عقيل) مصغر: "صاحب ابن شهاب"، ومن عداه: بالفتح. (العوقي) بفتحتين وقاف: "محمد بن سنان"، ومن عداه: بسكون الواو وفاء. (غزية) بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية: "والد عمارة"، وبمهملتين: تصغير "عروة"، خاطبت به عائشة "عروة بن الزبير". (مُحْرز) بالضم وسكون الحاء الهملة وكسر الراء: "والد صفوان"، و"عبيد الله"، وبفتح الجيم وتشديد الزاي المكسورة ثم زاي آخره: "مُجَزّز المدلجي"، واختلف في "علقمة بن محرز". (معقل): جماعة، وبفتح المعجمة وتشديد الفاء: "والد عبد الله الصحابي فرد". (معمر): واضح، وبوزن "محمد": "ابن يحيى بن سام". (منبه) بنون وموحدة شديدة: "واضح"، وبسكون النون وفتح التحتية: "والدة يعلى".

стр. 72

(المخرمي) بسكون الخاء المعجمة: "عبد الله بن جعفر"، وبفتحها وتشديد الراء: "محمد بن عبد الله"، وبضم الزاي بعدها واو: "كثير". • النون: (نصْر) كثير، وبمعجمة ملازم الالف واللام، فلا يلبس. (نعيم): "واضح"، وبسكون العين: "عبد الرحمن بن أبي نُعْم". • الهاء: (هذيل) بالذال، سوى "هزيل بن شرحبيل" فبالزاي. • الياء: (يزيد): كثير، وبموحدة وراء مصغر: "ابن عبد الله بن أبي بردة"، واختلف في "أبي يزيد عمرو بن سلمة". ***

стр. 73

القسم الثاني: ما لا يشتبه بغيره في الكتاب • الألف: (أحمد) كله بالحاء. (الأعور) كله بمهملتين. (الأكر) بمعجمة وراء. (أثاثة) بالضم ومثلثتين. (أشوع) بمعجمة وآخره مهملة، بوزن "أسود". (أشهل) بمعجمة بوزن "أحمر". (الأيلي) بالفتح وسكون التحتية، ثم لام. (الألهاني) بالفتح ثم السكون، آخره نون. (أخزم) بمعجمتين: "والد زيد". (أسلم) بالفتح. (أنس) بفتح النون. • الباء: (بجالة) بفتحتين وجيم ولام. (بقية) بفتح أوله وقاف. (البكالي) بالكسر والتخفيف.

стр. 74

(البناني) بالضم ونونين، الأولى خفيفة. (البرلسي) بضمَّات متواليات، وتشديد اللام. • التاء: (تويت): "والد الخولاء" بمثناتين مصغر. (التِّنْعي) بالكسر وسكون النون. • الثاء: (ثابت) كله بالثلثة، نعم اسم ابن أبي حفصة: "نابت" بالنون، لكنه لم يسم في الكتاب. (ثروان) بوزن "مروان": "والد عبد الرحمن". • الجيم: (جميل): مكبر. (جعثم) بالضم، ثم سكون وضم العجمة. (أبو الجوزاء) بجيم وزاي. (الجرمي) بجيم مفتوحة وراء ساكنة، وفي "الجرمي بن عمارة" بفتح المهملتين: اسم لا نسب. (الجندعي) بضم الجيم والدال، وقد تفتح، والنون ساكنة. • الحاء: (حيوة) بالفتح وسكون التحتية وفتح الواو. (حراش) بكسر الهملة، وآخره معجمة. (حمير) بالكسر وسكون اليم وفتح التحتية. (الحصيب) بمهملتين: مصغر، آخره موحدة. • الخاء: (خدام) بالكسر وتخفيف الدال.

