← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها عماد الشربيني ١ الطبعة الأولى: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١٤١٨٥ / ٢٠٠١ الترقيم الدولي: ٩٧٧-٣٣٦-.٥٢-. I بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُم لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ ﴿يُوشِكُ الرَجُلُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بَحَدِيث مِنْ حَدِيثي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَل اسْتَحْلَلْنَاهُ، ومَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّم اللهُ﴾ (٢) إهداء * إلى والديَّ: اللذين ربياني على مائدة القرآن، وأرشداني لدروب الخير، ووهباني للأزهر والعلم، وأدبا، وعلما، وصبرا، واحتسبا، ودفعاني للبحث دفعًا، وأنفقا كل مرتخص وغال اسأل الله ، أن يبارك فيهما، ويرزقني برَّهما، وأن يمدّ في عمرهما، ويحسن خاتمهما، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهما يوم القيامة. * إلى مشايخي وأساتذتي بكلية أصول الدين بالقاهرة، وأخص منهم بالذكر السادة الأساتذة أصحاب الفضيلة، الدكتور الشيخ إسماعيل عبد الخالق الدفتار، والدكتور الشيخ عبد المهدي عبد القادر، والدكتور الشيخ طه الدسوقي حبيشي، اسأل الله أن يبارك في مشايخي وأساتذتي جميعًا، وان ينفع بهم الإسلام والمسلمين. * إلى زوجي: أم صلاح الدين التي لم تدخر جهدًا في مساعدتي، فواصلت مع الليل بالنهار؛ لأجل إخراج هذا الكتاب فبارك الله فيها، وفي ولدي صلاح الدين. * إلى إخوتي: الذين وفروا لي سبُل الراحة لأتفرغ لطلب العلم؛ فبارك الله فيهم. * إلى كل من نصحني فأحسن النصيحة، وكان عونًا لي على إخراج هذا الكتاب. * إلى كل هؤلاء أهدي باكورة أبحاثي _ وهي هذا الكتاب.

стр. 2

تقديم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن القرآن الكريم والسنة النبوية أساس الإسلام وينبوعه، ولقد حظيا باهتمام الأمة الإسلامية اهتمامًا منقطع النظير، فخدما من كل ناحية، وبذلت الجهود في تقريبهما من كل زاوية. ومن باب العناية بالقرآن والسنة دفع شبهات أعداء الإسلام عنهما، فإن أعداء الإسلام يحاربون الإسلام من كثير من النواحي، وكان نصيب القرآن والسنة كبير، فهم يحاولون إثارة شبهات، ويحاولون انتقاد القرآن والسنة، ونصيب السنة من افتراءاتهم أكبر، فهم على طول التاريخ يحاولون اختلاق الأباطيل على السنة النبوية وعلماء الإسلام لهم بالمرصاد، يفندون افتراءاتهم، ويبينون كذبهم وزورهم. وفي أيامنا هذه طغى الكفر، وأثار أهله وأذنابهم الكثير من الشبهات التى هي في حقيقة الأمر افتراءات وأكاذيب، جاءوا بأكاذيب سابقيهم ونسجوا على منوالها ويحرفون النص ليعطي غير معناه، ويبترون النص ليفيد غير المراد منه، وإذا وجدوا حديثًا صحيحًا لا يوافق أهواءهم ادعوا أنه لا يوافق العقل، يريدون عقلهم الذي يبغض الحق والإسلام. وإذا وجدوا حديثًا ضعيفًا أو موضوعًا يوافق مرادهم ادعوا صحته وثبوته. إن طائفة من أهل الكفر وأتباعهم راحوا يثيرون الافتراءات والأباطيل ضد السنة النبوية، يظنون أنهم بذلك يبعدونها من حياة المسلمين، وجهل هؤلاء أن الإسلام بمصدريه القرآن والسنة يحفطه الله، ويوفق له من أهل العلم من يزود عنه، ويبين الحق والصواب، ويبطل الباطل مهما كثر وزاد. والحمد لله هيأ الله تبارك تعالى للسنة النبوية في أيامنا هذه عددًا من أهل العلم يبينون الحق ويبطلون الباطل، تحدثوا وكتبوا، وحاضروا وخطبوا، وسيظلون على هذا النهج إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 3

ومن هؤلاء المدافعين عن السنة النبوية الأخ الباحث / عماد الشربيني، ففي كتابه السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام استعرض أقوال أعداء السنة النبوية، وعزا كل قول لصاحبه، وذكر مصدر كل قول، وكر على كل قول بما أبان كذبهم وافتراءهم. لقد استعرض _ وفقه الله _ شبههم، ورد عليها بالدليل القاطع والبرهان الساطع، وهو من أهل الحديث النبوي الشريف، وهذا مكنه من إيراد الدليل من كتب السنة المطهرة، يعزو الحديث لمصدره، ويبين صحته وثبوته، وله دراية باللغة، وحس بأدبها، وهذا مكنه بفضل الله من إبراز الحق في الموضوع الذي يدرسه. وأيضا للأخ عماد نفس طويل في تتبع ما قيل عن السنة النبوية من أعدائها، ودراية بتناقل افتراءاتهم، مما مكنه من إبراز تاريخ الشبهة ثم دحضها. وأسأل الله أن يتقبل من الأخ عماد عمله، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين. والحمد الله رب العالمين. ١٧ / ٥/ ١٤٢٢هـ ٧ / ٨ / ٢٠٠١م أ. د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي أستاذ الحديث بجامعة الأزهر

стр. 4

مقدمة المؤلف الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير، الحمد لله رب العالمين الذى هدانا وعلَّمنا، ومنَّ علينا، وتفضل ببلوغ المراد من خدمة سنة سيد المشرِّعين، التى فسرت الكتاب الكريم، وبينته للناس، وحياً بوحى، ونوراً بنور، فاكتمل بهما الدين القويم، والصراط المستقيم. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب العالمين، سبحانك لا نحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، ليكون أميناً على وحيه، مبيناً لكتابه، خاتماً لأنبيائه ورسله، ولتقوم به الحجة على هذه الأمة إلى يوم الدين. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه البررة الأوفياء، أئمة الدين، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين. ورضي الله عمن تبع سنتهم، وسلك طريقتهم، واقتفى أثرهم، ونصرهم إلى يوم الدين. ثم أما بعد فإن الله بعث سيدنا محمداً ﷺ . على فترة من الرسل، ليكون هداية للبشر جميعاً، وليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه وحيين عظيمين: أولهما: كتاب الله الذى وصفه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) .

стр. 5

ثانيهما: السنة الغراء، والتى هى البيان لكتاب الله ، وهذا البيان أسنده رب العزة إلى نبيه ﷺ .، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) . ... ووصف رب العزة هذا البيان بأنه منزل من عنده فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٣) . ... ووصف تعالىهذا البيان بأنه وحى يوحى فقال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) . وبهذا البيان، كانت علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة، علاقة متلازمة لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فالسنة المطهرة كالروح للبدن، والنور للعين، بل إن الضرورة إليها أكثر من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها.

стр. 6

وبالقرآن والسنة معاً قام بناء الإسلام، وتأسست دولة الإسلام، واستمدت منهجها من المصدرين معاً. وقد كانت أمة الإسلام حتى وفاة النبى ﷺ .، وصدر من عصر صحابته أمةً، على منهج واحد فى التسليم لنصوص الوحيين الكتاب والسنة، وعدم التقدم بين يديهما، ولم يعارضوا نصاً ولم يحرفوه، ولم يقبلوا قول كائنٍ من كان، إذا خالف كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ . على هذا المنهج سار الصحابة الكرام، ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان، إلى أن بدأت الأقوال الشاذة، والاتجاهات المنحرفة تظهر فى ساحة الإسلام، فظهر الكلام فى القدر، والوعد والوعيد، والطعن فى الصحابة، والكلام فى صفات الله وغير ذلك. فتبنى ذلك أقوام ونصروا تلك الأقوال وعضدوها، فتكونت من ذلك فرق ونحل، واحتدم بينهم الخلاف، واشتد النزاع، وبدأت الفُرقة، فلجأت كل فرقة إلى القرآن الكريم لتنصر أفكارها وتعضد أقوالها، فأعجزهم القرآن أن يجدوا فيه ما يدعم ذلك الباطل؛ فسلطوا عليه معاول التأويل، ثم انتقلوا إلى السنة ليجدوا فيها ما يتمنون، فلم يفلحوا، فوضعت هنالك أحاديث، وطعن فى أخرى، وحُرِّفَ كثير منها، وتجاسرت العقول على نصوص الوحى، فواجهتها بالرِّد والتكذيب والتحريف والتبديل. وكان لآراء تلك الفرق فى الصحابة، ونظرتهم إلى الحديث والمحدثين، ورميهم إياهم بحمل الكذب، ورواية المتناقض، وذمهم ومبالغتهم فى انتقاصهم، أكبر الأثر فيما أثير حول السنة النبوية من شبهات وقد مهدت تلك الفرق وعلى رأسها المعتزلة السبيل، وفتحوا الباب على مصراعيه، فولج منه كثير من أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى.

