إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث
تأليف
ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري
(المتوفى سنة ٢٧٦ هـ)
تحقيق
عبد الله الجبوري
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
стр. 3
إصْلاح غَلط أبي عبيد في غرائب الحديث
стр. 4
مقدمة المحقق
الحمد لله الذي لم يجعل السّبيل إلى معرفته إلّا بالعجز عن دَرْك معرفته.
وأصلّي وأسلّم على البشير النذير، أفْصَح مَنْ نَطَق بالضّاد.
فهذه رسالةٌ في النقد اللغوي، وتعد رامُوزاً جيّداً فيه عند العرب، توفّر عليها أحد أعلام التراث العربي الاسلامي.
أفاد العربية والادب والتاريخ والحديث والتفسير بجلائل الأعمال، تناول فيها نَقْد أثر عزيز من آثار: "لغة الحديث".
وقد سار فيها على سَنَن العلماء الإثبات وسَفتهم، من أدب نَفْس جمّ، وتواضع شديد، ومعرفة تامّة بفنّه ..
وكان يقيم نَقْده على الحجّة والبرهان، ويعضده بالدليل والشاهد ...
وهذا الناقد، هو: ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم الدينوري (ت - ٢٧٦ هـ)، والمنقود، هو: أبو عُبَيْد القاسم بن سلّام الهَرَوي، صاحب: "غريب الحديث"، و "الأموال" و "الأمثال" .. والمتوفى في سنة ٢٢٤ هـ، وهو شيخ ابن قتيبة ..
стр. 5
وبتوفيق من الله ﵎ أنشر هذه الرسالة اللغوية بالطَّبْع، بعد نشري لكتاب: "غريب الحديث" .. براً بنَشْر مآثر السَّلَف، وتمسكاً بولائي الثابت -إنْ شاء الله- للغة السماء .. التي سأصبر نَفْسي عليها ما حَييْت ..
والله المستعان.
стр. 6
ابن قتيبة
عبد الله بن مسلم بن قتيبة، الدّينوري، الكوفي البغدادي، أبو محمد.
أصله من: (مرو (١) العظمى مرو الشاهجان)، ولد بالكوفة (٢)، وقيل ببغداد (٣). في مستهل رجب، سنة ثلاث عشرة ومائتين (٤) للهجرة، ونشأ في موطن ولادته .. فثقف علوم العربية وعلوم الشريعة، ودرس علم الكلام، وأخذ طرفاً من عدوم: الفلسفة والمنطق، ثم تعمق في علوم العربية، والحديث، والفقه .. وتلقى العلم عن مشاهير شيوخ عصره، وهم كثر، وربما يزيد عددهم على الأربعين شيخاً (٥) ..
إنما الذين أثّروا في ثقافته اللغوية، ثلاثة، أبو حاتم (٦) السِّجِسْتاني
стр. 7
(ت - ٢٥٥ هـ)، والرياشي (١) أبو الفضل (ت - ٢٥٧ هـ)، والأصمعي (٢) عبد الملك بن قُرَيْب (ت - ٢١٦ هـ).
وفي علوم الفِقْه والحديث، إسحاق بن ابراهيم، الحَنْظلي المعروف بابن راهَوَيْه (ت -٢٣٨ هـ على رواية). وهو أحد كبار أهل الحديث والفقه في زمانه. وهو شيخ الإِمام البخاري، والنسائي، والترمذي (٣).
وأثر هؤلاء العلماء واضح في آثار ابن قتيبة، وبخاصة في كتابيه: "غريب الحديث، وإصلاح الغَلَط" ..
ثم يبدو إنَّ لأبيه أثَراً في دراسته لعلوم الحديث، إذ هو من المشتغلين فيه، كما ينقل عنه ولده ابن قتيبة، في: "غريب الحديث"، وفي غيره من كتبه (٤) ..
° ثقافته:
يتميز ابن قتيبة من بين معاصريه، بسعة الثقافة، وهو صِنْو الجاحظ (ت - ٢٥٥ هـ) في هذا الميدان .. وهو ممن تلمذ له في مطالع
стр. 8
حياته .. ولعله تأثَّر به (١) .. ثم هاجَمه في كتابه: "تأويل مختلف الحديث" (٢) .. دفاعاً عن السنَّة المطهّرة.
فقرأ ابن قتيبة، علوم الهند، واليونان، وقرأ التوراة والانجيل، وأفاد منها في كتبه. وبخاصة في "عيون الأخبار" و"غريب الحديث" و"المعارف" .. و"تأويل مشكل القرآن" ..
