← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عقيدة الخوارج فى الصحابة ﵃ وأثر ذلك على السنة المطهرة: للخوارج فى الصحابة ﵃ رأى يخالف رأى الجمهور من المسلمين؛ فهم على اختلاف فرقهم يعدلون الصحابة جميعاً قبل الفتنة، ثم يكفرون عثمان، وعلى، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضى بالتحكيم، وصوب الحكمين أو أحدهما (١) ، وبذلك ردوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم، واتباعهم أئمة الجور على زعمهم، فلم يكونوا أهلاً لثقتهم. أما جمهور المسلمين فقد حكموا بعدالة الصحابة جميعاً، سواء منهم من كان قبل الفتنة أو بعدها، وسواء منهم من انغمس فيها أو جانبها، ويقبلون رواية العدول الثقات عنهم، وكان من آثار هذا الاختلاف فى النظر إلى الصحابة أن هوجمت السنة التى جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الخوارج وهم وإن لم ينغمسوا فى رذيلة الكذب على رسول الله ﷺ . كما فعل غيرهم، نظراً لأنه عندهم كبيرة ومرتكبها كافر (٢) ، ونظراً لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم كانوا غير مستعدين لقبول أفراد من الأمم الأخرى؛ كالفرس، واليهود، والنصارى، وغيرهم ممن يريدون هدم الإسلام واندسوا فى الشيعة، ووضعوا كثيراً من الأحاديث، فضلاً على أنهم كانوا صرحاء لا يعرفون التقية التى يؤمن بها الشيعة (٣) . إلا أن موقفهم من الصحابة جعلهم يردون الأحاديث التى خرجت بعد الفتنة، أو اشترك رواتها بالفتنة، فضلاً عن جهلهم بأحكام القرآن على وجهها الصحيح؛ جعلهم يخالفون جمهور المسلمين فى عقائدهم وأحكامهم الفقهية كما سبق.

стр. 72

يقول فضيلة الدكتور السباعى ﵀: وإنه لبلاء عظيم أن نسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا فى النزاع مع على أو معاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم فى هذا الرأى لا يقلون عن الشيعة خطراً وفساد رأى، وسوء نتيجة، وإذا كان مدار الاعتماد على الرواية هو صدق الصحابى وأمانته، فيما نقل - وقد كان ذلك موفوراً عندهم - وكان الكذب أبعد شئ عن طبيعتهم ودينهم وتربيتهم، فما دخل ذلك بآرائهم السياسية وأخطائهم؟ ... ووصفهم بأوصاف لا تليق بعامة الناس، فكيف بأصحاب رسول الله ﵃ الذين كان لهم فى خدمة الإسلام قدم صدق، لولاها لكنا نتيه فى الظلمات ولا نعرف كيف نهتدى سبيلاً (١) . هل كان الخوارج يكذبون فى الحديث ؟ تحت هذا العنوان نفى الدكتور السباعى فى كتابه (السنة ومكانتها فى التشريع) : أن يكون الخوارج كذبوا على رسول الله ﷺ . لأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة على ما هو المشهور عنهم، أو مرتكبى الذنوب مطلقاً كما حكاه الكعبى (٢) فما كانوا يستحلون الكذب ولا الفسق ولا التقية ونفى أن يكون هناك دليلاً محسوساً يدل على أنهم ممن وضعوا الحديث. وقال معقباً على ما روى عن ابن لهيعة عن شيخ لهم أنه قال: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً (٣) . وقول عبد الرحمن بن مهدى: إن الخوارج والزنادقة قد وضعوا هذا الحديث "إذا أتاكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ... الحديث" (٤) . يقول الدكتور السباعى: هكذا قال الكاتبون فى هذا الموضوع من القدامى والمحدثين، ولكنى لم أعثر على حديث وضعه خارجى، وبحثت كثيراً فى كتب الموضوعات، فلم أعثر على خارجى عُدَّ من الكذابين والوضاعين.