стр. 75

(خربوذ) بالفتح وتشديد الراء المفتوحة، وضم الموحدة، آخره دال معجمه. (خرشة) بمعجمتين وفتحات. (خَلِي) بوزن "علي". (خلاس) بالكسر وتخفيف اللام. (الخمس) بالكسر وسكون الميم ومهملة. (الخيار) بكسر المعجمة وتخفيف التحتية: "جد عبيد الله بن عدي". (خوات) بالفتح وتشديد الواو، آخره فوقية. (الخارَكي) بفتح الراء. (الخُتَّلِي) بالضم وتشديد الفوقية المفتوحة، ولام. (الخدري) بالضم وسكون الدال المهملة. (الخشني) بالضم وفتح المعجمة ونون. (الخريبي) بالضم وفتح الراء وسكون التحتية وموحدة. (الخلقاني) بالضم وسكون اللام وقاف. • الدال: (دحيم) بمهملتين مصغر "دحية"، بالكسر وسكون المهملة وتحتية. (دخشم) بالضم وسكون المعجمة، وضم المعجمة، وآخره ميم أو نون، وروي بالتصغير. (الدثنة) بالفتح وكسر المثلثة، ثم نون. (الدغنة) بوزنه، والغين معجمة، وقيل: بضمتين، وتشديد النون. (الديلي) بالكسر وسكون التحتية ولام.

стр. 76

• الذال: (ذر) بفتح المعجمة. (ذكوان) بالفتح. • الراء: (رزمة) بالكسر. (الرشك) بالكسر وسكون المعجمة. (روح) بالفتح. (الربعي) بفتح الموحدة. (الرماني) بضم أوله. • الزاي: (زر) بالكسر. (زرير) بالفتح وكسر الراء، آخره راء. (زَبْر) بالفتح وسكون الموحدة وراء. (زبيد) بموحدة، ثم تحتية: مصغر. (الزبيدي) مصغرًا، والزبيري، كذلك براء آخره نعم فيه: "داود الزنبري" بفتح الزاي والموحدة بينهما نون ساكنة، لكن لم يذكر نسبه في الكتاب. • السين: (سَبْرَة) بسكون الموحدة.

стр. 77

(سَمُرة) بضم الميم. (السفر) بفتح الفاء. (سلامة) بتخفيف اللام. (سمي) بالضم وتشديد الياء. (سيدان) بالكسر وسكون التحتية. (السلماني) بالفتح وسكون اللام. (السَّرماري) بالفتح وسكون الراء، آخره راء أيضًا. (السبيعي) بالفتح وكسر الموحدة. (السعدي) بمهملات. • الشين: (شبابة) بالفتح، وتخفيف الموحدة، وبعد الألف موحدة. (شبويه) بالفتح وتشديد الموحدة، (شبيل) بالضم وفتح الموحدة. (شميل) مثله، لكن بميم. (الشعبي) بالفتح. (الشعيثي) مصغر، آخره مثلثة. (الشعيري) بالفتح. • الصاد: (صبية) بالضم. (صُديّ) بالضم وتشديد الياء.

стр. 78

• الضاد: (ضمام) بالكسر وتخفيف الميم. • العين: (عارم) بمهملتين. (عبدان) بلفظ التثنية. (عميس) بمهملتين مصغر. (عبيس) بوزنه، لكن بموحدة بدل الميم. (عبلة) بسكون الوحدة. (عُليَّة) مصغر بتحتية. (عَبْس) بسكون الموحدة. (عابس) بموحدة ومهملة. (العرقة) بالفتح وكسر الراء وفتح القاف. (عميرة) بالضم. (العنزي) بفتح النون، وأما بسكونها: "فعبد الله بن عامر بن ربيعة" لكن لم يقع فيه منسوبا. (العلقي) بفتحتين وقاف. (العُتَقِي) بالضم وفتح الفوقية، وقاف. (العيزار) بالفتح وسكون التحتية وزاي، ثم راء. (العقدي) بفتحتين وقاف. • الغين: [غفلة] بفتح المعجمة والفاء واللام. (غزوان) بسكون الزاي.

стр. 79

(غورث) بفتح أوله، والراء بينهما، واو ساكنة، آخره مثلثة. • الفاء: (فِطْر) بكسر أوله. • القاف: (قسيط) بمهملة: مصغر. (القشب) بالكسر ومعجمة ساكنة وموحدة. (قوقل) بقافين. (قزعة) بفتح القاف والزاي والمهملة. (القنطري) بسكون النون. (القطعي) بالضم وفتح الطاء. (القردوسي) بالضم وسكون الراء وضم الدال. (القسملي) بسكون المهملة وفتح اليم. (القطواني) بفتح القاف والطاء والواو ونون. • الكاف: (كريز) مصغر، آخره زاي. (كدينة) مصغر، قبل هائه نون. (كبشة) بسكون الموحدة ومعجمة. • اللام: (اللتبية) بضم اللام، وقيل: بفتحها، وفتح الفوقية وكسر الموحدة، تحتية شديدة.

