← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢- حفظه ﷻ لنبيه ﷺ من القتل كما قال : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (١) . وإذا فسدت حقيقة القصر؛ فقد فسد المترتب عليها: وهو عدم الاعتراف بحجية السنة المطهرة (٢) . ... يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق (٣) : "والحصر الإضافى بالنسبة إلى شئ مخصوص، يحتاج إلى دليل وقرينة على هذا الشئ المخصوص، ولا دليل عليه سواء أكان سنة أم غيرها. ... فتقديم الجار والمجرور ليس للحصر، وإنما هو لمناسبة رؤوس الآى. بل: لو كان فى الآية حصر إضافى بالنسبة إلى شئ مخصوص: لما جاز أن يكون هذا الشئ هو السنة؛ لأن حفظ القرآن متوقف على حفظها، ومستلزم له بما أنها حصنه الحصين، ودرعه المتين، وحارسه الأمين، وشارحه المبين؛ تفصل مجمله، وتفسر مشكله، وتوضح مبهمه، وتقيد مطلقه، وتبسط مختصره، وتدفع عنه عبث العابثين، ولهو اللاهين، وتأويلهم إ ياه على حسب أهوائهم وأغراضهم، وما يمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم. فحفظها من أسباب حفظه، وصيانتها صيانة له. ... ولقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن فلم يذهب منها - ولله الحمد - شئ على الأمة؛ وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة" (٤) . رابعاً: الدليل التاريخى على تكفله ﷻ بحفظ السنة كما تكفل بحفظ القرآن الكريم:

стр. 212

أنه لو تتبع أعداء الإسلام الحوادث والتاريخ، وتتبعوا السيرة النبوية العطرة؛ لظهر لهم بكل جلاء ووضوح وبما لا يدع مجالاً للشك؛ أن سنة المصطفى ﷺ نالت من العناية والاهتمام لدى المسلمين ما لم تنله سيرة أى عظيم من العظماء، ولا بطل من الأبطال، ولا رئيس من الرؤساء، ولا ملك من الملوك. ذلك أن رسول الله ﷺ فى واقع الأمر ليس إنساناً عادياً، ولا رسولاً عادياً، ولا قائداً يشبه فى أخلاقه وصفاته الإنسانية أحداً، "فهو أفق وحده لا يدانيه أفق" ولذلك كان هو الأسوة، وهو النبراس المضئ. ... أدرك هذه الحقيقة أصحابه وتابعوهم، والمسلمون من بعدهم فعكفوا على نقل، وتدوين وحفظ، وتطبيق كل ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، حتى الحركات والسكنات، وبالجملة. نقلت حياته برمتها وكلياتها وجزئياتها فى عباداته ومعاملاته، فى سلمه وحربه، وفى نومه ويقظته، فى أدق الأمور، وفيما نعده من أسرار حياتنا كمعاشرته، إلى غير ذلك بصورة لم تحظ بها سيرة أحد غيره من البشر. ... وهذا يمثل إشارة قوية إلى أن الله تكفل بحفظ هذه السنة بما هيأ لها من رجال أفنوا أعمارهم فى ضبطها والسهر عليها، وتدوينها، وحفظها، وشرحها، وتمييز صحيحها من سقيمها؛ فنقشوها فى صفحات قلوبهم الأمينة، وفى كتبهم الواعية، فكان تكفله بحفظ كتابه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) . يشمل السنة النبوية حيث قيض الله لها من الرواة الثقات والأئمة الأعلام، ما قيض لكتابه العزيز من ثقات كل قرن، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

стр. 213

.. ولولا إرادة المولى بحفظها، لاندثرت مع تعاقب الدهور لكثرة ما وجه إليها من طعون، ولكثرة ما صادفت من أعداء أضمروا لها شراً، وأرادوا بها سوءاً، فجعلهم الله الأخسرين بما قيض لها من الرجال الأوفياء فى كل عصر، وفى كل جيل، وفى كل مكان (١) . ... وأخيراً فإننا لا نستطيع إلا أن نرتاب فى أمر هؤلاء الناس الذين قرروا إطلاق أنفسهم من ربقة القرآن الكريم وأحكامه، قبل أن يقرروا إطلاقها من مقتضيات السنة وأحكامها. ولكن شق عليهم أن يواجهوا الناس بخروجهم على القرآن الكريم وتعليماته، فأضافوا إلى القرآن الكريم ما لا مضمون له إلا ما تهواه أنفسهم ويتفق مع رغائبهم وأغراضهم ... وكان غرضهم الوحيد من ذلك هو أن يبعدوا السنة عن طريقهم ويقطعوا ما بينها وبين القرآن الكريم من علاقة التفسير والتكامل والبيان. ... وقد سبقهم إلى ذلك - فى عصور سالفة - بعض الزنادقة والمارقين. فما كان حالهم فى الظهور والافتضاح إلا شراً ممن جاهروا بالكفر والعصيان ومحاربة كتاب الله وغدت الأمة الإسلامية تتقى شرهم أكثر مما تتقى مجاهرة الكافر بكفره، والفاسق بفسقه (٢) . ... "نعم" إن الاقتصار على الكتاب رأى قوم لا خلاق لهم، خارجين عن الطريقة المثلى، وخارجين عن السنة المطهرة، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله فضلوا وأضلوا" (٣) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 214

المبحث الثاني: شبهات بُنْيَت على أحاديث من السنة النبوية ويشتمل على تمهيد وثلاثة مطالب: ١ - المطلب الأول: شبهة عرض السنة على القرآن الكريم والرد عليها. ٢_ المطلب الثاني: شبهة عرض السنة النبوية على العقل والرد عليها. ٣_ المطلب الثالث: وفيه الشبه الآتية: ١_ شبهة النهي عن كتابة السنة والرد عليها. ٢_ شبهة التأخر في تدوين السنة والرد عليها. ٣_ شبهة رواية الحديث بالمعنى والرد عليها. ٤_ شبهة كثرة الوضاعين للحديث والرد عليها. تمهيد: بعد أن تحايل أعداء السنة المطهرة على بعض آيات من القرآن الكريم ليحوروا معانيها، ويستدلوا بهذا التحوير على صحة الاحتجاج بالسنة النبوية، نجدهم هنا باسم السنة ونصوصها يستشهدون بها أيضًا على إنكار حجيتها، ويتظاهرون بحرصهم على السنة، بل هم بإنكارهم حجيتها أشد حرصًا على السنة من المؤمنين بحجيتها (١) . وهكذا عكس المشاغبون القضية، ونظروا في السنة النبوية المطهرة، فما وافق دعواهم منها قبلوه، واعترضوا به على منازعيهم واحتجوا به مع وضعه أو ضعفه سندًا ودلالة، وهذا العمل مع جهالته أخطر منطق عكسي في التدليل على فساد الشيء بمادته، نصًّا وأسلوبًا؛ لأنه إذا كان من الخطأ والخطل (٢) والخطر قبول الأحاديث الباطلة والموضوعة، وعزوها إلى رسول الله ﷺ .، فمثله في البطلان رد الأحاديث الصحاح الثابتة بالهوى والعجب والتعالم على الله ورسوله، وسوء الظن بالأمة وعلمائها وأئمتها في أفضل أجيالها، وخير قرونها. إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل في الدين ما ليس منه، أما رد الأحاديث الصحيحة، فيخرج من الدين ما هو منه، ولا ريب أن كليهما مرفوض مذموم: قبول الباطل ورد الحق (٤) .

стр. 215

ولأعداء السنة المطهرة شبهات على عدم حجية السنة بنوها على أحاديث مكذوبة، وضعيفة، وأخرى صحيحة مع ضعف دلالتها على ما احتجوا به. وسوف نذكر تلك الشبهات في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: شبهة عرض السنة على القرآن الكريم والرد عليها . l واستدل بالحديث الأول قديمًا الشيعة الإثنى عشرية كما رواه الكليني في الكافي (١) . والرافضة منهم، والزنادقة كما حكاه الحافظ السيوطي في مفتاح الجنة (٢) ، والطائفة التى ردت الأخبار كلها وناظر الإمام الشافعي واحدًا من أتباعها (٣) ،

стр. 216

وأهل الرأي كما حكاه أحمد أمين في فجر الإسلام (١) . والمعتزلة وهو أحد الأصوب الخمسة عند الإمام القاسم بن إسماعيل الرسي كما سبق في أصول المعتزلة (٢) وحديثًا استدل به الدكتور توفيق صدقي (٣) ، ويحيي كامل أحمد (٤) . l واستدل بالحديث الثاني الدكتور توفيق صدقي (٥) ، والأستاذ جمال البنا (٦) . l واستدل بالحديث الثالث الدكتور توفيق صدقي (٧) . l واستدل بالحديث الرابع الأستاذ جمال البنا (٨) ، كما استدل بحديث "عبد الله بن أبي أوفى" (٩) في وصية النبي ﷺ . في مرض موته بالاقتصار على كتاب الله (١٠) ، ونقل كلام الحافظ ابن حجر مبتورًا، وسبق بيان ذلك كما سبق بيان المراد من الأحاديث المرفوعة والموقوفة بالاقتصار على كتاب الله وحده (١١) .

