فالجمهور على أن قصة سالم ﵁ خاصة به لما وقع له من التبنى الذى أدى إلى اختلاطه بسهلة فلما نزل الاحتجاب، ومنع التبنى شق ذلك على أبى حذيفة وسهلة لما تقرر فى نفسهما أنه ابنهما، وحيث كان يدخل على سهلة كيف شاء ولا تحتشم منه كما جاء من قولها فى رواية أحمد. وليس لهم إلا بيت واحد.
فمن أجل رفع المشقة، ولما اجتمع فى سالم من صفات لا توجد فى غيره، وقع له الترخيص فى الرضاعة مع بلوغه لما تقرر فى نفوسهم جميعاً من صفات الأبوة من سالم تجاه أبى حذيفة وسهلة، وصفات البنوة من أبى حذيفة وسهلة تجاه سالم.
ومما يؤكد ذلك ذهاب ما فى نفس أبى حذيفة نتيجة لهذا الرضاع.
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين "ولا أظنه يذهب ما فى نفس غير أبى حذيفة مع غير سالم" (١) .
وذهب الجمهور أيضاً بنسخ قصة سالم بما جاء من الأحاديث الدالة على اعتبار الحولين.
... أما عائشة –رضى الله عنها- ومن قال بقولها من الفقهاء فرأوا أن قصة سالم ﵁ عامة للمسلمين، لمن حصل له ضرورة: وللكل فى هذا الخلاف وجهة نظر ودليل، ولم يكن لهذا الاختلاف بينهم أى أثر فى اعتقادهم صحة الحديث، الذى يحاول دعاة الفتنة وأدعياء العلم تضعيفه أو النيل من عدالة رواته، ومن أخرجه من الأئمة الأعلام فى كتبهم.
... ويؤخذ من قصة سالم صدق إيمان سهلة، وأبى حذيفة، وسرعة امتثالهما للوحى الإلهى، لأن الغيرة منهما، وقعت نتيجة لما نزل فى كتاب الله من النهى عن التبنى، والأمر بالاحتجاب. فتغيرت نظرة البنوة نحوه، امتثالاً لما نزل.
... ولو كانت الغيرة لشئ غير ذلك، لما كان هناك معنى لذهاب ما فى نفس أبى حذيفة بتلك الرضاعة، التى ما كانت إلا أمراً إلهياً، امتثل له الجميع، ورفعت عنهما به المشقة والحرج أ. هـ. ... ... ... والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 1087
الفصل الثامن: حديث "وقوع الذباب فى الإناء "
... وتحته مبحثان:
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى أحاديث الطب النبوى والرد عليها .
المبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث "وقوع الذباب فى الإناء" والرد عليها.
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى أحاديث الطب النبوى والرد عليها
... الأحاديث الطبية التى أخبر عنها المعصوم ﷺ ، طعن فيها المبتدعة قديماً بعقولهم. وتأثر بذلك بعض علماءنا الأجلاء وتوسعوا فى ذلك بحجة أن الأحاديث الطبية لم يقلها النبى ﷺ ، بوحى، وإنما بالتجربة والعادة بصفته البشرية فهو لم يبعث ليعلم الناس الطب.
واتخذ أعداء السنة من هذا الكلام سلاحاً قوياً يطعنون به فى حجية السنة، وأنها كلها ليست وحياً. كما سبق تفصيل ذلك فى اجتهاد النبى ﷺ (١) .
يقول الإمام ابن خلدون ﵀: "الطب المنقول فى الشرعيات ... ليس من الوحى فى شئ وإنما هو أمر كان عادياً للعرب ووقع فى ذكر أحوال النبى ﷺ من نوع ذكر أحواله التى هى عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه ﷺ إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: "انتم أعلم بأمور دنياكم" (٢) فلا ينبغى أن يحمل شئ من الطب الذى وقع فى الأحاديث المنقولة على أنه مشروع؛ فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك، وصدق العقد الإيمانى، فيكون له أثر عظيم فى النفع، وليس ذلك فى الطب المزاجى، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع فى مداواة المبطون بالعسل (٣) أ. هـ.
стр. 1088
.. وأيد الإمام ابن خلدون فى ذلك بعض علمائنا الأجلاء منهم فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وغيره ممن قسموا السنة النبوية إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية (١) .
... يقول فضيلة الدكتور القرضاوى:"وفى رأيى أن جل الأحاديث المتعلقة بـ "الوصفات الطبية" وما فى معناها ... كوصف الرسول ﷺ للمصاب بعرق النسا: ألْيَةُ شاة أعرابيةٍ ...إلخ ما جاء فى الحديث (٢) ، فهذا ليس من أمور الدين التى يثاب فاعلها، أو يلام تاركها، بل هو إرشاد لأمر دنيوى نابع من تجربة البيئة العربية ...، ولم يبعث ﵊ ليقوم بطب الأجسام، فذلك له أهله، وإنما بعث بطب القلوب، والعقول، والأنفس، ومهما يكن اعتزازنا بما سماه العلماء "الطب النبوى" فمن المتفق عليه: أن النبى ﷺ ، لم يَدَّع العلم بالطب، ولا بعث لذلك (٣) أ. هـ.
... والنتيجة: أن خرج علينا أحد أعداء السنة "نيازى عز الدين" يقول: "الأحاديث التى تحاول أن تنسب للرسول ﷺ ، علوماً مثل الطب، كلها أحاديث موضوعة، غايتها حرف الناس عن الحقائق، والعقلية العلمية التى فى آيات القرآن، إلى عقلية تؤمن بالأوهام والخرافات والأباطيل (٤) .
стр. 1089
ثم ضرب أمثلة على تلك الأحاديث الموضوعة تعمد اختيارها من صحيح الإمام البخارى – ﵀ – وذلك كأحاديث الرقية "اللهم، رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافى، لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً". وحديث "علاج المبطون بالعسل". وحديث "لا عدوى ولا صفر". و "الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". و"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". و"من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" وغير ذلك من الأحاديث التى نقلها من صحيح الإمام البخارى فى كتاب الطب" (١) .
وطعن كثير من دعاة الفتنة، وأدعياء العلم فى بعض الأحاديث الطبية، واتخذوا من تقسيم بعض علماء المسلمين "السنة تشريع، وغير تشريع" متكأً قوياً وهم يطعنون فى حجية السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام.
... وإذا كنا قد بينا سابقاً بالبرهان الواضح أن السنة النبوية كلها وحى، وبينا بطلان تقسيم السنة الشريفة إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية بما يغنى عن إعادته هنا (٢) .
فسوف نكتفى هنا فى الدفاع عن أحاديث "الطب النبوى " إجمالاً بالرد على ابن خلدون فيما ذهب إليه.
يقول الدكتور محمد أحمد السنهورى: أما قول ابن خلدون: "والطب المنقول فى الشرعيات ليس من الوحى فى شئ وأنه ﷺ ، لم يبعث لتعريف الطب".
هذا الكلام يناقض الواقع، والحقيقة؛ لأنه من المعلوم والبديهى أن الرسول ﷺ ، كان أمياً ولم يدرى ما الكتاب، والإيمان.
ومن أين له أن يعرف طبائع الدواء أو خصائصه سواء كان هذا الدواء نباتاً أو غذاء إلا إذا كان ربه قد أطلعه عليه؟!
стр. 1090
.. والله يقول عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) ولم يبين فى القرآن الأمراض التى يشفيها هذا العسل.
ولكن الرسول عالج به المبطون أو صاحب الإسهال.
فما الذى جعل الرسول ﷺ ، يحدد هذا الدواء بالذات لعلاج هذا المرض؟ وما الذى جعله يصر على أن يتناوله المبطون أكثر من مرة؟ لابد أن يكون هذا عن طريق الوحى.