стр. 73

أما النص السابق الذى يذكرونه عن شيخ للخوارج، فهو مجهول ولا ندرى من هو؟ وقد سبق مثل هذا التصريح برواية حماد بن سلمة عن شيخ رافضى، فلماذا لا تكون نسبته إلى شيخ خارجى خطأ؟ خصوصاً ولم نعثر لهم على حديث واحد موضوع. أما قول عبد الرحمن بن مهدى عن حديث (إذا أتاكم ... إلخ) أنه وضعته الزنادقة والخوارج، فلا أدرى مدى صحته عن ابن مهدى، فقد ذكره عنه ابن عبد البر فى (جامع بيان العلم) بلا سند (١) فضلاً على أنه لم يذكر لنا عن ابن مهدى من هو واضعه؟ على أن المنقول عن غير ابن مهدى لفظ الزنادقة فقط، قال شمس الحق العظيم آبادى: فأما ما رواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله ... الحديث"؛ فإنه حديث لا أصل له (٢) وقد حكى زكريا الساجى عن يحيى بن معين (٣) أنه قال "هذا حديث وضعته الزنادقة" ونقل الفتنى عن الخطابى (٤) أنه قال أيضاً "وضعته الزنادقة" (٥) ، وليس فى هذين النصين ذكر للخوارج بحال. وقد ورد عنهم ما ينفى تهمة الكذب عنهم. يقول المُبَرِّدُ (٦) :

стр. 74

"والخوارج فى جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذوى المعصية الظاهرة (١) " وقال أبو داود (٢) : "ليس فى أصحاب الأهواء أصح حديثاً من الخوارج" (٣) . وقال ابن تيمية (٤) : للرافضة فى الرد عليهم "ونحن نعلم أن الخوارج شر منكم ومع هذا فما نقدر أن نرميهم بالكذب لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدق لهم وعليهم (٥) وقال: ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب فى الشيعة أكثر فى جميع الطوائف، والخوارج مع مروقهم من الدين فهم من أصدق الناس حتى قيل: إن حديثهم من أصح الحديث" (٦) وقال أيضاً "ليس فى أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج (٧) . قلت: وأنا مع الدكتور السباعى فيما ذهب إليه ورجحه من نفى تهمة كذب الخوارج فى الحديث، وليس معنى ذلك براءتهم، ولكن معناه أنى لا اتهمهم بالكذب فى الحديث؛ لأنه لا دليل على كذبهم، والأخبار الواردة فى اتهامهم بالوضع ضعيفة تحتمل التأويل كما سبق، والأخبار التى تدل على صدقهم ونفى الكذب عنهم صريحة وواضحة.

стр. 75

وكل ما يقال بحق، أنهم جهلة بالسنة ولا يحتجون بها؛ لأنها من طريق صحابة رسول الله ﵃ وهم كفار فى نظرهم، فضلاً عن عدم استعدادهم لقبول آراء غيرهم؛ نظراً لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم وجهلهم بفقه الكتاب والسنة؛ ولذا نجدهم يعملون على محاربة المسلمين وإراقة دمائهم وانتهاك حرمتهم فهم أحقاء بأن يسموا بالخوارج البغاة لخروجهم على السنة وأهلها ومعاداتهم لها (١) .

