← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يقول الإمام البيهقي: " وعلى الأحوال كلها حديث رسول الله ﷺ . الثابت عنه: قريب من العقول موافق للأصول، لا ينكره عقل من عقل عن الله الموضع الذي وضع به رسول الله ﷺ .، من دينه، وما افترض على الناس من طاعته، ولا ينفر منه قلب من اعتقد بتصديقه فيما قال واتباعه فيماحكم به، وكما هو جميل حسن من حيث الشرع، جميل في الأخلاق حسن عند أولى الألباب (١) . وأخيرًا هل أهمل المتحدثون _ حقًا _ العقل في قبولهم للحديث وتصحيحه كما زعم أعداء السنة النبوية المطهرة؟ هذا السؤال أجاب عنه الشيخ عبد الرحمن المعلمي _ رحمه الله تعالى _ في كتابه الأنوار الكاشفة بقوله: "كلا، راعوا ذلك في أربعة مواطن: أولاً: عند السماع، ثانيًا: عند التحديث، ثالثًا: عند الحكم على الرواة، رابعًا: عند الحكم على الحديث. أولاً: أما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع: فيبدو ذلك واضحًا في اعتمادهم صحة سماع الصبي متى كان مميزًا فاهمًا للخطاب ورد الجواب، سواء كان ابن خمس، أو أقل، وروى ذلك بعد بلوغه الحلم، ومتى لم يكن العقل فهم الخطاب، ورد الجواب لم يصح سماعه حتى قال ابن الصلاح (٢) : وإن كان ابن خمسين سنة (٣) . ويقول المعلمي في شرح ذلك "فالمثبتون إذا سمعوا خبرًا تمتنع صحته أو تبعد، لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإذا حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكرة، ذكروه مع القدح فيه وفي الرواي الذي عليه تبعته (٤) .

стр. 247

ويقول الأستاذ أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: المراد بمراعاة العقل عند السماع، فحص التلميذ الواعي وانتباهه لحال الشيخ الرواي، الذي يريد أن يتلقى عنه، قبل سماعه منه، فإذا وجه سيئ الحفظ، أو مضطربًا في الحديث أو شديد التدليس عند التحديث، أو يروى الواهيات، أو المنكرات، أو يسوق الموضوعات والخرافات، أو يقلب الأسانيد أو المتون، أو صاحب بدعة تتصل بحديثه، أو لا تتصل: أعرض عن التحمل عنه، والسماع منه. وكانوا يوغلون، ويدققون جدًا في البحث عن الشيخ والكشف عن حاله قبل الأخذ عنه، حتى يقال لهم: أتريدون أن تزوجوه؟ روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى: "شاذان الأسود بن عامر _ قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا: أتريدون أن تزوجوة؟ " (١) . وكثير من طلبة الحديث كانوا لايكتبون عن أحد حتى يسألوه عنه أئمة الشأن الذين يعرفون الرواة، ومن يجوز أن يكتب عنه، ومن لا يحل كتب حديثه للاحتجاج أو الاعتبار، فعن أبى العباس بن باذام قال: قال لي والوليد بن مسلم القرشي: وكنت إذا أردت أن آتي الشيخ أسمع منه شيئًا، سألت عنه قبل أن آيته الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، فإذا رأيًا أن أتيه أتيته" (٢) ونحو ذلك كثير منتشر في أخبار الراوة والمحدثين. وكثيرًا ما كان بعض الطلبة يمتحنون الشيوخ قبل التلقى عنهم، فيقلبون لهم بعض الأسانيد في بعض الأحاديث، ويركبون عليها المتون، ويسألهم عنها على أنها من أحاديثهم وروايتهم، يفعلون هذا عمدًا: امتحانًا للشيخ قبل السماع منه، فإن انتبه عرفوا ضبطه ومتانة حفظه وشدة يقظته ودقة وعيه، وأخذوا عنه، وإن تلقن وأقر: الحديث المقلوب والمغلوط تركوا الرواية عنه. ومن نماذج مراعاتهم للعقل في قبول الحديث ورده عند السماع. ١_ ما رواه الدارقطنى في سننه عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الحجاج بن أرطاة (٣) ، وسمعت كلامه، فذكر شيئًا أنكرته، فلم أحمل عنه شيئًا.

стр. 248

وقال يحيى بن سعيد القطان: رأيت الحجاج بن أرطاة بمكة، فلم أحمل عنه شيئًا " (١) . ٢_ وروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله المبارك (٢) ، قال: لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله محرر الجزري الرمى (٣) قاضى الرقة _ لاخترت أن ألقاه، ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلى منه" (٤) . ثانيًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل في قبول الحديث ورده عند الحديث _ لا عند السماع والتحمل، فيبدو ذلك واضحًا في اشتراطهم العدالة، والضبط في صحة قبولهم للحديث، وتصحيحه. ومن شروط العدالة بعد الإسلام: البلوغ والعقل، فلا يقبل حديث غير البالغ على الصحيح (٥) ، ولا المجنون سواء المطبق والمنقطع إذا أثر في الإفاقة (٦) .

стр. 249

وأما الضبط فيعرف بمدى موافقته لأهل الحفظ، فإن وافقهم غالبًا، ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى، أو في المعنى؛ فهو ضابط محتج بحديثه، وإن وافقهم نادرًا، وكثرت مخالفته لهم والزيادة عليهم فيما أتى به؛ فهو مخطئ مغفل، عديم الضبط، لا يحتج بحديثه، وإلى ذلك أشار الإمام الشافعي _ رحمه الله تعالى _ فيمن تقوم به الحجة؛ فقال: "إذا شارك أهل الحفظ وافق حديثهم" (١) . ويقول أيضًا: "ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه، بأن الحديث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالة بالصدق منه" (٢) . وقال الخطيب في الكفاية:"باب وجوب اطراح المنكر والمستحيل من الأحاديث" (٣) يقول الأستاذ عبد الرحمن المعلمي: وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بين البطلان، إلا وجدت في سنده واحدًا أو أثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة (٤) . يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة _ رحمه الله تعالى _: "إن المحدثين الحفاظ المتوسعين في جمع الحديث جرت عادتهم على سماع ما يحدث به من الأحاديث وما لا يحدث به، لأنه ينفع في وجوه كثيرة من علوم الحديث، ولذلك قالوا وقرروا هذا القاعدة، التى عبر عنها الحفاظ يحيى ين معين بقوله: "إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش" أى عند تحمل الحديث وتلقيه عن شيوخ الرواية، يجمعون منه ما استطاعوا عن كل شيخ، ولكن عند تحديثهم يفتشون فيما تحملوه من الأسانيد والمتون، فلا يحدثون إلا بالأسانيد المتصلة بالعدول الثقات الضابطين عن مثلهم، والمتون الخالية من الشذوذ والعلة. وما تبين لهم من كذب أو وهم أو بلايا للرواة في الأسانيد، أو الشذوذ، أو علة في المتنون يمكسون عن التحديث بها، ولا يذكرونها إلا مع البيان لما في تلك الأسانيد أو المتنون من ضعف وشذوذ، وربما يحرقون هذه الكتب ويقطعونها، وكل هذا تجده مذكورًا في تراجم طائفة كبيرة من الرواة المجروحين.

