← Каваид фикха

Каваид фикха · id 18192

الأشباه والنظائر لابن الملقن ت الأزهري

ابن الملقن

Полный текст (1 088 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الضوابط والاستثناءات، والفرق بين الضابط، والقاعدة: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد هذا هو الأصال" (١). إذًا فالذي ارتضاه الباحثون أن هناك فروقًا بين القاعدة والضابط ينبغي أخذها في الاعتبار. * * *

стр. 37

ثانيًا: الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية: إذا أجرينا موازنة عامة بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية استبانت لنا عدة فروق (١) من أهمها: ١ - أن القواعد الأصولية هي في مجملها تنتظم مجموعة الأدلة الإجمالية التي يدور عليها علم أصول الفقه وينضبط بها ميزان الاستنباط الصحيح عند الفقيه، شأنها في ذلك شأن القواعد النحوية التي تضبط الإعراب وتقيم النطق، فالقواعد الأصولية وسط بين الأدلة والأحكام يُستنبط بها الحكم من دليله التفصيلي، وموضوعها دائمًا الدليل والحكم، كقولك: "الأمر للوجوب، والنهي للتحريم ... " أما القاعدة الفقهية، فهي قضية كلية أو أغلبية موضوعها وجزئياتها فروع الفقه ومسائله المتعلقة بأفعال المكلفين. ٢ - أن القاعدة الأصولية وسيلة يتوصل بها المجتهدون إلى التعرف على الأحكام الفقهية (الفروع)، أما القاعدة الفقهية فهي التي تضبط الأحكام الفقهية التي يتوصل إليها المجتهد باستعمال القاعدة الأصولية، وبهذا تكون القواعد الفقهية ضوابط للثمرة المتحققة من أصول الفقه. ٣ - أن القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع؛ لأنها جمع لأشتاتها وربط بينها، أما القواعد الأصولية، فالفرض العقلي يقتضى وجودها قبل الفروع؛ لأنها الوسيلة التي توصل به المجتهد إلى استنباط الأحكام (الفروع)، فالترتيب الذهني الزمني الصحيح حينئذ لهذه الأدوات هو: (الأصول - ثم

стр. 38

الفروع - ثم الفقه) وعليه يكون الترتيب الذهني لمتعلقاتها هو: (القواعد الأصولية -ثم الفروع الفقهية- ثم القواعد الفقهية). ٤ - أن القاعدة الفقهية تستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية مباشرة بدون توسط الدليل، بخلاف القاعدة الأصولية فلا تستخرج منها أحكام الجزئيات الفقهية إلا بواسطة دليل، مثال ذلك، قاعدة: (الأمر للوجوب)، هل نأخذ منها وجوب أي فعل من الأفعال؟ أم نأخذ ذلك بإضافة دليل تفصيلي، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ [البَقَرَة: الآية ٤٣]، بينما القاعدة الفقهية يمكن أن نأخذ منها حكمًا مباشرة، مثال ذلك، قاعدة: (الأمور بمقاصدها) نأخذ منها: أن النية واجبة للصلاة وللوضوء، فهذه قاعدة فقهية أخذنا منها الحكم مباشرة دون توسط دليل. ٥ - أن القواعد الأصولية قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، أما القواعد الفقهية: فإنها أغلبية يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات، ويكون لها مستثنيات. ٦ - أن موضوع القاعدة الفقهية هو (فعل المكلف)، وموضوع القاعدة الأصولية هو (الأدلة) وما يعرض لها.

стр. 39

ثالثًا: الفرق بين القاعدة الفقهية والأصل الفقهي: الأصل في اللغة (١): ما بُني عليه غيره، فأصل الجدار أساسه الذي يبنى عليه، وأصل الشجرة: طَرَفُها الثابت في الأرض الذي ينبني عليه أعلاها وفروعها. وفي الاصطلاح (٢): يقال للدليل وللرجحان، وللقاعدة المستمرة، وللصورة المقيس عليها، وللمُستصحب. يقولون: أصل وجوب الصلاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ [البَقَرَة: الآية ٤٣] أي: الدليل عليه. ويقولون: الأصل براءة الذمة؛ أي: المستصحب. ويقولون: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح. ويقولون: الأصل في الأشياء الإباحة؛ أي: القاعدة الكلية. أما الفرق بين القاعدة والأصل، فالأصل أعمُّ من القاعدة، إذ إنه يجمع مسائل متفرقة من أبواب شتى ويجمعها من باب واحد، بخلاف القاعدة، فإنها تجمعها من أبواب شتى ولا تجمعها من باب واحد (٣). وممن فرق بين الأصل والقاعدة الإمام المقَّرِيُّ، فقال في تعريف القاعدة: "كلُّ كليٍّ هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعمُّ من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة" (٤).

стр. 40

وعلى هذا فقد يطلق الأصل على القاعدة، وقد يطلق على الضابط، ودرج على هذا كثير من العلماء. فممن كان يطلق القاعدة على الأصل الإمام العلامة ابن القيم، ومن أمثلة إطلاقه الأصل على القاعدة قوله: "من أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما" (١). وممن كان يطلق الأصل على الضابط الإمام ابن السبكي، ومن أمثلة ذلك قوله: "أصل: من باشر عقدًا أو باشره عنه من له ذلك ثم ادعى ما ينقضه لم يقبل" (٢). وقوله: "أصل مستنبط: هل الأولى تعجيل العبادة وإن وقع فيها خلل أو نقص؟ " (٣). * * *

стр. 41

• نظرة تاريخية في نشأة القواعد الفقهية (١): امتن علينا الله ببعثة محمد ﷺ ، وخصه بخصائص منها أنه أوتي جوامع العلم، وجوامع الكلم، فيتكلم النبي ﷺ بالكلام القليل الذي يكون له معان عديدة، ويتضمن أحكامًا كثيرة. وإذا تأمل الناظر في آثار النبي ﷺ وجد فيها من ذلك الشيء الكثير، ومثال ذلك قوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وهذا الحديث جزؤه الأخير: "اليمين على من أنكر" في "الصحيحين"، وفي جزئه الأول "البينة على المدعي" كلام من بعض أهل الحديث في أسانيده، إلا أنه عند جمع أسانيده والنظر في معناه نجده ثابتًا في الشريعة. ومثله قوله ﵇: "الخراج بالضمان"، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" فإن الشريعة قد دلت على معاني هذه الآثار بعموم أدلتها الأخرى، وفهم مقاصدها الحكيمة. فالمقصود أن المتأمل في سنة النبي ﷺ يجد أن هناك عددًا من الأحاديث النبوية قد وردت بألفاظ جامعة موجزة، ولكنها دلت على معانٍ عديدة، وصدقت على فروع شتى، وقد يكون ذلك متعلقًا بباب واحد، أو متشعبًا في عدة أبواب، وهذا يدلنا على مبدأ قواعد الفقه.