стр. 80

• الميم: (منير) بالضم وكسر النون. (مجالد) بالضم وجيم. (مخلد) بسكون المعجمة، وفتح أوله وثالثه. (موهب) بوزنه. (مقرن) بالضم وفتح القاف، وتشديد الراء الكسورة، وبوزنه: "مجمع". (مطهر) بوزنه، لكن ثالثه مفتوح، كذا "مقدم" و"محبر" بمهملة وموحدة. (مقسم) بالكسر وسكون القاف وفتح المهملة، وبوزنه: "مجلز" بجيم وزاي. (مهران) بالكسر. (محاض) بالضم وحاء مهملة وضاد معجمة مكسورة، وبوزنه: "مراح". (مل) مشدد اللام، مثلث الميم، والفتح أشهر. (معرور) بمهملات. (أبو المليح) بفتح الميم. (المرهبي) بكسر الهاء وموحدة. (المقبري) بالفتح وسكون القاف وضم الوحدة. (المعنيّ) بالفتح وسكون المهملة وكسر النون وتشديد الياء. (المسندي) بفتح النون. (المسلي) بالضم وسكون المهملة.

стр. 81

(المعولي) بالكسر وسكون المهملة وفتح الواو. • النون: (نابل) بكسر الموحدة. (النبيل) بالفتح وكسر الموحدة. (نسيبة) بمهملة مصغر. (نشيط) بالفتح وكسر المعجمة. (الناجي) بالجيم. (النفيلي) بالفاء، مصغر. (النحاس) بحاء مهملة. • الهاء: (هريم) براء مصغر. (الهمداني) بسكون الميم وإهمال الدال. • الواو: (واقد) بالقاف. (ورقة) بفتحات. (وبرة) كذلك بموحدة. (وسَّاج) بتشديد المهملة، آخره جيم. (الواشحي) بكسر المعجمة وحاء مهملة. • الياء: (ياسر) بمهملة.

стр. 82

(يسرة) بفتح الياء والمهملة والراء. (يعفور) بسكون المهملة وضم الفاء آخره راء. (يعمر) بالفتح وسكون المهملة، وفتح الميم وراء. ***

стр. 83

فصل في المهمل (إسحاق) غير منسوب، إن قال: "أخبرنا"، فهو "ابن راهويه"؛ لأنه لا يعبر عن شيوخه إلا بصفة الإخبار. (علي) إذا أطلق "ابن المديني". (محمد) إذا أطلق. ***

стр. 84

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - كتابُ بَدْءِ الوَحْيِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ: ١ - باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ١ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (باب: كيف كان بدءُ الوحي) يجوز تنوين "باب" وتركه، وسقط في رواية أبي ذر والأصيلي. و (بدء) قال عياض: روي بالهمز وسكون الدال من الابتداء، وبلا همز جمع ضم الدال وتشديد الواو، وهو الظهور.

стр. 85

قال ابن حجر: ويرجح الأول أنه وقع في بعض الروايات: "كيف كان ابتداء الوحي". و (الوحي) لغة: الإعلام في إخفاء، وقيل: أصله التفهيم، وشرعًا: الإعلام بالشرع، وقد يطلق ويراد به اسم المفعول، أي: الموحى، وهو كلام الله المنزل على النبي ﷺ . و (قول الله تعالى) هو: بالرفع على إسقاط الباب وعلى تنوينه عطفًا على الجملة؛ لأنها في محل رفع، وبالجر على إضافته عطفًا على كيف، أي: وباب معنى قول الله، أو ذكر قول الله، ولا يصح تقدير وكيفية قول الله؛ لأن كلام الله لا يُكيف، قاله عياض. قال الزركشي: ومن محاسن ما قيل في تصدير الباب بحديث النية تعلقه بالآية المذكورة في الترجمة، لأن الله تعالى أوحى إليه وإلى الأنبياء من قبله أن الأعمال بالنيات" بدليل قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقصده بذلك: أن كل معلم أراد بعلمه وجه الله ونفع عباده، فإنه يجازى على نيته. (حدثنا يحيى بن سعيد) هو من صغار التابعين، (أخبرني محمد بن إبراهيم) هو من أوساطهم،) أنه سمع علقمة) هو من كبارهم. ففي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق. قال ابن حجر: وفي "المعرفة" لابن منده ما ظاهره أن علقمة صحابي، فإن ثبت كان فيه تابعيان وصحابيان. (سمعت عمر بن الخطاب على المنبر): بكسر الميم، واللام للعهد، أي: منبر المسجد النبوي.