стр. 7

وإذا كانت فى القرن الثانى الهجرى هبت أعاصير عاتية تهدف إلى الإطاحة بالسنة، وإبعاد المسلمين عنها، وتشكيكهم فى طرق نقلها ورواتها ... ، فقد كانت فى القرن الثانى أيضاً العلامات البارزة فى طريق رعاية السنة النبوية الكريمة وتوثيقها ... وقيض الله تعالى أئمة كباراً فى هذا القرن، وقفوا فى وجه هذه الأعاصير يردون كيدها، حتى ارتدت سهام العابثين إلى نحورهم، وأصبحت ذكراهم فى كتب الرجال تهيج مشاعر الغضب نحوهم، والسخط عليهم من كل غيور على دينه، جزاء إثمهم وافترائهم على نبينا ﷺ .، وما أقدموا عليه من تشويه سنته المطهرة. ... وما أشبه الليلة بالبارحة كما يقولون!، فقد نبتت نابتة فى عصرنا الحديث تشكك فى السنة، فى هجمة شرسة غاشمة، لم نسمع بمثلها من قبل، هجمة تكاتفت لها كل قوى الشر والبغى من الشيوعيين الملاحدة، والصليبيين، والصهاينة، ودعاة اللادينية من العلمانيين، والبهائيين، والقاديانيين، وغيرهم ممن يجمعهم معسكر العداء للإسلام وأهله، وزعمت هذه النابتة أن السنة حرفت وبدلت ... وأن أسس توثيقها كانت واهية وشكلية، ولم تنهض بعبء الحفاظ عليها. ومن المؤسف حقاً أن يكون من بين أبناء الإسلام من يزعم بصريح اللفظ: لا حجة فى السنة، إنما الحجة فى القرآن وحده دون سواه، وقد وجدنا بعضاً من هؤلاء فى لاهور بباكستان، وسمت نفسها جماعة القرآن، وهى أعدى أعدائه، إذ تتهجم على تفسيره.وهى لا تعرف من العربية حرفاً واحداً، وتعتمد على تراجم شائهة.وتعتبر ما فيها هو الحجة من غير احتياج لسنة رسول الله ﷺ . وإن هؤلاء إن استقام لهم طريقهم لأدى ذلك إلى أن يصاب القرآن بما أصيبت به الكتب السابقة، إذ اعتراها التغيير والتبديل بسبب التراجم، وضاع الأصل.

стр. 8

وقد وجدنا مثل هذا الفريق فى مصر، وبعضهم يتبوأ مراكز علمية عالية، ويتستر وراء بعض الألقاب كمستشار، أو دكتور، أو مفكر إسلامى ... إلخ، وقد قمت بصحبة بعضهم، للاطلاع على أحوالهم وأساليبهم فى الكيد للسنة المطهرة، ورأيت كيف يخططون وينسقون مع بعضهم البعض، ورأيت كيف يستمدون المعونة ممن يكيدون لديننا ولأمتنا الإسلامية ليل نهار. من أعداء الإسلام الظاهرين، فالتقوا جميعاً على هجوم شرس غاشم على السنة المطهرة. ومن الواضح أن المؤامرات العدائية للإسلام تلبس فى كل عصر لبوسها، فهى حين يكون المسلمون أقوياء تأخذ طريق التهديم الفكرى والخلقى، والاجتماعى، وحين يكونون ضعفاء تتخذ طريق الحرب والتجمع، وتستهدف الإبادة والإفناء، فإذا عجزت طريق الحرب عن تحقيق أهدافها، انقلبت إلى طريق فكرى خداع، تستهوى عقول الغافلين أو المغفلين، فينبت للإسلام فى داخل أسواره نابتة تنحرف شيئاً فشيئاً عن عقيدة الإسلام السمحة، المشرقة، حتى تنتهى إلى عقائد، وأفكار تخالف المبادئ الأساسية للإسلام، وتحقق الأهداف الرئيسية التى يسعى إليها أعداؤه، من حيث أنهم لا علاقة لهم بهذا التخريب والتهديم. والذى يمكن أن أقرره هنا ... أن علل الأمة وأدواءها، لا تأتيها من الخارج بمقدار ما تأتيها من الداخل، ومن نفسها قبل غيرها. ولله در من قال: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين، ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين، وهو كلام أصاب كبد الحقيقة (١) . فالخطر الأكبر من هذا الهجوم الشرس على السنة المطهرة فى عصرنا يأتى ممن ينتسبون إلى الإسلام، ممن هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وهذا ما دفعنى إلى اختيار موضوع هذا الكتاب "السنة النبوية فى كتابات أعداء الإسلام فى الكتابات العربية". وقد هدفت من كتابته إلى عدة أهداف منها:

стр. 9

أولاً: كثرة الأعاصير التى تهب فى وجه السنة النبوية من جميع أنحاء الدنيا، مستهدفة محو أثرها، وقلع جذورها، حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لحياة رسول الله ﷺ .، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته. فأحببت أن تكون لى مشاركة فى صد تلك الأعاصير، وإيقاف زحفها مع من بذلوا جهوداً فى الدفاع عن السنة لحماية حصنها من التهديم والتخريب، راجياً بذلك المثوبة من الله تعالى. ثانياً: بيان أن السنة حجة لا نزاع فيها بين المسلمين، وأنها ضرورة دينية، ومن أنكر حجيتها بشروطها المعروفة فى الأصول كفر، وخرج عن دائرة الإسلام. ثالثاً: أن يكون هذا البحث هادياً لمن تأثر من أبناء الإسلام بشبهات أعداء السنة، وأساليبهم فى الكيد لها، مما يوجب على من عرف الحق أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان. رابعاً: إرادة الإسهام فى كشف القناع عن أساليب، وحقيقة أعداء السنة، من أهل الأهواء والبدع قديماً، من الخوارج، والشيعة، والمعتزلة، ومن أحيا فكرهم فى العصر الحديث من المستشرقين، وأذيالهم من دعاة اللادينية من العلمانيين، والبهائيين، والقاديانيين ... فلا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ولا يستبين الحق أو الرشد من لم يتبين الباطل أو الغى. كذلك لا ينافح عن الإسلام من لم يعرف أعداءه ومحاربيه، ومن لم يدرس خططهم، وأساليبهم، ولا يقدر على الحرب من لم يتعرف أرض المعركة. وإنها معركة ليست أقل من المعارك الحربية التى خاضها المسلمون، ولا يزالون فى بعض الأماكن.

стр. 10

إن الأخيرة قد استهدفت بالدرجة الأولى الأرض والتراب أما هذه - وهنا مكمن خطورتها- فإنها تستهدف القلب والفكر والوجدان وهى - لعمرى - أعز على الله، وأعز علينا من الأرض والتراب؟ ولا يخالجنا ذرة من شك أن الشراك التى نصبت شرها وكيدها من شبهات ساقطة، وطعون واهية، غير مستندة إلى دليل، ولا قائمة على برهان، وإنما هى مجرد قولٌ قاله، وافتراءٌ افتراه، أناس سادرون فى غيهم، للتشكيك فى حجية السنة، والتنفير من التمسك بها، والاهتداء بهديها، ليتسنى لهم القضاء عليها أولاً، ثم يخلصوا منها للقضاء على القرآن ثانياً، وبذلك يتحقق لهم من هدم الدين ما ينشدون، وقد أخبرنا الله بذلك إذ يقول تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (١) ولكن وإن سَعَوا ما أمكنهم، فلن يصلوا إلى هدفهم المنشود، وغايتهم المطلوبة، بل سيظلون يتخبطون تخبطاً عشوائياً فى متاهات مظلمة كثيرة الالتواء صعبة المخرج، إلى أن يموتوا غيظاً وكمداً وحقداً؛ لأن الله تكفل بحفظ دينه من كل من يريده بسوء، وحفظ أهله من كل من يريدهم بشر، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) . وما شأن شراذم البغى - قديماً وحديثاً - ومحاولاتهم النيل من السنة المطهرة إلا كشأن من قال عنه الأعشى بن قيس: كناطح صخرة يوماً ليوهنها ... *** ... فلم يضرها وأوهى قرَنهُ الوعَلُ وهم ببغيهم وقالتهم الكاذبة، إنما يظلمون أنفسهم ودينهم، قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٣) .