стр. 217

وحجة المنكرين لحجية السنة النبوية من الروايات السابقة: أنها تفيد عرض السنة على القرآن فما وافق القرآن؛ فهو من السنة، وتكون السنة في هذه الحالة لمحض التأكيد، والحجة هو القرآن فقط، وما خالف القرآن بإثبات حكم شرعي جديد؛ فهو ليس من السنة، ولم يقله النبي ﷺ . ولا حجة فيه. يقول محمد نجيب: "فإذا كانت سنة الرسول وحديثه متفقة مع سنة الله وحديثه فاتباعها حكم من متبعها أنها أحسن من سنة الله، وأنها حديث خير من حديث الله، وليس في هذا إلا تكذيب لله القائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ (١) وهذا يحتم عدم الأخذ بسنة غير الله، وحديث غير الله، ولو كان متفقًا مع كلام الله فاتباعه خلط لدين الإنسان، وخروج عن الدين الخالص لله وحده إذ بذلك يكون الدين خليطًا. أما إذا كانت السنة والحديث غير متفقة مع كلام الله، وحديث الله، وسنة الله، فلا يمكن أن يعمل بها مسلم، أو أن يقبلها (٢) . يقول الدكتور أحمد صبحي منصور: "..... مع أهمية المناقشة بالقرآن لكل ما جاء في التراث من أحكام فقهية وروايات خرافية (٣) . ويقول الأستاذ جمال البنا: "هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكم عليها في ضوء القرآن، فما لا يخالف القرآن يقبل، وما يخالفه يستبعد، فتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها. وتحريم لحم الحمر الأهلية، أمور لانرى مانعًا فيها، ونجد فيها قياسًا سليمًا (٤) . وهكذا اتخذ أعداء السنة من منهج عرض السنة على القرآن الكريم قاعدة ينطلقون منها للتشكيك في حجية السنة المطهرة وهدمها. وهم يصرحون بتلك الحقيقة وأهدافها. ومن قاعدة عرض السنة على كتاب الله ، انطلق أعداء الإسلام من الرافضة والزنادقة يشككون في حجية السنة المطهرة وتابعهم دعاة الفتنة وأدعياء العلم؛ أمثال الدكتور أحمد صبحي منصور، وإسماعيل منصور، ومحمود أبو رية، ومحمد نجيب، وقاسم أحمد وغيرهم ممن سبق ذكرهم وفيما يلي الجواب عن شبهتهم هذه. وتكلم العلماء عن هذا الحديث كلامًا يستلزم أن يكون من أشد الموضوعات أو الضعيف المردود ونختار من أقوالهم ما يأتي: قال الإمام الشافعي: "ما روي هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر.. وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء (٥) . ويعلق الأستاذ أحمد شاكر (٦) في تحقيقه لكتاب الرسالة على هذا الحديث فيقول: "هذا المعنى لم يرد فيه حديث صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع، أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد (٧) .

стр. 218

وقال الإمام بن عبد البر (١) : " وقد أمر الله بطاعته واتباعه أمرًا مطلقًا مجملاً لم يقيد بشئ، كما أمرنا باتباع كتاب الله، ولم يقل وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ، قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث ... وهذه الألفاظ لاتصح عنه ﷺ . عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء، ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه لكتاب الله؛ لأنا لم نجد في كتاب الله ألا يقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسى به، والأمر بطاعته

стр. 219

، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال" (١) أ. هـ. وقال فضيلة الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف معقبًا على تقوية ابن عراق للحديث (٢) ، تبعًا للسيوطى (٣) : "الحديث باطل منكر جدًا، كما قال العقيلي وغيره، ومحاولة المؤلف تبعًا للسيوطي تقويته غلط، فإن الحديث من وضع بعض الزنادقة للتلاعب بالسنة، وغفل السيوطي، ثم المؤلف _ رحمهما الله _ عن هذا المقصد الخبيث" (٤) . أما الحديث الثاني: إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ... إلخ فأخرجه الشافعي (٥) ، والبيهقي (٦) ، ومن من طريق طاووس (٧) ،

стр. 220

وقال الإمام الشافعي: هذا منقطع، وكذلك صنع ﷺ .، وافترض عليه أن يتبع ما أوحي إليه، ونشهد أن قد اتبعه ﷺ . وما لم يكن فيه وحي فقد فرض الله في الوحي اتباع سنته، فمن قبل عنه فإنما قبل بفرض الله قال تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) . قال البيهقي: وقوله في الحديث: "في كتابه" إن صحت هذه اللفظة فإنما أراد فيما أوحى إليه، ثم ما أوحى إليه نوعان؛ أحدهما وحي يتلى، والآخر وحي لا يتلى (٢) . ويشهد لما قاله البيهقي في أن المراد بكلمة "في كتابه" أعم من القرآن، ويشمل الوحي بنوعيه، المتلو، وغير المتلو. قوله ﷺ . لوالد الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم: "والذي نفسي بيه لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد. وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام" (٣) قال الحافظ ابن حجر: المراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده، ويؤيده رواية القرآن وهو المتبادر. وقال ابن دقيق العيد (٤) : الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله، قيل وفيما قال نظر لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ (٥) فبين النبي ﷺ . أن السبيل جلد البكر ونفيه، وجلد الثيب ورجمه، فيما رواه الإمام مسلم عن عبادة بن الصامت ﵃ (٦) قال: قال رسول الله ﷺ :"خذوا عنى. خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا.

стр. 221

البكر بالبكر جلد مائة جلة مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب. جلد مائة والرجم" (١) . قال الحافظ ابن حجر قلت: وهذا أيضًا بواسطة التبيين" (٢) . وقلت: حتى لو صحت هذه اللفظة "في كتابه" وحملت على المتبادر منها وهو القرآن الكريم. فلا حجة في الحديث للمنكرين لحجية السنة، فالحديث عليهم لا لهم؛ لأن ما يحرمه أو يحله الرسول ﷺ .، هو حرام أو حلال في كتاب الله الذي أمر بطاعته، ونهى عن مخالفته ﷺ . . ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح السنة من حديث المقدام بن معد يكرب الكندى (٣) ﵁؛ أن رسول ﷺ . قال: "يوشك الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث من حديثي، فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ . مثل ما حرم الله (٤) . قال الإمام الشافعي معقبًا: فقد ضيق رسول الله على الناس أن يردوا أمره بفرض الله عليهم اتباع أمره (٥)

стр. 222

وقال الإمام البيهقي (٦) : وهذا خبر من رسول الله ﷺ . عما يكون بعده من رد المبتدعة حديثه فوجد تصديقه فيما بعده ﷺ . (٧) . أما قول الدكتور توفيق صدقي: "فهذا الحديث صح أو لم يصح فالعقل يشهد له ويوافق عليه، وكان يجب أن يكون مبدأ للمسلمين لايحيدون عنه" (١) فسيأتى الرد على ذلك في المطلب الثاني (شبهة عرض السنة على العقل) .

