← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18176

التوشيح شرح الجامع الصحيح

الجلال السيوطي

Полный текст (4 291 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(أجود الناس) بالنصب خبر كان. (وكان أجود ما يكون في رمضان) للأكثر برفع "أجود" اسم "كان" والخبر محذوف أو مبتدأ مضاف إلى الصدر، وهو "ما يكون"، وخبره "في رمضان"، والتقدير: "أجود أكوانه في رمضان"، والجملة: خبر كان، واسمها: ضميره ﷺ . وللأصيلي بالنصب خبر كان، واسمها: ضميره ﷺ ، و"ما" مصدرية ظرفية، أي: كان مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. (فلرسول الله): هي لام الابتداء زيدت على المبتدأ تأكيدًا، وقيل: جواب قسم مقدر. (أجود بالخير من الريح) يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. (المرسلة) المطلقة، وقيل: الريح المرسلة هي التي يرسلها الله، لأنها كالغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض كلها، وهو " ﷺ أعم برًّا منها. ٦ - بابٌ ٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ

стр. 107

أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ [ص:٩] قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ

стр. 108

لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:

стр. 109

" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا

стр. 110

أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف في الأشهر، وقيل: بسكون الراء وكسر القاف، ولقبه قيصر. (ركب) جمع "راكب" كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، وكانوا ثلاثين رجلًا كما رواه الحاكم في "الإكليل"، وسمي منهم المغيرة بن شعبة في "مصنَّف ابن أبي شيبة" بسند مرسل. (تجار) بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف، جمع "تاجر".

стр. 111

(في المدة) يعني: مدة الصلح بالحديبية وكانت سنة ست، وقيل: سنة أربع، ومدتها: عشر سنين، ولكنهم نقضوا، فغزاهم ﷺ في سنة ثمان وفتح مكة. (أبا سفيان) مفعول به. (بإيلياء) بهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة ثم لام مكسورة ثم تحتية ثم ألف مهموزة، وحكى البكري فيها القصر، قيل: معناه: بيت الله. (وحوله) بالنصب ظرف مكان. (عظماء الروم) جمع "عظيم"، ولابن السكن: "فأدخلنا عليه وعنده بطارقته (٢) والقسيسون والرهبان". (ثم دعاهم) أي: استدناهم بعد أن دعا أولًا بإحضارهم. (ودعا ترجمانه) بفتح الفوقية وضم الجيم، ويجوز ضم أوله اتباعًا، ويجوز فتح الجيم. وفي رواية الأصيلي وغيره: "بترجمانه" بزيادة باء الجر -يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره صحبته، والترجمان: المعبر عن لغة بلغة، وهو معرب، وقيل: عربي. (أقرب نَسَبًا بهذا) ضمن "أقرب" معنى أوْصَلَ فعدّاه بالباء. وفي "التفسير": "من هذا"، وفي "الجهاد": "إلى هذا" وهو على الأصل.

стр. 112

(فاجعلوهم عند ظهره) أي: لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، وصرح بذلك الواقدي في روايته. (كذبني) بالتخفيف، أي: نقل إلى الكذب وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: كذبني الحديث، وأما بالتشديد: فإلى مفعول واحد وكذا صدق. (قال أبو سفيان) وسقط لفظ "قال" من رواية كريمة وأبي الوقت، فأشكل ظاهره. (يأثروا): ينقلوا الكذب عليه، وللأصيلي: "عنه"، أي: عن الإخبار بحاله، وفي رواية ابن إسحاق: "فوالله لو قد كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرءًا سيدًا يكرم عن الكذب، فخشيت إن أنا أكذب أن يحفظوا ذلك عني ثم يحدثوا به فلم أكذبه". (ثم كان أول) الرواية بالنصب على الخبرية، ويجوز رفعه على الإسمية. (كيف نسبه؟) أي: ما حاله؟ أهو من أشرافكم أم لا؟. (ذو نسب) التنكير فيه للتعظيم، وفي رواية ابن إسحاق: "قلت: في الذروة"، وهي بكسر المعجمة وسكون الراء: أعلى ما في البعير من السنام، فكأنه قال: هو من أعلانا نسبًا. (فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟) للكشميهني والأصيلي: "مثله"، واستعمل "قط" بغير أداة نفي، وهو نادر، ويحتمل تقديره، أي: "أو لم يقله أحد قط؟ ". (فهل كان من آبائه ملك؟) ولكريمة والأصيلي وأبي الوقت بزيادة "من" الجارة، ولابن عساكر بفتح "من"، و"ملك": فعل ماض.