стр. 42

ثم بعد النبي ﷺ وردت ألفاظ رشيقة عن الأئمة من الصحابة فمن بعدهم من التابعين فيها اختصار في الألفاظ وشمول في المعاني والأحكام، ومن ذلك قول الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "مقاطع الحقوق عند الشروط" -ذكره البخاري تعليقًا وبإسناد جيد رواه عبد الرزاق وغيره- وقوله أيضًا: "هذه على ما نقضى، وتلك على ما قضينا"- رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناد لا بأس به. فهذه عبارات مختصرة أصبحت قاعدة فقهية يهتدي بها الأئمة والعلماء والفقهاء من بعد. ثم بعد عصور الصحابة والتابعين وبعد أن جاء عصر التدوين نجد أن الواحد من العلماء يعلل الأحكام الفقهية التي يطلقها بعلل تجمع أحكامًا فقهية من أبواب شتى، فأخذ من تلك التعليلات قواعد فقهية. يقول العلامة ابن القيم: "وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم، فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك، فإنه يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامة، وقضية كلية تجمع أنواعًا وأفرادًا". ومن النماذج المأثورة لتلك القواعد في عصر التابعين وقبل أن تتكون المذاهب الفقهية المشهورة ما نقك إلينا من بعض أقوال الإمام القاضي شُريح بن الحارث الكندى (ت ٧٦ هـ) كقوله: "من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه" وهو في معنى قول عمر المذكور آنفًا. وقوله: "من ضمن مالًا فله ربحه" وهو في معنى قوله ﷺ : "الخراج بالضمان".

стр. 43

فجميع تلك الآثار والمرويات أمارات بارزة على وجود القواعد في عصر الرسالة وعصر التابعين، وأنهم كانوا ينطقون بكلمات لا تخص موضوعًا واحدًا أو قضية معينة، بل يمكن إجراؤها في كثير من المواطن عند توافر الشروط واستعمالها باعتبارها جامعة لكثير من المسائل والفروع. وإذا تجاوزنا هذه المرحلة وانتقلنا إلى عصر أئمة الفقهاء، العصر الذي اتسق فيه الفقه، وتفتحت براعمه، وانفصل عن الفنون الأخرى صادفنا وجود بعض هذه القواعد في المصادر الأولية الأصيلة التي تم تدوينها في ذلك العصر. ولعلَّ أقدم مصدر فقهي اهتم بذكر بعض هذه القواعد والضوابط العامة كتاب "الخراج" للإمام القاضي أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ)، ومن ذلك قوله: "التعزير إلى الإمام على قدر الجناية". وقوله: "كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال". ومن تلك المصادر أيضًا بعض كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) ومن أقواله: "كل أمر يحل بغير نكاح ولا ملك إنما يحل بالإذن فيه". وقوله: "كل من له حق فهو له على حاله حتى يأتيه اليقين على خلاف ذلك". ومن أمثلة ذلك أن الإمام الشافعي في كتابه "الأم" ذكر عددًا من الأحكام وعللها بعلل جامعة تضمل مسائل عديدة، ومن ذلك قوله: "لا يُنسب إلى ساكت قول"، وقوله: "الرُّخص لا يتعدى بها محلها" فأُخذت هذه الألفاظ كقواعد عامة (فقهية) رُتِّبت عليها أحكام في العديد من الأبواب. وقوله: "قد يباح في الضرورات ما لا يباح في غير الضرورات". وقوله: "إذا ضاق الأمر اتسع".

стр. 44

ومما روي عن الإمام أحمد قوله: "كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن". وقوله: "كل زوج يلاعن". ثم بعد ذلك، وبعد هذه العصور -عصور أوائل التدوين- رغب العلماء في جمع تلك القواعد في مؤلفات خاصة، وذلك أن الفروع الفقهية قد تكاثرت إلى حد لا يمكن الإحاطة بها، فعندما تضبط تلك القواعد نستطيع ضبط الفروع الفقهية، فباء ذلك بمحاولات عديدة في التأليف في القواعد الفقهية. ومما يشهد له التاريخ ويظهر بالتتبع والنظر أن فقهاء المذهب الشافعي كما كانوا أسبق من غيرهم في وضع علم أصول الفقه وتدوين قواعده وتهذيب شوارده وتوسيع مباحثه، فإن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في مضمار التأليف في القواعد الفقهية، ولعل ذلك نظرًا للتوسع عندهم في الفروع. ولعل أقدم خبر يُروى في جمع القواعد الفقهية في الفقه الحنفي مصوغة بصيغها الفقهية المأثورة ما رواه القاضي أبو سعيد الهروي الشافعي المتوفى سنة (٤٨٨ هـ): "أن بعض أئمة الحنفية بَهَراة بلغه أن الإمام أبا طاهر الدَّباس إمام الحنفية بها بما وراء النهر ردَّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فسافر إليه وكان أبو طاهر ضريرًا، وكان يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس، وأغلق أبو طاهر باب المسجد وسرد من تلك القواعد سبعًا، فحصلت للهروي سُعلة فأحسَّ به أبو طاهر فضربه وأخرجه من المسجد ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه وتلا عليهم تلك السبع، قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسينًا ذلك ردَّ جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد:

