يقول عن المرأة "وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت" فهنا تنبيه على أنها متزوجة، ولكن ليس لزوجها ذكر فى الرواية ليفهم القارئ أنه كان يدخل على تلك المرأة المتزوجة فى غيبة زوجها، ثم اختيار اسم المرأة "أم حرام" ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما يفعله النبى حرام وليس حلالاً. ثم يضع الراوى - بكل وقاحة- أفعالاً ينسبها للنبى ﵇ لا يمكن أن تصدر من أى إنسان على مستوى متوسط من الأخلاق الحميدة، فكيف بالذى كان على خلق عظيم ... ﵊، فيفترى الراوى كيف كانت تلك المرأة تطعمه، وتفلى له رأسه، وينام عندها، ثم يستيقظ ضاحكاً ويتحادثان ... نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله ... ويتركنا البخارى بعد هذه الإيحاءات المكشوفة، نتخيل ما معنى أن يخلو رجل بامرأة متزوجة فى بيتها، وفى غيبة زوجها، وأنها تطعمه وتفلى له رأسه، أى أن الكلفة قد زالت بينهما تماماً، وأنها تعامله، كما تعامل زوجها ... ثم يقول "وجعلت تفلى له رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ ..." ولابد أن القارئ سيسأل ببراءة ... وأين نام النبى، وكيف نام، وتلك المرأة تفلى له رأسه، وآلاف الأسئلة تدور حول هدف واحد هو ما قصده البخارى بالضبط (١) .
стр. 1052
و الجواب:
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى رداً على أحمد صبحى منصور، وعلى من قال بقوله قال: "إن قصة أم سليم، وأم حرام، والتى لم يتورع أحمد صبحى منصور أن يتخذ منها تكأة للتشويش على شخصية النبى ﷺ ، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا يعلم أن التفصيل فى نفى النقص عن الكاملين نقص، خصوصاً إذا دخل فى شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها فى تشويه صورة النبى ﷺ ، والتقليل من هيبته فى نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصراً بالمناهج، ومن هم أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفراً، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز للنبى ﷺ نقباً.
والشئ الذى لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريباً على أن النبى كان يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أم سليم، وأم حرام.
والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟
... والروايات تجيب أن أم سليم، وأم حرام أختان، يقال لأحدهما الرميضاء، وللأخرى الغميصاء، لا بعينها، فمنهم من يقول: إن الرميصاء بالراء هى أم حرام، والغميصاء بالغين هى أم سليم، ومنهم من يعكس (١) .
... والرميصاء، والغميصاء: لفظان يدلان على حالتين فى العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس.
стр. 1053
.. وأم سليم هى أم أنس بن مالك ﵁، وأم حرام خالته، وأنس بن مالك كان فى صباه يخدم النبى عشر سنين وكان النبى يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس: خدمت النبى عشر سنين، فما قال لى لشئ فعلته لم فعلته، ولا لشئ تركته لما تركته (١) .
... هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل فى الصحابة والصحابيات، وما الذى جعل علاقة النبى بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم.
إن هذا لا يكون إلا فى حالة واحدة، وهى أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النبى ﷺ ، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قال بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرضاعة كما قال البعض الآخر (٢) .
وإلا فهل يمكن عقلاً للنبى ﷺ ، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟
وهل يمكن عقلاً أو اتفاقاً أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين فى وقت واحد؟
وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النبى لغير قريبه من الصبيان أن يخدمه فى بيته عشر سنوات كاملات؟
وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى ﷺ ، وفى نبوته؟
أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى ﷺ ، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام.
стр. 1054
وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول كان النبى ﷺ ، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه (١) ، ورواية تقول: "نام النبى ﷺ ، فاستيقظ وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسى قال لا" (٢) .
وقد يقول قائل قريبات النبى ﷺ معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام.
والجواب أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى هذا المجتمع وأهملهن الرواة (٣) .
قال الإمام النووى – ﵀ – قوله: "أن النبى ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها".
اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له ﷺ ، واختلفوا فى كيفية ذلك.
فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار.
وقوله: "تَفْلِى" بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام أى تفتش ما فى الرأس، وتقتل القمل منه، ولا يعنى وجود ذلك فى رأس النبى ﷺ .
وأخذ من ذلك الحديث جواز فلى الرأس، وقتل القمل منه، وجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها، وهذا كله مجمع عليه (٤)
стр. 1055
.. يقول فضيلة الدكتور طه حبيشى: "بقى أن يتشدق صاحبنا فيقول: هب أن ذلك صحيح "وهو صحيح قطعاً" فكيف يدخل النبى بيتاً لمحرمة، وهى أم حرام من غير إذن زوجها عبادة بن الصامت؟
والجواب أن أم حرام كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت بغير زواج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تتزوج بعبادة بن الصامت، ويبقى معها بعد انتقال النبى ﷺ ، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه، وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن، ففى بعض روايات الحديث قال: ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت.
أما هذه الجملة التى وقع عليها صاحبنا وهى الواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى – كانت تحت عبادة بن الصامت – فقد أجمع العلماء أن هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها. قال الحافظ ابن حجر: والمراد بقوله هنا "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً لعياض" (١) .
... أما ما زعمه أحمد صبحى، وحاول إ يهام القارئ به من أن روايات الحديث فيها أن النبى ﷺ ، كان يبادل أم حرام كلمات غير مقبولة، وحاشاه.