стр. 223

(٥) يعني معيار عرض السنة على القرآن بمفهوم أعداء السنة. (١) السنة ودورها في الفقه الجديد ص ٧. (٢) المصدر السابق ص ٢٤٨. (٣) السنة ودورها في الفقه الجديد ص ٢٦٥. (٤) مجلة روزاليوسف العدد ٣٥٦٣ ص ٣٥. (٥) تبصير الأمة بحقيقة السنة ص ١٨ _ ٢٠. (٦) أضواء على السنة ص ١٩، ٣٩١ _ ٣٩٥. (٧) الصلاة ص ٢٧٩. (٨) إعادة تقييم الحديث ص ١٣٦. (١) الحديث والمحدثون ص ٢١١. (١) الآية ٧ من سورة الحشر. (٢) الآية ٨٠ من سورة النساء. (١) انظر: الأم كتاب جماع العلم، باب الصوم ٧/ ٢٨٨، وفي كتاب الصلاة، باب صلاة المريض ١/ ٨٠، ٨١. (٢) الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ٢١٢. (٣) الآيتان ٣،٤ من سورة النجم. (٤) انظر: الإحكام لابن حزم ٢/ ٢١٢. (٥) السنة ومكانتها في التشريع للدكتور السباعي ص ١٦٤. (٦) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٨٧. (٧) ثوبان: هو ثوبان بن بجدر أبو عبد الله مولى رسول الله ﷺ . صاحبي جليل له ترجمة في: الاستيعاب ٢/ ٢١٨ رقم ٢٨٢، واسد الغابة ١/ ٤٨٠رقم ٦٢٤، وتاريخ الصحابة ص ٥٦ رقم ١٧٤، ومشاهير علماء الأمصار ص٦٤ رقم ٣٢٤، والإصابة ١/ ٢٠٤ رقم ٩٦٩. (٨) الدارقطني كتاب الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقئ والحجامة ونحوه ١/ ١٥١ رقم ٤١. (١) انظر: مجلة المنار المجلد ٩/ ٥١٥ رقم ٩١٣. (٢) الدارمي في سنته المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله ١/ ١٥٣، ١٥٤ رقم ٥٨٩ بلفظ: "السنة سنتان: سنة الأخذ بها فريضة: وتركها كفر، وسنة الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيره حرج) . (٣) مكحول: هو مكحول الشامي، أبو عبد الله، ثقة، فقيه كثير الإرسال مات سنة ١١٣هـ. له ترجمة في: تقريب التهذيب ٢ / ٢١١ رقم ٦٨٩٩، والكاشف ٢ / ٢٩١ رقم ٥٦٢٠، وحاشية بن العجمي هامش على الكاشف ٢/ ٢٩١ _ ٢٩٣، والثقات للعجلي ص ٤٣٩ رقم ١٦٢٨، والثقات لابن حبان ٥/ ٤٤٦، ومشاهير علماء الأمصار ص ١٤١ رقم ٨٧٠. (٤) الطبراني في الأوسط ٤ / ٣٩٢ رقم ٤٠١١، وقال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن محمد إلا عيسى تفرد به عبد الله، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى الطبراني في الأوسط، وقال: لم يروه عن أبي سلمة إلا عيسى بن واقد تفرد به عبد الله بن الرومي، ولم أر من ترجمة. انظر: مجمع الزوائد ١/ ١٧٢، وانظر مجمع البحرين في زوائد المجمعين الصغير والأوسط للطبراني ١/ ٢٣٣ رقم ٢٥٦. (٥) انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢٢ رقم ٤٣١٧، ولسان الميزان ٣/ ٢٨٦ رقم ١٢٠٨. (٦) انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٢٧، وإرشاد الفحول للشوكاني ١/ ١٥٥، وأصول الفقه للخضري ص ٢٥٠، ٢٥١. (١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الوضوء، باب لاتقبل صلاة بغير طهور ١/٢٨٢ رقم ١٣٥، ومسلم (بشرح النووي) كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة ١/ ١٠٤ رقم ٢٢٥ واللفظ له. (٢) أخرجه الترمذي في سننه كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في المنى والمذي ١/ ١٩٣ رقم ١١٤، وقال هذا حديث حسن. (٣) عمران بن حصين: صاحبي جليل له ترجمة في: الاستيعاب ٣/ ١٢٠٨ رقم ١٩٦٩، واسد الغابة ٤/ ٢٦٩ رقم ٤٠٤٨، وتاريخ الصحابة ص ١٨٣ رقم ٩٤٩، ومشاهير علماء الأمصار ص ٤٨ رقم ٢١٨، والإصابة ٣/٢٦ رقم ٦٠٢٤. (٤) أخرجه البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب التميم باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء ١ / ٥٣٣ رقم ٣٤٤، وأخرجه مسلم (بشرح النووي) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة ٣٠٠/ ١٩٩ رقم ٦٨٢. (٥) الآية ٦ من سورة المائدة. (١) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعرى ﵁ البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ .: " من حمل علينا السلاح فليس منا" ١٣/ ٢٦ رقم ٧٠٧١ ومسلم (بشرح النووي) كتاب الإيمان باب قول النبي ﷺ . من "حمل علينا السلاح فليس منا" ١ رقم ١٠٠. (٢) أخرجه مسلم (بشرح النووي) كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ٦/ ٤٧٩ رقم ١٨٤٨. (٣) الآية ٣٣ من سورة المائدة. (٤) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعور رضى الله عنه، البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب الديات، بال قول الله تعالى "النفس بالنفس والعين بالعين" ١٢/ ٢٠٩ رقم ٦٨٧٨، ومسلم (بشرح النووي) كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم ٦/ ١٧٩ رقم ١٦٧٦. (٥) الآية ٢١٧ من سورة البقرة. (٦) منزلة السنة من الكتاب للأستاذ محمد سعيد منصور ص ٤٩٩، وانظر: الموافقات للشاطبي ٤/ ٩ _ ١٤. (٧) الآية ٧ من سورة الحشر. ﷺ . ﷺ .

стр. 224

عنه كقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) . ومثال السنة المحرمة: قوله ﷺ . " لايجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها (٢) فأصل ذلك التحريم في الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾ (٣) . وهذا استدلال من لا يرى استقلال السنة بالتشريع، وقد عرفت مما سبق استدلال من يرى استقلالها. فأمثال هذه السنة سواء كانت (واجبة أو محرمة) الأخذ بها هدى وتركها بعدم فعلها إذا كانت واجبة، وفعلها إذا كانت محرمة (ضلالة) كما في الحديث، وهو ما يتمشى مع تعريف الواجب والحرام عند الأصوليين. فالواجب: مرادف للفرض عند الجمهور، هو ما طلب الشارع فعله على وجه اللزوم بحيث يأثم تاركه وقال الآمدى: "والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببًا للذم شرعًا في حالة ما" (٤) . أما الحرام فهو ضد الواجب: قال الآمدى: والحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببًا للذم شرعًا بوجه ما من حيث هو فعل له (٥) . أما قوله ﷺ . في الحديث: " وسنة في غير فريضة"؛ فالمراد بذلك السنة المباحة والمندوبة وقوله: "الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة" أي في فعلها ثواب، وليس في تركها عقاب، وهذا هو "المباح والمندوب" عند أهل الأصول. فالمندوب: هو ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، أو هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير حتم (٦) .

стр. 225

وقال الآمدي: فالواجب أن يقال: هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا (١) ومن ومن أسمائه: النافلة، والسنة، والمستحب، والتطوع وذلك عند الجمهور (٢) . ومثاله: الرواتب مع الفرائض، وصلاة العيدين، والاستسقاء، والكسوف، وصدقة التطوع ... إلخ والأصل في ذلك حديث الأعرابي الذي علمه النبي ﷺ . شرائع الإسلام وفرائضه، وأنه ليس عليه غيرها إلا أن التطوع "فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله على شيئًا، فقال رسول الله ﷺ .: "أفلح أن صدق. أو دخل الجنة إن صدق" (٣) . والمباح: هو ما خير الشارع المكلف فيه بين فعله وتركه من غير مدح ولا ذم (٤) . وقال الأمدى: والأقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعى على خطاب الشارع بالتخيير فيه الفعل والترك من غير بدل (٥) . ومن أسمائه: الحلال، والمطلق، والجائز (٦) ، ومثاله قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَة﴾ (٧) . وقوله: "لحمزة بن عمرو الأسلمي (٨) لما سأله عن الصيام في السفر: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر" (٩) .

