Полный текст (937 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سَنَةَ (٦٢ هـ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
- ويظهر أيضًا أنَّه وَلِيَهَا بَعْدَهُمَا القَاضِي: الفَرَجُ بنُ أبِي الفَرَج بنِ يعلَى التُّجَيْبِيُّ (ت ٤٧٠ هـ) (١) .
- وَوَلِيَ قَضَاءَهَا أَيْضًا: أحْمَدُ بنُ يُوْسُف بنِ أَصْبغَ بنِ خَضِرٍ الأنْصَارِيُّ (ت ٤٨٠ هـ) (٢) .
- وَآخرُ قُضَاتِهَا زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ هُوَ سَعِيْدُ بنُ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ الحَدِيْدِيُّ التُّجَيْبِيُّ (ت ٤٧٢ هـ) قَال ابْنُ بشكوال (٣) : "وَتَوَلَّى القَضَاءَ بطُلَيْطُلَةَ بتَقْدِيْمِ المَأْمُون يَحْيَى بنِ ذِي النُّوْنِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيْرَةِ، جَمِيْلَ الأخْلاقِ ... لَمْ يَزَلْ يَتَوَلَّاهَا مُدَّةَ المَأْمُوْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِيَ" أَيْ: تُوُفِيَ المَأْمُوْن.
وَأَمَّا "طَلْبِيْرَةُ فَتَوَلَّى قَضَاءَهَا عدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ في زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ مِنْهُمْ صَاحِبُنَا أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ.
- وَمِنْهُم أحْمَدُ بنُ يَحْيَى بنِ سُمَيقٍ (ت ٤٥١ هـ) (٤) .
- وَعُثْمَانُ بنُ عِيْسَى المَعْرُوفُ بـ "ارفع رأسه" (٥) .
- وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَزْمٍ الأنْصَارِيُّ (ت ٤٧٨ هـ) (٦) مِنْ مُعَاصِرِي أَبِي الوَليْدِ. الحواشي
(١) المصدر نفسه(٤٦٢) .(٢) المصدر نفسه(٦٩) .(٣) المصدر نفسه(٢٢٣) .(٤) المصدر نفسه(٥٧) .(٥) المصدر نفسه(٤٠٥) .(٦) الصلة(٥٥٤) .стр. 37
- وأمَّا عَبْدُ اللهِ بنُ فَرَجِ بنِ غَزْلُوُن اليَحْصُبِي المَعْرُوْفُ بـ"الغَسَّالِ" فَهُوَ مِنْ مُعَاصِرِي أَبِي الوَليْدِ أَيْضًا وَأَقْرَانِهِ. وَذَكَرَ ابنُ بشكوال (١) "أَنّه استَقْضَى بطَلْبِيْرَةَ بَعْدَ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ قَدِيْمًا". كذا قَال.
هَؤلاءِ هُم الَّذِيْن عَرَفْتَهم ممن تَوَلَّى قَضَاءَ طَلْبِيْرَةَ في زَمَنِ الأمِيْرِ المَذْكُوْرِ، وَلَا أَعْرِفُ تَرتيْبهم الزَّمَنِي وإنْ كُنْتُ أظن أَنْ أَقْدَمَهُم ابنُ سُمَيْقٍ؛ لأنَّهُ كَانَ في فَتْرَةِ قَضَاءِ أَبِي عُمَرَ الحَذَّاءِ (ت ٤٦٧ هـ)، وَهُوَ أَقْدَمُ مَنْ تَوَلَّى قَضاءَهَا زَمَنَ الأمِيْرِ المَأْمُوْن، وَيَلِيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ الَّذِي تَوَلَّى القَضَاءَ زَمَن أَبِي عُمَرَ أَيْضًا سَنَةَ (٤٣٨ هـ) حَيْثُ لَقِيَهُ صَاعِدُ بنُ أَحْمَدَ بطُلَيْطُلَةَ وَهُوَ مُتَقَلَّدٌ القَضَاءَ بَيْنَ أَهْلِ طَلْبِيْرَةَ في السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ.
الوَقشِيُّ فِي طُلَيْطُلَةَ:
وَكَانَ الأمِيْرُ يَحْيَى بنُ الظَّافِرِ بنِ ذِي النُّوْنِ (ت ٤٦٧ هـ) مُحِبًّا للعِلْمِ والعُلَمَاءِ، فَازْدَهَرَتِ الحَرَكَاتُ العِلْمِيّةُ والثَّقَافِيّةُ في مَمْلَكَتِهِ طُلَيْطُلَةَ وَكَثُرَ فِيْهَا العُلَمَاءُ مِنَ الأنْدَلُسِ وَخَارِجَهَا، فَقَدْ ذَكَرَ ابنُ بَشكوال في تَرْجَمةِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَبْدِ العَريْزِ التَّمِيْمِيُّ الحَنْبَلِيُّ أَبُو الفَضْلِ البَغْدَادِيُّ (ت ٤٥٥ هـ) بطُلَيْطُلَةَ (٢) أَنّهُ دَخَلَ الأنْدَلُسَ فَلَقِيَ مُلُوْكَهُمْ، وَحَظِيَ عِنْدَهُم بِأَدَبِهِ وَعِلْمِهِ، واسْتَقَرَّ بطُلَيْطُلَةَ في كَنَفِ المَأْمُوْنِ يَحْيَى بن ذي النُّوْنِ. وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ أَبَا مُحَمَّدِ بن السِّيد البَطْلَيوْسيَّ (ت ٥٢١ هـ) كَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الأمِيْر يَحْيَى، الحواشي
(١) المصدر نفسه(٢٨٥) .(٢) الصِّلة(٥٩٨) .стр. 38
يَحْضُرُ مَجَالِسَهُ ويُنْشِدُهُ الأشْعَارَ وَيَمْدَحُه (١) . وَمِمَّا يؤخذُ عَلَى الأمِيْرِ المَذْكُورِ أَنّهُ كَانَ عَلَى خِلافٍ وَاسِعٍ مَعَ مُلُوْكِ الطَّوائِفِ في الأنْدَلُسِ، وَبَيْنَهُم حُرُوْبٌ وَغَارَاتٌ مُدَمِّرَةٌ، وَأَنّه كَانَ يَسْتَعِيْنُ بالفِرِنْجَةِ ضِدَّهُم مِمَّا مَهَّدَ لهَؤُلاءِ بِالاسْتِيْلاءِ عَلَى مَمَالِكِ الإسْلام بالأنْدَلُسِ، والتّنكِيْلِ بِهِم، وَسَوْمِهِم سُوْءَ العَذَابِ، مِنْ تَقْتِيْلٍ وَتَشْرِيْدٍ، وَتَجْويعٍ وَإِخَافَةٍ، وَأَنّهُ كَانَ مُبَالِغًا جدًّا في بِنَاءِ القُصُوْرِ وَإِظْهَارِ التَّرَفِ في ذلِكَ إلَى حَدٍّ كَبِيْرٍ جِدًّا (٢) . وبوَفَاةِ الأمَيْرِ المَذْكُوْرِ وَتَوَلَّى حَفِيْده القَادِرِ باللهِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ مُعَاشَرَةَ العُلَمَاءِ وَلَا الإقْبَالِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مُؤَهَّلًا لِحُكْمِ بِلادِهِ طُلَيْطُلَةَ فَانْتَشَرَتْ الفَوْضَى وَعَمَّ الفَسَادُ (٣) ، وَكَانَ سلَفُهُ -كَمَا قُلْنَا- قَدْ مَهَّدَ لِلْبُغَاةِ الطَّامِعِيْن في البِلادِ مِن الإفْرَنْجَةِ بِدُخُوْلهَا فاسْتَغَلُّوْا هَدهِ الظُّرُوْفَ واسْتَوْلُوْا عَلَى المَدِيْنَةِ وَتَوَابِعِهَا وَسَقَطَتْ في أَيْدِيْهِمْ سَنَةَ (٤٧٨ هـ) (٤) .
الوَقَّسِيُّ في بَلَنسيَة:
رَحَلَ أبو الوَليْدِ إلى بَلَنْسِيَةَ في ظِلِّ هَذِهِ الظُّرُوْفِ المُتَلاحِقَةِ في طُلَيْطُلَةَ الَّتِي مِنْهَا وَفَاةُ المَأْمُوْنِ، ثُمَّ بَطْشُ حَفِيْدِه القَادِرِ بِاللهِ وَظُلْمُهُ، وَمُحَاصَرَةُ الفِرِنْجةِ لِلْبَلدَةِ، ثُمَّ الاسْتِيْلاء عَلَيْهَا. وَلَا أَدْرِي مَتَى كَانَ رَحِيْلُهُ عَمهَا، إلاَّ أَنَّه مِنَ المُؤَكَّدِ أَنّهُ كَانَ بِبَلَنْسِيَةَ قَبْلَ سَنَةَ (٤٨٥ هـ) فَقَدْ جَاءَ في تَرْجَمَةِ تِلْمِيْذِهِ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَان الحواشي
(١) نفح الطِّيب (١/ ٦٤٤) فما بعدها.(٢) يراجع: نفح الطيب (١/ ٤٤٠).(٣) البَيَان المُغرب (٣/ ٣٠٥)، والحلل السندسيَّة (١/ ٤٥١، ٢/ ٢٩).(٤) نفح الطيب (٤/ ٣٥٢).стр. 39
بنِ حُسَيْنٍ البَكْرِيِّ الحِجَارِيِّ في التَّكْمِلَةِ لابْنِ الأبَّارِ (١) أَنَّهُ سمِعَ بِبَلْدَةِ وَادِي الحِجَارَةِ سَنَةَ (٤٦٥ هـ) وَأَنَّ أَبَا الوَليْدِ الوَقَّشِيَّ كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَنْسِيَةَ سَنَةَ (٤٨٥ هـ).
وَذَكَرَ ابْنُ الأبَّارِ أَيْضًا في تَرْجَمَة قَاضِي بَلَنْسِيَةَ عَبْدِ اللهِ بنِ مَرْوَانَ بنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ وَالِدَهُ مَرْوَانَ قَدْ أَجَازَ لَهُ وَلأخِيْهِ أَحْمَدَ أبَا الوَليْدِ الوَقَّشِيَّ في عَقِبِ رَجَبَ سَنَةَ (٤٧٧ هـ) (٢) وَإِنْ كَانَ هَذَا التّأرِيْخُ لَيْسَ فِيْه دَلالة قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ أبَا الوَليْدِ كَانَ في بَلَنْسِيَةَ نَفْسِها كَمَا هِيَ صَرِيْحَة في سَابِقِة؛ لأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمَا بِالإجَازَةِ وَهُوَ في طُلَيْطُلَةَ، إلا أَنّهُ مِمَّا يُؤنَسُ بِهِ؛ لأنَّهُ احْتِمَالٌ وَارِدٌ، بَلْ هُوَ قَويٌّ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَقَد اسْتَقَرَّ أَبُو الوَليْدِ في بَلَنْسِيَةَ. وَكَانَ القَاضِي جَعْفَرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الجَحَّاف القَاضِي بِبَلَنْسِيَةَ (٣) قَدْ ثَارَ ضِدَّ القَادِرِ بن ذِي النُّوْنِ أَمِيْرِ طُلَيْطُلَةَ الَّذِي سَلَّمَ بَلَدهُ لِلْفِرِنْجَةِ، وَأَغَارَ عَلَى بَلَنْسِيَةَ، وَخَلَعَ أَمِيْرَهَا عُثْمَانَ بنَ مُحَمَّدٍ العَامِرِيَّ سَنَةَ (٤٧٨ هـ) (٤) فَخَافَ أَهْلُهَا أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الفِرِنْجَةِ أَيْضًا، فَبَايَعُوا القَاضِي المَذْكُوْرَ، وتَسَلَّمَهَا وَقَتلَ القَادِرَ بن ذي النُّونِ، فَحَاصَرَهَا القَنْبيطور، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا حَتَّى تَرَدَّتْ أَحْوَالهَا إِلَى دَرَجَةٍ كَبِيْرَةٍ جِدًّا، حَتَّى أَكَلُوا الفِئْرَان والكِلابَ، وَلَمْ يَبْقَ فِيْهَا مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، فَصَالحَ أَهْلَهَا، وَدَخَلَهَا سَنَةَ (٤٨٨ هـ)، وَكَانَ السَّاعِي في الصُّلْحِ هُوَ صَاحِبُنَا القَاضِي أَبُو الوَليْد الحواشي
(١) التكملة (١/ ٤٢٢).(٢) المعجم(٢١٤) ، وتكملة الصِّلة (٢/ ٨٢٢).(٣) أخباره في: تاريخ بالإسلام(٢٣٩) وفيات سنة (٤٨٨ هـ)، والبيان المغرب (٣/ ٣٠٥).(٤) البيان المغرب (٣/ ٣٠٤).стр. 40
الوَقَّشِيُّ ﵀، (١) ثُمَّ اتَّهَمَ القَنبيطورُ الأميرَ القَاضِي، ابنَ الجَحَّاف بِأَنَّه أَخْفَى عِنْدَه بعْضَ الأمْوَالِ والمُدَّخَرَاتِ والنَّفَائِسِ الَّتِي كَانَتْ للقَادِرِ بْنِ ذِي النُّوْنِ، فَأَقْسَمَ أَنّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ إِنْ وَجَدَهَا عِنْدَه قَتَلَهُ، فَاتَّفَقَ أَنّهُ وَجَدَهَا عِنْدَهُ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ في حَادِثَةٍ مُخِيْفَةٍ جِدًّا، هَيَ مِنْ أَبْشَعِ الحَوَادِثِ الَّتِي ارْتُكبَتْ هُنَاكَ (٢) وَمِثْلِ ذلِكَ فعَلَ بكَثِيْرٍ مِنَ العُلَمَاءِ والأُدَبَاءِ وَغَيْرِهِم، وللعُلَمَاءِ والشُّعَرَاءِ والكُتَّاب أَشْعَارٌ وأَخْبَارٌ في هَذَا الحَادِثِ المُفْجِعِ (٣) مِنْهَا قَصِيْدَةٌ لصَاحِبِنَا أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ فُقِدَتْ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَرْجَمَةٍ لَهَا باللُّغَةِ الأسْبَانِيّةِ (٤) .
وَيَظْهَرُ أَنَّ صَاحِبَنَا أَيْضًا الْتزمَ للمُسْلِمِيْنَ بِالقَضَاءِ، فَقَدْ جَاءَ في "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" نَقْلًا عَن القَاضِي عِيَاضٍ ﵀ في "مَشْيَخَةِ ابنِ فَيْرُوْز" (٥) ، وَلكِنْ لَا أَدْرِي هَلْ هُوَ بَعْدَ هَذِهِ الحَادِثَةِ أَوْ قَبْلَهَا زَمَنَ إِمْرَةِ القَاضِيْ ابْنِ الجَحَّافِ الَّذِي اسْتَمَرَّ مُلْكُهُ عَلَى بَلَنسِيَةَ مُدَّةً تَزِيْدُ عَلَى ثَلاثِ سِنِيْن. وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا في إمْرةِ ابنِ الجَحَّافِ؛ لِذَا قَدَّمَهُ أَهْلُ بَلَنْسِيَةَ للقِيَامِ بالصُّلْحِ؛ نَظَرًا لشُهْرَتِهِ العِلْمِيّة وَوَجَاهَتِهِ وَنزاهَتِهِ، وَمَنْصِبِهِ المَرْمُوْقِ الَّذِي يُضْفِي شَيْئًا مِنَ الشَرعيّةِ عَلَى قِيَامِهِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّوْرِ الهَامِّ، فَفَعَلَ وَتَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ، وَحَقَنَ بِذلِكَ الحواشي
(١) المصدر نفسه.(٢) البيان المغرب (٤/ ٣٩).(٣) يُراجع: البيان المغرب (٣/ ٣٠٥)، والذَّخيرة (٣/ ١ / ٩٥)، ونفح الطِّيب (٤/ ٢١)، والحلل السندسيَّة (٣/ ٧٨).(٤) الأعلام (٨/ ٨٤).(٥) معجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).стр. 41
دِمَاءَ كَثيْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ. وإِنْ صَحَّ أَنَّه وَلِي قَضاء بَلَنْسية فَإِنَّهَا مُدةٌ وَجِيْزةٌ، فَلَدَيْنَا نَصَّان يؤكِّدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ القَاضِي ابن الجَحَّاف لَمَّا وَلِيَ الإمَارَةَ في بَلَنْسِيَةَ قَدَّمَ ابنَ عَمِّه عَبْدَ الله بن عَبْدِ الرَّحمن بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن جحَّافٍ المعافريَّ للقَضَاءِ بِهَا، كَذَا قَال ابن الأبَّار (١) ، ويؤكِّد النَّصُّ الآخر أَنَّ القنبيطور لَمَّا دَخَلَ بَلَنْسِيَةَ صُلْحًا -كَمَا أَشَرْنَا- خَلَعَ القَاضِي عَن الحُكْمِ والمُلْكِ وأَبْقَاهُ في القَضَاءِ (٢) .