стр. 250

ونسوق هنا نموذج من ذلك: جاء في الميزان، وتهذيب التهذيب في ترجمة "خالد بن يزيد بن أبى مالك الدمشقي "قال ابن أبى الحواري" (١) : سمعت يحيى بن معين يقول: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن: "كتاب الديات" لخالد بن يزيد بن أبى مالك. لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال أحمد بن أبى الحواري. قد كنت سمعت هذا الكتاب من خالد بن يزيد، ثم أعطيته لابن عبدوس العطار، فقطعه وأعطى للناس فيه الحوائج" (٢) . ثالثًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على الرواة: فهذا يظهر كثيرًا في كتب التراجم، فالأئمة كثيرًا ما يجرحون الراوى بخبر واحد منكر جاء به فضلاً عن خبرين أو أكثر، ويقولون: للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد: "منكر" أو "باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات والمتثبتون لا يوثقون الراوى حتى يستعرضوا حديثه، وينقدوه حديثًا حديثًا (٣) . رابعًا: وأما مراعاة المحدثين للعقل عند الحكم على متون الأحاديث فهذا واضح في جعلهم من دلائل الوضع في الحديث مخالفته لبدهيات العقل (٤) ، إلا أن ذلك مقيدٌ بعدم إمكان التأويل والمقصود بالتأويل هنا: محاولة التوفيق بين ما ظاهره التعارض بين المنقصول والمعقلو وبشرط:"ألا يسرح العقل في مجال النظر والتأويل _ وهو يوفق _ إلا بقدر ما يسرحه النقل" (٥) . كما أن العقل مقيد بالمستنير بكتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ . الثابتة. وفي ذلك يقول الحكيم الترمذي: "وإنما تعرف، وتنكر العقول التى لها إلى الله سبيل يصل إلى الله ونور الله سراجه والعقل بصيرته، والحق خبئته والسكينة طابعه فرجع إلى خلقه والحق عنده أبلج يضئ في قلبه كضوء السراج يقينًا وعلمًا به كما قال ربيع بن خُيثم: " إن على الحق نورًا وضوءًا كضوء النهار نعرفه، وإن على الباطل ظلمة كظلمة الليل ننكرة".

стр. 251

فالمحققون هكذا صفتهم يعرفون الحق والباطل وكذلك وعد الله تعالى المتقين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١) . أما العقل المخلط المكب على شهوات الدنيا المحجوب عقله عن الله فليس هو المغنى بهذا؛ لأن صدره مظلم، فكيف يعرف الحق؟ وإنما شرط رسول الله ﷺ . فقال: "إذا جاءكم عنى حديث تعرفونه، ولا تنكرونه" (٢) . قلت: ومما سبق يتبين لنا أن "قاعدة عرض السنة على العقل" في الحكم على السنة النبوية المطهرة، قاعدة مقررة عند المحدثين والفقهاء، وطبقوها فعلاً في قبولهم للأحاديث وتصحيحها، إلا أنها مقيدة باستحالة التأويل بالجمع بين ما ظاهره التعارض بين النقل وما استغربه العقل الواقف عند الحدود التى وضعها له خالقه، فلا يحسن إلا ما حسنه الشرع، ولا يقبح إلا ما قبحه الشرع، ولا يقدم حكمه على حكم رب العباد . وأخيرًا: صدق الفاروق عمر ﵁ قال: " ألا إن أصحاب الرأى أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا، ألا وإنا نقتدى ولا نبتدى، ونتبع ولا نبتدع، ما نضل ما تمسكنا بالأثر" وفي رواية قال: "إياكم ومجالسة أصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنة، أعيتهم السنة أن يحفظوها، ونسوا الأحاديث أن يعوها، وسئلوا عما لا يعلمون، فاستحيوا أن يقولوا لا نعلم، فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل، إن نبيكم لم يقبضه الله حتى أغناه الله بالوحي عن الرأي، ولو كان الرأي أولى من السنة، لكان باطن الخفين أولى بالمسح من ظاهرهما" (٣) .

стр. 252

وقال الحافظ ابن عبد البر: "ومن أعف نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره؛ فهو ضال مضل، ومن جهل كذلك كله أيضًا وتقحم في الفتوى بلا علم؛ فهو أشد عمى وأضل سبيلاً ... واعلم يا أخي: أن القرآن والسنة هما أصل الرأى ... ومن جهل الأصل لم يصل الفرع أبدًا" (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 253

المطلب الثالث:وفيه الشبه الآتية: أولاً: شبهة النهى عن كتابة السنة المطهرة والرد عليها. ثانيًا: شبهة التأخر في تدوين السنة المطهرة والرد عليها. ثالثًا: شبهة رواية الحديث بالمعنى والرد عليها. رابعًا: شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للحديث أضعفت الثقة بالسنة النبوية. والرد عليها. أولاً: شبهة النهى عن كتابة السنة المطهرة وفيما ما يلى: أ _ استعراض الشبهة وأصحابها والرد عليها بما يلي: أولاً: ذكر نماذج من الأحاديث والآثار الواردة في النهى عن كتابة السنة النبوية. ثانيًا: بيان درجة الأحاديث والآثار الواردة في النهى عن كتابة السنة النبوية. ثالثًا: الجواب عن زعمهم بأن النهى يدل على عدم حجية السنة النبوية. رابعًا: بيان علة النهى عن كتابة السنة كما وردت في الأحاديث والآثار التى استشهد بها خصوم السنة على شبهتهم. ب _ بيان علة النهى عن كتابة السنة عند أعدائها والرد على مزاعمهم الآتية: أولاً: أن النهى عن كتابة السنة المطهرة يدل على أن النبي ﷺ . وأصحابه ﵁ أرادوا ألا يكون مع كتاب الله كتاب آخر. ثانيًا: أن النهى يدل على أن النبي ﷺ . وأصحابه ﵁ أرادوا ألا تكون السنة دينًا عامًا دائمًا كالقرآن الكريم. ثالثًا: أن النهى عن الإكثار من التحديث دليل على أن الصحابة ﵁ كانوا يجتهدون في مقابل السنة الشريفة ولا يأخذون بها. رابعًا: أن النهى عن الإكثار من الرواية يدل على حجية السنة، واتهام على من أبى بكر وعمر ﵁ للصحابة بالكذب.

стр. 254

شبهة النهى عن كتابة السنة استعراض الشبهة وأصحابها تتخلص هذه الشبهة في زعم المستشرقين وذيولهم من أعداء السنة: أن السنة النبوية لو كانت حجة لأمر النبي ﷺ . بكتابها، ولعمل الصحابة والتابعون ﵁ أجمعين من بعده على جمعها وتدوينها، حتى يحصل القطع بثبوتها بكتابتها كما هو الشأن في القرآن الكريم، ولكن الثابت أن النبي ﷺ . _ نهى عن كتابتها، وأمر بمحو ما كتب منها، وكذلك فعل الصحابة والتابعون، ولم يقتصر الأمر منهم على ذلك، بل امتنع بعضهم عن التحديث، أو قلل منه، ونهى الآخرون عن الإكثار منه. واستدل بتلك الشبهة بعض غلاة الشيعة حيث ذهبوا إلى عدم صحة النهى عن كتابة السنة النبوية من النبي ﷺ .، وسقم قول من يقول بذلك والذهاب إلى أن النهى عن كتابة السنة والمنع من التحديث بها كان نابعًا من موقف سياسى اتخذه الخليفة أبو بكر، ثم عمر، ومن بعده الخلفاء للحد من نشر فضائل أهل البيت، وتخوفًا من اشتهار أحاديث الرسول ﷺ . في فضل على وأبنائه ما دل على إمامتهم. مضافًا إلى مساس هذا التحديث بأصل مشروعية خلافتهم. وأن روايات منع الكتابة إنما اختلفت في وقت متأخر لتبرير منع الشيخين أبى بكر وعمر_ رضى الله عنهما _ ومن حذا حذوهما. وعلى أساس هذه الشبهة بنى على الشهرستاني (١) كتابه "منع تدوين الحديث أسباب ونتائج" (٢) ، وكذا مرتضى العسكري (٣) في كتابه (معالم المدرستين) (٤) ، وزكريا عباس داود (٥) في كتابه "تأملات في الحديث عند السنة والشيعة (٦) ،