стр. 76

المبحث الثالث: التعريف بالشيعة وموقفهم من السنة النبوية تمهيد: الشيعة كفرقة ذات أفكار وآراء غلب عليهم هذا الاسم، ويشيع فيهم الكذب على رسول الله ﷺ . وعلى أئمتهم، وذلك باعتراف علمائهم، وهذا من أشد الخطر على الإسلام والمسلمين، وذلك بسبب: ١- استعمالهم التقية المرادفة للكذب. ٢- تظاهرهم بنصرة آل البيت، حيث انخدع بهم كثير من العوام بل وخواص المسلمين. ٣- بغضهم وتكفيرهم ولعنهم صحابة رسول الله ﵃ إلا نفر يسير، وبغضهم وتكفيرهم لأهل السنة بسبب تعاليم خاطئة وضعها بعض كبرائهم قديماً، وسار عليها بعض كبرائهم حديثاً نتج عنها نفور الشيعة، وعدم الوصول بعد محاولات كثيرة من جانب أهل السنة إلى التقارب. وقد قام التشيع فى ظاهر الأمر على أساس الاعتقاد؛ بأن علياً ﵁ وذريته هم أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ . وأن علياً أحق بها من سائر الصحابة بوصية من النبى ﷺ . كما زعموا فى رواياتهم التى اخترعوها وملأوا بها كتبهم قديماً وحديثاً (١) . والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتخذون حب آل البيت ستاراً يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم. فاليهودية ظهرت فى التشيع بالقول بالرجعة، وقال الرافضة السبئية: إن النار محرمة على الشيعى إلا قليلاً، كما قال اليهود لن تمسنا إلا أياماً معدودات (٢) .

стр. 77

والنصرانية ظهرت فى فرق الحلولية وهى فرق أكثرها يرجع إلى غلاة الروافض فقال بعضهم: إن نسبة الإمام إلى الله كنسبة المسيح إليه، وقالوا: إن اللاهوت اتحد بالناسوت فى الإمام، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبداً فمن اتحد به اللاهوت فهو نبى (١) . وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول، ونحو ذلك من الأقوال التى كانت معروفة عند البراهمة، والفلاسفة، والمجوس من قبل الإسلام، وقال بها الراوندية من الروافض الحلولية (٢) . وتستر بعض الفرس بالتشيع، وحابوا الدولة الأموية، والعباسية، وقاموا بثورات عديدة، سجلها علماء الفرق والتاريخ، وما فى نفوسهم إلا الكره للعرب ودولتهم والسعى لاستقلالهم وهيمنتهم (٣) ، وتاريخ الشيعة فى القديم والحديث شاهد صدق على أن الحركات المارقة والهدامة إنما خرجت من تحت عباءتهم بعد أن رضعت لبنهم وهدهدت بين ذراعيهم (٤) . التعريف بالشيعة لغة: هم الاتباع والانصار، قال صاحب القاموس: شيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث وجمعه أشياع وشيع كعنب (٥) . وقال صاحب تاج العروس: الشيعة كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وكل من عاون إنساناً وتخرب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهى المطاوعة والمتابعة (٦) . ووردت كلمة شيعة ومشتقاتها فى القرآن الكريم مراداً بها معانيها اللغوية الموضوعة لها على المعانى التالية: ١- بمعنى الفرقة أو الأمة أو الجماعة من الناس: قال تعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ (٧) . أى من كل فرقة وجماعة وأمة (٨) .

стр. 78

٢- بمعنى الفرقة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١) أى فرقاً (٢) . ٣- وجاءت لفظة أشياع بمعنى أمثال ونظائر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٣) أى أشباهكم فى الكفر من الأمم الماضية (٤) . ٤- بمعنى المتابع والموالى والمناصر قال تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (٥) وفى الحديث من قول حكيم بن أفلح (٦) إنى قد نهيتها - أى السيدة عائشة -رضى الله عنها- أن تقول فى هاتين الشيعتين شيئاً (٧) أى شيعة الإمام على -كرم الله وجهه- وشيعة الإمام معاوية -رضى الله عن الجميع - ففى ذلك ما يشهد لعموم اسم الشيعة. التعريف بالشيعة اصطلاحاً: اختلفت وجهات نظر العلماء فى التعريف بحقيقة الشيعة وأرجح تلك الأقوال هى: أنهم الذين يزعمون أنهم أتباع على بن أبى طالب ﵁ وأنصاره، ويعتقدون أنه أفضل من الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم أجمعين - وأنه وأهل بيته أحق بالخلافة، وإن خرجت منهم فبظلم يكون من غيرهم (٨) .