ثم امتاز أيضاً، بالمنهج العلمي (٣)، وهو: "منهج يقوم على الاستقراء والتجربه والبحث واستخلاص النتائج بعد المشاهدة والخبرة" ..
أما أسلوبه في التأليف، فهو نَمَطٌ فريدٌ في فنّه، خِلْوٌ من التكلّف، منزّه عن السَّجْع، قوي فصيح، جمع بين السلامة والدّقة. فهو أشبه بأسلوب المترسّلين من كتّاب العربية ..
وكتبُه: منسَّقة، حَسَنة التأليف، واضحة الفكر، تشيع فيها: "الوحدة الموضوعية" .. جمع في تضاعيفها سَعَة الثقافة، وبراعة التنسيق، ولعل إقبال الناس عليها، كان باعثه هذا الصنيع ..
وقال فيه ابن تيمية (٤): " .. وكان أهل المغرب يعظّمونه، ويقولون: من استجاز الوقيعة فيه، يتهم بالزندقة ويقولون: كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه لا خيرَ فيه .. ".
стр. 9
وثقافته اللغوية، مكينة قويّة، ونقده هادف قويم، أفاد من هذه الحصيلة اللغوية، في وضع آثاره اللغوية: "أدب الكاتب"، و"المشكل" و"غريب القرآن"، و"غريب الحديث" و"إصلاح الغلط" .. وأفادت طائفة من أهل اللغة والأدب من هذه الجهود الحميدة .. حتى كان كتابه: "أدب الكاتب" أشبه بالمدرسة الأدبية .. فاحتفى به أهل الأدب، وهشَّ له اللغويون .. حتى عدّه ابن خلدون أحد الأصول الأربعة من أركان الأدب العربي ..
° جهوده في الحديث الشريف:
تصدَّى ابن قتيبة لترّهات المتشككين في بعض أحكام الحديث النبوي، فردَّ عليهم كيدهم، وفنَّد تحريفهم. ولعل كتابه: "تأويل مختلف الحديث" أقوى دليل على هذا الجهد .. كما تصدى لرد على أهل الزيغ والتجسيم والتأويل .. لذلك نعته ابن تيمية (١): بخطيب السنة .. كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة ..
فكتب في أصوله ونقده، وفي لغته وغريبه .. ومن آثاره في هذا الباب: "غريب الحديث، إصلاح غلط أبي عبيد، تأويل مختلف الحديث .. " ..
غريب الحديث:
هو ما وقع في متن (٢) الحديث من الألفاظ الغامضة، البعيدة من الفهم لقِلّة استعمالها، أو لدقّة معناها .. وأصول هذا التعريف ترجع إلى
стр. 10
معنى: "الغرابة" في الناس والقول .. فالغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن، المنقطع عن الأهل والديار ..
ومتن الحديث:
ألفاظه التي تقوم بها المعاني (١)
وعلم غريب الحديث:
هو من المهمّات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الاسناد وما يتعلق به (٢).
وهو فن جليل القدر، له خَطَرُه في فهم الحديث الشريف، ويتطلب من طالب الحديث اتقانه وفقه معانيه، ويجب أن يتثبت فيه أشدّ تثبت (٣).
وقد روي عن الامام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١ هـ)، أنه سئل عن حرف من غريب الحديث فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإنّي أكره أَنْ أتكلم في قول رسول الله ﷺ ، بالظّن فأخطئ" (٤) .. لذلك قال المحدّثون: الخَوْضُ فيه صعْبٌ، فليتحر خائِضُه (٥).
ومعلوم عند أهل هذا الفن، أن الأقوال المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين (رضوان الله تعالى عنهم) متى جاءت من طريق المحدّثين،
стр. 11
تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو وضع قاعدة نحوية (١) ..
° وفاته:
وفي بغداد، توفي ابن قتيبة، في سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة (٢).
وترك جمهرة من الآثار، في شتى فنون المعرفة العربية والاسلامية المعروفة في عصره ..
طبع منها شيء كثير، ولم يبق منها إلا المفقود، وقليل من المخطوط (٣) ..
° غريب الحديث لابن قتيبة:
تتبع ابن قتيبة خطوات أبي عبيد في: "غريب الحديث" وتعقبه بالنظر والتفتيش والمذاكرة، فوجد ما ترك نحواً مما ذكر، أو أكثر منه، فتتبع ما أغفل، وفسّر على نحو ما فسّر بالإسناد لما عرف إسناده.
