← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

.. وإذا كان ما سبق بيان لموقف المسلمين من كتابات المستشرقين وعدم الاعتماد عليها فى فهم ديننا، ولا الاعتماد عليها فيما نكتبه عن الإسلام ومصادره من قرآن، وسنة، وسيرة، وتاريخ ... إلخ. حتى لو كان هؤلاء المستشرقين مسلمين للأسباب السابقة. فإن هذا لا يعنى أن نلقى تلك الكتابات بعيداً، ونقول: إنها كلام فارغ ... صحيح أن فيه كذباً وتضليلاً: صحيح أنه صادر عن حقد عميق، ولكنه ليس كلاماً فارغاً، ولا يخدمنا فى شئ أن نلقيه بعيداً، ثم نجر اللحاف وننام ... لأن هذا "الكلام الفارغ" هو الحديد والنار اللذان يحاربنا بهما أعداؤنا فى بلادهم وبلادنا. والحديد والنار لا يقابلان إلا بالحديد والنار، وفى ميدان العلم. الحديد والنار، هما العمل، والعمل الطويل نواجه به مكر أعدائنا فإذا كان أعداؤنا يعملون بتخطيط ومكر، فعلينا أن نخطط ونمكر لنفسد عليهم خططهم ومكرهم. وإذا كانوا يكتبون عن الإسلام والمسلمين "كلاماً فارغاً ... فلنشمر نحن عن سواعدنا ولنكتب نحن الشئ المليان أداءً للأمانة التى حملنا الله إياها فى أعناقنا بتبليغ رسالته إلى خلقه كافة. كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) أ. هـ.

стр. 142

الفصل الثالث: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع حديثاً العلمانية، البهائية، القاديانية ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: التعريف بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع حديثاً وبيان خطرهم المبحث الثانى: موقف أهل الأهواء والبدع حديثاً من السنة النبوية. وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: العلمانيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الثانى: البهائيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الثالث: القادبانيون وموقفهم من السنة النبوية. المبحث الأول: التعريف بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع حديثاً وبيان خطرهم ... إن من أخبث وأخطر ما يواجه المسلمين فى عصرهم الحاضر انتشار المذاهب اللادينية بينهم من العلمانية (١)

стр. 143

، والبهائية (١)

стр. 144

، والقاديانية (١) ، وغير ذلك من المذاهب الهدامة التى نشأت وترعرعت فى أحضان أعداء الإسلام من اليهودية العالمية والصليبية الحاقدة المستعمرة، فتحت رعاية هؤلاء نشأت تلك المذاهب الفاسدة بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، وإفساد عقيدتهم، وتفكيك وحدتهم، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية.

стр. 145

.. واستطاع أعداء الإسلام أن يستميلوا كتاباً وأساتذة جامعيين وغير جامعيين وأدباء وشعراء وصحفيين، يحملون أفكار ومعتقدات تلك المذاهب الهدامة، من أبناء الشعوب المسلمة، وينشرونها بأقلامهم وألسنتهم، ليكونوا أكثر تأثيراً فى الأجيال الناشئة (١) . وهؤلاء على حد تعبير الشيخ محمد الغزالى -رحمه الله تعالى- سفراء فوق العادة لليهود والنصارى، والفرق بينهم وبين السفراء الرسميين أن هؤلاء لهم تقاليد تفرض عليهم الصمت، وتصبغ حركاتهم بالأدب، أما أولئك المستشرقين السفراء؛ فوظيفتهم الأولى أن يثرثروا فى الصحف وفى المجالس وأن يختلقوا كل يوم مشكلة موهومة ليسقطوا من بناء الإسلام لبنة، وليذهبوا بجزء من مهابته فى النفوس، وبذلك يحققون الغاية الكبرى من الزحف المشترك الذى تكاتفت فيه الصهيونية والصليبية فى العصر الحديث، إن هؤلاء النفر من حملة الأقلام الملوثة أخطر على مستقبلنا من الأعداء السافرين، فإن النفاق الذى برعوا فيه يخدع الأغرار بالأخذ عنهم، وقد يقولون كلمات من الحق تمهيداً لألف كلمة من الباطل تجئ عقيبها (٢) أ. هـ. ... ويقول الدكتور مصطفى السباعى – رحمه الله تعالى -: ومن المؤسف أن يسير وراء أعداء الإسلام فى الحاضر فئة ممن لا نشك فى صدق إسلامهم من العلماء والكتاب، ولكنهم منخدعون بمظهر التحقيق العلمى "الكاذب" الذى يلبسه هؤلاء الأعداء من المستشرقين والمؤرخين والغربيين عن حقيقة أهدافهم ومقاصدهم، فإذا هم – وهم مسلمون – ينتهون إلى الغاية التى يسعى إليها أولئك – وهم يهود أو مسيحيون أو استعماريون – من إشاعة الشك والريبة فى الإسلام وحملته، من حيث يدرون أو لا يدرون، فالتقى أعداء الإسلام وبعض أبنائه على صعيد واحد لا يشرف هؤلاء ولا أولئك، لا فى ميدان العلم، ولا فى سجل التاريخ.

стр. 146

.. ومن الملاحظ أن هؤلاء الذين ينخدعون من المسلمين بالمستشرقين والمؤرخين والكاتبين من أعداء الإسلام الغربيين، لا يوقعهم فى الفخ الذى نصبه لهم هؤلاء ألا أحد أربعة أمور غالباً: ١- إما جهلهم بحقائق التراث الإسلامى، وعدم إطلاعهم عليه من ينابيعه الصافية. ٢- وإما انخداعهم بالأسلوب العلمى "المزعوم" الذى يدعيه أولئك الخصوم. ٣- وإما رغبتهم فى الشهرة والتظاهر بالتحرر الفكرى من ربقه التقليد كما يدعون. ٤- وإما وقوعهم تحت تأثير "أهواء" و "انحرافات" فكرية، لا يجدون مجالاً للتعبير عنها إلا بالتستر وراء أولئك المستشرقين والكاتبين بتلقف آرائهم الفاسدة ومبادئ مذاهبهم الباطلة وترديدها كالبغبغاء، متوهمين أن ذلك فيه عز للإسلام والمسلمين، فأضروا بأنفسهم وبغيرهم وشغبوا على دينهم، وأحدثوا بلبلة فكرية، حار فيها العوام وأنصاف المتعلمين (١) . ويضيف فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الموجود عبد اللطيف عاملاً خامساً وهو:

стр. 147

٥- جهلهم بالسنة النبوية وعلومها وإن كان بعضهم برز فى تخصصه ومجاله العلمى الدقيق، وهؤلاء هم أدعياء العلم بالسنة النبوية الذين قرؤوا فيها قراءات عابرة لا تنهض من كبوة أو تبعث من رقدة، فعرفوا منها القشر دون اللباب، وخيل إليهم أنهم أعلم الخلق فى هذا الباب، وليس بالضرورة أن يكون أدعياء العلم بالسنة أتباعاً لواحد من هذه المذاهب الهدامة، أو لبعضها فى كل أصولها العقائدية؛ لأنهم قوم نشهد لهم بقوة الدين وتمام الفضل، لكنهم – فيما نراه – قلدوا غيرهم فى بعض أفكارهم المنحرفة من غير تروٍ، أو تعمق، وإن غالوا فى اعتزازهم بآرائهم، وسفهوا عقول مخالفيهم، وحملوهم عليها بقوة اللهجة والأسلوب. ... والمتأمل فى أحوال هؤلاء القوم يجد أن بينهم وبين العلم المتعمق فى السنة وعلومها بوناً شاسعاً، وليس بينهم وبينها من صلة إلا بمقدار قراءتهم لها فيما تمس الحاجة إليه منها. ... فهم ما بين خطيب، وفقيه، وأديب، وطبيب، وقانونى، ومتكلم، ومؤرخ، وغيرهم من الذين لم يتخصصوا فى السنة وعلومها، وإنما تخصصوا بغيرها من شتى الفنون، وقد يكون هناك الدعى على العلم والعلماء، ولم يتخصص فى شئ سوى الافتراء على الإسلام ونبيه ﷺ ، وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين (١) .