стр. 226

فأمثال هذه السنن المباحة والمندوبة الأخذ بها فضيلة ويثاب ويمدح الإنسان على فعلها، وإن تركها لم يكن مخطئًا، ولا عقاب ولا لوم عليه. وأصل هذه السنن في كتاب الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) . فهذا هو معنى الحديث على فرض صحته، فأين الدلالة فيه على عدم حجية السنة ووجوب عرضها على كتاب الله؟!! وبعد هذا ما قاله أهل العلم في أحاديث عرض السنة المطهرة على القرآن الكريم، التى أسس عليها أعداء الإسلام منهجًا خاصًا بهم في الحكم على صحة السنة بوجوب عرضها عل الكتاب. فما وافقه؛ فهو حجة، وما خالفه ولو مخالفة ظاهرة يمكن الجمع بينهما؛ فباطل مردود ليس من السنة. وهذا منهج باطل، مردود، عماده الكذب والخديعة: لأنه يفضي إلى نفي حجية السنة النبوية التى لها دور في بيان الكتاب وتفسيره، أو التى أفادت حكمًا مستقلاً: لأن كلاً من النوعين غير موجود فيه، فتكون وظيفة السنة مقصورة على تأكيد القرآن فقط، وبالتالى الحجة فيه وحده، ولا حجة في السنة على أي حكم شرعي بذاتها؛ لأنها لو كانت حجة على شئ لما توقف ذلك على ثبوت الشئ بحجة أخرى، وهذا كلام باطل لا يصح؛ لأن أحاديث العرض عند عرضها على كتاب الله وجدناها مخالفة لما فيه؛ لأنه لا يوجد في كتاب الله أن لا يقبل من حديث رسول الله ﷺ . إلا ما وافق كتاب الله بل يوجد في كتاب الله إطلاق التأسى به، والأمر بطاعته مطلقة من غير تقييد، والتحذير من مخالفة أمره جملة على كل حال. وكما سبق من قول الأئمة: البيهقي، وابن عبد البر، وابن حزم (٢) ومن ثم فقد رجعت أحاديث العرض على نفسها بالبطلان، ثم إنه ورد في بعض طرقها عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .: " إنه سيأتيكم منى أحاديث مختلفة، فما أتاكم موافقًا لكتاب الله وسنتى فهو مني، وما أتاكم مخالفًا لكتاب الله وسنتى فليس مني" (٣) .

стр. 227

قال البيهقي: تفرد به صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف لا يحتج بحديثه (١) . قال السيوطي: قلت: ومع ذلك فالحديث لنا لا علينا: ألا ترى إلى قوله: "موافقًا لكتاب الله وسنتى" (٢) . ومع أن أحاديث عرض السنة على القرآن الكريم لا وزن لها سندًا عند أهل العلم كما سبق، إلا أن معناها صحيح وعمل بها المحدثون في نقدهم للأحاديث متنًا فجعلوا من علامات وضع الحديث مخالفته لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية والعقل. إلا أنهم وضعوا لذلك قيدًا وهو استحالة إمكان الجمع والتأويل، فإذا أمكن الجمع بين ما ظاهره التعارض من الكتاب أو السنة أو العقل _ جمعًا لا تعسف فيه يصار إلى الجمع والقول معًا ولا تعارض حينئذ، وإن كان وجه الجمع ضعيفًا باتفاق النظار، فالجمع عندهم أولى (٣) . وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، وإلا فلنتعرف على الناسخ والمنسوخ فنصير إلى الناسخ ونترك المنسوخ، وإلا نرجح بأحد وجوه الترجيحات المفصلة في كتب الأصول وعلوم الحديث (٤) ، والعمل بالأرجح حينئذ متعين، وهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسًا، جهلاً به أو عنادًا كما قال الشاطبي (٥) .

стр. 228

وإن لم يتمكن العالم من ذلك للتعادل الذهني فاختلفوا على مذاهب منها: ١_ التخيير ٢_ تساقط الدليلين والرجوع إلى البراءة الأصيلة ٣_ الأخذ بالأغلظ ٤_ التوقف. ومعلوم بأن التوقف هنا حتى يمكن الجمع أو التأويل أو الترجيح. وكل ما سبق قال به من المعتزلة صاحب المعتمد في أصول الفقه في باب الأخبار المعارضة، وباب ما يترجح به أحد الخبرين على الآخر" (١) . قال الحافظ ابن حجر: "فصار ما ظاهرة التعارض واقعًا على هذا الترتيب الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، والترجيح إن تعين، ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر، إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفى عليه وفوق كل ذي علم عليم" (٢) . ولا أعلم نقلاً عن أحد من العلماء برفض ورود الحديث بمجرد المخالفة الظاهرية مع القرآن الكريم، أو السنة، أو العقل مع إمكان الجمع، أو التأويل، أو الترجيح، حتى من نقل عنهم الأصوليون إنكار الترجيح وردوا عليهم إنكارهم، قالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف (٣) . نعم لم ينقل رد السنة وجحدها بمجرد المخالفة الظاهرية إلا عن أهل البدع والأهواء كما حكاه عنهم الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام (٤) ، وتابعهم ذيولهم في العصر الحديث من أصحاب المذاهب اللادينية. وقصاري القول: إن أهل العلم مجمعون على أن السنة الصحيحة لا تخالف كتاب الله ، ولا تخالف سنة أخرى صحيحة مثلها، ولا تخالف العقل، وما يبدوا حينًا من تعارض هو من سوء الفهم لا من طبيعة الواقع، كما قال فضيلة الشيخ محمد الغزالي _ رحمه الله تعالى _: لا يتعارض حديث مع كتاب الله أبدًا، وما يبدو من تعارض هو من سوء الفهم لا من طبيعة الواقع " (٥) .

стр. 229

وعن دعوى تعارض الأحاديث مع بعضها يقول الحافظ ابن خزيمة: "لا أعرف أنه روى عن النبي ﷺ . حديثان بإسنادين صحيحن متضادين، فمن كان عنده فليأتي به لأؤلف بينهما " (١) . قال الإمام ابن حزم: ليس في الحديث الذي صح شيء يخالف القرآن الكريم ولا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف لما في القرآن أصلاً، وكل خبر شريعة فهو إما مضاف إلى ما في القرآن ومعطوف عليه ومفسر لجملته، وإما مستثنى منه لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث. فإن احتجوا بأحاديث محرمة أشياء ليست في القرآن قلنا لهم: قد قال الله ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) فكل ما حرمة رسول الله ﷺ . مثل الحمار الأهلي، وسباع الطير، وذوات الأنياب (٣) ، وغير ذلك؛ فهو من الخبائث، وهو مذكور في الجملة المتلوه في القرآن ومفسر لها، والمعترض بها يسأل: أيحرم أكل عذرته أم يحلها؟ فإن أحلها خرج عن إجماع الأمة وكفر، وإن حرمها؛ فقد حرم ما لم ينص الله تعالى على اسمه في القرآن، فإن قال هي من الخبائث قيل له: وكل ما حرم ﵇؛ فهو كالخنزير، وكل ذلك من الخبائث. فإن قال قد صح الإجماع على تحريمها، قيل له: قد أقررت بأن الأمة مجمعة على إضافة ما جاء عن النبي ﷺ . من السنن إلى القرآن الكريم، مع ما صح عنه ﷺ . قال: " لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " (٤) .

стр. 230

فهذا حديث صحيح بالنهى عما تعلل به هؤلاء الجهال (١) . ويقول ابن حزم في موضع آخر: "إذا تعارض الحديثان، أو الآيتان، أو الآية والحديث، فيما يظن من لا يعلم، ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها، وكل من عند الله ، وكل سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق" (٢) . ويتأيد ما قاله ابن حزم بما قال الإمام الشاطبي عند كلامه على حديث العرض: "ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله _ الحديث" قال: "إن الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول _ ﵊ _ معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة، وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه _ ﵊ _ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 231