ثم ما الذى جعل الرسول يفضل فى دواء الإمساك "السنا" على "الشُّبْرُمُ" وهما نباتان يستعملان لهذا الغرض (٢) . وقد فضَّل الأطباء بعد ذلك ما اختاره الرسول ﷺ وتركوا "الشُّبْرُمُ" وبينوا ضرره وقالوا أنه غير مأمون.
فهل كان الرسول ﷺ يملك معملاً للتحليلات؟ كلا إن هذا الأمر لابد أن يكون قد عرف خصائصه من الوحى.
ثم إن كل قانون طبى وضعه الرسول ﷺ وكل دواء نوه عليه لم يستطع طبيب إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن يثبت عكس كلامه فيه. أو يخرم له قاعدة، بل كل يوم يظهر الطب، والعلم، صحة ما ذهب إليه المصطفى ﷺ ، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) .
... أما كون ابن خلدون يريد أن يقيس طب النبى ﷺ ، على قصة تأبير النخل، مدعياً أن طبه كان أمراً عادياً ورأياً شخصياً له.
فهذا قياس خاطئ ومن الواضح أن هناك فرقاً بين هذا وذاك. فلم يتكلم النبى ﷺ ، عن خصيصة دواء من الأدوية أو غذاء من الأغذية ورجع عنه، بخلاف الأشياء التى كانت اجتهاداً منه، والتى لا تخرج عن الوحى أيضاً، على ما سبق تفصيله (٤) .
стр. 1091
.. وأما ادعاؤه بأن الطب النبوى لا يأتى بثمرة ولا نتيجة إلا إذا استعمل على جهة التبرك. ويستشهد على هذا بقصة دواء المبطون بالعسل.
فالرد على هذا بأن أى دواء يستلزم من المريض ثقة منه فى مفعوله، وثقة فى طبيبه الذى يداويه. وهذا الكلام معلوم عند الأطباء مسلمهم، وغير مسلمهم قديمهم وحديثهم؛ لأن القوى النفسية لها تأثير عجيب فى القوى الجسدية وهذا عام فى كل مريض وكل دواء (١) .
... والقصة التى وردت عن الرجل الذى شرب العسل بعد أربع جرعات لم تبين لنا حال المريض، وإنما تكلمت عن أخيه الذى كان واسطة بينه وبين النبى ﷺ ، ولا نستطيع أن نحكم هل كان الرجل يشرب العسل تبركاً أو كان يشربه على أنه دواء، ولا مانع من البركة أيضاً.
... وأيّاً ما كان هذا الأمر: فإن الرجل قد شفى على كل حال، ولو لم تكن فى العسل خاصية ضد مرض الرجل لما شفى من مرضه، وقد ثبت طبياً احتواء العسل على مواد قاتله للميكروبات، وثبت كونه دواء لهذا المرض.
هذا وقد تناول الرسول ﷺ ، فى طبه أدواء كثيرة، وبين خصائص كثير من الأدوية، النباتى منها وغير النباتى (٢) .
... يقول ابن قيم الجوزية مميزاً طبه ﷺ ، عن طب الأطباء: "وليس طبه ﷺ ، كطب الأطباء، فإن طبه ﷺ ، متيقن قطعى إلهى صادر عن الوحى، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب" (٣) .
стр. 1092
ويقول الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة – ﵀ – فى معرض دفاعه عن حديث الذباب قال: "وقبل أن أذكر رأى الطب الحديث فى حديث الذباب أحب أن أقول: "إننى لست مع النابتة التى نبتت – وبعضهم من أهل العلم، فزعمت أن الطب النبوى، من قبيل الأمور الدنيوية التى يجوز على النبى ﷺ ، فيها الخطأ، ويجعلونه من قبيل تأبير النخل، وقوله ﷺ : " أنتم أعلم بأمور دنياكم" (١) .
... ولا أدرى كيف يقال ذلك فى حديث الذباب مع قوله ﷺ ، فيه: "فإن فى أحد جناحيه داء وفى الآخر دواء"؟ وقد أتى رسول الله "بأن" التى هى للتأكيد!!
وكيف يكون هذا الأسلوب المؤكد من قبيل الظن والتخمين فى أمر دنيوى؟!
بل كيف يكون قوله ﷺ : "من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" (٢) من قبل الظن والتخمين فى أمر دنيوى؟! إن معظم أحاديث الطب–إن لم تكن كلها– إنما ساقها ﷺ ، مساق القطع واليقين مما يدل على أنها بوحى من الله – –٠
والطب طبان: طب القلوب والأديان، وبه جاء الأنبياء والمرسلون – عليهم الصلاة والسلام – وطب الأبدان، وهذا نوعان: نوع روحانى كالرقى والدعوات، ونوع مادى جسمانى كالاستشفاء بالعسل، والتمر والحبة السوداء، والكمأة ونحو ذلك (٣) .
стр. 1093
ووظيفة النبى ﷺ ، أولاً وبالذات هو طب القلوب والأديان، ولكن شريعته وسنته قد اشتملت على الكثير من طب الأبدان سواء أكان روحانياً أم جسمانياً (١) ، وليس أدل على ذلك من الآيات القرآنية العديدة التى تتحدث عن ذلك كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
والآيات القرآنية التى تتحدث عن تطور الجنين فى بطن أمه فى سورة المؤمنون وغيرها (٣) .
والآيات العديدة التى تتحدث عن الطهارة، وخطورة إتيان الرجل زوجته الحائض حتى تطهر. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) .وقوله تعالى فى طب عسل النحل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٥)
стр. 1094
.. وبالجملة: فقد جمع رب العزة الطب كله فى نصف آية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (١) وقال ﷺ "ما ملأ آدمى وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ..." الحديث (٢) وقال بعض الحكماء: "المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء" (٣) .
يقول الدكتور أبو شهبة: وليس أدل على اشتمال السنة المطهرة على طب الأبدان سواء كان روحانياً أم جسمانياً مما اشتمل عليه الصحيحان: صحيح البخارى، وصحيح مسلم وغيرهما من كتب الصحاح، والسنن، والجوامع من "كتاب الطب" ضمن كتبها، وقد جمع بعض العلماء المحدثين فى ذلك كتباً مستقلة، ككتاب "الطب النبوى" لأبى نعيم، وكتاب "الطب النبوى" للسيوطى، وكتاب "الطب النبوى" لابن قيم الجوزية.
والذى يهمنى من كل هذا، أن أنزع من نفوس النابتة التى نبتت، فزعمت أن الطب النبوى من قبيل الأمور الدنيوية التى تحتمل الخطأ والصواب – هذا الزعم الباطل الذى لم يقم عليه دليل، بل قامت ضده كثير من الأدلة.
стр. 1095
.. ففى حديث أبى سعيد الخدرى ﵁: "أن رجلاً أتى النبى ﷺ فقال: "أخى يشتكى بطنه فقال: اسقه عسلاً، ثم أتى الثانية فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الرابعة، فقال فعلت – يعنى فلم يبرأ – فقال ﷺ : "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً فسقاه – يعنى فى المرة الرابعة – فبرأ" (١) .
стр. 1096
ويعجبنى فى هذا المقام ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية قال: "ونحن نقول: إن هاهنا أمراً آخر، نسبة طب الأطباء إليه؛ كنسبة طب الطرقية" (١) والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به بعض حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم، منهم من يقول: هو قياس، ومنهم من يقول: هو تجربة، ومنهم من يقول: هو إلهامات ومنامات، وحدس صائب ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمة ... إلى أن قال: وأين وقع هذا وأمثاله من الوحى الذى يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحى، كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء، بل هاهنا من الأدوية التى تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليه عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم، وأقيستهم من الأدوية القلبية، والروحانية، من قوة القلب والاعتماد على الله والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانكسار بين يديه والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير فى الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه. وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية عند الأطباء (٢) .