стр. 12
والقطع لما لم يعرفه .. وكان يرى من قبل، أنَّ غريب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث .. وان الناظر فيه مستغنٍ به ... ثم رأى جملة من الأحاديث ففسّره في (غريبه) على نحو مجانب للصواب، مخالفة في تفسيرها وردّها عليه بكتابه "الإِصلاح" .. (١)
وبعدها .. رأى ان يكمل جهود شيخه أبي عبيد، فوضع كتابه: "غريب الحديث" .. الذي وصفه بقوله: " .. وكنت حين ابتدأت في عمل الكتاب -غريب الحديث- أطلعت عليه قوماً من حملة العلم والطالبين له، فأعجلتهم الرغبة فيه، والحرص على تدوينه، عن انتظار فراغي منه، وسألوا ان أخرج لهم من العمل ما يرتفع في كل اسبوع، ففعلت حتى تم لهم الكتاب ... ثم عرضت بعد ذلك أحاديث كثيرة،
فعملت بها كتاباً ثانياً .. يدعى كتاب: الزوائد في غريب الحديث .. " (٢).
واختط له منهجاً له قويماً في تأليفه، حيث كان يعتمد الاسناد لما عرف إسناده، والقَطْعُ لما لم يعرفه. وأشبع تفسيره بذكر الاشتقاق والمصادر، وإيراد الشواهد المثَليَّة والشعرية والمتنخل من كلام العرب. (٣) ..
وإنه وإن حذا حذو أبي عبيد في "غريبه" إلّا أنَّه لم يعرض لشيء مما ذكره أبو عبيد، إلّا حروفاً تعرض في باب، ولا يكمل ذلك الباب إلّا بها، فذكرها بزيادة من التفسير والفائدة (٤). لذلك جاء أصلاً لأهل هذا
стр. 13
الفن، حيث لم يأل أن يبلغ شأو المبرّز السابق، كما ذكر الإمام الخطابي (١) ..
من هنا، يمكن أن يعد "غريبا أبي عبيد وابن قتيبة" أصلاً لكلّ من ألّف في الغريب، وبهما يكون المتطلّب له مستغنياً ..
ثم جاء الامام حمد أبو سليمان الخطّابي (٣١٩ - ٣٨٨ هـ)، فاستدرك عليهما وقيّد ما فاتهما من أحاديث، فوضع كتابه: "غريب الحديث" .. فسلك نهجهما، واقتفى هديهما، قال الخطابي: "بقيت بعدهما صُبابة للقول فيها متربص، تولّيت جمعها وتفسيرها، مسترسلاً بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما" (٢) ..
وبهذه الدواوين الثلاثة، تسمو جبهة هذا الفن، إذ هي مورد كل لاحق ..
° إصلاح غلط أبي عبيد:
ذكر فيه الأحاديث التي وقع فيها زلل، فنبَّه عليها، وأبان في نقده هذا عن خُلُق العلماء العاملين، الذين تنزهت أقلامهم عن الثلب، ومقذع القول .. وتراه يتواضع في تلمسه العذْر لأبي عبيد، في فاتحته، حيث يقول: (ونذكر الأحاديث التي خالفنا الشيخ أبا عبيد ﵀ في تفسيرها، على قلتها في جنب صوابه. وشكرنا ما نفعنا الله به من علمه .. " (٣).
стр. 14
وهذا الكتاب هو الذي أثار حفيظة ابن فارس والأنباري عليه (١). فقد تصدَّيَا للردّ عليه ردّاً فيه شيء من العنف والعنجهية ..
فتتبع الأول بجض هناته، ورد عليها في كتابه (٢): "الصاحبي"، ونشر الثاني جملة منه في كتبه (٣): "غريب الحديث" والأضداد".
وقد بلغت مآخذ ابن قتيبة فيه ثلاثة وخمسين مأْخَذاً .. وردت مفسرة ناقدة لتفسير أبي عبيد.
وأفاد أبو منصور الأزهري منه في كتابه (٤): "تهذيب اللغة" .. حيث ذكره في مقدمته، فقال: " .. فأمَّا الحروف التي غلط فيها، فإنّي أثبتها في موقعها من كتابي .. ودللت على موضع الصواب فيما غلط فيه .. ".