стр. 45

الأولى: اليقين لا يزال بالشك. والثانية: المشقة تجلب التيسير. والثالثة: الضرر يزال. والرابعة: العادة محكمة" (١). ومن أوائل من ألف في القواعد الفقهية: الإمام أبو الحسن الكرخي الحنفي (ت ٣٤٠ هـ) وهو من أقران أبي طاهر الدباس، فقد ألف كتابًا سماه "أصول الكرخي" واقتبس منه بعض تلك القواعد وضمها إلى رسالته تلك التي تحتوي على سبع وثلاثين قاعدة، ولعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن. ثم في القرن الخامس الهجري جاء الإمام أبو زيد الدبوسي (ت ٤٣٠ هـ) وألف كتابه " تأسيس النظر" وذكر فيه عددًا من القواعد الفقهية، كما أورد طائفة من الفروع الفقهية المترتبة على تلك القواعد، وإن كان غالبَّا في يذكر فيه قواعد خلافية بين الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وبين الإمام أبي حنيفة وبقية الأئمة، كمالك والشافعي وغيرهما. ولعل سبب كون الحنفية هم أول من ألف في القواعد الفقهية هو مقاربة طريقة التأليف في القواعد الفقهية لطريقة الحنفية في التأصيل؛ فإن من المعلوم أن علماء أصول الفقه على منهجين في التدوين الأصولي: المنهج الأول: تقرير القواعد على الأدلة بغض النظر عن الفروع، وهذا هو منهج جمهور العلماء، وعليه سار علماء المالكية والشافعية والحنابلة. المنهج الثاني: تأصيل القواعد الأصولية من خلال الفروع الفقهية الواردة عن الأئمة، وهذا هو منهج الحنفية، فهم يذكرون ويتتبعون الفروع الفقهية الواردة عن

стр. 46

الإمام أبي حنيفة وأصحابه ويأخذون منها قواعد أصولية، فهذا المنهج قريب من منهج القواعد الفقهية، ولذلك كان الحنفية من أوائل من ألف في القواعد الفقهية. ولكن النشاط الحقيقي في التأليف في قواعد الفقه لم يبرز إلا في رواق القرن السابع الهجري، إذ برز فيه هذا العلم إلى حدٍّ كبير، وإن لم يبلغ مرحلة التكامل والنضج الذي نراه الآن في المصنفات التي بين أيدينا في قواعد الفقه، ومن طليعة المؤلفات في هذا الفن إبان هذه الحقبة: • "قواعد الأحكام في مصالح الأنام": للإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السُّلمي، المغربي الأصل، الدمشقي مولدًا، المصري دارًا ووفاة، الملقب بسلطان العلماء (ت ٦٦٠ هـ) وكتابه هذا من أقدم وأعظم ما وصل إلينا في هذا الموضوع، ولم يكن غرض المؤلِّف جمع القواعد الفقهية وتنسيقها على نمط معين، بل كان "الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، لسعي العباد في تحصيلها، وبيان المخالفات لسعي العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خير منها، وبيان ما يقدَّم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب العبيد دون ما لا قدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه" (١). وموضوع الكتاب يدور حول القاعدة الشرعية الأساسية: "جلب المصالح ودرء المفاسد" وغالب القواعد الفقهية الأخرى التي نجدها منبثَّة في غضون الكتاب فمردُّها إلى هذه القاعدة العامة. والواقع أن الكتاب فريد في موضوعه، ويفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة للتفكير، ولم ينسج على منواله كتاب آخر يضارعه في موضوعه إلى عصر المؤلف.

стр. 47

• "أنوار البروق في أنواء الفروق" المشهور بـ "الفروق": للإمام العلامة المحقق أبي العباس أحمد بن أبي العلاء ابن عبد الرحمن الصُّنهاجي المصري، شهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ)، وكتابه هذا من أروع ما أنتجه عقل الفقه الإسلامي، أتى فيه المؤلف العبقري بما لم يسبق إليه، فقد امتاز ببيان الفروق بين القواعد في حين أن الكتب التي ألفت قبله بعنوان "الفروق" كان موضوعها بيان مسائل جزئية تشابهت صورها واختلفت أحكامها فقط، وما صنعه القرافي يُنَمِّي قوة الاستنتاج ويُربي ملكة الفقه، وهذا الكتاب استخلص فيه المؤلف ما نثره من كليات الفروع الفقهية في كتابه الفقهي "الذخيرة" ومن قواعد وضوابط عند تعليل الأحكام، بيد أنه زاد وتوسع هنا في بيان ما أجمله هناك جمع فيه المؤلف خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة. أما القرن الثامن الهجري فيعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية وتواصل التأليف فيها، برزت فيه عناية الشافعية لإبراز هذا الفن وتفوقت ثم تتابعت هذه السلسلة في المذاهب الفقهية المشتهرة، ومن أبرز وأشهر ما ألف في هذه الحقبة الزمنية: • "الأشباه والنظائر" للعلامة صدر الدين محمد بن عمر بن مكي، المعروف بابن الوكيل، وبابن المرحل، المصري الدمياطي المولد، الدمشقي النشأة، توفي سنة (٧١٦ هـ)، وكتابه هذا أول مؤلف في موضوعه سُمِّي باسم "الأشباه والنظائر" في مجال الفقه الإسلامي (١)، ثم حذا حذوه بعد ذلك كثير من

стр. 48

المؤلفين في هذا العلم كالتاج بن السبكي، والجلال السيوطي، والسراج بن الملقن، والزين بن نجيم. وقد كان هذا الكتاب حافزًا على التأليف في هذا العلم لكثير من جهابذة العلماء، وقد ذكر المحققون أن هذا الكتاب لم يتمكن المؤلف من تحريره وترتيبه وإنما تركه نبذا متناثرة. قال ابن السبكي في "الأشباه والنظائر" (١): "وزين الدين هو جامع "الأشباه والنظائر" المنسوبة إلى عمة وله فيها زيادات يسيرة، مميزة عن كلام عمه بلفظ: "قلت" ... ". وفي "طبقات الشافعية" (٢) قال: "وللشيخ صدر الدين كتاب "الأشباه والنظائر"، ومات ولم يحرره، فلذلك ربما وقعت فيه مواضع على وجه الغلط". فالذي حرره إذًا وهذبه هو ابن أخيه زين الدين بن الوكيل (ت ٧٣٨ هـ). وكتاب ابن الوكيل ليست القواعد فيه -سواء أكانت فقهية أم أصولية- على النمط المألوف عند المتأخرين في حسن عبارتها، وجودة صياغتها ولكنها نُقِّحت وصيغت من جديد في كتاب "الأشباه والنظائر" لابن السبكي. • "القواعد": للمَقَّري؛ محمد بن محمد بن أحمد المقَّرى المالكي التلمساني المتوفى سنة (٧٥٨ هـ)، وكتابه المذكور هو الكتاب الثاني بعد "الفرق" للقرافي في القواعد الفقهية عند المالكية، ويعد من أقوم ما أُلِّف في قواعد المذهب المالكي، ولعله أوسع كتب القواعد عند المالكية، بحث فيه مؤلفه مسلك الإمام مالك وأصحابه مع الموازنة بمذهبي الحنفية والشافعية في كثير من القواعد