стр. 11

خطة البحث: نظراً لتعدد جوانب الموضوع وتشعبها، وكثرة الشُبه وتداخلها، فقد تنوعت مصادره، مما حتم علىَّ مطالعة العديد من الكتب فى أنواع العلوم المختلفة، وتجميع المادة العلمية من مظانها، يستوى فى ذلك كتب الهجوم على السنة المطهرة، أو كتب الدفاع عنها، مما أدى إلى استنفاد جهد، ووقت ليس بالقليل. ولكن أحمد الله الذى أعاننى على ذلك. وقد قسمت هذا الموضوع إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة: أما المقدمة فقد ضمنتها: سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وخطة البحث ومنهج البحث فيه. أما التمهيد ففيه خمسة مباحث: المبحث الأول: كلمة فى الاصطلاح.معرفة الفوارق بين المعانى اللغوية والمعانى الاصطلاحية. المبحث الثانى: التعريف بالسنة فى مصطلح علمائها. وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التعريف "بالسنة" و"الحديث" فى اللغة. المطلب الثانى: التعريف "بالسنة" و"الحديث" فى الاصطلاح. المطلب الثالث: شبهة حول التسمية والرد عليها. المبحث الثالث: الحديث النبوى بالسند المتصل من خصائص الأمة الإسلامية. المبحث الرابع: الحديث النبوى تاريخ الإسلام. المبحث الخامس: دراسة الحديث ضرورة لازمة لطالب العلم. أما الأبواب فهى: الباب الأول: التعريف بأعداء السنة النبوية، وفيه تمهيد وأربعة فصول: التمهيد: وفيه التعريف بأعداء لغةً وشرعاً. الفصل الأول: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع قديماً (الخوارج، والشيعة، والمعتزلة) الفصل الثانى: أعداء السنة النبوية من المستشرقين. الفصل الثالث: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع حديثاً (العلمانية، والبهائية، والقاديانية) . الفصل الرابع: أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة النبوية المطهرة. الباب الثانى: وسائل أعداء السنة قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة النبوية المطهرة ويشتمل على ستة فصول: الفصل الأول: شبهات حول حجية السنة النبوية.

стр. 12

الفصل الثانى: وسيلتهم فى التشكيك فى حجية خبر الآحاد. الفصل الثالث: وسيلتهم فى الطعن فى رواة السنة المطهرة. الفصل الرابع: وسيلتهم فى الطعن فى الإسناد وعلوم الحديث. الفصل الخامس: وسيلتهم فى الطعن والتشكيك فى كتب السنة المطهرة. الفصل السادس: وسيلتهم فى الاعتماد على مصادر غير معتبرة فى التأريخ للسنة ورواتها. الباب الثالث: نماذج من الأحاديث الصحيحة المطعون فيها والجواب عنها. ويشتمل على تمهيد وعشرة فصول: التمهيد ويتضمن بيان: أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها. ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها. الفصل الأول: حديث "إنما الأعمال بالنيات". الفصل الثانى: حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف". الفصل الثالث: أحاديث "رؤية الله " و"محاجة آدم موسى ﵉" و"الشفاعة". الفصل الرابع: أحاديث "ظهور المهدى" و"خروج الدجال" و"نزول المسيح ﵇". الفصل الخامس: حديث عذاب القبر ونعيمه. الفصل السادس: أحاديث "خلوة النبىصلى الله عليه وسلم. بامرأة من الأنصار"، و"نوم النبى ﷺ . عند أم سليم، وأم حَرَام"، وحديث "سحر النبى ﷺ .": الفصل السابع: حديث رضاعة الكبير، شبهات الطاعنين فيه والرد عليها. الفصل الثامن: حديث وقوع الذباب فى الإناء. الفصل التاسع: ثمرات ونتائج الحديث الصحيح. الفصل العاشر: مضار رد الأحاديث النبوية الصحيحة. الخاتمة: وفيها نتائج هذه الدراسة، ومقترحات، وتوصيات، والفهارس العلمية للبحث. هذا ولم أتعرض لتحرير مبحث أو مطلب إلا بعد أن رجعت إلى ما أمكننى الإطلاع عليه: من الكتب المؤلفة فيه كبيرها وصغيرها: فقد يوجد فى الصغير، مالا يوجد فى الكبير، ويستوى فى ذلك كتب الهجوم على السنة أو الدفاع عنها.

стр. 13

ولم أكتب شيئاً إلا بعد أن اعتقد صحته، واطمئن إليه، غير متأثر برأى أحد -ممن كتب فيه- كائناً من كان، معاصراً أو غير معاصر، ولم أتردد فى مخالفته متى تبين لى أنه قد اخطأ، مع بيان وجهة نظرى فى ذلك، ومع احترامى له، واعترافى بفضله، وتقديرى لعلمه، واعتقادى أنه "صاحب آيات، وسباق غايات". وقد يؤخذ علىّ: أنى قد أطلت فى بعض المباحث، أو كررت بعض العبارات، أو أظهرت فى محل إضمار، أو غير ذلك. ولكنى قصدت بهذا كله: توفية البحث حقه، وإتمام الفائدة، وزيادة الإيضاح، وعدم وقوع الناظر فى اللبس. وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هى تلك التى تعتمد على النصوص والوثائق فقد التزمت في هذا الكتاب -إلى حد كبير- بإيرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من فكر ومبادئ ... منهجى فى البحث: ١- كل ما عرضته فى الكتاب من شبه ومطاعن أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً، المتضمنة الطعن فى السنة النبوية المطهرة، فإنى قرنت ذلك بالرد الحاسم الذى يبين بطلان وزيف تلك الشُبه والمطاعن معتمداً فى ذلك على نقول من كتب أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، فعالجت الفكرة بالفكرة ووضحت قول الإمام بقول إمام آخر، فإن كان من جهد فى هذا الكتاب فإنما هو ثمرة الوقوف على أكتاف العلماء، ونتاج المربين الذين ربونا صغارًا، وحملونا كباراً، والمنة لله وحده، وهو ولى الجزاء وشكر الله للعلماء بذلهم. ٢- بينت مواضع الآيات التى وردت فى الكتاب بذكر اسم السورة ورقم الآية فى الهامش، مع وضع الآية بين قوسين.

стр. 14

٣- عزوت الأحاديث التى أوردتها فى الكتاب إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة المعتمدة، فإن كان الحديث فى الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، بذكر اسم الكتاب، واسم الباب، وذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث مع البيان غالباً لدرجة الحديث من خلال أقوال أهل العلم بالحديث، إن كان الحديث من غير الصحيحين، واقتصرت على التخريج من كتب السنن الأربعة إذا كان الحديث فى غير الصحيحين، وفيما عدا ذلك اقتصر على ما يفيد ثبوت الحديث أو رده. ٤- اعتمدت فى التخريج من الصحيحين على طبعتى البخارى (بشرح فتح البارى) لابن حجر، والمنهاج شرح مسلم للنووى، لصحة متون الأحاديث فى الشرحين، ولصحة عرضهما على أصول الصحيحين، وتسهيلاً للقارئ لكثرة تداول تلك الشروح، وإتماماً للفائدة بالاطلاع على فقه الحديث المخرج. ٥- التزمت عند النقل من أى مرجع، أو الاستفادة منه الإشارة إلى رقم جزئه وصفحته بالإضافة إلى ذكر طبعات المراجع فى الفهرست. ٦- عند النقل من فتح البارى، أو المنهاج شرح مسلم للنووى أذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الحديث الوارد فيه الكلام المنقول، تيسيراً للوصول إلى الكلام المنقول، نظراً لاختلاف رقم الصفحات تبعاً للطبعات المتعددة. ٧- اكتفيت فى تراجم الأعلام من الصحابة بذكر مصادر تراجمهم بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة، ولم أترجم لهم لعدالتهم جميعاً، ولم أخالف فى ذلك إلا فى القليل عندما تقتضى الترجمة الدفاع ضد شبهة. ٨- ترجمت لكثير من الأعلام الذين جرى نقل شيء من كلامهم، مع ذكر مصادر تراجمهم، بذكر رقم الجزء والصفحة ورقم الترجمة. ٩- شرحت المفردات الغريبة التى وردت فى بعض الأحاديث مستعيناً فى ذلك بكتب غريب الحديث، ومعاجم اللغة، وشروح الحديث. ثم ختمت الكتاب بفهارس سبعة هى: ١- فهرس الآيات القرآنية. ٢- فهرس الأحاديث والآثار. ٣- فهرس الأعلام المترجم لهم. ٤- فهرس الأشعار. ٥- فهرس القبائل والبلدان والفرق.