كما أفاد مثله، الهرَوي أبو عبيد (٥)، أحمد بن محمد بن محمد (ت - ٤٠١ هـ) في كتابه: (الغريبين) ..
وأبو منصور الجواليقي (٦) (ت - ٥٣٩ هـ) في: (المعرب من الكلام الأعجمي" .. والزمخشري جار الله/ محمد بن عمر (٧) (ت - ٥٣٨ هـ) ... وابن منظور محمد بن مكرم (٨). (ت - ٧١١ هـ).
стр. 15
° شرحه:
ذكر حاجي خليفة (١) (ت - ١٠٦٧ هـ)، أن أبا المظفر محمد بن آدم الهروي (٢) المتوفى سنة/ ٤١٤ هـ. شرحه ..
وذكره الفارسي عبد الغافر (ت - ٥٢٩ هـ)، والقفطي جمال الدين في: "إنباه الرواة" (٣)، قالا: وله من الكتب، "الإصلاح" .. ونقل جلال الدين السيوطي (ت - ٩١١ هـ) ذلك عنهما في: "بغية الوعاة" (٤) ... ولعله هو ..
° نَقْده:
وتناوله بالنقد، ثلاثة من علماء الحديث واللغة والأدب، ولم يصل إلينا شيء من نُقُودهم .. وهؤلاء العلماء، هم:
١ - ابن عبدون، عبد المجيد الفهري الأندلسي، المتوفى سنة/ ٥٢٧ هـ.
وضع رسالة في نقده، وانتصر فيها لأبي عبيد ... والفهري هذا، كان من أدباء إلأندلس، ومن علماء الأثر ومعاني الحديث (٥) ..
стр. 16
٢ - القفصي التميميّ، يوسف بن عبد الله، المتوفى في سنة/ ٣٣٦ هـ، وهو من أهل اللغة والحديث ..
ذكر القاضي عياض (١)، أنَّ له كتاباً فى نصرة أبي عبيد، القاسم بن سلام، على ابن قتيبة ..
وجاء النص هكذا: "له كتاب نص فيه أبو عبيد بن سلام، على ابن قتيبة .. " .. وهو مصحف عمّا ذكرت ..
٣ - أبو بكر الأنباري محمد بن القاسم، المتوفى سنة/ ٣٢٨ هـ. رد عليه حروفاً في كتابيه: "غريب الحديث"، و "الزاهر" (٢) ..
٤ - أبو عبد الله المروزي، محمد بن نصر، المتوفى سنة/ ٢٩٤ هـ
وهو من المحدِّثين، الفقهاء. ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، وتفقه بمصر على أصحاب الشافعي. له آثار جليلة في الفقه الحديث. ومنها:
رسالة في الرد على ابن قتيبة في: "إصلاح الغَلَط". ذكره التارودنتي، بقوله: "قال الحافظ: ورد على هذا الرد (إصلاح الغلط) أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، ووقفت عليه في جزء لطيف .. " (٣).
стр. 17
° اسم الكتاب:
ورد اسم كتاب: "إصلاح الغلط" .. عند من ترجم لابن قتيبة، أو عند بعض من ذكر كتاب (١): "غزيب الحديث" لأبي عُبَيْد القاسم بن سلام، باسم (٢): "إصلاح غَلَط أبي عبيد في غريب الحديث" ..
حيث سمّاه ابن قتيبة: "إصلاح الغلط" (٣) .. تارة، وأخرى: "تبيين الغَلَط" (٤).
لذلك وجدتني مطمئناً إلى جعل عنوانه: "إصلاخ غَلَط أبي عبيد في غريب الحديث" ..
° طبعته:
نشره لأول مرة، المستشرق الفرنسي: "جيرار لكونت - الأستاذ في مدرسة اللغات الشرقية/ باريس، في مجلة: "كلية القديس يوسف، بيروت - ط سنة ١٩٦٨ م. (ص ١٦٢ - ٢٢٥).
وكان المستشرق الألماني: "ريتر، ت - ١٩٧٥ م" قد نشر تعريفاً جيداً به، في مجلة: "الاسلام، المجلد/ ١٧، ١٩٢٩ م".
стр. 18
ونشر محقق (١) كتاب: "غريب الحديث" لأبي عبيد، مقتبسات منه، نشرها على المواد التي وقع فيها النقد من كتاب أبي عبيد. لذلك وجدتني مضطراً لإِعادة نشره، لِإكمال التعريف بجهود ابن قتيبة في مادة "لغة الحديث الشريف" .. هذا من جهة، ومن جهة أخرى .. إن طبعة (لكونت) على الرغم من الجهد الذي بذله فيها، فهي طبعة سقيمة، يشيع فيها التصحيف ويكثر فيها التحريف .. فضلاً عن خفاء مكان نشرها ..