стр. 49

والفروع مع التعرض أحيانًا لأقوال الحنابلة، ولم يتوسع المؤلف في شرح هذه القواعد وبيانها، ثم إنه لم يستوف ذكر النظائر والفروع، أما القواعد المهمة العامة فقد لا يربو عددها على مائة قاعدة. • "المجموع المُذْهب في قواعد المذهب": للإمام الحافظ خليل بن كيكلدي، صلاح الدين العلائي، الشافعي، الدمشقي، أبي سعيد، المتوفى سنة (٧٦١ هـ)، وكتابه هذا من أنفس الكتب التي ألفت في القرن الثامن الهجري في قواعد فروع الفقه الشافعي، وهو يجمع بين قواعد أصولية وقواعد فقهية، ومن أهم خصائص الكتاب أن المؤلف أطال نَفَسه في شرح القواعد الخمس الأساسية شرحًا وافيًا، محاولًا ردَّ جميع مسائل الفقه إليها، ومما زان الكتاب أن المؤلف دعم بعض القواعد وخصوصًا الأساسية بأدلة من الكتاب السنة، والكتاب في الجملة يمثل خير نموذج لتخريج الفروع على قواعد الأصول. • "الأشباه والنظائر": لتاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، المصري، الشافعي، المتوفى سنة (٧٧١ هـ)، وكتابه هذا يحتل منزلة مرموقة بين مؤلفات هذا الفن، لما أبان فيه مؤلفه من وجوه القواعد الأصولية والفقهية، وأتى فيها بدرر علمية نفيسة، ومناقشات جادة ومطارحات ومباحثات عزيزة، وذلك راجع إلى براعة المؤلف ونبوغه في علمي الفقه والأصول، لذا أضفى ذلك النبوغ الفقهي على كتابه ثوبًا جميلًا، ورغم كون الكتاب حاويًا لأنواع من الفقه فإنه من أهم الكتب وأقومها التي ألفت في موضوع القواعد الفقهية، ولذا أشاد به العلماء وساروا على نهج تأليفه؛ منهم العلامة ابن نجيم الحنفي الذي صاغ كتابه على غرار هذا الكتاب. • "المنثور في القواعد": للعلامة بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي،

стр. 50

المصري، الشافعي، المتوفى سنة (٧٩٤ هـ)، وكتابه ذو قيمة عالية بين المؤلفات في القواعد الفقهية، وذلك مرده إلى أن مؤلفه أضفى عليه من روحه العلمية الجادة، وملكاته البحثية الفياضة ما أكسبه جودة ودقة وقبولًا عند العلماء، فقد جمع المؤلف بين دفَّتيه فروع المذهب الشافعي المحررة، والقواعد والضوابط الفقهية المقررة، ولعله أجمع كتاب فيما وصل إلينا من جهود السابقين في هذا المجال. • "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" المشهور بـ "القواعد": للعلامة الحافظ عبد الرحمن بن شهاب بن أحمد، زين الدين، أبي الفرج بن رجب البغدادي، ثم الدمشقي، الشهير بابن رجب الحنبلي، المتوفى سنة (٧٩٥ هـ)، وكتابه هذا من أنفس وأحفل الكتب للقواعد في الفقه الحنبلي، ويحمل من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف والبيان، وقد بنى المؤلف مباحث الكتاب على مائة وستين قاعدة، وأردفها بفصل يحتوي على فوائد تلحق بالقواعد في مسائل مشهورة فيها اختلاف في المذهب، ومنهجه في هذه القواعد أن يضع أحيانًا تحت عنوان "القاعدة" موضوعًا فقهيًّا ثم يتناوله بالإسهاب والتفصيل، وتارة يورد القاعدة على النَّسق المألوف في كتب القواعد بصيغة موجزة، والكتاب في محتوياته وغضونه تضمن معظم القواعد المشهورة المتداولة، وإن اختلف الأسلوب والصياغة في بيانها، أما الضوابط: الفوائد والأحكام الأساسية الموضوعة تحت عنوان "القواعد" فهي متناثرة وكثيرة في الكتاب (١).

стр. 51

أما في القرن العاشر (١): فقد استوى النشاط التدوين لهذا العِلْم، ومن أبرز ما دُوِّن فيه: • "الأشباه والنظائر": للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر ابن محمد الشافعي، المصري، الشهير بالسيوطي، المتوفى سنة (٩١١ هـ)، وكتابه المذكور من أروع المؤلفات في القواعد الفقهية وأغزرها مادة، وأحسنها ترتيبًا وتنسيقًا، قام فيه باستخلاص أهم القواعد الفقهية المتناثرة المُبدَّدة عند ابن عبد السلام، وابن الوكيل، والعلائي، والسبكي، والزركشي، وأضحى بذلك مصدرًا خِصبًا لدراسة القواعد الفقهية خاصة في المذهب الشافعي، ومن ثمَّ تداولته أيدي العلماء في كل مكان وحظى بحسن القبول والرواج. • "إيضاح المسالك إلى قؤاعد الإِمام مالك": للعلامة المحقق أحمد بن يحيى بن محمَّد التلمساني الوِنْشَريسي، ثم الفاسي، المتوفى سنة (٩١٤ هـ)، وكتابه هذا من أشهر ما ألف في قواعد المذهب المالكي، وهو كتاب معتدل وسط بين كتب القواعد المشهورة، ضمنه مائة وثماني عشرة قاعدة، ومعظم قواعده مذهبية تخدم المذهب المالكي، أوردها المؤلف بصيغ استفهامية باعتبار أنها ليست مما يتفق عليها بين العلماء، بل إنها قواعد خلافية، وقد يتعرض لبعض القواعد المتفق عليها بين المذاهب بصيغة الاستفهام أيضًا، وأحيانًا بصيغة الخبر، وأردف كل قاعدة بما يناسبها من الفروع الفقهية من أبواب مختلفة، ويؤخذ عليه إغفاله بعض القواعد المهمة مثل: "الأمور بمقاصدها"، و"العادة محكمة"، و"الضرر يزال"، و"الحدود تسقط بالشبهات"، والكتاب في الجملة من آثاره العلمية النافعة