стр. 113

(فأشراف الناس) أراد بهم أهل النخوة والتكبر لا كل شريف، وإلا لورد مثل أبي بكر وعمر. وفي رواية ابن إسحاق: "تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، فأما ذوو الأسنان والشرف فما تبعه منهم أحد". (سخطة) بضم أوله وفتحه. (يغدر) بدال مكسورة، أي: ينقض العهد. (قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا) أي: أنتقصه به. (غير هذه الكلمة) برفع "غير" صفة. زاد ابن إسحاق في روايته: "قال: فواللهِ ما التفت إليها مني". (سجال) بكسر أوله وتخفيف الجيم، أي: نوب ودول، مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، من مساجلة المُسْتَقيَيْن على البئر بالسجل وهو الدلو. وقوله: (ينال منا وننال منه) جملة تفسيرية. (اعبدوا الله وحده ولا تشركوا) سقطت الواو من رواية المستملي، فتكون الجملة تأكيدًا لقوله: "وحده". (يتأسى) للكشميهني: "يأتسى" بتقديم الهمزة على التاء. (يخالط بشاشة القلوب) بنصب "بشاشة" وإضافته للقلوب، أي: يخالط الإيمان انشراح الصدور، وروي "بشاشته القلوب" بالرفع وزيادة هاء، و"القلوب" مفعول، أي: يخالط بشاشة الإيمان، وهو شرحه القلوب التي يدخل فيها.

стр. 114

وفي رواية ابن السكن زيادة: "يزداد بها عجبًا وفرحًا"، وفي رواية ابن إسحاق: "وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه". (أخلص) بضم اللام: أصل. (لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أي: تكلفت الوصول إليه. وفي مسلم: "لأحببت لقاءه". (لغسلت عن قدميه): مبالغة في العبودية له، وفي رواية عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: "لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه"، وهي تدل على أنه كان بقى عنده بعض شك. وقد اختلف في إيمانه، والأرجح بقاؤه على الكفر، ففي "مسند أحمد": أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مسلم، فقال النبي ﷺ : "كذب، بل هو على نصرانيته". (دحية) بفتح الدال أشهر من كسرها. (عظيم بصرى) هو: الحارث بن أبي شمر الغساني، وهي بضم الباء والقصر: مدينة بين المدينة ودمشق. (بدعاية الإسلام) بكسر الدال، أي: بدعوته، ولمسلم: "بدعاية الإسلام"، أي: بالكلمة الداعية إليه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والباء موضع إلى.

стр. 115

(الأريسين) جمع أريسي، منسوب إلى "أريس" بوزن "كريم"، وقد تقلب همزته ياء كما جاءت به رواية الأصيلي وأبي ذر هنا. قال ابن سيده: الأريس: الأكار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع الأريس: الأمير. وقال الجوهري: هي لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية. وقال ابن السكن: هم اليهود والنصارى، والمعنى: أن عليك إثم رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإسلام فاتبعك على كفرك. وأيد الأول ما في رواية ابن إسحاق عن الزهري: "فإن عليك إثم الأكارين". زاد ابن برقان في روايته: يعني "الحرّاثين"، وفي رواية المدائني من طريق مرسله: "فإن عليك إثم الفلاحين". قال الخطابي: أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدًا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر. وقيل: "الأريسون" أتباع عبد الله بن أريس الذي وحَّدَ الله عندما تفرقت النصارى، وقيل: هم العشارون -يعني: أهل المكس، أخرجه الطبراني في "الكبير" من طريق الليث بن سعد عن يونس. قال ابن حجر: فإن صح فالمراد المبالغة في الإثم كقوله في