стр. 1097
.. يقول الدكتور نور الدين عتر: "ولقد أقر كبار الأطباء الذين اطلعوا على أحاديث "الطب النبوى" بما أتت به هذه الأحاديث، بل قال لى أستاذ فى كلية الطب بجامعة دمشق: "إن النبى ﷺ لم يأت بوصفات طبية سابقة لعصرها فحسب، بل إنه فوق ذلك جاء مقنناً للطب والأطباء (١) أ. هـ. ... ... ... والله ﵎ أعلى وأعلم
المبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث "وقوع الذباب فى الإناء "
والرد عليها
... روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أبىهريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن فى إحدى جناحيه شفاءً، وفى الآخر داءً" (٢) .
هذا حديث صحيح ثابت عن النبى ﷺ وقد تلقته الأمة بالقبول، وآمنت بمضمون ما جاء فيه. وهو معجزة من معجزات نبينا ﷺ الذى لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) .
... وقد طعن أهل البدع والضلال قديماً فى صحته بحجة أنه مخالف للعقل، والواقع، وأثاروا الشبه من حوله فانبرى للرد عليهم، وكشف شبههم، ودحضها علماء أجلاء، فواجهوهم بالحجج الدامغة، والأدلة البينة، فأزالوا تلك الشبه، وبينوا فسادها.
стр. 1098
من أولئك العلماء الأفاضل الإمام ابن قتيبة قال فى كتابه "تأويل مختلف الحديث" أن هذا الحديث صحيح ومن حمل أمر الدين على ما شاهد، فجعل البهيمة لا تقول، والطائر لا يسبح ... والذباب لا يعلم موضع السم، وموضع الشفاء، واعترض على ما جاء فى الحديث، مما لا يفهمه، فإنه منسلخ من الإسلام، معطل ... مخالف لما جاء به الرسول ﷺ ، ولما درج عليه الخيار من صحابته، والتابعين لهم بإحسان.
ومن كذب ببعض ما جاء به رسول الله ﷺ ، كان كمن كذب به كله...وما علمت أحداً ينكر هذا إلا قوم من الدَّهرَّية (١) ، وقد اتبعهم على ذلك قوم من أهل الكلام، والجهمية" (٢) .
... وممن دافع عن الحديث الإمام الطحاوى ﵀ فى كتابه (مشكل الآثار) فقال بعد ذكره للحديث، ومن رواه فى الصحابة ﵃: "قائل من أهل الجهل بآثار رسول الله ﷺ وبوجوهها: وهل للذباب من اختيار؟ حتى يقدم أحد جناحيه لمعنى فيه، ويؤخر الآخر لمعنى فيه خلاف ذلك المعنى؟
فكان جوابنا فى ذلك له بتوفيق الله وعونه أنه لو قرأ كتاب الله قراءة متفهم لما يقرأ منه، لوجد فيه ما يدل على صدق قول رسول الله ﷺ ، هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٣) . وكان وحى الله إليها هو إلهامه إياها أن تفعل ما أمرها به.
стр. 1099
فمثل ذلك: الذباب ألهمه ما ألهمه، مما يكون سبباً لإتيانه لما أراده منه، من غمس أحد جناحيه فيما يقع فيه مما فيه الداء، والتوقى بجناحه الآخر الذى فيه الشفاء (١) أ. هـ.
... وجاء المُحَدَثُون وأعداء السنة فطعنوا فى هذا الحديث (٢) ، كما طعن فيه أسلافهم، أهل الابتداع من قبل، لم ينزجروا بردود العلماء السابقين، فزادوا على شبه أولئك شبهاً أخرى أنتجتها عقولهم التى جهلت حرمة النصوص، وران عليها ظلام قائم فلم تستوعب، ولم تع معانى تلك النصوص فسارعت إلى الإنكار والرد والطعن، كما هو ديدنها، ومنهجها بكل نص جهلت معناه.
... وهذا ملخص شبه هؤلاء المحدَّثين حول هذا الحديث، والتى رددها أعداء السنة (٣) :
أولاً: الحديث من رواية أبى هريرة وقد ردوا له أحاديث كثيرة، وقد انفرد به ابن حُنَين (٤) ، ثم
طعن فيه بأوجه (٥) .
стр. 1100
ثانياً: أنه حديث آحاد يفيد الظن، فلا إشكال فى رده، وهو غريب عن التشريع، لأنه ينافى قاعدة تحرير الضار، واجتناب النجاسة، وغريب عن الرأى لأنه يفرق بين جناحى الذباب، فيدعى أن أحدهما به سم ضار، والآخر ترياق نافع.
ثالثاً: أثبت العلم بطلانه، لأن العلم يقطع بمضار الذباب.
رابعاً: موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام، ولا من عباداته، ولا من شرائعه، ولم يعمل به أحد من المسلمين وهو فى أمر من أمور الدنيا كحديث "تأبير النخل" وبالتالى من ارتاب فيه لم يضع من دينه شيئاً.
خامساً: تصحيحه من المطاعن التى تنفر عن الإسلام، ويفتح على الدين شبهة يستغلها أعداء الإسلام.
سادساً: البحث فيه عقيم، لا يجب أن يشغل الناس به، وقد وصلوا إلى مخترعات ومكتشفات من العلوم. ولذا يجب ترك البحث فيه إلى ما وصل إليه العلم من أحكام لا تنقض ولا ترد (١) .
ويجاب على هذه الشبه بما يلى:
أولاً: لم ينفرد البخارى-﵀-بإخراج هذا الحديث ، كما أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن النبى ﷺ ، وعُبيد بن حُنين، لم ينفرد بروايته عن أبى هريرة أيضاً.
стр. 1101
فقد أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والدارمى، وأحمد، والبيهقى، وابن خزيمة، وابن حبان، والبغوى، وابن الجارود، من حديث أبى هريرة ﵁ (١) .
وأخرجه النسائى، وابن ماجة، وأحمد، والبيهقى، وابن حبان، والبغوى من حديث أبى سعيد الخدرى ﵁، وأخرجه البزار، والطبرانى من حديث أنس بن مالك ﵁ (٢) ، ورواه عن أبى هريرة جماعة من التابعين (٣) .
... ولو لم يرد هذا الحديث إلا فى صحيح البخارى، لكان صحيحاً مقبولاً، إذ البخارى هو أصح الكتب بعد كتاب الله وأحاديثه فى أعلى درجات الصحة.
стр. 1102
.. يقول فضيلة الدكتور أبو شهبة: "ولم أجد لأحد من النقاد، وأئمة الحديث طعناً فى سنده؛ فهو فى درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع فيه من الطعن من بعض المتساهلين، والجهلاء، والمبتدعة، إنما هو من جهة متنه (١) .
ولو تفرّد به أبو هريرة ﵁ لما وجدوا إلى الطعن فى صحته سبيلاً.خلافاً لبعض غلاة الشيعة الجعفرية، ومن تبعهم من الزائغين، حين طعنوا فى الصحابى الجليل لأن الحديث من روايته واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ﷺ ، وحاشاه من ذلك.
فهذا هو التحقيق العلمى يثبت صدق أبى هريرة، وأنه برئ من طعن الطاعنين، وأن الطاعن فيه هو الحقيق بالطعن فيه، لأنهم رموا صحابياً بالبهت، وردوا حديث رسول الله ﷺ لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! وقد رواه غيره من الصحابة كما علمت.
وليت شعرى هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبى هريرة بالحديث، وهو حجة لو تفرد، أم جهلوا ذلك؟
فإن كان الأول فلماذا يتعللون برواية أبى هريرة إ ياه، ويوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الصحابة الأجلاء؟!