стр. 52

التي تدل على تمكنه في الفقه المالكي وتضلعه فيه. • "الأشباه والنظائر": للعلامة زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نُجَيْم، الحنفي، المصري، المتوفى سنة (٩٧٠ هـ)، وكتابه هذا من أشهر المؤلفات في القواعد الفقهية تحت عنوان "الأشباه والنظائر"، وهو موضوع على غرار كتاب العلامة ابن السبكي كما صرَّح ابن نجيم في مقدمة كتابه المذكور، فقد التزم السير على منهج السبكي مع اختلاف يسير في ترتيب المباحث وتنسيق القواعد، إلا أن للقاعدة الأصولية نصيبًا وافرًا عند السبكي بخلاف ابن نجيم، فإنه لم يتعرض للقواعد الأصولية، فقد خص الفن الأول للقواعد الكلية الفقهية، وبسط فيها القول، ووضع الفنون الأخرى للكتاب في مباحث أخرى ذات مِساسٍ بالفقه الإِسلامي؛ كالألغاز والمطارحات والفروق والحكايات، والمراسلات الفقهية، وبلغ عدد القواعد الفقهية خمسًا وعشرين عند ابن نجيم جمعها في الفن الأول من الكتاب، والكتاب هذا قرين لكتاب العلامة السيوطي "الأشباه والنظائر" في اسمه وصيته وخصائصه، ويحتل مكانًا رفيعًا بين مؤلفات هذا الفن، وقد جاء خطوة جديدة بعد أن توقف سير التأليف في هذا الموضوع على مدى الأيام في الفقه الحنفي (١). وبالنظر في الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية يمكن تقسيم تلك المؤلفات إلى تقسيمات عدة:

стр. 53

- التقسيم الأول: تقسيم المؤلفات في القواعد الفقهية بحسب عنوان تلك الكتب، فإن المؤلفات في القواعد الفقهية منها ما يُعَنْون باسم "الأشباه والنظائر"، ويراد بالأشباه المسائل المتشابهة من أوجه متعددة، وأما الأمثال فهي المسائل المتشابهة من كل وجه، وأما النظائر فهي المسائل المتشابهة من وجه واحد وإن كانت تختلف في بقية الوجوه، والغالب في إطلاق لفظ (النظائر) أن يراد به المسائل المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم، ومن الكتب المؤلفة باسم "الأشباه والنظائر" -كما سبق- كتاب ابن الوكيل، وابن السبكي، والإسنوي، والسيوطي، ابن نجيم. والاسم الثاني مما سميت به المؤلفات في هذا العلم اسم "الفروق"؛ وممن ألف باسم "الفروق" أبو محمد الجويني (ت ٤٣٨ هـ)، والجرجاني (أحمد بن محمد) (ت ٤٨٢ هـ)، والروياني (ت ٥٠١ هـ)، والكرابيسي (ت ٥٧٠ هـ)، والقرافي (ت ٦٨٤ هـ). ومن الأسماء التي سميت بها المؤلفات في هذا العلم اسم "القواعد" مثل: "قواعد ابن عبد السلام"، و"قواعد ابن رجب"، و"القواعد" للمَقَّري، و"قواعد الونشريسي"، و"قواعد العلائي"، و"قواعد الزركشي"، و"القواعد" لأبي بكر الحصني الشافعي (ت ٨٢٩ هـ)، و"القواعد" لابن تيمية. - التقسيم الثاني: تقسيم المؤلفات في القواعد الفقهية بحسب منهجها في الترتيب، فليس ترتيب القواعد الفقهية سائرًا على منهج واحد، بل الكتب في القواعد الفقهية على طرائق مختلفة في الترتيب: فمن هذه المؤلفات ما يرتب القواعد بحسب أهميتها وشمولها، فيبدأ بالقواعد الكلية الكبرى التي لها فروع من كل باب فقهي، ثم يتطرق إلى القواعد الكلية التي تدخل في أبواب متعددة وإن لم تكن تدخل في جميع الأبواب، ثم يذكرون القواعد

стр. 54

المختلف فيها، ومن أمثلة الكتب المؤلفة على هذا الترتيب: "الأشباه والنظائر" لابن السبكي، والسيوطي، وابن نجيم. - ومنها: ما يرتب القواعد الفقهية بحسب الترتيب الهجائي، فيبدأ بالقواعد التي تبدأ بحرف الألف مثل: قاعدة الأمور بمقاصدها، ثم بحرف الباء، مثل: "البينة على المدعي" وهكذا. وممن ألف على هذا المنهج الزركشي في كتابه "المنثور في القواعد"، ولعل هذه الطريقة من أحسن الطرق في ترتيب القواعد؛ لأن كون القواعد تعم وتشمل، أو تقتصر على بعض الأبواب مما تختلف فيه الأنظار وتختلف فيه وجهات العلماء. - ومنها: ما يرتب القواعد الفقهية بحسب الأبواب الفقهية، فيورد القواعد المتعلقة بكتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة، وهكذا. وممن ألف على هذا المنهج المقري المالكي في كتابه "القواعد"، وشيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه "القواعد النورانية"، وصاحبنا ابن الملقن في كتابنا هذا, ولهذه الطريقة مآخذ سنذكرها بإذن الله في الكلام على منهج ابن الملقن في كتابه "القواعد". - ومنها: ما سرد القواعد الفقهية بدون ترتيب معين، وقد سار على هذه الطريقة بعض العلماء من أبرزهم ابن رجب في كتابه "تقرير القواعد"، فإنه كان يذكر القواعد بدون أي ترتيب. التقسيم الثالث: تقسيم المؤلفات في القواعد الفقهية بحسب منهجها في شمول القواعد الفقهية وغيرها: فمنها: ما الغالب فيه الاقتصار على القواعد الفقهية فقط دون غيرها مثل كتاب "الأشباه والنظائر" لابن الوكيل.