стр. 1056
فيقول رداً على ذلك فضيلة الدكتور طه حبيشى: "نعم، النبى ﷺ ، كان عند أم حرام، ونام عندها، واستيقظ يضحك، وسألته أم حرام عن الأمر الذى يضحك منه، فأخبرها أن أناساً من أمته سيركبون البحر ظهره، ووسطه، ويكونون فيه، وهو أمر فيه أمثال الملوك على الأسرة، وهذا أمر يسعد النبى ﷺ ، ويرضيه، لما فيه من المخاطر ما فيه، إن فيه خطر ركوب البحر، وفيه الجهاد وما فى الجهاد من أهوال، وفيه احتمال الموت والشهادة، وأم حرام تعرف ذلك وتدركه، ثم تطمع فيه وتبتغيه، وتسأل النبى الذى لا ترد دعوته وتقول له: سل الله أن يجعلنى منهم، والنبى سأل ربه، واستجاب له ربه ، فسألته أم حرام بعد أن نام المرة الثانية فى الوقت نفسه وقام يضحك، مم تضحك يا رسول الله؟ فقال كما قال فى الأولى: إن أناساً من أمتى سيركبون البحر مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله أأنا منهم قال، لا، أنت من الأولين.
... ومرت الأيام وركبت أم حرام مع زوجها، وعلى ساحل البحر ركبت دابة فسقطت من على دابتها فماتت، وقبرها على رأى البعض ما يزال ظاهراً، يعرفه الناس فى قبرص باسم قبر المرأة الصالحة.
أى حديث هذا الحديث الذى جرى بين النبى وبين أم حرام، إنه حديث عن المخاطر والأهوال، وهو حديث عن الموت والشهادة، وهو حديث عن استكمال الذات إلى ساعة الممات، وهو حديث فرح النبى ﷺ ، بأمته حين ينتشرون بالدين ويحملون لواء الجهاد. إن مثل هذا الحديث: لهو حديث الرجولة والكمال، وهو حديث الطمع فى رحمة الله ورضوانه. فما علاقة مثل هذا الحديث الشاق بأحاديث الرضا ومتابعة هوى النفس.
إن المرء ليسمع الحديث المستقيم، فيدركه على وجهه، إن كان سليم النفس، حسن الطوية
وهو ينحرف به إذا كان إنساناً مريض النفس معوجاً، وهل ينضح البئر إلا بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟
стр. 1057
وقديماً قالوا: إن كل إناء بما فيه ينضح.
أشهد أن الله قد قال فى نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) .
والله ﵎
أعلى وأعلم
المبحث الرابع: شبه الطاعنين فى حديث سحر النبى ﷺ
والرد عليها
... روى البخارى ومسلم: عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: "سحر رسول الله ﷺ ، يهودى من يهود بنى زريق يقال له: لَبِيدُ بن الأَعصَمِ٠ قالت: حتى كان رسول الله ﷺ ، يخيل إليه أنه يفعل الشئ، وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، دعا رسول الله ﷺ . ثم دعا. ثم دعا. ثم قال: يا عائشة! أشعرت أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه؟ جاءنى رجلان فقعد إحداهما عند رأسى، والأخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى، للذى عند رجلى، أو الذى عند رجلى، للذى عند رأسى: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب قال: من طبه؟ قال: لَبِيدُ بن الأَعْصمَ٠ قال فى أى شئ؟ قال فى مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ٠ قال وَجْبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ٠ قال فأين هو؟ قال: فى بئر ذى أَرْوَانَ٠ قالت: فأتاها رسول الله ﷺ فى أُناس من أصحابِه. ثمَّ قال: "يا عائشة! والله! لكأنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ ولكَأنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشياطينِ".
стр. 1058
.. قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا أحْرَقْتَهُ؟ قال "لا. أماَ أناَ فقد عافانى الله، وكرهت أن أُثِيرَ على النَّاسِ شّراً. فَأَمَرْتُ بها فَدُ فِنَتْ" (١) .
... أنكر هذا الحديث بعض المبتدعة قديماً على ما حكاه عنهم غير واحد من الأئمة.
قال الإمام النووى "وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب أنه يحط من مقام النبوة وشرفها ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع" (٢) وتابع المبتدعة طعناً فى الحديث أذيالهم من الرافضة، ودعاة اللادينية (٣) .
стр. 1059
وتأثر بتلك الطعون من علماء المسلمين الإمام محمد عبده (١) – ﵀ – وتابعه على ذلك من سار على طريقته من علماء المسلمين، وقال بقولهم بعض أدعياء العلم.
стр. 1060
.. قال الإمام محمد عبده ﵀: "نعلم أن البخارى أصدق كتاب بعد كتاب الله، وأنا لا أشك أن البخارى سمع هذا من أساتذته، والبخارى يشترط فى أحاديثه المعاصرة واللقاء، إلا أننى أرى أن هذا لم يحدث مع النبى ﷺ ، وإن كان قد دس من الإسرائيليات إلى مشايخ البخارى الذين أخذ منهم، وإلا فإننا إن قد صدقنا أن النبى ﷺ ، قد سحر فقد صدقنا كلام الظالمين، ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (١) . وإن صدقنا أن النبى ﷺ ، قد سحر فقد كذبنا الله القائل فى كتابة الحكيم: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٣) وقال : ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (٥) .
стр. 1061
ثم قال: وأما الحديث على فرض صحته فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن المظنون على أى حال فلنا، بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى فى عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً، وهو لم يبلغه أو أن شيئاً نزل عليه، وهو لم ينزل عليه، والأمر هنا ظاهر لا يحتاج إلى بيان. ثم ختم كلامه قائلاً: "أحب أن أكذب البخارى، من أن أنسب إلى رسول الله ﷺ ، أنه سحر" (١) .
