← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال القاضى عبد الجبار (١) : وإن كان - أى خبر الآحاد - مما طريقه الاعتقادات ينظر، فإن كان موافقاً لحجج العقول قبل واعتقد بموجبه، لا لمكانة بل للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقاً لها، فإن الواجب أن يرد ويحكم بأن النبى ﷺ . لم يقله، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول (٢) . بل زعموا أن من أخبار الآحاد ما يعلم أنه بروايته ارتكب عظيماً، مما روى فى باب التشبيه والجبر وغيرها من ضروب الخطأ، ولولا الدلالة على وجوب العمل به على بعض الوجوه لم يكن فى نقله فائدة (٣) . وسيأتى الجواب عن هذه الشروط فى الرد على شبه منكرى حجية خبر الآحاد. موقف المعتزلة من الصحابة وأثر ذلك على السنة النبوية: موقف المعتزلة من الصحابة ﵃، لا يقل سوءً وخطراً من موقف الشيعة من الصحابة وأول ما يطالعنا من موقفهم من الصحابة أحد أصولهم الواردة على لسان أحمد بن يحيى بن المرتضى، وهو تولى الصحابة، والاختلاف فى عثمان بعد الأحداث، والبراءة من معاوية وعمرو بن العاص. وهذا الأصل كما سبق هو أحد الفوارق فى الأصول عندهم فهم وإن صححوا خلافة أبى بكر الصديق ﵁ حتى من قال منهم بأفضلية على بن أبى طالب إلا أننا نجد النظام يتطاول عليه، وعلى كثير من أعلام الصحابة كالفاروق عمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وأبى هريرة وغيرهم. فلا ندرى ماذا يعنون بتولى الصحابة قبل اختلافهم فى سيدنا عثمان ﵃.

стр. 107

حتى إذا كانت فتنة سيدنا عثمان ﵁ رأيناهم يشكون فى عدالته، فيعلنون التوقف فيه وفى خاذلية وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم، لأنهم أشكل عليهم الأمر فى حاله ﵁ قبل الفتنة وبعدها، فتركوا أمره لله . وهذا التوقف والشك فى عدالة أمير المؤمنين، حكاه كما سبق الخياط عن واصل بن عطاء، وقال الخياط: هذا قول لا تبرأ المعتزلة منه، ولا تعتذر من القول به (١) . حتى إذا كانت فتنة على بن أبى طالب ومعاوية - رضى الله عنهما - رأيناهم ما بين موقن بفسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وما بين موقن بفسقهما معاً، وأعلنوا البراءة من معاوية، وعمرو بن العاص ومن كان فى شقهما (٢) ، بل إن البلخى وهو أحد شيوخ المعتزلة تجرأ برميهما - رضى الله عنهما - بالإلحاد، كما سبق (٣) . حكى الإمام عبد القادر البغدادى فى كتابه (الفرق بين الفرق) عن شيخ المعتزلة واصل ابن عطاء زعمه أن فرقة من الفرقتين (أصحاب الجمل وصفين) فسقه لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازا أن يكون الفسقة من الفرقتين علياً وأتباعه، كالحسن، والحسين، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبى أيوب الأنصارى، وسائر من كان مع على يوم الجمل، وأجازا كون الفسقة من الفرقتين عائشة، وطلحة، والزبير، وسائر أصحاب الجمل، ثم قال فى تحقيق فى الفرقتين لو شهد على، وطلحة، أو على، والزبير، أو رجل من أصحاب الجمل عندى على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما، لعلمى بأن أحدهما فاسق لا بعينه، كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين لعلمى بأن أحدهما فاسق لا بعينه، ولو شهد رجلان من إحدى الفرقتين أيهما كان قبلت شهادتهما. يقول الإمام البغدادى: "ولقد سخنت عيون الرافضة القائلين بالاعتزال بشك شيخ المعتزلة فى عدالة على واتباعه، ومقالة واصل فى الجملة كما قلنا فى بعض أشعارنا: مقالة ما وصلت بواصل *** بل قطع الله به أوصالها (٤)

стр. 108

وإذا كان واصل بن عطاء أيقن بفسق إحدى الفرقتين لا بعينها، فقد أيقن بفسقهما معاً وصرح بذلك عمرو بن عبيد كما حكاه عنه البغدادى (١) . وعن طعن المعتزلة فى الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قال الإمام البغدادى فى الفضيحة الحادية والعشرون من فضائح النظام: "ثم إن النظام - مع ضلالاته التى حكيناها عنه - طعن فى أخيار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد، فذكر الجاحظ عنه فى كتاب (المعارف) وفى كتابه المعروف بـ (الفتيا) أنه عاب أصحاب الحديث ورواياتهم أحاديث أبى هريرة ﵃، وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس، وطعن فى الفاروق عمر ﵁ وزعم أنه شك يوم الحديبية فى دينه، وشك يوم وفاة النبى ﷺ .، وأنه كان فيمن نفر بالنبى ﷺ . ليلة العقبة، وأنه ضرب فاطمة، ومنع ميراث العترة، وأنكر تغريب نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وزعم أنه ابتدع صلاة التراويح، ونهى عن متعة الحج، وحرم نكاح الموالى للعربيات ... إلخ. ... ثم إنه قال فى كتابه: [إن الذين حكموا بالرأى من الصحابة، إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائز لهم، وجهلوا تحريم الحكم بالرأى فى الفتيا عليهم، وإما أنهم أرادوا أن يذكروا بالخلاف، وأن يكونوا رؤساء فى المذاهب، فاختاروا لذلك القول بالرأى، فنسبهم إلى إ يثار الهوى على الدين، وما للصحابة ﵃ عند هذا الملحد الفرى ذنب غير أنهم كانوا موحدين لا يقولون بكفر القدرية الذين ادعوا مع الله تعالى خالقين كثيرين] (٢) . وقد ذكر الإمام البغدادى بعد ذلك: "أن نسبة النظام الصحابة إلى الجهل والنفاق يترتب عليه خلود أعلام الصحابة فى النار على رأى النظام، لأن الجاهل بأحكام الدين عنده كافر، والمتعمد للخلاف بلا حجة عنده منافق كافر أو فاسق فاجر، وكلاهما من أهل النار على الخلود (٣) . وهذا الذى ذكره الإمام البغدادى وافقه على أكثر ما فيه الإمام الشهرستانى (٤) فى كتابه (الملل والنحل)

стр. 109

والإمام ابن قتيبة (١) فى كتابه (تأويل مختلف الحديث) وقد أغنانا فى الرد على النظام ومن ذهب مذهبه وعلى كل دعاويه واتهاماته الباطلة لصحابة سيدنا رسول الله ﵃ بما لا يدع مجالاً للشك فى تهافت فكرهم وتفاهة رأيهم، وتحقيراً لشأنهم، الإمام ابن قتيبة (٢) . وهكذا يظهر واضحاً أن المعتزلة ما بين شاك فى عدالة الصحابة، منذ عهد فتنة سيدنا عثمان ﵁ وما بين موقن بفسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وما بين موقن بفسقهما معاً، وما بين طاعن فى أعلامهم، متهم لهم بالكذب والجهل والكفر والنفاق كالنظام. مع أن رؤساءهم وخاصة الذين طعنوا منهم فى الصحابة - كانوا من الرقة فى الدين بحيث يصف أحدهم وهو ثمامة بن أشرس - جمهور المسارعين إلى الصلاة بأنهم "حمير": وكانوا من الشعوبية والكره للعرب بحيث يقول ثمامة نفسه: "انظر إلى هذا العربى يعنى محمد ﷺ . ماذا فعل بالناس؟ فماذا ننتظر من هذا الشعوبى الماجن أن يقول عن صحابة رسول الله ﵃؟ وماذا ننتظر أن يكون رأيه فى السنة التى حققها أئمة الحديث ومحققوهم (٣) ؟ ولا يقف قدح المعتزلة عند الصحابة فقط، بل يمتد إلى القدح فى التابعين ﵃ وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم. وربما ردوا فتاويهم وقبحوها فى أسماع العامة لينفروا الأمة عن إتباع السنة وأهلها (٤) وسيأتى تفصيل ذلك والجواب عنه فى مبحث عدالة أهل السنة.