стр. 116

المرأة التي اعترفت بالزنا: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت". (ويا أهل الكتاب): سقطت الواو من رواية الأصيلي وأبي ذر، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدر معطوف على قوله: "أدعوك"، أي: أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولأتباعك امتثالًا لقول الله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. (أمر): بفتح الهمزة وكسر الميم، أي: عظم. (أمر ابن أبي كبشة) أي: شأنه وحاله، وأراد به النبي ﷺ أن أبا كبشة أحد أجداده عادة العرب إذا تنقصت نسبت إلى جد غامض، ثم قيل: هو جد وهب جد النبي ﷺ لأُمه، وقيل: جد عبد المطلب لأمه، وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى، وقيل: هو رجل من خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة. (إنه يخافه): بكسر الهمزة استئنافًا لا بفتحها لثبوت اللام في يخافه في رواية. (بني الأصفر): هم الروم، لأن جدهم روم بن عيض تزوج

стр. 117

بنت مالك الحبشية، فجاء لون ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر. وقال ابن هشام في "التيجان": إنما لُقب الأصفر، لأن جدته سارة زوج الخليل حلته بالذهب. (فما زلت موقنًا)، زاد في حديث عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: "فما زلت مرعوبًا من محمد حتى أسلمت". أخرجه الطبراني. (ابن الناطور) بطاء مهملة، وفي رواية الحموي بمعجمة وهو بالعربية: حارس البستان، وفي رواية الليث عن يونس: "ابن ناطورا" بألف في آخره؛ فعلى هذا هو أعجمي. (صاحب إيليا وهرقل) بالنصب على الحال أو الاختصاص، والرفع على الصفة، وهرقل عطف على إيلياء، وفيه لطيفة: وهو أنه استعمل "صاحب" في معنيين مجازي وحقيقي لأنه بالنسبة إلى إيلياء أمير وإلى هرقل تابع، والأول مجاز والثاني حقيقة. (سقفًا): بضم السين والقاف وتشديد الفاء، للمستملى والسرخسي. "أسقفًا" بزيادة همزة لغتان، وهو عربي، وهو الطويل في انحناء، وقيل ذلك للزبير، لأنه يتخاسف، وقيل: أعجمى، ومعناه: رئيس دين النصارى، وللكشميهني: "سُقّف" بكسر القاف فعلًا مبنيًّا للمفعول أي: قدم. قال فى "العُبَاب": سقفته بالتشديد: جعلته أسقفًا، وهو خبر كان، و"يحدث" خبر بعد خبر. (خبيث النفس) أي: مهمومًا.

стр. 118

(بطارقته): جمع "بطريق" بكسر أوله وضم: خواص دولة الروم. (حَزّاءً): بالمهملة والزاي، آخره همزة منونة، أي: كاهنًا. (ينظر في النجوم): خبر ثان أو جملة تفسيرية. (ملك الختان): بضم الميم وإسكان اللام، وللكشميهني: بفتح الميم وكسر اللام. (ظهر) أي: غلب. (يهمنك): بضم أوله من "أهم": أثار الهم. (شأنهم): أمرهم. (مدائن): جمع مدينة بالهمز من مدن بالمكان: أقام به، وبدونه من دان، أي: ملك. (فبينما هم على أمرهم) أي: في هذه المشورة. (ملك غسان): صاحب "بصري" التقدم. (يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ): فسَّره ابن إسحاق في رواية فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتبعه ناس وخالفه ناس، فكانت بينهم ملاحن في مواطن فتركهم وهم على ذلك. (يختتنون): في رواية الأصيلي بالميم أوله. (هذا ملك هذه الأمة): بالضم ثم السكون، وللقابسي بالفتح ثم الكسر، ولأبي ذر عن الكشميهني: يملك فعل مضارع. قال عياض: أظنها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت، ووجهه السهيلي بأنه مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه الأمة.