стр. 15

٦- فهرس المصادر والمراجع. ٧- فهرس الموضوعات التى اشتمل عليها الكتاب. هذا وإنى -يعلم الله- ما فرطت ولا توانيت ولا كان منى ميل إلى كسل أو ركون إلى راحة، فإن فاتنى شئ فى أثناء الكتابة، أو لم أذكر أمراً كان ينبغى ذكره، أو طرأ علىَّ سهو أو نسيان، فهذا لأن عمل الإنسان لا يخلوا من نقص مهما كانت عنايته. وعذرى فى ذلك أن الكمال المطلق لله . فما كان فى الكتاب من صوابٍ، فهو من الله وبتوفيقه، وما كان من خطأ فمن نفسى، ومن الشيطان، والله برىء منه ورسوله، ولله وحده الكمال والعزة والجلال. وفى الختام: أحمد الله على عونه وتوفيقه لإتمام هذا الكتاب حيث سهل لى صعبه، وذلل أمامى عقباته، وإنى لأرى لزاماً علىّ أن أسجل هنا وافر شكرى، وعظيم تقديرى، وصادق دعواتى لفضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور إسماعيل عبد الخالق الدفتار، الذى أحاطنى بنصائحه، وتوجيهاته السديدة، وإرشاداته العديدة، حتى خرج هذا الكتاب إلى حيز الوجود، فاسأل الله أن يبارك فى دينه، وبدنه، وأهله، وولده، وأن يجزيه عنى وعن الإسلام خير الجزاء. ولا يفوتنى فى هذا المقام أن أقدم شكرى أيضاً: لكل من أفادنى من مشايخى وزملائى بكتاب، أو إرشاد، أو أى نوع من المساعدة ... اللهم تقبل هذا العمل خالصاً لوجهك الكريم.اللهم اجعلنى جنداً من جنود كتابك، جنداً من جنود سنة نبيك ﷺ .، اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشى إلى خدمتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك، فبعزتك لا تدخلنى النار، فقد علم أهلها أنى كنت أذب عن دينك. اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم الراجى عفو ربه الغفور عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

стр. 16

تمهيد وفيه خمسة مباحث: ١- المبحث الأول: كلمة فى الاصطلاح. معرفة الفوارق بين المعانى اللغوية والمعانى الاصطلاحية. ٢- المبحث الثانى: التعريف بالسنة فى مصطلح علمائها. ٣- المبحث الثالث: الحديث النبوى بالسند المتصل من خصائص الأمة الإسلامية ٤- المبحث الرابع: الحديث النبوى تاريخ الإسلام. ٥- المبحث الخامس: دراسة الحديث ضرورة لازمة لطالب العلم.

стр. 17

المبحث الأول:كلمة فى الاصطلاح معرفة الفوارق بين المعانى اللغوية والمعانى الاصطلاحية معرفة الفوارق بين المعانى فى اللغة وبينها فى الاصطلاح مبحث فى غاية الأهمية، لا سيما وقد ظهر الخلط بين هذه المعانى عند أعداء الإسلام والسنة المطهرة فى هجومهم على السنة، فهم لا يكادون يهتمون بمعرفة تلك الفروق، إما عن جهل يجرهم إلى اسوأ الأحكام وأتعس النتائج بإنكار حجية السنة المطهرة، وإما عن علم متعمد لا يهتمون ولا يبينون الفوارق بين المعانى فى اللغة وبينها فى الاصطلاح بقصد تضليل القارئ وتشكيكه فى حجية السنة المطهرة ومصدريتها التشريعية (١) . يقول أبو هلال العسكرى (٢) فى كتابه (الفروق فى اللغة) : "الفرق بين الاسم العرفى والاسم الشرعى: أن الاسم الشرعى ما نقل عن أصله فى اللغة فسمى به فعل أو حكم حدث فى الشرع نحو الصلاة والزكاة والصوم والكفر والإيمان والإسلام وما يقرب من ذلك، وكانت هذه أسماء تجرى قبل الشرع على أشياء، ثم جرت فى الشرع على أشياء أخر، وكثر استعمالها حتى صارت حقيقة فيها، وصار استعمالها على الأصل مجازاً، ألا ترى أن استعمال (الصلاة) اليوم فى الدعاء مجاز، وكان هو الأصل. والاسم العرفى ما نقل عن بابه بعرف الاستعمال نحو قولنا (دابة) وذلك أنه قد صار فى العرف اسماً لبعض ما يدب وكان فى الأصل اسماً لجميعه. وعند الفقهاء أنه إذا ورد عن الله تعالى خطاب قد وقع فى اللغة لشئ واستعمل فى العرف لغيره، ووضع فى الشرع لآخر، فالواجب حمله على ما وضع فى الشرع؛ لأن ما وضع له فى اللغة قد انتقل عنه، وهو الأصل فيما استعمل فيه بالعرف أولى بذلك وإن كان الخطاب فى العرف لشئ وفى اللغة بخلافه وجب حمله على العرف، لأنه أولى، كما أن اللفظ الشرعى يحمله على ما عدل عنه، وإذا حصل الكلام مستعملاً فى الشريعة أولى على ما ذكر قبل،

стр. 18

وجميع أسماء الشرع تحتاج إلى بيان نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاة﴾ (١) إذ قد عرف بدليل أنه أريد بها غير ما وضعت له فى اللغة، وذلك على ضربين أحدهما يراد به ما لم يوضع له البتة نحو الصلاة والزكاة، والثانى يراد به ما وضع له فى اللغة لكنه قد جعل اسماً فى الشرع لما يقع منه على وجه مخصوص، أو يبلغ حداً مخصوصاً فصار كأنه مستعمل فى غير ما وضع له وذلك نحو الصيام والوضوء وما شاكله" (٢) . فاللكلمة إذن معنيان، معنى لغوى، ومعنى شرعى، أى دلالة لغوية ودلالة اصطلاحية، وقد يكون المعنى الاصطلاحى بعيداً عن المعنى اللغوى، بل قد تكون الكلمة لها أكثر من معنى فى اللغة وأكثر من معنى فى الاصطلاح ككلمة "السنة" مثلاً. فهى فضلاً عن معانيها اللغوية المتعددة، والتى سيأتى ذكرها، لها أكثر من معنى اصطلاحى عند المحدثين، والفقهاء، والأصوليين كما سيأتى. فالذى لا يعرف هذه الفوارق الاصطلاحية لا شك واقع فى الخطأ، وسوف يضل ضلالاً مبيناً، وهذه الفوارق استغلها أعداء الإسلام والسنة المطهرة استغلالاً بشعاً ينبئ عن حقدهم الدفين على الإسلام وأهله، فنراهم فى هجومهم على السنة المطهرة يركزون على بعض معانيها اللغوية أو الاصطلاحية مهملين عن جهل تارةً، وعن علم تارة أخرى باقى معانيها الاصطلاحية بغية الوصول إلى هدفهم وغايتهم من التشكيك فى حجيتها وعدم العمل بها ومن ذلك تركيزهم على معنى السنة فى اصطلاح الفقهاء وهى ما ليس بواجب مما يمدح فاعلها ولا يذم تاركها (٣) . وهذا التعميم فى تعريف السنة محض الضلال (٤) ، إذ فيه صرف لهذه الكلمة عن معناها الاصطلاحى عند رجال الأصول وعلى أنها مصدر تشريعى مستقل ملازم للقرآن الكريم فى الاحتجاج،