° منهجي في نشر إصلاح الغلط:
نهجت في نشر هذه الرسالة النقدية اللغوية، منهجاً يتفق واسلوبها العلمي ... ويتلخص هذا المنهج بما هو آتٍ:
١ - ضبط النص، الأصل والنقد. ما وسعني الجهد في ذلك ..
٢ - جعلت أرقاماً مسلسلة لأوراق المخطوطة. وحصرتها بين معقوفين هكذا: [].
٣ - تخريج النصوص:
(أ) الآي القرآنية الكريمة. حيث ذكرت اسم السورة، ورقم الآية.
(ب) الأحاديث النبوية .. ورجعت في تخريجها إلى كتب:
стр. 19
"غريب الحديث" واللغة. وعضدتها بكتب الحديث .. توثيقاً لنص الحديث ..
(ج) الشواهد الشعرية والمَثليَّة، ورجعت في تخريجها إلى: دواوين الشعراء، وإلى "لسان العرب" وإلى كتب الأمثال.
(د) نصوص كتاب: "غريب الحديث " لأبي عبيد ..
٤ - ترجمت لبعض الاعلام التي وردت فيه، الذين لم يصيبوا حظأ من الشهرة .. وأغفلْتُ المشاهير المعروفين عند جمهور قراء الثقافة العربية القديمة، لأنَّ المعروف لا يُعرّف.
٥ - صنعت معجماً لغوياً، لمواده اللغوية ..
٦ - كما صنعت له فهارس عامة.
٧ - جعلت لمواده أرقاماً متسلسلة.
٨ - جعلت اختلاف النص بين النسختين، بين معقوفين [].
° النسخة الأم:
اعتمدت في تحقيق: "إصلاح الغَلَط" نسخة مخطوطة، جيدة النسخ، مضبوطة .. تعتز بها خزانة: "أيا صوفيا - استانبول" ..
وهي تقع في: إحدى وثلاثين ورقة ... مقاسها: ٢٤ × ١٩ سم.
وهي ضمن مجموعة مخطوطة، تضم:
١ - تفسير الألفاظ المشكلة في المهذب.
٢ - معاني ألفاظ المهذب.
٣ - إصلاح الغلط.
٤ - رسالة في ابتداء الخبر (في الحديث).
стр. 20
وبرقم: "٤٥٧". كتبت في القرن السادس الهجري، ومنها مصورة في معهد المخطوطات العربية .. برقم: (٨٤٦).
وهذه النسخة موثَّقة، عليها سماعات، قرأها علماء أفذاذ .. وهؤلاء العلماء هم:
١ - ابن الخشاب:
عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، النحوي .. كان أعلم أهل زمانه بالنحو، قال جمال الدين القفطي: "حتى يقال: إنه كان في درجة الفارسي" .. وله معرفة بالحديث والتفسير واللغة والمنطق والحساب والأدب، وهو من تلامذة الجواليقي أبي منصور، وسمع منه خَلْق، وكان صدوقاً ثقة، له آثار جليلة في اللغة والنحو .. نشر منها:
١ - رسالة في نقد مقامات الحريري، طبعت في: الاستانة ١٣٢٨ هـ، وفي القاهرة، ١٩٣٢ هـ.
٢ - شرح الجمل للجرجاني، دمشق.
وتوفي في اليوم الثالث من شهر رمضان، سنة سبع وستين وخمسمائة، ووقف كتبه على أهل العلم (١).
٢ - ابن الدهان الواسطي:
أبو بكر المبارك بن المبارك بن سعيد، الوجيه، الواسطي، ابن الدهان النحوي، البغدادي.
كان من أعلام عصره، في اللغة، والنحو، والفقه، ولد في سنة/
стр. 21
٥٣٢ هـ وعلى رواية: "٥٠٢ هـ" .. بواسط، ثم قدِم بغداد، وبها اشتهر، ودرَّس بالمدرسة النظامية، سنين، وانتفع به جمع من طلاب العلم، وتوفي ببغداد في سنة/ ٦١٢ هـ (١).
٣ - يوسف بن ابراهيم بن صابر، الحنبلي.