стр. 55

ومنها: ما أورد القواعد الفقهية مع قواعد أخرى أصولية أو عقدية أو نحوية أو موضوعات فقهية تمَسُّ الفقه وفروعه من الفوائد والفروق والألغاز والمطارحات والحكايات والمناظرات مثل كتب الدبوسي، والقرافي، والعلائي، وابن السبكي، والزركشي، وابن رجب، وابن الملقن، والسيوطي، وابن نجيم.

стр. 56

ابن المُلَقِّن وكتابه "القواعد" أو "الأشباه والنطائر" منهجه وكلام العلماء فيه وسراج الدين بن الملقن من رجالات القرن التاسع الهجري (١)، ذلك العصر الذي مثَّل حلقة وصل بين حقبتين تاريخيتين تمثلتا في القرن الثامن والعاشر، هذه الحلقة اتسمت بطابع الجمع، والتلخيص، والشروح، والتهذيب لكتب السابقين في سائر العلوم من فقه، وأصول، وحديث، ولغة. وابن الملقن -وهو من فحول هذا العصر وأرباب هذه الطريقة- كتبه في الفقه والحديث والتخريج والشرح والاختصار أدلُّ شاهد على براعة ملكاته وثقابة أدواته، ولما لا وقد تفقه بالتقي السبكي، والعز بن جماعة، وغيرهما من فحول الفقه والأصول، وأحاط بفقه الشافعي والمذاهب الأخرى، وأذن له بالإفتاء فيها، كما أجاز له في الحديث وعلومه جهابذة هذا الفن كالمزِّي، والعلائي، وأثنى عليه كثير من الأئمة ونعتوه بالحافظ. • منهج ابن الملقن في كتابه: أبرز ابن الملقن كتابه هذا في حُلَّةٍ جديدة في مضمار المؤلفات في هذا الفن

стр. 57

تنتظم جودة الترتيب والتنسيق؛ حيث رتَّبه على الأبواب الفقهية، وضمن كل باب من أبوابه كل ما يتضمنه من القواعد والفوائد الفقهية والأصولية التي لم أشتاتها من أجمع الكتب المؤلفة في القواعد، مثل "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام، و"الأشباه والنظائر" لابن الوكيل، و"الفروق" للقرافي، و"الأشباه والنظائر" لابن السبكي، و"قواعد العلائي"، و"قواعد الزركشي" وغيرها من كتب السابقين من رجال المذهب الشافعي قديمًا وحديثًا: كابن الحداد، والقفال، وابن القاص، والقاضي حسين، والروياني، والجرجاني، وإمام الحرمين، والماوردي، والغزالي، والهروي، وابن الصلاح، وابن الرفعة، والسبكي، والرافعي، والنووي، والمتولي، وغيرهم من فقهاء المذهب ورجاله. ويعطينا ابن الملقن نبذة في مقدمة كتابه بين فيها تعريفًا لكتابه وأوضح أهمية الاشتغال بالقواعد، وسلط الضوء على المنهج الذي سلكه فيه، فيقول: "فإن الاشتغال بالأشباه والنظائر والقواعد لما تحتوى من الفوائد والفرائد يُحِدُّ الأذهان ويُظهر النظر، وقد هذَّب العلماء جملة منها واعتنوا بها؛ فمنهم العلامة عزُّ الدين، وشهاب الدين القرافي، وللعلامة عَصْرِيِّنا محمد بن المُرَحِّل فيه مصنَّف حسن هذَّبه ورتَّبهُ ابن أخيه زَيْن الدين، وهو الذي أبرزه، ولشيخنا الحافظ العلامة صلاح الدين بن العلائي فيها مصنَّف مفرد أيضًا، لكنها كلها غير مرتَّبة على شأن القواعد وعلى ما يقع في تلك المقاصد، وقد استخرت الله والخِيَرَةُ بيده في كتاب في ذلك، مرتَّبٍ على الأبواب الفقهية على أقرب ترتيب، سهل التنقيح والتهذيب مُبيِّن ما وقع في الاختلاف، وما يفي به عند الاضطراب من الخلاف، لم يُنسج مثله على منوال، ولم يسبقني أحد إلى ترتيبه على هذا المثال ... ". ولكن يؤخذ على الطريقة التي سلكها ابن الملقن في ترتيبه القواعد على ترتيب

стр. 58

الأبواب الفقهية أمران: الأمر الأول: أن كون القاعدة مما تعمُّ أو تشمل، وكونها تقتصر على بعض الأبواب دون بعض مما تختلف فيه الأنظار، وتتفاوت فيه وجهات العلماء، ولعل هذا الأمر بالتحديد هو الذي حدا بالعلماء إلى أن يسلك كلٌّ منهجًا يخالف منهج غيره، فجاءت كل هذه الطرق المتباينة في المنهج والترتيب. الأمر الثاني: أن هذه الطريقة ربما ألجأت ابن الملقن إلى أن يكرر قاعدة ما في أكثر من باب لكونها تعم فروعًا من هذه الأبواب جميعًا، لذا كان ابن الملقن يتخلص من ذلك التكرار بأن يذكر القاعدة في باب معين موردًا فيه عبارة ابن الوكيل مثلًا، ثم يذكرها في باب آخر موردًا فيه عبارة ابن السبكي. -كما أن هناك بعض الأبواب الفقهية لم تكن فروعها داخلة تحمسا قاعدة معينة فكان يذكر فيها بعض الضوابط والفوائد التي لا تدخل في مسمى "قاعدة". - حاول ابن الملقن أن يجمع تحت كل قاعدة أكبر عدد من النظائر حتى لربما تعدت نظائر القاعدة الواحدة (أو مستثنياتها) الأربعين فرعًا. - أكثر ابن الملقن النقل عن صدر الدين بن الوكيل وهو أحيانًا يعزو إليه وأخرى يذكر النقل مختصرًا مهذبًا بدون عزو إليه فكنت أشير إلى كل هذه المواضع، وأكثر أيضًا من النقل عن شيخه تقي الدين السبكي وولده تاج الدين، وكان يكنى عن الأول دائمًا بـ "شيخنا"، أما الثاني فأغفل ذكره تمامًا وربما غنى عنه بـ "بعض المتأخرين" مع أن نُقُولَ ابن الملقن عن ابن السبكي لا تقل عددًا وأهمية عن تلك التي أخذها من "أشباه ابن الوكيل". - انماز كتاب ابن الملقن بكثرة التنقيحات الفقهية، والتحقيقات الأصولية والترجيحات بين الأقوال والأوجه التي ربما سكت عن الترجيح فيها مَنْ نقل عنهم.

