صلى بنا رسول الله ﷺ . الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع، والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) وقوله ﷺ . فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو (٢) -رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ . "إن بنى اسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين، كلهم فى النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هى يا رسول الله قال: ما أنا عليه وأصحابى" (٣) .
واستدل على ذلك أيضاً بأن السلف كانوا يقولون: سنة العمريين أى أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما-، ومما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن مالك بن أنس (٤) قال عمر بن عبد العزيز (٥) :
стр. 37
سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق بكتاب الله ﷺ ، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها؛ فهو مهتد، ومن استنصر بها؛ فهو منصور، ومن خالفها؛ اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً (١) .
وإذا كان عمل الصحابة ﵃ يطلق عليه لفظ السنة - فلا يعنى هذا أن السنة معناها فى صدر الإسلام "العادات والتقاليد الوراثية فى المجتمع العربى الجاهلى، ثم نقلت إلى الإسلام" كما زعم جولدتسيهر وغيره، لأن تلك الادعاءات كما قال الدكتور الأعظمى تخالف مخالفه جذرية ما دلت عليه النصوص القطعية والتى تفسر بعضها بعضاً. لما رواه أحمد فى مسنده عن سالم (٢) قال "كان عبد الله بن عمر (٣) يفتى بالذى أنزل الله من الرخصة بالتمتع، وسن رسول الله ﷺ . فيه: فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك؟ وقد نهى عن ذلك، فيقول لهم عبد الله ويلكم ألا تتقون الله إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغى فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك؟ وقد أحله الله وعمل به رسول الله ﷺ . أفرسول الله ﷺ . أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر" (٤) .
فدل ذلك على أن لفظ "السنة" فى صدر الإسلام كان معلوماً بأنها سنة النبى ﷺ . وليس ما كان معروفاً مألوفاً فى الجاهلية، إذ لو كان الفرق الشائع، أو تقاليد المجتمع الجاهلية هما "السنة" فكيف نفسر قول ابن عمر هذا؟ (٥) .
стр. 38
هذا وإن كانت السنة تطلق على ما عمل به أصحاب رسول الله ﵃ كما سبق، فهى أيضاً تطلق ويراد بها الجانب العملى الذى نقل لنا عن رسول الله ﷺ . أما الحديث: فهو الأخبار التى نقلت لنا عنه ﷺ . من أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته ... إلخ. وفى ضوء ذلك نستطيع أن نفهم قول العلماء فى وصف أحدهم مثلاً (إمام فى الحديث) أو (إمام فى السنة) أو قولهم عنه إنه (إمام فيهما معاً) ، أى أنه عالم فى الحديث، وعالم بالسنة يطبقها على نفسه، ويلتزم بها فى سلوكه.
والسنة بهذا المعنى الأخير تباين البدعة التى ليست من الدين والتى اعتبرها الرسول ﷺ . ضلالة؛ لأنها ليست من شرع الله فى شئ، وكل ضلالة فى النار. وفى ضوء ذلك أيضاً نستطيع أن نفهم قول الرسول ﷺ . "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) ... ووفقاً لهذا المعنى نستطيع أن نفهم أيضاً قول عبد الرحمن ابن مهدى (٢) -وهو واحد من أفذاذ علم الحديث ورجاله، ومن كبار العلماء بالسنة - حينما سئل عن مالك بن أنس، والأوزاعى (٣) ، وسفيان بن عيينة (٤) فقال: الأوزاعى إمام فى السنة وليس بإمام فى الحديث، وسفيان إمام فى الحديث وليس بإمام فى السنة، ومالك إمام فيهما معاً.
стр. 39
وإجابة عبد الرحمن بن مهدى واضحة الدلالة على أن السنة -فى مثل هذا الاستعمال- إنما يراد بها الجانب العملى فى الإسلام، أما الحديث فهو الاشتغال بما نقل لنا عن رسول الله ﷺ . من أقواله وأفعاله وتقريراته ... إلخ.
ومن هنا يقولون أيضاً: فلان صاحب سنة وفلان صاحب بدعة، أما الأول، فلأنه يتبع هدى النبى ﷺ .، "وأما الثانى؛ فلأنه يحاول أن يلحق بالدين ما ليس منه (١) .
يقول الدكتور صبحى الصالح: وأغرب من هذا كله أن أحد المفهومين يدعم بالآخر كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صح أن يذكر ابن النديم كتاباً بعنوان "السنن بشواهد الحديث" (٢) .
وهناك تفريق آخر بين الحديث والسنة وهو ما ذكره العلامة الكتانى من أن الموقوف لا يسمى سنة، ولكنه يسمى حديثاً" (٣) .
ويعقب الدكتور محمد الصباغ: على التفريق بين السنة والحديث فى قول الأمام عبد الرحمن بن مهدى فيقول: ولكن هذا التفريق لم يعش طويلاً فيما بعد، وأضحت الكلمتان مترادفتين، ولا نذكر هذا التفريق إلا من أجل فهم مثل العبارة الواردة عن ابن مهدى والتى ذكرناها آنفاً (٤) .
هذا ومرادى بالسنة هنا: ما أراده المحدثون وذهب إليه جمهورهم وهى: أقوال النبى ﷺ . وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلْقِية والخُلُقِية وسيره ومغازيه قبل البعثة مثل تحنثه فى غار حراء (٥) ، ومثل حسن سيرته، لأن الحال يستفاد منها ما كان عليه من كريم الأخلاق ومحاسن الأفعال؛ كقول أم المؤمنين خديجة -رضى الله عنها- له ﷺ . كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق (٦)
стр. 40
ومثل أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأنه عرف بالصدق والأمانة وما إلى ذلك من صفات الخير، وحسن الخلق، فمثل ذلك ينتفع به فى إثبات نبوته ﷺ . كثيراً كما حصل من هرقل فى حديثه المشهور (١) .
وهذا ما جعل العلماء يعتبرون كل ما يتصل به ﷺ . قبل البعثة جزءاً من السنة؛ فالسنة عندهم تشمل كل ما يتصل بالرسول ﷺ . قبل وبعد البعثة، ويدخل فى التعريف ما كان عليه عمل الصحابة. وهذا أجمع تعريف لها (٢) . والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوى عندهم (٣) أ. هـ..
ومن هنا يظهر فساد قول جولدتسيهر: فى كتابه (دراسات محمدية) يجب أن يكون مصطلح "الحديث"، ومصطلح "السنة" متميزين عن بعضهما (٤) ، فهما ليسا بمعنى واحد، وإنما السنة دليل الحديث (٥) .
وجولدتسيهر بزعمه هذا لم يفرق بين المعانى اللغوية والمعانى الاصطلاحية للفظتين: الحديث والسنة لذلك تراه يخلط فى الموضوع بعدم التزامه باصطلاحات علماء الشرع، مما جعله يظن أن الخلاف فى معانى لفظ (حديث) و (سنة) هو نوع من الاضطراب فى التفكير عند المسلمين، وهذه الاصطلاحات قد استوفيناها قبل قليل، فظهر أنه لم يعتبر اصطلاحات القوم، بل لم يقترب منها أدنى الاقتراب.
وقوله (إنما السنة دليل الحديث) هذه الدعوى جره إليها تفريقه بين الحديث والسنة، وكان الأشبه العكس، فالحديث دليل السنة، فهما بمعنى واحد فى اصطلاح الأصوليين.
ومن هنا جاء قولهم: سنة ثابتة عن الرسول، وسنة غير ثابتة عنه.
стр. 41
فالأولى: لأنه ثبت عن الرسول الكريم أنه قال ذلك الشئ أو فعله أو أقره، وطريقة ثبوت ذلك عن الرسول هو وجود الحديث الشريف الذى يتضمن ذلك ويشهد عليه.