الوقَّشِيُّ في دَانِية:
يَظْهَرُ أنَّ أَبَا الوَليْدِ لَمْ يَطِبْ لَهُ البَقَاءُ في بَلَنْسِيَةَ بَعْدَ سُقُوْطِهَا في يَدِ العَدُوِّ فَغَادَرَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا إِلَى دَانِيَةَ، وَذلِكَ بَعْدَ سُقُوْطِهَا مُبَاشَرَةً، فَلَعَلَّهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَدْرِ القنبيطور، وَهَذَا مَا يُرَجِّحُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ تَوَلِّيْه القَضَاءَ كَانَ قَبْلَ سُقُوْطِ بلَنسِيَةَ؛ لأنَّهُ تُوفِّيَ في العَامِ الَّذي يَلِي العَامَ الَّذِي سَقَطَتْ فِيْه، فَلَا نَعْرِفُ مَتَى وَصلَهَا إلا أَنّهُ لَمْ يَلْبَثْ فِيْهَا طَويْلًا، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ بِهَا نَشَاطًا، وَوَفَاته في بَيْتِ خَالِ أَحَدِ طَلَبَتِهِ تُوْحِي بِأنَّه لَمْ يَتَأَهَّلْ بِالمَدِيْنَةِ المَذْكُوْرَةِ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِهَا شُهْرَةٌ بسَبَبِ سُمْعَتِهِ العِلْمِيّةِ الجَيِّدَةِ، وَأَمَّا نَسبةُ "الدَّانِي" في تَلامِيْذِهِ، فَلَا تَدُلُّ لَا مِنْ قَرِيْبٍ وَلَا مِنْ بَعِيْدٍ عَلَى أَنهُ دَرَّسَهُم بِهَا، وَلَوْ قِيْلَ عَكْسُ ذلِكَ لَكَانَ أَقْرَبُ لِلصوَابِ؛ لأنَّ طَالِبَ العِلْمِ بِدَانِيَةَ لَا يُقَال لَهُ في الغَالِبِ في داخِلَ في دَانِيَةَ: الدَّانِي؛ إِنَّمَا يُقَال لَهُ ذلِكَ إِذَا كَانَ خَارِجَهَا.
والَّذي أُرَجِّحُهُ أَنّهُ لَمَّا وَصَلَ دَانِيَةَ فَارًّا بِدِيْنهِ، خَائِفًا وَجِلًا منَ الطَّاغَيةِ، الحواشي
(١) الحُلل السُّندسيَّة (٣/ ٨٥).(٢) التكملة (٢/ ٨٠٦).стр. 42
مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ إِذ تَجَاوَزَ الثَّمَانِيْنَ، وَقَد لَحِقَهُ مَا لَحِقَ أَهْلَ بَلَنْسِيَةَ في الحِصَارِ من الجُوع والألَمِ والخَوْفِ، وَصَلَهَا -فِيْمَا يَظْهَر- مُرْهَقًا، وَرُبَّمَا مَرِيْضًا، فَلَمْ تُمْهِلْهُ المَنِيَّة حَتَّى تُوفيَ بُعَيْدَ وُصُوْلهَا بِأَشْهُرٍ عَلَى مَنْ يَرَى أَنّه تُوفي سَنَةَ (٥٨٨ هـ) رُبما بِأَيَّامٍ أَيْضًا، أَوْ في حُدُوْدِ السَّنَةِ على مَنْ يَرَى أَنّهُ تُوفِّي سَنَةَ (٤٨٩ هـ) وهو الرَّاجِحُ.
هل ولي أَبُو الوليدِ قَضَاءَ طُلَيْطُلَة وَدَانِيةَ ؟
أَمَّا قَضَاء طُلَيْطُلَة فَالأمْرُ عِنْدِي غَيْرُ مُسْتبعَدٍ، فَأكثَرُ إِقَامَتِهِ كَانَت فِيْها حَتَّى مَعَ تَوَلِّيه قَضَاءَ طَلْبِيْرَة، مَعَ أَنَّ النُّصُوْصُ الصَّرِيْحَةُ غَيْرُ مَوْجُوْدَةٍ، لكِنْ هُنَاكَ إِشَارَةٌ وَرَدَتْ عِنْدَ المَقَّرِيِّ وَهِيَ قَوْلُه (١) : قَال القَاضِي الأدِيْبُ، والفَيْلَسُوْفُ الأَرِيْبُ أبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ قَاضِي طُلَيطُلَةَ" فَهَلْ كَانَ أبُو الوَليْدِ حَقًّا قَاضِيًا فِيْهَا، وَلَوْ لفَتْرَةٍ يَسِيْرَةٍ؟ بالأصَالةِ أَوْ بالنَيَابَةِ، أو هِيَ سَبْقُ قَلَمٍ مِنَ المَقَّرِيِّ ﵀ أَرَادَ أَنْ يَقُوْلَ: قَاضِي طَلْبِيْرَةَ فَقَال: قَاضِي طُلَيْطُلَةَ، وَهُنَاكَ إِشَارَةٌ أُخْرَى لَدَى ابنِ خَلِّكَان (٢) أَنَّه وَلِيَ القَضَاءَ بِدَانِيَةَ؟ ! قَال في تَرْجَمَةِ تِلْمِيْذِهِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ: "أَخَذَ العِلْمَ عن جَمَاعَة من الأنْدَلُسِيِّين كَأبي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ قَاضِي دَانِيَةَ".
وَفَاته:
تُوفِي أَبُو الوَليْد يَوْم الاثْنينِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَت من جُمَادَى الآخرة سنَة تسعِ وَثَمَانِيْن وَأَرْبَعمائة بِدَانيَة في دَارِ خَالِ أَبِي بَكْرٍ عَتِيْقِ بنِ عَبْدِ الحَمِيْدِ المُقرِئُ، الحواشي
(١) نفح الطيب (٤/ ٣٠٦).(٢) وفيات الأعيان (٢/ ٢٢٢).стр. 43
وَعَتِيْق المَذْكُوْرُ أَحَدُ طَلَبَتِهِ، جَاءَ في هَامش تَرْجَمَة أَبِي الوَليْد في كِتَاب "الصِّلَة" (١) ، وَقَدْ أَخْبَرَ بحِكَايَةٍ طَرِيْفَةٍ في ذلِك القَاضِي أَبُو القَاسِمِ بنُ حُسَيْنٍ -عَفَا اللهُ عَنْهُ- وَذلك أنَّه اشْتَهَى ... " وَهِيَ عِبَارةٌ مَبْتُوْرَةٌ؟ ! ودُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاء بإِزَاءِ الجَامعِ القَدِيْمِ بِدَانِيَةَ. وَذكَرَ ابْنُ عَبْدِالمَلِكِ المَرَّاكُشِيُّ في "الذَّيْل والتَّكْملة" (٢) أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ زهرٍ الإيَادِيَّ (٣) الطَّبِيْبَ المَشْهوْرَ تُوفي بِدَانِيَةَ، ودُفِنَ بإزاءِ الجَامِعِ القَدِيْمِ مَعَ قَبْرِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ. وَذَكَرَ ابْنُ الأبارِ (ت ٦٥٩ هـ) أَنَّ هَذَيْنِ القَبْرَيْنِ لَمْ يَكُوْنَا مَعْرُوْفَيْنِ في عَصْرِهِ. وَمَا ذَكَرْتُهُ في سَنَةِ وَفَاتِهِ مَحَلُّ اتِّفَاقِ أَغْلَبِ المُؤَرِّخِيْن وَمُتَرْجِمي سِيْرَتهِ وَنَقَلَ يَاقُوْتُ الحَمَويُّ في "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" (٤) عَن القَاضِي عِيَاضٍ، وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في "لِسَانِ المِيْزَانِ" (٥) أَنَّ وَفَاتَهُ سَنَةَ (٤٨٨ هـ) وَلَعَلَّ الأوَّلَ هُوَ الصَّحِيْحُ. وَعِبَارَةُ القَاضِي: وَقِيْلَ ... وَهِيَ عِبَارَة ضَعِيْفَةٌ.
آثَارُهُ (أشْعَارُهُ ومُؤَلَّفَاتِهِ):
أ- أشْعَارُه:
لَمْ يَكُنْ أَبُو الوَليدِ شَاعِرًا مَطْبُوعًا كَثيرَ الشِّعرِ جَيِّدَهُ وَإِنْ وَصَفَهُ صَاعِدٌ بأَنَهُ: "بَلِيغٌ، مُجِيْدٌ، شَاعِرٌ، مُتَقَدِّمٌ" (٦) وَصَفَهُ يَاقُوْتٌ في "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ" الحواشي
(١) الصلة (٢/ ٦٥٤).(٢) الذيل والتكملة (٥/ ٣٧).(٣) ترجمته في طبقات الأمم(٨٤) .(٤) معجم البلدان (٥/ ٢٣٣).(٥) لسان الميزان (٩/ ١٩٣).(٦) الصِّلة(٦٥٣) ، والمطرب(٣٢٣) .стр. 44
بِأَنَّهُ (١) : "كَانَ أَدِيْبًا، كَاتِبًا، شَاعِرًا" وَمَا حُفِظَ مِنْ شِعْرِهِ قَلِيْلٌ جدًّا لا يَكْفِي لِلْحُكْمِ النِّهَائِي عَلَى شاعِريَّتِهِ، وَلَعَلَّ مِنْ أَشْهَرِ شِعْرِهِ قَصِيْدَتَهُ الَّتِي رَثَى بِهَا بَلَنْسِيَةَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا، وَلِلأنْدَلُسِيِّيْنَ قَصَائِدُ في رِثَائِهَا كَمَا جَاء في "نَفْحِ الطِّيْبِ" (٢) وَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَفِي التَّكْمِلَةِ لابنِ الأبَّارِ (٣) : أَنَّ الحَكَمَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي العَاصِي الأنْصَارِيَّ الخَزْرَجِيَّ (ت قَبْلَ ٥٨٠ هـ) كَانَ يَرْوي بَعْضَ شِعْرِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ .. وَأَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبَّادٍ أَخَذَهُ عَنْهُ. وَأَنَّ الحَكَمَ المَذْكُوْرَ مِنْ أَهْلِ شَارِقَةَ مِنْ عَمَلِ بَلَنْسِيَةَ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ أبَا الوَليْدِ أَقَامَ طَويْلًا بِبَلَنْسِيَةَ. وَذَكَرَ ابنُ الأبَّار أَيْضًا (٤) : أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ سَعِيْدٍ الدَّانِي كَانَ حَيًّا سَنَةَ (٥١٦ هـ) وَهُوَ مِنْ تَلامِيْذِ أَبِي الوَليْدِ جَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ "التَّذْكِرَةَ السَّعْدِيّةَ" أَنْشَدَ فِيْه قَصِيْدَةً لِلْوَقَّشِيِّ لَعَلَّهَا قَصِيْدَتَهُ الَّتِي رَثَى فِيْهَا مَدِيْنَةَ بَلَنْسِيَةَ. وَمِنْ شِعْرِ أَبي الوَليْدِ قَوْلُهُ (٥) :
عَجَبًا لِلْمُدَامِ مَاذَا اسْتَعَارتْ ... مِنْ سَجَايَا مُعَذِّبِي وَصِفَاتِهْ
طِيْبَ أنْفَاسِهِ وَطَعْمَ ثنايَا ... هُ وَسُكْرَ العُقُوْلِ مِنْ لَحَظَاتِهْ
وَسَنَا وَجْهِهِ وتَوْرِيْدَ خَدَّيـ ... ـه وَلُطْفَ الدِّيْبَاجِ مِنْ بَشَرَاتِهْ
والتَّدَاويْ مِنْهُمَا كالتَّدَاويْ ... بِرِضَى مَنْ هَوَيْتُ مِنْ سَطَوَاتِهْ
وَهْيَ مِنْ بَعْدِ ذَا عَلَيَّ حَرَامٌ ... مِثلُ تَحْرِيْمِهِ جَنَى رَشَفَاتِهْ الحواشي
(١) معجم الأدباء (٦/ ٢٧٧٨).(٢) نفح الطيب.(٣) التَّكملة(٢٧٦) .(٤) تقدم في ذكر تلاميذه.(٥) نفح الطيب (٤/ ١٣٧).стр. 45
وَقَال: (١)
وَفَارِهٍ يَرْكَبُهُ فَارِهٌ ... مَرَّ بِنَا في يَدِهِ صَعْدَهْ
سنَانُهَا مُشْتَمِلُ لَحْظَهُ ... وَقَدُّهَا مُنْتَحِلٌ قَدَّهْ
يَزْحَفُ لِلنُّسَّاكِ فِي جَحْفَلٍ ... مِنْ حُسْنِهِ وَهُوَ يُرَى وَحْدَهْ
قُلْتُ لِنَفْسِي حِيْنَ مُدَّت لَهَا الـ ... آمَالُ والآمَالُ مُمْتَدَّهْ
لا تَطْمَعِي فِيْهِ كَمَا الشَّعْرِ لَا ... يُطْمَعُ في تَسْويْدِهِ خدهْ
وَقَال (٢) :
بَرَّحَ بِيْ أَنَّ عُلُوْمَ الوَرَى ... إِثْنَان مَا إِنْ فِيْهِمَا مِنْ مَزِيْد
حَقِيْقَةٌ يُعْجِزُ تَحْصِيْلُهَا ... وَبَاطِلٌ تَحْصِيْلُهُ لَا يُفِيْد
وَقَال (٣) :
قَدْ بَيَّنَتْ فِيْهِ الطَّبِيْعَةُ أَنّهَا ... بِدَقِيْقِ أَعْمَالِ المُهَنْدسِ مَاهِرَهْ
عُنِيَتْ بِمَبْسَمِهِ فَخَطَّتْ فَوْقَهْ ... بالمِسْكِ خَطًّا مِنْ مُحِيْطِ الدَّائِرَهْ
وَقَال (٤) :
لَا أَرْكَبُ البَحْرَ وَلَوْ أَنّني ... ضَرَبْتُ فيه بالعَصَا فانْفَلَقْ
مَا أَنْ رَأَتْ عَيِنيَ أَمْوَاجَهُ ... في فِرَقٍ إلَّا تناهَى الفَرَق الحواشي
(١) نفح الطِّيب (٤/ ١٣٧).(٢) معجم الأدباء (٦/ ٢٧٧٨)، وبغية الوعاة (٢/ ٣٢٧)، ونفح الطِّيب (٤/ ١٣٧).(٣) المصادر السابقة.(٤) نفح الطِّيب (٣/ ٣٧٧).стр. 46
(ب) مؤلَّفاته:
أَغْلَبُ مُؤَلَّفَاتِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشيِّ تَعْلِيْقَات وتَنْبِيْهَات عَلَى كُتُبِ السَّابِقِيْنَ، هِيَ أَشْبَهُ بنَقْدِ الكُتُبِ وَإِصْلاحِ أَخْطَائِهَا، والزِّيَادَة عَلَيْهَا، أَوْ تَهْذِيْبِهَا، في عَبَارَاتٍ مُخْتَصَرةٍ، لكِنَّها في غَايَةِ الإجَادَةِ والإفَادَةِ، وَإِلَيْكَ أَسْمَاءَ مَا عَرَفْتُهُ مِنْهَا:
١ - "التَّعْلِيقُ على الكَامِلِ لِلْمُبَرِّد": من أَشْهَرِ مُؤَلَّفِاتِهِ، ورُبَّمَا عُرِفَ بـ "طُرر الكَامِلِ" أو "نكَتِ الكَامِلِ" و"حَاشِيَةٍ عَلَى الكَامِلِ" وَهُو عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَعْلِيْقَاتٌ مُخْتَصَرة مُفِيْدَة كَمَا قُلْنَا عَلَى كِتَابِ "الكَامِلِ في اللُّغَةِ وَالأدَبِ" لأبِي العَبَّاسِ مُحَمَّدِ بنِ يَزِيْدَ المُبَرِّدِ (ت ٢٨٥ هـ) وَ"الكَاملُ" كِتَابٌ مَشْهَوْرٌ جَدًّا يتَدَارَسُهُ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلْمِ جِيْلًا بَعْدَ جِيْلٍ، مُنْذُ تأْلِيْفِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَنَحْنُ الآنَ نُدَرِّسُهُ لِلطُلَّابِ في جَامِعَةِ أُمِّ القُرَى "كليّه اللُّغَةِ العَرَبِيّة" بمكَّة المُكَرَّمة فِي مادة "كِتَابٍ قَدِيْمٍ في اللُّغة" لِذَا كَانَ لِلْعُلَمَاءِ مَعَ كَثرةِ دِرَاسَتِهِم لَهُ، وَالوُقُوْفِ عَلَى غَوَامِضِهِ مَلْحُوْظَاتٌ وَتَعْلِيْقَاتٌ عَلَيْهِ، مَنْهَا تَعْلِيْقُ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو الوَليْدِ بِدْعًا فِي هَذَا فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذلِكَ عَدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ.