стр. 119

وقال غيره: يجوز أن يكون "يملك" نعتًا، أي: هذا رجل يملك. وقال البلقيني: يجوز أن يكون من حذف الموصول، أي: هذا الذي يملك على حد قوله، "وهذا تحملين طليق". وقال ابن حجر: رأيت في أصل معتمد عليه علامة السرخسي بباء موحدة في أوله، وهي متعلقة "بظهر"، أي: هذا الحكم ظهر بملك هذه الأمة (التي) تختتن. (صاحب له): هو ضغاطر. (برومية): بالتخفيف: مدينة رياسة الروم. (حمص): بالصرف وعدمه. (يرم): بفتح الياء وكسر الراء، أي: يبرح فأذن بالقصر من الأذان، وللمستملي وغيره بالمد، أي: أعلم.

стр. 120

(دسكرة): بسكون المهملة: القصر الذي حوله "بيوت". (الرشد): بضم الراه وسكرن الين وبفتحها. (فتبايعوا): بالموحدة والتحتية، وللكشميهني بمثناتين فوقيتين (لا) موحدة، وللأصيلي: "فنبايع" بنون وموحدة. (هذا النبي): ولأبي ذو: لهذا بلام. (فَحَاصُوا): بمهملتين، أي: نفروا. (حيصة حمر الوحش): شبههم بها دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل وعدم الفطنة. (وأيس) للأصيلي: يئس، وهما بمعنى، والأول مقلوب من الثاني. (آنفا): بالمد وكسر النون، أي: قريبًا، ونصبه على الحال. (فقد رأيت)، زاد في "التفسير": "منكم الذي أحببت". ***

стр. 121

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ ١ - بَابُ الإيمان قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ " وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ» وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ : «وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».

стр. 122

وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» سَبِيلًا وَسُنَّةً. كتاب الإيمان (وهو قول وفعل ويزيد وينقص) للكشميهني: "قول وعمل"، وهذا لفظ حديث أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أبي هريرة. وروى ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث عليّ: "الإيمان عقد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان". وروى أحمد من حديث معاذ بن جبل: "الإيمان يزيد وينقص". (والحب في الله والبغض في الله من الإيمان): هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة، والترمذي من حديث معاذ بن أنس.

стр. 123

(فإن للإيمان فرائض) لابن عساكر: "فإن الإيمان فرائض"، أي: أعمال مفروضة. (وشرائع) أي: عقائد دينية. (وحدودًا) أي: منهيات ممنوعة. (وسننًا) أي: مندوبات. (وقال معاذ): هو ابن جبل كما صرح به الأصيلي، وأخرج أثره هذا ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان". (وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله): أخرجه الطبراني بسند صحيح وزاد: "والصبر نصف الإيمان"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الزهد" من حديثه مرفوعًا. (وقال ابن عمر: حاك) بالمهملة والكاف الخفيفة، أي: تردد واضطرب ولم ينشرح له الصدر. (أوصيناك يا محمد وإياه دينًا)، قال البلقيني: هذا تصحيف وصوابه: أوصاك يا محمد وأنبياءه، كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم، وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكره جماعة؟.

стр. 124

٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ لِقَوْلِهِ : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] وَمَعْنَى الدُّعَاءِ فِي اللُّغَةِ الإِيمَانُ ٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". سقط لفظ "باب" في أكثر الروايات وصوبه النووي؛ لأنه لا وجه له، وإنما هو من قول ابن عباس معطوفًا على ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التفسير. (بني الإسلام على خمس) أي: دعائم، كما صرح به عبد الرزاق في روايته. (شهادة) بالجر على البدل والرفع، أي: أحدها أو منها شهادة. (وإقام الصلاة) أي: المداومة عليها. (والحج وصوم رمضان) أخرجه مسلم من طريق حنظلة هكذا، فأخر الحج عن الصوم، وأخرجه من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر كذلك، قال: قال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 125

قال ابن حجر: ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي فى البخاري مروية بالمعنى، إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه. قال: جوَّز بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ على الوجهين ونسى أحدهما عند رده على الرجل، قال: وهو بعيد، فإن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة تقديم الصوم على الحج، وذلك دال على أنه روى بالمعنى ويؤيده ما وقع عند البخاري في "التفسير" بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال: إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه، هذا مستبعد. انتهى. ٣ - بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآيَةَ ٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».