و الجواب على الشبه السابقة فيما يلى:
أولاً: إن الحديث صحيح، وثابت، بأصح الأسانيد فى أصح الكتب بعد كتاب الله فقد رواه الشيخان فى صحيحيهما، ولا يصح لنا أن نقول بصدق البخارى ثم نكذب شيوخه فإن ما يجرى على شيوخه، يجرى عليه، ولا يصح لنا أن نكذب البخارى وروايته، اعتماداً على رأى ليس له من حظ فى توثيق الأخبار، وإقرار الحقائق من قريب أو بعيد، ولو أننا سلمنا جدلاً بصدق معطيات العقل لأتينا على كثير من السنة، بل وعلى كثير من آيات القرآن الكريم نفسه (٢) .
стр. 1062
يقول فضيلة الدكتور محمد الذهبى – ﵀: "إن حديث سحر رسول الله ﷺ ، راوية البخارى، وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ الإمام، ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخارى وغيره، فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخارى، كما أنه لو صح فى نظرهم فهو لا يعرف أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن (١) .
وهذا فى نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة التى هى بالنسبة للكتاب بمنزلة المبين. وقد قالوا: إن البيان يلتصق بالمبين (٢) .
يقول الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم: "وأما قول الأستاذ الإمام عن حديث السحر، وعلى أى حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر فى الحديث، ولا نحكمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب، وبدليل العقل".
فهذا كلام خطير جداً يفتح ثغرة ضد الثابت الصحيح من السنة كما يفتح مجالاً لقالة السوء فى الصدام بين الكتاب والسنة، بينما حدد لنا الرسول فى حديثه الصحيح "تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدى كتاب الله وسنتى" (٣) .
كما أن الأستاذ الإمام قد ترك للحاقدين فرصة الهجوم عليه بهذا السبب، وبجعله الأخذ بالكتاب، وبدليل العقل فقط، هذا أمر دفع تلميذه محمد رشيد رضا إلى القول: بأن الأستاذ الإمام كان ضعيفاً فى الحديث، كما أنه وحتى الآن محل نقد من رجال السنة، مما جرهم إلى التهجم عليه، وعلى أفكاره، بينما أبان هو عن هدفه من ذلك وجعله محدداً فى قوله: "وقد قال الكثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة، ولا ما يجب لها، أن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به".
стр. 1063
.. ويبدو أن الأستاذ الإمام قد أبدى بعض التراجع عن هذه الفكرة عندما قال: "ثم إن نفى السحر عنه لا يستلزم نفى السحر مطلقاً" مع أنه قد أقر سابقاً بأن السحر إما حيلة وشعوذة وإما صناعة علمية خفية، يعرفها بعض الناس، ويجهلها الأكثرون ... إلى أن قال: "أن السحر يتلقى بالتعليم، ويتكرر بالعمل فهو أمر عادى قطعاً بخلاف المعجزة".
ثم يجعل بعد ذلك نفى السحر بالمرة ليس بدعة، لأن الله تعالى لم يذكره ضمن أية ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١) ويجعل سحر سحرة فرعون ضرباً من الحيلة ويستدل بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢) "وما قال أنها تسعى بسحرهم" مع أن أقوى دليل يمكن أن يرد به على الأستاذ الإمام قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) .
فكيف غاب عن الأستاذ الإمام النظر فى هذه الآية، وكيف كان يمكن له أن يفسرها على خلاف ما هى عليه من إثبات حقيقة السحر لا كونه تخييلاً أو وهما.
أما الحديث فقد ثبت فى صحيح البخارى، وهو مرجع أساسى للسنة، فلو شككنا فى حجية الثابت فى البخارى، فكيف يقبل الناس بعد ذلك حديثاً ورد فى كتب الصحاح أو فى رواية عن غير طريق البخارى؟!
стр. 1064
وما دفع الأستاذ الإمام من عاطفة تنزيه مقام النبوة أو محاولة إظهار الإسلام بمظهر لا يكون فيه موضع اتهام من أعداء الإسلام، أو محاربة السحر كخرافة بعد أن توسع الناس فى عمل أشياء تتنافى مع عظمة الإسلام، وإنكاره لمظاهر الكهانة والسحر، والشعوذة.
وهذه إن جاز أن تكون دوافع الأستاذ الإمام فلا يجوز أن تكون بحيث تصادم الثابت الصحيح، وهو الذى كثيراً ما وقف عند الثابت عن المعصوم لا يتعداه، ولا يحاول تأويله، ويسلم به تسليم معتقد لما جاء به، حيث لا مجال للعقل فيه.
ثم ما هو الدافع؛ لأن يتأثر الأستاذ الإمام بالمعتزلة فى ذلك ويحاكى رأيهم وهو الذى كثيراً ما نعى على التقليد والمقلدين وكان أولى به أن يأخذ برأى الإمام "ابن قيم الجوزية" عندما قال فى هذا الشأن: "وأما قولكم أن سحر الأنبياء ينافى حماية الله لهم فإنه سبحانه كما يحميهم، ويصونهم، ويحفظهم، ويتولاهم، يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم، ليستوجبوا كمال كرامته، وليتأسى بهم من بعدهم من أممهم، إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا، ورضوا، وتأسوا بهم" (١) .
ومن أجل ذلك أثبت علماء الإسلام هذا الحديث، وأوجدوا له مخرجاً يتفق مع سلامة النسبة إليه ومع مكانة النبوة، فقالوا:
أولاً: الزعم بأن الحديث يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، هذا الذى ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته، وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل (٢) .