стр. 86

قيل: ولهذا أقام المصنف هذا الحديث مقام الخطبة للكتاب، لأنه إذا صلح أن يكون في خطبة المنبر صلح أن يكون في خطبة الكتاب. (سمعت رسول الله ﷺ يقول) ذهب الفارسي إلى تعدي "سمعت" إلى مفعولين ثانيهما مما يسمع، نحو: سمعت زيدًا يقول كذا، فلا يجوز: سمعت زيدًا أخاك، والجمهور على منع ذلك، وأن الثاني حال. (إنما الأعمال بالنيات) هو من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كل عمل بنيته. قال الخوئي: وكأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال كمن قصد بعمله وجه الله أو تحصيل موعوده أو الاتقاء لوعيده، وفي معظم الروايات بالنية مفردًا. قيل: ووجهه أن محلها القلب وهو متجه فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر فناسب جمعها. وفي "صحيح ابن حبان": "الأعمال بالنيات" بحذف "إنما". وعند البخاري في "النكاح": "العمل بالنية".

стр. 87

وغايته أن ذلك من تغييرات الرواة. والباء للمصاحبة، وتحتمل السببية ومتعلقها مقدر، وقيل: تصح، وقيل: تعتبر، وقيل: تكمل، وقيل: تستقر، وقيل: الكون المطلق. قال البلقيني: وهو الأحسن. واللام في "الأعمال" للجنس، وفي "النيات" بدل عن الضمير، أي: بنياتها، و"النية" بالتشديد من "نوى" بمعنى: تعبد، والأصل: "نويه" قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وتخفيفها لغة من "وَنَى يني" أي: أبطأ؛ لأن النية تحتاج في تصحيحها إلى إبطاء. (وإنما لكل امريء ما نوى) قال الخطابي وغيره: أفادت هذه الجملة تعيين العمل بالنية. (فمن كلانت هجرته إلى دنيا) كذا في جميع الأصول هنا بحذف أحد وجهي التقسيم، وهو قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، وهو من البخاري، لأن شيخه الحميدي رواه في "مسنده" تاما، ورواه عنه غير البخاري كذلك. والبخاري اختصر الحديث كعادته: إما من أثنائه وإما من آخره "فإن في رواية حماد بن زيد في باب الهجرة تأخّر قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" عن قوله: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها"، فيحتمل أن تكون رواية الحميدي وقعت عند البخاري كذلك، فحذف الجملة الأخيرة.

стр. 88

(دنيا) بضم الدال -وحكى ابن قتيبة كسرها- "فُعْلَى" من "الدنو" أي: القرب لسبقها للأخرى، وقيل: لدنوها من الزوال، وهي ما على الأرض من الهواء والجو. وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، وتطلق على كل جزء من ذلك مجازًا، ولفظها مقصور غير منون، وحكى تنوينها. وعزاه ابن دحية إلى رواية الكشميهني وضعفها. قال ابن مالك: واستعمال "دنيا" منكرًا فيه إشكال، لأنها مؤنث "أدنى" أفعل التفضيل، فحقه أن يُستعمل باللام "كالكبرى والحسنى، قال: إلا أنها خلعت عنها الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفًا قط، "رجعى". (يصيبها) أي: يحصلها؛ لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود. (أو امرأة ينكحها) قيل: التنصيص عليها من الخاص بعد العام للاهتمام به، وتعقبه النووي بأن دنيا نكرة، وهي لا تعم في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها. وأجيب بأنها في سياق الشرط فتعم، ونكتة الاهتمام بها الزيادة في التحذير، لأن الافتتان بها أشد. وقيل: إن الحديث ورد على سبب، وهو أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة بل ليتزوج امرأة تسمى "أم قيس"، فلهذا خص ذكر المرأة في الحديث- ذكره ابن دقيق العيد. وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور في "سننه" بسند على شرط الشيخين عن ابن مسعود قال: "من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك، هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال مهاجر أم قيس".