стр. 126

باب: أمور الإيمان للكشميهني: "أمر" بالإفراد. (العَقَدِيُّ): بفتح العين الهملة والقاف: نسبة إلى بطن من بجيلة. (بِضْعٌ): بكسر أوله، وحكى الفتح لغة، وروى "بضعة" بالتاء، والأشهر أنه ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من واحد إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع. (وستون)، قال ابن حجر: لم تختلف الطرق عن العقدى فيه، وتابعه يحيى الحمّاني عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عوانة من طريق بشر بن عمرو، عن سليمان بن بلال فقال: "بضع وستون، أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد فيه عند مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه، فقالوا: "بضع وسبعون" من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريقه: "ست وسبعون، أو سبع وسبعون"، ورجح

стр. 127

قوم رواية: "وستون"، لأنها المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، ورجح آخرون الأخرى لكونها زيادة ثقة، وتعقب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج، وعند الترمذي: "أربع وستون" من طريق معلولة. (شعبة): بضم أوله، أي: خصلة أو جزء، قال القاضي عياض: وقد تكلف جماعة عدها بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة. قال ابن حجر: ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، فإنه عد كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه أو النبي ﷺ في سننه من الإيمان. قال ابن حجر: وقد رأيتها تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن. فأعمال القلب- فيه: المعتقدات والنيات، وتشمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله- ويدخل فيه: الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده، وبأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه، والايمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره. والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه: المسائلة في القبر، والبعث

стр. 128

والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه. ومحبة النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه: الصلاة عليه، واتباع سُنَّته. والإخلاص- ويدخل فيه: ترك الرياء والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل. [والرحمة]، والتواضع- ويدخل فيه: توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك التكبر والعُجْب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب. وأعمال اللسان تشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء. والذكر- ويدخل فيه: الاستغفار، واجتناب اللغو. وأعمال البدن تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختصُّ بالأعيان، وهي خمس عشرة: التطهر حسًّا وحكمًا، ويدخل فيه: اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب. والجود- ويدخل فيه: إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والحج والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر. والفِرَار بالدين- ويدخل فيه: الهجرة من دار الكفر، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمان. وأداء الكفارات- ومنها: ما يتعلق بالاتباع، وهي ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، ومنه: اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد.

стр. 129

ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولى الأمر. والإصلاح بين الناس- ويدخل فيه: قتال الخوارج والبغاة. والمعاونة على البر- ويدخل فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود والجهاد، ومنه: المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه: أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه: جمع المال من حله وإنفاق المال في حقه، وفيه: ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الضرر عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسًعا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض. (الحياء) بالمد، وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، وإنما أفرده بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى [باقي] الشعب، إذ الحيّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر.

стр. 130

٤ - بَابٌ: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بَابٌ: المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (ابن أبي إياس) بكسر الهمزة. (وإسماعيل) بالجر عطف على عبد الله بن أبي السفر. (المسلم) أي: الكامل. (من سلم المسلمون): خرج مخرج الغالب، وإلا فالذي كذلك، وفيه تغليب، فإن المسلمات يدخلن فيه. وفي رواية ابن حبان: "من سلم الناس"، وهي أعم. (من لسانه ويده): خص اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عما في النفس، ويشمل الماضين والوجودين، وإخراجه مثلًا على سبيل الاستهزاء. واليد: لأن أكثر الأفعال بها، ويشمل اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير عدوانًا. (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه): شامل للهجرة الظاهرة: وهي الفرار بالدين من الفتن، والباطنة: وهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة والشيطان. وزاد ابن حبان والحاكم من حديث أنس صحيحًا: "والمؤمن من أمنه الناس".