الثانية: لأنه لم نجد حديثاً عن النبى قولاً أو فعلاً أو تقريراً يؤكدها، فهى بذلك سنة غير ملزمة وكذلك إذا قيل: السنة كذا، ومن السنة كذا، وهكذا السنة كلها دليل شرعى ملزم؛ لأن ذلك ثابت عن النبى (بوجه من الوجوه (١) أ. هـ. .
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 42
المطلب الثالث:شبهة حول التسمية والرد عليها
من نافلة القول أن نقرر: أن كلمتى "السنة" و"الحديث" عربيتين، حيث أنكر هذه البديهية من أعداء الإسلام جولد تسيهر حين زعم تارةً بأن كلمة "السنة" مأخوذة من العبرية (مشناة) فقال: "حتى فى الإسلام، أخذت هذه الفكرة مكاناً أيضاً، أعنى اتخاذ قانون مقدس وراء القرآن مكتوباً أو مسموعاً كما هو الحال عند اليهود" (١) .
وقال تارةً ثانية: أنها مصطلح وثنى فى أصله وإنما تبناه واقتبسه الإسلام. وتابعه على ذلك من جلدته شاخت ومارغوليوث، كما نقله عنهم الدكتور محمد الأعظمى فى كتابه (دراسات فى الحديث النبوى) (٢) .
وتابع المستشرقين على ذلك قاسم أحمد حيث قال: "وما ينبغى أن يفطن إليه المسلمون هو التشابه الكبير جداً بين هذا الرأى ورأى اليهود القديم عن الوحى المكتوب والشفوى. فالتلمود اليهودى الذى يشمل المشناة والجمارة وهما يشبهان الحديث والسنة الإسلامية. وهما عبارة عن مجموعة تعاليم شفوية لحاخامات وكبار علماء اليهود أساسها تفسيرهم وشرحهم لكتابهم المقدس على مدى طويل على لسان العالم اليهودى يهوذا جولدن (٣) .
كما زعم المستشرق الفريد غيوم فى كتابه (الحديث فى الإسلام) : أن كلمة"حديث" مشتقة من الكلمة العبرية عند اليهود "هداش" والتى تعنى الجديد أو تعنى الأخبار أو القصص (٤) .
ومرد هذه الشبهة يهدف إلى نفى أن تكون الكلمتين عربيتين.
وقد رد هذه الشبهة الباطلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت فى كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) ونفى أن تكون كلمة السنة مأخوذة من العبرية (٥) .
стр. 43
كما رد الدكتور محمد الأعظمى فى كتابه (دراسات فى الحديث النبوى) الزعم الباطل لجولدتسيهر؛ أنها مصطلح وثنى فى أصله، وإنما تبناه واقتبسه الإسلام (١) .
وذكر هذه الشبهة وردها الدكتور رءوف شلبى فى كتابه (السنة النبوية بين إثبات الفاهمين ورفض الجاهلين) فقال: بحكم طبيعة الحياة فإن الخير لا يسلم من الشر، وإن العدل لا يسلم من الجور، ولقد قيض الشيطان عناصر تفترى على الإسلام وعلى مصادره، فقد زعم بعض الباحثين أن التعبير بكلمة سنة أخذه المسلمون من الكلمة العبرية (مشناة) التى تطلق فى الاصطلاح اليهودى على مجموعة الروايات الإسرائيلية التى تعتبر فى نظرهم مرجعاً أساسياً فى التعرف على أحكام التوراة، كما تعتبر شرحاً وتفسيراً لها، ثم عربها المسلمون إلى كلمة (سنة) ويدعى اليهود أن المسلمين أطلقوها - بعد التعريب - علماً على مجموعة الروايات النبوية فى مقابل استعمالهم لكلمة "مشناة" علماً على مجموعة الروايات الإسرائيلية.
والجواب: يقول فضيلة الأستاذ الدكتور رءوف شلبى اعتراض اليهود ومن تابعهم على كلمة "سنة" و"حديث" ملخص فى نقطتين:
١- أن المسلمين عربوهما من كلمة "مشناة" و"هداش".
٢- أن المسلمين أطلقوهما علماً على مجموعة الروايات النبوية فى مقابل ما صنعه اليهود من إطلاقهم كلمة "مشناة" على مجموعة الروايات الإسرائيلية التى تشرح لهم التوراة، ونعتبر المصدر الأساسى فى التعرف على الأحكام.
ورداً على النقطة الأولى: فإن العقل الباحث الأمين لا يتقبل ادعاء اليهود ومن صار على دربهم، أن العرب الأوائل المسلمين قد عربوا "مشناة" إلى"سنة" أو عربوا "هداش" إلى "حديث".
أولاً: لعدم المشابهة فى الحروف والبنية.
стр. 44
ثانياً: لأن الكلمتين ورد استعمالهما فى الشعر الجاهلى قبل الإسلام، كما استعملهما ربنا فى كتابة العزيز، واستعملهما نبينا ﷺ . فى حديثه الشريف، على نحو ما ذكرناه سالفاً فى تعريف السنة والحديث لغة. وذلك مما لا يترك مجالاً لفرضية بحث تعريب كلمة سنة من مشناة أو حديث من هداش.
وإذاً فالكلمتين لم يعربهما المسلمون من كلمتى مشناة وهداش، وإنما أخذوهما من صميم لغتهم، وصريح كتابهم الكريم، وصريح حديث نبيهم ﷺ . (١) .
يقول الدكتور الأعظمى: ولذا فإن ما قاله جولدتسيهر بأن السنة مصطلح وثنى استخدمه الإسلام، ادعاء لا يستند إلى دليل، ومعارض للأدلة الملموسة، ثم إن استعمال الجاهليين أو الوثنيين من العرب لكلمة "ما" فى مفهومها اللغوى لا يلبسها ثوباً معيناً، ولا يحيلها إلى مصطلح وثنى وخصوصاً إذا لاحظنا استعمالاتهم المختلفة لهذه الكلمة، وإلا أصبحت اللغة العربية بكاملها مصطلحاً وثنياً وهذا لا يقول به عاقل (٢) .
ونفس هذا الكلام يقال رداً على ما زعمه الفريد غيوم من أن كلمة "حديث" مشتقة من الكلمة العبرية "هداش".
ورداً على النقطة الثانية: يقول ابن قيم الجوزية (٣) فى إغاثة اللهفان: إن كلمة مشناة إنما تعنى الكتاب الذى ألفه علماء اليهود فى زمن دولة البابليين والفرس، ودولة اليونان والروم، وهو الكتاب الأصغر، ومبلغ حجمه نحو ثمانمائة ورقة.
أما التلمود: فهو الكتاب الأكبر الذى ألفه علماء اليهود مع مشناة، ومبلغ حجمه نحو نصف حمل بغل لكبره، ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه فى عصر واحد، وإنما ألفوه جيلاً بعد جيل، فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر عليه الزمان زادوا فيه، وأن فى الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الذى لا يمكن سده، قطعوا الزيادة فيه، ومنعوا منها، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شئ آخر إليه، وحرموا من أن يضاف إليه شئ آخر فوقف على ذلك المقدار (٤) .
стр. 45
وإذاً فالمشناة والتلمود من تأليف فقهاء اليهود إرضاءً لأهوائهم، وقد نسبوها إلى التوراة وإلى سيدنا موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وليس الأمر كذلك فى الحديث النبوى والسنة المطهرة؛ فهى مرويات نبوية موحى بها من قبل رب العزة، ولا مدخل لأحد من علماء الإسلام فى شئ منها إلا بحفظها ورعايتها وتنفيذها، وصاحب السنة المطهرة ﷺ . هو الذى أطلق وسمى كل ما ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير أو ... إلخ. بأنه من حديثه الشريف وسنته المطهرة. فهو القائل ﷺ .: "قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم، ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس، إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ." (١) .
وبهذا كله يتضح لنا أن الكلمتين "سنة" و"حديث":
١- عربيتان أصيلتان.
٢- وأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد استعملاهما.