стр. 110

وبعد فإن أصول المعتزلة على اختلافها كان لها أسوء الأثر على الإسلام ورواته حيث وقف المعتزلة بأصولهم من الوحى قرأناً وسنة، ومن الصحابة موقف التحدى، فإذا بدا خلاف فى ظاهر النصوص وبين أصولهم أو رأى لا يرونه أولوا النص بما يخرج عن معناه الحقيقى إلى ما يوافق رأيهم (١) . وعن خطورة تأويلهم آيات القرآن الكريم بما يوافق أصولهم يقول الإمام الأشعرى: إن كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة، وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به الله سلطاناً، ولا يصح به برهاناً، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين (٢) . ويقول فضيلة الدكتور أبو شهبة ﵀: المعتزلة من أعظم الناس كلاماً وجدالاً، وقد صنفوا تفاسيرهم على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، شيخ إسماعيل بن عليه، الذى كان يناظر الشافعى، ومثل كتاب أبى على الجبائى، والتفسير الكبير للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى والكشاف لأبى القاسم الزمخشرى. والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين فى رأيهم، ولا فى تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارةً من العلم بفساد ما فسروا به القرآن ... ، ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحاً، ويدس السم فى كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السلف، كثير من تفاسيرهم الباطلة] أ. هـ. (٣) . ولا يقف خطر أصولهم عند تأويلهم القرآن الكريم مما لم ينزل به الله سلطاناً، وإنما كان لهذه الأصول خطرها الأعظم على السنة المطهرة، فما تعارض من الأحاديث الصحيحة مع هذه الأصول، إما يؤولونه تأويلاً يشبه الرد،

стр. 111

وإما يصرحون بالرد بحجة أن الخبر آحاد، والآحاد لا يحتج بها فى العقائد (١) ، وهم فى كل ذلك يتطاولون على رواة السنة ويطعنون فيهم سواء من صحابة رسول الله ﵃ أو من التابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين. وفى مواقف المعتزلة من الكتاب والسنة والصحابة، وجد أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، ثغرات يلجون منها فى الكيد لدين الله قرآناً وسنة - بما وجدوه من ثروة طائلة من السخافات والمثالب، فصوروا الإسلام فى صورة الخرافات، وطعنوا بدورهم فى أئمة المسلمين وتاريخهم وحضارتهم المجيدة، وقد اغتر بهم الجهلة فى عصرنا الحاضر ونسجوا على منوال أساتذتهم، ورموا علماء المسلمين فى كل عصر بكل نقيصة وبهتان، والله يشهد إنهم لكاذبون (٢) . فالمستشرقون، ودعاة التغريب، واللادينية، وهم يهاجمون السنة اليوم، ويثيرون حولها الشبهات اهتموا بالاعتزال والمعتزلة، لأنهم وجدوا فيهم منهجاً له أثره فى إفساد الفكر الإسلامى على العموم، وإبطال حجية السنة وتعطيلها على الخصوص، ويبدوا هذا واضحاً فى إحيائهم للفكر الاعتزالى والثناء عليه، ووصفهم للمعتزلة بأنهم أغارقة الإسلام الحقيقيون، أو وصفهم بالمعتزلة العظام، أو المفكرون الأحرار فى الإسلام (٣) . يقول الدكتور أحمد أمين: وفى رأيى أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة، وعلى أنفسهم جنوا (٤) . ومن هنا ندرك خطورة تأثر بعض علماء المسلمين الأجلاء من رواد المدرسة العقلية الحديثة بالفكر الاعتزالى ومنهجه فى تعامله مع النصوص قرآناً (٥) ، وسنة (٦) ،

стр. 112

واستغل ذلك التأثر بعض أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، فى دعوتهم الباطلة، وصبغها صبغة شرعية وذلك بالاستشهاد بأقوال رواد تلك المدرسة، والزعم بأن منهجهم العقلى المعتزلى، هو المنهج الحق، وربما ادعوا بأنه منهج سلفنا الصالح (١) .

стр. 113

المبحث الخامس: من الفرق إلى السنة الجامعة تحت هذا العنوان قال الأستاذ أنور الجندى: "منذ اليوم الأول لظهور حركة "المؤامرة على الإسلام فى القرن الأول للهجرة قامت المواجهة الصادقة والمعارضة الصريحة على يد أهل السنة والجماعة كما قال محمد بن سيرين (١) ﵀: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٢) . ومنذ ذلك اليوم وكانت المواجهة بين أهل السنة وأهل البدع والأهواء، واستطاعت السنة كشف زيفهم ونقص شبهاتهم وبينت بالدليل أنها حركة معادية لها تلتمس فى محيط المجتمع الإسلامى خيوطاً لتدميرها كمقدمة لتدمير النظام الإسلامى نفسه، كما بينت السنة الصلة الوثيقة بين أهل البدع وأعداء الإسلام من اليهودية، والنصرانية، والمجوسية وغيرهم ممن تطلعوا إلى هدم الإسلام عن طريق فكره بعد أن عجزوا عن هدمه عن طريق دولته. أولاً: أنكرت السنة التشبيه والتعطيل وكشفت عن أن المشبهة وثنية والمعطلين ملحدون وتعقبت فى نفس الوقت الملحدين والوثنيين وكشفت عنهم. ثانياً: عارضت السنة إخضاع الإسلام للجدل العقلى ودعت إلى التماس المعين الأول والمنبع الأصيل "القرآن والسنة". ثالثاً: كشفت السنة عن فساد إلهيات أرسطو؛ لأن مقدماتها ونتائجها معارضة أشد المعارضة لمفهوم التوحيد الخالص، وأبانت أن العقائد مرجعها إلى الكتاب والسنة. رابعاً: استوعبت السنة كل المطامح والآمال التى كانت الفرق المختلفة تنادى بها فجعلت محبة أهل البيت جزءاً من عقيدتها وجعلت العقلانية التى رفعت لواءها المعتزلة شطر المعرفة، وجعلت الوجدانية التى حمل لواءها التصوف شطر المعرفة الأخرى وجعلت اختيار الحاكم على أساس الشورى وليس على أساس النسب أساساً من أسس مفهومها.

стр. 114

خامساً: قاومت السنة الاتجاه الزائف نحو القول بوحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد كما قاومت انحرافات الخوارج والشيعة والمعتزلة والمتكلمين والفلاسفة والصوفية فالتقت كل هذه القطاعات فى مفهوم جامع. سادساً: كشفت السنة عن أن الفكر الفلسفى لتلك الفرق لا يمكن أن يكون أساساً للفكر الإسلامى، ذلك أن هناك مجموعة من الحقائق الأولية لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الوحى والنبوة، وبينت أن الفلسفة ليست قرينة الوحى ولا مناظرة له فهى لا تزيد عن كونها استخداماً للعقل، وهى فى أحسن صورها تعمل على أن تعصم الذهن من الخطأ فى الاستنباط والبرهان. سابعاً: أصبحت السنة هى البوتقة التى انصهرت فيها كل الثقافات فهى بمثابة النهر الكبير والمذاهب والفرق روافد، وخير ما فى هذه الروافد انصهر فى مفهوم جامع للأصالة الإسلامية وصب فى النهر الكبير، وكان أبلغ ما وصلت إليه هذه الغاية هو قول الإمام الغزالى: إن أساليب القرآن أرجح فى سلامة العقيدة والتزام صفاء الفطرة من جملة أساليب اليونان، والصوفية وفى بوتقة السنة أصبح العقل فى خدمة الوحى يسير فى ضوئه، وأباح فقهاء المسلمين قدراً كبيراً من التأويل والاختلاف فى الفروع دون أن يتجاوزوا وجه الانحرافات الهدامة ... إلخ. ووصل كثير من مفكرى الإسلام إلى نفس النتيجة التى وصل إليها الإمام الغزالى، حتى قال إمام الحرمين: "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام" (١) وقال: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بى ما بلغ ما اشتغلت به" (٢) وأخرج الخطيب عن الوليد الكرابيسى (٣) أنه لم حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحداً أعلم بالكلام منى؟