стр. 79

موقف الشيعة من الصحابة والأمة الإسلامية: أولاً: موقف الشيعة من الصحابة: ... يقول الدكتور محمد العسال: يعتقد الشيعة أن الصحابة كلهم كانوا كفرة منافقين مخادعين لله ورسوله - ونعوذ بالله من ذلك - لا يستثنون إلا خمسة أو سبعة أو بضعة عشر، على خلاف بينهم فى هذا، والمجمع على استثنائهم هم: سلمان الفارسى، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفارى، والمقداد، وجابر بن عبد الله الأنصارى. ويرى بعض الشيعة أن الصحابة: إنما كفروا وارتدوا عن الإسلام بعد موت النبى ﷺ . لا فى حياته، وإنما قال ذلك أصحاب هذا الرأى لما وجدوا صريح القرآن يمدحهم ويثنى عليهم، فظنوا أن القول بكفرهم بعد وفاة الرسول ﷺ . يتفادون به التعارض مع القرآن بخلاف القول بكفرهم والقرآن ينزل والوحى متواصل، هكذا يزعمون. كما زعموا أن كفر الصحابة إنما هو بسبب إنكارهم النص على ولاية علىَّ ﵁ التى هى أساس الدين عند الشيعة، وقد تواطأ الصحابة على جحده وإنكاره إلا الخمسة الذين مر ذكرهم، أما كبار الصحابة مثل أبى بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير وبقية العشرة، وعائشة، وحفصة وغيرهم؛ فإنهم كانوا متظاهرين بالإسلام فى حياة الرسول ﷺ . مع إبطانهم الكفر، خاصة فيما يتعلق بولاية علىَّ ﵁ حقداً عليه حيث كانوا يطمعون فى هذه الولاية بعد وفاة الرسول ﷺ . بل هؤلاء الصفوة من خيرة أصحاب رسول الله ﵃ هم فى عقيدة الشيعة رؤساء الكفر والنفاق فهم أصله ومعدنه وفرعه وثمرته، ونعوذ بالله من ذلك. وهذه عقيدة لا ينفك عنها شيعى واحد من الإثنى عشرية، وإن تظاهر أحدهم بإنكار ذلك فأعلم أنه يقولها (تقية) لأنها عقيدة لا تقبل المساومة عندهم، إذ لو صحح الشيعى إمامة أبى بكر وعمر وعثمان لوجب عليه أن يعترف ببطلان الولاية والإمامة لعلى وبنيه، وهذا كفر بإجماع الإثنى عشرية.

стр. 80

وللشيعة فى تكفيرهم للصحابة شبهات سيأتى ذكرها والرد عليها فى باب وسائل أعداء السنة فى الكيد لها. هذا وقد امتلأت كتب الشيعة تفسيراً وحديثاً- على كثرتها وبطلانها بهذه العقيدة الفاسدة، وسودوا هذه الكتب بما تضيق منه الصدور من عقيدتهم هذه (١) . وتأكيداً لكل ما سبق سأكتفى بذكر نموذج أو أكثر من كتبهم تفسيراً وحديثاً، فالقمى فى تفسيره (٢) يقول فيه الدكتور محمد العسال هذا المفسر يحمل كل كلمة كفر أو نفاق أو فسق أو ضلال أو شرك أو ظلم أو عصيان وخداع، وكل ما يشتق من ذلك أو يماثله على كبار الصحابة، وخاصة على أبى بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وقد ضرب على ذلك أمثلة منها فى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) قال القمى: الحرث الدين، والنسل الناس، ونزلت فى الثانى -يعنى عمر- وقيل فى معاوية (٤) . وعند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ (٥) قال: هم الذين غصبوا آل محمد حقهم، وعند قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ (٦) قال: هم الظالمون آل محمد حقهم، والذين اتبعوا من غصبهم (٧) . وفى أصح الكتب عندهم بعد كتاب الله وهو الكافى الذى يعد عندهم كالبخارى عند أهل السنة، أخرج الكلينى بسنده عن أبى جعفر ﵇ قال: كان الناس أهل ردة بعد موت النبى ﷺ . إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفارى، وسلمان الفارسى، رحمة الله وبركاته عليهم (٨) . وأخرج أيضاً عن أبى بصير عن أحدهما ﵇ قال: إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفاً (٩) .