стр. 131

٥ - بَابٌ: أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ ١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ». باب: أي الإسلام أفضل؟ (قالوا: يا رسول الله)، رواه مسلم وغيره بلفظ: "قلنا"، ورواه ابن منده بلفظ: "قلت" وقد سأل هذا السؤال أيضًا أبو ذر، رواه ابن حبان وعمير بن قتادة، ورواه الطبراني. (أي الإسلام): فيه حذف "أي"، أي: خصال الإسلام، أو أي ذوي الإسلام، وعلى الأول يحتاج قوله: "من سلم" إلى تقدير، أي: خصلة من سلم، ولا يحتاج على الثاني إلى شيء، ويؤيده رواية مسلم: "أي المسلمين أفضل". ٦ - بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ ١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

стр. 132

بابٌ (بالتنوين): إطعام الطعام من الإسلام للأصيلي: "من الإيمان"، أي: من خصاله. (عمرو بن خالد) بفتح العين، وصحف من ضمها: أن رجلًا قيل: هو أبو ذر. (أي الإسلام خير) أي: خصاله. (قال: تطعم): على حذف "أن"، أي: أن تطعم. (وتقرأ السلام): بفتح التاء والراء. قال أبو حاتم: تقول: اقرأ ﵇ ولا تقول: أقرئه السلام، فإذا كان مكتوبًا قلت: أقرئه السلام، أي: اجعله مقروءه. ٧ - بَابٌ: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعن حسين المعلم: هو معطوف على شعبة (٢).

стр. 133

(لا يؤمن): كذا لأبي ذر بحذف الفاعل، أي: "من يدعي الإيمان" وللمستملي: "أحدكم"، وللأصيلي: "أحد"، ولابن عساكر: "عبد"، والمراد: نفي كمال الإيمان. (حتى يحب) بالنصب. (لأخيه)، زاد الإسماعيلي من طريق روح عن العلم: "المسلم"، ومن طريق مسدد عنه: "ولجاره". (ما يحب لنفسه)، زاد الإسماعيلي: "من الخير"، فشمل الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية. ٨ - بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».

стр. 134

١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». بَاب: حب الرسول ﷺ من الإيمان (عن الأعرج، عن أبي هريرة) في "غرائب مالك" للدارقطني: إدخال أبي سلمة بن عبد الرحمن بينهما. قال ابن حجر: وهي رواية شاذة. (أحب إليه): من أحب والده وولده، وقدم الوالد للأكثرية مع الإعظام. وعند النسائي من حديث أنس: يقدم الولد لزيد الشفقة. قال الخطابي: والراد بالمحبة هنا: حب الاختيار لا حب الطبع. ٩ - بَابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". (ثلاث): مبتدأ خبره: (مَنْ كن فيه) أي: حصلن، فكأن تأتيه (٣).

стр. 135

(يوجد حلاوة الإيمان) فيه استعارة تخيلية: شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه. وقال النووي: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك (محبة) الرسول ﷺ . (مما سواهما)، عبر بها ليعم العاقل وغيره. (لا يحبه إلا لله)، قال يحى بن معاذ: حقيقة الحب في الله: أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء. (وأن يكره أن يعود في الكفر)، زاد. أبو نعيم في "المستخرج": "بعد إذا أنقذه الله منه" والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، فالعود في الأول بمعنى الصيرورة كقول شعيب: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ وتعديته بـ "في" دون "إلى" لتضمنه معنى الاستقرار. (كما يكره أن يقذف في النار)، أخرجه في "الأدب" بلفظ: "وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه"، وهو أبلغ من المذكور هنا؛ لأنه سوى فيه بين الأمرين. ١٠ - بَابٌ: عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». (آية الإيمان): بهمزة ممدودة وتحتية مفتوحة وهاء تأنيث، و"الإيمان" مجرور بالإضافة، أي: علامته.