مِنهُم: أبُو الحَسَنِ الأَخْفَشُ الأصْغَرُ- عَليُّ بنُ سُلَيْمَان (ت ٣١٥ هـ) وَتَعْلِيْقَاتُهُ مَوْجُوْدٌ أَغْلَبُهَا في صُلْبِ كِتَابِ "الكَامِلِ" المَطْبُوع، مُصَدَّرَةٌ بِـ "قَال أَبُو الحَسَنِ" وَهِيَ كَغَيْرِهَا مَلْحُوْظَاتٌ مِنْ وجْهة نَظِرِ أَبِي الحَسَنِ قَدْ تُرَدُّ وَقَدْ تُقْبَلُ؛ لذَا انتَقَدَهُ عَليُّ بنُ حَمْزَةَ البَصْريُّ (ت ٣٧٥ هـ) في "تنبيْهَاتِهِ" فَرَدَّ مِنْهَا وَقَبِلَ.
- وَمِنْهُم: أبُو جَعْفَرَ أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ النَّحَّاسُ (ت ٣٣٨ هـ)، في ذَكَرَهَا عَلِيُّ بنُ حَمْزَةَ البَصْريُّ المَذْكُور في "تَنْبِيْهَاتِهِ" قَال: فَمِمَّنْ أَخَذَ عَلَيْهِ في
стр. 47
هَذَا الكَتَابِ فَأَصَابَ أَبُو جَعْفَرَ بْنُ النَّحَّاسِ.
- وَمِنهُم: عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ البَصْرِيُّ (ت ٣٧٥ هـ) في كِتَابِهِ "التّنبِيهَاتُ عَلِى أَغَالِيْطِ الرُّوَاةِ" فَمِنَ الرُّوَاةِ الَّذِيْنَ نبَّهَ عَلَى غَلَطِهِمْ أَبُو العَبَّاسِ المُبَرِّدُ في "الكَامِلِ" وَهَذَا الجُزْءُ مَطْبُوع. وَهَؤُلاءِ كُلُّهُمْ مَشَارِقَةٌ وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الأنْدَلُسِ شَرَحَهُ أَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ قَبلَ أَبِي الوَليدِ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ الأنْدَلُسِ رَوَوْهُ قَدِيْمًا. وَأَجْوَدُ رِوَايَاتِهِ عِنْدَهُم هِي رِوَايَةُ مُحَمَّد بنُ أَبِي عَلاقَةَ البَوَّابِ القُرْطُبِيِّ (ت ٣٢٥ هـ) الَّذِي رَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ، وَأَخَذَ عَن أَبِي إسْحَاق الزَّجَّاجِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الأنْبَارِيِّ، وَأَبِي الحَسَن عَلِيُّ بْنِ سُلَيْمَان الأخْفَشِ، وَأَبِي عَبْدِ الله نِفْطُوَيْهِ. قَال ابنُ عَبْدِ الملك المُرَّاكُشيُّ (١) : "مِمَّا سَمِعَ عَلَى الأخْفَشِ "كَامِلَ المُبَرِّد" وَصَارَ أَصْلُهُ مِنْهُ إِلَى الحَكَمِ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ. قَال الحَكَمُ: لَمْ يَصِحَّ كتَابُ "الكَامِلِ" عِنْدَنَا بِرِوَاية إلا مِنْ قِبَلِ ابنِ عَلاقَةَ".
وَرَوَاهُ أَيْضًا: سعِيْدُ بنُ جَابِرِ بنِ مُوْسَى، أَبُو عُثْمَانَ الأشْبِيْلِيُّ (ت ٣٢٥ هـ).
قَال المَقَّرِيُّ (٢) : "وَكَانَ ابنُ جَابِرٍ الأشْبِيْلِيُّ قَدْ رَوَاهُ قَبْلُ بِمِصْرَ بمُدَّة، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا رَوَاهُ عيْرهُمَا. وَكَانَ ابنُ الأحْمَرِ القُرَشِيُّ يَذكُرُ أَنّهُ رَوَاهُ، وَكَانَ صُدُوْقًا، وَلكِنَّ كِتَابُهُ قَدْ ضَاعَ، وَلَو حَضَرَ ضَاهَى الرَّجُلَين المُتَقَدِّمَيْنِ".
أَقُوْلُ -وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ-: رِوَايَةُ ابنُ جَابِرٍ أَكْثَرُهَا انْتِشَارًا في الأنْدَلُسِ.
- وَمِن رِوَايَاتِ "الكَامِل" للمُتَقَدِّمِيْنِ مِنْ أَهْلِ الأنْدَلُسِ "رِوَايَه يَحْيَى بنِ الحواشي
(١) الذَّيل والتَّكملة (٦/ ٤٣٢).(٢) نفح الطِّيب (٢/ ١٥٠).стр. 48
مَالِكِ بنِ عَائِذٍ (ت ٣٧٥ هـ) "رَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ قَبْلَ سَنَةَ (٣٤٧ هـ) وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الآمِدِيِّ، عَنِ الأَخْفَشِ، عَنِ المُبَرِّدِ (١) .
وَطُرَرُ أَبِي الوَليْدِ أَوْ تَعْلِيْقَاتُهُ عَلَى الكَامِلِ ذَكَرَهُ المُتَرْجِمُوْنَ لِسِيْرَتِهِ في أَغْلَبِ كُتُبِ التَّرَاجِمِ، وَرُبَّمَا اقْتَصَرُوا في تَرْجَمَتِهِ عَلَيْهِ؛ نَظَرًا لِشُهْرَتِهِ وَتَميُّزِه عِنْدَهُمْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَحَدٍ نَقَلَ عَنْهُ أَوْ أَفَادَ مِنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأنْدَلُسِ.
وَلَا أَبْعُدُ أَنْ يَكُوْنَ ابْنُ السِّيْدِ قَدْ أَفَادَ مِنْهُ في طُرَرِهِ عَلَى الكَامِلِ أَيْضًا فَهُوَ في دَرَجَةِ تَلامِيْذِه، وَتَأثُّرُهُ فِيْه وَاضِحٌ لِمَنْ قَارَنَ بَيْنَ نُصُوْصِ الكِتَابَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ السِّيْدِ قَدْ اجْتَمَعَ بِأبي الوَليْدِ عَلَى سَبِيْلِ المُذَاكَرَةِ لَا التَّلْمَذَةِ (٢) . وَيَظْهَرُ أَنَّ تَعْلِيْقَاتِ أَبِي الوَليْدِ كَانَتْ عَلَى هَوَامِشِ نُسْختِهِ مِنَ "الكَامِلِ" وَلَمْ تُفْرَدْ فِي كِتابٍ. وَقَدْ تأثَّرَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ السِّيْدِ بِعَمَلِ أَبِي الوَليْدَ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، وَوَضَعَ هَوَامِشَ عَلَى نُسْخَتِهِ هُوَ مِنَ "الكَامِلِ" (٣) حَتَّى قَيَّضَ اللهُ الشَّيْخَ الإمامَ عَلِيَّ بنَ الحواشي
(١) أخبار يحيى في: تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٩٣)، وجذوة المقتبس(٣٧٩) وغيرهما.(٢) الذَّيل والتكملة (٦/ ٤٦٠).(٣) عرف كتاب ابن السِّيد بـ "الطُّرر" أو "شرح الكامل" ونقل عنه الحافظ مُغلطاي في
سيرة النَّبي ﷺ المعروف بـ "الرَّوْضُ البَاسِم ... " في عدَّة مواضع. يُراجع الكتاب المَذْكُور بخطِّ مُصَنِّفِهِ ورقة (١١٢، ٢٥٣)، وسمَّاهُ الحَافِظُ بـ "غُرَر المَسَائِلِ في شَرْح الكَامِلِ" وفي الوَرَقَاتِ (١٧٦، ١٧٧، ١٨١)، وسمَّاهُ أخْرَى بـ "شرح الكامل" وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ مُغلطاي المذكورُ في كتابه "الإيْصَال ... في مُشْتبَهِ النَّسَبِ" بخَطهِ أَيْضًا وَرَقَة (٤٨، ٩٦)، وَنَصُّهُ: "وَهَذَا الخَبَرُ مذكورٌ في كُتُب العُلمَاءِ من المُحَدِّثين والمُؤَرِّخِيْن منهم: الزُبَيْر بن بَكارٍ، وَأَبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيْدَ الثُّمَاليُّ، وابنُ السِّيْدِ في كِتَابِهِ "غُرَرِ المَسَائِلِ ... " وَأبُو الوَليْدِ الوَقَّشيُّ وغيرُهُم".стр. 49
إِبْراهِيْمَ بن سَعْدِ الخَيْرِ البَلَنْسِيَّ (٥١٠ - ٥٧١ هـ) الَّذِي قَال ابْنُ عَبْدِ المَلِكِ المَرَّاكُشِيُّ أنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بْن السِّيْدِ، وَاخْتُصَّ بِهِ (١) . فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا في كِتَابٍ وَسَمَّاهُ "القُرْطَ عَلَى الكَامِلِ". وَأَضَافَ هُوَ إِضَافَاتٍ يَسِيْرَة عَلَيْهِمَا، يَذْكُرُ أَوَّلًا تَعْلِيْقَاتِ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ السِّيْدِ وَيَرْمُزُ لَهُ بِـ "ط" ثُمَّ يَذْكرُ تَعْلِيْقَاتِ الوَقَّشيِّ وَيَرْمُزُ لَهُ بِـ "ش" هكَذَا حَتَّى نِهَايَةِ الكِتَابِ.
وَقَدْ وَقَفَ الحَافِظُ مُغْلطَاي عَلَى كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ وَأَفَادَ مِنْهُ في شَرْحِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّة "الرَّوْضُ البَاسِمِ" -كَمَا قُلْنَا-، وَوَقَفَ عَلَيْهِ البَغْدَادِيُّ وَنَقَلَ عَنْهُ في "خِزَانَةِ الأدَبِ" وَيَبْدُو أَنَّ النُّسْخَةَ التُّرْكِيّةَ الآتية مِنَ الكِتَابِ كَانَتْ هِي النُّسْخَةُ الَّتي اطَّلَعَ عَلَيْهَا العَلَّامَةُ البَغْدَادِيُّ.
وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ نُسْخَتَانِ خَطِّيَّتَانِ إِحْداهُمَا نُسْخَةٌ مَحْفُوْظَةٌ في مَكْتَبِةِ إسْمَاعِيْل صَائِب بَأنْقَرَة بتُرْكِيا رقم (١١٧٣ لغة)، مَنْسُوْخَةٌ سَنَةَ (٦٥٨ هـ) بِخَط أَنْدَلُسِيٍّ جَمِيْل إلَى حَدٍّ مَا، والأُخرَى في المَكْتبَةِ الحَمْزَاويَّةِ بالمَغْرِبِ هِيَ الآنَ في الخَزَانَةِ العَامَّةِ بالرِّباطِ رَقَم (١٨٩) . كَانَ لِي -وللهِ المِنَّةُ- شَرَفَ جَلْبِهِمَا إِلَى مَكْتبَةِ مَرْكَز البَحْثِ العِلْمِيِّ، وَوَضْعهما مَا بَيْنَ أَيْدي البَاحِثِيْن.
حَقَّقَ الكِتَابُ الأُسْتاذُ ظُهُوْرِ أَحْمَدَ أَظْهَر مُعْتَمِدًا عَلَى نُسْخَةِ مَكْتبَةِ إِسْمَاعِيْل صَائِب في رِسَالةٍ عِلْمِيّةٍ تَقَدَّمَ بِهَا لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُوْرَاه مِنْ جَامِعة البِنجَاب سَنَةَ (١٩٦٩) وَطُبعَ مِنْ منْشُوْرَاتِ الجَامِعَةِ المَذْكُوْرَةِ سَنَةَ (١٤٠١ هـ)، الحواشي
(١) لا نُوافق ابن عبد المَلِكِ على ذلك فَقَدْ تُوفِّيَ ابنُ السِّيدِ وابن سعْدِ الخَيْرِ في حُدُوْدِ الحَادِيَة عَشْرَةَ من عُمرِهِ؟ ! .стр. 50
وَزَارَني مُحَقِّقُ الكِتَابِ فِي مَكَّةَ وَزَوَّدَنِي بنُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ قَابَلْتُهَا بِمَزِيْدٍ مِنَ الشُّكْرِ والتَّقْدِيْرِ. ثُمَّ حَقَّقَهُ الدُّكْتُوْر حَمَدُ الزَّايدِيُّ فِي رِسَالِةٍ عِلْمِيَّةٍ لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُوْرَاه أَيْضًا بِكُلِيَّة اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بجَامِعَةِ أُمِّ القُرَى بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةَ مُعْتَمِدًا عَلَى النُّسْخَتَيْنِ مَعًا، وَوَقَفَ عَلَى طَبْعَةِ البَاكِسْتَان المذكورة، وَعَقَّبَ عَلَيْهَا وَتَتبَّعَ بَعْضَ أَخْطَاءِ مُحَقِّقها. ونُوْقِشَت الرِّسَالة سَنَةَ (١٤٠٩ هـ).
٢ - التَّعْلِيْقُ عَلَى المُوَطَّأ: هُوَ كِتَابُنَا هَذَا الَّذِي نُقَدِّمُ لَهُ سَنُفرِدُ الحَدِيْثَ عَنْهُ مُفَصَّلًا فِي مَبْحَثٍ خَاصٍّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
٣ - تَهْذِيْبُ الكُنَى لمُسْلِمٍ واسْمُهُ: "عَكْسُ الرُّتْبَةِ وَقَلْبِ المَبْنَى لِكِتَابِ مُسْلِمٍ فِي الأسَامِي والكُنَى" هَذَّبَ فِيْهِ كِتَاب "الكُنَى وَالأسْمَاءِ" لِلإمَامِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ صَاحِب "الجَامِعِ الصَّحَيْحِ" (ت ٢٦١ هـ) وَقَلَبَ تَرْتيْبَ الكِتَابِ فَذَكَرَ الاسمَ أَوْلًا والكِنْيَةَ ثَانِيًا وَهَذَا التَّرْتيبُ أَيْسَرُ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ أَبِي الوَليْدِ، وَانْتَقَدَ فِيْهِ الإمَامَ مُسْلِمًا فِي بَعضِ المَوَاضِعِ كَمَا يُفْهَمُ مِن نُصُوْصِ الحَافِظِ ابنِ نَاصِرِ الدِّيْنِ الآتِيَةِ. ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ، وَإِسْمَاعِيْل بَاشَا البَغْدَادِيُّ، وَاقْتَبَسَ مِنْهُ الحَافِظُ ابنِ نَاصِرِ الدِّين الدِّمَشْقِيُّ نُصُوْصًا فِي كِتَابِهِ "التَّوَضِيْحِ" (١/ ٢٠٢، ٣٧٨، ٢/ ٢٧٨، ٥/ ٤٢٩، ٩/ ٩٢). وَقَال الحَافظُ في المَوْضِع الأوَّل: " ... وَكذلِكَ ذَكَرَهُ الفَقِيْهُ أَبُو الوَليْدِ هِشَامُ بنُ أَحْمَدَ الوَقَّشِيُّ في كِتَابِهِ: "عَكْسُ الرُّتْبَةِ وَقَلْبُ المَبْنَى كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي الأَسَامِي والكُنَى" لِكِنَّهُ قَدَّمَ اسْمَهُ عَلَى كُنْيَتِهِ عَلَى مَا بَنَى عَلَيْهِ الكِتَابَ.
أَقُوْلُ: لَمْ أَقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا أَعْلَمُ الآنَ لَهُ وُجُوْدًا.