стр. 255

ومروان خليفات (١) في كتابه (وركبت السفينة) (٢) وغيرهم من أعداء السنة (٣) . واتفق المستشرقون مع الشيعة في عدم صحة النهى عن كتابة السنة في أول الأمر في عهد النبوة المباركة، بناءً على رأيهم في السنة النبوية بأنها وضعت على النبي ﷺ . ونسبت إليه، مما هي إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للمسلمين (٤) . وقد تزعم هذه الفرية صنمهم الأكبر "جولدتسيهر"، والذي ذهب إلى أن الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة السنة، والأحاديث الأخرى التى تحث على كتابتها، ما هي إلا أثر من آثار تسابق أهل الحديث في جانب وأهل الرأى في جانب آخر، إلى وضع الأقوال المؤيدة لنزعيتهم المتناقضتين. فأهل الحديث يذهبون إلى كتابة السنة؛ لتكون دليلاً على صحتها والاحتجاج بها. فيقول: " إن الجميع متفقون على أنه لا يمكن إنكار أن تدوين الأحاديث كان له خصوم، وهذه الكراهية للكتابة لم تكن موجودة منذ البداية، ولكنها نشأت بسبب التحامل الذي ظهر فيما بعد (٥) ويقول في موضع آخر: " وفي هذا الموضوع هنالك مجموعتان من الآراء في حالة تناقض، ولكي نبين ذلك لابد لنا من الرجوع إلى حقب زمنية مبكرة من هذا النزاع. وللفريقين آراؤهما الخاصة، وقد سيقت في صورة أحاديث نبوية، فيروى أحد الفريقين قول النبي ﷺ .: "لا تكتبوا عنى شيئًا سوى القرآن، ومن كتب شيئًا فليمحه" (٦) بينما يروى ابن جريج من الفريق الثاني حديثًا عن ابن عمرو؛ أنه سأل النبي ﷺ .: "هل أقيد العلم؟ " فوافقه النبي ﷺ . على ذلك، وعندما سئل عن معنى تقييده أجاب بأنها الكتابة (٧)

стр. 256

وقد حدث حماد بن سلمة أن جد عمرو بن شعيب سأل النبي ﷺ .: هل يكتب كل ما سمعه منه. فأجابه النبي ﷺ .: "نعم" فقال له: في الغضب والرضا؟ قال: نعم؛ فإني لا أقول في الغضب والرضا إلى الحق (١) . ويقول أبو هريرة: "إن رجلاً من الأنصار جلس يسمع من النبي ﷺ . الأحاديث فلم يقدر على حفظها، فشكى ذلك إليه، فقال له النبي ﷺ . "استعن على ذلك بيمينك" (٢) . وباختراع هذه الأحاديث حاول كلا الفريقين المتنافسين أن يقدم الحجج على صحة مذهبه دون أن يكشف أي منهم عن دوافعه. وسبب هذه القناعات الدينية" (٣) . أما ذيول المستشرقين من دعاة اللادينية، فمع اعترافهم بصحة النهى عن كتابة السنة من النبي ﷺ . في أول الأمر _ لعلل سيأتى ذكرها إلا أنهم أعرضوا عن تلك العلل، وسفهوا رأى من يقول بها من أئمة المسلمين من المحدثين والفقهاء وسائر علماء المسلمين إلى يومنا هذا. بالرغم من أن علة النهى عن كتابة السنة في أول الأمر واردة في الأحاديث التى استشهدوا بها على عدم حجية سواء كانت أحاديث مرفوعة أو آثار موقوفة ومقطوعة. وهم في نفس الوقت أعرضوا عن الأحاديث التى تحث على كتابة السنة النبوية وأكثرها مرفوع إليه ﷺ . وأكثر منها موقوف على الصحابة، ومقطوع على التابعين، وفيه حرص كل منهم على كتابة السنة وتدوينها، وهم أنفسهم الذين روى عنهم النهى عن كتابة السنة، والنهى عن الإكثار منها. ولم يبين لنا خصوم السنة سر هذا التناقض الظاهرى في المرويات في الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة؟ مع عدم إقرارهم بعلة وحكمة النهى؟

стр. 257

ولا يمكن أن يقبل منهم الإجابة بأن سر هذا التناقض في الروايات الناهية للكتابة والمرخصة لها _ بأن النهى ناسخ للإذن، وأن هذا النهى من النبي ﷺ . والصحابة والتابعين _ رضى الله عنهم أجمعين _ دليل منهم على أنهم أرادوا ألا يجعلوا الأحاديث دينًا وشريعة عامة؛ كالقرآن، كما ذهب إلى ذلك الدكتور توفيق صدقى وتأثر به الأستاذ محمد رشيد رضا _ ﵀ _ وتابعه في ذلك محمود أبو رية، وجمال البنا، وعبد الجواد ياسين، وغيرهم. إذ لا دليل على ذلك كما سيأتي في موضعه (١) . ثم إن أعداء السنة وهم في إنكارهم لحجية السنة النبوية خلطوا بين النهى عن كتابة السنة وبين تدوينها _ حيث فهموا خطأ أن التدوين هو الكتابة _ وعليه فإن السنة النبوية _ ظلت محفوظة في الصدور لم تكتب إلا في نهاية القرن الأول الهجري، في عهد عمر بن عبد العزيز، وهو فهم غير صحيح، كما سيأتي في شبهة التأخر في التدوين. ثم إنهم خانوا الأمانة العلمية. وهم يؤرخون للسنة المطهرة إذ استدلوا على عدم حجيتها بأحاديث مرفوعة وأخرى موقوفة على الصحابة، ومقطوعة على التابعين _ وكلها تنهى عن كتابتها ومحو ما كتب منها، وجمعوا تلك الأحاديث من كتب الأئمة وهم يستعرضونها تمهيدًا للرد عليها، فنقلوا هذه الأحاديث التى تشير إلى شبهتهم، ولم ينقلوا الرد. فالحافظ الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم، عقد بابا بعنوان "الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتابة العلم"، ثم أتبعه بباب ثان بعنوان "وصف العلة في كراهة كتاب الحديث"، ثم أتبعه بباب ثالث بعنوان "الآثار والأخبار الواردة عن إباحة كتابة العلم" (٢) . وكذلك فعل الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" عقد بابا بعنوان "ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف" ثم أتبعه بباب عنوانه "بيان أن السلف كانوا يكرهون كتابة الحديث" وبعده باب بعنوان "ما ورد في كراهية السلف كتابة العلم، وإنما كانوا يعتمدون على الحفظ" وبعده باب "ذكر الرخصة في كتابة العلم" وأخيرًا باب "استحباب السلف كتابة العلم خشية النسيان" (٣) .