стр. 1065
ثانياً: أن سحر الرسول ﷺ ، يرفع من مقام النبوة وشرفها ولا يحط من شأنها؛ فالرسول ﷺ ، لم يكن معصوماً من الأمراض فلقد كان يأكل، ويشرب، ويمرض، وتجرى عليه كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم، وليس فى السحر على الهيئة الواردة ما ينقص من قدره كإمام لسائر الأنبياء والمرسلين (١) .
... قال القاضى عياض: "وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده، وظواهر جوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده. ويكون معنى قوله فى الحديث: "حتى يظن أنه يأتى أهله ولا يأتيهن" ويروى: "يخيل إليه" بالمضارع كلها: أى يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعترى المسحور.
بل وكما يعترى الرجل السليم قوى البدن، المحطم للأرقام القياسية فى رفع الأثقال، يظن تحطيم رقم قياسى أعلى، وعند محاولة الرفع لا يستطيع، ومثل ذلك أيضاً الإنسان فى حالة النقاهة من المرض، يظن أن به قدرة على الحركة، وعندما يهم بذلك لا تحتمله قدماه.
قال القاضى عياض: وكل ما جاء فى الروايات من أنه يخيل إليه فعل شئ ولم يفعله ونحوه، فمحمول على التخيل بالبصر، لا لخلل تطرق إلى العقل، وليس فى ذلك ما يدخل لبساً على الرسالة ولا طعناً لأهل الضلالة" (٢) .
стр. 1066
ثالثاً: أن عصمة الرسول ﷺ ، الواردة فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) العصمة هنا المراد بها عصمته ﷺ ، من القتل، والاغتيال، والمكائد المهلكة، وحمل بعض العلماء العصمة هنا على أنها عصمة من الغواية، والهوى، والضلال، وعدم الوقوع فى المعاصى والمنكرات، وليست العصمة من الأمراض كما سبق أن ذكرنا، بل الأنبياء جميعاً غير معصومين من المرض غير المنفر. فهم جميعاً تجرى عليهم كل النواميس المعتادة التى أودعها الله فى ولد آدم (٢) .
رابعاً: إن القول بأن الحديث معارض للقرآن الكريم، ويصدق المشركين فى قولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٣) مردود بأن المشركين كانوا يقولون إن محمداً بشر، وأنه فقير، وأنه لا يعلم الغيب، فهل نكذبهم فى ذلك؟!
ثم إننا نعلم يقيناً، أن الكفار لا يريدون بقولهم هذا، أن يثبتوا لرسول الله ﷺ ، ما أثبته هذا الحديث، وهو أن فلاناً من اليهود سحره بضعة أيام، فأدركه شئ من التغير، وخيل إليه أنه يفعل بعض الشئ، وهو لا يفعله، ثم أن الله شفاه من ذلك، هم لا يريدون هذا، بل يريدون أن رسول الله إنما يصدر عن خيال وجنون، وأنه لم يوح إليه شئ، فإذا آمنا بما دل عليه الحديث لم نكن مصدقين للمشركين فى دعواهم، فمفهوم الحديث شئ، ودعواهم شئ آخر.
стр. 1067
خامساً: زعمهم أن السحر من عمل الشياطين، وصنع النفوس الشريرة الخبيثة، أما من تحصن بعبادة الله كالأنبياء، فليس للشيطان، ولا للشريرين عليهم من سلطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) .
... هذا الزعم مردود عليهم بقوله تعالى عن أيوب ﵇: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (٢) وأخبر عن سيدنا موسى – ﵇–أنه لما قتل القبطى قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) .
... والاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ على أن جميع عباد الله الصالحين ناجون من أذى الشيطان، خلاف الإجماع، والمشاهد، والنصوص السالفة، والآية تفيد بلا شك أن العباد الصالحين سالمون من إغوائه وإضلاله، كما قال فى الآية الأخرى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) .
стр. 1068
وبعد فإن الحجة على جواز السحر للأنبياء ثابتة بقول رب العزة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (١) فقد صرحت الآية بأن سحر أولئك السحار، قد أوقع نبى الله موسى فى التخييل، حتى تغيرت أمامه الحقائق، فحسب الحبال حيات، والساكنات متحركات...٠
إذاً فالحديث صحيح الإسناد والمعنى ولا يعارضه القرآن الكريم ولا المعقول، فوجب قبوله والإيمان به" (٢) .
... قال الإمام المازرى ﵀: "مذهب أهل السنة، وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، خلافاً لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى فى كتابه وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له.
стр. 1069
وهذا الحديث أيضاً مصرح بإثباته، وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كل يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال (١) أ. هـ. والله أعلم.
стр. 1070
الفصل السابع:حديث رضاعة الكبير
شبهات الطاعنين فيه والرد عليها
... عن عائشة -رضى الله عنها- أن سالماً (١)
وأهله فى بيتهم. فأتت (تعنى ابنة سهيل) (١) النبى ﷺ . فقالت: إن فى نفس أبى حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبى ﷺ : "ارضعيه تحرمى عليه، ويذهب الذى فى نفس أبى حذيفة" فرجعت، فقالت: إنى قد أرضعته، فذهب الذى فى نفس أبى حذيفة" (٢) .
... بهذا الحديث طعن بعض الرافضة، وأدعياء العلم، فى صحيح الإمام البخارى، وزعموا أن الحديث يتعارض مع القرآن الكريم والعقل.
стр. 1073
يقول ابن الخطيب (١) : "هل يجوز لعاقل يؤمن بالله واليوم الآخر، بعد أن قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) أن يصدق هذا الحديث، أو أن يعيره بالاً؟! ولكن رواية هذا الحديث فى المسانيد معنعناً مطولاً: دعت كثيراً من الفقهاء إلى تصديقه وبحثه، والأخذ منه بجواز إرضاع الكبير!