стр. 115

قالوا: لا قال: فتتهمونى؟ قالوا: لا قال: فإنى أوصيكم، أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنى رأيت الحق معهم" (١) . ثامناً: كشف رجال الأصالة الإسلامية (السنة) أن النزعة العقلية التى دافع عنها المعتزلة كادت تخنق العقيدة وأنها حولتها من يسرها وبساطتها إلى مذهب فلسفى معقد بعيد عن روح الإسلام، وكانت أخطاء المعتزلة: تحكيم العقل فى الوحى، وإعلاء العقل على الوحى. تاسعاً: استطاع مفهوم السنة، وهو مفهوم الأصالة الإسلامية الجامع أن يقضى على الغلو فى كل تلك الفرق وبذلك تعين أن السنة ليست مذهباً معيناً بين المذاهب وليست طرفاً من الأطراف بل هى الحكم بين الأطراف فأهل السنة لامع هؤلاء ولامع هؤلاء، بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، فكل حق مع طائفة من الطوائف يوافقونهم فيه، وهم براء من باطلهم، فهم حكام بين الطوائف لا يعاملون بدعة ببدعة ولا يرمون باطلاً بباطل، ولا يحملهم شنآن قوم ألا يعدلوا فيهم، بل يقولون فيهم الحق ويحكمون فى مغالاتهم بالعدل. إن السنة المطهرة هى مدرسة الأصالة الإسلامية التى تجمع خير ما فى الفرق وتحكم بينها وترتفع عن الخلاف حول الأفراد والأشخاص، وتقرر أن هذا الخلاف هو الذى أفسد المفاهيم الإسلامية أ. هـ. (٢) .

стр. 116

الفصل الثاني:أعداء السنة النبوية من المستشرقين وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالاستشراق. المبحث الثانى: منهج المستشرقين فى دراسة الإسلام. المبحث الثالث: المستشرقون وموقفهم من السنة النبوية. المبحث الرابع: موقفنا من الحركة الاستشراقية والمستشرقين. المبحث الأول: التعريف بالاستشراق لغة واصطلاحاً الاستشراق لغة: استشرق من الفعل "شرق" يقال: شرقت الشمس أى طلعت، واسم الموضع المشرق، والشرق: المشرق، والجمع إشراق. والتشريق الأخذ فى ناحية المشرق، يقال: شتان بين مشرق ومغرب، وشرقوا أى ذهبوا إلى الشرق أو أتوا الشرق، وكل ما طلع من المشرق فهو شرق (١) . واستشرق: أى طلب دراسة ما يتعلق بالشرق، فالألف والسين والتاء فى أى فعل تدل على الطلب كاستغفر أى طلب المغفرة. الاستشراق اصطلاحاً: هو علم الشرق أو علم العالم الشرقى وهو تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين شعوبهم، وتاريخهم، وأديانهم، ولغاتهم، وأوضاعهم الاجتماعية، وبلادهم، وأرضهم، وحضارتهم، وكل ما يتعلق بهم. وهذا معنى عام للاستشراق. وهناك معنى خاص كان هدفهم الأساسى وهو: دراسة الإسلام والشعوب الإسلامية لخدمة أغراض التبشير من جهة، وخدمة أغراض الاستعمار الغربى لبلدان المسلمين من جهة أخرى، ولإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية (٢) . وهذا المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق هو الذى يعنينا، وهو الذى ينصرف إليه الذهن فى عالمنا العربى الإسلامى عندما يطلق لفظ استشراق أو مستشرق وهو الشائع أيضاً فى كتابات المستشرقين المعنيين (٣) . والمستشرقون: هم الذين يقومون بهذه الدارسات من غير الشرقيين، ويقدمون الدراسات اللازمة للمبشرين، بغية تحقيق أهداف التبشير، وللدوائر الاستعمارية بغية تحقيق أهداف الاستعمار.

стр. 117

ومع الدراسات الاستشراقية الموجهة لأغراض التبشير والاستعمار، قام بعض محبى العلم بدراسات استشراقية حيادية غير موجهة، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية فأسلم (١) . هذا ومما لا شك فيه أن الاستشراق كان له أكبر الأثر فى صياغة التصورات الأوربية عن الإسلام وأمته، وفى تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على مدى قرون عديدة وحتى يومنا هذا (٢) . والاستشراق من تعريفه الخاص السابق، موقف عقائدى وفكرى معاد للإسلام يقفه الكافرون بهذا الدين بوجه عام، وبعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى بوجه خاص. وهذا الموقف - فى جوهره النابع من العداوة فى العقيدة - ليس بجديد وإنما هو امتداد لموقف أسلافهم الكافرين بالإسلام من المشركين وأهل الكتاب - منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم: وهو موقف الإنكار للرسالة، والتكذيب للرسول ﷺ .، وإثارة الشبهات حول الإسلام وحول القرآن والرسول ﷺ . وسنته المطهرة بوجه خاص، لتشكيك المسلمين فى دينهم، ومحاولة ردهم عنه. وقد تختلف وسائل المشركين ووسائل أهل الكتاب، ولكنهم - فى نهاية المطاف - يلتقون حول الهدف: وهو محاولة منع الخير - وهو الإسلام - عن المسلمين، ومحاولة ردهم عنه كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) . وقال تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٤) .

стр. 118

المبحث الثانى:منهج المستشرقين فى دراسة الإسلام قبل أن نتعرف على موقف المستشرقين من السنة النبوية المطهرة يجدر بنا أن نتعرف أولاً على منهجهم فى دراستهم الاستشراقية للإسلام، فبمعرفة هذا المنهج سنقف على أثره فى نظرتهم للإسلام، وللسنة النبوية المطهرة ونحن كثيراً ما نسمع المستشرقين يكثرون من القول: إن التحقيق والموضوعية والتحرر منهجهم فى كل ما يبحثون لا فرق فى ذلك عندهم بين عدو وصديق أو بين قريب وبعيد، ويكثرون من القول أيضاً: أنهم يدرسون العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق ... هكذا يدعون! والحق أنهم بعيدون كل البعد عن البحث العلمى النزيه ولا يمتون إليه بصلة، ويستوى فى هذا سائر المدارس الاستشراقية (١) . ولا أدرى كيف يكون منهج الاستشراق اللاهوتى الوليد من عصبية وحقد النصارى للإسلام ولأمتنا الإسلامية - لا أدرى كيف يكون نزيهاً ومحايداً فى دراسته للإسلام ... ؟! وحتى بعد تطوره فى العصر الحديث إلى استشراق علمانى استعمارى لم يتخل عن العصبية الدينية، وإن لم تطغ هذه العصبية طغيانها قديماً فهو استشراق استعمارى طامع فى خيرات هذه الأمة حاقداً عليها ولا أمل له فى السيطرة على هذه الأمة إلا بإضعاف عقيدتها بدينها وبتاريخها وحضارتها ولا يكون ذلك إلا بالاستشراق اللاهوتى التبشيرى، وكذلك حال الاستشراق اليهودى فى منهجه، كانت تحركه نزعتين: إحداهما دينية: تحمل أشد العداوة والحقد للإسلام والمسلمين. وثانيهما سياسية: تحمل فى داخلها حلم إعادة مملكة سيدنا داود ﵇ فى فلسطين وحكم العالم أجمع.

стр. 119

والبحث العلمى النزيه لا صلة له إطلاقاً بما يكتبون عن الإسلام والمسلمين؛ لأنهم وهم يكتبون لا يتخلون أبداً عن أهوائهم وحقدهم الدفين ضد الإسلام ونبيه ﷺ .، وأمته التى جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، وحتى لو فرضنا أن هذا لا يكون فى نفوس بعضهم حين يكتبون عن الإسلام، فإنه مما لا شك فيه يكون فى نفوسهم الطمع فى خيرات هذه الأمة وهذا يحملهم أيضاً على التحامل على الإسلام، وصدق رب العزة فى بيان نزعتهم الدينية فى قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . وصدق رب العزة فى بيان نزعتهم الاستعمارية فى قوله تعالى: ﴿مَا يوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢) . والمستشرقون فى كتاباتهم عن الإسلام لن يتخلوا أبداً عن هاتين النزعتين الدينية والاستعمارية، لأن التحول عنهما، إنما يعنى التحول إلى الإسلام، وهذا التحول إلى الإسلام يعنى فى الوقت نفسه التحول عن الاستشراق وأهدافه الخبيثة، وهذا ما حدث بالفعل لبعض المستشرقين ممن أكرمهم رب العزة بالإسلام وهداهم إليه. وصدق رب العزة فى بيان سبب عدم تخليهم عن نزعتهم الدينية سواء يهودية أو نصرانية فى قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٣) .