стр. 148

.. والدليل على استمالة أعداء الإسلام لبعض أبناء المسلمين لحمل أفكارهم وشبهاتهم حول السنة المطهرة ونشرها بين المسلمين ما قاله الأستاذ الصديق بشير نصر فى كتابه (ضوابط الرواية عند المحدثين) : "والذى تبين لى أن المستشرقين قد بذروا بذور الشك فى الحديث الشريف، وتعهدوها بالرعاية حتى عثروا على من يتولى أمرها من أبناء المسلمين المستغربين، شأنهم فى ذلك شأن غيرهم من المستشرقين فى المعارف الأخرى، والذى أكد لى هذا الظن وقوعى على كتاب بعنوان: "توثيق الأحاديث النبوية، مجادلات فى مصر الحديثة" لمؤلفه جانيبول. هذا الكتاب الذى اعتقد أنه وضع لتحسس مدى تأثير المستشرقين فى أبناء الإسلام، وكأنه وضع لمعرفة ما إذا كانت تلك البذور التى غرست قد أينعت وأثمرت أم لم تينع ولم تثمر بعد. ... وقد أكد هذا الكتاب لى حقيقة أن هؤلاء الناس يخططون لأمد بعيد، وكل كتاب يخرج منهم إنما هو وفق هذا المخطط المرسوم وإليك عرضاً سريعاً لهذا الكتاب. عرض كتاب (توثيق الأحاديث) لجاينبول: ... يقع هذا الكتاب (وما زال الكلام للأستاذ صديق) فى تسعة فصول هى على التوالى: ١- مسح لما صدر من كتب ومقالات فى توثيق الأحاديث. ٢- التوثيق فى نظر محمد عبده. ٣- النقاش حول التوثيق فى مجلة المنار. ٤- مناقشات أخرى فى التوثيق. ٥- مناقشة حول التدوين. ٦- مناقشة حول العدالة. ٧- مناقشة حول عدالة أبى هريرة. ٨- مناقشة حول الوضع فى الحديث. ٩- رواية الأحاديث. ... والكتاب يعرض لكل ما كتبه المسلمون فى الحديث، سواء كان على شكل كتب، أو مقالات ابتداء من محمد عبده، ورشيد رضا فى مجلة المنار، وانتهاءً بأحمد أمين، وهيكل، وأبى رية.

стр. 149

.. ثم يتحدث الكتاب عن الزوبعة التى أثارها كتاب (أضواء على السنة المحمدية) للشيخ أبى رية، والذى نشر سنة ١٩٥٨م، والردود التى تعرض لها من علماء المسلمين؛ كالدكتور محمد أبو شهبة فى دفاع عن السنة، ومحمد السماحى فى أبو هريرة فى الميزان، ودفاع عن الحديث النبوى، وتفنيد شبهات خصومه لمجموعة من العلماء أمثال السباعى، وسليمان الندوى، ومحب الدين الخطيب، وعبد الرازق حمزة فى ظلمات أبى رية أمام أضواء السنة المحمدية، وعبد الرحمن اليمانى فى الأنوار الكاشفة لما فى كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، ومصطفى السباعى فى السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى، ومحمد عجاج خطيب فى (أبو هريرة راوية الإسلام) ، والسنة قبل التدوين، ومن يقرأ كتاب (جاينبول) هذا، يرى مبلغ تحامله فيه، فهو يسفه ويسخر من كتاب المسلمين الثقات، الذين ذبوا عن سنة نبيهم ﷺ ، ويطرى ويمدح صنائع المستشرقين بالرغم من التفاوت العظيم بين كتابات أولئك الأفذاذ أمثال أبى شهبة واليمانى والسباعى، وتلك الدمى المتحركة أمثال: أمين، وأبى رية فاستمع إليه وهو يقول فى أحمد أمين: "شكوكه فى توثيق الأحاديث واضحة بينه، وضعت على أساس مناقشات العلماء الغربيين"، وينقل جاينبول كلام فيه بأنه: "الكاتب الفذ، وصاحب المحاولة الرائدة فى تقديم المنهج النقدى فى علم التاريخ الإسلامى والعربى". وعندما يأتى على ذكر "السباعى" يصف أسلوبه بأنه: خليط من السباب ويصفه بالسطحية.

стр. 150

.. وهذا الكلام مجاف للواقع بكثير، فأسلوب السباعى - رحمه الله تعالى - هادئ رصين، ولم يتبع فيه أسلوب السباب والشتيمة كما يدعى جاينبول مطلقاً، وهذا الكتاب بين أيدينا يشهد على نفسه، وتلك -والعياذ بالله- عادة المستشرقين فى الطعن فى كل من تتبع أوهامهم وسقطاتهم، فهم لا يتورعون عن رميه بالتعصب والحمية تارة، وبالجهل والسطحية تارة أخرى، وإلا لو أنصف هؤلاء القوم لشهدوا بأن كتاب (السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى) للدكتور السباعى: هو كتاب القرن فى موضوعه، وجديته، فصاحبه لم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بمبحثه إلا ذكرها، وما وقف على شبهة إلا هدمها، ولا وهم إلا بدده بأسلوب منهجى دقيق (١) . وصفوة القول فى الكتاب وصاحبه ما قاله الأستاذ جمال البنا فى كتابه السنة ودورها فى الفقه الجديد قال: كتاب السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى للدكتور السباعى يستحق به أن يكون "شافعى العصر الحديث" (٢) . ولكن أنى للمستشرقين أن يشهدوا بذلك؟ فهم لا يشهدون بذلك إلا لمن تربوا على أيديهم وتبنوا آراءهم وأفكارهم الهدامة أ. هـ. المبحث الثانى: موقف أهل الأهواء والبدع حديثاً من السنة النبوية ... وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: العلمانيون وموقفهم من السنة النبوية . المطلب الثانى: البهائيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الثالث: القاديانيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الأول:العلمانيون وموقفهم من السنة النبوية