ولنفرض أن هذه المرأة: أتت لأحد ما، وشكت له ما شكت للرسول ﷺ ، أكان يقول لها: أرضعيه، أم كان يقول لها: احتجبى عنه!؟ (٣) .
... ويقول فى كتابه الفرقان "إن هذا الحديث وأمثاله مما دسه الدساسون الأفاكون، ليذهب ببهاء ذلك الدين القويم! وحاشا أن يقول الرسول ﷺ ما لم يقله الله ، بل ويتناقض كل التناقض مع ما ورد فى الكتاب المجيد الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (٤) .
... ويقول صالح الوردانى: "والذى نقوله نحن إن هذه الرواية هراء، وتبرير الفقهاء لها أكثر من هراء. إذ أن المعلوم شرعاً أن حرمة الرضاع إنما تنبنى على سنى الرضاعة، وهما حولين كاملين أى السنة الأولى والثانية من عمر المولود، بعد ذلك لا عبرة برضاعة من أى ثدى، لأن اللبن لن يكون له دور فى تكوينه. فهل كان الرسول يجهل هذه الحقيقة. أم كان يمزح مع السائلة ... وهل مثل هذه الأمور محل للمزاح؟
стр. 1074
.. إن الإجابة على هذه التساؤلات، هى أن هذه الرواية لا تخرج عن كونها لهو مصطنع على لسان أصحاب الأهواء والأغراض من الحكام، وغيرهم ونسبوها إلى الرسول، ويكفى القول إن أم سلمة وسائر أزواج النبى ﷺ رفضن أن يدخل عليهن أحد بتلك الرضاعة عدا عائشة ... ومثل هذا الموقف من قبل نساء النبى إنما يعكس عدم الرضا عن هذا الأمر وعدم قناعتهن به. وهو يشير إلى جهة أخرى إلى الشك فى الرواية. إذ لو كانت صحيحة ثابتة عن الرسول ما اعترض عليها نسوته" (١) .
والجواب:
... إن هذا الحديث الذى طعن فيه بعض دعاة الفتنة، وأدعياء العلم، مما تلقته الأمة بالقبول رواية ودراية.
أما الرواية فقد بلغت طرق هذا الحديث نصاب التواتر كما قال الإمام الشوكانى (٢) .
وأما الدراية فقد تلقى الحديث بالقبول، الجمهور من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم من علماء المسلمين إلى يومنا هذا.
стр. 1075
تلقوه بالقبول على أنه واقعة عين بسالم ﵁ لا تتعداه إلى غيره، ولا تصلح للاحتجاج بها، ويدل على ذلك ما جاء فى بعض الروايات عند مسلم عن ابن أبى مليكة أنه سمع هذا الحديث من القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة –رضى الله عنها- قال ابن أبى مليكة: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به وَهَبْتُه (١) . ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتنى حديثاً ما حدثته بعد. قال: فما هو؟ فأخبرته. قال: فحدثه عنى، أن عائشة أخبرتنيه (٢) . وفى رواية للنسائى، فقال القاسم: حَدِّثْ به ولا تَهَابُهُ (٣) .
... قال الحافظ ابن عبد البر: "هذا يدل على أنه حديث ترك قديماً ولم يعمل به، ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه خصوص" (٤) .
стр. 1076
.. وبذلك صرحت بعض الروايات، ففى صحيح مسلم عن أم سلمة زوج النبى ﷺ كانت تقول: "أبى سائر أزواج النبى ﷺ أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة.وقلن لعائشة: والله! ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة. ولا رائينا (١) .
... إن قصة رضاعة سالم ﵁ قضية عين لم تأت فى غيره، واحتفت بها قرينة التبنى، وصفات لا توجد فى غيره كما سبق فى ترجمته، فلا يقاس عليه (٢) .
... فأصل قصة سالم ما وقع له من التبنى الذى أدى إلى اختلاطه بسهلة بنت سهيل امرأة أبى حذيفة، وكانت تراه ابناً لها، ويدخل عليها فلا تحتشم منه، ويراها وهى منكشف بعضها، فلما نزل الاحتجاب، ومنعوا من التبنى، شق ذلك على أبى حذيفة، وسهلة، فوقع الترخيص لهما فى ذلك، لرفع ما حصل لهما من المشقة (٣) . وهذا ما جاء فى رواية الإمامين أبو داود ومالك.
стр. 1077
عن عائشة زوج النبى ﷺ ، وأم سلمة –رضى الله عنهما- أن أبا حذيفة بن عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس، كان تبنى سالماً، وأنكحه أبنة أخيه، هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً، وكان من تبنى رجلاً فى الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه، حتى أنزل الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُواءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) ، فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى، وأخا فى الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشى ثم العامرى، وهى امرأة أبى حذيفة. فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوى معى، ومع أبى حذيفة فى بيت واحد، ويرانى فضلاً، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبى ﷺ "أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
فبذلك كانت عائشة –رضى الله عنها- تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها، أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيراً، خمس رضعات، ثم يدخل عليها.
стр. 1078
وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبى ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس حتى يرضع فى المهد، وقلن لعائشة: والله ما ندرى لعلها كانت رخصة من النبى ﷺ لسالم دون الناس" (١) .
... قال الإمام الزرقانى (٢) : "قول سهلة: يا رسول الله إنا كنا نرى"، أى نعتقد "سالماً ولداً" بالتبنى "وكان يدخل على وأنا فُضل" بضم الفاء والضاد المعجمة قال ابن وهب: مكشوفة الرأس والصدر، وقيل: علىَّ ثوب واحد لا إزار تحته، وقيل متوشحة بثوب على عاتقها، خالفت بين طرفيه (٣) .