стр. 89

(فهجرته إلى ما هاجر إليه) أتى بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها، وإنما جيء بالظاهر في الجملة المحذوفة في قوله: "فهجرته إلى الله ورسوله"، لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما بخلاف الدنيا والمرأة؛ فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنها. ٢ - باب ٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا

стр. 90

يَقُولُ» قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (عن عائشة أن الحارث بن هشام) هو أخو أبي جهل شقيقه، أسلم يوم الفتح، وظاهره: أن الحديث من مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الأطراف، فكأنها حضرت القصة، ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك، فيكون مرسل صحابي وحكمه الوصل، ويؤيده أن في "مسند أحمد" وغيره من طريق عامر بن صالح الزبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام قال: "سألت". وعامر فيه ضعف، لكن له متابع عند ابن منده. (أحيانًا يأتيني) بالنصب على الظرف، قيل: بالنصب نعت لصدر محذوف، أي: إتيانًا. (مثل) قلت: ويحتمل أن يكون على نزع الخافض، لأن في رواية مسلم: "في مثل صلصلة الجرس". (الصلصلة): بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يفهم في أول وهلة. والجرس: الجلجل.

стр. 91

والصلصلة المذكورة: صوت الملك بالوحي، وقيل: صوت خفق أجنحته، والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره وقيل: إنما كان يأتيه كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد. (وهو أشده عليّ) فائدة: هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى في الدرجات. (فيفصم) بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يُقلع ويتجلى ما تغشاني، ويروى بضم أوله من الرباعي. وفي رواية لأبي ذر بضمه وفتح الصاد على البناء للمفعول. وأصل الفصم: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، وذكر الأول للإشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة. (وعيت) بالفتح: فهمت وحفظت، ويقال في المال والمتاع: أوعيت. (يتمثل) يتصور، مشتق من "المثل". (الملك) اللام للعهد، أي: جبريل، وصرح به في رواية عند ابن سعد. (رجلًا) أي: مثل رجل فنصبه على المصدرية، وقيل: تمييز، وقيل: حال على تأويله بمشتق، أي: مرئيا محسوسًا.

стр. 92

قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا، وقال إمام الحرمين: تمثُلُ جبريل معناه: أن الله أفنى الزوائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء. وقال البلقيني: يجوز أن يكون أتى بشكله الأصلي من غير فناء ولا إزالة إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشا فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. (فيكلمني) في رواية للبيهقي من طريق القعنبي عن مالك: بالعين بدل الكاف. قال ابن حجر: والظاهر أنه تصحيف، فإنه في "الموطأ" رواية القعنبي بالكاف. (فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في "صحيحه": "وهو أهونه عليّ" وعبر في الشق الأول بقوله: "وقد وعيت ما قال" بلفظ الماضي وهنا بلفظ المستقبل، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني عقب المكالمة. وقد روي ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون: أنه بلغه أن النبي ﷺ كان يقول: "كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرجل على الرجل فذاك يتفلت مني، ويأتيني في شيء مثل صلصلة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا يتفلت مني".

стр. 93

(ليتفصَّد) بالفاء وتشديد المهملة من "الفصد" وهو قطع العرق لإسالة الدم، أي: يسيل كما يسيل العرق المفصود من كثرة العرق. وصحفه ابن طاهر بالقاف، فرده عليه المؤتمن الساجي فأصَرَّ، وحكاه العسكري في "التصحيف" عن بعض شيوخه وقال: إن ثبت فهو من قولهم: تقصَّدَ الشيء: إذا تكسّر وتقطع، ولا يخفى بعده. انتهى. (عرقًا) تمييز، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في "الدلائل": وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه". قال الإسماعيلي: هذا الحديث لا يناسب بدء الوحي، بل كيف يأتيك الوحي؟.

стр. 94

٣ - بابٌ ٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٢] " فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ،

стр. 95

وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. ٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: " بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ.