стр. 151

.. يتلخص موقف دعاة العلمانية من السنة النبوية الشريفة، فى موقف أساتذتهم من المستشرقين الذين حرصوا على إحياء شبهات أهل الفرق المبتدعة، والانطلاق من مناهجهم، للتشكيك فى حجية السنة النبوية ومكانتها التشريعية جملة وتفصيلاً تارة، والتشكيك فى حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به تارة أخرى، ولهم فى ذلك شبهات سيأتى ذكرها والرد عليها فى الباب الثانى. المطلب الثانى: البهائيون وموقفهم من السنة النبوية ... تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن -رحمها الله تعالى-: خلاصة موقف البهائيين من القرآن والسنة: ١- التأويل البهائى لآيات القيامة واليوم الآخر بما جهل المسلمون المراد بالقيامة الكبرى: انتهاء الدورة المحمدية بالظهور البهائى. فهذا برهان صدق القرآن، حباً من الله تعالى. ٢- تعيين وقت الساعة وانتهاء أجل الأمة المحمدية، بالحساب اليهودى لفواتح السور، بعد أبجد هوز. ٣- اتهام رواية الحديث ورواته، فليس صحيحاً منه إلا ما وافق الظهور الجديد للبهاء وأمكن تأويله به، وإلا فهو مختلق، وعلى شرطهم يصح الحديث فى العد اليهودى لحروف الفواتح، وما جاء عن المهدى ونزول عيسى ﵇ آخر الزمان، مراداً بهما الباب الشيرازى والبهاء المازندرانى (١) . ... من ذلك قول: "المرزه حسين النورى بهاء الله: "والآن انظر إلى الناس كيف أنهم لا يدركون أبداً هذه الأحاديث المحكمة، ولكنهم يتمسكون بالأحاديث التى لا يعلم صحتها من سقمها ... ويتمسكون ببعض الأحاديث التى لم يفهموا معناها، وبذا أعرضوا عن ظهور الحق وجمال الله، واستقروا فى سقر" (٢) .

стр. 152

.. ويقول "أبو الفضائل الجرفادقانى" مرشد ومربى حسين المازندرانى بهاء الله وشارح كتابه (الأيقان) : "ومع ذلك فليست كل الأحاديث باطلة، بل فيها ما هو الصحيح فيطابق الواقع - فى الظهور الجديد - فإن طابقت مدلولها كانت صحيحة لا محالة، وإلا فهى مختلقة. ... ويقول أيضاً: "ولما كانت هذه العلامات كلها منطبقة على بهاء الله، إذن المقصود بهذه الأحاديث هو بهاء الله. كنى عنه بعيسى بن مريم، وأضمر اسمه تعظيماً" (١) . ... ويقول الدكتور غالب عواجى مبيناً خلاصة موقف البهائيين من السنة النبوية المطهرة: "وكما أولوا آيات القرآن الكريم، أولوا كذلك الأحاديث النبوية على طريقتهم الباطنية الملحدة التى زعموا أن الأحاديث كلها شأن القرآن تدل على نهاية الشريعة المحمدية - وظهور القيامة بمجئ البهاء، والوقوف على ظاهر الأحاديث دون تأويلها بظهور البهاء - يعتبر كفراً بالرسول محمد ﷺ نفسه، ويعتبر خروجاً بالأمة إلى الشرك والضلال، كما زعم البهائى الحاقد الدكتور رشاد خليفة إمام مسجد توسان بولاية أريزونا الأمريكية (٢) . ... وقال فى كتابه "القرآن والحديث والإسلام": "والسنة أمر مهمل، والتمسك بها خطأ يجب على الأمة أن تقيل نفسها منه، وأن تصحح مسارها بإلقاء السنة عن كواهلها". ... ويقول أيضاً: "والنبى محظور عليه أن يبين من عنده كلمة من القرآن أو يفسرها" (٣) ويقول: "إن المؤمنين مأمورون من الله بأن لا يأخذوا فى دينهم عن الرسول شيئاً غير القرآن، ولا أن يطيعوه فى كلمة غير ما يبلغ من القرآن" (٤) .

стр. 153

.. وفى كتابه "قرآن أم حديث" ذهب إلى القول: "بأنه من المستحيل إتباع القرآن والحديث، إذ لابد من عمل اختبار، فالمؤمن بالقرآن منكر للحديث والسنة، والمؤمن بالحديث والسنة منكر للقرآن" (١) . ... وقال: "ثم كشف البحث الدائم من ذلك الوقت، عن حقيقة مذهلة: وهى أن الحديث والسنة بما لهما من مكانة مقدسة فى الشعوب الإسلامية، لا علاقة لها بالنبى محمد وأن الالتزام بالحديث والسنة يمثل عصياناً صارخاً لله ورسوله. وهذا الاكتشاف يتناقض مع معتقدات الجماهير المسلمة فى كل مكان. وبناءً على ذلك فإن شعبيتى، بل شعبية الإعجاز العددى القرآنى أيضاً عرضة لتهديد حياتى وسمعتى، بما يتوقع يقيناً من إبلاغهم أن الحديث والسنة هى بدع شيطانية. ولما كان الإقرار بأن الحديث والسنة بدع شيطانية تؤيده النصوص والأدلة الثابتة، فإن جميع ذوى الفكر الحر سوف يقبلون الاكتشافات المدونة فى كتابى هذا. وبالنسبة لهؤلاء فإن هذه النتائج تتضمن إحساساً جديداً بالخلاص التام، وباليقظة الكاملة، والوعى بأن الجماهير المسلمة سقطت فى الفخ ضحية للمخططات الشيطانية" أ. هـ. (٢) . ... ويستدل المتنبئ الكذاب على أن السنة النبوية من عمل الشيطان بآيات من كتاب الله وهى قد نزلت فى شياطين الأنس مثله، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣) .

стр. 154

.. ثم يستدل على أن رواة السنة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين - مجرمون خونة - بقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (١) . وإذا كان محظور على النبى ﷺ بيان ما أجمل فى القرآن الكريم، وعدم طاعته ﷺ فى كلمة غير القرآن، فالرجوع إلى السنة والعمل بها فيما فصلته مما أجمل فى القرآن، أو خصصته مما عمم، أو بينته مما أشكل، واستقلت بتشريعه دون سابق ذكر له فى القرآن الكريم، الرجوع إلى السنة فى كل ذلك والعمل بها، إنما هو فى نظر الدجال رشاد خليفة دليل على زيف إسلام المسلمين على مر تاريخهم إذ يقول: "يعلمنا القرآن الكريم أن الحديث هو الاختيار الضرورى للتمييز بين المسلم الحقيقى والمسلم المزيف، فالمسلم الحقيقى يصدق ربه ويعلم أن القرآن تام كامل مفصل، ولا يجوز الرجوع إلى غيره، أما المسلم المزيف فيصغى إلى الحديث ويرضاه..." (٢) .