٣- وأن الرسول ﷺ . هو الذى سمى الحديث والسنة ووضعهما علماً على كل ما ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير ... إلخ، كما سبق وأن ذكرت.
وبذلك ينمحى من الإمكان فرض أن المسلمين عربوا كلمة "سُنة" من كلمة "مشناة" أو "من هداش"، أو فرض أنها مصطلح وثنى، وأنه فرق كبير بين ثريا المحجة البيضاء فى الإسلام، وبين ثرى المحرفين الذين لعنوا على لسان أنبيائهم داود وعيسى بن مريم جزاءاً بما كانوا يصنعون (٢) أ. هـ..
والله ﵎ أعلى وأعلم.
стр. 46
المبحث الثالث:الحديث النبوي بالسند المتصل
من خصائص الأمة الإسلامية
قال الدكتور سعد المرصفى الحديث النبوى بالسند المتصل: "خص الله به الأمة الإسلامية دون ما سواها، فلسنا نعرف على مدى التاريخ أمة من أمم الرسل-عليهم صلوات الله وتسليماته - سعدت بمثل هذه المجموعة الناطقة، وبهذا السجل الخالد لنبيها بالسند المتصل، بل بالعكس من ذلك نرى الأمم كلها فقيرة لا تملك مصدراً من مصادر الحديث عن الأنبياء حيث انقطعت الصلة بينها وبين أنبيائها علمياً وتاريخياً، وفقدت الحلقة التاريخية التى تصلها بعصر هؤلاء الرسل -عليهم صلوات الله وتسليماته- وتوقفها على شئون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات حتى صار كثير من المفكرين يشكون فى وجودهم، ونحن على معارضتنا لهذا التطرف. نؤمن بأن هناك حلقات مفقودة لا يمكن البحث عنها، والاهتداء إليها.
أما خاتم الرسل والأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه - فهو الرسول الذى نعرف عنه كل دقيق وجليل، ونعرف عنه من دقائق الأخلاق والعادات والميول والرغبات، والقول والعمل ما لا نعرفه عن غيره بالسند المتصل، بل إن ما عرفناه عن الأنبياء جاء من طريق الوحى الذى أنزله الله عليه فى كتابه، وبينه لنا ﷺ . فى حديثه الشريف.
فالحديث المتصل: هو السجل الخالد الذى حفظ لنا هذه الحياة المباركة، وهو من خصائص هذه الأمة دون ما سواها. وهو الذى يعرف المسلم بنبيه وحبيبه ويسعده بصحبته، وكأنه حضر مجلسه، واستمع لحديثه، وقضى معه مدة من الزمان؛ ليسمع كلامه، ويشاهد فعله، ويشاهد سيرته، ثم إنه ميزان عادل لحركة هذه الأمة، زاخر بالحياة النابضة، والقوة المؤثرة التى تبعث على الخير والفلاح والرشد والصلاح.
стр. 47
ومن رحمة الله تعالى أن كانت أمة الإسلام أمة تملك قوة الذاكرة، وعظمة الصدق وتحمل الرواية، وقد فاقت فى ذلك كل الأمم، وقد وعى الصحابة الكرام - رضى الله ﵎ عنهم أجمعين - كل ما سمعوه وكل ما شاهدوه، وحرصوا أشد الحرص وأبلغه على حفظه ونشره، حرصاً لم يعرف عن أمة نبى من الأنبياء، وجاء التابعون وتابعوهم فحملوا الأمانة، وبلغوا حديث الرسول الحبيب، وتتابع المسلمون جيلاً بعد جيل برواية العدل الضابط عن مثله يحفظون ويبلغون (١) أ. هـ.
وصدق القائل: "إن الحديث علم رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر لا يعتنى به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، ولا تفنى محاسنه على مر الدهر، لم يزل فى القديم والحديث يسمو عزةً وجلالاً، إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين، ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يدرى شمائل من سما ذاتاً ووصفاً واسماً، ويقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عرباً وعجماً (٢) .
يقول الدكتور محمد على الصابونى: "وسيظل الحديث النبوى بالسند المتصل من الخصائص التى اختص الله بها هذه الأمة الإسلامية، ذلك الكنز الثمين، والتراث النبوى العظيم، الذى تركه لنا سيد المرسلين ﷺ .، فحفظته الأمة غضاً طرياً على مدى العصور والأزمان وها نحن اليوم وقد مضى القرن الرابع عشر، ودخلنا فى القرن الخامس عشر من هجرة سيد المرسلين ﷺ . نقرأ حديث نبينا ﷺ . ونسمعه ونحفظه، كما نطق به رسول الله ﷺ . ويخطب به ويذاع على العالم، نقياً صحيحاً وكأن رسول الله ﷺ . حىٌّ بين أظهرنا نتحدث به هذه الساعة، ولم يكن مثل هذا لأمة من أمم الأرض، أمة حفظت ورعت كلام نبيها كما رعته وحفظته هذه الأمة الإسلامية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، ليبقى دين الله خالداً دائماً مدى الأزمان" (٣) .
стр. 48
المبحث الرابع:الحديث النبوى تاريخ الإسلام
لا يخفى أن القرآن الحكيم إنما نزل لهداية البشر إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، ولهذا بين لهم طريق العمل وسبل النجاح، وأعلن أن الأمة التى تعمل بهذا القانون تكون لها الخلافة فى الأرض وتنال من السعادة والسيادة ما لا يزيد عليه، وتكون خير أمة أخرجت للناس. وكل من لم يعمل بهذا القانون يكون ذليلاً مهاناً فى الأرض، وشقياً فى الدنيا والآخرة.
فإذا سألنا أحدٌ: هل وجدت أمة فى زمن من الأزمان عملت بهذا القانون؟ وهل نالت به ما وعدت؟ ومتى كانت هذه الأمة، وكيف كانت طريقة عملها بهذا القانون، وأين التاريخ الصحيح لأعمالها؟ نقول له: نعم وجدت أمة عظيمة عملت بهذا الكتاب الحكيم، واتخذته قانوناً أساسياً لها مدة كبيرة، فصدقها الله وعده، وأنعم عليها بالخلافة والسيادة فى الأرض، وامتد سلطانها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكانت أمة لا نظير لها فى تاريخ العالم. وتاريخ أعمالهم المجيدة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن وكيفية عملهم بها، كل ذلك ثابت محفوظ بصورة عديمة المثال، فإنه لا يوجد تاريخ لأمة من الأمم يبين عملها وتمسكها فى كل شئونها بقانونها مثل تاريخ هذه الأمة.
هذه الأمة هى: الرسول ﷺ . وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وهذا التاريخ هو الحديث. فبالحديث يعلم كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن وبه يعرف أن القرآن، قانون قد عمل به ونجحت أصوله الإدارية، والسياسية، والمدنية، والأخلاقية ... إلخ. وليس هو مجموعة نظريات محتاجة للإثبات بالتجربة والتطبيق. وأما إذا عملنا برأى المنكرين للحديث فيضيع تاريخ الإسلام الذهبى، ولا يقدر أحد أن يثبت أن القرآن قد عملت به أمة من الأمم ونجحت فى تأسيس حكومة مدنية مطبقة لتعليماته. فهل يرضى المسلمون بهذا؟ لا والله، لا المسلمون يرضون بهذا، ولا العلم، ولا التاريخ يرضيان به ﴿فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (١) .
стр. 49
المبحث الخامس:دراسة الحديث ضرورة لازمة لطالب العلم
قال الدكتور محمد الصباغ: إن دراسة الحديث أمر ضرورى لطالب العلم سواء أكان متخصصاً فى الشريعة أم فى العربية أم فى التاريخ أم فى غير ذلك من العلوم أما ضرورته للتخصص فى الشريعة فواضحة.