стр. 51
٤ - تَهْذِيْب "المُؤْتلفِ والمُخْتَلِفِ" في أسْمَاءِ القَبَائِلِ لابنِ حَبِيْبَ البَغْدَادِيِّ (ت ٢٤٥ هـ) ذَكَرَهُ ابنُ خَيْرٍ الأَشْبِيْلِيُّ فِي فَهرسته (٢١٩) ، قَال: "كِتَابُ المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ القَبَائِلِ تأْلِيْفُ مُحَمَّدِ بنِ حَبِيْبَ النَّحْويِّ تَهْذِيْبُ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ هِشَامِ بنِ أَحْمَدَ الوَقَّشِيِّ ﵀ حَدَّثَنِي بِهِ الشَّيْخُ الفَقِيْهُ أَبُو بَحْرٍ سُفْيَان بن العَاصِي الأَسَدِيُّ ﵀ إِجَازَةً، عَن أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ مُهذِّبه" وَذَكَرَ بَعْدَهُ تَهْذِيْبٌ آخَرُ لأبِي عُبَيْدٍ البَكْرِيِّ (ت ٤٧٨ هـ) ذَكَرَ سَنَدَهُ إِلَيْهِ أيضًا، ثُمَّ قَال: "نَقَلْتُ كِتَابِي مِنْهُ بِخَطِّي مِنْ خَطِّ أَبي عُبَيدٍ ﵀ ". وَكِتَابُ ابنُ حَبِيْبٍ نشره وسْتِنْفِلْد في غوتنجن في ألْمَانْيَا سَنَةَ (١٨٥٠ م) عَن نُسْخَةٍ بِخَطِّ المَقْرِيْزِيِّ، وَجَدَ أَصْلَهَا بمَكَّةَ المُشَرَّفَةَ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ (٨٣٩ هـ) ثُمَّ أَعَادَ طَبْعَهُ أُسْتَاذُنَا المِفْضَالُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ حَمَدُ الجَاسِرِ - حَفِظَهُ الله - مَعَ كِتَابِ "الإيْنَاسِ" فِي المَوْضُوع نَفْسِهِ لِلْوَزِيْرِ أَبِي القَاسِم الحُسَيْن بنِ عَلِيٍّ المَغْرِبِيِّ (ت ٤١٨ هـ) وَهُمَا مِن مَنْشُوْرَاتِ النَّادِي الأدَبِيِّ فِي الرِّيَاضِ الطَّبْعَة الأُوْلَى سَنَةَ (١٤٠٠ هـ).
والسُّؤَالُ الَّذِي يَرِدُ فِي الذِّهْنِ: مَاذَا يَجِدُ أَبُو الوَليْدِ وَأَبُو عُبَيْدٍ - رَحِمَهُمَا الله - فِي كِتَابِ ابنِ حَبِيْبَ هَذَا المَطْبُوع مَا يَخْتَصِرَانِ فِيهِ مَعَ شِدَّةِ إيْجَازِهِ؟ ! فَهَلْ المَطْبُوع هُوَ أَصْلُ كِتَابِ ابنِ حَبِيْبٍ أَوْ مُخْتَصَرًا عَنْهُ؟ ! . لَعَلَّهُ انْتِقَاءٌ مِنَ الكِتَابِ انتقَاهُ المَقْرِيْزِيُّ لِنَفْسِهِ، وَالمَسْأَلةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَزِيْدٍ مِن البَحْثِ والتَّحْقِيْقِ. وَاعْتَمَدَ الحَافِظُ ابْنُ ناصِرِ الدِّيْنِ الدِّمَشْقِيُّ (ت ٨٤٢ هـ) فِي كِتَابِهِ "تَوْضِيْحِ المُشْتَبه" عَلَى كِتَابِ أَبِي الوَلِيْدِ، وَنَقَلَ عَنْهَ نُصُوْصًا كَثيْرَة فِي جَمِيع أَجْزَاءِ الكِتَابِ هِيَ - كَمَا جَاءَ فِي فَهَارِسِ الكِتَابِ - كَالتَّالِي: (١/ ٣٩٩، ٢/ ٢٣، ١٤٤، ١٨٤، ٢٤١،
стр. 52
٤٢٠، ٥٤٤، ٣/ ١٨٩، ٢١٤، ٢٢٧، ٣٠٥، ٣٠٦ , ٤٤٣، ٤٩٣, ٤/ ٦٤، ٦٦٩، ٢٣٢، ٥/ ١١٠، ١٤٦، ٢٣٩، ٢٤٥، ٤١٧، ٦/ ١٠١، ١٢١، ١٢٥، ١٦٤، ٢٩٣، ٣٢٢، ٣٧٦، ٤١٠، ٤١٤، ٧/ ٦٣, ٩٨, ١٩٨, ٢١١، ٢١٢، ٨/ ٥٣، ٩/ ١٥٦، ٢٣٣. وَكِتَابُ أَبِي الوَليْدِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَهْذِيْبٍ وَاخْتِصَارٍ كَمَا يُفْهَمُ مِن عنْوَانِه، بَلْ يَتَجَاوَزُ هَذَا -كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي التَّعْلِيْقِ عَلَى الكُتُبِ المُهِمَّةِ- إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ من ذلِكَ. وَكَانَ لَدَى أَبِي الوَليْدِ أَكْثَرُ مِن نُسْخَةٍ مِن كِتَابِ ابنِ حَبِيْبِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَقِّقُ نُصُوصَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَارعَ إِلَى الانْتِقَادِ فَقَدَ جَاءَ في التَّوْضِيْحِ (٣/ ٤٩٣): "وَنَقَلَهُ القَاضِي أَبُو الوَليْدِ الكِنَانِيُّ فِي "تَهْذِيْبِ كِتَابِ ابنِ حَبِيْبٍ" أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ - يَعْنِي بالكِتَابِ - بِفَتْحِ الحَاءِ وَالبَاءِ، وَفِي بَحْضِهَا "حَبْشِيَة" بِإسْكَانِ البَاءِ وَتَخْفِيْفِ اليَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالتَّشْدِيْدِ أَيْضا". وَظَهَرَ لَنَا مِنْ خِلالِ النُّصُوْصِ الَّتِي نَقَلَهَا الحَافِظُ ابنُ نَاصِرِ الدَّيْنِ أَنَّهُ يُقَيِّدُ وَيَضْبطُ كَمَا جَاءَ فِي (٥/ ١١٠، ٦/ ١٢٥، ٤١٤، ٧/ ٦٣، ٩/ ٢٣٣) وَيَنْتَقِدُ: كَقَوْله: "كَذَا وَهُوَ تَصْحِيْفٌ" (٥/ ١٤٦، ٦/ ٢٩٣)، وَيَسْتَدْرِكُ كَمَا فِي (٥/ ٤١٧)، وَيُصْلحُ كَمَا جَاءَ فِي (٦/ ١٦٤)، وَيُخطِّئُ كَمَا جَاءَ في (٧/ ٩٨، ١٩٨)، وَيُصَحِّحُ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيْبٍ فِيْمَا جَاءَ فِي المَصَادِرِ الأُخْرَى فَصَحَّحَ عَنْ "جَمْهَرَةِ اللُّغةِ لابْنُ دُرَيْدٍ" (٢/ ٥٤٤)، وَصحَّحَ عَنِ ابنِ قُتَيْبَةَ (٣/ ٤٠٦)، وَصَحَّحَ عنِ ابنِ الكَلْبِيِّ (٦/ ٣٢٢، ٤١٠)، وَصَحَّحَ عَنِ الدَّارَقُطْنِي (٦/ ٢٧٦)، وَرُبَّمَا نَقَلَ كَلامَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَتَصْحِيحِهِمْ وَضَبْطِهِم لكِنَهُ يُقَوِّي ضَبْطَ أَهْلِ النَّسَبِ كَمَا جَاءَ فِي (٤/ ٦٥)، قال: "وَأَهْلُ النَّسَبِ يُرَدُّ إِلَيْهِم هَذَا العِلْمُ".
стр. 53
وانْتَقَدَه الحَافِظُ ابنُ نَاصِرِ الدِّيْن في (٨/ ٥٤)، قَال: "وَلَمْ يُعَرِّجْ أَبُو الوَليْدِ عَلى مَا ذَكَرَهُ ابنُ الكَلْبِيِّ فِي "الجَمْهَرَة" وَهُو الأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ "مَعَ أَنَّهُ يُجِلُّهُ وَيَصِفُهُ فِي (٢/ ١٤٤) بِـ"الحَافِظِ" وَرُبَّمَا نَقَلَ عَنْ طُرَّةٍ عَلَى كتَابِ أَبِي الوَليْدِ كَمَا جَاءَ فِي (٦/ ١٠٢)، وَيَظْهَرُ أَنَّ أَبَا الوَليْدِ رَتَّبَ كتابَهُ عَلَى تَرْتيْبِ الحُرُوْفِ الأَنْدَلُسِيّهِ لِذَا جَاءَ فِي التَّوْضِيْحِ (٦/ ١٦٦٤): "كَذَا ذُكِرَ فِي بَابِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ منْ تَبْويْبِ القَاضِي أَبي الوَليْدِ الكِنَانِيِّ وَإِصْلاحِهِ". اقْتبَسَ مِنْهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الأُنُفِ (١/ ٣٦٣)، وَرَوَاهُ.
٥ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى أَبِي نَصْرٍ الكَلابَاذِيِّ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ ابنِ فَيْرُوزٍ" وَالكَلابَاذِيُّ المَذْكُوْرُ هُوَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْن (ت ٣٩٨ هـ)، و"كَلابَاذ": مَحَلَّةٌ بِبُخارَى.
وَكِتَابُهُ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ "التَّنْبِيْهَاتِ" يَظْهَرُ أَنَّهُ "رِجَالُ صَحِيْحِ البُخَارِي" وَيُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ بـ"الهِدَايَةِ وَالإرْشَادِ فِي مَعْرِفَةِ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالسَّدَادِ" الَّذِيْنَ أَخْرَجَ لَهُمُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيْحِهِ" وَهُوَ مَطْبُوعٌ بِالعُنْوَانِ الأَوَّلِ فِي دَارِ المَعْرِفَةِ بِبَيْرُوْت سَنَةَ (١٤٠٧ هـ) بتَحْقِيْقِ عَبْدِ اللهِ اللَّيْثِيِّ.
وَنُسْخَةُ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ مِنَ الكِتَابِ المَذْكُوْرِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى المُؤَلِّفِ مَحْفُوْظَةٌ فِي مَكْتَبِةِ أَحْمَد الثَّالِث بتُرْكيَا رَقم (٢٤) وَهِيَ مُصَوَّرَةٌ بِمَعْهَدِ المَخْطُوْطَاتِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ، قَرَأَهَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ عَلَى شَيْخِهِ المَذْكُوْرِ. لَمْ أَطَّلِعُ عَلَيْهَا وَلَعَلَّ عَلَيْهَا تَنْبِيْهَاتُهُ عَلَى الكِتَابِ، وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ مَرْويَّةٌ عَنْ طَرِيْقِ شَيْخَهِ أَبي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ
стр. 54
مَحْفُوْظَةٌ فِي دَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ رَقَم (١٦ مصطلح حديث) فَاهْتِمَامُهُ وَاهْتِمَامُ شَيْخِهِ بِالكِتَابِ دَلِيْلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ تَنْبِيْهَاتِ المُؤَلِّفِ عَلَيْهِ دُوْنَ سَوَاهُ، مَعَ أَنَّ الكَلابَاذِي لَمْ يَكُنْ مُكْثِرًا مِنَ التَّأَلِيْفِ.
٦ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى "المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ" للدَّارَقُطْنِيِّ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ القَاضِي ابنِ فَيْرُوْزٍ" (١) وَكِتَابُ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ أَقْدَمِ وَأَجْوَدِ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ فِي المُؤْتَلِفِ وَالمُخْتَلِفِ أَلَّفَهُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت ٣٨٥ هـ). وَهَنَاكَ تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى أَوْهَامِ الدَّارَقُطْنِي لِعَالِمٍ أَنْدَلُسِيٍّ آخر هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ أبُو مُحَمَّدٍ الرُّشَاطِيُّ (ت ٥٤٢ هـ) مَوْجُوْدٌ فِي المَكْتبَةِ الوَطَنِيَّةِ بتُوْنِس يَنْقُصُ مِنْ أَوَّلِهِ قَلِيْلًا. وَكِتَابُ أَبِي الوَليْدِ لَا أَعْرِفُ الآنَ لَهُ وُجُوْدًا.
٧ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى مَشَاهِدِ ابْنِ هِشَامٍ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ القَاضِي ابْنِ فَيْرُوْزٍ" (٢) ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي مُعْجَمِ شُيُوْخِهِ "الغُنْيَةِ" (٣) فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَحْرٍ سُفْيَانُ بنُ العَاصِي الأسَدِيِّ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ تَلامِيذِ أَبِي الوَليْدِ، قَال: "لَقِيْتُهُ بِقُرْطُبَةَ، وَقَرَأَتُ عَلَيْهِ كِتَابُ "المَشَاهِدِ وَسِيْرَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ هِشَامٍ اخْتِصَارَهُ لِكِتَابِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَق، وَعَارَضْتُهُ بِكِتَابِهِ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ مَا أَصْلحَهُ فِيْه القَاضِي الكِنَانِيُّ الحواشي
(١) يراجع: معجم البلدان (٥/ ٢٣٣).(٢) مُعجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).(٣) الغنية(٢٠٦) .стр. 55
شَيْخُهُ، حَدَّثَنِي بِهِ عَنِ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ هِشَامِ بنِ أَحْمَدَ الكِنَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَسَمَاعًا، عَن أَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكي ... وَسَاقَ سَنَدًا إِلَى ابْنِ هِشَامٍ، وَاعْتَمَدَ السُّهَيْلِيُّ كِتَابَ "التّنبِيْهَاتِ" هَذَا لأَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ فِي مَصَادِرهِ فِي كِتَابِه "الرَّوْضِ الأنُفِ" وَيَقُوْلُ: "حَاشِيَةُ كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ" مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أنَّ تَعْلِيْقَاتُ أَبِي الوَليْدِ كَانَتْ عَلَى نُسْخَتِهِ مِنَ الكِتَابِ وَلَمْ تُفْرَدْ، وَنَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدَ بن مَسْعُوْدٍ الخُشَنِيُّ (ت ٥٤٤ هـ) فِي كِتَابِهِ "شَرْحِ السِّيْرَةِ النَّبويَّة" وَهُوَ شَرْحٌ لِغَرِيْبِ الشِّعْرِ الوَارِدِ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وَهِيَ كَمَا جَاءَ فِي طَبْعَةِ المَكْتبَةِ الإسْلامِيّةِ فِي اسْتنابُول مُصَوَّرَةٌ عَنْ مَكْتبَةِ هِنْدِيَّة بمِصْرَ سَنَةَ (١٣٢٩ هـ). يُرَاجَع الصَّفَحَات: (١٤، ٢٢، ٧٠، ١٢٥، ٢٦٦٩)، كَمَا نَقَلَ عَنْهُ أبُو الخَطَّابِ بنُ دِحْيَة (ت ٦٣٣ هـ) فِي كِتَابِهِ "السِّرَاجُ المُنِيْرِ فِي مَوْلدِ البَشِيْرِ النَّذِيْرِ" وَوَصَفَ مُؤَلِّفَهُ أَبَا الوَليْدِ بِـ"عَالِمِ الأَنْدَلُسِ" وَنَقَلَ عَنْهُ السُّهَيْلِيُّ (ت ٥٨١ هـ) فِي الرَّوْضِ الأُنُف (ط) عَبْدَ الرَّحْمَنِ الوَكِيْل سَنَةَ (١٣٨٧ هـ). يُرَاجَع (١/ ٣٦، ٢٣٢، ٢٥٥، ٢٧٢، ٢٩٠، ٣٠٣، ٣٢٥، ٣٩٨، ٤٠٦ ... ) ومُتَتَبِّعُ الكِتَابِ يَظْفَرُ بِنُصُوْصٍ كَثيْرَةٍ مُهِمَّةٍ. وَنَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ) فِي سِيْرَتهِ المَعْرُوْفَةِ "الرَّوْضِ البَاسِمِ ... " نُسْخَةٌ بِخَطِّ مُؤَلِّفِهَا يُرَاجع الوَرَقَات (٢٤، ٥١، ٧٣ ... ) وَغَيْرهم.