المطلب الثاني: شبهة عرض السنة النبوية على العقل والرد عليها لم يكتف أهل الزيغ والهوى بعرض السنة المطهرة على القرآن الكريم للحكم عليها قبولاً أو رفضًا، وإنما سلكوا مسلكًا آخر في الحكم عليها والتشكيك فيها بعرضها على العقل (الصريح) ، فما وافقه قبل ولو كان آحادًا _ صح أو لم يصح _ وما لم يوافقه _ حتى ولو مع إمكان التأويل _ ردوه ولو كان متواترًا صحيحًا. وهذا المسلك والمنهج (عرض السنة على العقل بالمفهوم السابق من أصول أهل الكفر والبدع والأهواء كما حكاه عنهم الأئمة: ابن قيم الجوزية، وابن أبي العز، وابن قتيبة، والشاطبي. يقول ابن قيم الجوزرية: وبالجملة فمعارضة أمر الرسل أو خبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار" (١) . ويقول ابن أبي العز (٢) : "كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولاً، فما وفقه قال: إنه محكم، وقبله، واحتج به، وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم رده، وسمى رده تقويضًا، أو حرفه وسمى تحريفه تأويلاً (٣) . ويقول الشاطبي في باب (مأخذ أهل البدع بالاستدلال) : "ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها مخالفة للعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها، ولما ردوها بتحكم العقول كان الكلام معهم راجعًا إلى أصل التحسين والتقبيح العقليين، فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التى بنى عليها أهل الابتداع في الدين،

стр. 232

بحيث أن الشرع إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه (١) . وبهذه الشبهة قال أهل الزيغ والهوى حديثًا: مثل محمود أبو رية (٢) ، وقاسم أحمد (٣) ، وسعيد العشماوي (٤) ، ومحمد شحرور (٥) ، وإسماعيل منصور (٦) ، وجمال البنا (٧) ، ونصر أبو زيد وغيره. ومن الأحاديث التى يستشهد بها خصوم السنة المطهرة في وجوب عرضها على العقل، ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .:" إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولاتنكرونه، قلته أو لم أقله، فصدقوا به، وإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني بحديث تنكرون، لا تعرفونه، فكذبوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف" (٩) . وهذا الحديث استدل به قديمًا: الطائفة التى ردت الأخبار كلها، وناظر الإمام الشافعي واحدًا من أتباعها كما حكاه الإمام الشافعي عنهم (١٠) . واستدل به حديثًا؛ الدكتور توفيق صدقي (١١) ، والأستاذ جمال البنا (١٢) ، وغيرهم ممن سبقوا. ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أنه يفيد في نظرهم وجوب عرض ما نسب إلي النبي ﷺ . على المستحسن المعروف عن الناس _ حتى ولو كانوا أهل زيغ وضلالة _ فما وافق عقول هؤلاء الناس؛ فهو من السنة حتى ولو لم يقله النبي ﷺ . فعلاً، وما خالف تلك العقول، فكذب ليس من سنة النبي ﷺ .، ولم يقله حتى ولو جاء متواترًا صحيحًا فالحجة عندهم في تلك العقول لا في السنة النبوية المطهرة. الجواب عن الحديث:

стр. 233

هذا الحديث الذي استشهد به خصوم السنة المطهرة روي من طرق مختلفة كلها ضعيفة لا يصلح شيء منها، بل ولا بمجموعها للاحتجاج والاستشهاد. وكشف عن ذلك علماء الحديث. فقال الإمام البيهقي: "قال ابن خزيمة: في صحة هذا الحديث مقال، لم نر في شرق الأرض ولا غربها أحدًا يعرف خبر ابن أبي ذئب (١) من غير رواية يحيي بن آدم (٢) ، ولا رأيت أحدًا من علماء الحديث يثبت هذا عن أبي هريرة. وهو مختلف على يحيي بن آدم في إسناده ومتنه اختلافًا كثيرًا يوجب الاضطراب، منهم من ينكر أبا هريرة، ومنهم من لا يذكر ويرسل الحديث، ومنهم من يقول في متنه: "إذا رويتم الحديث عنى فاعرضوه على كتاب الله" (٣) . وقال البخاري في تاريخه: وقال يحيى بن آدم عن أبى هريرة وهو وهم، ليس فيه أبو هريرة (٤) ، وفي علل ابن أبي حاتم قال: قال أبي: هذا حديث منكر، الثقات لا يرفعونه (٥) . أى لا يرفعون في إسناده فوق المقبري، ليوافق قول البخاري. وقال العقيلي في الضعفاء: ليس له إسناد يصح (٦)

стр. 234

والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١) ، وتعقبه في حكمه الحافظ السيوطي في كتابيه النكت البديعات على الموضوعات (٢) ، واللآلئ المصنوعة (٣) مقويا الحديث بشواهده، ووافقه على ذلك ابن عراق في تنزيه الشريعة (٤) ، وتعقب السيوطي، وابن عراق في تقوية الحديث بشواهده الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف _ رحمه الله تعالى _ وسبق قوله في حديث عرض السنة على القرآن (٥) . كما تعقب الأستاذ المعلمي اليماني الإمام السيوطى في شواهد الحديث بروايتي أحمد وابن ماجة. فالشاهد الأول " رواية أحمد" بين فيه وهمه؛ بأنه ذكرها بسند متن آخر وهو: "المؤمن القوي خير وأفضل ... إلخ (٦) ، والمتن الشاهد في رواية أحمد في سنده أبو معشر (٧) : وهو نجيح السندي، كان أول أمره ضعيفًا، ثم اختلط اختلاطًا شديدًا، وجاء بأحاديث منكرة، ولا سيما في روايته عن سعيد المقبري، وهو الذي روى عنه هذا الحديث الشاهد (٨) ، مع أن سعيدًا نفسه اختلط أيضًا (٩) ، قال الحافظ الهيثمي (١٠) : أبو معشر نجيح ضعفه أحمد وغيره وقد وثق (١١) .

стр. 235

كما تعقب المعلمي اليماني الإمام السيوطي في الشاهد الثاني رواية ابن ماجة؛ بأن في سندها المقبري (١) . وهو عبد الله بن سعيد أبي سعيد، متروك ساقط البتة (٢) . وأمثل شاهد روي في هذا المعنى، واستشهد به الحافظ السيوطي ما أخرجه أحمد والبزار عن أبى حميد وأبى أسيد مرفوعًا: " إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب؛ فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد؛ فأنا أبعدكم منه" (٣) . والحديث أخرجه البخاري في تاريخه بلفظ: " إذا جاءكم الحديث عني يلين قلوبكم، فأنا أمرتكم به "، ثم أخرج من طريق عباس بن سهل عن أبى بن كعب قال:" إذا بلغكم عن النبي ﷺ . ما يعرف ويلين الجلد، فقد يقول النبي ﷺ . الخير، ولا يقول إلا الخير. قال البخاري: هذا أشبه وأصح (٤) . قال البيهقي؛ يعني أصح من رواية من رواه عن أبي حميد، أو أبي أسيد وقد رواه ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد عن القاسم بن سهل، عن أبى بن كعب قال ذلك بمعناه، فصار الحديث المسند معلولاً (٥) . وهذا ما رجحه المعلمي من أربعة أوجه في تحقيقه للحديث في الفوائد المجموعة (٦) . وبالجملة: فالحديث بطرقه وشواهده لايصلح للاحتجاج والاستشهاد.

стр. 236

يقول الإمام الشوكاني: "فهذا الحديث بشواهده لم تسكن إليه نفسي، وإني أظن أن ابن الجوزي قد وفق للصواب بذكره في موضوعاته" (١) . ويشهد لبطلان الحديث ما فيه من إباحة الكذب على النبي ﷺ .:"قلته أو لم أقله فصدقوا به". وفي لفظ: "ما بلغكم عنى من قول حسن لم أقله فأنا قلته". قال ابن حزم:" وهذا هو نسبة الكذب إلى رسول الله ﷺ .؛ لأنه حكى عنه أنه قال: " لم أقله فأنا قلته" فكيف ما لم يقله أيستجيز هذا إلا كذاب زنديق كافر أحمق (٢) ؟. قلت: وفي هذا رد على ما زعمه كذبًا جولدتسيهر من أن المحدثين يقررون "احتجاجًا" مثل حديث "ما قيل من قول حسن فأنا قلته" (٣) . وحسبنا بهذه الطائفة المستشهدة بهذا الحديث أنهم مقرون على أنفسهم، بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله ﷺ . أنه قال: " من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين" (٤) أ. هـ. وعلى فرض صحة الحديث، فلا دلالة فيه على عدم حجية السنة النبوية، فكل ما يدل عليه أنه من أدلة صدق الحديث أن يكون وفق ما جاءت به الشريعة من المحاسن، فإن جاء على غير ذلك كان دليلاً على كذبه، ونحن نقول بذلك على ما هو مقرر عند المحدثين من علامات وضع الحديث، تكذيب الحسن له (٥) . ويقول الحكيم الترمذي (٦) في تأويل الحديث: " قوله ﷺ : " إذا حدثتم عنى بحديث تعرفونه، ولا تنكرونه" فنقول من تكلم بعد الرسول ﷺ . بشئ من الحق، وعلى سبيل الهدي؛ فالرسول ﷺ سابق إلى ذلك القول وإن لم يكن قد تكلم بذلك اللفظ الذي أتى به من بعده،