стр. 258

وكذلك فعل الحافظ الدارمي في كتابه السنن: ففي المقدمة عقد بابا وأسماه "من لم ير كتابة الحديث" وأتبعه بباب "من رخص في كتابة العلم" (١) . هذا فضلا عن الأبواب التى تحدثوا فيها عن حجية السنة، فما على خصوم السنة إلا بنقل الباب الذي يؤيدهم في دعواهم "الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتابة العلم" وغض الطرف عن بقية الأبواب التى تفحمهم وتفضح كذبهم وتقيم عليهم الحجة كـ "باب وصف العلة في كراهة كتابة الحديث" وباب "الآثار والأخبار الواردة عن إباحة كتابة العلم". وهذا دأب أعداء الإسلام دائما يتصيدون أدلتهم من تراثنا الإسلامي الخالد، ولا يكلفون أنفسهم شيئا _ فهو قوم تخصصوا في الخيانة العلمية وإلباس الحق ثوب الباطل. وممن سلك ذلك المسلك واستدل بتلك الشبهة من أعداء السنة: "الدكتور توفيق صدقى (٢) ، ومحمود أبو رية (٣) ، وقاسم أحمد (٤) ، وأحمد صبحي منصور (٥) ، وإسماعيل منصور (٦) ، ومحمد شحرور (٧) ، وأحمد حجازي السقا (٨) ، وجمال البنا (٩) ، ومصطفى المهدوي (١٠) ، ونيازي عز الدين (١١) ، ورشاد خليفة (١٢) ،

стр. 259

وعبد الجواد ياسين (١) ، وأحمد أمين (٢) ، وحسين أحمد أمين (٣) ، ومحمد حسين هيكل (٤) وغيرهم. نماذج من الأحاديث والآثار الواردة في النهى عن كتابة السنة النبوية: أولاً: الأحاديث المرفوعة: ١_ حديث أبى سعيد الخدري ﵁؛ أن رسول الله ﷺ . قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن؛ فليمحه؛ وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار" (٥) وفي رواية عنه قال: " استأذنا النبي في الكتابة فلم يأذن لنا" (٦) . ٢_ حديث أبى هريرة ﵁ (٧) قال: كنا قعودًا نكتب ما نسمع من النبي ﷺ .، فخرج علينا؛ فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ فقلنا: ما نسمع. فقال: اكتبوا كتاب الله امحضوا كتاب الله، أكتاب غير كتاب الله، امحضوا كتاب الله أو خلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار. قلنا: أي رسول الله أنتحدث عنك؟ قال: نعم. تحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار

стр. 260

قال فقلنا: يارسول الله أنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم. تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؛ فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه" (١) . ٣_ وروي أيضًا عن زيد بن ثابت مرفوعًا (٢) . ثانيًا: الآثار الموقوفة والمقطوعة: ذهب إلى النهى عن كتابة السنة النبوية جمع من الصحابة والتابعين منهم: ١_ أبو بكر الصديق ﵃ (٣) فعن عائشة _ رضى الله عنها _ قالت: جمع أبى الحديث عن رسول الله ﷺ . وكانت خمسمائة حديث. فبات ليلة يتقلب كثيرًا. قالت فغمنة فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنيه هلمي الأحاديث التى عندك. فجئته بها. فدعا بنار فأحرقها وقال: خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل أئمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثنى. فأكون قد نقلت ذلك" (٤) . وفي رواية أخرى، زاد بعد قوله فأكون قد نقلت ذلك، ويكون قد بقى حديث لم أجده فيقال: لو كان قال رسول الله ﷺ . ماغاب على أبى بكر. إني حدثتكم الحديث ولا أدرى لعلي لم أتتبعه حرفًا حرفًا.

стр. 261

قال الحافظ ابن كثير: هذا غريب من هذا الوجه جدًا، وعلى بن صالح لا يعرف، والأحاديث عن رسول الله ﷺ . أكثر من هذا المقدار بآلاف ولعله إنما اتفق له جمع تلك الأحاديث فقط ثم رأى ما رأى لما ذكر. وقال الحافظ السيوطي (١) أو لعله جمع ما فاته سماعه من النبي ﷺ . وحدثه عنه به بعض الصحابة كحديث الجدة (٢) ونحوه، والظاهر أن ذلك لا يزيد على هذا المقدار، لأنه كان أحفظ الصحابة وعنده من الأحاديث ما لم يكن عند أحد منهم كحديث: (ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض) (٣) ، ثم خشى أن يكون الذي حدثه وهم فكره نقل ذلك، وذلك صريح في كلامه (٤) أ. هـ. ٢_ عمر بن الخطاب ﵁: عن عروة بن الزبير (٥) : أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي ﷺ في ذلك،

стр. 262

فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له، فقال: " إني كنت أردت أن أكتب السنن وإنى ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكتبوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدًا" (١) . ٣_ علي بن أبي طالب ﵁ روى عنه قال: "أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم" (٢) . ٤_ أبو سعيد الخدري ﵁ فعن أبى نضرة قال (٣) : قيل لأبى سعيد لو اكتتبنا الحديث فقال: لا نكتبكم، خذو عنا كما أخذنا عن نبينا (٤) ﷺ . . وعنه من طريق آخر: "قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف، إن نبيكم ﷺ . كان يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنا نحفظ" (٥) . وعنه من طرق آخر: " قال: قلت لأبي سعيد الخدرى ﵁: إنك تحدثنا عن رسول الله ﷺ . حديثًا عجيبًا، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص قال أردتم أن تجعلوه قرآنًا لا، لا، ولكن خذوا عنا، كما أخذنا عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم. (٦) . ٥_ أبو هريرة ﵁ روى عنه أنه قال: نحن لا نكتب ولا نكتب" (٧) . بفتح نون الفعل الأول، وضم نون الفعل الثاني.

стр. 263

وروي عن سيعد بن أبى الحسن (١) قال: "لم يكن من أصحاب النبي ﷺ . أكثر من أبى هريرة حديثًا عن رسول الله ﷺ .، وإن مروان زمن ما كان على المدينة أراد أن يكتب حديثه، فأبى، وقال: "ارووا كما نروى" فلما أبى عليه تغفله فأقعد له كاتبًا لقنًا ثقافًا فجعل أبو هريرة يحدثه ويكتب الكاتب، حتى استفرغ حديثه أجمع، قال: ثم قال مروان: تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟ قال: "وقد فعلتم؟ قال نعم. قال فاقرءوه على إذا، قال: فاقرؤوه عليه، فقال أبو هريرة: أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعنى تمحه، قال: فمحاه" (٢) . ٦_ ابن عباس _ رضى الله عنهما _ روى عنه أنه قال: "إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه" (٣) وفي رواية قال: "إنا لا نكتب في الصحف إلا الرسائل والقرآن" (٤) . ٧_ ابن مسعود ﵁ روى عنه: أن علقمة (٥) جاءه بكتاب أو صحيفة من مكة أو اليمن فيها أحاديث في أهل بيت النبي ﷺ . فدعا جاريته ثم دعا بطست فيها ماء فجعل يمحوها ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ (٦) القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه (٧) .