стр. 96

(أول ما) نكرة موصوفة، أي: أول شيء من الوحي. (من) للبيان ويحتمل التبعيض، أي: من أقسام الوحي أول ما بدء به من دلائل النبوة مطلقًا كأشياء مثل: تسليم الحجر وغيره. (الرؤيا الصالحة) بالرفع لا غير) في النوم) صفة موضحة، أو ليخرج رؤيا العين في ليقظة لاحتمال أن تطلق مجازًا. (مثل فلق لصبح) بالنصب على الحال، أي مشبهة، وفلق الصبح وفَرَقُهُ بالتحريك: ضياؤه. وحكى الزمخشري تسكين اللام. (الخلاء) لمد: الخلوة، وإنما حبب إليه، لأن فيها فراغ القلب لما يتجه إليه. (الغار) نقب في الجبل، وجمعه: "غيران". (حراء) بالكسر الأفصح ويضم ويفتح، وتخفيف الراء يمد ويقصر، فعلى الأول: يصرف ويذكر ويؤنث، وعلى الثاني: لا. قال بعضهم: حراء وقباء ذكر وأنثهما معا ... ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا وفي رواية الأصيلي بفتح الحاء والقصر، وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة، وخصه بخلوته ﷺ : لأن المقيم فيه يمكنه من رؤية الكعبة فيجتمع له الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت، قاله ابن أبي جمرة. (فيتحنث) آخره مثلثة، أي: يتعبد، ومعناه: إلقاء الحنث عن نفسه، كالتأثم والتحوب: إلقاء الإثم والحوب عن نفسه.

стр. 97

قال الخطابي: وليس في الكلام تفعل ألقى الشيء عن نفسه غير هذه الثلاثة، والباقي بمعنى: تكسب. وزاد غيره: تحرج وتنجس: إذا فعل فعلًا يخرج به عن الحرج والنجاسة. وقيل: هو بمعنى تَحَنَّفَ بالفاء، وقد وقع بها في "سيرة ابن هشام" أي: يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كثير من كلامهم. (وهو التعبد) هذا مدرج في الخبر من تفسير الزهري. (الليالي) بالنصب على الظرف. (ذوات) بكسر التاء منصوب. (ينزع) كيرجع وزنا ومعنى. (لمثلها) أي: الليالي. (جاءه الحق) أي: الأمر الحق. (فجاء) الفاء تفسيرية لا تعقيبية؛ لان مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى تعقب به، بل هو نفسه. (ما أنا بقارئ) "ما" نافية لا استفهاميه لدخول الباء في خبرها، أي: ما أحسن القراءة. (فغطني) بغين معجمة وطاء مهملة. وفي رواية الطبري: بتاء مثناة فوقية بمعناه، أي: ضمني وعصرني. وفي "مسند الطيالسي": فأخذ بحلقي. (حتى بلغ مني الجهد) روي بالفتح والنصب، أي: بلغ الغط مني غاية وسعي، وبالضم والرفع، أي: بيغ مني الجهد مبلغه، والحكمة في

стр. 98

ذلك شغله عن الالتفات بشيء آخر أو إظهار الشدة والجد في الأمر تنبيهًا على ثقل القول الذي سيلقى إليه، وقيل: إبعاد ظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله. وذكر بعضهم أن هذا يُعدُّ من خصائصه ﷺ ، إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتدأء الوحي مثل ذلك. وذكر ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع له قبل ذلك في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة. (أرسلني): أطلقني. (اقرأ باسم ربك) أي: لا بحولك ولا بقوتك ولا بمعرفتك. (فرجع بها) أي: بالآيات. (يرجف فؤاده) بضم الجيم: يخفق قلبه ويضطرب. (فزملوه) أي: لَفُّوهُ. (الروع) بالفتح: الفزع. (لقد خشيت على نفسي) قيل: الموت من شدة الرعب، وقيل: المرض، وقيل: العجز عن حمل أعباء النبوة، وقيل: عدم الصَّبر على قومه، وقيل: أن يقتلوه، وقيل: أن يكذبوه، وقيل غير ذلك. (كلا): نفي وإبعاد. (ما يخزيك الله أبدًا) بالخاء المعجمة والزاي والياء التحتية من الخزي وهو: الوقوع في بلية وشُهرَة يذله، ولأبي ذر بفتح أوله وبالحاء المهملة والزاي المضمومة والنون. (إنك) بالكسر على الابتداء. (الكَلّ) بالفتح وتشديد اللام: من لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، وقيل: هو الثقل وكل ما يتكلف.