الحديث واللغة العربية:
وأما بالنسبة لطالب العربية فنستطيع أن نجعل الدواعى لدراسته فيما يأتى:
أولاً: لأن تأثير الحديث النبوى على ثقافتنا العربية يفوق كل تصور، فلقد صبغت طريقته كل فنون ثقافتنا ومعارفنا، وإنك تجد طريقة السند عمت كل أنواع الكتب فى مكتبتنا من أدبية وتاريخية وغيرهما إذ تعتمد السند فى إيراد أخبارها مثل كتاب "الأغانى" لأبى فرج الأصفهانى، و "الأمالى" لأبى على القالى، و"تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبرى، بل إن كثيراً من العلوم ما كان ليوجد لولا الحديث؛ فطبقات الرجال، وكتب التواريخ، وكتب التراجم والسيرة، كل هذا ثمرة من ثمرات الحديث النبوى.
يقول الدكتور شوقى ضيف: "فالحديث هو الذى فتح باب الكتابة التاريخية، وهيأ لظهور كتب الطبقات فى كل فن، وهذا غير ما نشأ عنه من علوم الحديث وغير مشاركته فى علوم التفسير والفقه، مما بعث على نهضة علمية رائعة". وقال الدكتور أحمد أمين: "كان جمع الحديث أساساً لكل العلوم الدينية تفرع عنه التفسير والفقه وتاريخ السيرة وتاريخ الفتوح والطبقات ... إلخ (١) .
ثانياً: لأن الحديث النبوى من بليغ ما أثر فى لغتنا، ومن أرفع النصوص الأدبية بياناً وإشراقاً بعد القرآن الكريم، والدراسة المفيدة المجدية للغة العربية هى الدراسة التى تجعل الطالب يتخرج بالنصوص الجميلة وتصله بها، حتى يتأثر بأساليبها وطريقتها فى القول....
стр. 50
ثالثاً: لأن علوم العربية وآدابها إنما كانت من أجل خدمة القرآن والحديث، بل إننا لنستطيع أن نقول: إن كل ما فى ثقافتنا من تنوع وتعدد وتلون فى العلوم والفنون والمعارف؛ إنما كان لخدمة القرآن والسنة وفى ذلك يقول الإمام عبد القادر البغدادى (١) : اعلم أنه لا خصلة من الخصال التى تعد فى المفاخر لأهل الإسلام من المعارف والعلوم، وأنواع الاجتهادات، إلا ولأهل السنة فى ميدانها القدح المعلمى، والسهم الأوفر (٢) .
رابعاً: لأن هناك التحاماً وثيقاً بين العربية والعلوم الإسلامية، وكل دارس للعربية لا يعد واقفاً على أسرارها ما لم يشارك فى العلوم الإسلامية الأخرى.
خامساً: لأن الحديث النبوى من الأصول التى يستشهد بها على قواعد اللغة (٣) .
سادساً: لأن قواعد علم المصطلح التى وضعها أجدادنا المسلمون تعلم المنهجية فى الحكم على الأخبار دون أن يكون تأثر بأى اعتبار آخر غير تطبيق تلك القواعد.
قلت: وهو علم تفتخر به هذه الأمة على البشرية جمعاء فهو من خصوصيتها، وسيأتى تفصيل ذلك فى مبحث (أهمية الإسناد فى الدين، واختصاص الأمة الإسلامية عن سائر الأمم) (٤) .
الحديث والتاريخ:
وأما طالب التاريخ فيكفينا للدلالة على أهمية دراسة الحديث بالنسبة له أن نورد قول الدكتور أسد رستم أستاذ التاريخ فى الجامعة اللبنانية (٥) ، قال: وأول من نظم نقد الروايات التاريخية، ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامى، فإنهم اضطروا اضطراراً إلى الاعتناء بأقوال النبى ﷺ . وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل فقالوا: إن هو إلا وحى يوحى، ما تلى منه فهو القرآن، وما لم يتل فهو السنة. فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال فى أسسها وجوهرها محترمة فى الأوساط العلمية حتى يومنا هذا.
يقول الدكتور محمد الصباغ: "وقد وضع الأستاذ المذكور كتاباً بعنوان (مصطلح التاريخ) وقد اعتمد فيه على القواعد التى قررها علماء مصطلح الحديث.
стр. 51
ووصف كتابه بأنه بحث فى نقد الأصول، وتحرى الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها وفيما يقابل ذلك من علم الحديث يقول: "وبإمكاننا أن نصارح زملاءنا فى الغرب فنؤكد لهم بأن ما يفاخرون به من هذا القبيل نشأ وترعرع فى بلادنا، ونحن أحق الناس بتعليمه والعمل بأسسه وقواعده (١) ".
يقول الدكتور السباعى: "وقد اعترف المؤلف فى كتابه بأن قواعد مصطلح الحديث أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات، وقد قال فى الباب السادس (العدالة والضبط) بعد أن ذكر وجوب التحقيق من عدالة الراوى، والأمانة فى خبره: "ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين فى هذا الباب. وإليك بعض ما جاء فى مصنفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمى، واعترافاً بفضلهم على التاريخ ... ثم أخذ فى نقل نصوص عن الأئمة مالك ومسلم والغزالى والقاضى عياض وأبى عمرو بن الصلاح (٢) .
стр. 52
وتأتى أهمية الحديث النبوى فى غير ذلك من العلوم بأنه مصدرٌ لكل معرفة فقد بين النبى ﷺ . من خلال حديثه الشريف جميع أحكام الحياة والموت كما قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ "وقد توفى رسول الله ﷺ . وما طائر يقلب جناحيه فى السماء إلا ذُكر للأمة منه علماً، وعلمهم كل شئ حتى آداب التخلى، وآداب الجماع، والنوم، والقيام، والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسى والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأى عين، وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبى لأمته قبله، وعرفهم ﷺ . من أحوال الموت وما يكون بعده فى البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبى غيره، وكذلك عرفهم ﷺ . من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفى عليه، وكذلك عرفهم ﷺ . من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبداً، وكذلك عرفهم ﷺ . من مكايد إبليس وطرقه التى يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه وكذلك عرفهم ﷺ . من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه؛ وكذلك عرفهم ﷺ . من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.
стр. 53
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه (١) . فكيف يظن بعد كل ذلك أن يكون للإسلام وللمسلمين دين وعلم وحضارة بدون السنة النبوية المطهرة؟
ومن هنا كان التشكيك فى الأحاديث النبوية تشكيكاً فى الإسلام، وفى جميع العلوم والمعارف كما قال الدكتور محمد أبو زهو - رحمه الله تعالى - (ولو أننا ذهبنا نستمع إلى من فى قلوبهم مرض، من دعاة الإلحاد، وخصوم الإسلام، وصرنا إلى ما صاروا إليه من الشبهات، المؤسسة على شفا جرف هار، لذهبت ثقتنا بجميع العلوم، ذلك؛ لأن علمائها لم يبذلوا فيها، من الدرس والتمحيص، والدقة والتحرى، عشر معشار ما بذله علماء الحديث، فى حفظ السنة ورعايتها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومعرفة أحوال رواتها على اختلاف طبقاتهم وأزمنتهم وأمكنتهم، فإذا انهار حصن السنة الحصين، بعد تلك العناية البالغة، التى يشهد بها التاريخ والواقع، لم يبق هناك علم نرجع إليه أو نثق به، وكفى بذلك حمقاً وجهلاً) (٢) .
стр. 54
الباب الأول التعريف بأعداء السنة النبوية
وفيه تمهيد وأربعة فصول:
الفصل الأول: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع قديماً (الخوارج، والشيعة، والمعتزلة) .
الفصل الثانى: أعداء السنة النبوية من المستشرقين.
الفصل الثالث: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع حديثاً (العلمانية، والبهائية، والقاديانية) .
الفصل الرابع: أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة النبوية المطهرة.
التمهيد:
وفيه التعريف بأعداء: لغة وشرعاً.
التعريف بأعداء لغة:
أعداء جمع عدو وهو جمع لا نظير له، وفى القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم ... ْ﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٢) .