٤ - يعقوب الصالحي المقرئ:
يعقوب بن مبارك بن ابراهيم، الصَّالحي، الضَّرير، المقرئ.
٥ - ابن الطُّيوري:
أحمد بن عبد الجبار بن أحمد، الصيرفي، المعروف بابن الطيوري، أبو سعد.
من علماء بغداد، والمحدّثين، الفقهاء ... كان يعرف بـ"مسند بغداد" ومقرئها.
توفي في سنة/ ٥١٧ هـ (٢).
وهو أخو المبارك (٣) بن عبد الجبار، ابن الطيوري، أبي الحسين، المتوفى سنة/ ٥٥٠ هـ.
٦ - محب الدين ابن النّجار:
محب الدين، محمد بن محمود بن الحسن، ابن النّجّار، البغدادي الحافظ، المؤرّخ.
стр. 22
ولد ببغداد في سنة/ ٥٧٨ هـ، وتوفي فيها، في سنة/٦٤٣ هـ. (١) له آثار جليلة، منها:
١ - ذيل التاريخ لمدينة السلام وأخبار فضلائها الأعلام ومن وردها من علماء الأنام. "التاريخ المجدد لمدينة السلام".
جعله ذيلًا على تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، قال فيه ابن شاكر الكتبي: "صنَّف التاريخ الذي ذيل به على تاريخ الخطيب، واستدرك فيه على الخطيب، فجاء في ثلاثين مجلداً، دل على تبحره في هذا الشأن وسعة حفظه .. ".
وقد طبع جزء من هذا التاريخ الجليل، في الهند، حيدر آباد - الدكن، ١٩٧٨ م - مجلدان (من حرف العين)، وهو المجلد العاشر من تجزئة المؤلف، الذي تحتفظ به المكتبة الظاهرية بدمشق: "برقم ٤٢ تاريخ".
٢ - تاريخ وجيز للمدينة المنوَّرة: "الدرة الثمينة في تاريخ/ أخبار المدينة".
طبع في القاهرة، نشره الاستاذ صالح محمد جمال. ١٣٦٦ هـ، ثم طبعت ملحقة بآخر كتاب: شفاء الغرام، للفاسي، القاهرة، (عيسى الحلبي).
وعلى هذه النسخة النفيسة، خط ابن النّجار، وتاريخه في: يوم الثلاثاء، الثالث عشر من شعبان، سنة احدى وستمائة.
стр. 23
٧ - ابن شاذان البغدادي:
أحمد بن ابراهيم، البزّاز، أبو بكر، ابن شاذان.
محدِّث بغداد في عصره، ولادته فيها سنة/ ٢٩٨ هـ، ووفاته فيها أيضاً في سنة/ ٣٨٣ هـ، وله آثار في الحديث (١)، ولدقّتها وضبطها المعزّز بهذه (السماعات). ولقدمها، جعلتها (أمّاً) في عملي، مستعيناً بنصوص "غريب الحديث" لأبي عبيد، وبنسخة المكتبة الظاهرية ..
° نسخة الظاهرية:
وهي نسخة جيدة قديمة، وصلت إلينا برواية جلّة من العلماء (٢).
يرويها أبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود الأنصاري البوصيري، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بركات بن هلال ابن عبد الواحد السعيدي النحوي، عن أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القطافي عن أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب عن أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم، عن أبي محمد ابن قتيبة ..
وعبر هذه الرواية، وصل الكتاب إلى التارودنتي (٣) المغربي (- ١٠٩٤ هـ).
وروايته له عن: الحافظ اسماعيل بن ابراهيم الكتاني عن اسماعيل
стр. 24
بن ابراهيم التفليسي، عن المعين أحمد بن علي الدمشقي عن هبة الله البوصيري ..
وهي تقع في: إحدى عشرة ورقة كبيرة. وبرقم (٧٨٩٩) عام (٥١ - ٥٨) ..
* * *
وفي الختام .. لا بدَّ في من الإِقرار بالعرفان والشكر، للأخوين الفاضلين الدكتورين: شاكر الفحّام، الذي حَفَزني على إخراج هذا النص مؤيّداً ونصيراً، ومحمود محمد الطناحي، الذي كَرُم بتزويدي بنص "الاصلاح " "المصوّر والمطبوع" .. والأستاذ الحاج الحبيب اللمسي، الذي كرم بالاشراف على طبعه.
والله الموفق لمسعى الخير
وكتب
عبد الله الجبوري البغدادي
الرياض: غرّة شهر رمضان ١٤٠١ هـ.