стр. 59

"وإن الناظر في الكتاب يشاهد أن المؤلف ﵀ أنجز ما ومحمد وأخرج لنا كتابًا حافلًا في هذا الموضوع، يبدو فيه شيء من الابتكار والتميز ترتيبًا وتنقيحًا للقواعد ومسائلها" (١). - ونظرًا لكثرة النقول التي أخذها ابن الملقن من كتابي "ابن الوكيل" و"ابن السبكي"، فإن بعض العلماء دعاهم ذلك إلى غمز الكتاب والحطِّ منه، فيقول صاحب "كشف الظنون" (٢): "وللشيخ سراج الدين عمر بن علي الشافعي المتوفى سنة أربع وثمانمائة -يعني: ابن الملقن"- التقطه من كتاب التاج السبكي خُفية". "وليس ذلك مما يشين الكتاب ويحط من قدره وما يمتاز به من حسن الديباجة، وجودة الصناعة في الترتيب، وجمع الشتات الكثيرة من كتب مختلفة ... " (٣). وعلى هذا الدرب سار المؤلف في سائر كتابه، ولا شك أن تأصيل القواعد وترتيبها على الأبواب مما يدل على ثقابة نظر في الفقه ومهارة فائقة في ربط الفروع بأصولها، وبجانب تلك القواعد يحمل الكتاب في طياته ضوابط مهمة تحت أبواب مختلفة. ويقول السيوطي في كتابه "الأشباه والنظائر في النحو" (٤) في غضون حديثه عن أشهر المصنفين في القواعد:

стр. 60

"وأول من فتح هذا الباب شيخ الإسلام ابن عبد السلام في قواعده الكبرى, فتبعه الزركشي في القواعد، وابن الوكيل في "أشباهه"، وقد قصد السبكي بكتابه "تحرير" كتاب ابن الوكيل بإشارة والده له في ذلك كما ذكره في خطته، وجمع أقسام الفقه وأنواعه ولم تجمع في كتاب سواه، وألف السراج بن الملقن مرتبًا على الأبواب، وألَّفتُ مرتبًا على أسلوب آخر" -بتصرف-. ولكن الذي ينبغي التنويه عليه حقًّا ما أغفله ابن الملقن من القواعد الكبرى في هذا الكتاب، فقد نسي أن يذكر ثلاث قواعد شهيرة وهي: ١ - الأمور بمقاصدها: فقد أغفلها ابن الملقن على الرغم من أنه ذكر كثيرًا من القواعد والضوابط والفروع التي تنبني على تلك القاعدة. ٢ - الضرر يُزال. ٣ - المشقة تجلب التيسير. ولكن الذي يرى كم القواعد والضوابط التي زخر بها كتابه فإنه يلتمس له العذر، خاصة وأن هذه القواعد المتروكة لم تُتْرك فروعها بل أوردها منثورة هي وما انبنت عليه من قواعد وفوائد، كما أن العذر معه أيضًا في ذلك بسبب طريقته في ترتيب الكتاب على الأبواب الفقهية؛ فإنها طريقة ليست باليسيرة في علم القواعد الفقهية. • اسم الكتاب: ورد اسم الكتاب في النسخ التي اعتمدنا عليها: "الأشباه والنظائر"، والناظر يجد أننا أخرجناه باسم "القواعد"، والأمر فيه سعة خاصة في مجال التصنيف في قواعد الفقه، فالكلام على القواعد يعقبه ولا بد بيان لنظائر كل قاعدة من الفروع

стр. 61

الفقهية، والكلام على الأشباه والنظائر الفقهية لا يمكن إلا بعد إيراد القاعدة التي تندرج تحتها هذه الأشباه والنظائر، لذا فالأمر على سعته. ويعضد ما نقول أن بعض المصنفات التي صنفت في هذا العلم قد سماها مصنفوها بأكثر من اسم، ففي بعض نسخ "الأشباه والنظائر" لابن السبكي ورد باسم "قواعد ابن السبكي"، وكتاب "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب، اشتهر بين الأوساط العلمية باسم "قواعد ابن رجب"، وقد آثرت إخراج الكتاب باسم "قواعد ابن الملقن" جريًا على هذه السُّنة، وترغيبًا للطلبة فيه، إذ قد يستغلق على بعضهم معنى "الأشباه والنظائر" خاصة وأن هذا العلم -أعني علم "الأشباه والنظائر"- مما لم يخترعه علماء هذا الفن، بل استعمله من قبلهم علماء التفسير والأدب، وبعدهم علماء اللغة والنحو. والله من وراء القصد

стр. 62

وصف النسخ الخطية وعمل التحقيق ١ - النسخة الأولى: وهي نسخة المكتبة الظاهرية بمكتبة الأسد بدمشق، وتحمل رقم (٢٨٨٤)، وقد اعتمدنا النسخة المصورة عنها يمعهد البحوث العلمية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى، والتي تحمل رقم (٩٠ أصول الفقه)، ولها صورة بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تحت رقم (٦٦٠٩ - ف)، وصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية تحت رقم (٧٢٧٩/ ١)، وبمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض رقم الحفظ (ف ٦٦٧). - وعدد أوراق هذه النسخة: (٢٢٩ ورقة). - ومسطراتها: (٢٧ سطرًا). - تاريخ نسخها: (٨٦٢ هـ). - نوع النسخ: نسخ معتاد. - وقد رمزنا لها في التحقيق بالرمز (ن). ٢ - النسخة الثانية: وهي نسخة مكتبة أحمد الثالث بتركيا، وتحمل رقم (٨٧٥٢)، وقد اعتمدنا النسخة المصورة عنها بمعهد البحوث العلمية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى تحت رقم (٨٩ أصول فقه)، ولها صورة بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تحت رقم (٦٦٠٨ - ف)، وصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة تحت