стр. 99

(وتكسب) في رواية الكشميهني بضم أوله، وعليها قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو، أى: الفقير، لأن المعدوم لا يكسب، ورد بأنه لا يمتنع إطلاق "المعدوم" على الفقير لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصَرُّف له. وفي رواية غيره بالفتح، أي: تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا يصيب غيرك، وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش، وكان ﷺ محظوظًا في التجارة. وقيل: معناه تعطي للناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته بمعنى، قال الأعرابي يمدح إنسانا: "كان أكسبهم لمعدوم وأعطاهم لمحروم". (وتقرى) بفتح أوله. (وتعين على نوائب الحق): هي كلمة جامعة لإفراد ما تقدم ولما لم يتقدم، وفي "التفسير" من طريق يونس عن الزهري زيادة: "وتصدق الحديث"، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه: "وتؤدي الأمانة". (ورقة) بفتح الراء: ابن عم خديجة بنصب ابن وتكتب بألف، وهو بدل من ورقة أو صفة أو بيان، ولا يجوز جره، لانه يصير صفة لعبد العزى، وليس كذلك، ولا كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين. (تنصر) بالنون، أي: صار نصرانيًّا وترك عبادة الأوثان، وقيل: إن فيه الموحدة من البصيرة، حكاه الزركشي.

стр. 100

(وكان يكتب الكتاب العبراني) في "التفسير": العربي. (بالعبرانية) فيه أيضا: بالعربية. قال النووي وابن حجر: والجميع صحيح، لأنه كان يعلم العبراني والعربي من الكتاب واللسان معًا. (يا ابن عم) في مسلم: "يا ابن عم". قال ابن حجر: "وهو وهم، لأنه وإن صح أن تقوله توقيرًا، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة، قال: وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربي، لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج فأمكن التعدد، قال: وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه ". (اسمع الذي وصل من ابن أخيك) قيل: قالته توقيرًا لسنه، وقيل: لأنَّ والده ﷺ وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته. (هذا الناموس): إشارة إلى المَلك الذي ذكره النبي ﷺ في خبره ونزله منزلة القريب لقرب ذكره، والناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، وقيل: الناموس صاحب السر مطلقا. (الذي نزل الله) للكشميهني: "أنزل الله"، وفي "التفسير": "أنزل" بالبناء للمفعول.

стр. 101

(على موسى) لم يقل عيسى مع كونه نصرانيًّا، لأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى؛ أو لأنه بعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، أو قاله تحقيقًا للوصال؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف عيسى، فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته. وعند الزبير بن بكار من طريق عبد الله بن معاذ عن الزهرى في هذه القصة: " ناموس عيسى ابن مريم"، وفي "الدلائل" لأبي نعيم بسند حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه: أن خديجة أتت أولًا ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صدقتيني ليأتينه ناموس عيسى. قال ابن حجر: فكأنه قال ذلك عند إخبار خديجة له وقال: ناموس موسى عند إخباره ﷺ وكل صحيح. (يا ليتني فيها جذعا) هو بالنصب خبر كان القدرة، أي: كنت، قاله الخطابي، وقيل: على الحال، وعاملها: ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السهيلي. وقيل: بتقدير جعلت، قاله ابن برّي، وقيل. على أن ليت تنصب الجزأين، وفي رواية الأصيلي بالرفع خبرها والجار متعلق بليت. وقال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة والحديث "جَذع" بسكون العين، وضمير "فيها". لأقام الدعوة. والجذع: بفتح الجيم والذال المعجمة الصغير من البهائم، ثم استعير للشباب، تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابًّا ليكون أمكن لنصره وأقوى. (إذْ يخرجك) قال ابن مالك: فيه استعمال "إذ" في المستقبل، كـ "إذا" وهو صحيح. (أو مخرجي هم) الهمزة للاستفهام والواو بالفتح عاطفة، والياء

стр. 102

مشددة مفتوحة، جمع مخرج. قال ابن مالك: والأصل مخرجوني سقطت نون الجمع للإضافة فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحديهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت ثم أبدلت الضمة التي أتت قبل الواو كسرة للتخفيف وفتحت الياء، لذلك قال: وهو خبر مقدم، و"هم" مبتدأ مؤخر، ولا يجوز العكس لئلا يلزم الإخبار بالمعرفة عن النكرة، لأن إضافة مخرجي غير محضة، قال: ويجوز كون "هم" فاعلًا سد مسد الخبر، و"مخرجي" مبتدأ على لغة: أكلوني البراغيث. قال: ولو روى بتخيف الياء على أنه مفرد مضاف وجعل مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر. (وإن يدركني يومك): "إن" شرطية وما بعدها مجزوم، وزاد في "التفسير": "حيًّا"، ولابن إسحاق: "إن أدركت ذلك اليوم"- يعني يوم الإخراج. (مؤزرًا) بالهمزة، وتسهل، أي: بالغًا قويًّا من "الأزر"، وهو: الشدة والقوة. وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزر من الأزر. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من "الإزار"، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته. (يَنْشَب) بفتح المعجمة: "يلبث". (وفتر الوحي) روى أحمد بن حنبل في "تاريخه" عن الشعبي: أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق. (كرسي): ضم كافه أشهر من كسرها. (فرعبت) بضم الراء وكسر العين، وللأصيلي بالفتح وضم العين، أي: فزعت.