قال ابن عبد البر: أصحها الثانى لأن كشف الحرة الصدر لا يجوز عند محرم ولا غيره (٤) .
قال الحافظ ابن حجر:"فعلى هذا فمعنى الحديث أنه كان يدخل عليها وهى منكشف بعضها (٥) وفى رواية أحمد قالت: "يدخل على كيف شاء لا نحتشم منه" (٦) ، وقولها "ليس لنا إلا بيت واحد" أى فلا يمكن الاحتجاب منه، وقد أنزل الله فيه ما علمت أى من الاحتجاب، ومنع التبنى، فماذا ترى فى شأنه؟
стр. 1079
ولمسلم عن القاسم عن عائشة فقالت: إنى أرى فى وجه أبى حذيفة من دخول سالم وهو حليفه. وله من وجه آخر عن القاسم عنها فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوه، وإنه يدخل علينا، وإنى أظن أن فى نفس أبى حذيفة من ذلك شيئاً.
ولا منافاة فإن سهلة ذكرت السؤالين للنبى ﷺ ، واقتصر كل راو على واحد "فقال لها رسول الله ﷺ : أرضعيه خمس رضعات.
قال ابن عبد البر: وفى رواية (عشر رضعات) ، والصواب رواية (خمس رضعات فيحرم بلبنها) زاد فى مسلم فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير (١) ؟ فتبسم ﷺ وقال: قد علمت أنه رجل كبير، وكان قد شهد بدراً. وفى لفظ له أرضعيه تحرمى عليه، ويذهب الذى فى نفس أبى حذيفة فرجعت إليه فقالت: إنى قد أرضعته فذهب الذى فى نفس أبى حذيفة.
قال ابن عبد البر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، فأما أن تلقمه المرأة ثديها، فلا ينبغى عند أحد من العلماء.
стр. 1080
وقال عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فشربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، إذ لا يجوز رؤية الثدى، ولامسه ببعض الأعضاء (١) .
قال النووى: وهو حسن، ويحتمل أنه عفى عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر (٢) ، وأيده بعضهم بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها لأنه تبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير، ولم يأمرها بالحلب، وهو موضع بيان، ومطلق الرضاع يقتضى مص الثدى، فكأنه أباح لها ذلك لما تقرر فى نفسهما، أنه ابنها، وهى أمه فهو خاص بهما لهذا المعنى (٣) .
وكشف العورة فى هذه الحالة جائز للضرورة، فلا معارضة بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٤) كما زعم بعض أدعياء العلم.
стр. 1081
.. قال الإمام الزرقانى: "وكأن القائلين بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها، لم يقفوا فى ذلك على شئ. فقد روى ابن سعد عن الواقدى عن محمد بن عبد الله ابن أخى الزهرى عن أبيه قال: كانت سهلة تحلب فى إناء قدر رضعته، فيشربه سالم فى كل يوم، حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهى حاسر، رخصة من رسول الله ﷺ لسهلة (١) .
... وما استشكل من عدم تفريق عائشة –رضى الله عنها- بين رضاع الصغير، والكبير مع روايتها لحديث "فإنما الرضاعة من المجاعة" (٢) مما يفيد أن رضاعة الكبير لا تحرم.
стр. 1082
فقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإشكال بقوله: "لعلها فهمت من قوله: "إنما الرضاعة من المجاعة" أنه يخص مقدار ما يسد الجوعة من اللبن، فهو فى عدد الرضعات، أعم من أن يكون المرتضع صغيراً أو كبيراً، فلا يكون الحديث نصاً فى منع اعتبار رضاعة الكبير، وحديث ابن عباس –رضى الله عنهما-، "لا رضاع إلا ما كان فى الحولين" (١) –مع تقدير ثبوته – ليس نصاً فى ذلك أيضاً، وحديث أم سلمة –رضى الله عنها-، "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء فى الثدى، وكان قبل الفطام" (٢) يجوز أن يكون المراد منه أنه لا رضاع بعد الفطام ممنوع، ثم لو وقع رتب عليه حكم التحريم، فما فى الأحاديث المذكورة ما يدفع هذا الاحتمال، فلهذا عملت عائشة بذلك" (٣) .
ومن هنا فلا عبرة بما زعمه بعض الرافضة من استنكاره رضاعة سالم ﵁ وهو كبير.
стр. 1083
لأن قصة سالم كانت فى أول الهجرة، وكانت رضاعة الكبير وقتئذ مشروعة ثم نسخت، وبذلك صرحت عائشة –رضى الله عنها- قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن" (١) وفى رواية لابن ماجة، وأحمد، عن عائشة – رضى الله عنها – قالت: "لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كانت فى صحيفة تحت سريرى. فلما مات رسول الله ﷺ وتشاغلنا بموته، دخل داجن (٢) فأكلها" (٣) .
أما الأحاديث الدالة على اعتبار الحولين فهى من رواية أحداث الصحابة فدل على تأخرها.
قال الحافظ ابن حجر: وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوى، ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً، وأيضاً ففى سياق قصة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين، لقول امرأة أبى حذيفة فى بعض طرقه: "وكيف أرضعه وهو رجل كبير"؟ فهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر فى الرضاع المحرم" (٤) أ. هـ.
... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: "وفى تعقيب ابن حجر نظر، لأن قصة سالم كانت فى أول الهجرة، بلا نقاش، كما هو واضح من ترجمته، ورواية اعتبار الحولين تؤكد تأخر الحكم عن قصة سالم، وقول امرأة أبى حذيفة، وإن أشعر بتقدم الحكم على سبيل الاحتمال، لكنه لا يفيد تقدم الحكم.