стр. 63

رقم (٤٩٧٩)، وبمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض رقم الحفظ (ف ٦٦٦). - وعدد أوراقها: (٢٠٢ ورقة). - ومسطراتها: (٢٣ سطرًا). - وتاريخ النسخ: (٨٧٣ هـ). - ونوع النسخ: معتاد جيد. - وقد رمزنا لهادي التحقيق بالرمز (ق). ٣ - النسخة الثالثة: سبق أن أشرنا في المقدمة إلى أن ابن الملقن اعتمد في غالب المنقول في هذا الكتاب على كتاب "الأشباه والنظائر" لصدر الدين بن الوكيل؛ لذا كان عن الضروري أن نعتمد كتاب ابن الوكيل نسخة أصيلة في المقابلة، ورمزنا لها بالرمز (ك). ٤ - النسخة الرابعة: أشرنا سلفًا إلى أن ابن الملقن كان ينقل كثيرًا عن تاج الدين بن السبكي دون عزو إليه، ولكن بالمطابقة وجدنا أنه ينقل بالنص دون تصرف ولا اختصار في الغالب؛ لذا كان ضروريًّا أيضًا أن نعتمد كتاب ابن السبكي نسخة أصيلة في المقابلة، ورمزنا لها بالرمز (س). عمل التحقيق: ١ - قمت بنسخ الكتاب ومقابلته على النسخة الخطية الأخرى وإثبات فروق النسخ في هامش الكتاب وفق ما ترجح لدى من قرائن الترجيح. ٢ - قمت بضبط نص الكتاب نحوًا وإملاءً وفق قواعد اللغة العربية المشتهرة مع تحقيق الهمزات المسهلة، وتصويب ما اقترفته أيدي النساخ.

стр. 64

٣ - قابلت الكتاب على مصادر القواعد التي اعتمد عليها ابن الملقن واستدركت ما فاته من كلمات وعبارات حتى ينسجم النص ويستقيم السياق. ٤ - قمت بتخريج القواعد التي جمعها ابن الملقن في كتابه من مصادر القواعد والأشباه والنظائر، وإثبات ذلك في حاشية الكتاب. ٥ - قمت بشرح بعض القواعد الغامضة والعبارات المستبهمة من خلال مظان ذلك من كتب القواعد ومعاجم اللغة. ٦ - قمت بتخريج الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب تخريجًا مفصلًا ببيان اسم الكتاب والباب ورقم الحديث. ٧ - قدمت للكتاب بمقدمة ودراسة تضمنت ترجمة المصنِّف، وتعريفًا بأهم المصطلحات الجارية في علم القواعد الفقهية، وألمحنا إلى التطور التاريخي لنشأة القواعد الفقهية، وبينا منهج ابن الملقن في الكتاب. ٨ - فهرست للكتاب بفهارس علمية شملت فهارس الآيات، والأحاديث، والأعلام، والقواعد الفقهية والقواعد الأصولية، والموضوعات حتى يتسنى لمن أراد البحث فرصة البحث اليسير. وعلى الله قصد السبيل

стр. 65

صور النسخ الخطية

стр. 66

لوحة الغلاف من النسخة (ن)

стр. 67

الورقة الأولى من النسخة (ن)

стр. 68

الورقة الأخيرة من النسخة (ن)

стр. 69

لوحة الغلاف من النسخة (ق)

стр. 70

الورقة الأولى من نسخة (ق)

стр. 71

الورقة الأخيرة من النسخة (ق)

стр. 72

(النصُّ المحقَّق) قَوَاعِدُ ابْنِ الْمُلَقِّنِ تصنيف الْعَلامَة الإِمَام الْمُحَقق عُمْدَة المصنفين سراج الدّين أبي حَفْص عمر بن عَليّ الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بـ «ابْن الملقن» (الْمُتَوفَّى سنة ٨٠٤ هـ)

стр. 73

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت] (١) الحمدُ لله الذي لا نظيرَ له، تعالى في ذاتِه، ولا شبيهَ ولا مماثلَ في صفاتِهِ، تعالى أن تُشْبه ذاتَه ذاتٌ أو صفاتِهِ صفاتٌ، انفرد بذلك عن مخلوقاته، وأعجز البُلَغاء عن إدراك ألفاظِهِ بجميل (٢) صفاته، كلهم مقهورون بسَطْوَته (٣)، خاضعون لجلاله وعظمته، نحمده أن (٤) هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولاه، ونشكره أن (٤) جعلنا سَادةً وقادة لا جاعلَ لذلك سواه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المنفرد بالرُّبُوبية (٥) فلا ملجأ سواه، وأن محمدًا عبده ورسوله مُبلِّغُ آياته وأنبيائه المخصوصة بعظمته وعِزِّه وكبريائه، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، صلى الله على (٦) أشرف الخلق، وخاتم رسلك، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذرياته وأتباعه إلى يوم الدين، ورضي الله عن الأئمة الماضين، وبارك في الباقين إلى أن ترث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين، وبعد:

стр. 74

فإن الاشتغال (١) بالأشباه والنظائر و (٢) القواعد لما تحتوي من الفرائد والفوائد (٣) وتُحدُّ الأذهان، وتُظهر النظر، وقد هذَّب العلماء جملة منها، واعتنوا بها، فمنهم العلامة عز الدين (٤) [ابن عبد السلام] (٥)، وشهاب الدين ابن القرافي (٦)، وللعلامة عصريِّنَا صدر الدين محمد بن المرحِّل (٧) فيه مصنَّفٌ حسن

стр. 75

هذبه ورتَّبه ابنُ أخيه زين الدين (١)، وهو الذي أبرزه، ولشيخنا الحافظ العلامة صلاح الدين ابن العلائي (٢)، فيها مصنفٌ مفرد [أيضًا] (٣)، لكنها كلها غير مرتبة على شأن القواعد، وعلى ما يقع في تلك المقاصد (٤)، وقد استخرت الله تعالى والخِيَرةُ بيده في ذلك في كتابٍ مرتبٍ على الأبواب الفقهية على أقرب ترتيب سهلِ التنقيح والتهذيب، مُبيِّن ما وقع في الاختلاف، وما يفتى به عند الاضطراب من الخلاف، لم ينسج مثله على منوال، ولم يسبقني أحد إلى ترتيبه على هذا المثال، لكن الرب [سبحانه و] (٥) تعالى سهَّل لي ترتيبه على هذا النمط بعد استخراج التعب فيه، ونَكَّتُّ [على] (٦) ما في السقط، وكنت بيضته قديمًا مبتدئًا
следующие страницы →