стр. 25
نماذج من المخطوطة المُصَوَّرة
стр. 26
نموذخ رقم (١)
النسخة الأم (مخطوطة أيا صوفيا)
стр. 27
نموذج رقم (٢)
المخطوطة الأم
стр. 28
نموذج رقم (٣)
стр. 29
نموذج رقم (٤)
стр. 30
نموذج رقم (٥)
стр. 31
نموذج من مخطوطة الظاهرية
стр. 32
نموذج (١)
أول مخطوطة نسخة "الظاهرية"
стр. 33
نموذج (٢)
من مخطوطة "الظاهرية"
стр. 34
نموذج (٣)
من مخطوطة "الظاهرية"
стр. 35
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
أخبرنا الشيخ الإِمام العالم الأوْحد، حجّة الإسلام، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخَشَّاب (١). قراءةً عليه، وأنا أسمع في مجالس، آخرها يوم السبت ثاني عشرَيْ (٢)، جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وخمسمائة.
قال: أخبرنا الشيخ أبو سعد، أحمد بن عبد الجبار بن أحمد الصَّيْرفي المعروف بابن الطّيوري، بقرائتي عليه وذلك في يوم السبت السادس عشر من جمادى الآخرة، من سنة سبع عشرة وخمسمائة.
قال: أخبرنا أبو الفتح، عبد الكريم بن محمد المحاملي (٣)، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن ابراهيم بن الحسن بن محمد بن (٤) شاذان، قال:
стр. 36
حدَّثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السُّكري (١). قال: حدَّثَنا أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم، المرزي بهذا الكتاب، في سنة ثمان وستين ومائتين، من أوّله إلى آخره. بعد أنْ قرأ علينا كتاب: "غريب الحديث" ..
* * *
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قُتَيْبة الدّينوري: لعل ناظِراً كتابي هذا ينْفِرُ من عُنْوانه، ويستوحِشُ من ترجمته، ويَرْبأ بأبي عُبَيْد ﵀ عن الهفْوة ويأبي به الزلة وينحلها قَضبَ العُلَماء وهتْك أستارهم (٢). ولا يعلم تقلدنا ما تقلدناه من إكمال ما آبتدأ من تفسير غريب الحديث، وتشييد ما أَسس. وإنَّ ذلك هو الذي [٢٣/ ٢]، ألْزَمنا إصلاح الفَساد وسَدّ الخَلَلِ، على أنّا لم نَقُل في ذلك الغَلَط إنَّه اشْتِمال على ضلالة وزيغ عن سُنَّة، وإنَّما هو فى رأي مَضَى به على معنى مُسْتتر، أو حرف غريب مُشْكل. وقد يتعثّر في الرأي جلّة أهل النَّظَر والعُلَماء المبرّزون، والخائفون لله الخاشِعون، فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم (٣). وهم قادة الأنام ومعادن العِلْم وينابيع الحكمة، وأوْلَى البَشَر بكلّ فضيلة، وأقربهم من التوفيق والعِصْمة. ليس منهم أحدٌ قال برأيه في الفِقْه إلاّ وفي قوله ما يأخذ به قومٌ وفيه (٤) ما يرغب عنه آخرون.
стр. 37
وهذا (١) الصِّديق أبو بكر يُخالِفه أكثر النّاس في الجدّ، وهذا عليٌّ رضي الله (٢) عنه يُخالَفُ في بَيْع أمّهات الأولاد. وهذا حُذَيْفة يخالَف في وقت السُّحور. وهذا (٣) ابن مسعود يخالَف في التَّطْبيق (٤) وفي صلاة الجمعة قبل الزَّوال، وفي تَرْك الجُنب حتى يجد الماء.
وهذا ابن عبّاس يُخالف في الصَّرْف (٥) والمُتْعة (٦)، والجَمْع بين الأختين الأَمَتين، وكذلك التَّابعون، كالحَسَن، يُخالَف في قوله، إنَّ القَوَد لا يقع إلّا بشهادة أربعة على القتل، وكَشُرْيح (٧) يخالَفُ في قضائه
стр. 38
بشهادة الصّبيان على أَمَة، والناسُ [٢٣ آب] (١) يختلفون في الفِقْه. ويردُّ بعضُهم على بعض في الحلال، انَّه حرام، وفي الحرام انَّه حلال. وهذا طريق النّجاة (٢) أو الهَلَكة، لا كالغريب والنحو والمعاني التي ليس على الهافي (٣) فيها كبيرُ جُناح. كالشّافعي يرد على الثَّوري وأصحاب الرأي، وعلى مُعلّمه مالك بن أنس. وأبو عبيد يختار من أقاويل السَّلَف في الفقه ومن قرائتهم، ويُرذِّلُ منها. ويدلّ على عورات بعضها بالحجج البيَّنة.