стр. 1084
فقد يكون سؤالها عن الطريقة التى ترضعه بها، أتحلب اللبن؟ أم تلقمه ثديها؟ وقد يكون سؤالها تعجباً من الأمر بإرضاعه المنافى لما جبلت عليه البشرية من إرضاع الصغير دون الكبير.
فالقول بنسخ رضاعة الكبير، ومنها قصة سالم ﵁ ظاهر ومقبول، لا يعارضه سوى موقف عائشة –رضى الله عنها- الذى انفردت به مع قلة من الفقهاء" (١) .
... قال الإمام النووى: وقول عائشة –رضى الله عنها-: "فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ" معناه أن النسخ بخمس رضعات، تأخر إنزاله جداً، حتى أنه ﷺ توفى وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلو، لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
... وفى الرواية ما يدل على وقوع النسخ فى القرآن. قال النووى: والنسخ ثلاثة أنواع:
стр. 1085
أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات.
والثانى: ما نسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات، والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.
والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (١) .
وبعد
... فقد ظهر واضحاً جلياً أن قصة سالم ﵁ صحيحة رواية ودراية، تلقاها علماء الأمة منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها – بالقبول بصرف النظر عن كونها واقعة خاصة أو عامة، ويشهد لهذا التلقى للحديث بالصحة أن جميع الصحابة ﵃ أجمعين لم ينقل لنا عن أحدٍ منهم استنكار أو حتى استغراب للقصة!، وإنما نقل لنا اختلافهم فى حكمها الفقهى.
فجمهور الصحابة على أن قصة سالم واقعة عين خاصة به، ولا يصح الاحتجاج بها لغيره، وتابع على ذلك جمهور علماء الأمة من التابعين فمن بعدهم، وانفردت عائشة –رضى الله عنها- مع قلة من الفقهاء منهم: عروة بن الزبير، وعطاء بن أبى رباح، والليث بن سعد، وابن علية، وغيرهم رأوا أن قصة سالم عامة، وأن إرضاع الكبير يثبت به التحريم (٢) وللكل وجهة نظر ودليل.
стр. 1086
فالجمهور على أن قصة سالم ﵁ خاصة به لما وقع له من التبنى الذى أدى إلى اختلاطه بسهلة فلما نزل الاحتجاب، ومنع التبنى شق ذلك على أبى حذيفة وسهلة لما تقرر فى نفسهما أنه ابنهما، وحيث كان يدخل على سهلة كيف شاء ولا تحتشم منه كما جاء من قولها فى رواية أحمد. وليس لهم إلا بيت واحد.
فمن أجل رفع المشقة، ولما اجتمع فى سالم من صفات لا توجد فى غيره، وقع له الترخيص فى الرضاعة مع بلوغه لما تقرر فى نفوسهم جميعاً من صفات الأبوة من سالم تجاه أبى حذيفة وسهلة، وصفات البنوة من أبى حذيفة وسهلة تجاه سالم.
ومما يؤكد ذلك ذهاب ما فى نفس أبى حذيفة نتيجة لهذا الرضاع.
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين "ولا أظنه يذهب ما فى نفس غير أبى حذيفة مع غير سالم" (١) .
وذهب الجمهور أيضاً بنسخ قصة سالم بما جاء من الأحاديث الدالة على اعتبار الحولين.
... أما عائشة –رضى الله عنها- ومن قال بقولها من الفقهاء فرأوا أن قصة سالم ﵁ عامة للمسلمين، لمن حصل له ضرورة: وللكل فى هذا الخلاف وجهة نظر ودليل، ولم يكن لهذا الاختلاف بينهم أى أثر فى اعتقادهم صحة الحديث، الذى يحاول دعاة الفتنة وأدعياء العلم تضعيفه أو النيل من عدالة رواته، ومن أخرجه من الأئمة الأعلام فى كتبهم.
... ويؤخذ من قصة سالم صدق إيمان سهلة، وأبى حذيفة، وسرعة امتثالهما للوحى الإلهى، لأن الغيرة منهما، وقعت نتيجة لما نزل فى كتاب الله من النهى عن التبنى، والأمر بالاحتجاب. فتغيرت نظرة البنوة نحوه، امتثالاً لما نزل.
... ولو كانت الغيرة لشئ غير ذلك، لما كان هناك معنى لذهاب ما فى نفس أبى حذيفة بتلك الرضاعة، التى ما كانت إلا أمراً إلهياً، امتثل له الجميع، ورفعت عنهما به المشقة والحرج أ. هـ. ... ... ... والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 1087
الفصل الثامن: حديث "وقوع الذباب فى الإناء "
... وتحته مبحثان:
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى أحاديث الطب النبوى والرد عليها .
المبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث "وقوع الذباب فى الإناء" والرد عليها.
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى أحاديث الطب النبوى والرد عليها
... الأحاديث الطبية التى أخبر عنها المعصوم ﷺ ، طعن فيها المبتدعة قديماً بعقولهم. وتأثر بذلك بعض علماءنا الأجلاء وتوسعوا فى ذلك بحجة أن الأحاديث الطبية لم يقلها النبى ﷺ ، بوحى، وإنما بالتجربة والعادة بصفته البشرية فهو لم يبعث ليعلم الناس الطب.
واتخذ أعداء السنة من هذا الكلام سلاحاً قوياً يطعنون به فى حجية السنة، وأنها كلها ليست وحياً. كما سبق تفصيل ذلك فى اجتهاد النبى ﷺ (١) .