стр. 19

وأن الأحكام التكليفية الخمسة تدور فيها، كما تدور فى القرآن الكريم بالتمام (١) . ومن المعانى اللغوية التى يركز عليها أعداء الإسلام فى تعريفهم بالسنة معناها الوارد بمعنى الطريقة والسيرة، حسنة كانت أو سيئة، ويعبرون عن ذلك المعنى بالعادة والعرف كما قال المستشرق "جولد تسيهر" (٢) : "السنة هى جماع العادات والتقاليد الوراثية فى المجتمع العربى الجاهلى؛ فنقلت إلى الإسلام، فأصابها تعديل جوهرى عند انتقالها، ثم أنشأ المسلمون من المأثور من المذاهب والأقوال والأفعال والعادات لأقدم جيل من أجيال المسلمين سنة جديدة" (٣) . وتابعه على ذلك سائر من جاء بعده من المستشرقين (٤) . وردد هذا الكلام الدكتور على حسن عبد القادر (٥) فى كتابه "نظرة عامة فى تاريخ الفقه الإسلامى" فقال: "وكان معنى السنة موجوداً فى الأوساط العربية قديماً، ويراد به الطريق الصحيح فى الحياة للفرد وللجماعة، ولم يخترع المسلمون هذا المعنى، بل كان معروفاً فى الجاهلية، وكان يسمى عندهم سنة هذه التقاليد العربية وما وافق عادة الأسلاف. وقد بقى هذا المعنى فى الإسلام فى المدارس القديمة فى الحجاز، وفى العراق أيضاً، بهذا المعنى العام يعنى العمل القائم، والأمر المجتمع عليه فى الأوساط الإسلامية والمثل الأعلى للسلوك الصحيح من غير أن يختص ذلك بسنة النبى ﷺ .

стр. 20

وأخيراً حدد هذا المعنى، وجعلت السنة مقصورة على سنة الرسول ﷺ . ويرجع هذا التحديد إلى أواخر القرن الثانى الهجرى، بسبب طريقة الإمام الشافعى التى خالف بها الاصطلاح القديم (١) . وأقول: نعم، لفظ السنة ومعناها كان معروفاً فى لغة العرب قبل الإسلام ولم يخترع المسلمون هذه الكلمة ولا معناها، ولكن ليس الأمر كما زعم المستشرقون والدكتور على حسن عبد القادر من أن معنى السنة فى صدر الإسلام العادة والعرف (٢) الجاهلى، أو أنها الطريق الصحيح فقط، وإنما تشمل الطريق الصحيح وغير الصحيح على رأى جمهور علماء اللغة، ويؤيدهم فى الإطلاق القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والأشعار الجاهلية على ما سيأتى. كما أن استعمال القرآن الكريم والسنة المطهرة لكلمة السنة بالمعنى اللغوى لا يعنى ذلك أن هذا المعنى اللغوى (الطريقة) أو (السيرة) أو (العادة) هو المراد شرعاً بالسنة، فهذه الكلمة انتقلت من معناها اللغوى إلى المعنى الاصطلاحى (سنة رسول الله ﷺ . الشاملة لأقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلْقِية والخُلُقِية ... ) وهى بهذا المعنى مصدر تشريعى ملازم للقرآن الكريم لا ينفك أحدهما عن الآخر. وهذا المعنى الاصطلاحى لكلمة السنة كان محدداً ومعلوماً فى صدر الإسلام والنبى ﷺ . بين ظهرانى أصحابه (٣) ﵃، وليس الأمر كما زعم الدكتور حسن تابعاً للمستشرقين أن هذا المعنى الاصطلاحى للسنة تحدد فى آواخر القرن الثانى الهجرى.... ومن المعانى اللغوية التى يركز عليها أعداء الإسلام فى تعريفهم بالسنة معناها الوارد بمعنى الطريقة، ثم يعرفون السنة النبوية؛ بأنها الطريقة العملية أو السنة العملية، أما أقواله وتقريراته وصفاته ﷺ . فليست من السنة، وإطلاق لفظ حديث أو سنة على ذلك إنما هو فى نظرهم اصطلاح مستحدث من المحدثين ولا تعرفه اللغة ولا يستعمل فى أدبها،

стр. 21

هكذا زعم محمود أبو ريه (١) فى كتابه (أضواء على السنة المحمدية) (٢) تبعاً للدكتور توفيق صدقى (٣) . وفى ذلك أيضاً يقول الدكتور المهندس محمد شحرور (٤) فى كتابه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، "إن ما اصطلح على تسميته بالسنة النبوية إنما هو حياة النبى ﷺ . كنبى وكائن إنسانى عاش حياته فى الواقع، بل فى الصميم منه، وليس فى عالم الوهم". وفى موضع آخر يقول: "من هنا يأتى التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبى ﷺ . من قول ومن فعل أو أمر أو نهى أو إقرار. علماً بأن هذا التعريف للسنة ليس تعريف النبى ﷺ . نفسه، وبالتالى فهو قابل للنقاش والأخذ والرد وهذا التعريف كان سبباً فى تحنيط الإسلام، علماً بأن النبى ﷺ . وصحابته لم يعرفوا السنة بهذا الشكل، وتصرفات عمر بن الخطاب تؤكد ذلك" (٥) . ويقول نيازى عز الدين (٦) :

стр. 22

"رجال الدين فى القرن الثالث الهجرى عرفوا السنة وأضافوا إليها أموراً هى من اجتهادهم، فقد قالوا فى تعريفها: "هى كل ما أُثِرَ عن النبى ﷺ . من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلْقِية أو خُلُقِية أو سيرة سواء كان ذلك قبل البعثة "كتحنثه فى غار حراء" أم بعدها. وهذا التعريف الموسع الذى أتى فى عصر متأخر عن عصر الرسولصلى الله عليه وسلم. وصحابته قد جر البلاء على الإسلام. وفى موضع آخر يقول: "وإن أغلب الذين أدخلوا أحاديث الرسول ﷺ . وأفعاله وتصرفاته الخاصة فى الدين فعلوها وهم يعلمون أنهم يفعلون الممنوع، ويقعون فى المعصية، لكن الهوى والشيطان كانا أقوى من الإيمان فى تلك الفترة، ففعل الشيطان ما يريد" (١) . ومن المعانى اللغوية التى يركزون عليها فى تشكيكهم فى السنة المطهرة معناها الوارد فى القرآن الكريم بمعنى أمر الله ونهيه وسائر أحكامه وطريقته، ويقولون: لا سنة سوى سنة الله الواردة فى كتابه العزيز، وأنه مستحيل أن يكون لرسول الله سنة، ويكون لله سنة، فيشرك الرسول نفسه مع الله . ... وفى ذلك يقول محمد نجيب (٢) فى كتابه (الصلاة) : القرآن وما فيه من آيات هو سنة الله التى سنها وفرضها نظاماً للوجود، واتبعها الله نفسه؛ فهى سنة الله ... وليس من المعقول أن يكون للرسول سنة ويكون لله سنة، فيشرك الرسول نفسه مع الله ويكون لكلاهما سنة خاصة وهو أمر مستحيل أن يحصل من مؤمن ومن رسول على الأخص، فما كان لبشرٍ آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يترك حكم الله وسنته، ويطلب من الناس أن تتبع ما يسنه هو من أحكام، وليس ذلك إن حَصُلَ إلا استكباراً فى الأرض، وتعالٍ على الله. يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ (٤) . وهذا يؤكد وجوب الرجوع لكتاب الله وحده جماع سنة الله (٥) أ. هـ.