стр. 264

وفي رواية لابن عبد البر زيادة قال أبو عبيد (١) : يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، لهذا كره عبد الله النظر فيها (٢) . وفي رواية للدارمي عن مرة الهمداني (٣) ، قال: جاء أبو مرة الكندي بكتاب من الشام فحمله فدفعه إلى عبد الله بن مسعود، فنظر فيه فدعا بطست ثم دعا بماء فمرسه فيه، وقال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم. قال حصين: فقال مرة: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب (٤) . ٨_ أبو موسى الأشعرى (٥) ﵁ روى عن أبى بردة (٦) قال: كتبت عن أبى كتبًا كثيرة فمحاها وقال "خذ عنا كما أخذنا" (٧) .

стр. 265

وعنه من طريق آخر عن أبى بردة قال: كان أبو موسى يحدثنا بأحاديث فنقوم أنا ومولى لي فنكتبها، فحدثنا يومًا بأحاديث فقمنا لنكتبها فظن أنا نكتبها فقال: "أتكتبان ما سمعتما منى؟ " قالا: نعم. قال: فجيئاني به" فدعا بماء فغسله، وقال "احفظوا عنا كما حفظنا" (١) . وعنه من طريق آخر عن أبى بردة أبى موسى قال كتبت عن أبى كتابًا فقال: "لولا أن فيه كتاب الله لأحرقته، ثم دعا بمركن أو بإجانة (٢) فغسلها، ثم قال: دع عنى ما سمعت منى، ولا تكتب عنى؛ فإنى لم أكتب عن رسول الله ﷺ . كتابًا كدت تهلك أباك" (٣) . ٩_ عمرو بن دينار (٤) _ ﵀ _: روى عن سفيان الثوري (٥) قال: قيل لعمرو: إن سفيان يكتب، فاضطجع وبكى وقال "احرج على من يكتب عنى" قال سفيان: "وما كتبت عنه شيئًا، كنا نحفظ" (٦) . ١٠_ الضحاك (٧) _ ﵀ _: روى عنه أنه قال: "لاتتخذوا للحديث كراريس ككرايس المصاحف" (٨) وعنه من طريق آخر قال: "يأتى على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبقى المصحف بغبارة لا ينظر فيه" (٩) .

стр. 266

١١_ عبيدة السلماني (١) ﵁ _ ﵀ _: " روى عنه أنه دعا بكتبه عند موته، فمحاها وقال: أخشى لأن يليها أحد بعدى، فيضعوها في غير مواضعها (٢) . ١٢_ إبراهيم (٣) _ ﵀ _: روى عن فضيل بن عمرو (٤) قال: قلت لإبراهيم: إني آتيك وقد جمعت المسائل، فإذا رأيتك كأنما تختلس منى وأنت تكره الكتابة قال: لا عليك؛ فإنه ما طلب إنسان علمًا إلا آتاه الله منه ما يكفيه، وقل ما كتب رجل كتابًا إلا اتكل عليه" (٥) . ١٣_ علقمة _ ﵀ _ روى أن مسروق (٦) قال له: أكتب لي النظائر قال: أما علمت أن الكتاب يكره؟ قال: بلى إنما أريد أن أحفظها ثم أحرقها، قال "فلا بأس" (٧) . ١٤_ ابن عون (٨) _ ﵀ _ روى عن حماد بن زيد (٩) قال:

стр. 267

قال لي ابن عوان: "إنى أرى هذه الكتب، يا أبا إسماعيل ستضل الناس" (١) . درجة الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة السنة: تكلم عن بيان درجة الأخبار والآثار الواردة في النهى عن كتابة السنة الشيخ عبد لرحمن المعلمى في كتابه (الأنوار الكاشفة) (٢) ، هذا فضلا عن حكم بعض أئمة الحديث قديما على بعضها، كما مر حكم الذهبي، وابن كثير على رواية أبى بكر الصديق ﵁ وإحراقه للأحاديث التى جمعها، والحافظ الهيثمي تكلم عن بعضها في مجمع الزوائد (٣) . وخلاصة القول في الأحاديث المرفوعة: إنه لم يصح عن النبي ﷺ . في النهى عن كتابة السنة إلا حديث أبى سعيد الخدرى الذي أخرجه مسلم مع اختلاف بعض العلماء في رفعه ووقفه، واعتبروا ذلك علة، فقال الحافظ ابن حجر: "ومنهم من أعل حديث أبى سعيد وقال: الصواب وقفه على أبى سعيد، قاله البخاري وغيره" (٤) . واعتقد أن هذا الرأى مجانب للصواب؛ حيث إن الحديث مخرج في صحيح الإمام مسلم مرفوعا _ كما سبق ويؤيد الرفع أمران: أولاً: ما ذهب إليه جمهور المحدثين وصححوه في مسألة "حكم تعارض الرفع والوقوف من بعض الثقات أو من راو واحد" أن الحكم للرفع كما قال ابن الصلاح؛ لأن الرافع مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيًا فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفى عليه. ويقول الحافظ العراقي في تخريجه الكبير للإحياء عقب حكم اختلف راويه في رفعه، ووقفه الصحيح الذي عليه الجمهور: أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعًا وموقوفًا، فالحكم للرفع؛

стр. 268

لأن معه في حالة الرفع زيادة، هذا هو المرجح عند أهل الحديث (١) . ونحوه قول الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث، ويرفعه إلى النبي ﷺ . مرة، ويذكره مرة على سبيل الفتوى بدون رفع، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا (٢) ، وهذا ما نقله الماوردي عن الشافعي _ رحمه الله_ أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي، والمسند على أنه من قول النبي ﷺ . يعنى فلا تعارض حينئذ (٣) . ثانيًا: على فرض صحة وقف هذا الحديث على أبى سعيد الخدرى ﵁: لكان له حكم المرفوع المسند؛ لأن النهى عن كتابة السنة النبوية _ وهي المصدر الملازم للقرآن الكريم في التشريع الإسلامي، هذا النهى مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا يقال من قبل الرأى، فله حكم المرفوع المسند، جزم به الرازي في المحصول وغير واحد من أئمة الحديث تحسينًا للظن بالصحابي (٤) ، بل وبالصحابة جميعًا الذين امتثلوا لأمر النبي ﷺ . بالنهى عن الكتابة مع وجود علة النهى، والأذن بالكتابة مع عدمها، حفاظًا على القرآن الكريم والسنة النبوية معًا، فما استمدت السنة حجيتها إلا من كتاب الله ، ومن كتاب الله والسنة النبوية معًا استمدت بقية المصادر التشريعية حجيتها. فلأن الحديث مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا مجال للرأى فيه، فحكمه الرفع، ولا سيما وقد رفعه الراوى أيضًا (٥) . وفي صحة هذا الحديث رد على بعض غلاة الشيعة في زعمهم عدم صحة النهى عن كتابة السنة من النبي ﷺ . وأن روايات النهى عن كتابة السنة اختلفت في وقت متأخر لترير منع الشيخين أبى بكر وعمر من حذا حذوهما. وفي ذلك أيضًا إبطال للأساس الذي أسسوا عليه كتبهم في مسألة كتابة السنة وتدوينها كما فعل مرتضى العسكرى، وعلى الشهرستاني، ومروان خليفات وغيرهم ممن سبقوا.