٨ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى "تَارِيْخِ خَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ":
تَارِيْخُ خَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ العُصَيْفِرِيُّ اللَّيْثِيُّ (ت ٢٤٠ هـ)؟ مِنْ أَهَمِّ المَصَادِرِ التَّاريْخِيَّةِ القَدِيْمَةِ الَّتِي تَهْتَمُّ بالحَوَادِثِ والرِّجَالِ مَعًا، وَقَدْ اهْتَمَّ بِهِ العُلَمَاءِ،
стр. 56
اهْتِمَامًا بَالِغًا فرَوَوْهُ بالسَّنَدِ عَنْ مُؤَلِّفِهِ. وَقَدْ وَصَلَ إِلَى الأنْدَلُسِ فِي زَمَنٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا فَقَدْ رَوَاهُ بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ القُرْطُبِيُّ الحَافِظُ (ت ٢٧٦ هـ) وَهُوَ مِن كِبَارِ حُفَّاظِ الإسْلامِ وَنُقَّادِ الحَدِيْثِ كَالإمَامِ أَحْمَدَ والبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ صَنَّفَ "المُسْنَدَ" وَرَتَّبَهُ عَلَى أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ وَرَتَّبَ حَدِيْثَ كُلِّ صَحَابِيٍّ عَلَى أَبْوَابِ الفِقْهِ. وَلَهُ "تَفْسِيْرٌ للقُرْآنِ" قَال ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ يُؤَلِّفْ مِثْلُهُ لَا تَفْسِيْرُ الطَّبَرِيِّ وَلَا غَيْرِهِ. كَمَا رَوَى عَنْهُ أَيْضًا كِتَابَهُ "الطَّبَقَاتِ". وَرِوَايَةُ أَغْلَبِ الأنْدَلُسِيِّين مُتَّصَلَةٌ بِهِ ﵀ والنُّسْخَةُ المَطْبُوْعَةُ مِنْ "تَارِيْخِ خَلِيْفَةَ" الَّتِي حَقَّقَهَا الدُّكْتُوْر الفَاضِل أَكْرم ضِيَاء العُمَرِيُّ اعْتَمَدَ فِي تَحْقِيْقِهَا عَلَى نُسْخَةٍ مَحْفوْظَةٍ فِي المَعرِبِ مِن أَصْلٍ أَنْدَلُسِيٍّ قَدِيْمٍ مُتْقَنٍ مَرْويٍّ بِالسَّنَدِ إلى بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ثُمَّ إِلَى مُؤَلِّفَهِ خَلِيْفَةَ، هِيَ مِنْ رِوَايَةِ صَاحِبِنَا أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ ﵀ مَكْتُوْبَةٌ بِخَطِّ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الأشْعَرِيِّ سَنَةَ (٤٧٧ هـ) قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي الوَليْدِ بِمَا يَزِيْدُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ عَامًا. نَقَلَ مُحَقِّقُ الكِتَابِ سَنَدَ رِوَايَتِهِ نَقْلًا عَنْ وَرَقَةِ العُنْوَان هكَذَا: "حَدَّثَنَا بِهَذَا التَّارِيْخ الإمَامُ الأَوْحَدُ، الفَقِيْهُ، القَاضِي أَبُو الوَليْدِ هِشَامُ بنُ أَحْمَدَ، قَال: حَدَّثَنِي الفَقِيْهُ المُقْرِئُ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّد الطَّلَمَنكيُّ ﵄ قَال: حَدَّثَنِي الفَقِيْهُ القَاضِي أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ مُفَرِّجٍ، قَاضِي الجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ ﵀ قَال: حَدَّثَنِي أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المُبَارَكِ بنِ حَبِيْبِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ الوَليْدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيْرِ المُومِنِيْنَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ عَمِيْرَةَ الضَّبِّيُّ أَنَّ أبَا القَاسِمِ أَحْمَدَ بنَ عَبْدِ اللهِ رَوَى عَنْ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ. فَيَكُوْنُ سَنَدُ النُّسْخَةِ مُتَّصلًا". وَفِي هَوَامِشِ النُّسْخَةِ تَعْلِيْقَاتُ أَبِي الوَليْدِ وَحَوَاشِيْه نَقَلَهَا مُحَقِّقُ الكِتَابِ جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا
стр. 57
إِلَى هَوَامِشِ الكِتَابِ تَجِدْهَا هُنَاكَ.
٩ - مُخْتَصَرٌ في الفِقْه:
انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ الصفَدِيُّ فِي "الوَافِي بالوَفَيَاتِ" كَمَا فِي "مُعْجَمِ المُؤَلِّفِيْن" (١) وَأَخْشَى أَنْ يَكُوْنَ اشْتبَهَ عَلَيْهِ بِكِتَابِ "مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطُلِيّ" فِي الفِقْهِ وَهُوَ مَشْهُوْرٌ عِنْدَهُمْ بِالأنْدَلُسِ (٢) ، والوَقَّشِيّ يُنْسَبُ "الطُّلَيْطُلِيَّ" أَحْيَانًا كَمَا تَقَدَّمَ.
١٠ - الرِّسَالةُ المُرْشِدَةُ:
ذَكَرَهُ يَاقُوْتُ الحَمَوي في "مُعْجَم البُلدَانِ" (٣) : وَإِسْمَاعِيْل بَاشَا البَغْدَادِيّ فِي "هدية العَارِفِيْن" (٤) لَا أَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا وَلَعَلَّهَا فِي الاعْتِقَادِ واللهُ أَعْلَمُ. وَعِبَارَة يَاقُوْتُ: "الفَقِيْهُ الجَلِيْلُ، عَالِمُ الزَّمَنِ، إِمَامٌ، عَالِمٌ فِي كُلِّ فَنٍّ، صَاحِبُ "الرِّسَالةِ المُرْشِدَةِ" تَدُلُّ عَلَى شُهْرَتِهَا بِحَيْثُ عَرَّفَ صَاحِبَهَا بِهَا نَظَرًا؛ لِمَعْرِفَةِ الخَاصِّ والعَامِّ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَا، لكِنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذلِكَ فَما نَزَالُ نَجْهَلُهَا كَمَا جَهِلَهَا العُلَمَاءُ قَبْلَنَا، فَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى تَرَاجِمِهِمْ لِلَمَذْكُوْرِ غَيْرُهُ هُوَ وَمَن نَقَلَ عَنْهُ، واللهُ تَعَالى أَعْلَمُ.
- وَأَمَّا الكِتَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ مَنْسُوْبًا إِلَيْهِ فِي القَدَرِ وَالقُرْآنِ عَلَى مَذَاهِبِ المُعْتَزِلَةِ فَسَيأتي فِي مَبْحَثِ "نِسْبَتِهِ إِلَى الاعْتِزَالِ" أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ تَأْلِيْفِهِ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ. الحواشي
(١) مُعجم المؤلفين (١٣/ ١٤٨) عن الوافي بالوفيات.(٢) الحلل السُّنْدُسِيَّة.(٣) معجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).(٤) هدية العارفين (٢/ ٥٠٩).стр. 58
- وَأَمَّا كِتَابُ "المُنْتَخَبِ فِي غَرِيْبِ كَلامِ العَرَبِ" الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيهِ الأُسْتَاذُ الزِّرِكْلِيُّ فِي "الأعْلامِ" بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ فِي فَهَارِسِ الخِزَانَةِ العَامَّةِ فِي الرِّبَاطِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ مِنْ مُفَهْرِسِ المَكْتَبَةِ المَذْكُوْرَة جَرَّهُ إِلَى ذلِك مَا جَاءَ فِي آخِرِ النُّسْخَةِ من قَوْل النَّاسِخِ: "نَسَخْتُ كِتَابِي هَذَا وَنَقَلْتُ حَوَاشِيْهِ مِنْ أَصْلِ الفَقِيْهِ القَاضِي العَلَمِ الأَوْحَدِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ ﵀ مَتْنًا وَطُرَرًا بِخَطَهِ ﵀، وَكَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ والإتْقَانِ ... ". وَقَدْ جَلَبْتُ هَذِهِ النُّسْخَةِ مَعَ مَا جَلَبْتُ مِنَ المَخْطُوْطَاتِ لِمَرْكَزِ البَحْثِ العِلْمِيِّ بجَامِعَةِ أُمِّ القُرَئ، وَعِنْدَ فَهْرَسَتِ الكِتَابِ أَدْرَكْنَا وَللهِ الحَمْدُ صِحَّةَ النِّسْبَةِ فَنَسَبْنَاهُ إِلَى مُؤَلِّفِهِ أَبي الحَسَنِ الهُنَائِيِّ المَعْرُوْفِ بـ"كُرَاعٍ" (ت بعد ٣٠٩ هـ) وَقَدْ قَابَلْنَا بَيْنَ هَذِهِ النُسْخَةِ وَنُسْخَةٍ جَلَبْنَاهَا مِن دَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ فَصَحَّ أَنَّهُمَا نُسْخَتَان لكِتَابِ "المُنْتَخَبِ ... " لِلْمُؤَلِّفِ المَذْكُوْرِ (١) ، وَقَدِ اقْتَرَحْتُ أَنَا وَزَمِيْلِي الدُّكْتُور عَيَّادُ بنُ عِيْدٍ الثبُّيْتِيُّ عَلَى زَمِيْلَنَا الفَاضِلِ الدُّكْتُوْر مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ العُمَرِيِّ أَنْ يَقُوْمَ بِتَحْقِيْقِهِ، وَكَانَ الدُّكْتُوْرُ عَيَّادٌ قَدْ صَوَّرَ لِنَفْسِهِ نُسْخَةً مِنَ النُّسْخَةِ المَغْرِبِيَّةِ فَتفَضَّلَ بِتَقْدِيْمِهَا إِلَى الدُّكْتُورِ العُمَرِيِّ. وَكُنْتُ قَدْ عَثَرْتُ عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِ "المُجَرَّدِ" لِلْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ "كُرَاع" فَقَدَّمْتُهَا للدَّكْتُوْر العُمَرِيِّ للاسْتِعَانَةِ بِهَا أَثْنَاء التَّحْقِيْقِ أيْضًا، فَقَامَ بِتَحْقِيْقِهِ، وَنَشَرَهُ مَعْهَدِ البُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ بجامعَةِ أُمِّ القُرَى سَنَةَ (١٤٠٩ هـ) (٢) . الحواشي
(١) يراجع أيضًا: مقالة الدكتور أحمد مختار عمر في مجلة البحث العلمي، العدد الثالث، مركز البحث العلمي بجامعة أم القوى، الذي أثبت فيه أن نسخة دار الكتب المصرية هي كتاب "المُنتَخَبِ".(٢) كما حقَّق الدُّكتور العُمَرِي أيضًا كتاب "المجرَّد" وطبع الجزء الأول منه.стр. 59
أقْوَالُ العُلَمَاءِ فِيْه:
قَال صَاعِدُ بْنُ أَحْمَدَ (١) : "أَحَدُ المُتْقِنِيْن المُتَوَسِّعِيْنَ في ضُرُوْبِ المَعَارِفِ، مِنْ أَهْلِ الفِكْرِ الصَّحِيْحِ، والنَّظَرِ النَّاقِدِ، والتَّحْقِيْق بِصِنَاعَةِ الهَنْدَسَةِ، والرُّسُوْخ في عِلْمِ النَّحْو واللُّغَةِ والشِّعْرِ والخَطَابَةِ، والإحْكَامِ لِعِلْمِ الفِقْهِ والأثَرِ والكَلامِ، وهُوَ مَعَ ذلِكَ شَاعِرٌ بَلِيْغٌ، لَيْسَ يَفْضُلُهُ عَالِمٌ بالأنْسَابِ والأخْبَارِ والسِّيَرِ، مُشرفٌ على جُمَلِ سَائِر العُلُوْمِ". وَقَال صَاعِدٌ أَيْضًا: (٢) "أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ: أَحَدُ رِجَالِ الكَمَالِ فِي وَقْتِهِ بِاحْتِوَائِهِ عَلَى فُنُوْن المَعَارِفِ وَجَمْعِهِ لِكُليَّاتِ العُلُوْمِ، وَهُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ بالنَّحو واللُّغَةِ وَمَعَانِي الأشْعَار، وَعِلْمِ العَرُوْضِ، وَصِنَاعَةِ البَلاغَةِ، وَهُوَ بَلِيْغٌ، مُجِيْدٌ، شَاعِرٌ، مُتَقَدِّمٌ، حَافِظٌ للسُّنَنِ وَأَسْمَاءِ نَقَلَةِ الأخْبَارِ, بَصِيْرٌ بِأُصُوْلِ الاعْتِقَادَاتِ، وَأُصُوْلِ الفِقْهِ، وَاقِفٌ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، نَافِذٌ فِي عِلْمِ الشُّرُوْطِ والفَرَائِضِ مُتَحَقِّقٌ بَعَلْمِ الحِسَاب وَالهَنْدَسَةِ، مُشْرِفٌ عَلَى جَمِيع آرَاءِ الحُكَمَاءِ، حَسَنُ النَّقْدِ لِلْمَذَاهِبِ، ثَاقِبُ الذِّهْنِ في تَمْيِيْزِ الصَّوَابِ، وَيَجْمَعُ إِلَى ذلِكَ آدَاب الأخْلاقِ، مَعَ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ، وَلِيْنِ الكَنَفِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ".
وَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ البَاقِي بنُ مُحَمَّدٍ الحِجَارِيُّ (٣) "وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّيُوَالِيُّ يَقُوْلُ: وَاللهِ مَا أَقُوْلُ فِيْهِ إِلَّا كَمَا قَال الشَّاعِرُ:
وَكَانَ مِنَ العُلُوْمِ بِحَيْثُ يُقضَى ... لَهُ فِي كُلِّ عِلْمٍ بِالجَمِيعِ" الحواشي
(١) طبقات الأُمم (١١٤، ١١٥).(٢) نقله عنه ابن بشكوال في الصِّلة(٦٥٣) ، وابن دِحْيَةَ في المُطب(٣٢٣) ... وغيرهما.(٣) أَبُو بكرٍ المذكور هُنَا هو أحد تلاميذ أبي الوليد. سبق ذكره في مبحث تلاميذه. وقوله هذَا في الصِّلة(٦٥٣) .стр. 60
وَوَصَفَهُ القَاضِي عِيَاضٌ، بِأَنَّهُ (١) "كَانَ غَايَةً فِي الضَّبْطِ والتَّقْيِيْدِ والإتْقَانِ وَالمِعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ وَالأَدَبِ، لهُ تَنْبِيْهَات وَرُدُوْدٌ عَلَى كِبَارِ أَهْلِ التَّصَانِيْفِ التَّارِيْخِيّةِ وَالأدَبيَّة يَقْضِي نَاظِرُهَا العَجَبَ، تُنْبِئُ عَنْ مُطَالعَتِهِ وَحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ، وَنَاهِيْكَ مِنْ حُسْنِ كِتَابِهِ فِي تَهْذِيْبِ الكُنَى لِمُسْلِمِ الَّذِي سَمَّاهُ بـ"عَكْسِ الرُّتْبَةِ"، وَمِن تَنْبِيْهَاتِهِ عَلَى أَبِي نَصْرٍ الكَلابَاذِيِّ، وَ"مُؤْتَلِفِ" الدَّارَقُطْنِيِّ وَ"مَشَاهِد ابْنِ هِشَامٍ" وَغَيْرها".