وعلماء اللغة أيضاً يختلفون وينبّه بعضهم على زَلَلِ بعض، فالفَرّاء (٤) يردّ على إمامه الكسائي (٥)، وهِشام (٦) يردّ على الفَرّاء، والأصمعي يُخطِّئ المفضَّل الضَّبّي حين أنشد جعفر بن سليمان (٧):
تُصْمِت بالماء تَوْلَباً جَذَعا
فقال له الأصمعي (٨): إنَّما هو تَوْلَباً جَدِعا (٩)، بالدّال غير معجمة،
стр. 39
فضجَّ المفضّل وأكثر، فقال له [الأصمعي]: (١) لو نفخْتَ بالشَّبُّور (٢) ما نَفَعك، تكلّمْ كلام النمل وأَصِبْ. وأخذ الرُّواة على الأصمعي في شعر الحارث (٣) بن حِلَّزة:
كما تُعْنَز عن حُجْرة الرَّبيض الظِّباءُ
فرجع إلى (تُعْتَر) (٤)، وهذا اكثر ممّا يحاط به أو يوقف من ورائه.
ولا نعلم أنَّ الله أعطى أحداً من البَشَر مَوْثِقاً من الغَلَط، وأماناً من الخَطَأ، فيستكفّ له منها. بل وَصَل عباده بالعَجْز، وقَرَنهم [٢٤/ ٢] بالحاجة، ووصَفَهم بالضَّعْف والعَجَلة، فقال: "خُلِقَ الإِنْسانُ من عَجَل" (٥). و: "وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعيفا" (٦). و: "وفَوْقَ كلِّ ذي عِلْم عليم" (٧).
ولا نعلمه خص بالعِلْم قوماً دون قوم، ولا وَقَفه على زَمَن دون زَمن، بل جعَلَه مشْتركاً مقسوماً بين عباده، يفتح للآخر منه ما أغْلَقه عن الأَوَّل، وينبّه المُقِلّ فيه على ما أغْفَل (٨) عنه المكثر، ويحييه بمتأخّر
стр. 40
يتعقّب قول متقدّم وتالٍ يعتبر على ماضٍ، وأوْجَب على كلّ من علم شيئاً من الحق أنْ يظهره وينشره. وجعل ذلك زكاة العِلْم، كما جَعَل الصَّدَقةَ زكاة المال.
وقد قيل لنا: "اتَّقُوا زَلَّة العالم" (*). وزلَّةُ العالم لا تُعْرف حتى تُكشَف، وإنْ لم تُعْرَف هلك بها المقلِّدون، لأنَّهم يتلقونها من العالمِ بالقَبول ولا يرجعون إلّا بالإِظْهار لها وإقامة الدّلائل عليها وإحْضار البراهين.
وقد يظنّ من لا يعلم من الناس ولا يضع الأمور مواضِعَها أنَّ هذا اغْتيابٌ للعلماء وطَعْنٌ على السَّلَف وذكْرٌ للموتى. وكان يقال: "اعفُ عن ذي قَبْر". وليس ذلك كما ظَنّوا، لأنَّ الغِيبةَ سَبُّ الناس بلئيم الأخْلاق وذِكْرهم بالفَواحش والشَّائنات. وهذا هو الأمر العظيم المشبه بأَكْل (١) اللحوم الميتة (٢)، فأمَّا هَفْوة في حرف أو زلّة في معنى أو إغْفال أو [٢٤/ ب] وَهْم ونسيان، فمعاذَ الله أنْ يكون هذا من ذلك الباب، أو أنْ يكون له مُشاكلاً أو مقارباً، أو يكون [المنبّه عليه آثِماً، بل يكون] (٣) مأجوراً عند الله مشكوراً عند عباده الصَّالحين الذين لا يميل بهم هوىً ولا تدخلهم عصبيَّة. ولا يجمعهم على الباطل تحزُّب ولا يلفتهم عن اسْتبَانة الحق حَسَد.
وقد كنا زماناً (٤) نعتَذِرُ من الجَهْل، فقد صِرنْا الآن نحتاج إلى