стр. 155

.. وخلف رشاد خليفة فى موقفه هذا من السنة المطهرة صديقه الدكتور أحمد صبحى منصور، الذى تخرج فى الأزهر وحصل على العالمية فى التاريخ من الجامعة، وتبرأ من السنة فتبرأت منه الجامعة، وخرج منها مدحوراً إلى أمريكا ليكون حوارى المتنبئ رشاد خليفة (١) ، وليكتب من مسجد توسان "الأزهر يكفر بالقرآن" قائلاً: المشكلة الأزلية للأزهر أنه مسجد سيئ الاستخدام (مسجد ضرار) يقوم على حماية التراث البشرى (٢) ، الذى يناقش القرآن الكريم، ويتهم كتاب الله بأنه غامض يحتاج إلى توضيح، وأنه ناقص يحتاج إلى تفصيل واستدل على ذلك بآيات تبين أن القرآن كامل وتام ومفصل ولا حاجة له إلى بيان السنة وتفصيلها" (٣) .

стр. 156

.. ثم علق رشاد خليفة على مقالته قائلاً: "إن الأزهر يرفض التأكيدات المتكررة للقرآن بأنه كامل وتام ومفصل تماماً. إن الأزهر يأخذ موقفاً رسمياً من أن القرآن ليس كاملاً ولا مفصل، ومن ثم فإن الأزهر يعزز تلك البدع الشيطانية مثل الحديث والسنة، إن أى مسلم يمتلك قدراً من التفكير والبداهة يستطيع أن يرى أن الأزهر لا يحترم إرادة الرب، ولكنه يحترم إرادة إبليس. أحمد صبحى منصور هو أول عالم أزهرى يكتشف الحقيقة، ويقف فى وجه السلطات فى قلعة إبليس (الأزهر) وفى هذه السلسلة التاريخية من المقالات، أوضح منصور الطبيعة المحمدية للأزهر ودوره فى قلب المسلمين المخلصين إلى محمديين مؤلهين للوثنية" (١) أ. هـ.، ويشيرون بذلك إلى موقفهم من النبى ﷺ حيث يعتبرون الصلاة والسلام على النبى ﷺ شرك، وتقديره كفر ووثنية (٢) ، وأنه لا عصمة للنبى ﷺ من الكبائر يقول أحمد صبحى: [إن الرسول معرض للوقوع فى أعظم الذنوب وهو الشرك بالله ... والرسل سيحاسبون ولو كانوا معصومين لكان حسابهم عبثاً وتعالى الله عن العبث] (٣) أ. هـ.

стр. 157

.. ومما هو جدير بالتنبيه: أن بعض دعاة اللادينية عندما يظهرون أمام المسلمين بتعظيم الإسلام ونبى الإسلام، وأن الإسلام حق، والرسول حق، يفعلون ذلك تقية ونفاقاً حتى يطمئن إليهم المسلمون، ثم يخلطون الحق بالباطل الدسم بالسم، بالتشكيك فى السنة النبوية وفى عقائد المسلمين، ويبدو هذا واضحاً فى مقالات أحمد صبحى منصور عندما يكتب تحت عنوان "القرآن هو الحل" و "القرآن لا يزال هو الحل" فى جرائدنا القومية وغيرها من الجرائد والمجلات اليسارية (١) أ. هـ. المطلب الثالث: القاديانيون وموقفهم من السنة النبوية

стр. 158

.. وكانت الحركة الإصلاحية التقدمية التى ادعاها السيد أحمد خان (١) ، المقدمة والتمهيد لنشأة القاديانية، تلك العقيدة التى تفرع منها فيما بعد ذلك المذهب الذى يعرف بالأحمدية (٢) ، وفرقة أهل القرآن بالهند وباكستان (٣) .

стр. 159

.. والسيد أحمد خان قد وضع لبنة عامة للتشكيك فى السنة كلها فقال: "بعد وفاة الرسول ﷺ ظلت الروايات تتناقل على الألسنة إلى عهد التصنيف فى الكتب المعتمدة، غير أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن الهيئة التى دونت بها كتب الأحاديث تلك، التى كان مبناها روايات الذاكرة ...، بينما البعد الزمنى كفيل بمزج الزائد بها وإضافة الجديد إليها" (١) . ... ويضيف قائلاً: "بأن ما دون فى هذه الكتب من الأحاديث إنما هى ألفاظ للرواة، ولا نعرف ما بين اللفظ الأصلى - الصادر من شفتيه ﵊ والمعبر به من وفاق أو خلاف، وليس من العجب أن يخطئ أحد الرواة فى فهم الحديث مما يكون سبباً فى ضياع المفهوم الصحيح (٢) ". ... وبناء على موقفه هذا جعل الأحكام المستنبطة من السنة بوجه عام أحكاماً لا يجب على المسلمين اتباعها، "وأن ما استخرج العلماء من نصوصها الحالية إنما هى أحكام اجتهادية لا نصية فيها ولا حتمية، لاحتمال ألا يكون ذلك مقصود ﵊" (٣) .

стр. 160

.. ثم خطا خطوة أخرى إلى الأمام فعاتب المحدثين، محملاً إياهم عدم تمحيص متون السنة مثل السند، فقال: "وإنا لنشكر للمحدثين جهودهم المبذولة فى هذا الشأن غير أن جل مساعيهم، بل كلها لم تتجاوز توثيق الرواة وعدمه، بينما أولئك الرواة كان قد مضى على وفاتهم زمن طويل، ثم أعقب ذلك دور التحقيق عنهم، بحيث يكون هو العمدة فى قبول الحديث ورده، فإن لم يكن هذا العمل مستحيلاً؛ فلا يخلو أن يكون أمراً فى غاية الصعوبة" (١) . ... ويقول فى المعنى نفسه: "وإنا لا ندرى عن الأحاديث التى وثقت أو وجهت الجهود إليها من حيث المضمون والمحتوى أم لا؟ وأى السبل سلكت فى ذلك" (٢) . ... وأخيراً حاول السيد أن يجهز على السنة بوضعه الشروط التى يتعذر توفرها فى أغلب الأحاديث، يقول: فقال "والمعيار السليم لقبولها هو أن ينظر إلى إن المروى بمنظار القرآن فما وافقه أخذناه، وما لم يوافقه نبذناه ...، وإن نسب شئ من ذلك إلى الرسول ﷺ ، فيجب فيه توفر شروط ثلاثة: ١- أن يكون الحديث المروى قول الرسول بالجزم واليقين. ٢- أن توجد شهادة تثبت أن الكلمات التى أتى بها الراوى هى الكلمات النبوية بعينها. ٣- ألا يكون للكلمات التى أتى بها الرواة معانٍ سوى ما ذكره الشراح، فإن تخلف أحد هذه الشروط الثلاثة؛ لم يصح نسبة القول إلى الرسول ﷺ ، أو أنه حديث من أحاديثه" (٣) .