وإن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟ وما أصدق القائل:
فإن كنت تدرى فتلك مصيبة ... *** ... وإن كنت لا تدرى فالمصيبة أعظم (٢)
وعُبَيد بن حُنَين ثقة لا مطعن فيه، ولم يذكره الحافظ فيمن تكلم فيهم من رجال البخارى فى هدى السارى، ولم أقف على من طعن فى توثيقه من العلماء، ولعمرى لو تفرد برواية الحديث عن أبى هريرة لقبل تفرده، فإن تفرد مثله لا يقدح فى صحة الحديث. كما هو مقرر فى علم مصطلح الحديث (٣) .
...
стр. 1103
ثانياً: وكون الحديث آحاداً ومن أجل ذلك سهل رده، قول مردود ، وحجة داحضة، وقد سبق الكلام عن ذلك فلا إعادة ههنا (١) .
... وقول السيد رشيد رضا بأنه: غريب عن التشريع؛ لأنه ينافى قاعدة تحريم الضار، واجتناب النجاسة.
يرد عليه: بأن الحديث لم ينف ضرر الذباب بل أثبت ذلك، فذكر أن فى أحد جناحيه داء، ولكنه زاد ببيان أن فى الآخر شفاء، وأن ذلك الضرر يزول إذا غمس الذباب كله (٢) .
... يقول الإمام ابن قيم الجوزية – ﵀: "وأعلم أن فى الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكمة العارضة عن لسعة، وهى بمنزلة السلاح، فإذا أسقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، فأمر النبى ﷺ أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه فى جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله فى الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدى إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به، بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحى إلهى خارج عن القوة البشرية (٣) .
... وقال الشوكانى – ﵀: "والفائدة فى الأمر بغمسه جميعاً هى أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر" (٤) .
стр. 1104
.. والقول بنجاسة الذباب لا دليل عليه؛ لأنه لا ملازمة بين الضرر والنجاسة، ولذا كان هذا الحديث من أدلة العلماء على أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له سائلة فيه، إذ لم يفصل الحديث بين موت الذباب، وحياته عند غمسه (١) .
... قال الإمام الخطابى –﵀:"فيه من الفقه: أن أجسام الحيوان طاهرة، إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما لحق به فى معناه.وفيه دليل: علىأن ما لا نفس له سائلة إذا مات فى الماء القليل لم ينجسه، وذلك أن غمس الذباب فى الإناء قد يأتى عليه. فلو كان نجسه إذا مات فيه، لم يأمر بذلك. لما فيه من تنجس الطعام، وتضييع المال، وهذا قول عامة العلماء" (٢) .
... والقول بأنه لا فرق بين جناحى الذباب بأن يحمل أحدهما سماً، والآخر شفاء.
قول يناهض الحديث، بل ويخالف الواقع من اجتماع كثير من المتضادات فى الجسم الواحد كما هو مشاهد معروف. وقد أجاب عن ذلك العلماء فى السابق.
ولا أدرى أجهل ذلك الشيخ رشيد رضا – ﵀ – مع سعة إطلاعه ونصرته للسنة – أم تجاهله؟ وكلا الأمرين ذميم فى حقه، وقد ذكر ذلك معاصروه (٣) .
... قال الحافظ ابن حجر: "وقال الخطابى: تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له فقال كيف يجتمع الشفاء والداء فى جناحى الذباب؟ وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الداء، ويؤخر جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قلت: وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، فإن كثيراً من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة. وقد ألف الله بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان.
стр. 1105
وإن الذى ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت، لقادر على إلهام الذبابة أن تقدم جناحاً، وتؤخر آخر.
وقال ابن الجوزى: ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيب، فإن النحلة تعسل من أعلاها، وتلقى السم من أسفلها، والحية القاتل سمها تدخل لحومها فى الترياق الذى يعالج به السم، والذبابة تسحق مع الإثمد لجلاء البصر" (١) أ. هـ.
ثالثاً: والقول بأن العلم يثبت بطلانه لأنه قطع بمضار الذباب، قول من جهل معنى الحديث ، وعجز عن فهمه. والحديث كما أسلفت لم ينف ضرر الذباب بل نص على ذلك صراحة. وهل علماء الطب وغيرهم أحاطوا بكل شئ علماً؟!!
... حتى يصبح قولهم هو الفصل الذى لا يجوز مخالفته. بل هم معترفون كل الاعتراف بأنهم عاجزون عن الإحاطة بكثير من الأمور (٢) . وهنالك نظريات كانت تؤخذ على وجه التسليم تبين فسادها فيما بعد، إذ علومهم خاضعة للتجارب والاختبارات.
... بينما الذى نطق به رسول الله ﷺ وحى من عند الله تعالى، العليم بخفاء ما غاب عن الخلق جميعاً. ولا زال علماء الطب يطِلّون على العالم فى كل يوم باكتشافات جديدة لعقاقير طبية وأدوية واقية لم تكن عُرفت من قبل.
ثم هل يتوقف إيماننا بصدق كل حديث ورد فيه أمر طبى عن النبى ﷺ ، حتى يكشف لنا الأطباء بتجاربهم صدقة أو بطلانه؟
وأين إيماننا إذن بصدق نبوة رسول الله ﷺ ، ووحى الله إليه؟!
стр. 1106
.. إن حديث رسول الله ﷺ ، برهان قائم بنفسه لا يحتاج إلى دعم خارج عنه، فعلى الأطباء بل والناس جميعاً التسليم بما جاء فى هذا الحديث والتصديق به إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا كذلك فليزمهم التوقف إن كانوا عقلاء.
والمسلم لا يهمه كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب ما دام ثبت عن رسول الله ﷺ (١)
هذا كله يقال على فرض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة.
... ومع ذلك فقد وجد من الأطباء المعاصرين من أيد مضمون ما جاء فى هذا الحديث من الناحية الطبية، وهنالك كثير من البحوث والمقالات فى هذا الجانب، منها المطول ومنها المختصر.
اختار منها ما ذكره أحد الأطباء المصريين العصريين بجمعية "الهداية الإسلامية" بالقاهرة قال – ﵀ –: "يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التى تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضاً، فيتكون فى جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بـ "مبعد البكتريا" وهى تقتل كثيراً من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير فى جسم الإنسان فى حال وجود مبعد البكتريا. وأن هناك خاصية فى أحد جناحى الذباب، هى أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب فى شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فى ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتريا الذى يحمله الذباب فى جوفه قريباً من أحد جناحيه. فإن كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التى كانت عالقة، وكاف فى إبطال عملها. وقد كتب بعض الأطباء الغربيين نحو ذلك.
стр. 1107
وبذلك ظهر أن هذا الحديث صحيح السند والمتن، فهل بقى للمنكرين من حجة يحتجون بها؟ اللهم إلا الهوى (١) .
رابعاً: الزعم بأن موضوعه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته ... إلخ.
... زعم قُصِدَ من وراءه، تحقير الحديث وتهوين لأمره، وتنفير الناس عنه، وهى دعوى تتردد وتتكرر كلما عجزوا عن إقامة الدليل على عدم صحة حديث ما، ولذلك يكثرون من ذكر هذه العبارات التى لا تدل إلا على تنصل صاحبها من إتباع سنة رسول الله ﷺ والعمل بها
والإسلام دين كامل، بعقائده، وعباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، لا يحقر جزء من جزئياته، ولا فرع من فروعه، ولا يستهان به.
وقد أمر الله المؤمنين بالتمسك بكل شعب الإيمان وشرائع الإسلام من غير تفريط فى جانب منها مع القدرة على ذلك قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) .