يقول الإمام ابن خلدون ﵀: "الطب المنقول فى الشرعيات ... ليس من الوحى فى شئ وإنما هو أمر كان عادياً للعرب ووقع فى ذكر أحوال النبى ﷺ من نوع ذكر أحواله التى هى عادة وجبلة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه ﷺ إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: "انتم أعلم بأمور دنياكم" (٢) فلا ينبغى أن يحمل شئ من الطب الذى وقع فى الأحاديث المنقولة على أنه مشروع؛ فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك، وصدق العقد الإيمانى، فيكون له أثر عظيم فى النفع، وليس ذلك فى الطب المزاجى، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع فى مداواة المبطون بالعسل (٣) أ. هـ.
стр. 1088
.. وأيد الإمام ابن خلدون فى ذلك بعض علمائنا الأجلاء منهم فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وغيره ممن قسموا السنة النبوية إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية (١) .
... يقول فضيلة الدكتور القرضاوى:"وفى رأيى أن جل الأحاديث المتعلقة بـ "الوصفات الطبية" وما فى معناها ... كوصف الرسول ﷺ للمصاب بعرق النسا: ألْيَةُ شاة أعرابيةٍ ...إلخ ما جاء فى الحديث (٢) ، فهذا ليس من أمور الدين التى يثاب فاعلها، أو يلام تاركها، بل هو إرشاد لأمر دنيوى نابع من تجربة البيئة العربية ...، ولم يبعث ﵊ ليقوم بطب الأجسام، فذلك له أهله، وإنما بعث بطب القلوب، والعقول، والأنفس، ومهما يكن اعتزازنا بما سماه العلماء "الطب النبوى" فمن المتفق عليه: أن النبى ﷺ ، لم يَدَّع العلم بالطب، ولا بعث لذلك (٣) أ. هـ.
... والنتيجة: أن خرج علينا أحد أعداء السنة "نيازى عز الدين" يقول: "الأحاديث التى تحاول أن تنسب للرسول ﷺ ، علوماً مثل الطب، كلها أحاديث موضوعة، غايتها حرف الناس عن الحقائق، والعقلية العلمية التى فى آيات القرآن، إلى عقلية تؤمن بالأوهام والخرافات والأباطيل (٤) .
стр. 1089
ثم ضرب أمثلة على تلك الأحاديث الموضوعة تعمد اختيارها من صحيح الإمام البخارى – ﵀ – وذلك كأحاديث الرقية "اللهم، رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافى، لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقماً". وحديث "علاج المبطون بالعسل". وحديث "لا عدوى ولا صفر". و "الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". و"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". و"من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" وغير ذلك من الأحاديث التى نقلها من صحيح الإمام البخارى فى كتاب الطب" (١) .
وطعن كثير من دعاة الفتنة، وأدعياء العلم فى بعض الأحاديث الطبية، واتخذوا من تقسيم بعض علماء المسلمين "السنة تشريع، وغير تشريع" متكأً قوياً وهم يطعنون فى حجية السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام.
... وإذا كنا قد بينا سابقاً بالبرهان الواضح أن السنة النبوية كلها وحى، وبينا بطلان تقسيم السنة الشريفة إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية بما يغنى عن إعادته هنا (٢) .
فسوف نكتفى هنا فى الدفاع عن أحاديث "الطب النبوى " إجمالاً بالرد على ابن خلدون فيما ذهب إليه.
يقول الدكتور محمد أحمد السنهورى: أما قول ابن خلدون: "والطب المنقول فى الشرعيات ليس من الوحى فى شئ وأنه ﷺ ، لم يبعث لتعريف الطب".
هذا الكلام يناقض الواقع، والحقيقة؛ لأنه من المعلوم والبديهى أن الرسول ﷺ ، كان أمياً ولم يدرى ما الكتاب، والإيمان.
ومن أين له أن يعرف طبائع الدواء أو خصائصه سواء كان هذا الدواء نباتاً أو غذاء إلا إذا كان ربه قد أطلعه عليه؟!
стр. 1090
.. والله يقول عن العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) ولم يبين فى القرآن الأمراض التى يشفيها هذا العسل.
ولكن الرسول عالج به المبطون أو صاحب الإسهال.
فما الذى جعل الرسول ﷺ ، يحدد هذا الدواء بالذات لعلاج هذا المرض؟ وما الذى جعله يصر على أن يتناوله المبطون أكثر من مرة؟ لابد أن يكون هذا عن طريق الوحى.
ثم ما الذى جعل الرسول يفضل فى دواء الإمساك "السنا" على "الشُّبْرُمُ" وهما نباتان يستعملان لهذا الغرض (٢) . وقد فضَّل الأطباء بعد ذلك ما اختاره الرسول ﷺ وتركوا "الشُّبْرُمُ" وبينوا ضرره وقالوا أنه غير مأمون.
فهل كان الرسول ﷺ يملك معملاً للتحليلات؟ كلا إن هذا الأمر لابد أن يكون قد عرف خصائصه من الوحى.
ثم إن كل قانون طبى وضعه الرسول ﷺ وكل دواء نوه عليه لم يستطع طبيب إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن يثبت عكس كلامه فيه. أو يخرم له قاعدة، بل كل يوم يظهر الطب، والعلم، صحة ما ذهب إليه المصطفى ﷺ ، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣) .
... أما كون ابن خلدون يريد أن يقيس طب النبى ﷺ ، على قصة تأبير النخل، مدعياً أن طبه كان أمراً عادياً ورأياً شخصياً له.
فهذا قياس خاطئ ومن الواضح أن هناك فرقاً بين هذا وذاك. فلم يتكلم النبى ﷺ ، عن خصيصة دواء من الأدوية أو غذاء من الأغذية ورجع عنه، بخلاف الأشياء التى كانت اجتهاداً منه، والتى لا تخرج عن الوحى أيضاً، على ما سبق تفصيله (٤) .