وَمَعَ ثَنَاءِ القَاضِي عِيَاض ﵀ عَلَى أَبي الوَلِيْد، كَانَ مُنْتَقِدًا لَهُ في جَسَارَتِهِ وَإِقْدَامِهِ عَلَى تَغْيير الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيْثِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ فَخَطَّأَ الصَّوَابَ، وَوَهم وَغَلط، قَال فِي "الإلماع" (٢) : "وَالَّذِي اسْتَمَر عَلَيْه عَمَل أَكْثَر الأشْيَاخِ نَقْل الرِّوَايَة كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ وَسَمِعُوهَا، وَلَا يُغَيِّرُوْنَهَا فِي كُتُبِهِم، وَمِنْهُم مَن يَجْسُر عَلَى الإصْلاحِ، وَكَانَ أَجْرَأَهُم عَلَى هَذَا مِنَ المُتَأَخَرِيْنَ القَاضِي أَبُو الوَليْد هِشَامُ بنُ أَحْمَد الكِنَانِيُّ الوَقَّشِيُّ، فَإِنَّهُ لِكَثرةِ مُطَالعَتِهِ، وَتَفَنُّنِهِ فِي الأَدَبِ وَاللُّغَةِ، وَأَخْبَار النَّاسِ، وَأَسْمَاءَ الرِّجَالِ وَأَنْسَابهم، وَثُقُوْب فَهْمِهِ، وَحِدَّة ذِهْنِهِ جَسَرَ عَلَى الإصْلاحِ كَثيْرًا، وَرُبَّمَا نَبَّهَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، لكِنَّهُ رُبَّمَا وَهِمَ وَغلط فِي أَشْيَاء مِن ذلِكَ، وَتَحَكَّم فيها بما ظَهَرَ لَهُ، أَو بِمَا رَآهُ فِي حَدِيْث آخَر، وَرُبَّمَا كَانَ الَّذِي أَصْلَحَهُ صَوَابًا، وَرُبَّمَا غَلِطَ فِيْه وَأَصْلَحَ الصَّوَابَ بِالخَطَأ". وَقَال (٣) : "وَكَانَ أَبُو الوَليْدِ الكِنَانِيُّ مِمَّن أَتْقَنَ، وَربمَا تَكَلَّفَ في الإصْلاحِ والتَّقويْمِ بَعْضَ مَا نُعِيَ عَلَيْهِ". الحواشي
(١) معجم البُلدان (٥/ ٤٣٨)، نقلا عن القاضي عياض ﵀.(٢) الإلماع (١٨٥، ١٨٦).(٣) المصدر نفسه(١٩٣) .стр. 61
وَقَرِيْبُ مِن ذلِكَ قَال القَاضِي عِيَاض فِي "مَشَارِق الأَنْوَارِ" فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَفِي ثَنَايَا الكِتَابِ، وَدَلَّلَ عَلَى ذلِكَ (١) .
وَعَن القَاضِي عِيَاض فِي "فَتْح المُغِيْث" للحَافِظ السَّخَاوي (٢) ، وَوَصَفَ القَاضِي عِيَاض بِأَنَّهُ تِلْمِيْذُ الوَقَّشِيِّ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذلِكَ.
وَوَصَفَهُ يَاقُوتٌ الحَمَويُّ فِي "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" (٣) بأنَّهُ "الفَقِيْهُ الجَلِيْلُ، عَالِمِ الزَّمَنِ، إِمَامٌ، عَالِمٌ فِي كُلِّ فَنٍّ، صَاحِبُ الرِّسَالةِ المُرْشِدَةِ" وَقَال فِي مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (٤) : "كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ واللُّغَةِ والشِّعْرِ وَالخَطَابَةِ، وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالأَحْكَامِ، وَالكَلامِ، وَكَانَ أَدِيْبًا كَاتِبًا، شَاعِرًا، مُتَوَسِّعًا فِي ضُرُوْبِ المَعَارِفِ، مُتَحَقِّقًا بِالمَنْطِقِ وَالهَنْدَسَةِ، لَا يَفْضلُه عَالِمٌ بِالأَنْسَابِ وَالأَخْبَارِ وَالسِّيرِ"، وَوَصَفَهُ أَبُو الخَطَّابِ ابنُ دَحْيَةَ (٥) بـ"عَالِمِ الأنْدَلُسِ"، وَوَصَفَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ (٦) بـ"العَلَّامَةِ البَحْرِ, ذُو الفُنُونِ".
قَال العَلَّامَةُ المَقَّرِيُّ (٧) : "كَانَ الحَافِظُ أَبُو الوَليْدِ هِشَامٌ الوَقَّشِيُّ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بالهَنْدَسَةِ وَآرَاءِ الحُكَمَاءِ والنَّحْو واللُّغَةِ، وَمَعَانِي الأَشْعَارِ والعَرُوْض، وَصِنَاعَةِ الكِتَابَةِ وَالفِقْهِ وَالشُّرُوْطِ وَالفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَمَا قَال الشَّاعِرُ: الحواشي
(١) مشارق الأنوار (١/ ٤، ١٠، ٧٧، ٢٦٤، ٣٦٠، ٢/ ١٠، ١٩٦، ٢٣٧).(٢) فتح المغيث(٢٥٦) .(٣) معجم البلدان (٥/ ٤٣٨).(٤) معجم الأدباء (٦/ ٢٧٧٨).(٥) السّراج المُنير له (مخطوط).(٦) سير أعلام النُّبلاء (١٩/ ١٣٤).(٧) نفح الطِّيب (٣/ ٣٧٦).стр. 62
وَكَانَ مِنَ العُلُوْمِ بحَيْثُ يُقْضَى ... لَهُ فِي كُلِّ فَنٍّ بالجَمِيْعِ
وَوَصَفَهُ المَقَّرِيُّ أَيْضًا (١) بِـ"القَاضِي الأَدِيْبِ، والفَيْلَسُوف الأَرَيْبُ ... قَاضِي طُلَيْطُلَةَ" وَلَمَّا أَوْرَدَ اجْتِمَاعَهُ بأبي مَرْوَان عَبْد المَلِكِ بنِ سِرَاجٍ قَال (٢) : "وَكَانَا فَرِيْدَيْ عَصْرِهِمَا حِفْظًا وَتَقَدُّمًا" وَقَال مَرَّة أُخْرَى (٣) : "وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الرَّجُلِ الفَرْدِ قَبْلَ هَذَا".
طَرَائِفُهُ ومُلَحُهُ:
كَانَ أَبُو الوَليْدِ صَاحِبَ مُلَحٍ وَطُرفٍ ودُعَابَةٍ، خَفِيْفَ الرُّوْحِ، مَرِحًا عَلَى جَلالةِ قَدْرِهِ وَعِلْمِهِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ، وَرُبَّمَا أَزْرَى بِهِ ذلِكَ عِنْدَ بَعْضِ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ، فَعَدُّوا ذلِكَ خُرُوْجًا عَنِ الوَقَارِ وَالسَّمْتِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلْمِ؛ لِذَا لَمَّا لَقِيَهُ القَاضِي أَبُو عَلِيٍّ بِبَلَنْسِيَةِ اسْتَجَازَهْ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَقَال: لَمْ يُعْجِبْنِي سَمْتُهُ، قَال القَاضِي عِيَاضٌ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ القَاضِي حَدَّثَ عَنْهُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّه اسْتَجَازَهُ رِوَايَتَهُ. وَاسْتِجَازَتُهُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ دَرَجَةٌ أَضْعَفَ مِنْ السَّمَاعِ بِلا شَكّ لكِنَّ القَاضِيَ أَبَا عَلِيٍّ رَضِيَ بِهَا؛ لأنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَهُ الَّتِي رُبَّمَا خَرَجَ بِهَا عَنِ الوَقَارِ كَمَا أَسْلَفْنَا.
وَمنْ نَوَادِرِهِ: مَا رُويَ أنَّه اجْتَمَعَ هُوَ وَأَبُو مَرْوَان عَبْدُ المَلِكِ بنِ سِرَاجٍ القُرْطُبِيُّ (ت ٤٨٩ هـ) وَكَانَا فَرِيْدَيْ عَصْرِهِمَا حِفْظًا وَتَقدُّمًا، فَتَعَارَفَا وَتَسَاءَلا، ثُمَّ بَادَرَ أَبُو الوَليْدِ بِالسُّؤَالِ وَقَال: كَيْفَ يَكُوْنُ قَوْلُ القَائِلِ: الحواشي
(١) المصدر نفسه (٤/ ٣٠٦).(٢) المصدر نفسه (٤/ ١٦٢).(٣) المصدر نفسه (٤/ ١٣٨).стр. 63
وَلَوْ أَنَّ مَا بِي بالحَصَا فَعَلَ الحَصَا ... وَبالرِّيْحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُنَّ هَبُوْبُ
وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ مَكَانَ "فَعَل الحَصَى"؟ فَقَال أَبُو مَروان: "فَلَقَ الحَصا" فَقَال: وَهِمْتَ، إنَّمَا يَكُوْنُ: "قَلِقَ الحَصَا" لِيَكُوْنَ مُطَابِقًا لِقَوْلهِ: "لَمْ يُسْمَعْ لَهُنَّ هِبُوْبُ" يُرِيْدُ: أَنَّ مَا بِهِ يُحَرِّكُ مَا شَأْنُهُ السُّكُوْنُ وَيُسَكِّنُ مَا شَأْنُهُ الحَرَكَةُ فَقَال أَبُو مَرَوَانَ: مَا يُرِيْدُ الشَّاعِرُ بقَوْله:
وَرَاكِعَةٍ في ظِلِّ غُصْنٍ مَنُوْطَةٍ ... بِلُولُؤَةٍ نِيْطَتْ بِمُنْقَارِ طَائِرِ
وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَسْجِدٍ فَأُقِيْمَتِ الصَّلاةُ إِثْرَ فَرَاغِ ابنِ السَّرَّاجِ مِنْ إِنْشَادِهِ لِلْبَيْتِ فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلاةُ قَال لَهُ الوَقَّشِيُّ: أَلْغَزَ الشَّاعِرُ باسْمِ أَحْمَدَ فَالرَّاكِعَةُ الحَاءُ، والغُصنُ: كِنَايَةٌ عَنِ الأَلِفِ، وَمِنْقَارُ الطَّائِرِ: الدَّالُ. فَقَال لَهُ ابنُ السَّرَّاجِ: يَنْبَغِي أَنْ تُعِيْدَ الصَّلاةَ؛ لِشغْلِ خَاطِرِكَ بهَذَا اللُّغْزِ، فَقَال لَهُ الوَقَّشِيُّ: بَيْنَ الإقَامَةِ وَتَكْبِيْرَةِ الإحْرَامِ فَكَكْتُهُ (١) .
- وَمنْ طَرَائفِهِ مَا رُويَ أيضًا: أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمًا مَجْلِسَ ابنِ ذِي النُّوْنِ فَقُدِّمَ نَوعٌ مِنَ الحَلْوَى يُعْرَفُ بِـ"آذَانِ القَاضِي" فَتَهَافَتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ عَلَيْهَا يَقْصِدُوْنَ التَّنْدِيْرَ فِيْهِ، وَجَعَلُوا يُكْثِرُوْنَ مِنْ أَكْلِهَا، وَكَانَ فِيْمَا قُدِّمَ مِنَ الفَاكِهَةِ طَبَقٌ فِيْه نَوعٌ يُسَمَّى عُيُوْنَ البَقَرِ، فَقَال المَأْمُوْن [بنُ ذِي النُّوْنِ] يَا قَاضِي إنَّ هَؤُلاءِ يَأْكُلُوْنَ آذَانَكَ، فَقَال: وَأَنَا أَيْضًا آكُلُ عُيُوْنَهُم، وَكَشَفَ عَنِ الطَّبَقِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَكَانَ هَذَا من الاتِّفَاقِ الغَرِيْبِ (٢) . الحواشي
(١) نفح الطِّيب (٤/ ١٦٢).(٢) المصدر نفسه (٤/ ١٣٨).стр. 64
- وَمنْ طَرَائفِهِ مَا رُويَ أَنَّهُ "اخْتَصَمَ رَجُلانِ، فَقَال أَحَدُهُمَا: يَا فَقِيْهُ اشْتَرَيْتُ مِنْ هَذَا اثْنَى عَشَرَ تَيْسًا حَاشَاكَ! فَقَال لَهُ: قُلْ: أَحَدَ عَشَرَ (١) .
هَذَا مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِمَّا نُقِلَ مِن نَوَادِرَهُ وَطَرَائِفِهِ، وَهِيَ أُمُوْرٌ لا تُخِلُّ بِالمُرُوْءَةِ، وَلَا تَذْهَب بِالوَقَارِ، وَلَا تَقْدَحُ فِي عَدَالةِ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ أَهْلِ زَمَنٍ عُرْفُهُمُ السَّائِدُ، وَتَقَالِيْدُهُمُ المَرْعِيَّة.
- وَمنْ طَرَائفِهِ: قَال القَاضِي عِيَاضٌ (٢) : "سَمِعْتُ شَيْخَنَا سُفْيَانَ بنَ العَاصِي الأَسَدِيَّ يَحْكِي عن شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ الكِنَانِيِّ -فيما يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّي-: أَنَّه كَانَ إِذَا أَعَارَ كِتَابًا لأحَدٍ إِنَّمَا يَتْرُكْهُ عِنْدَهُ بعَدَدِ وَرَقَاتِهِ أَيَّامًا ثُمَّ لَا يُسَامِحُهُ بَعْدُ وَيَقُوْلْ: هَذِهِ الغَايَةُ إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَهُ للدَّرْسِ والقِرَاءَةِ فَلَنْ يَغْلِبَ أَحَدًا حِفْظَ وَرَقَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِنْ أَرَدْتَهُ للنَّسْخِ فَكَذلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا هَذَا فَأَنَا أَحْوَطُ بِكِتَابِي، وَأَوْلَى بِرَفْعِهِ مِنْكَ".
اتِّهَامُه بِالاعْتِزَالِ:
قَال ابْنُ بشكوال (٣) : "وَقَدْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ أَشْيَاءُ اللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيْقَتِهَا، وَسَائِلُهُ عَنْهَا، وَمُجَازِيْهِ بِهَا". كَذَا قَال، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذلِكَ شَيْئًا. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْصِدُ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ الاعْتِزَالِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ القَاضِي عِياضٌ حَيْثُ قَال: "وَلكِنَّهُ اتُّهِمَ بِرَأْيِ المُعْتَزِلَةِ وَظَهَرَ لَهُ تأْلِيْفٌ فِي القَدَرِ وَالقُرْآنِ وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ أَقَاويْلِهِمْ، وَزَهِدَ فِيْهِ النَّاسُ وَتَرَكَ الحَدِيْثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِن كِبَارِ مَشَايِخِ الأنْدَلُسِ". الحواشي
(١) الرَّوض المعطار(٦١١) .(٢) الإلماع للقاضي عياض(٢٢٤) .(٣) الصِّلة(٦٥٤) .стр. 65
وَذَكَر القَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا أَنَّ تِلْمِيْذَهُ الفَقِيْهُ أَبَا بَكْرٍ سُفْيانُ بنُ العَاصِ كَانَ يَنْفِي عَنْهُ الرَّأَيُ الَّذِي زُنَّ بِهِ، وَالكِتَابُ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ القَاضِي عِيَاضٌ لِتَأْكِيْدِ ذلِكَ الخَبَرِ فَقَال: "وَقَدْ ظَهَرَ الكِتَابُ وَأَخْبَرَ الثِّقَةُ أنَّهُ رَآهُ، وَعَلَيْهِ سَمَاعُ ثِقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَخَطُّه عَلَيْهِ" (١) .
وَهَذَا الخَبَرُ يُؤَكِّدُهُ ثِقَةٌ هُوَ القَاضِي عِيَاضٌ ﵀ كَمَا تَرَى، وَيَنْفِيْهِ ثِقَةٌ هُوَ أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ تَلامِيْذِ أَبِي الوَليْدِ المُلازِمِيْنَ لَهُ، ويُشَكِّكُ فِي رَأْيِ القَاضِي أَنَّه لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِ الثِّقَة الَّذِي رَآهُ، وَلَا اسْمِ الثِّقَةِ مِن أَصْحَابِهِ الَّذِي سَمِعَهُ، وَلَا اسْمِ ذلِكَ الكِتَابِ وَعُنْوَانُهُ؟ ! لِذَا نَبْقَى عَلَى حَذَرٍ مِنْ قَبُوْلِ ذلِكَ الخَبَرِ، وَعِنْدَنَا مِنَ الدَّلِيْلِ مِنْ ثقَافَةِ أَبِي الوَليْدِ فِي عُلُوْمِ الأوَائِلِ مِن فَلْسَفَةٍ وَمَنْطِقٍ، وَعِلْمِ الكَلامٍ ... مَا يُرَجِّحُ مِثْلَ هَذَا التَّوجُّهِ عِنْدَ أَبي الوَليْدِ -عَفَا اللهُ عَنْهُ وَرَحِمَهُ-، وَهَذا التَّوَجُّهُ يَنْدُرُ وُجُوْدُهُ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ، وَهُوَ مُسْتَغْرَبٌ جِدًّا، وَخَاصَّةً المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْهُم، وَهُوَ مَحَلُّ انْتِقَادٍ شَدِيْدٍ، وَلَا تكَادُ تَظْهَرُ مُؤَلَّفَاتُ المُعْتَزِلَةِ فِي بِلادِهِمْ إِلَّا نَادِرًا، وَأَكْثَرُ مِنْ هَذَا غَرَابَةً أَنْ يَظْهَرُ مِثْلَ هَذَا عِنْد أَنْدَلُسِيٍّ لَمْ يَرْحَلْ إِلَى المَشْرْقِ كَأَبي الوَليْدِ.