قال الحافظ ابن كثير فى معنى هذه الآية: "يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك" (٣) .
... والقول بأنه لم يعمل به أحد من المسلمين، قول عار عن الصحة، ودعوى جريئة جاء الحق بخلافها.
стр. 1108
روى عبد الله بن المثنى (١) ، عن عمه ثمامه (٢) ؛ أنه حدثه قال: كنا عند أنس، فوقع ذباب فى إناء فقال أنس (٣) بأصبعه فغمسه فى ذلك الإناء ثلاثاً ثم قال: بسم الله. وقال: إن رسول الله ﷺ ، أمرهم أن يفعلوا ذلك (٤) .
стр. 1109
وروى أحمد من طريق سعيد بن خالد (١) قال: "دخلت على أبى سلمة فأتانا يزيد وكتلة (٢) ،فأسقط ذباب فى الطعام، فجعل أبو سلمة (٣) يمقله بأصبعه فيه فقلت: يا خال! ما تصنع؟ فقال: إن أبا سعيد الخدرى حدثنى عن رسول الله ﷺ : "إن أحد جناحى الذباب سم، والآخر شفاء، فإن وقع فى الطعام، فأمقلوه (٤) ، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء" (٥) .
فأنس صحابى، وأبو سلمة تابعى، وقد عملا بمضمون هذا الحديث، فكيف يزعم بأن أحداً من المسلمين لم يعمل به؟ (٦) .
هذه دعوى، وغيرها كثير، يطلقها أولئك القوم من غير علم ولا تحقيق؛ ليخدعوا بها السذج من الناس، ويحدث من جرائها شر وفساد عريض (٧) .
стр. 1110
والقول بأن الحديث لا دخل له فى التشريع، وأنه من أمور الدنيا.
قول يحتاج إلى ما يدل عليه، فالحديث فيه أمر إرشادى من النبى ﷺ ، لعلاج حالة إذا وقعت ولا حيلة للمرء فى دفعها، وهى "إذا وقع الذباب" أى رغماً عنكم، ولم يكن لكم حيلة فى دفعة، وأردتم الانتفاع بما وقع فيه من طعام أو شراب، فعليكم بغمسة كله.
فالأمر بالغمس أمر إرشاد لا أمر إ يجاب، يأثم تاركه، إذ لم يقل بذلك أحد (١) .
... أما قياس حديث الذباب بحديث تأبير النخل فغير صحيح.
فحديث الذباب حديث تشريعى، وأفاد حكماً شرعياً، بأن ما لا نفس له سائلة إذا مات فى الماء القليل لم ينجسه (٢) .
كما أفاد جواز أكل أو شرب ما وقع فيه الذباب بعد غمسه كله لمن شاء ورغب فى ذلك. ولا شك أن كل ذلك حكم شرعى (٣) .
خامساً: أما القول بأن تصحيح الحديث من المطاعن التى تنفر عن الإسلام ...إلخ ما ذكروه.
... فقول ساقط يحمل بين طياته استدراكاً على النبى ﷺ ، الذى كان أحرص الناس على دين الله ، وسد كل منافذ الطعن والقدح فيه.
وكيف يكون فى شريعة الله ما ينفر وهو القائل ﷺ : "بشروا ولا تنفروا. ويسروا ولا تعسروا" (٤) .
وهل يعقل أن تكون أقواله التى نطق بها، وأفعاله التى فعلها منفرة للناس؟!
وأين موضع التنفير فى هذا الحديث؟ إلا أنه أثبت أن فى جناح الذباب شفاء؟ أيكون هذا تنفيراً؟ يالخفة العقول!
وأين هذه الشبهة التى يفتحها على الدين حتى يستغلها أعداء الإسلام؟
стр. 1111
وهل وقف أعداء الإسلام فيما يثيرونه من شبه عند حديث الذباب وحده؟
بل قد أثاروا شبهاً لا حصر لها فى أمور لا تخفى على أحد، بل حتى القرآن الذى نقل بالتواتر جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر؛ هل سلم وسلمت أحكامه من شبه أعداء الإسلام؟
... وهل إذا رددنا حديث الذباب، بل ورددنا السنة كلها، يكف ذلك شبههم عنا؟! ويستجيبون بعد ذلك لديننا ويلتزمون بشريعتنا؟
بل لو تتبعنا شبههم - قاتلهم الله - ورددنا كل أمر اشتبهوا فيه ما بقى لنا من ديننا ما نتمسك به.
... ولماذا هذه المجاملة، وهذا التنازل لأعداء الإسلام على حساب ديننا؟
وما الذى يضرنا من شبههم، ونحن موقنون بأن ما جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلمهو الحق الذى لا مريه فيه، وما يقذف به أعداء الإسلام شبه باطلة داحضة لا قيمة لها من الصحة. وهل بعد ظهور ما يؤيد صدق الحديث من الناحية الطبية، تظل شبههم عالقة به؟ (١) .
سادساً: أما القول بأن البحث فى الحديث عقيم ... إلخ.
... فهو قول من جهل مقام النصوص، وضعف احترامه لها، إن لم يكن قد عدم تماماً. إن ما بذله بعض الأطباء الأفاضل من جهود حول تأييد هذا الحديث من الناحية الطبية، يجب أن يشكروا عليه ولا يذموا بما قدموا، إذا كانوا يهدفون من وراء ذلك دفع الشبه التى ألصقت بهذا الحديث، وبيان أن العلم الحديث لا ينافيه.
... والحقيقة إن هذه البحوث وإن كانت تزيد الإنسان إيماناً بصدق الحديث، إلا أن الإيمان لا يتوقف عليها، إذ الحديث حجة قائمة بنفسه.
... ويكفى فى فصل هذه البحوث أنها نقضت الذى طبل من أجله أعداء السنن وزمروا، من أمثال النظام، وأتباعه من المستشرقين، وغلاه الشيعة، وأتباعهم أمثال محمود أبو ريه، الذى ذهب إلى وجوب ترك البحث فى هذا الحديث إلى ما وصل إليه العلم بأبحاثه الدقيقة، وتجاربه الصحيحة التى لا يمكن نقضها، ولا يرد حكمها.
стр. 1112
والذى يعجب منه الإنسان أن نظريات الغرب المتناقضة المختلفة التى لا تستقر على حال، تصبح عند هؤلاء أحكاماً مسلمة لا تنقض، ولا ترد، وحديث النبى ﷺ الصادق الذى لا ينطق عن الهوى، يطعن فيه، ويرد بغير حجة، ولا دليل.
يقول الشيخ أحمد محمد شاكر: "والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث، لما وقر فى نفوسهم من أنه ينافى المكتشفات الحديثة، من الميكروبات ونحوها، وعصمهم إيمانهم عن أن يجرؤوا على المقام الأسمى، فاستضعفوا أبا هريرة.
... والحق أيضاً أنهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب ولكنهم لا يصرحون! ثم اختطوا لأنفسهم خطة عجيبة: أن يقدموها على كل شئ. وأن يؤولوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربى، إذا ما خالف ما يسمونه "الحقائق العلمية "وأن يردوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه! افتراء على الله، وحباً فى التجديد" (١) أ. هـ.
وبعد
... فهذه نماذج قليلة من الأحاديث الصحيحة التى وجهت إليها نقود من أعداء السنة قديماً وحديثاً، لا يهام المسلمين أنها غير صحيحة، وأنها تتعارض مع عقولهم الزائغة، أو مع كتاب الله ، أو مع العلم أو غير ذلك من أصولهم الفاسدة التى حكموا بها على الأحاديث صحة أو ضعفاً.
والحق أن هؤلاء الجاهلين من الغباء بحيث لا ينبغى أن يعبأ بهم أو يكترث بما يقولون.