стр. 103

(فقلت: زملوني زملوني) في رواية كريمة: "زملوني" مرة واحدة، وفي "التفسير": "دثروني". (فحمى الوحي) أي: كثر نزوله. (وتتابع) لأبي الوقت والكشميهني: "وتواتر"، والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل. (رَدَّاد) بدالين مهملتين، الأولى مشددة. (وقال يونسر ومَعْمَر: بوادره) أي: إظهار رؤيا هذا الحديث عن الزهري، فوافقا عقيلًا عليه، إلا أنهما قالا بدل قوله: "يرجف فؤاده": "ترجف بوادره". وهي جمع "بادرة": وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان. ٤ - باب ٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي

стр. 104

صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ. (موسى بن إسماعيل) هو التبوذكي. (أبي عائشة) لا يعرف اسمه. (يعالج): العلاج محاولة الشيء بمشقة. (وكان مما يحرك شفتيه) معناه: كان كثيرًا ما يفعل ذلك، قاله ثابت السرقسطي، وهذا التركيب واقع في كلامهم كثيرًا كقوله في حديث الرؤيا: "كان مما يقول لأصحابه:! من رأى منكم رؤيا" وقول البراء: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ مما نحب أن نكون عن يمينه. وقول الشاعر: وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على وجهه يلقى اللسان من الفم

стр. 105

ووجهه: أن "من" إذا وقع بعدها "ما" كانت بمعنى رُبَّ، وهي تطلق على الكثير كما تطلق على القليل. وقال الكرماني: معناه: كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين. وقال ابن حجر: وفيه نظر: لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك؛ ولأنه في "التفسير" أتى بهذا اللفظ مجردًا عن تقدم العلاج. (فأنا أحركهما كما كان) لم يقل: كما رأيت، كما قال سعيد بن جبير؛ لأن ابن عباس لم ير النبي ﷺ في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، ولهذا أورده البخاري في بدء الوحي. (جمعه لك صدرك) كذا للأكثر بفتح الميم فعلًا وصدرك فاعل، وللأصيلي بسكونها وضم العين مصدرًا مبتدأ، وصدرك الخبر، ولأبي ذر: "في صدرك". ٥ - بابٌ ٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».

стр. 106

(أجود الناس) بالنصب خبر كان. (وكان أجود ما يكون في رمضان) للأكثر برفع "أجود" اسم "كان" والخبر محذوف أو مبتدأ مضاف إلى الصدر، وهو "ما يكون"، وخبره "في رمضان"، والتقدير: "أجود أكوانه في رمضان"، والجملة: خبر كان، واسمها: ضميره ﷺ . وللأصيلي بالنصب خبر كان، واسمها: ضميره ﷺ ، و"ما" مصدرية ظرفية، أي: كان مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. (فلرسول الله): هي لام الابتداء زيدت على المبتدأ تأكيدًا، وقيل: جواب قسم مقدر. (أجود بالخير من الريح) يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. (المرسلة) المطلقة، وقيل: الريح المرسلة هي التي يرسلها الله، لأنها كالغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض كلها، وهو " ﷺ أعم برًّا منها. ٦ - بابٌ ٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ

стр. 107

أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ [ص:٩] قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ

стр. 108

لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:

стр. 109

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا

стр. 110

أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف في الأشهر، وقيل: بسكون الراء وكسر القاف، ولقبه قيصر. (ركب) جمع "راكب" كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، وكانوا ثلاثين رجلًا كما رواه الحاكم في "الإكليل"، وسمي منهم المغيرة بن شعبة في "مصنَّف ابن أبي شيبة" بسند مرسل. (تجار) بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف، جمع "تاجر".
следующие страницы →