стр. 23

وفى ذلك أيضاً يقول أحمد صبحى منصور (١) فى كتابه (حد الردة) معرفاً بالسنة الحقيقية قائلاً: "سنة الله تعالى هى سنة رسوله ﵇ ... ، الله تعالى ينزل الشرع وحياً، والرسول يبلغه وينفذه، ويكون النبى أول الناس طاعة واتباعاً لأوامر الله تعالى. والله تعالى أمر النبى بأن يقول ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢) . والإيمان بالرسول معناه الإيمان بكل ما نزل عليه من القرآن والإيمان بأنه اتبع ذلك الوحى وطبقه، وكان أول الناس إيماناً به وتنفيذاً له (٣) . ويقول قاسم أحمد (٤) فى كتابه (إعادة تقييم الحديث) : "إنه بالنظر إلى استخدام كلمتى السنة والحديث فى القرآن والذى يعطينا معلومات شيقة، نجد أن كلمة "سنة" تشير فى القرآن إلى النظام أو الناموس الآلهى وإلى مثال الأمم السابقة التى لقيت مصيرها. فلم يشر القرآن إلى أن السنة هى سلوك النبى، وهذان الاستخدامان تشير إليهما الآيتان التاليتان: ... ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (٥) ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ (٦) . فكلمة "حديث" استخدمت فى القرآن بمعنى "الأخبار" و"القصص" و"الرسالة" و"الشئ" وقد ذكرت ستاً وثلاثين مرة فى مواضع لغوية مختلفة، ولا يشير أى منها إلى ما يعرف بالحديث النبوى. فعلى العكس وردت فى عشرة مواضع من الآيات البينات تشير إلى القرآن وتستبعد بشدة أى حديث إلى جانب القرآن منها هذه الآيات ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٧)

стр. 24

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) . هذا والذى زعمه أعداء السنة المطهرة فى تعريفهم بالسنة النبوية من أنها الطريقة العملية أو السنة العملية، أو هى سنة الله . وأن تعريف السنة النبوية بأنها "كل ما صدر عن النبى ﷺ . من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ... " اصطلاح مستحدث من المحدثين ولم يعرفه النبى ﷺ . ولا أصحابه ﵃ بل كان هذا التعريف سبباً فى تحنيط الإسلام. هذا الزعم الكاذب إنما يدل على ما سبق وأن ذكرته من أن هؤلاء الأعداء يخلطون بين المعانى فى اللغة وبينها فى الاصطلاح، ولا يهتمون بمعرفتها ولا ببيانها إما عن جهل، وإما عن علم بقصد خداع القارئ وتضليله وتشكيكه فى حجية السنة وفى علمائها الذين قيدهم رب العزة لحفظها من التغيير والتبديل تماماً بتمام، كما قيض لكتابه العزيز من يحفظه من العلماء الأفذاذ. لذا كان لزاماً علينا بيان الفوارق بين معانى (السنة والحديث) فى اللغة وبينها فى الاصطلاح، حيث سيتضح جلياً صدق ما ذكرته من خلطهم وعدم اهتمامهم بتلك الفوارق عن جهل تارة، وعن علم تارة أخرى، كما سيتضح أن السنة النبوية بتعريفها المعلوم عند المحدثين والأصوليين والفقهاء، كان مقصوداً من النبى ﷺ . ومعلوماً للصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وأن هذا التعريف للسنة المطهرة كان سبباً فى عزة الإسلام وأهله، وليس سبباً فى تحنيطه كما يزعم أعداءُ الإسلام. كما سيتضح أيضاً أن مصطلح السنة ومصطلح الحديث كانا مترادفين زمن النبوة المباركة وزمن الصحابة ﵃ فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم ﵃ وعلى ذلك علماء الشرع الحنيف، خلافاً لأعداء الإسلام الزاعمين: أن مصطلح السنة غير مصطلح الحديث، وأنهما يجب أن يكونا متميزين عن بعضهما فإلى بيان ذلك.

стр. 25

المبحث الثانى: التعريف بالسنة فى مصطلح علمائها ... وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التعريف "بالسنة" و"الحديث" فى اللغة . المطلب الثانى: التعريف "بالسنة" و"الحديث" فى الاصطلاح. المطلب الثالث: شبهة حول التسمية والرد عليها. المطلب الأول: التعريف "بالسنة" و "الحديث" فى اللغة تطلق السنة فى اللغة على عدة معان منها: ١- ما يدل على الصقالة والملامسة، ومن ذلك إطلاقها على الوجه أو دائرته، أو صورته، وبهذا المعنى وردت فى أشعار العرب قال الأعشى (١) : كريماً شمائله من بنى *** معاوية الأكرمين السنن حيث أراد بقوله "الأكرمين السنن" الأكرمين الوجوه. وقال ذو الرمة (٢) : تريك سنة وجه غير مقرفة *** ملساء ليس لها خال ولا ندب حيث أراد بقوله "تريك سنة وجه" تريك دائرة وجهها. وقال ثعلب (٣) : بيضاء فى المرآة سنتها *** فى البيت تحت مواضع اللمس حيث أراد بقوله: "فى المرآة سنتها" فى المرآة صورتها (٤) . ٢- كذلك ترد السنة بمعنى: السيرة المستمرة، والطريقة المستقيمة، سواء حسنة كانت أم سيئة (٥) ، وأصلها اللغوى مأخوذ من قولك: سننت الماء إذا واليت صبه، وفى لسان العرب: سن عليه الماء: صبه، وقيل: أرسله إرسالاً ليناً ... وسن الماء على وجهه، أى: صبه عليه صباً سهلاً.

стр. 26

قال الجَوْهَرىُّ (١) : سننت الماء على وجهى: أى أرسلته إرسالاً من غير تفريق ... والسنن: الصب فى سهولة ... وفى حديث عمرو بن العاص (٢) ﵁ عند موته: "فسنوا على التراب سناً" (٣) أى ضعوه وضعاً سهلاً (٤) فشبهت العرب الطريقة المتبعة، والسيرة المستمرة بالشئ المصبوب، لتوالى أجزائه على نهج واحد، ومن هذا المعنى قول خالد بن عتبة الهذلى: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها *** فأول راضٍ سنة من يسيرها (٥) وبهذا الإطلاق اللغوى جاءت كلمة السنة فى القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ (٦) وقال تعالى ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ... الآية﴾ (٧) . كما جاءت أيضاً فى السنة النبوية بهذا المعنى، قال ﷺ . "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (٨)

стр. 27

وقال ﷺ . "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع" (١) . وهكذا فإن العرب تطلق على كل من ابتدأ أمراً عمل به قوم من بعده، بأنه هو الذى سنه، ومن هذا المعنى قول نصيب: كأننى سننت الحب أول عاشق *** من الناس إذا أحببت من بينهم وحدى وخصها بعض أهل اللغة بالطريقة المستقيمة الحسنة دون غيرها، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة (٢) . والحق هو ما عليه جمهور أهل اللغة ويؤيدهم فى الإطلاق الآيات والأحاديث السابق ذكرها وقول خالد الهذلى المتقدم (٣) . والعلاقة بين المعنيين (اللغوى والاصطلاحى) ظاهرة؛ لأن سنة المصطفى ﷺ . من قول، أو فعل، أو تقرير أو ... إلخ. طريقة متبعة عند المؤمنين ليس لهم خيرة فى أمره ﷺ . كما قال رب العزة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ (٤) . قال الدكتور همام عبد الرحيم سعيد: "وسنة النبى ﷺ . تحمل هذه المعانى اللغوية، لما فيها من جريان الأحكام واطرادها، وصقل الحياة الإنسانية بها، فيكون وجه المجتمع السائر على هديها ناضراً بخيرها وبركتها، ويستفاد من المعانى اللغوية أن السنة فيها معنى التكرار والاعتياد، وفيها معنى التقويم، وإمرار الشئ على الشئ من أجل إحداده وصقله (٥) . ٣- كما ترد "السنة" بمعنى العناية بالشئ ورعايته، يقال: سن الإبل إذا أحسن رعايتها، والعناية بها (٦) .