وَخُلاصَةُ القَوْلِ: أَنَّنَا نَتَوَقَّفُ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ فَلَا نَتَّهِمُهُ بِالاعْتِزَالِ، وَلَا نَنْفِيْهِ عَنْهُ. وَلَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِهِ "التَّعْلِيْقِ عَلَى المُوَطَّأ" مَا يُؤَكِّدُ نَزْعَتَهُ الاعْتِزَالِيَّة، وَمَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ مِنَ التَّوَقُّفِ فِي حَالِهِ أرجِّحُ أنَّه رَأَيُ شَيْخِ المُؤَرِّخِيْن الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ، فَقَد ذَكَرَ الخَبَرَ وَلَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ بشَيْءٍ، فَكَأَنَّ الحَافِظَ لَمْ يُثْبِتْهُ وَلَمْ يَنْفِه. الحواشي
(١) معجم البُلدان (٥/ ٤٣٨).стр. 66
الفَصْل الثَّاني (دراسة الكتاب)
أوَّلًا: (موضوع الكتاب):
تَعْلِيْقَاتٌ مُتَفَرقةٌ على "المُوطَّأ" للإمامِ مالكٍ ﵀ أغلَبُها تفسيرٌ لُغَويٌّ، أَوْ تَوْجِيْه نحويٌّ، ولا أَظُنُّ أَنَّنَا بحاجةٍ إلى التَّعريفِ بكتاب "المُوَطَّأ" ولا بصَاحِبِهِ إمامِ دارِ الهِجْرَةِ مالِكِ بنِ أَنَسٍ الأَصبَحِيِّ المَدَنِيِّ (ت ١٧٩ هـ)، فالكتابُ من أَهَمِّ وأَشْهَرِ وَأَعْظَمِ الكُتُبِ المُؤَلَّفةِ في الإسلام، وَإِلْقَاءُ نَظْرَة سَرِيْعَةٍ على الحَرَكَةِ العِلْميَّةِ الكُبْرَى التي أثارها العُلَمَاءُ حَوْلَ هَذَا الكِتَابِ تَدُلُّ على ذلِكَ، فَقَدْ عَكَفَ العُلَمَاءُ على دِرَاسَتِهِ وَتَدْرِيْسِهِ وَرِوَايَتِهِ وَتَصْحِيْحِهِ، واسْتِخْرَاجِ كُنُوْزِهِ، وَشَرَحَ عَدَدٌ كبيرٌ جدًّا من العُلَمَاءِ ألْفَاظَهُ وَمَعَانِيه، واسَتْخَرُجوا رِجَالهُ، وَتَحَدَّثُوا عن مَا اشْتَمَلَ عليه من فَوَائِدَ فِقْهِيَّةٍ، قَامَتْ هَذ الحَرَكَةُ العِلْمِيَّةُ الكُبْرَى على مَرَّ العُصُوْرِ، وَأَوْلَى العُلَمَاءُ هَذَا الكِتَاب العنَايَةَ التَّامَّةَ؛ لأنَّه مَصْدَرٌ مُهِمٌّ، من أَقْدَمِ وأَوْثَقِ مَصَادِرِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَزَادَه شُهْرَةً وأَهَمِّيَّة ما كَتَبَهُ العُلَمَاءُ عليه من شُرُوحٍ بَعْضُها في غايةِ النَّفَاسَةِ والإِفَادَةِ، كـ"التَّمْهِيْد" لابنِ عَبْدِ البَرِّ، و"الاسْتِذْكَارِ" له، و"المُنْتَقى" لأَبي الوَليْدِ البَاجي ... وَغَيْرِها، الَّتي أَصْبَحَتْ أَصُوْلًا يُرْجَعُ إليْهَا عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وغيرهم، بل هي شَوَاهِدُ وَاضِحَةٌ على تقدُّم الفِكْرِ العَرَبِي الإسْلامِيِّ. وحَدِيثي عن "المُوطَّأ" للسَّادَةِ الأَفَاضِلِ القُرَّاء سيكونُ كجَالِبِ التَّمْرِ إلى هَجْرٍ. وما قُلْتُهُ عن الكِتَابِ أَقُوْلُهُ عن
стр. 67
المُؤَلِّفِ، فهو أَشْهَرُ من أنْ أُعَرِّفَ بِهِ، أَو أَذْكُرَ مآثره وَخِصَاله الحميدة, وَمَنَاقبه وفضائله أُلِّفَتْ فِيْهَا المُصَنَّفَاتُ.
والَّذي نَحْنُ بِحَاجَةٍ إليه مَعْرِفَةُ سَنَدُ رِوَايَةِ المُؤَلِّفِ إلى "المُوَطَّأ"، وقد حَاوَلْتُ أن أجدَ لَهُ طَرِيْقًا مُسْنَدًا يَصِلُهُ به، فلم أَعْثُرْ على شَيْءٍ من ذلِك - مَعَ حِرْصِي الشَّدِيْدِ ومُواصَلَةِ البَحْثَ. وَقَدْ صَرَّحَ المُؤَلِّفُ بأَنَّ لَهُ رِوَايَةً، لكِنَّهُ لم يَذْكُرْ أيَّ روَايَةٍ هي؟ ! هل هي رِوَايَةُ يَحْيَى أو غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أنَّها رِوَايَةٍ يَحْيَى؛ لأنَّها هي أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ، وأَكْثَرُها انتِشَارًا من غَيْرِهَا من الرِّوَايَات في بلادِ الأنْدَلُسِ خَاصَّةً، وحَوَاضِرِ العَالمِ الإسْلامِيِّ عَامةً، بين العُلَمَاءِ وَطَلبَة العِلْمِ. ويُضَافُ إلى ذلِكَ أَنَّ المُؤَلِّفَ كثيرٌ النَّقلِ عن روايةِ يَحْيَى ومقارنتها بالرِّوايات الأُخرى، وهو قليلُ النَّقْدِ لها والاعتِرَاضِ عليها، وفي ترجَمَةِ تِلْمِيْذِهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبدِ الله بنِ حِصْنٍ الأنْصَارِيِّ، ذكر المُتَرْجِمُوْنَ أنَّه أَخَذَ عَنْه "المُوَطَّأ" هكَذَا دُوْنَ ذِكْرٍ للرِّوَايَة والسَّنَدِ. وفي كِتَابِنَا هَذَا "التَّعليق عَلَى المُوَطَّأ" يَرِدُ فيه مثل قولهِ: "بالفتح رَوَيْنَاهُ"، وَقَوْلهِ: "رَوَيْنَاهُ في "المُوطَّأ" ... " وَقَوْلهِ: "وَهكَذَا رَوَيْنَاهُ في "المُوَطَّأ" وغيره ... " وَقَوْلِهِ (١/ ٤٢): "فَإِنَّمَا رَوَيْنَاهُ بَتشَدِيْدِ الدَّال ... " ومثل ذلِكَ في الكِتَابِ كَثِيْرٌ، يُراجع مثلًا: (١/ ٤٨، ١٠٣، ١١٦، ١٢٤، ١٣١، ٢٠٤، ٢١١, ٣٤٧، ... ٢/ ١٠٨، ١٢١، ١٦٣، .. وغيرها.
وقَدْ نَصَّ المؤلِّفُ على رواية يَحْيَى في الصَّفَحَات التَّالية (١/ ١٦, ٢٢١، ٢٢٢, ٢٤٩, ٢٦٤, ٣٣٤, ٣٤٢, ٣٧٥, ٣٩٩, ٤٠٢, ٢/ ٧, ١٨, ٤١,
стр. 68
١٦١, ٢٧٧, ٣١٢, ٣٢٤, ٣٥١, ٣٧٦, ٣٨٨, ٤٠٤ ... وغيرها) مُؤَيِّدًا لروايَتِهِ غالبًا، مُنْتَقِدًا لهَا أَحْيَانًا كَقَوْلهِ (١/ ٣٤٢): "وَوَقَعَ في رِوَايَةِ يَحْيَى: "كادَ أَنْ يُحْرِجَهُ" وهو خَطَأٌ وَصَوَابُهُ: "كَادَ يُحْرِجَهُ"؛ لأنَّ "أنْ" لا تدخُلُ في خَبَرِ "كَادَ" إلَّا في ضَرُوْرَةِ الشَّعْرِ" وَقَوْلهِ (١/ ٣٩٩): "رَوَى يَحْيَى: أبا البَدَّاح عاصمَ بنَ عَدِيٍّ، وَرَوَى غيره: أَبَا البدَّاح بنَ عَاصِمِ ... وهو الصَّحَيْحُ" ... وغيرها.
ورُبَّمَا انْتَقَدَ رِوَايَةَ يحْيَى وأَصْلَحَهَا ثمَّ أَجِدُهَا في رواية يَحْيى المطبوعة مُصلَحَةٌ كما أَشَارَ، وَهَذَا يَعُوْدُ إِلَى أَمْرَيْنِ: أحدُهُما: أن يكون بعضُ مُصَحِّحِي نُسَخ رِوَايَةِ يَحْيَى أَدْرَكَ الخَطَأَ فَأَصلَحَهُ. والثَّاني: أن تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الأَخْطَاءِ -عَلَى الأقَلِّ- فِي نُسْخَةِ المُؤَلِّفِ من رِوَايَةِ يَحْيَى.
وهُنَاكَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ الله عن أبيه يَحْيَى نَقَلَ عَنْهَا المُؤَلِّفُ في الصَّفَحَات التَّالية: (١/ ٣، ٤، ١٧٦، ٢٦٦٢، ٣٠١، ٣٣٨، ٣٧٣، ٣٧٤، ٢/ ٦٩، ٧٨، ١٨٩، ٢٠٨). (رواية معاوية عنه) (١/ ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٥٦، ٢٨٣ .. ) وغيرها. والمُؤَلِّفُ كَثِيْرُ التَّخْطِئَةِ لَهُ، والرَّدِّ عليه، والانتقاد لاختياره، قال (١/ ١٧٦): "وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ الله: بِشَنٌّ مُعَلَّقَةٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مُعَلَّقٍ وهو الصَّوَابُ" وَقَال (١/ ٢٦٢) في قَوْلهِ: "المَرْأَةُ تَمُوْتُ بجُمْعٍ": "بضمِّ الجيم وَكَسْرِهَا مَعًا، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ الله بالفَتْح وهو خَطَأ". وقال (٢/ ٢٨٣) في قَولِهِ: "وإمَّا أن يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ": "رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بكَسْرِ الذَّالِ، وَالوَجْهُ فَتْحُهَا" ... وغير ذلِكَ. وَرُبَّمَا جَمَعَ معه ابنَ وَضَّاحٍ، وهو كثيرُ الانتِقَاد لرِوَايَةِ ابن وَضَّاحٍ أيضًا، جَمَعَ بينهما في (٢/ ٦٩, ٧٨ , ٣٧٤) ... وغيرها.
стр. 69
وَرُبَّمَا دَافَعَ عن رواية عُبَيْدِ الله وَهُوَ قَلِيْلٌ، ومِنْه مَا جَاء في (٢/ ٢٢٧) في قوله: "في عَمَلِ الرَّقيق": "كَذَا رواية عُبَيْدِ الله، وَتَوَهَّم قَومٌ أنَّ ذلِكَ غَلَطٌ، وليس عندي بِغَلَطٍ، ومَجَازُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ... ".
- وَرَجَعَ إِلى رِوَايَةِ (ابنِ بُكَيْرٍ) كَمَا جَاءَ في (١/ ٣، ٤، ١١، ١٦، ٣٤، ٢٨٥، ٣٤١، ٢/ ١٣٦، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٩٢، ٣٥١، ٣٧٦).
- كَمَا رَجَعَ إلى رِوَايَةِ (القَعْنَبِيِّ) كَمَا جَاءَ في (١/ ١٨٧، ٢٥٦، ٢٦٤، ٢/ ٢١٣).
- ورواية (ابن القَاسِمِ) كَمَا جَاء في (١/ ١٨٧، ٢/ ٩٥، ٢٩٢، ٣٢٨، ٣٥٨، ٣٨٨).
- ورواية (ابن وَهْبٍ) كَمَا في (٢/ ١١٩، ١٣٦، ٢٩٢، ٣٩١).
- ورواية (عليِّ بن زيادٍ) كَمَا في (١/ ٢٦٢). ونقل عن أصحاب مالكٍ منهم أَشْهَبُ: (٢/ ٩٥، ١٠٩، ٣٩١)، وابنُ مُطَرِّفٍ (٢/ ٢٩٢، ٣٥١).
والدَّرَاوَرْدِيُّ (٢/ ٦)، وابنُ نَافعٍ (٢/ ١٠٩، ١٩٥، ٣١٥)، وابنُ كِنانة (٢/ ٣٨٢) أو بعض الرِّوايات (هكذا؟ ) وَلَمْ يَذْكُر رِوَايَةَ مُحَمَّد بنِ الحَسَنِ، وَلَا رِوَايَةَ أَبِي مُصْعَبٍ، وَلَا رِوَايَةَ الحَدَثَانِيِّ .. وربَّمَا ذَكَرَ خِلافًا في الرِّواية وَعَزاهُ إلى (بَعْضِ نُسَخِ المُوطَّأ) دُوْنَ نِسْبَةٍ للرِّواية كَمَا جاء في (١/ ١٣١، ١٤٣، ٣٠١، ٣٠٨، ٣١٣، ٣١٥، ٣٢٨، ٣٤٥، ٣٤٧، ٣٥٣، ٣٥٧، ٣٧٢، ٢/ ١٠، ٧٧، ٨٤، ٩٤، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٥٧، ٢٦٥، ، ٣٤٣).
ورُبَمَا قَارَنَ مَا جَاءَ في "المُوطَّأ" بطُرُقٍ للحَدِيْثِ في غَيْرِ المُوَطَّأ كما جاء في (١/ ١٢٣، ٣٠١، ٣٤٩، ٢/ ٤٧، ٣٠٥، ٣١١).
стр. 70
ثانيًا: (عُنْوَانُهُ):
لا يُوجَدُ في النُّسخة التي وصلتنا من الكتاب عنوانًا؛ وذلك لفقدِ ورقةٍ أو ورقتين -تقريبًا- من أوله ذَهَبَ بذهابهما عنوان الكتاب، ومقدمته - إن كانت ثَمَّتَ مُقَدِّمَةٌ - وأوائل التَّعليقات على كتاب (وُقُوْتِ الصَّلاة) لكن جاء في آخر النُّسخة ما يُفِيْدُ باسمِ الكِتَابِ وعُنوانه، حَيْثُ قَال النَّاسِخُ هُنَالِكَ: كَمُلَ التَّعليقُ على مُوَطَّأ الإمامِ مَالكِ بن أَنَسٍ ﵁ في تَفْسِيْرِ لُغَاتِهِ وَغَوَامِضِ إِعْرَابِهِ وَمَعَانِيْهِ، نُقِلَ هَذَا كلَّه مِنْ مُبَيَّضة المُؤَلِّفِ ﵀ ... ".
ونَقَلَ أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الحَقِّ اليَفُرَنِيُّ (١) في كِتَابِهِ "الاقتضاب في غَرِيْبِ المُوَطَّأ وَإِعْرَابِهِ ... " عن كتابِ أبي الوليد نُصُوْصًا كَثيْرَةً، وأفادَ منه إِفَادَاتٍ مُخْتَلِفَةً، وَجَاءَ فِي بَعْضِ نُصُوْصِهِ: "وَرَأَيْتُ في "تَنْبِيْهَاتِ الوَقَّشِيِّ" فسَمَّاهُ "تَنْبِيْهات"، وَهَذِه التَّسمِيَةُ لها حظٌّ من الصِّحَّةِ فهي تَتَنَاسَبُ مَعَ تآليف لَهُ أُخْرَى تَحْمِلُ هذَا الاسم منها: "تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى مَشَاهِدِ ابنِ هِشَامٍ" و"تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى تَارِيْخ خَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ" و"تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى مُؤْتَلَفِ الدَّارَقُطْنِيِّ" .. لكِن وَجَدْنَا تَعْلِيْقَاتَهُ على "الكَامِلِ" للمُبَرِّدِ تُخَالِفُ ذلك فتُعْرَفُ بـ"الطُّرَرُ" وَلَا فَرْقَ عِنْدِي بينَ "التَّنْبِيْهَاتِ" وَ"الطُرَرِ" و"التَّعْلِيْقِ" و"الحَوَاشِي" أيضًا، ولمَّا كَانَ هَذَا الاخْتلافُ في اللَّفْظِ قائمًا ومعناه وَاحِدٌ؛ لذا كَانَ ما دُوِّنَ على النُّسْخَةِ أولى بالاخِتيَارِ، وإن الحواشي
(١) وَضَبَطْنَاهُ هُنَا، وَفِي "تَفْسِيْرِ غَرِيْبِ المُوَطَّأ" هكَذَا: (اليَفْرُنِي) وَضَبَطَهُ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ فِي الأنْسَابِ (١٢/ ٤١٩): (اليَفُرَنيّ) قَال: "بِفَتْحِ اليَاءِ المَنْقُوْطَة بِاثنتين من تحتها، وَضَمِّ الفَاءِ، وَفَتح الرَّاءِ، وَفِي آخرها النُّون" فَالتُصَحَّح في كل المُواضع الَّتي وردت في الكتابين فأرجو أن يكون هو الصَّوابُ.стр. 71
كنتُ لا أَجْزِمُ أنَّ هَذَا العنوان هو ما اختاره المُؤَلِّفُ عُنْوَانًا، لِكِتَابِهِ، وَإِنَّمَا اخترته؛ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ تَسْمِيَةِ المُؤَلِّفِ لَهُ، فكانَ في الأمرِ مَجَالٌ للاجْتِهَادِ.