وفى السنة المطهرة قال ﷺ . " ... يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بى، ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بى، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم" قالوا: بلى يا رسول الله.... (٣) .
والأعادى جمع الجمع، وقال الراغب: أصل العدو التجاوز ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالمشى، فيقال له: العدو، وتارة بالقلب فيقال له: العداوة، وعدا عليه من باب سما عدوا وعدوا كفلس وفلوس وبهما قُرأ قوله تعالى: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤) وقَرأ الحسن عدواً مثل سمو.
وقال سيبويه (٥) : عدو وصف، ولكنه ضارع الإسم، وقد يثنى ويجمع ويؤنث، وهو ضد الولى، ويقال: عدو بين العداوة والمعاداة، والأنثى عدوة يقال: هذه عدوة الله قال الفراء (٦) : وإنما ادخلوا فيها الهاء تشبيهاً بصديقة؛ لأن الشيء قد يبنى على ضده وقالوا فى جمع (عدوة) عدايا ولم يسمع إلا فى الشعر، وتعادى القوم عادى بعضهم بعضاً.
стр. 55
والعداوة اسم عام من العدو ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ... ﴾ (١) .
التعريف بالأعداء شرعاً:
تحدث رب العزة فى كتابه الكريم عن أعدائه وأعداء هذا الدين وهذه الأمة من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وأهل الملل الباطلة من المشركين، والكافرين، والمنافقين، وأصحاب الأهواء الزائفة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ ... الآية﴾ (٢) .
وأكد المصطفىصلى الله عليه وسلم. تلك العداوة فى سنته المطهرة، وحذر الأمة من أعدائها فقالعزَّ وجلَّ عن عداوة أهل الكتاب ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (٣) .
وعن ابن عمر -رضى الله عنهما- قال "لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيباً فقال: إن رسول الله ﷺ . عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نقركم ما أقركم الله ، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا" (٤) .
وقال تعالى عن عداوة أهل الملل الباطلة من المشركين ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) .
وقال فى حق الكافرين ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٦)
стр. 56
وفى حق المنافقين ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (١) .
وقال فيهم ﷺ .: "إن أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان" (٢) وقال فى حق أصحاب الأهواء الزائفة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) وقال أبو قلابة (٤) ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإنى لا آمن أن يغمسوكم فى ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون" (٥) .
стр. 57
الفصل الأول: أعداء السنة من أهل الأهواء والبدع قديماً
وفيه تمهيد وخمسة مباحث:
تمهيد: وفيه بيان المراد بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع.
المبحث الأول: أهمية دراسة الفرق فى التأريخ للسنة.
المبحث الثانى: التعريف بالخوارج وموقفهم من السنة المطهرة.
المبحث الثالث: التعريف بالشيعة وموقفهم من السنة المطهرة.
المبحث الرابع: التعريف بالمعتزلة وموقفهم من السنة المطهرة.
المبحث الخامس: من الفرق إلى السنة النبوية الجامعة.
стр. 58
تمهيد وفيه بيان المراد بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع:
انتقل رسول الله ﷺ . إلى الرفيق الأعلى وقد بلغ رسالة ربه تعالىكاملة، وما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذرهم منه، كما قال ﷺ .: "إنه لم يكن نبى قبلى إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم" ... الحديث (١) .
كان رأس الخير الذى دل عليه ووصى به الاعتصام بكتاب الله وسنته ﷺ . وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، كما جاء فى الحديث: "إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبداً؛ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . (٢) .
وفى الحديث أيضاً قال رسول الله ﷺ .: "أوصيكم بتقوى الله والسمع، والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ... الحديث (٣) .
وكان من الشر الذى حذر منه الأمة أهواء أهل البدع - كما جاء فى الحديث عن عمر بن الخطاب أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم. قال لعائشة: "يا عائشة (٤) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شيء" (٥) هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة أنا منهم برئ، وهم منى برآء (٦) .
стр. 59
وفى الحديث عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: تلا رسول الله ﷺ . هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (١) قالت: قال رسول الله ﷺ .: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (٢) وعن أبى أمامة الباهلى (٣) ﵁ عن النبى ﷺ . فى قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (٤) قال هم الخوارج، وفى قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٥) قال: هم الخوارج (٦) .
قال الحافظ ابن كثير (٧) : وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابى ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت فى الإسلام؛ فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين كان النبى ﷺ . يقسم قسماً، فكأنهم رأوا فى عقولهم الفاسدة، أنه لم يتق الله ولم يعدل فى القسم، ففاجئوه بهذه المقالة فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة - بقر الله خاصرته - اتق الله يا محمد،
стр. 60
فعن أبى سعيد الخدرى (١) ﵁ قال:
بينما نحن عند رسول الله ﷺ . وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بنى تميم. فقال: يا رسول الله اعدل فقال: "ويلك ومن يعدل إذ لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر: وفى رواية خالد (٢) : يا رسول الله ائذن لى فيه، فأضرب عنقه. فقال "دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... الحديث" (٣) ثم كان ظهورهم أيام على ﵁ وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم انبعث القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التى أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ . فى قوله " ... وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقه كلها فى النار إلا واحدة. قالوا: وما هم يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابى" (٤) .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أصحاب الرأى أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم" (٥) .
ومرادى هنا بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع تلك الفرق التى أخبر عنها المعصوم ﷺ . وتغالت فى بدعتها من الخوارج، والشيعة، والمعتزلة، الذين لقيت السنة المطهرة من أهوائهم وعنتهم عناءً كبيراً، وكان لآرائهم الجامحة فى الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أثر كبير فى اختلاف الآراء، والأحكام فى الفقه الإسلامى، وفيما أثير حول السنة من شبه (٦) .
стр. 61
المبحث الأول: أهمية دراسة الفرق فى التأريخ للسنة المطهرة
سبق وأن ذكرنا أن السنة المطهرة لقيت من عنت أهواء تلك الفرق عناءً كبيراً، وكان لها الأثر الكبير فيما أثير حول السنة من شبهات، ومن هنا كان لابد لكل من يؤرخ للسنة أو يتحدث عن الشبهات التى يطعن بها أعداء الإسلام فى حجيتها أو مكانتها فى التشريع الإسلامى. أن يتعرض للتأريخ لهذه الفرق، فهى فضلاً عن موقفها من السنة المطهرة ومن صحابة رسول الله ﷺ . كان لها الأثر الكبير فى تفريق الأمة الإسلامية إلى أحزاب وشيع. من هذا المنطلق تأتى أهمية دراسة تلك الفرق لما يأتى:
أولاً: لأن هذه الفرق وإن كانت قديمة فليست العبرة بأشخاص مؤسسى تلك الفرق ولا بزمنهم، ولكن العبرة بوجود أفكار تلك الفرق فى وقتنا الحاضر، فإننا إذا نظرنا إلى بعض تلك الفرق الماضية كالخوارج (القرآنيون) نجد أن لها امتداد يسرى فى حاضر الأمة سريان الوباء، وكذلك المعتزلة لا زالت أفكارهم حية قوية يتشدق بها بعض المغرضين من الذين استهوتهم الحضارة الغربية والشرقية، فراحوا يمجدون العقل ويحكمونه فى نصوص الشرع قرآناً وسنة، فما وافق عقولهم قبلوه وإلا ردوه، أو تأولوه تأويلاً يضر بعقيدة المسلم، ويصفون من يعتمد على ما وراء ذلك بالتأخر والانزواء.
إنهم يريدون الخروج عن النهج الإسلامى، ولكنهم لم يجرؤا صراحة على ذلك، فوجدوا أن التستر وراء تلك الآراء التى قال بها من ينتسب إلى الإسلام خير وسيلة لتحقيق ذلك، فذهبوا إلى تمجيد تلك الأفكار لتحقيق أهدافهم البعيدة.