стр. 120

فالسبب أنهم أبداً وإلى أن تقوم الساعة فى شك من هذا الدين ومن نبوة المصطفىصلى الله عليه وسلم. وهم دائماً فى موقف الحذر منه والتربص به.ومهما حدث من أمور يظهرون من خلالها التودد والمجاملة، إلا أن ذلك يخفى حقيقة فى قلوبهم لا يريدون إظهارها ففعلهم فى واد، وقلوبهم فى واد آخر. وإذا كان هناك من رضاً متوقع، فلن يكون إلا فى حين اتباع ملتهم، والسير خلفهم، وعدم مخالفتهم فيما يفعلون أو يكتبون من خرافات وأساطير عن الإسلام أما دون ذلك فلا، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٢) . فالولاء الوحيد فى قلوب هؤلاء؛ إنما هو لدينهم ولمصلحتهم لا للإسلام ولا للمسلمين كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) .وإذا كان هؤلاء المستشرقون صادقين فى ادعائهم الموضوعية والحيدة فيما يكتبون، فنحن نطلب منهم أن يلتزموا بأوليات بديهية يتطلبها المنهج العلمى السليم فعندما أرفض وجهة نظر معينة لابد أن أبين للقارئ أولاً وجهة النظر هذه من خلال فهم أصحابها لها ثم لى بعد ذلك أن أوافقها أو أخالفها.وعلى هذا الأساس نقول عندما يكتب عن الإسلام: إن الكيان الإسلامى كله يقوم على أساس الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ . الذى تلقى القرآن وحياً من عند الله.ويجب على العالم النزيه والمؤرخ المحايد أن يقول ذلك لقرائه عندما يتعرض للحديث عن الإسلام حتى يستطيع القارئ أن يفهم سر قوة هذا الإيمان فى تاريخ المسلمين (٤) . ثم له بعد ذلك أن يخالف المسلمين فى معتقداتهم وتصوراتهم أو يوافقهم؛ غير أن هذا المنهج المنطقى والطبيعى قلما يتبع مع الأسف، ويتبعون بدلاً منه منهجهم القائم على ما يلى: ١- تحليل الإسلام ودراسته بعقلية أوروبية، فهم حكموا على الإسلام معتمدين على القيم والمقاييس الغربية المستمدة من الفهم القاصر والمحدود والمغلوط الذى يجهل حقيقة الإسلام (٥) . ٢- تبييت فكرة مسبقة ثم اللجوء إلى النصوص واصطيادها لإثبات تلك الفكرة واستبعاد ما يخالفها، وذلك منهج معكوس وليد الهوى.

стр. 121

٣- اعتمادهم على الضعيف، والشاذ من الأخبار، وغض الطرف عما هو صحيح وثابت منها (١) . ٤- تحريف النصوص، ونقلها نقلاً مشوهاً، وعرضها عرضاً مبتوراً (٢) ، وإساءة فهم ما لا يجدون سبيلاً لتحريفه (٣) . ٥- غربتهم عن العربية والإسلام منحتهم عدم الدقة والفكر المستوعب فى البحث الموضوعى، حتى ولو اختص أحدهم بأمر واحد من أمور الإسلام طيلة حياته (٤) . ٦- تحكمهم فى المصادر التى ينقلون منها، فهم ينقلون مثلاً من كتب الأدب ما يحكمون به فى تاريخ الحديث، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به فى تاريخ الفقه ويصححون ما ينقله (الدميرى) (٥) فى كتاب "الحيوان" ويكذبون ما يرويه "مالك" فى "الموطأ" كل ذلك انسياقاً مع الهوى، وانحرافاً عن الحق (٦) . ٧- إبراز الجوانب الضعيفة، والمعقدة، والمتضاربة، كالخلاف بين الفرق، وإحياء الشبه، وكل ما يفرق، وإخفاء الجوانب الإيجابية والصحيحة وتجاهلها (٧) . ٨- الاستنتاجات الخاطئة والوهمية وليدة التعصب، وجعلها أحكاماً ثابتة يؤكدها أحدهم المرة تلو المرة، ويجتمعون عليها حتى تكاد تكون يقيناً عندهم (٨) . ٩- النظرة العقلية المادية البحتة التى تعجز عن التعامل مع الحقائق الروحية (٩) .

стр. 122

١٠- تفسير سلوك المسلمين، أفراداً وجماعات بأنه مدفوع بأغراض شخصية، ونوازع نفسية دنيوية، وليس أثراً لدافع ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة (١) . وهذا المنهج فى دراسة الإسلام ونبيه ﷺ .، وأمته وتاريخهم المجيد سيبدو واضحاً فى وسائلهم للكيد للسنة النبوية المطهرة. ونتيجة لهذا المنهج نشروا صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين، وزعموا كذباً أن هذه الصورة الفاضحة هى صورة الإسلام والمسلمين التى يعتقدونها ويعيشونها قديماً وحديثاً، واقتنع بها أبناء جلدتهم، وبعض من أبناء جلدتنا ممن يجهلون دينهم، أو يرغبون فى الشهرة، أو مخدوعين بما يدعيه أولئك الأعداء من المنهج العلمى المزعوم، مما جعلهم يصدقون كل ما يكتبه المستشرقون عن الإسلام، بل يعجبون به ويتعصبون له فى كثير من الأحيان. يقول فضيلة الأستاذ الدكتور السباعى (٢) : [ترى لو استعمل المسلمون معايير النقد العلمى التى يستعملها المستشرقون فى نقد القرآن والسنة وتاريخنا، فى نقد كتبهم المقدسة، وعلومهم الموروثة، ماذا يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من قوة؟ وماذا يكون فيها من ثبوت؟ نعم سنخرج بنتيجة من الشك وسوء الظن أكبر بكثير مما يخرج به المستشرقون بالنسبة إلى مصادر ديننا وحضارتنا وعظمائنا فحضارتهم مهلهلة رثة الثياب، ورجال هذه الحضارة من علماء وسياسيين وأدباء يبدون فى صورة باهتة اللون لا أثر فيها لكرامة ولا خلق ولا ضمير. نعم لو فعلنا ذلك كما يفعلون لرأوا كيف عاد هذا المنهج الذى زعموا أنهم يستخدمونه لمعرفة (الحقيقة) فى ديننا وتاريخنا، وبالاً عليهم، لعلهم يخجلون - بعدئذ - من استمرارهم فى التحريف والتضليل والهدم) (٣) أ. هـ. ويقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمود زقزوق: ١- إن الاستشراق - من بين شتى العلوم الأخرى - لم يطور كثيراً فى أساليبه ومناهجه. وفى دراسته للإسلام لم يستطع أن يحرر نفسه تماماً من الخلفية الدينية للجدل اللاهوتى العقيم الذى انبثق منه الاستشراق أساساً.