فالتصدى للأحاديث الصحيحة، ومحاولة تضعيفها يكشف عن أن أصحابها لا يعرفون شيئاً أو يتجاهلون ليثبتوا كيدهم للسنة بل للإسلام" (٢) .
стр. 1113
وحقيق بكل مسلم أن يعلم أن للحديث الصحيح ثمرات طيبات ونتائج باهرات نذكر بعضها فى الفصل التالى.
стр. 1114
الفصل التاسع: ثمرات ونتائج الحديث الصحيح
... للحديث الصحيح ثمرات طيبات ونتائج باهرات منها:
إذا صح الحديث وجب العمل به، حتى ولو لم يخرجه الشيخان ما دامت قد ثبتت صحة الحديث، وعلى ذلك اتفاق العلماء (١) .
يقول فضيلة الدكتور مروان شاهين: "ودع عنك يا أخى ترهات المعاندين فى هذه المسألة، فإن القضية متعلقة بالإيمان وعدمه، والمؤمنون لا يقدمون أبداً أى قول على قول الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولا يمكن لمسلم أبداً أن يتوقف فى العمل بحديث ثبتت صحته عند العلماء، وحاشاه أن يكون من المعاندين، إن المؤمن يسارع إلى تنفيذ حكم الله تعالى، وتنفيذ ما ثبت صحته من حكم رسول الله ﷺ ، وهكذا شأن أئمة الإسلام جميعاً، الأئمة الأربعة وغيرهم، وتواترات على ذلك أقوالهم، والإمام الشافعى وغيره قد قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبى" (٢) .
العمل بالحديث الصحيح واجب، حتى ولو كان عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن الأصل المقدم دائماً هو قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ ، ومعنى وجوب العمل بالحديث الصحيح هنا، الاحتجاج والعمل به بوجه عام، باعتباره وحياً أوحى الله به إلى رسوله ﷺ ، أو أقره عليه (٣) .
لزوم العمل بالصحيح متى علمنا به بدون إبطاء، وقد تراجع كثير من الصحابة عن القول بآرائهم متى بلغهم حديث رسول الله ﷺ .
стр. 1115
متى صح الحديث صار أصلاً من الأصول، ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر والأصول تتوافق، وما يبدوا من ظاهرها من التعارض أحياناً، فإن العلماء قد بينوا وجوه الجمع بينها بحيث يندفع التعارض فى النهاية بإذن الله (١) .
ينبغى أن يفهم عن الرسول ﷺ ، مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان.
وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب، مالا يعلمه إلا الله ، بل سوء الفهم عن الله عز وجلورسوله ﷺ أصل كل بدعة، وضلالة، نشأت فى الإسلام.
وهل أوقع القدرية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والروافض، وسائر طوائف أهل البدع والإلحاد قديماً وحديثاً فى زيغهم؛ إلا سوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ ؟! (٢) .
هذا وللعلامة القاسمى فى قواعد التحديث، كلام طيب ورائع، حول ثمرات الحديث الصحيح، فليراجعها من يشاء؛ فإنها مفيدة" (٣) .
الفصل العاشر: "مضار رد الأحاديث النبوية الصحيحة "
... التشكيك والطعن فى الأحاديث النبوية الصحيحة، وردها، له مضاره الخطيرة على ديننا، وعلى وحدة أمتنا الإسلامية، ومن تلك المضار:
أولاً: إخراج ما هو من الدين: فكما أن وضع الأحاديث بالإختلاف والكذب يدخل فى الدين ما ليس منه، فإن رد صحيحها يخرج من الدين ما هو منه، وهذا عين الإبتداع، لأنه يكون بالزيادة والنقص.
стр. 1116
ثانياً: إشاعة البلبلة الفكرية، وتلك مصيبة كبرى لا يدرك أخطارها الحالية والمستقبلية هؤلاء اللاعبون بالنار؛ لأنها تفتح الباب على مصراعيه لفقد النصوص قداستها وحرمتها وتمهد السبل لأذناب العلمانية ومن يشاطرهم الكيد للإسلام، والتطاول، على النصوص، والاستخفاف بها، وأخذ ما يتفق مع الأمزجة وهجر ما عداها (١) .
وسيتحمل هؤلاء إثم تفرقة الأمة الإسلامية، وإثارة البلبلة بين صفوفها. أهـ
وفى الختام ... نسأله -جلا جلاله- أن يجعلنا ممن يكون هواه تبعاً لما جاء به المصطفى ﷺ قدوتنا فى حياتنا كلها، الشخصية، والاجتماعية، وأن ينفع بهذا البحث أمة الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها وأن يكون سهاماً مسمومة فى نحور أعداء الإسلام فى كل زمان ومكان.
والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل ...
стр. 1117
الخاتمة فى نتائج هذه الدارسة
ومقترحات وتوصيات
الخاتمة
... وفى نهاية المطاف نلخص أهم ما وصلت إليه هذه الرسالة من نتائج ومقترحات وتوصيات:
١ - أن مؤامرة التشكيك فى حجية السنة المطهرة ومكانتها التشريعية أخذت طريقها إلى عقول بعض الفرق فى الماضى، كما أخذت طريقها إلى عقول المستشرقين، ومن استمالوهم من أبناء المسلمين فى الحاضر.
٢ - أن معركة أعداء الإسلام مع السنة المطهرة تتسم من جهة أعدائها بالدقة، والتنظيم، والكيد المحكم، كما تتسم من جهة المسلمين بالبراءة، والغفلة، والدفاع العفوى، دون إعداد سابق أو هجوم مضاد.
٣ - أن القواعد التى ينطلق منها أعداء السنة قديماً وحديثاً فى الكيد لها واحدة فشبهات القدماء هى نفسها شبهات المعاصرين. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) وقال : ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (٢) .
٤ - تأثر الفرق الكلامية بالفلسفة اليونانية، وأعطوها صبغة إسلامية ليستعينوا بها على نظرياتهم وجدلهم، فكان ذلك ذا أثر بالغ فى رد النصوص بالعقل، وفتح باب شر عظيم على أمة الإسلام، دخل منه كثيرون من أعداء الإسلام، وتأثر بذلك بعض أبناء المسلمين
٥ - مخالفة الفرق الكلامية منهج السلف فى فهم النصوص، وعجز عقولهم عن الفهم الصحيح لها، أدى بهم إلى الاضطراب، وعدم الاستقرار المنهجى.
٦ - أن أهل السنة والجماعة هى الفرقة الوحيدة التى حالفها الصواب والسداد فى فهم النصوص من الكتاب والسنة، حيث لم يقدموا العقل على نصوص الوحى، ولم يلغوا عمله، بل وقفوا به عند حده الذى حده الله له، فأعملوه حيث جاز له أن يعمل، ووقفوا به حيث حق له أن يقف.
стр. 1118
٧ - فساد منهج المستشرقين فى دراستهم للإسلام، مهما حاولوا إدعاء المنهجية العلمية التى يزعمونها، وسبب ذلك عدم تخلصهم من العصبية والعداء للإسلام وأهله.
٨ - نجاح الاستشراق فى استقطاب كثير من أبناء الإسلام الذين انخدعوا بأفكاره وآرائه وتأثروا بثقافاته ومناهجه، وكثير منهم يمثلون رموزاً بارزة فى بلدانهم، فكان لذلك أثر بالغ فى نشر تلك الأفكار بين المسلمين، وانخداع السذج منهم بها، وتفلت كثير منهم بسببها من التمسك بالشرع، فكان خطرهم أعظم، وفسادهم أكبر، لأنهم يهدمون السنة من داخلها.