فتأتى أهمية دراسة تلك الفرق لبيان ما فيها من أفكار وآراء هدامة مخالفة لحقيقة الإسلام، وكيف يعمل على إحيائها وترويجها فى العصر الحاضر من سار على دربهم أو تأثر بهم، ذلك أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم فى وضوح تام، فلكل قوم وارث، وصدق رب العزة ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١)
стр. 62
وصدق نبينا ﷺ . "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى ولو سلكوا جحر ضب، لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى قال فمن؟ " (١) .
ويأتى الهدف من وراء ذلك بكشف القناع عن تلك الحركات والأفكار الهدامة التى يقول بها فى العصر الحاضر أولئك الخارجون عن الخط السوى والصراط المستقيم، لتعرية دورهم الخطير فى الطعن والتشكيك فى الإسلام قرآن وسنة، وإشاعة الفرقة والاختلاف فى صفوف المسلمين، بتعريف الناس بأمرهم وبحقيقة فكرهم للتحذير منهم.
ثانياً: إن دراسة تلك الفرق يكشف لنا جذور البلاء الذى شتت قوى المسلمين وفرقهم شيعاً، وجعل بأسهم بينهم شديداً، كما يكشف لنا جذور شبهات أعداء السنة فى العصر الحاضر.
ثالثاً: إن الفرق التى ظهرت قديماً ما من فرقة منها إلا وقد قامت مبادئها على بعض المنكرات، وهى تدعى أنها هى المحقة وما عداها على الضلال، فألبسوا الحق بالباطل، وأظهروا مروقهم وخروجهم وفجورهم عن منهج الكتاب والسنة فى أثواب براقة لترويج بدعهم والدعوة لها. فتأتى دراسة تلك الفرق لبيان أضرارها على العقيدة الإسلامية ووحدة الأمة ورداً على من يزعمون أن الخوارج كانوا من الصحابة، وأن المعتزلة - وهم كانوا من الصحابة والتابعين - رفضوا السنة فى العقائد كما رفضها الخلفاء الراشدون والخوارج، بل يزعمون زيادة على ما سبق أنهم هم الذين نقلوا القرآن، ونقلوا شعائر الدين قبل إقرار مذهب السلف فى ديار المسلمين ... ) (٢) .
стр. 63
رابعاً: إن عدم دراسة الفرق والرد عليها وإبطال الأفكار المخالفة للحق، فيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد، وأن تدعوا إلى كل ما تريد من بدع وخرافات دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد كما هو الواقع، فإن كثيراً من طلاب العلم - فضلاً عن عوام المسلمين - يجهلون أفكار فرق يموج بها العالم، وهى تعمل ليلاً ونهاراً لنشر باطلهم، ولعل هذه الغفلة من المسلمين عن التوجه لكشف هذه الفرق المارقة، لعله من تخطيط أولئك المارقين الذين يحلوا لهم حجب الأنظار عنهم، وعن مخططاتهم الإجرامية، ولا أدل على ذلك من تلك الأفكار وبعض العبارات التى يرددها كثير من المسلمين فى كثير من المجتمعات الإسلامية دون أن يعرفوا أن مصدرها إما من الخوارج مثل قولهم لا حجة فى شئ من أحكام الشريعة إلا من القرآن، أما السنة فلا حجة فيها، ومثل استحلال دماء المسلمين لأقل شبهة، وتكفير الشخص، بل المجتمعات الإسلامية بأدنى ذنب، أو من المعتزلة مثل تمجيد العقل، وتحكيمه فى نصوص الشرع قرآناً وسنة، فما وافقه قبل وإلا فيرد، أو من الشيعة مثل تكفير الصحابة أو بعضهم واتهامهم، بالكذب والخوض فى فتنة عثمان وعلى ومعاوية - رضوان الله على الجميع- أو من البهائية مثل تقديس العدد تسعة عشر، إلى غير ذلك.
ومن المعلوم أن ذلك إنما يعود إلى الجهل بأفكار وأهداف هذه الفرق التى أضلت كثيراً من شباب هذه الأمة فى كثير من المجتمعات الإسلامية قديماً وحديثاً، من هنا تأتى أهمية دراسة الفرق وكشف القناع عن أهوائها وبدعها ليكون ذلك الكشف نوراً يضئ لشباب الأمة طريقه وسط هذا الظلام الفكرى المفتعل من قبل ذيول تلك الفرق التى تعمل فى الظلام لنشر أفكارها، وفرض مخططاتها المعادية للإسلام (١) .
стр. 64
المبحث الثانى: التعريف بالخوارج وموقفهم من السنة المطهرة
التعريف بالخوارج لغة واصطلاحاً
١- فى اللغة: الخوارج فى اللغة جمع خارج، وخارجى اسم مشتق من الخروج وقد أطلق علماء اللغة لكلمة الخوارج فى آخر تعريفاتهم اللغوية فى مادة (خرج) على هذه الطائفة من الناس معللين ذلك بخروجهم عن الدين أو على الإمام على -كرم الله وجهه- أو لخروجهم على الناس (١) .
٢- وفى الاصطلاح: الخوراج هم الذين أنكروا على علىّ التحكيم، وتبرؤوا منه، ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم (٢) وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين (٣) وكل من شاركهم فى آرائهم فى أى زمن يسمى خارجياً (٤) .
وترجع بداية نشأة الخوارج كفرقة ذات اتجاه سياسى وفكر خاص حين خرجوا على الإمام على -كرم الله وجهه- بعد أن رضى بالتحكيم فى موقعة صفين، والتحموا معه فى معركة النهروان الشهيرة (٥) .
الخوارج وهل كان فيهم أحد من الصحابة أو أصحابهم؟
لم يكن فى الخوارج أحد من أصحاب رسول الله ﵃ ولا من فقهاء أصحاب الصحابة من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ولو كان فيهم أحد من فقهاء الصحابة أو من أصحابهم ما اجترءوا على الفتنة والخروج على خليفة المسلمين واتهامه بالكفر وقتله، وإنما هم قوم من الأعراب الجفاة الغلاظ.
стр. 65
وكان يقال لهم: القراء لشدة اجتهادهم فى التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم ويتنطعون فى الزهد والخشوع وغير ذلك (١)
وهؤلاء القوم تنبأ بهم المصطفى ﷺ . وحذر الأمة منهم، وحرض على قتلهم، وذلك عندما تجرأ من هو من جنسهم أو نسلهم ذو الخويصرة على النبى ﷺ . وهو يقسم قسماً قائلاً بتنطع وغلظة "يا محمد اعدل، يا محمد اتق الله" فيقول له النبى ﷺ .: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" ويستأذن عمر بن الخطاب، وفى رواية يستأذن خالد بن الوليد النبى ﷺ . أن يقتله فيقول النبى ﷺ .: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية قال أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلن قتل ثمود (٢) .
وهم كما كان مبدؤهم بسبب الدنيا كما فى الحديث السابق، كذلك كان حالهم مع خليفة المسلمين سيدنا عثمان ﵁ خرجوا عليه وقتلوه طلباً للدنيا، وحقداً، وحسداً له، وحملهم على ذلك قلة دين وضعف يقين، وبذلك خاطبهم الإمام على -كرم الله وجهه-.
فروى الطبرى: أن علياً ذكر إنعام الله علىالأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ . ثم الذى يليه، ثم الذى يليه. وقال: على مسمع من قتله عثمان: "ثم حدث هذا الحدث الذى جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها ثم ذكر أنه راحل غداً إلى البصرة، ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: "ألا ولا يرتحلن غداً أحد أعان على عثمان ﵁ بشئ فى شئ من أمور الناس، وليغن السفهاء عنى أنفسهم" (٣) .