стр. 161

.. وهذه الحركة الإصلاحية، أو المجددين الإسلاميين (١) – الهنود – كان من المحبب إليهم تسمية أنفسهم المعتزلة المحدثين، كما حكى ذلك عنهم المستشرق جولد تسيهرفى كتابه "مذاهب التفسير الإسلامى" (٢) ، ويرى جولد تسيهر أن تلك الحركة تستحق تنويهاً خاصاً لموقفها الجاد القوى (٣) ، حيث يقفون موقفاً حراً بالكلية تجاه الحديث، على أنه مصدر الأسس التى يعد تخليدها عقبة فى سبيل حرية النمو، ويرى جولد تسيهر أن الحديث فى نظرهم (ونظره أيضاً) ، خرافة وأساطير كقصص ألف ليلة وليلة (٤) ، ثم يحكى عنهم: أن الاعتماد على الحديث يجعل الإسلام مساوياً فى قيمته للعب الأطفال ... ولا مكسب فى نظرهم للمرء من المرويات التى تشتمل عليها كتب الحديث بما فى ذلك صحيحى البخارى ومسلم – رضى الله عنهما – إلا الظن، وأن ما اشتملت عليه كتب الرجال، والتاريخ من أخبار هى جديرة بالشك فى وقوعها، فيقول جولد تسيهر نقلاً عن سير سيد أحمد خان بهادر فى كتابه "تبرئة الإسلام عن شين الأمة والغلام" "إذا أردنا أن ننظر إلى الأخبار التى تضمنتها تلك الكتب على أنها أسس للمسائل الدينية، فسيكون الإسلام –والعياذ بالله فى هذا- مساوياً فى

стр. 162

قيمته للعب الأطفال، أو الخرافات ولا ريب أن المحدثين قد دفعهم القصد النبيل إلى جمع الأحاديث ونقدها، ولكن على الرغم من ذلك لا يكسب المرء من المرويات التى تشتمل عليها كتب الحديث-ولا يستثنى من ذلك البخارى ومسلم - إلا الظن. فكيف يكون الحال إذاً فى كتب الرجال والتاريخ وما فيها من أخبار جديرة بالشك فى وقوعها، إذا نحن أردنا أن نستمد القوانين الدينية من مثل هذه المصادر..." (١) . ... ولأن الأمة أجمعت على حجية السنة، واعتبارها المصدر الثانى من مصادر التشريع الإسلامى، ولم يخالف فى ذلك إلا من لاحظ له فى الإسلام، فقد طعن هؤلاء المعتزلة المحدثون فى حجية الإجماع، وادعى أحمد خان بهادر؛ أنه أول من يظهر معترضاً سبيل الإجماع (٢) ، وكذب فما هو إلا ذيل لسلفه ومن تبعه فى إنكاره حجية الإجماع (٣) . ... يقول جولد تسيهر: "وكما أنحت هذه الدوائر بمعول الهدم على اعتماد صحة الحديث، فقد سلطت ذلك المعول على ركن أساسى آخر فى بناء مذهب أهل السنة، فهم لا يعترفون بالإجماع، وهو سند أهل السنة فى شرعية العادات والمؤسسات المتقادمة العهد، بحجية معتبرة فى جميع الأزمان، ويسمون الاعتراف الأعمى به تقليداً يأباه الثقات من أهل السنة أنفسهم". ... ثم يصرح جولد تسهير بهدف الطعن فى الإجماع، وهو الطعن فى المجمع عليه، ومن حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام فيقول: [وهم يطعنون بالوضع والاختلاق فى الأحاديث التى يعتمد عليها مذهب أهل السنة فى عدم تسرب الضلالة إلى إجماع الأمة] (٤) أ. هـ.

стр. 163

الفصل الرابع:أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة أهداف أعداء الإسلام فى الكيد للسنة المطهرة ... أجمعت أمة الإسلام قديماً وحديثاً على التمسك بسنة النبى ﷺ ، والعض عليها بالنواجذ، وضرورة تطبيقها، والسير على هديها فى كل جوانب حياة المسلمين؛ لأنها المصدر الثانى للتشريع الإسلامى المتلازم للمصدر الأول وهو القرآن الكريم ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وبهذين المصدرين معاً -القرآن الكريم والسنة النبوية- قام بناء الإسلام، وتأسست دولة الإسلام، واستمدت منهجها من القرآن الكريم والسنة النبوية معاً، ولم يمار فى هذه الحقيقة الساطعة إلا نفر ممن لا يعتد بخروجهم على إجماع الأمة من الخوارج والروافض قديماً ومن سار على دربهم حديثاً. ... وقد بلغ من سموا السنة المطهرة؛ أنها جذبت أنظار أعداء الإسلام إليها قديماً وحديثاً، فراحوا يراقبونها وما جاءت به معترفين بشموليتها لكل أمور الحياة، وأنها مفتاح نهضة المسلمين وحضارتهم، وهى فوق كل هذا الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، والعمل بها حفظ لكيان الإسلام وتقدمه، وتركها هدم لدين الإسلام وتأخر المسلمين. فها هو ذا مشرك ينطق بشمول السنة لكل أمور الحياة، معترفاً على نفسه ومن على شاكلته؛ بأنهم يحرصون على معرفة تعاليم السنة.

стр. 164

.. فعن سلمان (١) ﵁؛ أنه قيل له: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شئ حتى الخراءة؟ قال: قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين أو أن نستبخى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع أو بعظم" (٢) . ... وانظر إلى قول السائل: "لقد علمكم نبيكم كل شئ" تجد أنها تدل على تتبع هؤلاء لأمور السنة، واعترافهم - مع أهلها - بشمولها لكل أمور الحياة (٣) . ... ولا تخفى مكانة السنة النبوية "الحديث" فى التشريع الإسلامى وأثرها فى الفقه الإسلامى منذ عصر النبى ﷺ ، والصحابة حتى عصور أئمة الاجتهاد، واستقرار المذاهب الاجتهادية، مما جعل الفقه الإسلامى ثروة تشريعية لا مثيل لها فى الثروات التشريعية لدى الأمم جميعها فى الماضى والحاضر، ومن يطلع على القرآن والسنة يجد أن للسنة الأثر الأكبر فى اتساع دائرة التشريع الإسلامى وعظمته وخلوده مما لا ينكره كل عالم بالفقه ومذاهبه. ... هذا التشريع العظيم الذى بهر أنظار علماء القانون والفقه فى جميع أنحاء العالم، هو ما حمل ويحمل أعداء الإسلام فى الماضى والحاضر على مهاجمة السنة، والتشكيك فى حجيتها، وصدق جامعيها، ورواتها من أعلام الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين الثقات الأعلام.