стр. 123

٢- أن الاستشراق فى دراسته للديانات الوضعية مثل البوذية والهندوسية وغيرها غالباً ما تكون دراسات موضوعية بعيدة عن أى تجريح ولكن الإسلام وحده من بين كل الأديان هو الذى يتعرض للنقد والتجريح والمحاربة على الرغم من أنه دين يؤمن بالله ويحترم اليهودية والمسيحية ويؤمن بموسى، وعيسى، ويرفعهما، فوق النقد بوصفهما من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. والمسلمون فقط من بين الشرقيين جميعاً هم الذين يصفون بشتى الأوصاف الدنيئة. ٣- إن الإسلام الذى يعرضه هؤلاء المستشرقون - المتحاملون على الإسلام - فى كتبهم هو إسلام من اختراعهم، وهو بالطبع ليس الإسلام الذى ندين به، كما أن محمداً الذى يصورونه فى مؤلفاتهم ليس هو محمد الذى نؤمن برسالته، وإنما هو شخص آخر من نسيج خيالهم (١) . وهكذا يمكن القول بأن الاستشراق فى دراسته للإسلام، ليس علماً بأى مقياس علمى، وإنما هو عبارة عن أيديولوجية خاصة يراد من خلالها ترويج تصورات معينة عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا كانت هذه التصورات قائمة على حقائق أو مرتكزة على أوهام وافتراءات (٢) . ويقول فضيلة الشيخ محمد الغزالى - رحمه الله تعالى -: الاستشراق كهانة جديدة تلبس مسوح العلم والرهبانية فى البحث، وهى أبعد ما تكون عن بيئة العلم والتحرر، وجمهرة المستشرقين مستأجرون لإهانة الإسلام وتشويه محاسنه والافتراء عليه (٣) . وتقول الدكتورة عزية على طه شاهدة على منهج المستشرقين بعد أن تتلمذت على بعضهم فى الولايات المتحدة، أثناء حصولها على درجة الماجستير فى مقارنة الأديان، قالت: [وما كنت أتخيل بأن هؤلاء الناس الذين برعوا فى جميع أوجه الحياة بما فى ذلك إبداع كل العلوم والمعارف المعاصرة ... ، لم أكن أتخيل أنهم بهذا القدر من التعصب الأعمى والتمسك بملة آبائهم وأجدادهم دون تدبر ولا وعى، ولا إدراك.

стр. 124

ليس هذا فحسب، بل إنهم اشتطوا فى العدوان على عقائد من خالفهم الرأى ولم يتورعوا عن الكذب والدس والبهتان كى يبرروا معتقداتهم الباطلة ويسيئوا إلى العقائد الأخرى، وخاصة الدين الإسلامى الحنيف ورغم ما كنت ألاقيه من عنت ومشقة فى الصبر على أذاهم باستماعى لطعنهم فى دين الله ، بجانب مضايقاتهم المتكررة لى باعتبارى مسلمة يجب أن ترتد عن دينها، أو حتى تحاول أن تهدم بعض أركانه باسم التطور، إلا أننى صبرت ... مكتفية بممارسة أضعف الإيمان فى تغيير هذا المنكر. وكان هدفى من الصمود أمام تحدياتهم وكثير بلواهم طيلة هذه المدة، الإحاطة بكل ما يمكن معرفته من عقائدهم الفاسدة ووسائلهم المنكرة فى نشرها بين الناس، من طرق تنصير وغيره، واستراتيجية تهجمهم على الديانات الأخرى وخاصة الإسلام) (١) . وأخيراً أقول كما قال الدكتور مصطفى السباعى: "إذا كنا نشتد هذه الشدة فى حق جمهور المستشرقين المحرفين والمضللين أمثال "جولد تسيهر"، فإننا لا نغمط غيرهم من المنصفين حقهم ممن درسوا الإسلام بموضوعية ونزاهة علمية وأنصفوه وأنصفوا أهله وأدى الأمر ببعضهم إلى اعتناق الإسلام" (٢) . وإن كنت أرى أن هؤلاء أيضاً سواء من أنصف الإسلام منهم ظاهراً أو حتى ممن كانوا مسلمين لا يجوز الاغترار بإنصافهم هذا ولا الاعتماد فى فهم ديننا على ما يكتبون، فكثير منهم دس السم فى الدسم، وبعضهم أسلم ثم ارتد بعدما أدى الدور الذى كان مطلوباً منه. وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى فى موقفنا من الحركة الاستشراقية والمستشرقين.

стр. 125

المبحث الثالث: المستشرقون وموقفهم من السنة النبوية أدرك المستشرقون أهمية السنة النبوية بالنسبة للإسلام عموماً والقرآن الكريم خصوصاً، وأنه بالتشكيك والنيل منها نيل من القرآن الكريم بل من الإسلام نفسه. يقول المبشر الأمريكى (جب) : "إن الإسلام مبنى على الأحاديث أكثر مما هو مبنى على القرآن الكريم، ولكننا إذا حذفنا الأحاديث الكاذبة لم يبق من الإسلام شئ، وصار شبه صبيرة طومسون، وطومسون هذا رجل أمريكى، جاء إلى لبنان فقدمت له صبيرة فحاول أن ينقيها من البذر، فلما نقى منها كل بذرها لم يبق فى يده منها شيء" (١) . وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك فى الحديث النبوى كان المستشرق اليهودى "جولد تسيهر" الذى يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوى، كما وصفه بذلك "بفانموللر" وقال: وبالأحرى كان "جولد تسيهر" يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الدينى والتاريخى والاجتماعى فى القرن الأول والثانى. فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام فى عهده الأول: عد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التى ظهرت فى المجتمع الإسلامى فى عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام. كما بارك جولدتسيهر موقف المعتزلة من السنة النبوية، ورأى أن وجهتهم فى رد الأحاديث بالعقل هى الوجهة الصحيحة التى يجب أن تناصر وتؤيد ضد المتشددين الحرفيين الجامدين على النصوص (٢) .

стр. 126

وعلى درب "جولد تسيهر" فى موقفه من السنة صار المستشرقون ورددوا شبهاته واعتبروا أنفسهم مدينين له فيما كتبه من شبهات حول السنة. وفى هذا يقول عنه كاتب مادة (الحديث) فى دائرة المعارف الإسلامية: "إن العلم مدين ديناً كبيراً لما كتبه (جولد تسيهر) فى موضوع الحديث، وقد كان تأثير "جولدتسيهر" على مسار الدراسات الإسلامية الاستشراقية أعظم مما كان لأى من معاصريه من المستشرقين فقد حدد تحديداً حاسماً اتجاه وتطور البحث فى هذه الدراسات" (١) . ومن هنا كان الرد على هذا الداهية الخبيث رداً على عصابة المستشرقين إجمالاً فيما أثاروه من شبهات وطعون حول السنة النبوية المطهرة. وسيأتى الجواب عن هذه الشبهات ومن قال بها من أبناء المسلمين المنخدعين بمنهجهم العلمى المزعوم فى الباب الثانى وسائل أعداء السنة قديماً وحديثاً فى الكيد للسنة الشريفة أ. هـ.

стр. 127

المبحث الرابع: موقفنا من الحركة الاستشراقية والمستشرقين ... عرفنا مما سبق أن الاستشراق وليد من عصبية وحقد النصارى للإسلام ولأمتنا الإسلامية، وحتى بعد تطوره إلى العلمانية، لم يخرج عن هذه العصبية، وارتبط ارتباطاً وثيقاً أولاً بالتبشير اللاهوتى، ثم ثانياً بالاستعمار ولم ينفصل عنهما معاً، وتكاتلت تلك الجيوش الثلاثة من أجل محاربة الإسلام والمسلمين، وتحقيق مصالحهم وأطماعهم، وعرفنا أن منهج الاستشراق بعيد كل البعد عن المنهج العلمى النزيه فى دراسته للإسلام والمسلمين. ... وإذا كان للحركة الاستشراقية أثر كبير فى تشويه صورة الإسلام والمسلمين فى العالم العربى، وأثر أخطر فى أجيال من أبناء جلدتنا ممن وقعوا فى شباكهم؛ ففسدت عقائدهم وعملوا على إفساد عقائد المسلمين، من أجل هذا كان لابد وأن يكون للمسلمين موقف من هذه الحركة الاستشراقية، ومن أنصارها الذين تعصبوا لها وخدعوا بما زعمه أعداء الإسلام من التزامهم الموضوعية فى الكتابة، وصدقوا ما كتبوه من أباطيل ضد الإسلام، واعتمدوا على مؤلفاتهم فى كتاباتهم عن الإسلام فى التفسير، أو الحديث، أو السيرة، أو التاريخ ...إلخ. وراجت مؤلفات هؤلاء الأنصار بين شباب المسلمين مع ما فيها من دسائس، ودس للسم فى العسل. ولهؤلاء ولمن يقرأون لهم نقول كما قال الأستاذ محمد سرور بن نايف:"لا يجوز أن يعتمد المسلمون فى فهم دينهم على كتب المستشرقين مهما قيل فى مدحهم والثناء عليهم، والإشادة بحيادهم (١) . نعم، قد نلقى بعضهم منصفاً معتدلاً غير متحامل ولا متعصب، ولكنه شاذ لا يقاس عليه. وإن كانت معظم كتاباتهم المعتدلة تتركز فى تاريخ العلوم التجريبية عند المسلمين، وأثر المسلمين فى هذا المجال لا ينازع فيه إلا مكابر، وهم فى هذا لم يأتوا بجديد غير إحقاق الحق، ومن هذا القبيل كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب للمستشرق زغريد هونكة) .