٩ - أظهر البحث بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لو سلمنا جدلاً أنه يكفى الاستناد على القرآن وحده فى تحليل، الحلال وتحريم الحرام ... ولم نعبأ بالسنة أبداً، وتركنا القرآن يخطئ فيه المخطئون، ويتعمد فيه الكذب الكذابون، ويتلاعب فيه الملحدون، ويخوض فيه المنافقون بما تسوله لهم نفوسهم، وتمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم، فإن الخلاف بين الناس لا يزول كما هو معلوم بالضرورة، وإنما سيزيد ويستفحل، ويصل بهم إلى مدارك الهاوية، ويتفرق بهم فى دروب التيه.
١٠ - أكد البحث أن عدم الأخذ بالسنة دعوة إلحادية، يريد أصحابها لنا الإعراض عن هدى النبوة، وينسون أنهم يتمسكون بتشريعات واهية، لا أساس لها تقوم عليه، ولو سلمنا لهم جدلاً أنه يجب إبطال السنة، مع صحة نقلها بالإسناد المتصل؛ الذى هو منَّة عظيمة خص الله بها الأمة الإسلامية دون سائر الأمم، لكان لزاماً علينا من باب أولى أن نبطل جميع التشريعات المتداولة فى الدنيا مهما كان مصدرها سماوياً أو وضعياً لأن من المُسَلمَّ أن البقاء للأصح سنداً، والأصدق رواية.
стр. 1119
١١ - إن منكرى السنة بجملتها تسول لهم نفوسهم المريضة وتصور لهم عقولهم المتحجرة، ادعاء العلم بدين الله وأسرار شريعته أكثر من رسوله ﷺ والعياذ بالله - وإلا فكيف يتجرؤون أن ينكروا سنته، وإذا كان ذلك كذلك فمن الذى يطاع: رسول الله ﷺ ، أم الخارجين عن دين الله؟!
١٢ - قرر البحث أن السنة ضرورة دينية، وأن كثيراً من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، والتى أجمع عليها الفقهاء؛ متوقفة على حجيتها، فلو لم تكن حجة، كيف يتوقف الضرورى - وهو الإجماع - على ما ليس بضرورى - وهى السنة؟!
١٣ - إن الأدلة الشرعية جميعها متوافقة متآلفة متلائمة، لا اختلاف، ولا تنافر، ولا تضارب بينها، كما يشهد لذلك قول الحق ﵎: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١) ومن هنا فالشريعة خالية البتة من كل تناقض، وتعارض حقيقيين لإستلزامهما العجز والجهل المحالين على الله تعالى، هذا وإن أى تعارض يراه الباحث إنما يكون بحسب الظاهر فقط بالنسبة إليه، أو لكونه يتوهم ما ليس بدليل دليلاً، أو لتصوره أن نصين من النصوص يدلان على حكمين متعارضين مختلفين، بينما النصان فى واقع الأمر لا تعارض، ولا اختلاف فى حكمهما، بل لكل واحد منهما جهة غير جهة الآخر، فالتعارض حينئذ يكون سببه عجز الباحث وعدم درايته، لكونه غير معصوم من الخطأ، لا فى النص ولا فى مدلوله على الحكم.
١٤ - إن دعوى وجود عقليات مخالفة للشرع، لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح، بل هى أوهام وخيالات، وشبه عارية عن الصواب، إضافة إلى أنه لا ضابط عند من يرد النصوص بالقرآن والعقل يفرق به بين ما يرد، وما لا يرد.
١٥ - رد النصوص عقلاً أوجد أثراً بالغاً فى زعزعة كثير من العقائد، وعدم احترام نصوص الوحى الاحترام اللائق، والتهوين من شأنها.
стр. 1120
١٦ - أن جميع ما يتناقله الشيعة الرافضة، وأهل البدع فى كتبهم من المطاعن العامة والخاصة فى أصحاب رسول الله ﷺ ، لا يعرج عليها ولا كرامة، فهى أباطيل وأكاذيب مفتراه إذ دأب الرافضة، وأهل البدعة رواية الأباطيل، ورد ما صح من السنة المطهرة، والتاريخ.
١٧ - وجدت من خلال صحبتى لبعض خصوم السنة، أنهم جميعاً من أصحاب الترف، والكبر، الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم من مظانه، ومن أهله، فهم كما تنبأ بهم المصطفى ﷺ بقوله "لا ألفينَّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" (١) .
هذه أهم نتائج الدراسة فى موضوع: "السنة النبوية فى كتابات أعداء الإسلام فى الكتابات العربية" وإذا كان لى أن اقترح أو أوصى بشئ فى هذا المقام؛ فإنى اقترح وأوصى بما يلى:
١ - دراسة شبهات أعداء السنة قديماً وحديثاً، وبيان بطلانها من خلال تدريس تاريخ السنة وعلومها.
٢ - إخضاع الكتابات المتعلقة بما يمس السنة النبوية للتدقيق والتمحيص، وسد منافذ الاجتراء على السنة النبوية بديار المسلمين، وتجريم ذلك فى جميع الوسائل.
٣ - الحكم بالارتداد على منكرى السنة النبوية، وتنفيذ أحكام الله فيهم بمعرفة القضاء؛ لأن منكر السنة منكر للقرآن.
٤ - الحكم بالابتداع على رادى الأحاديث النبوية الصحيحة، وإقامة عقوبة التعزير عليهم وإرشادهم إلى الحق.
قال نعيم بن حماد ﵀: "من ترك حديثاً معروفاً، فلم يعمل به، وأراد له علة، أن يطرحه، فهو مبتدع" (٢) .
٥ - العمل على أن يكون للمحدثين رابطة على مستوى العالم الإسلامى؛ تجمع شملهم، وتقنن أعمالهم، وتلم شعث جهودهم.
стр. 1121
٦ - مواصلة العمل الجاد، وتضافر الجهود، وتشابك الأيدى، وإخلاص النية، كى نبين ما ينطوى عليه الغرض الخبيث الذى يلتقى عليه أعداء الله للنيل من سنة رسوله ﷺ ، ومن رواتها الثقات الأعلام، ومن ثم وقف هذه الحملة الشرسة المسعورة التى تستهدف هدم القرآن وكل ما يتصل به من سنة، وتاريخ، وأمة تتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.
وبعد
... فهذا آخر ما فتح الله على به، ووفقنى لكتابته فى هذا الموضع الجليل، والبحث الخطير، الذى اعترف فيه بالعجز والتقصير.
... ولعلى أكون قد أصبت فى بعض مسائله، وشفيت الغليل فى شئ من مباحثه. فإن يكن ذلك حقاً: فبفضل الله، وهدايته، وحسن توفيقه، وعنايته.
... وفى الختام. أسأل الله الصفح والغفران، فيما زلت فيه قدمى، وانحراف فيه عن جادة الحق قلمى.
اللهم تقبل هذا الجهد الضئيل خالصاً لوجهك الكريم
وانفع به المستفيدين، وارزقنى دعوة صالحة منهم، ينالنى بها عفوك ورضاك
وآخر دعوانا: "أن الحمد لله رب العالمين"
وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين
وعلى آله، وصحبه، والمتمسكين بسنته أجمعين.
стр. 1122
سادساً
فهرس المصادر والمراجع
... أهمل فى الترتيب الألف واللام وأب وابن فى أول اسم الكتاب، وكذلك كلمة (كتاب)
القرآن الكريم.
أولاً: التفسير وعلومه:
أثر القراءات فى الدراسات النحوية، للدكتور عبد العال سالم على، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، سنة ١٣٨٩هـ-١٩٦٩م.
الأحرف السبعة فى القرآن الكريم ومنزلة القراءات منها، للدكتور حسن ضياء الدين عتر، مخطوط بكلية أصول الدين بالقاهرة رقم ٢٣٥.
الإسرائيليات فى التفسير والحديث، للدكتور محمد حسين الذهبى، مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٤.٦هـ-١٩٨٦م.
الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير، للدكتور محمد أبو شهبة، مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الرابعة ١٤.٨هـ.
البرهان فى علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابى الحلبى، مصر، الطبعة الأولى ١٣٧٦هـ.
تأويل مشكل القرآن، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق السيد أحمد صقر، مكتبة دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٣٩٣هـ-١٩٧٣م.
تفسير جزء عم، لمحمد عبده، المطبعة الأميرية، الطبعة الأولى ١٣٢٢هـ.
تفسير فرات الكوفى، لفرات بن إبراهيم الكوفى، المطبعة الحيدرية، النجف.
التفسير والمفسرون، للدكتور محمد حسين الذهبى، دار الكتب الحديثة بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٦١هـ.
تفسير القمى، لعلى بن إبراهيم القمى، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، قم، إيران، الطبعة الثانية ١٣٨٧هـ-١٩٦٨م.
تفسير القرآن العظيم، لأبى الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، مطبعة دار التراث بالقاهرة، بدون تاريخ.
التفسير القيم، لمحمد بن أبى بكر الشهير بابن قيم الجوزية، جمع: محمد أويس الندوى، تحقيق: محمد حامد الفقى، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨هـ.
التفسير الكبير، لأبى عبد الله محمد بن عمر المشهور بفخر الرازى، دار إحياء التراث العربى، بيروت، بدون تاريخ.
стр. 1123
تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، دار المنار بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٩٦٧م.
الجامع لأحكام القرآن، لأبى عبد الله محمد بن أحمد القرطبى، تصحيح أحمد عبد العليم البردونى، الطبعة الثانية ١٣٧٢هـ-١٩٥٢م.
جامع البيان عن تأويل آى القرآن، لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى، مطبعة مصطفى البابى الحلبى بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ.
الدر المنثور فى التفسير بالمأثور، لأبى الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ-١٩٨٣م.
روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، لشهاب الدين محمود الألوسى البغدادى، دار إحياء التراث العربى، بيروت، بدون تاريخ.
الصافى فى تفسير القرآن، لمحسن الفيض الكاشانى، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ-١٩٧٦م.
فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن على الشوكانى، مطبعة مصطفى البابى الحلبى بمصر، الطبعة الثالثة ١٣٨٣هـ-١٩٦٤م.
القراءات فى نظر المستشرقين والملحدين، للشيخ عبد الفتاح القاضى، طبعة مجمع البحوث الإسلامية ١٣٩٢هـ-١٩٧٢م.
القرآن والقراءات والأحرف السبعة، الحقيقة، العلاقة، صحة النقل، للدكتور عبد الغفور محمود جعفر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ-١٩٩٦م.
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل، لمحمود ابن عمر الزمخشرى، المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٣٥٤هـ.
الكواكب النيرات فى أثر السنة النبوية على القراءات، للدكتور علام بن محمدين ابن علام، مطبعة أولاد عثمان، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ-١٩٩٦م.
مجالس بن الجوزى فى المتشابه من الآيات القرآنية، لعبد الرحمن بن الجوزى، مطبعة دار الأنصار بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.
محمد عبده ومنهجه فى التفسير، للدكتور عبد الغفار عبد الرحيم، مطبعة دار الأنصار بالقاهرة، بدون تاريخ.
стр. 1124
المصاحف، لابن أبى داود، مؤسسة قرطبة، بدون تاريخ.
منهج المدرسة العقلانية الحديثة فى التفسير، للدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومى، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ.
النبأ العظيم، للدكتور محمد عبد الله دراز، مطبعة السعادة، ١٩٦٠م.
الناسخ والمنسوخ، لمحمد بن شهاب الزهرى، تحقيق الدكتور حاتم الضامن، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤٠٨هـ.
النشر فى القراءات العشر، لأبى الخير بن الجوزى، تحقيق محمد على الصباغ، طبع فى دمشق عام ١٣٤٥هـ، نشر وتصوير دار الكتب العلمية، بيروت.
ثانياً: الحديث النبوى وعلومه:
الابتهاج فى أحاديث المعراج، لأبى الخطاب عمر بن الحسن بن دحية، مكتبة الخانجى بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ-١٩٩٦م.
أبو زرعة الرازى وجهوده فى السنة النبوية، للدكتور سعدى الهاشمى، نشر مكتبة ابن القيم بالمدينة المنورة ١٤٠٩هـ-١٩٨٩م.
إتحاف ذوى الفضائل المشتهرة، للأستاذ عبد العزيز الغمارى، ضمن مجموعة الحديث الصديقية، الناشر مكتبة القاهرة بمصر، بدون تاريخ.
إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين، للإمام أحمد بن الحسين البيهقى، تحقيق السيد مصطفى سعيد خالد قطاش، دار الكتب العلمية، بيروت.
الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، لبدر الدين الزركشى، تحقيق محمد سعيد الأفغانى، دار القلم، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ-١٩٧٠م.
الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، لأبى الحسنات محمد عبد الحى اللكنوى، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، دار السلام بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ-١٩٩٣م.
أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية، للدكتور رفعت فوزى، مكتبة الخانجى بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ-١٩٨٠م.
الأحاديث المتواترة فى الأزهار المتناثر فى الأخبار المتواترة، لأبى الفضل عبد الرحمن ابن أبى بكر السيوطى، تحقيق أحمد حسن رجب، هدية مجلة الأزهر، العدد صفر ١٤٠٩هـ.
стр. 1125
اختلافات المحدثين والفقهاء فى الحكم على الحديث، للدكتور عبد الله شعبان على، طبعة دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ-١٩٩٧م.
الأدب المفرد، لأبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى، تحقيق فضل الله الجيلانى، ومحب الدين الخطيب، المكتبة السلفية بالقاهرة، الطبعة الثالثة ١٤٠٧هـ.
الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ﷺ ، لأبى زكريا يحيى بن شرف النووى، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.
استدراكات البعث والنشر، لأبى بكر أحمد بن الحسين البيهقى، جمع عامر أحمد حيدر، طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤١٤هـ-١٩٩٣م.
الإسراء والمعراج، للدكتور محمد أبو شهبة، مكتبة العلم بالقاهرة، ١٤١١هـ-١٩٩٠
الإشاعة لأشراط الساعة، للسيد الشريف محمد بن رسول الحسينى، مكتبة المشهد الحسينى، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
أصول الحديث، للدكتور عبد الهادى الفضلى، دار المؤرخ العربى، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ-١٩٩٣م.
أصول الحديث، علومه، ومصطلحه، للدكتور محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠١هـ-١٩٨١م.
أصول الرواية عند الشيعة الأمامية الإثنى عشرية، للدكتور عمر الفرماوى، مخطوط بكلية أصول الدين بالقاهرة.
أصول علم الحديث بين المنهج والمصطلح، للدكتور أبو لبابة حسين، دار الغرب الإسلامى، بيروت، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
أعلام المحدثين، للدكتور محمد محمد أبو شهبة، طبعة مركز كتب الشرق الأوسط، بدون تاريخ.
الإلماع إلى معرفة أصول الرواية، وتقييد السماع، لأبى الفضل عياض بن موسى اليحصبى، تحقيق السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، الطبعة الأولى١٣٨٩هـ-١٩٨٠م.
اللآلئ السنيات فى شرح حديث (إنما الأعمال بالنيات) ، للدكتور إبراهيم على سعده، مخطوط بكلية أصول الدين بالقاهرة، رقم ٥٢ ٠
اللآلئ المصنوعة فى الأحاديث الموضوعة، لأبى الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى، تحقيق صلاح محمد عويضة، الطبعة الأولى ١٤١٧هـ-١٩٩٦م.