стр. 269

أما الآثار الموقوفة فصحح منها الحافظ الهيثمي رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعري بإسناد الطبراني في المعجم الكبير، والبزار في مسنده وبقية الروايات الموقوفة، وكذا المقطوعة يؤيد بعضها بعضًا، وتصلح حجة في بابها (١) . ويشهد لذلك اعتبار الأئمة؛ كالخطيب، وابن عبد البر، والدارمي وغيرهم اعتمادهم بعض تلك الروايات في بيان موقف الصحابة والتابعين من كتابة السنة، وكراهيتهم للتدوين؛ لعلل سيأتى ذكرها. وفي ذلك رد على المستشرقين التابعين لصنمهم الأكبر "جولدتسيهر" في زعمه؛ بأن أحاديث النهى عن كتابة السنة مخترعة من قبل أهل الرأى لتأييد مذهبهم في إنكار صحة السنة والاحتجاج بها. وفي ذلك يقول الدكتور يوسف العش ردًا على جولدتسيهر: "إنه لم يصب حين قال: إن من ادعى عدم جواز الكتابة هم أهل الرأى، وأن مخالفيهم هم من أهل الحديث، فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين؛ لأن من أهل الرأى من امتنع عن الكتابة كعيسى بن يونس (١٨٧هـ) ، وحماد بن زيد (١٧٩هـ) ، وعبد الله بن إدريس (١٩٢هـ) ، وسفيان الثوري (١٦١هـ) ، وبينهم من أقرها كحماد بن سلمة (١٦٧هـ) ، والليث بن سعد (١٧٥هـ) ، وزائدة بن قدامة (١٦١هـ) ، ويحيي بن اليمان (١٨٩هـ) وغيرهم. ومن المحدثين من كره الكتابة كابن عليه (٢٠٠هـ) ، وهشيم بن بشير (١٨٣هـ) ، وعاصم بن ضمرة (١٧٤هـ) ، وغيرهم، ومنهم من أجازها كبقية الكلاعي (١٩٧هـ) ، وعكرمة بن عمار (١٥٩هـ) ، ومالك بن أنس (١٧٩هـ) وغيرهم (٢) .

стр. 270

الجواب عن زعم أعداء السنة بأن النهى عن كتابة السنة يدل على عدم حجيتها: أما أعداء السنة من دعاة اللادينية فمع اعترافهم بصحة النهى عن كتابة السنة من النبي ﷺ . ومن صحابته الكرام؛ إلا أنهم اتخذوا من ذلك النهى دليلا على عدم حجية السنة النبوية. غاضين الطرف كما سبق وأن أشرت عن علل النهى الواردة في نفس الأحاديث السابقة التى احتجوا بها، بل غاضين الطرف من الأمر الصادر من النبي ﷺ . لأصحابة ﵃ عقب نهيهم عن الكتابة وهو التحديث والتبليغ للسنة النبوية بعد حفظها، وهو نفس الأمر الصادر من الصحابة للتابعين بعد نهيهم عن الكتابة، وعلى نفس الدرب صار التابعون من الناهين للكتابة، أمروا من نهوهم عن الكتابة من تابعي التابعين بحفظ السنة وتبليغها كما حفظوها عن صحابة رسول الله ﷺ . وصدق النبي ﷺ . فيما تنبأ به: "تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم" (١) . يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق _ ﵀ _: "وكيف يكون نهيه ﷺ . دليلا على عدم الحجية والنبي ﷺ . عقب هذا لنهى مباشرة عندما أمر الصحابة بالتحديث عنه، وفي الوقت نفسه يتوعد من يكذب عليه متعمدًا أشد الوعيد، كما في حديث أبى سعيد الخدري الذي رواه مسلم. ويقول ﷺ . في حجة الوداع: " ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه (٢) . ويقول أيضا: نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (٣) ويقول ﷺ . لوفد عبد القيس _

стр. 271

بعد أن أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "احفظوه وأخبروا به من وراءكم" (١) . ويقول: " ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنى وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ . كما حرم الله" (٢) . يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: " أليس الأمر بالتحديث والتبليغ والحفظ، والإبعاد على الكذب عليه أشد الوعيد، والنهى عن عدم الأخذ بالسنة؛ دليلاً على أن السنة لها شأن خطير، وفائدة جليلة للسامع والمبلغ؟ فما هذه الفائدة وما هذا الشأن العظيم؟ أليس هو أنها حجة في الدين، وبيان للأحكام الشرعية. كما يدل عليه تعقيبهصلى الله عليه وسلم. الأمر بالتبليغ والتحديث _ في الروايات السابقة _ بقوله ﷺ .: " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" " احفظوه وأخبروا من وراءكم" وقوله ﷺ . ".. إلا وإن ما حرم رسول الله ﷺ . مثل ما حرم الله " وقوله ﷺ . "وحدثوا عنى ولا حرج" ألا يشعرك هذا القول أن القصد من تبليغ السامع الحديث لمن بعده، أن يأخذ الغائب ما اشتمل عليه الحديث من فقه وحكم شرعي؟ وهل يكون ذلك إلا إذا كان الحديث حجة، ودليلاً تثبت به الأحكام التى تضمنها؟ وهل يصح أن يذهب من عنده ذرة من عقل وإيمان إلى أن أمره ﷺ . بالتحديث والتبليغ إنما كان لمجرد التسلية والمسامرة في المجالس كما يفعل بتواريخ الملوك والأمراء؟ كلا: فإن النبي ﷺ . أجل وأعظم وأشد عصمة من أن يأمر أمته بما لا فائدة فيه، وبما هو مدعاة للهوهم وعبثهم. وإليك ما قاله الشافعي _ تعليقًا على حديث "نضر الله أمرءًا سمع منا شيئًا ... " المتقدم مما فيه تأييد لما ذكرنا لك.

стр. 272

.. قال ﵁: "فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها أمراً يؤديها، والامرء واحد -: دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة فى دين ودنيا، ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه ويكون له حافظاً، ولا يكون فيه فقيهاً" (١) أ. هـ. ... ثم نقول "ولا زال الكلام للدكتور عبد الغنى": لا شك فى أنه ﷺ إنما نص على خصوص الكذب عليه، وخصه بهذا الوعيد الشديد مع دخوله فى عموم الكذب المعلوم حرمته للجميع؛ لأن الكذب عليه ﷺ مستلزم لتبديل الأحكام الشرعية، واعتقاد الحلال حراماً، والحرام حلالاً.وهذا الاستلزام لم يتفرع إلا عن حجية السنة، وأنها تدل على الأحكام الشرعية. ... وإذا أردت أن تتحقق مما قلناه؛ فعليك بما رواه الشيخان عن المغيرة؛ أنه ﷺ قال: "إن كذباً علىَّ ليس ككذب على أحد. فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٢) ثم انظر إلى ما رواه مسلم عن أبى هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يكون فى آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم (٣) .