стр. 128

.. أما العلوم الشرعية؛ فلا نكاد نجد لها منصفاً لخطورتها، وأهميتها فى حياة الإنسان، ولأن العلوم الشرعية هذه مرتبطة برسالة الإسلام، الدعوة العالمية للتوحيد، وإقامة منهج الله على الأرض، وهذا بلا ريب يهدد معاقل الشرك والوثنية أينما كانت، فلا عجب حينئذ أن ينتشر جنود إبليس للتصدى لهذه الدعوة، والنيل منها بكل وسائل التسفيه والتشكيك (١) . وكتب المستشرقين التى مدحوا من أجلها. إما مصنفات مستقلة عبارة عن بحوث ودراسات، تتعلق بالحضارة الإسلامية، والفقه الإسلامى، وتاريخ الأدب العربى، وتاريخ الحديث الشريف وغيرها. وهذه مصنفات طافحة بالدس والتشويه، وهى منحرفة كلياً عن منهج البحث السديد. ... وإما مصنفات مبنية على مصنفات أخرى كفهارس القرآن الكريم، وفهارس كتب الحديث؛ فهى جهود محمودة، ولكنها غير إبداعية؛ لأنهم مسبوقون إليها من أئمتنا المتقدمون رضوان الله عليهم (٢) وهذا لا يعنى انتقاص قيمة هذا العمل، فهو حقاً عمل رائع، ولكنه نال من الثناء أكثر مما يستحق، لأنه لو قام به جماعة من المسلمين فى نفس الظروف التى أُنجز فيها هذا العمل الكبير لأتوا بمثله أو أحسن منه، ولنا فى الأعمال الفردية التى قام بها بعض علمائنا الأجلاء قديماً وحديثاً خير دليل على ذلك (٣) .

стр. 129

.. وأما عملهم فى تحقيق كتب التراث؛ فهو أيضاً نال من المديح أكثر مما يستحق، فهم منذ بدأوا جريمتهم بسرقة المخطوطات الإسلامية من الشرق بدأً منذ عام ١٣١١م واستولوا على كل المخطوطات الموجودة فى المساجد والزوايا، حتى جمع أحد الرهبان (زانسى) ستة آلاف مخطوط من الشرق نقلها إلى ميلانو، وتوالت بعثات الاستعمار والفاتيكان إلى العالم الإسلامى لجمع المخطوطات، كان هدفهم هو "حبس التراث الإسلامى فى مكتبات الغرب واتخاذه سلاحاً ضد المسلمين، فهم يبرزون الكتب التى تثير الفتن والنزاع بكل صوره الفكرى والمذهبى والسياسى؛ ككتب الفرق، والخلاعة، والمجون، والتصوف الفلسفى، ويخفون كتب العلوم، فيأخذون نظرياتها، وينسبونها إلى أنفسهم وعلمائهم، ويحرمون أصاحبها منها (١) .

стр. 130

.. ومعظم الكتب التى حققها المستشرقون وأعادوا كتابتها كانت تستهدف إذاعة آراء معينة وتيارات مضللة تفقدنا الثقة بعقيدتنا وماضينا، وحضارتنا، وقادتنا، ولذلك فإنه لا يمكن القول بأن هذه الكتب قد طبعت، أو حققت لخدمة الأدب العربى، أو اللغة العربية، ومن هذه الكتب: ألف ليلة وليلة، والأغانى، وأخبار الحلاج، ورسائل إخوان الصفا ... إلخ (١) . ... يقول الدكتور عبد العظيم الديب: "إن عنايتهم بالتراث كانت وما زالت وستظل من باب (اعرف عدوك) ،فهذه الكتب التراثية هى الخرائط، والصور لعقولنا، وعواطفنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، واهتماماتنا، وحبنا، وبغضنا، وغضبنا، ورضانا. فهى المفاتيح التى عرفوا بها كيف يخططون لتدميرنا ثقافياً، واجتماعياً، وفكرياً، وعلمياً، بعدما حطمونا عسكرياً وسياسياً" (٢) .

стр. 131

.. وليس معنى هذا تسفيه كل جهودهم فى تحقيق كتب التراث، فالإنصاف يقتضى ألا نغمط الناس حقهم، على أن لا نقوم بتمجيدهم صباح مساء كما يفعل المستغربون من أبناء أمتنا ظناً منهم أنه عمل فى قمة التفوق والإبداع، غير مسبوقين فيه، على ألا يغيب عن ذهننا أنهم ما صنعوا فهارس القرآن الكريم، وفهارس كتب الحديث، وحققوا كتب التراث؛ إلا إطفاءً لنور الإسلام" (١) ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون وصدق ربنا : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٢) . ... وحسبنا دليلاً على عدم الاعتماد فى فهم ديننا على كتب المستشرقين؛ أنهم ليسوا من أهل العدالة والتى على رأس شروطها الإسلام.وقد قال رب العزة ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) فإذا كان خبر المسلم الفاسق مردود على صحة اعتقاده، فخبر الكافر من المستشرقين أولى بالرد.

стр. 132

وحسبنا أيضاً دليلاً على عدم الاعتماد فى فهم ديننا وتاريخنا على كتب المستشرقين، أن المعتدل منهم وإن كان ظاهره الإنصاف للإسلام والمسلمين فى العلوم الشرعية؛ فقد دس السم فى الدسم. ... والدسم هنا هو باب التقدير والثناء والمدح، يدخل من هذا الباب وهو يكتب عن الإسلام ونبيه ﷺ حتى يخدع القارئ ويكسب ثقته، ثم لا يلبث بعد ذلك أن يثير شبهات خفية متتالية فى إطار هذا المديح الكاذب، كل ذلك دون منهج موضوعى يتحرر فيه من أهوائه ورواسبه الموروثة ويلتزم فيه النقد التقويمى ونزاهة البحث، وهذا أسلوب جديد حرص عليه المستشرقون فى هجومهم على الإسلام بعدما تبين لهم فشل أو ضعف تأثير الهجوم على الإسلام ومصادره بعنف دون مواربة أو حيلة (١) أ. هـ.

стр. 133

.. فالواجب يقتضى من المسلم أن يحذر السير وراء أقوال معسولة، وآراء مغرية، ومواقف خادعة، يمكن أن تخدع عقول البسطاء من المسلمين، وتؤثر على اقتناعهم بأن المستشرقين يمدحون الإسلام، أو يمدحون النبى ﷺ ، ويثنون على صفاته، ويعدون شخصيته ﷺ فى مقدمة المصلحين وعباقرة العالم، فقد تظاهر بعضهم بالإسلام وتزيا بزى العلماء حين زار العالم الإسلامى كما فعل صنمهم الأكبر "جولد تسيهر" اليهودى المجرى، وسنوك هرجونيه المستشرق الهولندى، وتقدم آخرون ببحوث مجمعية لينخرطوا بين المجمعيين، فتصبح آراؤهم موضع القبول والرضا، وأثبتت الدراسات أن ربع أعضاء المجامع العلمية فى القاهرة ودمشق وبغداد وبيروت من هؤلاء المستشرقين، والأزمة الفكرية التى اختلقها (مرجليوث) (١) فى اصطناع الشعر الجاهلى، والفساد العقائدى الذى نشره (لرى ماسينون) حول القرآن وعامية العربية فى القاهرة، وما كتبه جولد تسيهر وشاخت وغيرهم عن السنة المطهرة لا تزال آثاره ماثلة للعيان.