стр. 28

والفعل الذى داوم عليه النبى ﷺ . سمى سنة بمعنى: أنه ﷺ . أحسن رعايته وإدامته (١) . ٤- كما ترد "السنة" بمعنى البيان، يقال: سن الأمر، أى بينه، وفى الحديث "إنى لأنسى أو أنسى لأسن" (٢) أى إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى طريق مستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوا إذا عرض لهم النسيان (٣) . ٥- وتستعمل "السنة" أيضاً بمعنى دين الله تعالى الذى هو أمره ونهيه وسائر أحكامه (٤) . ٦- وقال الطبرى (٥) :"السنة" هى المثال المتبع، والأمام المؤتم به، ومنه قول لبيد بن ربيعة (٦) : من معشر سنت لهم آباؤهم *** ولكل قوم سنة وإمامها (٧) ٧- ونقل القرطبى (٨) ، عن المفضل (٩) أن "السنة" الأمة، وأنشد:

стр. 29

ما عاين الناس من فضل كفضلهم *** ولا رأوا مثلهم فى سالف السنن (١) ٨- ونقل الشوكانى (٢) ، عن الكسائى (٣) أن "السنة" الدوام (٤) . خلاصة القول كما يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمى: إن السنة معناها فى اللغة "الطريقة" و"العادة" و"السيرة" سواء كانت سيئة أو حسنة، وقد استعملها الإسلام (القرآن والنبى ﷺ .) فى معناها اللغوى كما رأينا فى الآيات والأحاديث السابقة، ثم خصصها الإسلام بطريقة النبى ﷺ . وطريقة أصحابهرضي الله عنهم كما سيأتى فى تعريف السنة اصطلاحاً، وليس معنى هذا أن معناها اللغوى قد بطل أو انعدم بل بقى استعمالها ولكن فى نطاق ضيق (٥) . التعريف بالحديث لغة: "الحديث" فى اللغة: الجديد ضد القديم ومادة الكلمة "حدث" تدور حول معنى واحد وهو كون الشئ بعد أن لم يكن، والحديث كلام يحدث منه الشئ بعد الشئ، بعد أن لم يكن (٦) . وإنما سميت الكلمات والعبارات حديثاً؛ لأن الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة المتوالية، وكل واحد من تلك الحروف يحدث عقب صاحبه، أو لأن سماعها يحدث فى القلوب من المعانى والعلوم الشئ الكثير قال تعالى ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٧) .

стр. 30

ويجمع الحديث على أحاديث على خلاف القياس، ويرى الفراء أن واحد الأحاديث أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث وقال ابن برى: ليس الأمر كما زعم الفراء، لأن الأحدوثة بمعنى الأعجوبة، يقال: قد صار فلان أحدوثةً، أما أحاديث النبى ﷺ . فلا يكون واحدها إلا حديثاً (١) . ويرى الزمخشرى (٢) : إن الأحاديث اسم جمع (٣) ، وخالفه أبو حيان فى البحر (٤) : فقال ليس كل الأحاديث باسم جمع، بل هو جمع تكسير للحديث على غير قياس كأباطيل، واسم الجمع لم يأت على هذا الوزن (٥) ، فالراجح أنها جمعت على غير قياس ... والجمع القياسى للفظ حديث أحدثه كرغيف وأرغفة، أو حدث كقضيب وقضب (٦) . قال فضيلة الأستاذ الدكتور مروان محمد شاهين: أما عن الحديث فى اللغة فله معان ثلاثة: الأول: الحديث بمعنى الجديد الذى هو ضد القديم، تقول: لبست ثوباً حديثاً أى جديداً، وقرأت كتاباً حديثاً بمعنى الجديد، وركبت سيارة حديثة تعنى سيارة جديدة. الثانى: الحديث بمعنى الخبر والنبأ مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (٧)

стр. 31

ومثل قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ (١) وقد ورد هذا المعنى أيضاً فى قول ربنا ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢) . الثالث: الحديث بمعنى الكلام مثل قول الله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٣) أى نزل أحسن الكلام، ومثل قوله سبحانه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٤) وقوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥) أى إن لم يؤمنوا بالقرآن الكريم فبأى كلام بعده يؤمنون (٦) . وبهذا الإطلاق اللغوى جاءت كلمة "الحديث" فى السنة المطهرة مراداً بها كلام رب العزة، وكلام رسول الله ﷺ . فمثال ما جاء فى السنة مراداً بها كلام الله ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله (٧) ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ . إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمدصلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ... " (٨) . ومثال ما جاء فى السنة مراداً بها كلام النبى ﷺ . ما أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجة عن زيد بن ثابت (٩) ﵁ قال:

стр. 32

سمعت رسول الله ﷺ . يقول: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١) وعن المغيرة بن شعبة (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "مَنْ حَدَّثَ عَنِّىِ بَحديثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ" (٣) . المطلب الثانى:التعريف "بالسنة" و"الحديث" فى الاصطلاح بادئ ذى بدءٍ وقبل بيان معنى "السنة" و"الحديث" فى اصطلاح العلماء نقول: إذا كان هناك بعض الفروق الدقيقة بين الاستعمالين لغة كما سبق، واصطلاحاً كما سيأتى تفصيلاً، إلا أنهما مترادفان متساويان فى استعمالهم؛ فهم جميعاً لم يطلقوا استعمالهما اللغوى.

стр. 33

يقول الدكتور صبحى الصالح: "ولئن أطلقت السنة فى كثير من المواطن على غير ما أطلق الحديث؛ فإن الشعور بتساويهما فى الدلالة أو تقاربهما على - الأقل - كان دائماً يساور نقاد الحديث، فهل السنة العملية إلا الطريقة النبوية التى كان الرسول -صلوات الله عليه- يؤيدها بأقواله الحكيمة وأحاديثه الرشيدة الموجهة؟ وهل موضوع الحديث يغاير موضوع السنة؟ ألا يدوران كلاهما حول محور واحد؟ ألا ينتهيان أخيراً إلى النبى الكريم فى أقواله المؤيدة لأعماله، وفى أعماله المؤيدة لأقواله؟ حين جالت هذه الأسئلة فى أذهان النقاد لم يجدوا بأساً فى أن يصرحوا بحقيقة لا ترد إذا تناسينا موردى التسميتين كان الحديث والسنة شيئاً واحداً، فليقل أكثر المحدثين أنهما مترادفان (١) . وإذن فمعنى السنة والحديث عند علماء الشرع واحد من حيث إطلاق أحدهما مكان الآخر، ففى كل منهما إضافة قول أو فعل أو تقرير أو صفة إلى النبى ﷺ . إلا أن أهل كل اختصاص قد نظروا إلى السنة من الزاوية التى تعنيهم-من حيث تخصصهم وموضوع علمهم. ١- فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ . الإمام الهادى، والرائد الناصح، الذى أخبر الله أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل، وأخبار وأقوال وأفعال سواء أثبت المنقول حكماً شرعياً أم لا (٢) . فعرفوها بأنها كل ما نقل عن النبى ﷺ . من قول أو فعل أو إقرار (تقرير) أو صفة خِلْقِية أو صفة خُلُقِية حتى الحركات والسكنات فى اليقظة والمنام قبل البعثة أو بعدها.

стр. 34

فلذلك من الأثر ماله فى إثبات النبوة وإعطاء الأسوة وتعميق الإيمان، وتوكيد العلاقة والمحبة والتوقير بيننا وبينه ﷺ .، والالتزام بسنته المطهرة (١) . أما علماء الأصول: فإنهم يعنون بالبحث فى مصادر الشريعة، وأخذ الأدلة الشرعية من النصوص، واستنباط الأحكام منها - ومن هنا كان اهتمامهم بالسنة من حيث كونها المصدر الثانى للتشريع بعد كتاب الله تعالى فعرفوها بأنها كل ما صدر عن النبى ﷺ . من قول، أو فعل، أو تقرير، أو ترك، أو كتابة، أو إشارة مفهمه أو هم مصحوب بالقرائن، أو غير ذلك مما يثبت الأحكام ويقررها، مما لم ينطق به الكتاب العزيز (٢) . أما الفقهاء فيطلقون كلمة "سنة" ويعنون بها ما يقل عن درجة الوجوب والإلزام، فالواجب والفرض عندهم ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، أما السنة عندهم - فهى ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها مما فعله الرسول ﷺ . وواظب عليه؛ لأنها فى اصطلاحهم - أقل إلزاماً من الفرض، ونظرة الفقهاء إلى السنة خاضعة لتخصصهم، ولموضوع علمهم الذى هو البحث عن حكم الشرع على أفعال العباد من حيث الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة ومن هنا خضع تعريفهم للسنة إلى تخصصهم الذى يعملون فيه (٣) . السنة وعمل الصحابة: يقول فى ذلك الدكتور محمد عجاج الخطيب، إلى جانب المعنى السابق الذى يدل عليه لفظ السنة، فقد يطلق العلماء (محدثين وأصوليين وفقهاء) لفظ السنة أحياناً على ما عمل به أصحاب رسول الله ﷺ . سواء أكان ذلك فى القرآن الكريم أم فى المأثور عن النبى ﷺ . أم لا، لكنه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم، أو اجتهادٍ مجتمعاً عليه منهم.