ويدل على أنهم لم يكن فيهم أحد من أصحاب رسول الله ﵃ ولا من فقهاء أصحابه من التابعين ﵃ أجمعين، ما رواه ابن عبد البر بسنده عن ابن عباس (٤) -رضى الله عنهما- قال:
стр. 66
لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علىّ قال: جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين القوم خارجون عليك قال: دعوهم حتى يخرجوا، فلما كان ذات يوم قلت يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتنى حتى أتى القوم. قال: فدخل عليهم وهم قائلون فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر وقد أثر السجود فى جباههم كأن أيديهم ثفن الإبل عليهم قمص مرحضة فقالوا ما جاء بك يا ابن عباس وما هذه الحلة عليك قال قلت ما تعيبون منى فلقد رأيت رسول الله ﷺ . أحسن ما يكون من ثياب اليمنية قال ثم قرأت هذه الآية ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١) .
فقالوا ما جاء بك؟ فقال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﵃ وليس فيكم منهم أحد. ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ . وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم ... إلخ" (٢) .
ويقول الدكتور أبو زهو - رحمه الله تعالى - والذى يظهر أن الخوارج فى مبدئهم كانوا قوماً من الأعراب الجفاة الغلاظ الذين قال الله تعالى فى شأنهم ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) .
فليس فيهم أحد من أصحاب رسول الله ﵃ الذين استضاؤا بنور النبوة، وفهموا القرآن على وجهه الصحيح فلا عجب أن يغتر الخوارج بظواهر القرآن، ولو كلفوا أنفسهم النظر فيه وحده لاهتدوا إلى آيات تأمر بالتحكيم فالله تعالى يقول فى سورة النساء ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٤) فالتحكيم أمر مشروع والحكمان إنما يحكمان حسب ما أمر القرآن العزيز ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) .
стр. 67
وإنما لم يرض على بالتحكيم أولاً؛ لأنه كان يرى الحق معه، وأن طلب التحكيم، إنما هو خدعة من معاوية وعمرو بن العاص، يريدان بها توهين جيش على وتخدير أعصابهم، لما رأياه من تفوقهم فى الموقعة فرفعوا المصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله. ولو أن أصحاب علىّ أطاعوه فى عدم قبول التحكيم لتغير وجه التاريخ ولوقع معاوية وأهل الشام فى براثن الأسد ولكن أراد الله ما قد كان، ولا راد لقضائه (١) .
قال العلامة ابن حزم (٢) فى كتابه الفصل فى الملل والنحل: "إنما حكم علىّ ﵁ أبا موسى وعمراً ليكون كل منهما مدلياً بحجة من قدمه، وليكونا متخاصمين عن الطائفتين، ثم حاكمين لمن أوجب القرآن الحكم له.وإذ من المحال الممتنع الذى لا يمكن أن يفهم لغط العسكرين، أو أن يتكلم جميع أهل العسكر بحجتهم، فصح يقيناً لا محيد عنه صواب علىّ ﵁ فى التحكيم والرجوع إلى ما أوجبه القرآن وهذا لا يجوز غيره، ولكن أسلاف الخوارج كانوا أعراباً، قرءوا القرآن قبل أن يتفقهوا فى السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ . ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء لا من أصحاب ابن مسعود ولا من أصحاب عمر، ولا أصحاب على، ولا أصحاب عائشة، ولا أصحاب أبى موسى، ولا أصحاب معاذ بن جبل، ولا أصحاب أبى الدرداء، ولا أصحاب سلمان، ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر، ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضاً عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها، فظهر ضعف القوم وقوة جهلهم" (٣) .
وفى كل ما سبق رد على ما زعمه كذباً الدكتور أحمد حجازى السقا (٤) أن الخوارج كانوا من الصحابة والتابعين ورفضوا السنة كما رفضها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأنهم هم الذين نقلوا القرآن ونقلوا شعائر الدين قبل إقرار مذهب السلف فى ديار المسلمين ... وأنهم جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ . كجماعة معاوية بن أبى سفيان ﵃، وجماعة على بن أبى طالب ﵁، وهؤلاء الجماعات الثلاث بعد قتل عثمان بن عفان ﵁ سب بعضهم بعضاً وقتل بعضهم بعضاً (٥) .
стр. 68
مصادر الخوارج فى العقائد والأحكام:
خاض الخوارج - كغيرهم من الفرق - فى مسائل اعتقادية وفقهية إلا أنهم بصفة خاصة لم تصل إلينا أكثر آرائهم من كتبهم، وإنما وصلت إلينا من كتب أهل السنة وغيرهم من علماء الفرق الآخرين (١) .
فنقل عنهم باستثناء الإباضية منهم (٢) أنهم ينكرون حجية الإجماع والسنن الشرعية، وقد زعمت هذه الطائفة أنه لا حجة فى شيء من شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن (٣) .
وقد أطلق أتباع هؤلاء، وأتباع بعض غلاة الرافضة فى الأزمنة المتأخرة على أنفسهم اسم "القرآنيون" (٥) ، وحجتهم الحديث الموضوع "ما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فإنى لم أقله" (٦) .
وهم فى تعاملهم مع كتاب الله بين موقفين:
فتارة يكونون نصيين يجمدون على المعنى الظاهر من النص دون بحث عن معناه الذى يهدف إليه وهذا رأى أحمد أمين (٧) ، وأبو زهرة (٨) .
وتارة ثانية يؤولون النصوص تأويلاً يوافق أهواءهم، وقد غلطوا حين ظنوا أن تأويلهم هو ما تهدف إليه النصوص، وعلى هذا الرأى ابن عباس، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٩) ، وابن قيم الجوزية (١٠) .
стр. 69
وكان لموقفهم هذا من القرآن الكريم، وجهلهم بالحديث، وعدم تحملهم له عن غيرهم، لأنهم كفرة فى نظرهم سبباً فى أن عقائدهم وأحكامهم الفقهية جاءت مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، بل منه ما جاء مخالفاً لنصوص القرآن الكريم.
فمنهم من يرى أن التيمم جائز، ولو على رأس بئر، ومنهم من يرى أن الواجب من الصلاة إنما هو ركعة واحدة بالغداة وأخرى بالعشى، ومنهم من يرى الحج فى جميع شهور السنة، ومنهم من يبيح دم الأطفال والنساء ممن لا ينتمى إلى عسكرهم (١) ، ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه، وعظم البلاء بهم وتوسعوا فى معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض فى حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إن كان قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة، وعن التعرض لهم مطلقاً، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبى والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقاً بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعوا أولاً ثم يفتك (٢) ، وغير ذلك الكثير والكثير.
يقول فضيلة الدكتور أبو زهو ﵀: وهذا مما يدل على جهل عميق حتى بالقرآن الكريم، وأكثر ذلك أتاهم كما قلنا من أنهم لا يعتدون برواية جمهور المسلمين، وكيف يأخذون دينهم عن قوم هم كفار فى نظرهم، وإنما يعتمدون ما رواه لهم أئمتهم، وهم كما قلنا خلو من العلم بسنة رسول الله ﷺ .، بل خلوا من فهم أحكام القرآن على وجهها الصحيح.
стр. 70
ثم لا يغيب عن البال أن هذا الحكم لا يسرى على جميع أفراد الخوارج، بل قد وجد منهم فيما بعد أفراد وأئمة تفقهوا فى الدين، ورووا الحديث، واعتمدهم كما قال ابن الصلاح فى مقدمته بعض أئمة الحديث كالبخارى فقد احتج بعمران بن حطان (١) ، وهو من الخوارج لا سيما إذا علمت أن الخوارج يحكمون بكفر من يكذب؛ لأن مرتكب الكبيرة كافر فى نظرهم، والكذب من الكبائر أ. هـ. (٢) .
قلت: احتجاج الإمام البخارى فى صحيحه بعمران بن حطان رغم أنه مبتدع من الخوارج؛ فقد كان رأس القعدية من الصفرية، وفقيههم، وشاعرهم، وخطيبهم مع كونه داعية إلى مذهبه فقد مدح (عبد الرحمن بن ملجم) قاتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁. احتجاج البخارى به وبغيره من المبتدعين محمول على:
١- أنه خرج لهم ما حمل عنهم قبل ابتداعهم.