стр. 237

فقد أتى الرسول ﷺ بأصله مجملاً كما ثبت في صحيح السنة من حديث ابن مسعور ﷺ ، أن رسول الله ﷺ . قال: " ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه" (١) . فلذلك قال: " فصدقوا به قلته أو لم أقله"، أي إن لم أقله بذلك اللفظ الذي يحدث به عنى فقد قلته بالأصل والأصل مؤد عن الفرع، فجاء الرسول ﷺ . بالأصل، ثم تكلم أصحابه والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين من بعده بالفروع، فإذا كان الكلام معروفًا عن المحققين غير منكر؛ فهو قول الرسول ﷺ . قاله أو لم يقله، يجب علينا تصديقه _ وخاصة إذا لم يكن مما يقال من قبل الرأي ولم يرفعوه؛ لأن الأصل قد قاله الرسول ﷺ . وأعطاه لنا، وإنما قال ذلك لأصحابه الذين عرفهم بالحق، فإنما يعرف الحق المحق بهم، وهم أولوا الألباب والبصائر (٢) رضوان الله عليهم أجمعين. أما الشواهد لهذا الحديث وهو متن: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم ... إلخ". فعلى فرض صحته فلا دلالة فيه على وجوب عرض السنة على العقل، فكل ما يدل عليه التثبيت عند سماع الحديث وخاصة إذا كانت فيه ظلمة وركاكة ومجازفات باردة لا يقول مثلها النبي وهذا ما قرره المحدثون، وجعلوه من دلائل الوضع في الحديث وإن صح سنده (٣) . وفي ذلك يقول ابن الجوزي: "واعلم أن الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه في الغالب" وروى عن الربيع بن خثيم (٤)

стр. 238

قال: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكرة" (١) . يقول الأستاذ يحيي المعلمي اليماني: "وعلى فرض صحة الخبر، فلا سبيل إلى أن يفهم منه ما تدفعه القواطع، فمن المقطوع به، أن معارف الناس وآراءهم وأهواءهم تختلف اختلافًا شديدًا، وأن هناك أحاديث كثيرة، تقبلها قلوب، وتنكرها قلوب. وبهذا يعلم أن ما يعرض للسامع من قبول واستبشار، أو نفور واستنكار. قد يكون حيث ينبغي، وقد يكون حيث لاينبغي، وأنما هذا _ والله أعلم _ إرشاد إلى ما يستقبل به الخير عند سماعه، وقد يكون منشأ ذلك: أن المنافقين كانوا يرجفون بالمدينة ويشيعون الباطل، فقد يشيعون ما إذا سمعه المسملون، وظنوا صدقه ارتابوا في الدين، أو ظنوا السوء برسول الله، فأرشدوا إلى ما يدفع عنهم بادرة الارتياب، وظن السوء، ومع العلم بأن بادى الظن ليس بحجة شرعية، عليهم النظر والتدبر، والأخذ بالحجج المعروفة (٢) . وبعد فهذا قول أهل العلم في حديث: "إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه ... إلخ" وشواهده وتبين لنا أنه لا حجة فيه لأعداء السنة وفي منهجهم بعرض السنة على العقل حيث الحكم عليها بالقبول أو الرفض. ونقول أيضًا في بيان تهافت وبطلان شبهة: "عرض السنة على العقل" سائلين القائلين بها: l أيهما الحاكم على الآخر النقل أم العقل؟ l ما أراد بالعقل الصريح الذي ترددونه؟ وما حدوده؟ وما مدى الاتفاق عليه؟ l وهل يتعارض النقل مع العقل؟ وإذا تعرضا فأيهما أحق التقديم؟ وأخيرًا هل أهمل المحدثون _ حقًا _ العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما تدعون؟ الجواب إننا إذا نظرنا في كتب الأصول نجد الإجابة على السؤال الأول أيهما الحاكم على الآخر النقل أم العقل؟ فعند أهل الأصول العلم بالأحكام (الحكم، والحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه) هو القطب الأول من الأقطاب الأربعة التى تندرج تحتها أصول الفقه، من هنا كان لابد من تعريف الحكم حيث له تعلق بالحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه.

стр. 239

فنقول: الحكم لغة: المنع والصرف، ومنه الحكمة للحديدة التى في اللجام، وبمعنى الإحكام، ومنه الحكيم في صفاته سبحانه (١) . وفي الاصطلاح: على المختار من قول الآمدي قال هو: "خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية" (٢) وإذا تبين أن الحكم (خطاب الشارع) علم أنه لا حاكم على المكلفين سوى الله ولا حكم إلا ما حكم به ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ (٣) وهذا بإجماع الأمة سوى من شذ من المعتزلة، حيث حكموا العقل وجعلوه حاكمًا. وأنكر ذلك شارح مسلم الثبوت وقال:" إن هذا مما لايجترئ عليه أحد ممن يدعى الإسلام، بل إنما يقولون: "إن العقل معرف لبعض الأحكام الإلهية سواء ورد به الشرع أم لا. وهذا مأثور عن أكابر مشايخنا أيضًا (٤) . والجمهور من الأصوليين، والمحدثين، والفقهاء، على خلاف ما ذهب إليه العلامة ابن عبد الشكور (٥) ؛ حيث أثبتوا أن المعتزلة حكموا عقولهم، وجعلوها حاكمة لا محكومة بحكم خالقها.

стр. 240

ولهذا فرع علماء الأصول على مسئلة (أنه لا حاكم سوى الله، ولا حكم إلا ما حكم به) فرعوا على ذلك خلافًا للمعتزلة: "أن العقل لايحسن ولايقبح، ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع" (١) . ثم إن الله جعل العقول في إدراكها حدًا تنتهى إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري في إدراك جميع ما كان، وما يكون، وما لايكون، إذا لو كان كيف يكون. فمعلومات الله لا تنتاهي، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوى ما لايتناهي، وهذا قول ابن خلدون (٢) : "واعلم أن الشارع أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا؛ لاطلاعه على ما وراء الحس، والعقل يقف عاجزًا عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة، ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك، وأعلم أن الوجود منحصر في مداركه لايعدوها (٣) . ويقول الشاطبي مبطلا زعم من قال: إن مصالح الدنيا تدرك بالعقل في قوله: "إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع. وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات". ويقول الشاطبي ردًا: "أما إن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع فكما قال، وأما ما قال في الدنيوية فليس كما قال من كل وجه، بل ذلك من بعض الوجوه دون بعض. ولذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة، تبين به ما كان عليه أهل الفترة من انحراف الأحوال عن الاستقامة، وخروجهم عن مقتضى العدل في الأحكام ومن أجل

стр. 241

هذا القصور في تلك العقول وقع الإعذار والإنذار كما قال : ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) . ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق، لم يحتج في الشرع إلا إلى بث مصالح الدار الآخرة، خاصة وذلك لم يكن، وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا والآخرة معًا، وإن كان قصده بإقامة الدنيا والآخرة، فليس بخارج عن كونه قاصدًا لإقامة مصالح الدنيا، حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة، وقد بث في ذلك من التصرفات، وحسم من أوجه الفساد التى كانت جارية، ما لا مزيد عليه. فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها، بعد وضع الشرع أصولها فذلك لا نزاع فيه" (٢) . ومن هنا وجب أن يقدم ما حقه التقديم _ وهو الشرع _ ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العقل؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكمًا على الكامل؛ ولأنه خلاف المعقول والمنقول، ولذلك قال: اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، تنبيها على تقدم الشرع على العقل (٣) . ومن قدم العقل على الشرع لزمه القدح في العقل نفسه؛ لأن العقل قد شهد للشرع والوحي بأنه أعلم منه، فلو قدم عليه؛ لكان ذلك قدحًا في شهادته، وإذا بطلت شهادته؛ بطل قبول قوله، بل إن من قدم العقل على الشرع؛ لزمه القدح في الشرع أيضًا. يقول الإمام الشاطبي: أولاً: "إنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل، لم يكن الحد الذي حده النقل فائدة، لأن الفرض أنه حد له حدًا، فإذا جاز تعديه صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل، فما أدى إليه مثله. ثانيًا: ما تبين في علم الكلام والأصول، من أن العقل لايحسن ولا يقبح، ولو فرضناه متعديًا لماحده الشرع، ولكان محسنًا ومقبحًا، وهذا خلف.