стр. 134

.. فلا يفرح مسلم من ثناء مستشرق على الإسلام أو الرسول ﷺ ، ويعد هذا كسباً للعلم والتاريخ، فإن هذا قد يكون مرحلة من مراحل التغريب فى العقيدة والفكر، وأسلوباً من أساليب المكر والخديعة (١) . ... يقول الدكتور محمد حسين: "لذلك كان من الواجب على المسلمين أن يدركوا إدراكاً واضحاً أن البحوث الإسلامية التى يكتبها المستشرقون هى بحوث موجهة ضد الإسلام والمسلمين، فتمجيد الإسلام فى كتب المستشرقين يقصد به خلق جوٍ من الاطمئنان إلى نزاهة الفكر الغربى من ناحية، ومقابلة هذه المجاملة من جانب المستشرقين بمجاملة مثلها من جانب المسلمين للقيم الغربية، ويقصد بذلك أيضاً أن يقوم تفاهم بين الشرق والغرب، ودعوة الباحثين من المسلمين فى مؤتمراتهم، وفى غيرها من الكتب والبحوث الإسلامية، بقصد المعاونة فى تحقيق التقارب بين الثقافتين، ومزج إحداهما بالأخرى، وبالطبع مزج الفكر الفلسفى اليونانى الغربى بالفكر الإسلامى العربى، والنتيجة الطبيعية لهذا المزج الخروج بفكر منحرف مجافٍ لإسلامنا وحضارتنا تماماً كما حدث مع أصحاب الفرق من المعتزلة والمتكلمين وغيرهم ممن تأثروا بالفكر الفلسفى اليونانى والفارسى والهندى، وخرجوا بأصول ومناهج كان لها أثرها السئ فيما أثير حول السنة من شبهات (٢) . ... فكثير من المستشرقين المعتدلين لم تكن كتاباتهم إنصافاً للإسلام والمسلمين، وإنما مرحلة جديدة من مراحل تغريب الأمة الإسلامية فى عقيدتها وفكرها بأسلوب ماكر خبيث ينخدع به المفتونون بهم. ... يقول الأستاذ محمد سرور بن نايف: "وأتحدى أن يكون هناك مستشرق منصف فيما يكتب عن الإسلام والمسلمين" (٣) .

стр. 135

.. ويؤكد ذلك الأستاذ محمد أسد بقوله: "صورة مشوهة للإسلام وللأمور الإسلامية تواجهنا فى جميع ما كتبه مستشرقوا أوربة" (١) . ... فلو أخذنا مثلاً "بروكلمان" (٢) فى كتابيه (تاريخ الأدب العربى) و (تاريخ الشعوب الإسلامية) وهما من المراجع المهمة عند كثير من المتخصصين بعلم التاريخ؛ لأنهما فى نظرهم من المراجع الهامة التى أدت ولازالت تؤدى خدمات جليلة للباحثين فى شتى مجالات العلوم العربية والإسلامية (٣) . لو قرأنا بإمعان هذين الكتابين واللذين هما فى نظر المنتصرين للمستشرقين من المراجع الهامة فى التعريف بإسلامنا وتاريخنا، وصاحبه من المعتدلين، لرأينا أن صاحبه صليبى، حاقد على الإسلام والمسلمين، وقد تجاوز كل حد فى شططه عن الحق وإعراضه عن الصواب، وبعده عن الموضوعية والتحرر، ولم يترك مركباً للدس والتضليل إلا امتطاه، وذلك بترديده أقوال من سبقه من المستشرقين، ولكن بأسلوب ماكر دس فيه السم بالدسم. فى كل ما كتبه عن القرآن الكريم والسنة المطهرة والنبى ﷺ وصحابته الكرام.

стр. 136

.. فكارل بروكلمان وهو يتحدث عن نبوة محمد ﷺ ، يردد أكاذيب وأباطيل سلفه من اليهود والنصارى فيقول: "وتذهب الروايات إلى أنه اتصل فى رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أما فى مكة نفسها فلعله اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة إلى حد بعيد (١) ، وعن الوحى يردد أكاذيب سلفه؛ بأنه وحى نفسى قائلاً: "لقد تحقق عنده – أى عند الرسول ﷺ أن عقيدة مواطنيه الوثنية فاسدة فارغة، فكان يضج فى أعماق نفسه هذا السؤال: إلى متى يمدهم الله فى ضلالهم، ما دام هو قد تجلى، آخر الأمر، للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟! وهكذا نضجت فى نفسه الفكرة أنه مدعو إلى أداء هذه الرسالة، رسالة النبوة (٢) .

стр. 137

ولا ننسى المستشرق (موريس بوكاى) فى كتابه: "دراسة الكتب المقدسة فى ضوء المعارف الحديثة، فشهادته بصدق القرآن بقوله: "إن القرآن لا يحتوى على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم فى العصر الحديث" (١) وعلى الرغم من أن كلامه على القرآن الكريم لا يسلم من المآخذ، إلا أننا نراه فى موقفه من السنة المطهرة يردد أقوال من سبقه من المستشرقين مشككاً فى صحة نقلها وحجيتها، كقوله: "فقد كتبت أولى الأحاديث بعد عشرات من السنوات من موت محمد ﷺ مثلما كتبت الأناجيل بعد عشرات السنوات من انصراف المسيح، إذن فالأحاديث والأناجيل شهادات بأفعال مضت) (٢) . ثم وصفة لكلام النبى ﷺ ؛ بأنه كلام بشر قد يخطئ ويصيب ... (٣) ، وأن هناك مبادئ للقرآن صريحة فى الأمر دائماً بالرجوع إلى العلم والعقل فى الحكم على الأحاديث (٤) . ... إلى غير هؤلاء من المستشرقين الذين وصفوا بإنصاف الإسلام ونبيه ﷺ (٥) ؛ لأنهم وصفوه ومجدوه بالعبقرية، وبأن دعوته حركة إنسانية إصلاحية، وانخدع بذلك بعض المسلمين غافلين عن السم الذى وراء هذا الدسم (الثناء والمدح) ، وهو تجريد النبى ﷺ من النبوة، ومن مزية أن القرآن الكريم والسنة النبوية وحى من عند الله وأن رسالته ﷺ ربانية صالحة لكل زمان ومكان إلى يوم الدين، وليست حركة إصلاحية إنسانية لم تعد صالحة فى عصرنا هذا، كما يهدف أعداء الإسلام ومن اغتر بهم.

стр. 138

.. يقول الأستاذ محمد سرور بن نايف -بعد أن تحدى أن يكون هناك مستشرق منصف فيما يكتب عن الإسلام والمسلمين- قال: "بل لا يجوز الاعتماد فيما نكتبه عن الإسلام على أقوال المستشرقين ولو كانوا مسلمين وذلك للأسباب التالية: ١- ثبت أن نفراً منهم: أسلم خلال وجوده فى بلدان العالم الإسلامى لغاية فى نفوسهم، وارتدوا عن الإسلام عندما عادوا إلى أوطانهم وأدوا الدور الذى كان مطلوباً منهم. ٢- وبعضهم: كان متخصصاً بالعلوم الفلسفية، واطلع خلال بحثه على مؤلفات ابن عربى وغيره من غلاة الصوفية الذين يؤمنون بالحلول، ووحدة الوجود، أو اطلع على مؤلفات الشيعة والمعتزلة والمتكلمين وباقى الفرق المنتسبة إلى الإسلام، ثم راحوا يكتبون عن الإسلام من خلال تلك الفرق التى أشربوا حبها ووصفوها بأنها صاحبة فكر عقلى ثورى تحررى - مع خروج غلاتها عن الإسلام.