стр. 35

ومن أبرز ما ثبت فى السنة بهذا المعنى حد الخمر، حيث كان تعزير شارب الخمر فى عهده ﷺ . غير معين فكانوا يضربونه تارة أربعين جلده، وتارة يبلغون ثمانين جلدة، فلما كان عهد عمر (١) ﵁ استشار الناس؛ فقال عبد الرحمن بن عوف (٢) ﵁ أخف الحدود ثمانون، وقال على (٣) ﵁ نرى أن نجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر ﵁ فى الخمر ثمانين (٤) . وثبت فى ذلك أيضاً تضمين الصناع. وقضى الخلفاء ﵃ بذلك، قال على ﵁ لا يصلح الناس إلا ذاك؛ لأن الناس بحاجة إلى الاستصناع، وعدم تضمين الصناع يورث الإهمال فى العمل وعدم المسئولية، مما يؤدى إلى ضياع أموال الناس (٥) . ومن ذلك أيضاً، جَمْعُ المصاحف فى عهد أبى بكر برأى عمر -رضى الله عنهما- (٦) ، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة وتدوين الدواوين، وما أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحى الذى أقره الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعين (٧) . ومما يدل على إطلاق السنة بهذا المعنى قوله ﷺ . فيما رواه عنه العرباض بن سارية (٨) ﵁ قال:

стр. 36

صلى بنا رسول الله ﷺ . الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع، والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) وقوله ﷺ . فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو (٢) -رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ . "إن بنى اسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين، كلهم فى النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هى يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابى" (٣) . واستدل على ذلك أيضاً بأن السلف كانوا يقولون: سنة العمريين أى أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما-، ومما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن مالك بن أنس (٤) قال عمر بن عبد العزيز (٥) :

стр. 37

سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله ﷺ ، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها؛ فهو مهتد، ومن استنصر بها؛ فهو منصور، ومن خالفها؛ اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً (١) . وإذا كان عمل الصحابة ﵃ يطلق عليه لفظ السنة - فلا يعنى هذا أن السنة معناها فى صدر الإسلام "العادات والتقاليد الوراثية فى المجتمع العربى الجاهلى، ثم نقلت إلى الإسلام" كما زعم جولدتسيهر وغيره، لأن تلك الادعاءات كما قال الدكتور الأعظمى تخالف مخالفه جذرية ما دلت عليه النصوص القطعية والتى تفسر بعضها بعضاً. لما رواه أحمد فى مسنده عن سالم (٢) قال "كان عبد الله بن عمر (٣) يفتى بالذى أنزل الله من الرخصة بالتمتع، وسن رسول الله ﷺ . فيه: فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك؟ وقد نهى عن ذلك، فيقول لهم عبد الله ويلكم ألا تتقون الله إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغى فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك؟ وقد أحله الله وعمل به رسول الله ﷺ . أفرسول الله ﷺ . أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر" (٤) . فدل ذلك على أن لفظ "السنة" فى صدر الإسلام كان معلوماً بأنها سنة النبى ﷺ . وليس ما كان معروفاً مألوفاً فى الجاهلية، إذ لو كان الفرق الشائع، أو تقاليد المجتمع الجاهلية هما "السنة" فكيف نفسر قول ابن عمر هذا؟ (٥) .

стр. 38

هذا وإن كانت السنة تطلق على ما عمل به أصحاب رسول الله ﵃ كما سبق، فهى أيضاً تطلق ويراد بها الجانب العملى الذى نقل لنا عن رسول الله ﷺ . أما الحديث: فهو الأخبار التى نقلت لنا عنه ﷺ . من أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته ... إلخ. وفى ضوء ذلك نستطيع أن نفهم قول العلماء فى وصف أحدهم مثلاً (إمام فى الحديث) أو (إمام فى السنة) أو قولهم عنه إنه (إمام فيهما معاً) ، أى أنه عالم فى الحديث، وعالم بالسنة يطبقها على نفسه، ويلتزم بها فى سلوكه. والسنة بهذا المعنى الأخير تباين البدعة التى ليست من الدين والتى اعتبرها الرسول ﷺ . ضلالة؛ لأنها ليست من شرع الله فى شئ، وكل ضلالة فى النار. وفى ضوء ذلك أيضاً نستطيع أن نفهم قول الرسول ﷺ . "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) ... ووفقاً لهذا المعنى نستطيع أن نفهم أيضاً قول عبد الرحمن ابن مهدى (٢) -وهو واحد من أفذاذ علم الحديث ورجاله، ومن كبار العلماء بالسنة - حينما سئل عن مالك بن أنس، والأوزاعى (٣) ، وسفيان بن عيينة (٤) فقال: الأوزاعى إمام فى السنة وليس بإمام فى الحديث، وسفيان إمام فى الحديث وليس بإمام فى السنة، ومالك إمام فيهما معاً.

стр. 39

وإجابة عبد الرحمن بن مهدى واضحة الدلالة على أن السنة -فى مثل هذا الاستعمال- إنما يراد بها الجانب العملى فى الإسلام، أما الحديث فهو الاشتغال بما نقل لنا عن رسول الله ﷺ . من أقواله وأفعاله وتقريراته ... إلخ. ومن هنا يقولون أيضاً: فلان صاحب سنة وفلان صاحب بدعة، أما الأول، فلأنه يتبع هدى النبى ﷺ .، "وأما الثانى؛ فلأنه يحاول أن يلحق بالدين ما ليس منه (١) . يقول الدكتور صبحى الصالح: وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتاباً بعنوان "السنن بشواهد الحديث" (٢) . وهناك تفريق آخر بين الحديث والسنة وهو ما ذكره العلامة الكتانى من أن الموقوف لا يسمى سنة، ولكنه يسمى حديثاً" (٣) . ويعقب الدكتور محمد الصباغ: على التفريق بين السنة والحديث فى قول الأمام عبد الرحمن بن مهدى فيقول: ولكن هذا التفريق لم يعش طويلاً فيما بعد، وأضحت الكلمتان مترادفتين، ولا نذكر هذا التفريق إلا من أجل فهم مثل العبارة الواردة عن ابن مهدى والتى ذكرناها آنفاً (٤) . هذا ومرادى بالسنة هنا: ما أراده المحدثون وذهب إليه جمهورهم وهى: أقوال النبى ﷺ . وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلْقِية والخُلُقِية وسيره ومغازيه قبل البعثة مثل تحنثه فى غار حراء (٥) ، ومثل حسن سيرته، لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال؛ كقول أم المؤمنين خديجة -رضى الله عنها- له ﷺ . كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق (٦)

стр. 40

ومثل أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأنه عرف بالصدق والأمانة وما إلى ذلك من صفات الخير، وحسن الخلق، فمثل ذلك ينتفع به فى إثبات نبوته ﷺ . كثيراً كما حصل من هرقل فى حديثه المشهور (١) . وهذا ما جعل العلماء يعتبرون كل ما يتصل به ﷺ . قبل البعثة جزءاً من السنة؛ فالسنة عندهم تشمل كل ما يتصل بالرسول ﷺ . قبل وبعد البعثة، ويدخل فى التعريف ما كان عليه عمل الصحابة. وهذا أجمع تعريف لها (٢) . والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوى عندهم (٣) أ. هـ.. ومن هنا يظهر فساد قول جولدتسيهر: فى كتابه (دراسات محمدية) يجب أن يكون مصطلح "الحديث"، ومصطلح "السنة" متميزين عن بعضهما (٤) ، فهما ليسا بمعنى واحد، وإنما السنة دليل الحديث (٥) . وجولدتسيهر بزعمه هذا لم يفرق بين المعانى اللغوية والمعانى الاصطلاحية للفظتين: الحديث والسنة لذلك تراه يخلط فى الموضوع بعدم التزامه باصطلاحات علماء الشرع، مما جعله يظن أن الخلاف فى معانى لفظ (حديث) و (سنة) هو نوع من الاضطراب فى التفكير عند المسلمين، وهذه الاصطلاحات قد استوفيناها قبل قليل، فظهر أنه لم يعتبر اصطلاحات القوم، بل لم يقترب منها أدنى الاقتراب. وقوله (إنما السنة دليل الحديث) هذه الدعوى جره إليها تفريقه بين الحديث والسنة، وكان الأشبه العكس، فالحديث دليل السنة، فهما بمعنى واحد فى اصطلاح الأصوليين. ومن هنا جاء قولهم: سنة ثابتة عن الرسول، وسنة غير ثابتة عنه.
следующие страницы →