стр. 273

.. وأخبرنى بربك: إذا لم يكن الحديث عن رسول الله ﷺ حجة، فعلام هذا التحذير من الأحاديث المكذوبة عنه؟ ولم يحصل بها الضلال والفتنة؟ ولو كان المقصود من التحديث بأحاديث رسول الله ﷺ مجرد التسلية واللهو كرواية الأشعار وأخبار العرب وغيرهم أفلا يستوى الصادق منها والكاذب فى هذا المعنى؟ ولو كان هناك فرق بينهما أفيستحق هذا الفرق التحذير الشديد من الضلال والفتنة؟ كلا. ... وبالجملة: فكل ما نقلناه لك من هذه الأحاديث ونحوها يؤيد ما قلناه من حجية السنة، وهو بمثابة التصريح من الرسول ﷺ بذلك عند من له سمع يسمع وعقل يدرك، وهو فى الوقت نفسه صريح فى رغبته ﷺ فى نقل السنة والمحافظة عليها. فكيف مع هذا كله يزعم زاعم بأن نهيه عن كتابتها دليل على رغبته فى عدم نقلها والمحافظة عليها وعلى عدم حجيتها ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) . ... قلت: بل كيف مع هذا يصح زعم زاعم أن نهيه ﷺ عن الكتابة ناسخ للإذن كما ذهب إلى ذلك الأستاذ محمد رشيد رضا (٢) ، وتابعه على ذلك محمود أبو رية (٣) ، وجمال البنا (٤) وغيرهم.

стр. 274

.. وإذا افترضنا صحة هذا القول منهم (١)

стр. 275

، فأين دليل نسخ الإذن بالتحديث والتبليغ الذى هو أبلغ فى حجية السنة كما مر، بل وأبلغ وأقوى من النقل بالكتابة على ما سيأتى فى شبهة تأخر التدوين وهذا الإذن بالتحديث كما هو وارد عن رسول الله ﷺ عقب نهيه عن الكتابة، هو أيضاً وارد عن الصحابة والتابعين عقب نهيهم عن الكتابة انظر إلى قول أبى سعيد الخدرى: "... إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ" وفى لفظ آخر "خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا ﷺ وانظر إلى قول أبى هريرة: "ارووا كما كنا نروى" وأبى موسى الأشعرى "خذ عنا كما أخذنا" وفى لفظ آخر "احفظوا عنا كما حفظنا" وكل هذه الروايات سبقت وهى مما استشهدوا بها على شبهتهم، وروى عن سليم بن عامر (١) ، قال: كان أبو أمامة إذا قعدنا إليه يجيئنا من الحديث بأمر عظيم ويقول للناس: "اسمعوا واعقلوا، وبلغوا عنا ما تسمعون. قال سليم: بمنزلة الذى يشهد على ما علم" (٢) . ... وعن سليم بن عامر قال كنا نجلس إلى أبى أمامة فيحدثنا حديثاً كثيراً عن رسول الله ﷺ فإذا سكت قال أعقلتم بلغوا كما بلغتم (٣) .

стр. 276

.. وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "إنا كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ فأما إذا ركبتم الصعب والذلول، فهيهات (١) أ. هـ. ... وعلى نفس درب الصحابة صار تلاميذهم من التابعين أمروا من نهوهم عن الكتابة بالتحديث بعد حفظهم. انظر إلى قول سفيان الثورى عقب نهى شيخه عمرو بن دينار "وما كتبت عنه شيئاً كنا نحفظ". ... فالصحابة ﵃ صاروا على المنهج النبوى، نهوا عن الكتابة مع وجود علتها، وفى نفس الوقت أذنوا بالكتابة مع الأمن من العلة، وعلى دربهم صار التابعون ﵃، وفى نفس الوقت الكل (النبى ﷺ والصحابة والتابعين) أمروا بالحفظ والتحديث (٢) .

стр. 277

فلا تعارض حينئذ بين كراهيتهم لكتابة الحديث وبين حبهم ورغبتهم فى روايته، على ما زعمه الدكتور حسين الحاج (١) . فهل عند من يزعمون عدم حجية السنة، أو يزعمون أن النهى عن الكتابة ناسخ للأذن؟ هل عندكم دليل لنسخ هذا الأمر النبوى بحفظ سنته وتبليغها للناس كافة؟؟ وإن لم تجدوا دليلاً ولن تجدوا، فعلام يدل عندكم هذا الأمر النبوى-بحفظ سنته وتبليغها؟ هل يدل على مجرد اللهو والعبث؟ أم يدل على أنه ﷺ والصحابة والتابعين أرادوا ألاَّ يجعلوا السنة القولية ديناً وشريعة عامة كالقرآن، كما ذهب إلى ذلك خصوم السنة، وتأثر بهم بعض المسلمين (٢) ، وتلك دعوى يكذبها قول وفعل النبى ﷺ ، ومن صار على دربه إلى يوم الدين، وسيأتى تفصيل ذلك فى: علة النهى عن كتابه السنة عند أعدائها (٣) . علة النهى عن كتابة السنة كما وردت فى الأحاديث والآثار التى استشهد بها خصوم السنة على شبهتهم

стр. 278

.. أشرت فيما سبق عند عرض شبهة النهى عن كتابة السنة إلى أن أصحابها أغمضوا أعينهم عن علة النهى، وسفهوا رأى من يقول بها من أئمة المسلمين من المحدثين والفقهاء، وسائر علماء المسلمين إلى يومنا هذا، بالرغم من أن هذه العلة واردة فى نفس الأحاديث التى احتجوا بها علينا. ... وأولى هذه العلل كما جاء فى الأحاديث: المحافظة على كتاب الله وصيانته عن خلطه بالسنة دون تمييز بينهما. ويبدو هذا واضحاً فى رواية أبى هريرة: "أكتاب مع كتاب الله ... امحضوا كتاب الله أو خلصوه" وهذه الرواية مع ضعف سندها لوجود عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ المتفق على ضعفه (١) ، إلا أن رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى ﵁ والتى أخرجها الطبرانى فى الكبير والبراز فى مسنده بإسناد صحيح، كما قال الحافظ الهيثمى فى مجمع الزوائد (٢) تشهد لصحة رواية أبى هريرة، كما تشهد لصحة هذه العلة؛ ففيها التصريح الذى لا لبس فيه بأن الأحاديث كتبت بجوار القرآن فى صحيفة واحدة بلا تمييز يؤمن معه سلامة القرآن. وهذا قول أبى موسى الأشعرى صريحاً: "لولا أن فيه كتاب الله لأحرقته". ... ففى رواية أبى هريرة، وكذا فى قول أبى موسى الأشعرى ما يبين أن السنة فى عهد النبوة والصحابة كانت تكتب بجوار القرآن فى صحيفة واحدة بلا تمييز يحفظ معه القرآن من اشتباهه بالسنة التى كتبت بجواره. ... ويؤكد ذلك القراءات الشاذة، فما هى إلا تفسير لبعض كلمات القرآن كتبت بجوارها للإيضاح والبيان- ومن فعل ذلك من الصحابة كان محققاً لما تلقاه عن النبى ﷺ قرآناً، وذلك كقراءة ابن عباس-رضى الله عنهما-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)

стр. 279

فى مواسم الحج (١) وكقراءة ابن مسعود ﵁: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ (٢) من أم (٣) ، وكقراءة ابن مسعود ﵁: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٤) متتابعات (٥) . ... فمثل هذا عند الأئمة من القراءات الشاذة، وحكمة التفسير (٦) على خلاف فى العمل به هل له حكم الرفع أم هو مذهب الراوى (٧) ؟ ... وإذا كان هذا يؤكد أنه وجد من الصحابة من يكتب السنة بجوار القرآن فى صحيفة واحدة، مع خطورة هذا الأمر، فقد وجد فى التابعين من يكتب الرأى بجوار السنة ولا يبعد كتابتهم الرأى بجوار القرآن.