стр. 165

.. وعلى هذا الهدف التقى أعداء الإسلام من زنادقة الفرس وغيرهم فى عصور الحضارة الإسلامية الزاهرة، مع أعداء الإسلام اليوم من المستشرقين ومن لف لفهم فى الحضارة الغربية الحاضرة (١) . ... هذا مع اعتراف المستشرقين، وعلى رأسهم صنمهم الأكبر "جولد تسهير" أننا لا نستطيع فهم الإسلام بدون القرآن والسنة، حيث لا يكفى القرآن وحده قائلاً: "إننا لا نفهم الإسلام بلا قرآن، لكن القرآن وحده بعيد عن أن يكفى لمواجهة العقلية الإسلامية التامة فى سيرها التاريخى" (٢) . فهذا المستشرق أدرك أن السنة تجعل الإسلام ديناً شاملاً كاملاً، وبالتالى فلا سبيل لهدم هذا الدين إلا بالتشكيك فى السنة، والإدعاء بأن أكثرها موضوع، وهو المنهج الذى تبناه جولد تسهير. ... ومن هنا يظهر هدف أعداء الإسلام من وراء دعوتهم الخبيثة وهى الاكتفاء بالقرآن عن الحديث، فهدفهم هو هدم نصف الدين أو إن شئت فقل: "تقويض الدين كله؛ لأنه إذا أهملت الأحاديث والسنن فسيؤدى ذلك – ولا ريب – إلى استعجام كثير من القرآن على الأمة وعدم معرفة المراد منه، وإذا أهملت الأحاديث واستعجم القرآن فقل: على الإسلام العفاء (٣) . وهذا ما يدركه أعداء الإسلام ويهدفون إليه، وفى ذلك يقول المبشر الأمريكى "جب": "الإسلام مبنى على الأحاديث أكثر مما هو مبنى على القرآن، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث الكاذبة، لم يبق من الإسلام شئ وصار أشبه بصبيرة طومسون. وطومسون هذا رجل أمريكى، جاء إلى لبنان فقدمت له صبيرة فحاول أن ينقيها من البذر، فلما نقى منها كل بذرها لم يبق فى يده منها شئ" (٤) .

стр. 166

.. ويقول العلامة المجرى المسلم: محمد أسد "ليوبولدفايس" فى تصوير مكانة السنة فى الإسلام: "لقد كانت السنة مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلال الحاضر؟ إن العمل بسنة رسول الله هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وأن ترك السنة هو انحلال الإسلام. لقد كانت السنة هى الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ ... إن التعبير الذى يتردد على مسامعنا اليوم كثيراً "لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا مستعبدين للسنة" هذا التعبير يكشف بكل بساطة عن جهل بالإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلاً يريد أن يدخل قصراً ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلى الذى يستطيع به وحده أن يفتح الباب (١) . ... ويكشف محمد أسد السر فى محاربة السنة: فيقول: "إن الهدف إسقاطها حتى يفقد المسلمون الصورة التطبيقية الحقيقية لحياة رسول الله ﷺ والمسلمون الأوائل، وبذلك يفقد الإسلام أكبر عناصر قوته (٢) .

стр. 167

ويقول: ولكى يستطيع نقده الحديث المزيفون أن يبرروا قصورهم وقصور بيئتهم، فإنهم يحاولون أن يزيلوا ضرورة اتباع السنة المطهرة؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك كان بإمكانهم حينئذ أن يتأولوا تعاليم القرآن الكريم كما يشاؤون على أوجه من التفكير السطحى أى حسب ميول كل واحد منهم وطريقة تفكيره هو، ولكن تلك المنزلة الممتازة التى للإسلام على أنه نظام خلقى وعملى، ونظام شخصى واجتماعى تنتهى بهذه الطريقة إلى التهافت والاندثار، وإن الذين غرتهم المدينة الغربية لا يجدون مخرجاً من مأزقهم إلا برفض السنة على أنها غير واجبة الإتباع على المسلمين، ذلك لأنها قائمة على أحاديث لا يوثق بها، وبذلك يصح تحريف تعاليم القرآن الكريم لكى تظهر موافقته لروح المدينة الغربية أكثر سهولة. إن اطراح السنة اطراح لحقيقة الإسلام (١) . ... فالطعن فى السنة النبوية هدم للإسلام فى عباداته، ونظمه، وأخلاقه، وذلك هدف رئيسى من أهداف أعداء الإسلام وهم يحاربون السنة المطهرة، ويشككون فى حجيتها. فالإسلام هو عدوهم الحقيقى والمسلم فقط هو العدو اللدود لهم (٢) ، وأعلنوا ذلك صراحة فقال "لورانس براون": "كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة لكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل تلك المخاوف، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودى، والخطر اليابانى الأصفر، والخطر البلشفى، لكنه تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا، أما اليابانيون، فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقى علينا موجود فى الإسلام، وفى قدرته على التوسع والإخضاع، وفى حيويته المدهشة" (٣) .

стр. 168

.. ويبدو من تصريحات أعداء الإسلام من المستشرقين والمستعمرين أنهم يشنون الحرب على الإسلام لعوامل عديدة منها: ١- أنه العقبة القائمة فى تبشيرهم بالنصرانية وفى ذلك يقول المستر "بلس": "إن الدين الإسلامى هو العقبة القائمة فى طريق تقدم التبشير بالنصرانية فى أفريقية، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا؛ لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضاً لا من جهل السكان، ولا من وثنيتهم، ولا من مناضلة الأمم المسيحية وغير المسيحية" (١) . ٢- أنه جدارٌ صلبٌ يهدر أطماعهم الاستعمارية فى أمتنا الإسلامية، ومن هنا قالوا: "إن ارتقاء الإسلام يهدد نمو مستعمراتنا بخطر عظيم" (٢) . ... وقال لورانس: "إن الإسلام هو الجدار الوحيد فى وجه الاستعمار الأوربى" (٣) ويقول "غلادستون" رئيس وزراء بريطانيا سابقاً: "ما دام هذا القرآن موجوداً فى أيدى المسلمين، فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هى نفسها فى أمان" (٤) .

стр. 169

٣- إن الإسلام بحضارته المجيدة يهدد حضارتهم الزائفة، وفى ذلك يقول "أيوجين روستو" رئيس قسم التخطيط فى وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشئون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧: يقول: "يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هى خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية. لقد كان الصراع محتدماً بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة. ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب، وخضع التراث الإسلامى للتراث المسيحى. ويتابع قائلاً: "إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا، إنما هى جزء مكمل للعالم الغربى، فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقى الإسلامى، بفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامى، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الوقف فى الصف المعادى للإسلام وإلى جانب العالم الغربى والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك؛ فإنها تتنكر للغتها، وفلسفتها، وثقافتها، ومؤسساتها". إن رستو يحدد أن هدف الاستعمار فى محاربة الإسلام فى أمتنا الإسلامية هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام إسرائيل، هو جزء من هذا المخطط، وأن ذلك ليس إلا استمرار للحروب الصليبية (١) . ... ويقول مسئول آخر فى وزارة الخارجية الفرنسية عام ١٩٥٢: "ليست الشيوعية خطر على أوربا فيما يبدو لى، إن الخطر الحقيقى الذى يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هو الخطر الإسلامى، فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربى، فهم يملكون تراثهم الروحى الخاص بهم ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد، دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية فى الحضارة الغربية.