стр. 139

٣- وآخرون منهم: مزجوا بين الإسلام وعادات وتقاليد الغربيين، وهذا المزيج المشوه أسموه إسلاماً، ومن سلم من هذه الانحرافات من المستشرقين (١) لا يستطيع الكتابة بعمق وشمولية عن العقائد الإسلامية أو غيرها من بقية العلوم والمعارف الإسلامية، وهذا ما اعترفت به إحدى المجلات التبشيرية الألمانية قائلة: "إنه رغماً من اطلاع المستشرقين الألمانيين وطول باعهم فى المؤلفات الإسلامية؛ فإن التعليم والعقائد التى تلقى فى المساجد والمعاهد الإسلامية لم تزل خافية علينا" (٢) إن العلوم الإسلامية لها رجالها الذين حفظ الله بهم دينه، وفى طليعتهم الصحابة –رضوان الله عليهم- والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الجهابذة – رضوان الله عليهم أجمعين - (٣) . ٤- هذا بالإضافة إلى جهل معظمهم باللغة العربية ولأبعادها ومراميها، بل إن بعضهم كان لا يعرف كلمة واحدة من اللغة العربية من أمثال "سلفتردى ساس"، و "أليس عرينان" و"جيراردمتر" (٤) .

стр. 140

.. يقول الدكتور السباعى: "وفى جامعة أكسفورد وجدنا رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهودياً يتكلم العربية ببطء وصعوبة، وكان أيضاً يعمل فى دائرة الاستخبارات البريطانية فى ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهناك تعلم العربية، وتلك هى مؤهلاته التى بوأته هذا القسم، ومن العجيب أنى رأيت فى منهاج دراساته التى يلقيها على طلاب الاستشراق: تفسير آيات من القرآن الكريم من الكشاف للزمخشرى "أى والله وهو لا يحسن فهم عبارة بسيطة فى جريدة عادية" ودراسة أحاديث من البخارى ومسلم، وأبواب من الفقه فى أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وسألته عن مراجع هذه الدراسات؛ فأخبرنى أنها من كتب المستشرقين أمثال: جولدتسيهر، ومرجليوث، وشاخت، وحسبك بهؤلاء عنواناً على الدراسات المدخولة المدسوسة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين" (١) . ... يقول الأستاذ سرور: "ليكتب إخواننا المستشرقون المسلمون عن فساد الحضارة الأوربية، وعن انهيار وتفكك الأسرة الغربية، وليقدموا لنا دراسات وأبحاثاً عن عقائد وتصورات المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى، وعن الخرافات والأساطير التى اتخذوها ديناً، وليكشفوا فضائح المستشرقين، وفساد مناهجهم، وليترجموا أمهات الكتب الإسلامية إلى الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية وغيرها من اللغات التى يجيدونها، وليكونوا دعاة إلى اللهعز وجل فى أقوامهم، وليحرصوا على دراسة الإسلام وفهمه فهماً صحيحاً ليس فيه أى غلو أو انحراف، وليعيدوا النظر فى جميع التصورات والمفاهيم المشوهة عن الإسلام التى سبق وأخذوها عن بنى قومهم. هذا ما ننصحهم به ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه أ. هـ. (٢) .

стр. 141

.. وإذا كان ما سبق بيان لموقف المسلمين من كتابات المستشرقين وعدم الاعتماد عليها فى فهم ديننا، ولا الاعتماد عليها فيما نكتبه عن الإسلام ومصادره من قرآن، وسنة، وسيرة، وتاريخ ... إلخ. حتى لو كان هؤلاء المستشرقين مسلمين للأسباب السابقة. فإن هذا لا يعنى أن نلقى تلك الكتابات بعيداً، ونقول: إنها كلام فارغ ... صحيح أن فيه كذباً وتضليلاً: صحيح أنه صادر عن حقد عميق، ولكنه ليس كلاماً فارغاً، ولا يخدمنا فى شئ أن نلقيه بعيداً، ثم نجر اللحاف وننام ... لأن هذا "الكلام الفارغ" هو الحديد والنار اللذان يحاربنا بهما أعداؤنا فى بلادهم وبلادنا. والحديد والنار لا يقابلان إلا بالحديد والنار، وفى ميدان العلم. الحديد والنار، هما العمل، والعمل الطويل نواجه به مكر أعدائنا فإذا كان أعداؤنا يعملون بتخطيط ومكر، فعلينا أن نخطط ونمكر لنفسد عليهم خططهم ومكرهم. وإذا كانوا يكتبون عن الإسلام والمسلمين "كلاماً فارغاً ... فلنشمر نحن عن سواعدنا ولنكتب نحن الشئ المليان أداءً للأمانة التى حملنا الله إياها فى أعناقنا بتبليغ رسالته إلى خلقه كافة. كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) أ. هـ.

стр. 142

الفصل الثالث: أعداء السنة النبوية من أهل الأهواء والبدع حديثاً العلمانية، البهائية، القاديانية ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: التعريف بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع حديثاً وبيان خطرهم المبحث الثانى: موقف أهل الأهواء والبدع حديثاً من السنة النبوية. وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: العلمانيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الثانى: البهائيون وموقفهم من السنة النبوية. المطلب الثالث: القادبانيون وموقفهم من السنة النبوية. المبحث الأول: التعريف بأعداء السنة من أهل الأهواء والبدع حديثاً وبيان خطرهم ... إن من أخبث وأخطر ما يواجه المسلمين فى عصرهم الحاضر انتشار المذاهب اللادينية بينهم من العلمانية (١)

стр. 143

، والبهائية (١)

стр. 144

، والقاديانية (١) ، وغير ذلك من المذاهب الهدامة التى نشأت وترعرعت فى أحضان أعداء الإسلام من اليهودية العالمية والصليبية الحاقدة المستعمرة، فتحت رعاية هؤلاء نشأت تلك المذاهب الفاسدة بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم، وإفساد عقيدتهم، وتفكيك وحدتهم، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية.

стр. 145

.. واستطاع أعداء الإسلام أن يستميلوا كتاباً وأساتذة جامعيين وغير جامعيين وأدباء وشعراء وصحفيين، يحملون أفكار ومعتقدات تلك المذاهب الهدامة، من أبناء الشعوب المسلمة، وينشرونها بأقلامهم وألسنتهم، ليكونوا أكثر تأثيراً فى الأجيال الناشئة (١) . وهؤلاء على حد تعبير الشيخ محمد الغزالى -رحمه الله تعالى- سفراء فوق العادة لليهود والنصارى، والفرق بينهم وبين السفراء الرسميين أن هؤلاء لهم تقاليد تفرض عليهم الصمت، وتصبغ حركاتهم بالأدب، أما أولئك المستشرقين السفراء؛ فوظيفتهم الأولى أن يثرثروا فى الصحف وفى المجالس وأن يختلقوا كل يوم مشكلة موهومة ليسقطوا من بناء الإسلام لبنة، وليذهبوا بجزء من مهابته فى النفوس، وبذلك يحققون الغاية الكبرى من الزحف المشترك الذى تكاتفت فيه الصهيونية والصليبية فى العصر الحديث، إن هؤلاء النفر من حملة الأقلام الملوثة أخطر على مستقبلنا من الأعداء السافرين، فإن النفاق الذى برعوا فيه يخدع الأغرار بالأخذ عنهم، وقد يقولون كلمات من الحق تمهيداً لألف كلمة من الباطل تجئ عقيبها (٢) أ. هـ. ... ويقول الدكتور مصطفى السباعى – رحمه الله تعالى -: ومن المؤسف أن يسير وراء أعداء الإسلام فى الحاضر فئة ممن لا نشك فى صدق إسلامهم من العلماء والكتاب، ولكنهم منخدعون بمظهر التحقيق العلمى "الكاذب" الذى يلبسه هؤلاء الأعداء من المستشرقين والمؤرخين والغربيين عن حقيقة أهدافهم ومقاصدهم، فإذا هم – وهم مسلمون – ينتهون إلى الغاية التى يسعى إليها أولئك – وهم يهود أو مسيحيون أو استعماريون – من إشاعة الشك والريبة فى الإسلام وحملته، من حيث يدرون أو لا يدرون، فالتقى أعداء الإسلام وبعض أبنائه على صعيد واحد لا يشرف هؤلاء ولا أولئك، لا فى ميدان العلم، ولا فى سجل التاريخ.
следующие страницы →