стр. 280

.. يدل على هذا ما روى عن الشعبى (١) أن مروان (٢) أجلس لزيد بن ثابت (٣) رجلاً وراء الستر، ثم دعاه فجلس يسأله ويكتبون فنظر إليهم زيد، فقال: يا مروان عذراً إنما أقول برأيى" (٤) وروى عن يحيى بن سعيد (٥) قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب (٦)

стр. 281

، فسأله عن شىء، فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه؛ فأجابه فكتب الرجل فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولينها فناوله الصحيفة فخرقها" (١) . ... وكان مجاهد يقول لأصحابه: "لا تكتبوا عنى كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث. ولعل كل شىء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً" (٢) . ... ومن هنا ندرك صحة علة النهى عن كتابة شىء -فى أول الأمر- سوى القرآن الكريم صيانة لهذا الكتاب المعجز ممن كانوا حديثى عهد بالإسلام ولم يعتادوا على أسلوبه وأكثرهم من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا فى الدين. ... وفى نفس الوقت تعليم للصحابة وللأمة من بعدهم المنهج الأمثل فى المحافظة على هذا الكتاب الخالد. مع العلم بأن النهى فى أول الأمر كان يشمل وقت نزول القرآن أو بعده، ممن يمكن أن تقع فى يده هذه الصحيفة وهو من غير أهل العلم حتى إذا تعلموا الدرس، جاء الإذن بكتابة السنة لمن اعتادوا أسلوب القرآن وتمييزه كعبد الله بن عمرو وغيره ممن أذن لهم النبى ﷺ ، مع استمرار النهى عن كتابة السنة مع القرآن فى صحيفة واحدة حتى وإن كان مميزاً بينهما.

стр. 282

أما رفض دعاة اللادينية وغلاة الشيعة لهذه العلة بحجة أن تلك العلة تعنى جعل الأحاديث من جنس القرآن فى الأسلوب والبلاغة، وفى ذلك إبطال لإعجاز القرآن الكريم (١) . ... فأقول: ليس فى ذلك إبطال لإعجاز القرآن، بل حفاظاً لهذا الإعجاز بمنهج نبوى طبقة النبى ﷺ قولاً وعملاً، واستوعبه الخلفاء وطبقوه كما فهموه من النبى ﷺ ، لأنه إذا كان هناك من كبار الصحابة من يدرك ويميز بين الأسلوب القرآنى وإعجازه وبين الأسلوب النبوى، فهناك من عامة الصحابة من لا يدرك ذلك، وهذا هو حال جميع الناس فى جميع العصور والأمصار وهذا أمر بديهى لا يجادل فيه منصف. ... فكان من المنهج الربانى فى المحافظة على كتابه العزيز النهى عن كتابة ما سواه فى أول الأمر؛ لأنه متعبد بلفظه فى الصلاة وغيرها، ولا يجوز إبدال حرف منه بآخر؛ فكان لابد من المحافظة على هذا الإعجاز ممن لا يدركه فى زمن النبوة المباركة، وجميع العرب فيما بعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين فى جميع العصور. ممن لا يؤمن أن يلحقوا ما يجدون فى الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام رب العباد.

стр. 283

.. أما سؤال بعضهم: لماذا لم يأمر النبىصلى الله عليه وسلم بكتابة السنة فى صحف على حدتها، ويكتب عليها ما يفيد أنها أقوال النبى ﷺ فتتميز السنة على القرآن فلا يؤمن اختلاطهما (١) . فنقول: أذن النبى ﷺ بكتابة سنته المطهرة فى صحف على حدتها، وميزها من أذن له النبى ﷺ بذلك كعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأبى هريرة وغيرهم ممن عددهم الدكتور الأعظمى فى كتابه "دراسات فى الحديث النبوى" (٢) كما أملى النبى ﷺ كثير من سنته المطهرة فى حياته المباركة، وهذا ما استوعبه الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة" (٣) . فالنبىصلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة فى أول الأمر، ثم أذن بعد ذلك، وكان النهى دائر مع الخوف، والإذن دائر مع الأمن وجوداً وعدماً، وكان خلال الإذن كتابات ولكن لم تدون تلك الكتابات فى مكان واحد، كيف والقرآن نفسه كتب فى عهده ﷺ ، ولم يدون فى مكان واحد بين دفتيه إلا فى عهد الصديق ﵁.

стр. 284

.. ومع وجود كتابات فى زمن النبوة فى وقت الإذن إلا أنهصلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة سنته كلها للفرق الشاسع بين حجم القرآن، وحجم السنة التى من وظيفتها الشرح والبيان له، وعادة الشرح أن يكون أكبر حجماً من المشروح، ولو فرض كتابة السنة كلها زمن النبوة كما كتب القرآن الكريم، وأُمن من التمييز بينهما لم يؤمن انشغال الناس بها دون القرآن. وهذه هى العلة الثانية الواردة فى الأحاديث التى تنهى عن كتابة السنة: خشية الانشغال عن القرآن الكريم ومضاهاته بغيره من الكتب حتى ولو كانت السنة. ... والمراد بالانشغال بالسنة عن القرآن الكريم تقديمها فى الاهتمام بها قبل الاهتمام أولاً بكتاب الله مما يؤدى إلى ترك كتاب الله وإهماله وهذا ما صرح به الفاروق عمر ﵁ بعد عدوله عن تدوين السنة وموافقة الصحابة "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً" (١) وإعلان سيدنا عمر ﵁ هذا على ملأ من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وإقرارهم بذلك يدل على استقرار أمر هذه العلة فى نفوسهم (٢) . ... وأكثر صراحة من ذلك فى تأكيد المراد بالانشغال بالمعنى السابق قول الضحاك-﵀ "يأتى على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبق المص-حف بغبارة لا ينظر فيه".

стр. 285

.. وعن أبى خالد الأحمر (١) قال: "يأتى على الناس زمان تعطل فيه المصاحف، لا يقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأى، ثم قال: أياكم وذلك؛ فإنه يصفق الوجه، ويكثر الكلام، ويشغل القلب" كما كان الخوف من التشبه بالقرآن الكريم فى شكله، وفى ذلك يقول أبى سعيد الخدرى ﵁: "أتريدون أن تجعلوها مصاحف" ويقول الضحاك: "لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف" وروى عن إبراهيم النخعى: أنه كان يكره أن يكتب الحديث فى الكراريس ويقول: "يشبه بالمصاحف" (٢) . كذا كان هناك خوف من التشبه بالقرآن فى روايته باللفظ وعدم إجازة رواية السنة بالمعنى، وذلك واضح فى رواية أبى سعيد الخدرى لما قال له أبو نضرة: إنك تحدثنا عن رسول الله ﷺ حديثاً عجيباً، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص" فكانت إجابة أبى سعيد: "أردتم أن تجعلوه قرآناً لا، لا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله ﷺ (٣) ، وفى رواية ابن المبارك فى مسنده "لن أكتبكموه، ولن أجعله قرأناً". وكان يشتد الخوف والغضب إذا كان التشاغل والمضاهاة بكتب أهل الكتاب.
следующие страницы →