стр. 242

ثالثًا: أنه لو قدم العقل على النقل؛ لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال باطل. وبيان ذلك: أن معنى الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودًا في أفعالهم، وأقوالهم، واعتقاداتهم وهو جملة ما تضمنته. فإن جاز للعقل تعدى حد واحد، جاز له تعدى جميع الحدود؛ لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وتعدى حد واحد هو بمعنى إبطاله، أي ليس هذا الحد بصحيح، وإن جاز إبطال واحد، جاز إبطال السائر، وهذا لايقول به أحد، لظهور محاله" (١) فكان تقديم العقل على النقل _ لا لشئ إلا لأنه عقل _ يتضمن القدح في العقل والنقل _ كما مر وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ويقول الدكتور السباعي _ رحمه الله تعالى _: ولننظر إلى المسألة من ناحة أخرى. ولنفرض أن تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل هذا الذي تريدون أن تحكموه؟ أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إلا وهو ينقض قول من سبقه. أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإن عنايتهم _ عفا الله عنهم _ بالنوادر والحكايات. أعقل علماء الطب، أم الهندسة، أم الرياضيات؟ مالهم ولهذا؟ أعقل المحدثين؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تهمونه بالغباوة والبساطة. أعقل الفقهاء؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم _ في رأيكم _ لعقلية المحدثين. أعقل الملحدين؟ إنهم يرون أن إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة. أعقل المؤمنين بوجود الله؟ فنحن نسألكم: عقل أي مذهب من مذاهبهم ترتضون؟ أعقل أهل السنة والجماعة؟ هذا لا يرضى الشيعة، ولا المعتزلة. أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين فأي عقل ترتضون (٢) ؟ فمجرد الاتفاق على طبيعة العقل الحاكم غير واردة.

стр. 243

يقول ابن قيم الجوزية: "فإن قالوا: إنما تقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص الأنبياء فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه، وهو أنهم جاءوا بما يخالف العقل الصريح هذا وقد شهد الله وكفى بالله شهيدا، وشهد بشهادته الملائكة وأولوا العلم؛ أن طريقة الرسول ﷺ . هي الطريقة البرهانية للحكمة كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم﴾ (٢) فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي كتابًا وسنة معظمة للرشد داعية إلي الخير، والطريقة العقلية _ التقليدية التخمينية هي المأخوذة من رجل _ من يونان _ وضع بعقله قانونا من مقدمتين ونتيجة _ يصحح بزعمه علوم الخلائق وعقولهم، فلم يستفد به عاقل تصحيح مسألة واحدة في شئ من علوم بنى آدم، بل ما وزن به علم إلا أفسده، وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان (٣) . ونقول لمن حكموا عقولهم في شرع الله ، وقدموها عليه: إن تحكيم العقل وهو مخلوق في خالقه بحيث يقولون: يجب عليه بعثه الرسل، ويجب عليه الصلاح والأصلح، ويجب عليه اللطف، ويجب عليه كذا، وكيف يجوز هذا في حق الله مما ورد في صفاته وأسمائه ﷻ _ في كتابه العزيز وسنة نبيه المطهرة؟ وكيف المعجزة؟ وكيف اليوم الآخر، وما فيه من حساب، وعقاب، وجنة، ونار، وميزان، وصراط، وشفاعة ... ؟ إلى آخر ما ينطق به في تلك الأشياء (الإلهيات والنبوات والمعجزات للأنبياء والسمعيات الغيبية) .

стр. 244

نقول: إن قولكم بعقولكم في تلك الأمور _ اعتراضًا _ هذا يجب، هذا يستحيل، كيف هذا. هذا منكم اجتراء على الله ، وعلى عظمته ﷻ ، واعتراض على حكمه وشرعه الحكيم، وتقديم بين يدي الله ورسوله، ومن أجل البارى وعظمه وعظم حكمه وشرعه، لم يجترئ على ذلك، فلله الحجة البالغة والحكمة الكاملة، ولا معقب لحكمه؛ فوجب الوقوف مع قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِه﴾ (٣) . ويكفيك في فساد عقل معارض الوحي قرآنًا وسنة اجتراءه على عصمة ربه . فكيف نجعل العقل حاكمًا على شرعه "كتابًا وسنة"، ونقدمه عليه بعد كل هذا، وكيف نتصور أن الشارع الحكيم يشرع شيئًا يتناقض مع العقول المحكومة بشرعه الحنيف. يقول الدكتور السباعي: "من المقرر في الإسلام أنه ليس فيه ما يرفضه العقل، ويحكم باستحالته ولكن فيه _ كما في كل رسالة سماوية _ أمور قد "يستغربها" العقل ولا يستطيع أن يتصورها (٤) في (الإلهيات والنبوات والمعجزات والسمعيات) فتلك الأمور فوق نطاق العقل وإدراكه، وقد يحصل الغلط في فهمها فيفهم منها ما يخالف صريح العقل، فيقع التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل، فهذا لايدفع (٥) . يقول ابن خلدون:" لأن هذه العقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعديل عليه ... ، فإذا هدانا الشارع إلى مدرك؛ فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادًا وعلمًا، عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع، ونعزل العقل عنه" (٦) .

стр. 245

ويقول في موضع آخر: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح؛ فأحكامه يقينية، لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال ... ، ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذا القضايا، فذلك لقصور في فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك" (١) . وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية: " إن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء؛ لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة. ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار؛ وجد ما خالف النصوص الصريحة الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها. فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد؛ تجد ما يدل عليه صريح العقل، ونحن نعلم قطعا أن الرسل لايخبرون بمحالات العقول، وإن أخبروا بمجازات العقول فلا يخبرون بما يحيله العقل (٢) . ونختم قضية التعارض بين العقل والنقل بسؤال افترضه الإمام يحيي بن الحسين القاسم الرسي العلم الثاني من علمى الأئمة الزيدية (ت ٢٩٨هـ) قال: "فإن قيل: هل يجوز أن تتضاد حجج الله وتختلف، فما تثبته حجة العقل تبطلها حجة الكتاب والسنة، وما تثبته حجة الكتاب والسنة تبطلها حجة العقل؟ فإن قال: نعم.ويكون ذلك ويوجد، استغنى عن مناظرته بجهله، واستدل على كفره بذلك، وخالف الخلق أجمعين، وقال بما لم يقل به أحد من العالمين، وافتضح عند نفسه فلا عن غيره؛ لأنه يزعم أن حجج الله تتناقض وتتضاد، وما تناقض وتضاد فليس بحجة الله على العباد....، ولو تناقضت حججه، لبطلت فرائضه، ولو بطلت فرائضه؛ لبطل معنى إرساله للرسل....، فبان بحمد الله، لكل ذي عقل وفهم وتمميز أن من قال بتناقض حجج الرحمن غير عارف به ولا مقر به، ومن لم يعرف الله ﷻ فلم يعبده، ومن لم يعبده فقد عبد غيره ومن عبد غيره؛ فهو من الكافرين، ومن كان الكافرين فقد خرج بحمد الله من حد المؤمنين، فنعوذ بالله من الجهل والعمى ونسأله الزيادة في الرحمة والهدي" (٣) .