стр. 170

.. فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعى فى نطاقه الواسع انطلقوا فى العالم يحملون تراثهم الحضارى الثمين، وانتشروا فى الأرض يزيلون منه قواعد الحضارة الغربية ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ. إن العالم الإسلامى عملاق مقيد، عملاق لم يكشف نفسه حتى الآن اكتشافاً تاماً، فهو حائر، وهو قلق، وهو كاره لانحطاطه وتخلفه، فلنعط هذا العالم الإسلامى ما يشاء، ولنقوى فى نفسه الرغبة فى عدم الإنتاج الصناعى والفنى، حتى لا ينهض، فإذا عجزنا عن تحقيق هذا الهدف، بإبقاء المسلم متخلفاً، وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه، فقد بؤنا بإخفاق خطير، وأصبح خطر العالم العربى، وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً ينتهى به الغرب، وتنتهى معه وظيفته الحضارية كقائد للعالم" (١) . وسلك أعداء الإسلام كل مسلك من أجل تحقيق أهدافهم فى محاربة الإسلام من: ١- تشكيك للمسلمين فى دينهم والادعاء كذباً؛ بأنه تركيب ملفق من اليهودية، والمسيحية، والوثنية العربية. ٢- وتشكيكهم فى كتاب ربهم كما قال المبشر تاكلى: "يجب أن نستخدم القرآن وهو أمضى سلاح فى الإسلام، ضد الإسلام نفسه، حتى نقضى عليه تماماً، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح فى القرآن ليس جديداً، وأن الجديد فيه ليس صحيحاً (٢) ، ويقول المبشر "وليم جيفورد بالكران": "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربى يندرج فى طريق الحضارة الغربية بعيد عن محمد وكتابه (٣) .

стр. 171

٣- تدمير أخلاق المسلمين والتى لو رجعوا إليها لسادوا العالم شرقاً وغرباً كما قال "مرماديوك باكتول": "إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم فى العالم الآن بنفس السرعة التى نشروها سابقاً. بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التى كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول؛ لأن هذا العالم الخاوى لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم" (١) . ٤- تجزئة المسلمين أينما كانوا من الأرض، والقضاء على وحدتهم بتوسيع دائرة الخلاف بينهم بإحياء عقائد وآراء الفرق الهدامة، والتركيز على الشخصيات المنافقة والشعوبية فيها حتى يحال بين الأمة وبين الوحدة التى تصبح نعمة لهذا العالم الغارق فى بحور الظلمات يقول المبشر "لورانس براون": "إذا اتحد المسلمون فى إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً، أو أمكن أن يصبحوا أيضاً نعمة. أما إذا بقوا متفرقين؛ فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير. ويكمل حديثه: "يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير" (٢) . ... والسنة النبوية المطهرة من الأسس القوية التى عليها وحدة المسلمين، وفى ذلك يقول الأستاذ (جمال البنا) : وهو يتحدث عن الأثر النفسى لإيمان الأمة بالسنة "بل لقد وصلت هذه "النفسية النمطية" من القوة درجة محت فيها الفروق بين الأجناس واللغات، فشخصية المسلم العربى هى شخصية المسلم الهندى أو السودانى أو حتى الأوربى الذى استسلم للتيار ... فقد أوجدت السنة رباطاً و "كومنولث" إسلامى أقوى من أى كومنولث آخر ..." (٣) .

стр. 172

٥- تشويه تاريخ الأمة الإسلامية الحالية والغابرة، بكل وسيلة من وسائل الكذب والافتراء، والتدليس بغية أن يكون هذا الجيل من أحفاد المسلمين أسيراً لثقافتهم اللادينية. ٦- خداع المسلمين بربط كل صورة من صور التقدم الحضارى بالتخلى عن الإسلام، وبربط كل صورة من صور التخلف الحضارى بالاستمساك بالإسلام وبما ينادى به علماء المسلمين من عودة الأمة الإسلامية إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ للنجاة مما هى فيه. ... كما جاء فى جريدة "التايمز" بتاريخ ١٤/٣/١٩٧٠م مقالاً غداة إقصاء سلطان عمان تقول فيها: "إن الأوضاع الاجتماعية والسياسية فى عمان كانت بالغة السوء والتخلف؛ لأنها ظلت على ما كانت عليه زمن النبى محمد ﷺ (١) . وبعد ... فإذا كانت المعركة بين الإسلام وخصومة لم تنقطع منذ أكثر من خمسة عشر قرناً إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإنا لا نشك فى أن النصر حليف للحق دائماً وأبداً كما قال ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (٢) .

стр. 173

الباب الثانى: وسائل أعداء السنة قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة النبوية المطهرة ... ويشتمل على تمهيد وستة فصول: الفصل الأول: شبهات حول حجية السنة النبوية. الفصل الثانى: وسيلتهم فى التشكيك فى حجية خبر الآحاد. الفصل الثالث: وسيلتهم فى التشكيك فى رواة السنة المطهرة. الفصل الرابع: وسيلتهم فى الطعن فى الإسناد وعلوم الحديث. الفصل الخامس: وسيلتهم فى الطعن والتشكيك فى كتب السنة المطهرة. الفصل السادس: وسيلتهم فى الاعتماد على مصادر غير معتبرة فى التاريخ للسنة الشريفة ورواتها الثقات الأعلام (رضوان الله عليهم أجمعين) . تمهيد: ... من المعلوم عند علماء المسلمين جميعاً أن السنة المطهرة هى المصدر الثانى للتشريع بعد كتاب الله قديماً وحديثاً، ولم يخالف فى ذلك إلا من لا حظ له فى الإسلام. أجمعت على ذلك أمة الإسلام. ... ومعنى كون السنة هى المصدر الثانى للتشريع؛ أنها واجبة الاتباع والتنفيذ، وهى فى ذلك مثل القرآن الكريم سواء بسواء، ولكن أعداء الإسلام ومعهم بعض من ينتسبون زوراً وبهتاناً إليه ممن تظاهروا بالإسلام والمحافظة عليه، وتطهيره مما طرأ عليه من تغيير وتبديل لا يروقهم ذلك، ويحاولون التشكيك فى حجية السنة النبوية، والنيل منها محاولين أن يصلوا فى النهاية إلى الطعن فى الشريعة الإسلامية التى ختم الله بها دينه الذى بعث به جميع أنبيائه ورسله قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) .

стр. 174

.. وشبهات أعداء الإسلام حول السنة من حيث هى لا تشكل خطراً عليها، لأنها قلعة راسخة لا تؤثر فيها الشبهات، وإن كانت قد ألحقت بعقول بعض المسلمين نوعاً من الأذى. ولكن الخطورة فيها أنها استغلت للتشكيك فى الدين والطعن فى رسالة النبى ﷺ ، ولو أننا ضربنا صفحاً عن حكاية هذه الشبه، وبيان فسادها: لكان منا ذلك رأياً متيناً، ومذهباً صحيحاً. إذ الإعراض عن القول المطروح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه. غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد الشبهات التى يروجها أعداء الإسلام رأينا الكشف عن فساد هذه الشبه، وردها بقدر ما يليق بها من الرد، فذلك نصح للأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله تعالى (١) . ... ولما كانت شبهات خصوم السنة وافتراءاتهم حول حجية السنة المطهرة، ووسائلهم فى الكيد لها كثيرة لا حصر لها ولا عد. وإذا كنا لن نستطيع أن نتتبع كل ناعق ينعق فى دين الله ، وسنة نبيه ﷺ ، وجب على كل مسلم أن يتنبه إلى حجر الزاوية الذى يرتكزون عليه فيحطمه ويسحقه، ويبحث عن القاعدة التى ينطلقون منها؛ فيخربها ويدمرها على من فيها. ... ... وهذا ما سنحرص عليه بمشيئة الله تعالى فى حديثنا عن وسائلهم فى الكيد للسنة المطهرة، خصوصاً بعد أن وسع أعداء الإسلام دائرة هذه الشبهات وجعلوها موضع نظر فى بحوثهم ودراستهم، فاغتر بها من اغتر من أبناء الإسلام. ... وسوف نبسط تلك الشبهات التى اتخذوها قواعد ينطلقون منها للتشكيك فى السنة المطهرة فى ستة فصول، نحلل من خلالها تلك الشبهات الواهية. ونبين مواقع التدليس فيها، والالتباس بشأنها، فلا تبقى حجة للمتنطعين فى حجية السنة، ولا يبقى فى قلب مؤمن شبهة أو ريب والله المستعان وبه التوفيق.