٢- أو أنهم يكونون ممن تابوا ورجعوا عن بدعتهم فى آخر حياتهم.
٣- أو يكونون تبرؤوا مما نسب إليهم.
وعلى القول الأول حمل ما أخرجه الإمام البخارى عن عمران بن حطان قال ابن حجر ﵀: "وقد أخرج له البخارى على قاعدته فى تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متديناً وقيل: إن يحيى بن أبى كثير (٣) ، حمله عنه قبل أن يبتدع" (٤) وليس لعمران بن حطان فى البخارى سوى حديثين أحدهما متابعة (٥) والآخر أصل (٦) .
وعلى الأقوال السابقة يحمل أيضاً ما أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه عن المبتدعين.
стр. 71
عقيدة الخوارج فى الصحابة ﵃ وأثر ذلك على السنة المطهرة:
للخوارج فى الصحابة ﵃ رأى يخالف رأى الجمهور من المسلمين؛ فهم على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعاً قبل الفتنة، ثم يكفرون عثمان، وعلى، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضى بالتحكيم، وصوب الحكمين أو أحدهما (١) ، وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم، واتباعهم أئمة الجور على زعمهم، فلم يكونوا أهلاً لثقتهم.
أما جمهور المسلمين فقد حكموا بعدالة الصحابة جميعاً، سواء منهم من كان قبل الفتنة أو بعدها، وسواء منهم من انغمس فيها أو جانبها، ويقبلون رواية العدول الثقات عنهم، وكان من آثار هذا الاختلاف فى النظر إلى الصحابة أن هوجمت السنة التى جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الخوارج وهم وإن لم ينغمسوا فى رذيلة الكذب على رسول الله ﷺ . كما فعل غيرهم، نظراً لأنه عندهم كبيرة ومرتكبها كافر (٢) ، ونظراً لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم كانوا غير مستعدين لقبول أفراد من الأمم الأخرى؛ كالفرس، واليهود، والنصارى، وغيرهم ممن يريدون هدم الإسلام واندسوا فى الشيعة، ووضعوا كثيراً من الأحاديث، فضلاً على أنهم كانوا صرحاء لا يعرفون التقية التى يؤمن بها الشيعة (٣) .
إلا أن موقفهم من الصحابة جعلهم يردون الأحاديث التى خرجت بعد الفتنة، أو اشترك رواتها بالفتنة، فضلاً عن جهلهم بأحكام القرآن على وجهها الصحيح؛ جعلهم يخالفون جمهور المسلمين فى عقائدهم وأحكامهم الفقهية كما سبق.
стр. 72
يقول فضيلة الدكتور السباعى ﵀: وإنه لبلاء عظيم أن نسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا فى النزاع مع على أو معاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم فى هذا الرأى لا يقلون عن الشيعة خطراً وفساد رأى، وسوء نتيجة، وإذا كان مدار الاعتماد على الرواية هو صدق الصحابى وأمانته، فيما نقل - وقد كان ذلك موفوراً عندهم - وكان الكذب أبعد شئ عن طبيعتهم ودينهم وتربيتهم، فما دخل ذلك بآرائهم السياسية وأخطائهم؟ ... ووصفهم بأوصاف لا تليق بعامة الناس، فكيف بأصحاب رسول الله ﵃ الذين كان لهم فى خدمة الإسلام قدم صدق، لولاها لكنا نتيه فى الظلمات ولا نعرف كيف نهتدى سبيلاً (١) .
هل كان الخوارج يكذبون فى الحديث ؟
تحت هذا العنوان نفى الدكتور السباعى فى كتابه (السنة ومكانتها فى التشريع) : أن يكون الخوارج كذبوا على رسول الله ﷺ . لأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة على ما هو المشهور عنهم، أو مرتكبى الذنوب مطلقاً كما حكاه الكعبى (٢) فما كانوا يستحلون الكذب ولا الفسق ولا التقية ونفى أن يكون هناك دليلاً محسوساً يدل على أنهم ممن وضعوا الحديث.
وقال معقباً على ما روى عن ابن لهيعة عن شيخ لهم أنه قال: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً (٣) .
وقول عبد الرحمن بن مهدى: إن الخوارج والزنادقة قد وضعوا هذا الحديث "إذا أتاكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ... الحديث" (٤) .
يقول الدكتور السباعى: هكذا قال الكاتبون فى هذا الموضوع من القدامى والمحدثين، ولكنى لم أعثر على حديث وضعه خارجى، وبحثت كثيراً فى كتب الموضوعات، فلم أعثر على خارجى عُدَّ من الكذابين والوضاعين.
стр. 73
أما النص السابق الذى يذكرونه عن شيخ للخوارج، فهو مجهول ولا ندرى من هو؟ وقد سبق مثل هذا التصريح برواية حماد بن سلمة عن شيخ رافضى، فلماذا لا تكون نسبته إلى شيخ خارجى خطأ؟ خصوصاً ولم نعثر لهم على حديث واحد موضوع.
أما قول عبد الرحمن بن مهدى عن حديث (إذا أتاكم ... إلخ) أنه وضعته الزنادقة والخوارج، فلا أدرى مدى صحته عن ابن مهدى، فقد ذكره عنه ابن عبد البر فى (جامع بيان العلم) بلا سند (١) فضلاً على أنه لم يذكر لنا عن ابن مهدى من هو واضعه؟ على أن المنقول عن غير ابن مهدى لفظ الزنادقة فقط، قال شمس الحق العظيم آبادى: فأما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله ... الحديث"؛ فإنه حديث لا أصل له (٢) وقد حكى زكريا الساجى عن يحيى بن معين (٣) أنه قال "هذا حديث وضعته الزنادقة" ونقل الفتنى عن الخطابى (٤) أنه قال أيضاً "وضعته الزنادقة" (٥) ، وليس فى هذين النصين ذكر للخوارج بحال.
وقد ورد عنهم ما ينفى تهمة الكذب عنهم.
يقول المُبَرِّدُ (٦) :
стр. 74
"والخوارج فى جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذوى المعصية الظاهرة (١) " وقال أبو داود (٢) : "ليس فى أصحاب الأهواء أصح حديثاً من الخوارج" (٣) .
وقال ابن تيمية (٤) : للرافضة فى الرد عليهم "ونحن نعلم أن الخوارج شر منكم ومع هذا فما نقدر أن نرميهم بالكذب لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدق لهم وعليهم (٥) وقال: ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب فى الشيعة أكثر فى جميع الطوائف، والخوارج مع مروقهم من الدين فهم من أصدق الناس حتى قيل: إن حديثهم من أصح الحديث" (٦) وقال أيضاً "ليس فى أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج (٧) .
قلت: وأنا مع الدكتور السباعى فيما ذهب إليه ورجحه من نفى تهمة كذب الخوارج فى الحديث، وليس معنى ذلك براءتهم، ولكن معناه أنى لا اتهمهم بالكذب فى الحديث؛ لأنه لا دليل على كذبهم، والأخبار الواردة فى اتهامهم بالوضع ضعيفة تحتمل التأويل كما سبق، والأخبار التى تدل على صدقهم ونفى الكذب عنهم صريحة وواضحة.
стр. 75
وكل ما يقال بحق، أنهم جهلة بالسنة ولا يحتجون بها؛ لأنها من طريق صحابة رسول الله ﵃ وهم كفار فى نظرهم، فضلاً عن عدم استعدادهم لقبول آراء غيرهم؛ نظراً لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم وجهلهم بفقه الكتاب والسنة؛ ولذا نجدهم يعملون على محاربة المسلمين وإراقة دمائهم وانتهاك حرمتهم فهم أحقاء بأن يسموا بالخوارج البغاة لخروجهم على السنة وأهلها ومعاداتهم لها (١) .