стр. 136

قال ابن حجر (١): هذا هو المعتمد في ضبط هذه اللفظة في جميع الروايات في "الصحيح" وغيره، ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء: "إنه الإيمان" بكسر الهمزة ونون مئددة وهاء، و "الإيمان" مرفوع، وإعرابه، فقال: إن للتاكيد والهاء ضمير الشأن والإيمان مبتدأ ما بعده خبره. قال ابن حجر (٢): وهذا تصحيف منه. (حب الأنصار): جمع "ناصر": كصاحب وأصحاب، أو "نصير": كشريف وأشراف. (وآية النفاق بُغض الأنصار)، قال ابن السكن: حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن أبغض بعضهم لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلًا في ذلك. قال ابن حجر (٣): وهو تفسير حسن. ١١ - بابٌ ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 137

(عصابة): بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها. (ولا تقتلوا أولادكم) قيل: خص القتل بالاولاد، لأن فيه مع القتل قطيعة الرحم، ولأنه كان شائعًا فيهم وهو "وأد البنات". (ببهتان) هو "الكذب" الذي يبهت سامعه. (تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) فخصها، لأن معظم الأفعال بها، قيل: ويحتمل أن يراد بما بينهما "القلب" لأنه الترجم عنه اللسان، فلذلك نسب إليه الافتراء، فالمعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم، وقيل: أصل هذا كان في بيعة النساء، وكني به عن نسبة المرأة الولد الذي تزنى به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه. (ولا تعصوا)، للإسماعيلي: "تعصوني". (في معروف)، هو ما عرف من الشارع خشيته نهيا وأمرًا. (وفي) أي: "ثبت على العهد" مخفف ومشدد. (فأجره على الله) أطلق على سبيل التفخيم، وعبر بـ "على" للمبالغة في تحقق وقوعه. (فعوقب) زاد أحمد: "بها". (فهو) أي: العقاب كفارة ظاهره التكفير، وإن لم يتب وعليه الجمهور. قال النووي: وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه﴾، فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل كفارة له. وقال غيره: يحتمل أن قوله في ذلك خاص بما بعد الشرك بقرينة أن المخاطب به المسلمون، ويؤيده أن في رواية مسلم: "ومن أتى منكم حدا" والقتل على الشرك لا يسمى حدًا.

стр. 138

قال عياض وغيره: وهذا الحديث صريح في أن الحدود كفارات، وأما حديث أبي هريرة: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا"، أخرجه أحمد والبزار والحاكم في "المستدرك" على شرط الشيخين؛ فإنه ورد أولًا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك، وتعقب بأن حديث عبادة كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ بمِنَى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين، فكيف يكون حديثه متقدمًا؛ وأجيب بأنه يمكن أنه لم يسمعه من النبي ﷺ بل من صحابي آخر كان سمعه منه قديما، ورُدّ بأن أبا هريرة صرح بسماعه، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك. قال ابن حجر: والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم يقع ليلة العقبة، وإنما خص ببيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره أنه ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، فهذه البيعة الأُولى. ثم صدرت مبايعات أخر منها هذه، وإنما وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التى في "الممتحنة" بدليل أن في الحدود من "الصحيح" أنه ﷺ لما بايعهم قرأ الآية كلها. وعند الطبراني في هذا الحديث الصحيح بأن هذه البايعة وقعت يوم فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة فزال الإشكال.

стр. 139

تنبيه: ظاهر الحديث أيضًا أن القاتل إذا قُتل أسقط عنه المطالبة في الآخرة، وأباه جماعة بأن الطلب للمقتول ولم يصل إليه حق. (ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله) زاد في رواية كريمة: "عليه". (فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) فيه رد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة معًا. ١٢ - بَابٌ: مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ ١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». (يوشك): بكسر المعجمة، أي: يقرب. (خير): بالنصب على الخبرية وغنم الاسم، وفي رواية الأصيلي عكس ذلك: "يتبع" بتشديد التاء، ويجوز إسكانها. (شعف): بفتح المعجمة والعين المهملة حتى شعفه كأكم وأكمة:

стр. 140

وهي رؤوس الجبال ومواقع القطر بالنصب عطفا على شعف، أي: بطون الأودية. (يفر بدينه) أي: بسبب دينه، (من): ابتدائية. ١٣ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ». وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا». (أنا أعلمكم)، للأصيلي: "أعرفكم". (وأن المعرفة فعل القلب لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾)، قيل: الآية وإن وردت في الأيمان بالفتح، فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر ظاهر للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب، وقد قال زيد بن أسلم في تفسير الآية: هو كقول الرجل إن فعلت كذا، فانا كافر، قال: لا يؤاخذه الله بذلك حتى يعقد به قلبه فظهرت المناسبة. (إذا أمرهم أمرهم) كذا في معظم الروايات بالتكرير، وفي بعضها أمرهم مرة واحدة.

стр. 141

١٤ - بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ ٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". ١٥ - بَابٌ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ ٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ. (يدخل)، للدارقطني: "يدخل الله من يشاء برحمته". (مثقال حبة): بفتح الحاء: إشارة إلى ما لا أقل منه. (نهر الحياء) كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطابي وعليه المعنى، لأن المراد كل ما تحصل به الحياة، والحيا

стр. 142

بالقصر: هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخجل. قلت: "في القاموس": الحيا: هو الطريد في لغة. (الحبة): بكسر الحاء: بذور الصحراء مما ليس بقوت، وهو جمع واحدة "حبة" بالفتح، وأما القوت فهو حب، والمفرد "حبة" بالنمتح أيضًا، فافترقا في الجمع خاصة، وإنما شبه بالأول لسرعة نباته، وخرجه من الأرض بخلاف الثاني. (عمرو الحياة): بالجر على الحكاية، أي: جزم عمرو بقوله: "في نهر الحياة"، ولم يشك كما شك مالك. ٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ

стр. 143

النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». (الثدي): بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: جمع "ثدي" بوزن: "فلِس". ١٦ - بَابٌ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». بابٌ بالتنوين (أن مالك)، للأصيلي: زادت كريمة "ابن أنس". (مر على رجل)، في مسلم: "برجل", و"مر" بمعنى: "اجتاز" يعدي بعلى والباء. (يعظ)، في "الأدب": "يعاتب". (في): سببية. (دعه) أي: اتركه على هذا الخلق السني، ثم زاده في ذلك ترغيبًا وتوكيدًا بقوله: (فإن الحياء من الإيمان) أي: لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشيء باسم ما قام مقامه- قاله ابن قتيبة. وقال غيره: الحياء انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره.

стр. 144

(وقال) الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه. ١٧ - بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». (بابٌ): بالتنوين. (نا عبد الله بن محمد)، زاد ابن عساكر: "المسندي". (أبو روح): بفتح الراء. (الحرمي)، للأصيلي: "حرمي" وهو بفتح المهملتين: اسم بلفظ النسب، واللام تلمح. (عن واقد بن محمد)، زاد الأصيلي -يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر-: فهو من رواية الأبناء عن الآباء. قال ابن حجر: الحديث غريب عن واقد تفرد به عنه شعبه، (وهو) عزيز، عن شعبة تفرد به، عن الحرمي، وعبد الملك بن الصباح عزيز، عن الحرمي، تفرد به عنه المسندي، وإبراهيم بن محمد

стр. 145

ابن عرعرة غريب عن عبد الملك، تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، ثم هو عزيز عن النبي ﷺ تفرد به بزيادة الصلاة والزكاة ابن عمر وأبو هريرة. (أمرت أن) أي: بأن. (فإذا فعلوا ذلك) عبر بالفعل عما بعضه قول تغليبًا أو إرادة الأعم، إذ القول فعل اللسان. (عصموا): منعوا، والعصمة من العصام، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع خروج الماء. (وحسابهم) أي: في أمر سرائرهم. (على الله): على بمعنى "اللام". ١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
следующие страницы →