ثالثًا: (نِسْبَتُهُ إلى المُؤَلِّفِ):
صَرَّحَ ناسخُ الأَصْلِ بأنَّه نَسَخَهُ من خَطِّ يَدِ المُؤَلِّف فَقَال في آخرِ الجزْءِ الأوَّلِ ما يلي: "تَمَّ النِّصْفُ الأوَّل من تعَلْيِقْ الشَّيْخِ الفَقِيْهِ الإمَامِ القُدْوَةِ المُتَفَنِّن أبي الوَليدِ هِشَامٍ الوَقَّشِيِّ ﵀ وعَفَا عنه- وهو مُنْتَسَخٌ من مُبَيَّضَةٍ بخطٍّ يَدِهِ، وقُوبل بها، فَصَحَّ بِعَوْنِ اللهِ في حَادِي وَعِشْرِيْن ذِي القَعْدَةِ من عامِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَسَبْعِمَائَةَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمين ... ". وفي هَذَا دِلالةٌ وَاضِحَةٌ على نِسْبَةِ الكِتَابِ إِلَى مؤلِّفِهِ. وفي رُؤُوسِ بعض الفقرات صَرَّحَ المؤلِّف باسمِهِ عند تَقْرِيْرِهِ لِمَسْأَلةٍ ما، أو إبداء رَأْيِهِ، أَوْ رَدِّهِ على رأيِ عَالِمٍ، يَقُوْلُ: قَال أبُو الوَليْدِ الوَقَّشِي، أَوْ قَال أَبُو الوَليْدِ هِشَام، أو قال (ش) وهي رَمْزُ (الوَقَّشي).
ففي (١/ ٥١) قَال نَاقِلُ النُّسْخَةِ: "ذَكَرَ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ ﵀ قولَ الشَّافِعِيِّ أنَّ البَاءَ عندَهُ للتَّبعيضِ، فَقَال: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّما الباءُ للإلصاقِ وما قالهُ الشَّافِعِيُّ غيرُ مَعْرُوْفٍ في كَلامِ العَرَبِ ... ومثله (١/ ٣٠٢) وفي (١/ ٢٦٤): "ذَكَرَ جَمِيع الرُّواة إلَّا القَعْنَبِيُّ فإِنَّه قَال فيه: "مَا مِن أَحَدٍ تُصيْبُهُ ... " وَسَاقَ الحَديث. قَال أَبُو الوَليْدِ هِشَامٌ: "وَهَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ ... ".
وفي (١/ ٣٠٧): "اختَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ في حَدِّ اليَوْمِ والليْلَةِ فَقَال النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ ... ثم قال: "قَال (ش) والذي يَقْتَضِيْهِ النَّظَرُ أَنَّ اليَوْمَ والنّهارَ حَدُّهُمَا جَمِيْعًا طُلُوع الفَجْرِ إِلَى مَغِيْبِ الشَّمْسِ ... ". ويُراجع (٢/ ٨٨، ١٢٧، ١٥١،
стр. 72
١٧٣، ٢٣٢، ٢٤٥، ٢٩٢، ٣٤٦، ٣٦٥، ٣٩١).
- وهُنَاكَ مختَصرٌ للكتاب باسم "مُشكلات المُوطَّأ" منسوبٌ إلى أبي مُحَمَّدٍ عبدِ اللهِ بنِ السِّيْدِ البَطَلْيَوْسِيِّ (ت ٥٢١ هـ)، وَإنَّمَا هُوَ اخْتِصَارٌ لكتابنا هذا تمامًا لا يزيدُ عليه شيئًا، وَحَذَفَ المختصر كثيرًا من عبارات الكتاب ومسائله وشواهد وأقوال العُلَمَاء واختلافهم، وَأَبْقَى عَلَى نُبَذٍ منه، وقد أفدتُ من هَذَا المختصر تكملة النقص الذي في أول النسخة، كما أفدت منه في بَعضِ التَّصْحِيْحَاتِ، وَرَمَزْتُ له بالحرف (س).
ثُمَّ وَقَفْتْ على الكتاب مَطْبُوَعًا في دَارِ ابن حَزْمٍ (١٤٢٠ هـ) ببيروت، دراسة وتحقيق طه بن علي بوسريح التُّونِسِي الَّذي بذل فيه جهدًا مشكورًا - جَزَاهُ اللهُ خيرًا - إلَّا أنَّ المُحَقِّقَ المَذْكُور: لم يُوَفَّقْ في تَوثِيْقِ نِسْبَتِهِ إلى ابنِ السِّيْدِ.
- وَمِمَّا وَثَّقه به: "مَا جَاءَ على الوَجْهِ الأوَّلِ من مَخْطُوطَةِ الأَحمدية من نسبة الكتاب إليه" وهَذَا لا يَصِحُّ أن يكونَ توثيقًا؛ لأنَّ ما كُتِبَ على النُّسْخَةِ هو الَّذِي بحَاجةٍ إلى التَّوثِيْقِ فلا يكونُ هو نَفْسُهُ توثيقًا؟ !
- ومِمَّا وَثَّقه به قولُهُ: "ذَكَرَ أَغْلَبُ المُترجمين -كمَا سَيَأْتِي- أنَّ له شرحًا على "المُوَطَّأ" وهو ما يُقَوِّي إثبات هَذَا الكتاب لابنِ السِّيدِ". وهَذَا الدَّليْل لو دَقَّقَ النظر فيه يَنْفِي أن يكونَ هَذَا الكتاب لابنِ السِّيد؛ لأنَّ بعضَ المُتَرْجِمِيْن ذَكَرُوا أنَّهُ "كِتَابًا كَبِيْرًا في شَرْحِ المُوَطَّأ سمَّاه "المُقْتَبَس" كَثيْرُ الفائدة ... " وهَذا الكتاب ليس كبيرًا، ولا كثيرَ الفائدةِ، ولا هو شرحٌ كما يُفهم من معنى الشَّرْحِ، بل هو (مُشكلات)، وليس اسمُهُ (المُقتبس)؟ ! وَنَحْنُ لا نَشُكُّ أنَّ لابن
стр. 73
السِّيدِ كتابًا في غَرِيْبِ الموطَّأ أو شَرْحِهِ ذكره مترجموه، لَكِنْ هَلْ هُوَ هَذَا؟ ! وَهَل مَا ذَكَره المُتَرجِمُوْن دليلٌ يَدُلُّ على أنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ هُوَ المَقْصُوْدُ؟ .
- أمَّا نَقْلُ الشَّيْخِ الطَّاهرِ ابنِ عَاشُوْرٍ عنه فلا يصلح أن يكونَ تَوْثِيْقًا؛ لأنَّ الشَّيخَ العَلَّامَة الكَبِيْرَ مُحَمَّد الطَّاهرَ بن عَاشُوْرٍ ﵀ إنَّما رَجَعَ إلى النُّسْخَةِ نَفْسِهَا، والنُّسْخَةُ نَفْسُهَا هِيَ التي بحَاجَةٍ إلى توثيقٍ كَمَا قُلْنا.
- وأمَّا شَيْخُنَا وشَيْخُ المُحَقّقِ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الشَّاذِلِيُّ النَّيْفَرُ الَّذِي أَكَّدَ أنَّه من وضع ابن السِّيْدِ لكنَّه رَجَّحَ أن يكون تَلْخِيْصًا أو اختصارًا لشَرْحِهِ على المُوَطَّأ من قبلِ أَحَدِ المُتَأَخِّرِيْن" قَال المُحقِّقُ: "وَهُوَ رَأيٌ وَجِيْهٌ إلى حَدٍّ ... " وَلَمْ يُوافق شَيْخَهُ، وَقَوْلُ شَيْخِهِ وَشيْخِنَا أَيْضًا الشَّاذِلِّي النَّيْفَرُ أقرب للصَّواب، وإن كنتُ أَزْعُمُ أنَّهُ اختِصَارٌ لكتابنا هَذَا لا لِكِتَابِ ابنِ السِّيْدِ.
- أمَّا مَا ذَكَرَهُ المُحَقِّق الفَاضِل من نَقْلِ عبدِ الحَقِّ بن سُليمان اليَفْرَبيُّ التّلمِسَانِيِّ [صوابه محمد بن عبد الحق] في "الاقتضاب" وهو شَرْحٌ للمُوَطَّأ مَخْطُوْطٌ، فإنَّ المُحَقِّقَ الفَاضِلَ لو رَجَعَ إِلَى النُّصُوْصِ التي نَقَلَهَا اليَفرَنِيُّ في "الاقتضاب" لَعَلِمَ أنَّها لم تُنْقَلْ من كتابه فلا تَصْلُحُ أن تكونَ تَوْثيقًا له، فهي نُصُوْصٌ طَويْلَة مُفَصَّلةٌ، فيها من ذِكْرِ الشَّوَاهِدِ الشِّعْرِيّةِ وَأَقْوَالِ العُلَمَاءِ، وَذِكْرِ خِلافَاتِهِمْ، واختِلافِ عِبَارَاتِ المُوَطَّأ حَسْبَ رِوَايَاتِهِ المُختلفة، كلُّ هَذِه النُّصُوْصُ يَنْقُلُهَا اليَفْرَنِيُّ عن ابنِ السِّيْدِ، ليس فِي كتابه منها إلَّا القَلِيْلُ، والقَلِيْلُ جِدًا، فكيفَ يكون مَصْدَرَ توثيقٍ؟ ! .
- وَذَكرَ المُحقِّقُ نُسَخَهُ المُعْتَمَدَةَ، فَذَكَرَ نُسختان وصفها في مقدمة،
стр. 74
وللكتاب نسَخٌ كَثيْرَةٌ -فيما يظهر- في تُوْنْس، وَقَد وَقَفْتُ عَلَى عدّة قِطَع من نُسخ وَصَلَنِي بَعْضُهَا (١) ترجعُ إلى أصولٍ مُختلفةٍ أغلبُها في القَرنين الحادي عشر والثَّاني عشر الهجريين مِمَّا يُرَجِّحُ أنَّ المُخْتَصِرَ مُتَأخِّرٌ عن ابنِ السِّيْدِ، وأنَّ طلبة العلم كانُوا كلفين به، وبعضُ نسخه بخطٍّ مَشْرِقِيٍّ، وَبَعْضُهَا بخطٍّ مَغْرِبِيٍّ مما يدلُّ عَلَى أنَّ لَهُ شُهْرَةً أَيْضًا في مِصْرَ والحِجَازِ عَلَى الأقَلِّ.
- ويَظهر أنَّ شَرْحَ ابنِ السِّيْدِ للمُوطَّأ المَعْرُوف بـ"المُقْتبَسِ" مَنْقُوْلٌ -في أغلبه- من كتاب أبي الوليدِ، هَذَا إذا صحَّت النُّقُول التي نَقَلَهَا اليَفْرَنِيِّ عنه في "الاقتضاب" فهو يَنْقلُ نُصُوْصًا يَعْزُوهَا إلى ابنِ السِّيْدِ، وهي حَرْفِيًّا في كِتَابِنَا هَذَا، فَهَلْ أَغَارَ ابنُ السِّيْدِ على كتَابِ أبي الوليد؟ ! (٢) فإذَا صحَّ ذلك صَحَّ أنَّ يكون هَذَا اختصارًا لكتاب ابن السِّيْدِ لكنَّني أظُنُّ أنَّ اليَفْرَنِيَّ وقفَ على كتاب أبي الوليد هَذَا ونَسَبَهُ إلى ابن السِّيْدِ. ثمَّ يَرِدُ السُّؤَالُ: هل المُخْتَصِر ابن السِّيد أو غيره؟ ! سُؤَالٌ لا إجابة له عندي الآن.
وَوَقَعَ المُحَقِّقُ الفَاضِلُ في أخطاءٍ وَتَحْرِيْفَاتٍ كَثيْرَةٍ جِدًّا مَعَ صِغَرِ حَجْمِ الكِتَابِ، وَقِلَّةِ مَادَّتِهِ العِلْمِيةِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مَا وَقَعَ إِلَيَّ مِنْهَا، مَعَ أَنِّي لَم أَتَتَبَّعِ الحواشي
(١) زَوَّدني بها الأخ الفاضل الدُّكتور محمد أبو الأجفان حفظه الله تعالى.(٢) صَنَّفَ الشَّيخُ محمَّدُ بن عبد الرَّحمن بنِ أَحْمَدَ بنِ خَلَصَة البَلَنْسِيُّ (ت ٥٢١ هـ) رسالة ردّ فيها على ابن السِّيد البطليوسي، وذكر فيها أنه أغار على شرح أدب الكاتب لأحمد بن محمد بن بلال (ت ٤٦٠ هـ) وادَّعاه لنفسه وسماه "الاقتضاب" كَذَا قال ابنُ الأبار في التكملة (١/ ٢٠)، ووصف هَذِهِ الرِّسالة في التَّكملة أيضًا (١/ ٤٢٦) بأنها "من أجْوَدِ الرَّسَائِل" وردَّ ابن السِّيد على ابن خلصة كما في الذَّيل والتَّكملة (٦/ ١٨١).стр. 75
الكِتَابَ تَتَبُّعًا كَاملًا، لَعَلَّ المُحَقِّقَ الفَاضِلَ يفيد منها أو من بعضِها عندَ إِعَادَةِ طَبع الكِتَابِ ثانيةً إِنْ أَرَادَ ذلك واللهُ المُسْتَعَان:
الصفحة / الخطأ / الصواب
٣٦ يرجع إلى = يرجع على
٣٦ إنَّ كل بناء = كلُّ بناء
٣٦ الحجاريه = في المخطوط الحجازية وصوابها: الحجاز
٣٦ ظهر منك = ظهر عنك، كتبها المحقق في الهامش وهي الصَّواب
٣٧ إن كانت اللام في جوابها = إن كانت اللَّام في خبرها
٣٩ وحفظ العبد = وحفظ العَهْدِ
٤١ ويُقَالُ للصبح والظهر والعصر جميعًا = ويُقَالُ للصُّبح والعَصْرِ العَصْرَان العصران
٤٢ والضُّحَى فوق ذلك = والضحى فُوَيْق ذلِك
٤٢ كالفراء للناس = كالوَرَاءِ للناس
٤٨ تتاب = يَنْتَابُ
٥٠ ["الوضوء" = "الوَضُوْءُ" بدون (حاصرة)
٥٠ أحجار مكة = جمار مكة
٥٠ جَمَرَ = جَمَّرَ بدليل مصدره
٥٢ (شراب ألبان وتمر وأقط) = شاهدٌ لم يخرجه (مع قلة شواهده؟ ! )
٥٢ قال المُحَقِّقُ: البيت غير منسوب .. = وهو لعبد الله بن الزّبعرى في شعره (٣٢)
٥٥ ثُرِدَ = ثُرِّيَ
٦٨ ويَجْعَلُهُ في الدُّعَاءِ = ويجعله خَبَرًا لَا دُعَاءً
٦٩ ذات الجَيْشِ فَلاةٌ بناحيةِ مكَّةَ ... = صوابه بناحية المدينة (لم يُعَلِّق عليها؟ ! )
٧١ نُفِسَت = نَفِسَتْ
٧٢ البُعُض = النُّعُضُ
٧٢ الضِرُّ = الضِّرْوُ
٧٢ العُتَمُ = العُتُمُ
следующие страницы →