стр. 246

يقول الإمام البيهقي: " وعلى الأحوال كلها حديث رسول الله ﷺ . الثابت عنه: قريب من العقول موافق للأصول، لا ينكره عقل من عقل عن الله الموضع الذي وضع به رسول الله ﷺ .، من دينه، وما افترض على الناس من طاعته، ولا ينفر منه قلب من اعتقد بتصديقه فيما قال واتباعه فيماحكم به، وكما هو جميل حسن من حيث الشرع، جميل في الأخلاق حسن عند أولى الألباب (١) . وأخيرًا هل أهمل المتحدثون _ حقًا _ العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما زعم أعداء السنة النبوية المطهرة؟ هذا السؤال أجاب عنه الشيخ عبد الرحمن المعلمي _ رحمه الله تعالى _ في كتابه الأنوار الكاشفة بقوله: "كلا، راعوا ذلك في أربعة مواطن: أولاً: عند السماع، ثانيًا: عند التحديث، ثالثًا: عند الحكم على الرواة، رابعًا: عند الحكم على الحديث. أولاً: أما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع: فيبدو ذلك واضحًا في اعتمادهم صحة سماع الصبي متى كان مميزًا فاهمًا للخطاب ورد الجواب، سواء كان ابن خمس، أو أقل، وروى ذلك بعد بلوغه الحلم، ومتى لم يكن العقل فهم الخطاب، ورد الجواب لم يصح سماعه حتى قال ابن الصلاح (٢) : وإن كان ابن خمسين سنة (٣) . ويقول المعلمي في شرح ذلك "فالمثبتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحته أو تبعد، لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإذا حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكرة، ذكروه مع القدح فيه وفي الرواي الذي عليه تبعته (٤) .

стр. 247

ويقول الأستاذ أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: المراد بمراعاة العقل عند السماع، فحص التلميذ الواعي وانتباهه لحال الشيخ الرواي، الذي يريد أن يتلقى عنه، قبل سماعه منه، فإذا وجه سيئ الحفظ، أو مضطربًا في الحديث أو شديد التدليس عند التحديث، أو يروى الواهيات، أو المنكرات، أو يسوق الموضوعات والخرافات، أو يقلب الأسانيد أو المتون، أو صاحب بدعة تتصل بحديثه، أو لا تتصل: أعرض عن التحمل عنه، والسماع منه. وكانوا يوغلون، ويدققون جدًا في البحث عن الشيخ والكشف عن حاله قبل الأخذ عنه، حتى يقال لهم: أتريدون أن تزوجوه؟ روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى: "شاذان الأسود بن عامر _ قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوة؟ " (١) . وكثير من طلبة الحديث كانوا لايكتبون عن أحد حتى يسألوه عنه أئمة الشأن الذين يعرفون الرواة، ومن يجوز أن يكتب عنه، ومن لا يحل كتب حديثه للاحتجاج أو الاعتبار، فعن أبى العباس بن باذام قال: قال لي والوليد بن مسلم القرشي: وكنت إذا أردت أن آتي الشيخ أسمع منه شيئًا، سألت عنه قبل أن آيته الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، فإذا رأيًا أن أتيه أتيته" (٢) ونحو ذلك كثير منتشر في أخبار الراوة والمحدثين. وكثيرًا ما كان بعض الطلبة يمتحنون الشيوخ قبل التلقى عنهم، فيقلبون لهم بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، ويركبون عليها المتون، ويسألهم عنها على أنها من أحاديثهم وروايتهم، يفعلون هذا عمدًا: امتحانًا للشيخ قبل السماع منه، فإن انتبه عرفوا ضبطه ومتانة حفظه وشدة يقظته ودقة وعيه، وأخذوا عنه، وإن تلقن وأقر: الحديث المقلوب والمغلوط تركوا الرواية عنه. ومن نماذج مراعاتهم للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع. ١_ ما رواه الدارقطنى في سننه عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الحجاج بن أرطاة (٣) ، وسمعت كلامه، فذكر شيئًا أنكرته، فلم أحمل عنه شيئًا.

стр. 248

وقال يحيى بن سعيد القطان: رأيت الحجاج بن أرطاة بمكة، فلم أحمل عنه شيئًا " (١) . ٢_ وروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله المبارك (٢) ، قال: لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله محرر الجزري الرمى (٣) قاضى الرقة _ لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلى منه" (٤) . ثانيًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند الحديث _ لا عند السماع والتحمل، فيبدو ذلك واضحًا في اشتراطهم العدالة، والضبط في صحة قبولهم للحديث، وتصحيحه. ومن شروط العدالة بعد الإسلام: البلوغ والعقل، فلا يقبل حديث غير البالغ على الصحيح (٥) ، ولا المجنون سواء المطبق والمنقطع إذا أثر في الإفاقة (٦) .

стр. 249

وأما الضبط فيعرف بمدى موافقته لأهل الحفظ، فإن وافقهم غالبًا، ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى، أو في المعنى؛ فهو ضابط محتج بحديثه، وإن وافقهم نادرًا، وكثرت مخالفته لهم والزيادة عليهم فيما أتى به؛ فهو مخطئ مغفل، عديم الضبط، لا يحتج بحديثه، وإلى ذلك أشار الإمام الشافعي _ رحمه الله تعالى _ فيمن تقوم به الحجة؛ فقال: "إذا شارك أهل الحفظ وافق حديثهم" (١) . ويقول أيضًا: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه، بأن الحديث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالة بالصدق منه" (٢) . وقال الخطيب في الكفاية:"باب وجوب اطراح المنكر والمستحيل من الأحاديث" (٣) يقول الأستاذ عبد الرحمن المعلمي: وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بين البطلان، إلا وجدت في سنده واحدًا أو أثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة (٤) . يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: "إن المحدثين الحفاظ المتوسعين في جمع الحديث جرت عادتهم على سماع ما يحدث به من الأحاديث وما لا يحدث به، لأنه ينفع في وجوه كثيرة من علوم الحديث، ولذلك قالوا وقرروا هذا القاعدة، التى عبر عنها الحفاظ يحيى ين معين بقوله: "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش" أى عند تحمل الحديث وتلقيه عن شيوخ الرواية، يجمعون منه ما استطاعوا عن كل شيخ، ولكن عند تحديثهم يفتشون فيما تحملوه من الأسانيد والمتون، فلا يحدثون إلا بالأسانيد المتصلة بالعدول الثقات الضابطين عن مثلهم، والمتون الخالية من الشذوذ والعلة. وما تبين لهم من كذب أو وهم أو بلايا للرواة في الأسانيد، أو الشذوذ، أو علة في المتنون يمكسون عن التحديث بها، ولا يذكرونها إلا مع البيان لما في تلك الأسانيد أو المتنون من ضعف وشذوذ، وربما يحرقون هذه الكتب ويقطعونها، وكل هذا تجده مذكورًا في تراجم طائفة كبيرة من الرواة المجروحين.

стр. 250

ونسوق هنا نموذج من ذلك: جاء في الميزان، وتهذيب التهذيب في ترجمة "خالد بن يزيد بن أبى مالك الدمشقي "قال ابن أبى الحواري" (١) : سمعت يحيى بن معين يقول: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن: "كتاب الديات" لخالد بن يزيد بن أبى مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال أحمد بن أبى الحواري. قد كنت سمعت هذا الكتاب من خالد بن يزيد، ثم أعطيته لابن عبدوس العطار، فقطعه وأعطى للناس فيه الحوائج" (٢) . ثالثًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على الرواة: فهذا يظهر كثيرًا في كتب التراجم، فالأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوى بخبر واحد منكر جاء به فضلاً عن خبرين أو أكثر، ويقولون: للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد: "منكر" أو "باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات والمتثبتون لا يوثقون الراوى حتى يستعرضوا حديثه، وينقدوه حديثًا حديثًا (٣) . رابعًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على متون الأحاديث فهذا واضح في جعلهم من دلائل الوضع في الحديث مخالفته لبدهيات العقل (٤) ، إلا أن ذلك مقيدٌ بعدم إمكان التأويل والمقصود بالتأويل هنا: محاولة التوفيق بين ما ظاهره التعارض بين المنقصول والمعقلو وبشرط:"ألا يسرح العقل في مجال النظر والتأويل _ وهو يوفق _ إلا بقدر ما يسرحه النقل" (٥) . كما أن العقل مقيد بالمستنير بكتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ . الثابتة. وفي ذلك يقول الحكيم الترمذي: "وإنما تعرف، وتنكر العقول التى لها إلى الله سبيل يصل إلى الله ونور الله سراجه والعقل بصيرته، والحق خبئته والسكينة طابعه فرجع إلى خلقه والحق عنده أبلج يضئ في قلبه كضوء السراج يقينًا وعلمًا به كما قال ربيع بن خُيثم: " إن على الحق نورًا وضوءًا كضوء النهار نعرفه، وإن على الباطل ظلمة كظلمة الليل ننكرة".
следующие страницы →