стр. 175

الفصل الأول:شبهات حول حجية السنة النبوية الشريفة ... وينقسم إلى ثلاثة مباحث: ١- المبحث الأول: شبهات بنيت على آيات من القرآن الكريم. ونذكرها فى مطلبين: ... ١- المطلب الأول: شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم وعدم الحاجة إلى السنة النبوية والرد عليها. ... ٢- المطلب الثانى: شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفل الله بحفظها والرد عليها. ٢- المبحث الثانى: شبهات بنيت على أحاديث من السنة النبوية. وينقسم إلى تمهيد وثلاثة مطالب: ... ١- المطلب الأول: شبهة عرض السنة على القرآن الكريم والرد عليها. ... ٢- المطلب الثانى: شبهة عرض السنة على العقل والرد عليها. ... ٣- المطلب الثالث: وفيه الشبه الآتية: ... ... ١ - شبهة النهى عن كتابة السنة النبوية والرد عليها. ... ... ٢- شبهة التأخر فى تدوين السنة المطهرة والرد عليها. ... ... ٣- شبهة رواية الحديث بالمعنى والرد عليها. ... ... ٤- شبهة كثرة الوضاعين للحديث والرد عليها. ٣- المبحث الثالث: أدلة حجية السنة النبوية. وتحته خمسة مطالب: ... ١- المطلب الأول: العصمة. ... ٢- المطلب الثانى: القرآن الكريم. ... ٣- المطلب الثالث: السنة النبوية. ... ٤- المطلب الرابع: إجماع الأمة. ... ٥- المطلب الخامس: العقل والنظر.

стр. 176

المبحث الأول:شبهات بنيت على آيات من القرآن الكريم تمهيد: ... إننا لو فتشنا عن المحاربين لسنة النبى ﷺ ، لوجدنا أنهم يتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التى ليس وراءها حجة، فيقولون: علينا بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط؛ فهو كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول للإسلام، وهو الذى سلم من التغيير والتبديل ... إلى آخر ما يقولونه تظاهراً بحبهم للإسلام، ودفاعاً عنه، وغيرة على ما فى كتاب الله من شريعة وأحكام، غير أنهم لا يريدون - مع ذلك - أن يضبطوا أنفسهم وعقولهم بهذا الذى أمر القرآن الكريم بضبط أنفسنا وعقولنا به، من اتباع سنة المصطفى ﷺ مصطنعين لأنفسهم ما يشاءون من آيات القرآن الكريم، يستدلون بها على الاكتفاء بالقرآن وحده، وعدم حجية السنة والحاجة إليها. وما استدلوا به من آيات قرآنية بنوا عليها شبهتين جعلوهما قاعدتين ينطلقون منهما تشكيكاً فى حجية السنة. نذكرهما فى مطلبين: ١- المطلب الأول: شبهة الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة النبوية والرد عليها. ٢- المطلب الثانى: شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفل الله بحفظها والرد عليها. المطلب الأول:شبهة الاكتفاء بالقرآن الكريم وعدم الحاجة إلى السنة النبوية ... واستدلوا على ذلك من القرآن الكريم بآيات عدة وهى: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (١) . واستدل بهذه الآية الدكتور توفيق صدقى (٢) ، ومحمود أبو ريه (٣) ، ومحمد نجيب (٤) ، وقاسم أحمد (٥) .

стр. 177

٢- وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) . ٣- وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (٢) ٤- وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (٣) . ... واستدل بهذه الآيات الكريمات وما فى معناها (٤) عدد من أعداء السنة المطهرة المنكرين لحجيتها قديماً وحديثاً، الزاعمين أن القرآن فى غنى عن السنة؛ لأن فيه بيان وتفصيل كل شئ؛ فقديماً على سبيل المثال لا الحصر: الطائفة التى ناظر الإمام الشافعى واحداً من أتباعها واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) .

стр. 178

.. وحديثاً: الدكتور توفيق صدقى (١) ، وأبو رية (٢) ، ومحمد نجيب (٣) ، ومصطفى كمال المهدوى (٤) ، وأحمد صبحى منصور (٥) ، وقاسم أحمد (٦) ، وجمال البنا (٧) ، ورشاد خليفة (٨) .

стр. 179

٥- وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) . واستدل بهذه الآية أبو رية (٢) ، ومحمد نجيب (٣) . ٦- وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٤) . واستدل بهذه الآية الدكتور أحمد صبحى منصور (٥) ، وإسماعيل منصور (٦) . ٧- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (٧) واستدل بهذه الآية الدكتور إسماعيل منصور (٨) . ٨- وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩) . واستدل بهذه الآية محمد نجيب (١٠) ، وإسماعيل منصور (١١) .

стр. 180

.. هذه الآيات الكريمات وما فى معناها؛ استدل بها دعاة الفتنة على عدم حجية السنة النبوية المطهرة، وشبهتهم فى هذه الآيات؛ أنها تبين أن القرآن تام قد حوى كل شئ، كما فى آية الأنعام "وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ"، والله ما فرط فى الكتاب من شئ، كما فى آية الأنعام "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" فأتى بالعام ثم فصله تفصيلاً، كما فى آية الأنعام "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا" وغيرها، وأتى بالمجمل ثم بينه للناس تبيناً تاماً، كما فى أية النحل "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ" فهو لا يحتاج بعد هذا البيان إلى شئ آخر، وإلا لو احتاج إلى شئ آخر لكان القرآن غير صادق فيما قال، وهذا أمر مستحيل على الله ، ومستحيل على كلامه. ... هذه هى ناصية الشبهة الأولى وجماعها، وهم يذكرون لها حشداً عظيماً من الآيات التى تؤيدها سواء كان الدليل فى موضوعه كما فى الآيات التى استشهدوا بها سابقاً، أو فى غير موضوعه كما فى باقى الآيات "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ" "وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ" "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ". ... فهؤلاء المدلسون ما عليهم إلا أن يفتحوا المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وينقلوا منه الآيات التى يشوشون بها على المسلمين، ويضعون أمام كل آية جملة تلائمها، ولا يهمهم بعد ذلك أبقيت وحدة الموضوع بين أيديهم أم لم تبق. ... على أية حال فإن هذه هى الشبهة الأولى فى أصلها الأصيل وكلياتها التى لا تخرج عنها مهما علا الضجيج أو ارتفع الصياح (١) .
следующие страницы →