стр. 81

وأخرج أيضاً عن أبى بكر الحضرمى قال: قلت لأبى عبد الله ﵇: أهل الشام شر أم أهل الروم؟ فقال: إن الروم كفروا ولم يعاندوا، وإن أهل الشام كفروا وعاندوا (١) . إلى غير ذلك الكثير والكثير من إفكهم الذى امتلأت به كتبهم تفسيراً وحديثاً، والتى كانت منفذاً للمستشرقين وأتباعهم نفذوا منه إلى الطعن فى دين الإسلام ومصدره الأول القرآن الكريم. ثانياً: موقف الشيعة من الأمة الإسلامية: يقول الدكتور محمد العسال: يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن أمة محمد هى الأمة الملعونة، ولو كانت من سائر فرق الشيعة سواهم، فكل من لم يوال الإثنى عشر إماماً ويؤمن بولايتهم ويتبرأ من الصحابة؛ فهو ملعون هالك، أما من يعتقد إيمان الصحابة ويصحح خلافة أبى بكر وعمر وعثمان فهو ناصبى عندهم والناصبى شر من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كما يزعمون من هنا فحملتهم على أهل السنة -النواصب- فى نظرهم لا تكاد تهدأ؛ لأنهم أكثر فرق الأمة عرفاناً بالجميل للصحابة، وعلى رأسهم آل بيت رسول الله ﷺ .. ويقول الدكتور محمد العسال بعد أن ذكر نماذج من تفسيرهم الباطل تؤكد تلك العقيدة الفاسدة قال: وغالب ظنى أن هذه العقيدة قد استفادها الروافض من زنادقة الباطنية الخارجين عن الإسلام بإجماع الفرق والذين يسمون أمة محمد ﷺ . بالأمة الملعونة المنكوسة، حيث يحكى لنا الإمام عبد القادر البغدادى عنهم فى نص رسالة عثر عليها من زعيمهم عبيد الله بن الحسين القيروانى إلى داعيته سليمان بن الحسن بن سعيد الجنانى جاء فيها: إنى أوصيك بتشكيك الناس فى القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، وبدعوتهم إلى إبطال الشرائع ... ثم قال له ولا تكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال ﴿الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٢) لما لم يعلم ولم يحضره جواب المسألة ... إلخ (٣) .

стр. 82

فهذه زندقة -نعوذ بالله منها-، وعقيدة الإثنى عشرية فى الأمة إما متأثرة بتلك الزندقة وإما أنها مدخل إليها، لا محل سوى ذلك (١) . وصدق الإمام ابن تيمية (أصل مذهب الشيعة الرافضة من أحداث الزنادقة المنافقين الذين عاقبهم فى حياتهم على أمير المؤمنين ﵃ (٢) أ. هـ.. أثر موقف الشيعة الرافضة من الصحابة على الإسلام (قرآناً وسنة) : أولاً: أثر موقف الشيعة من الصحابة على القرآن الكريم: كان من آثار تكفير الشيعة للصحابة إلا من استثنوهم أن هوجم القرآن الكريم والسنة النبوية، فهاجموا القرآن الكريم، وصرحوا وبكل وضوح أن فى القرآن الكريم نقصاً وتحريفاً متعمداً من الصحابة عند جمعه لإخفاء ما ورد صريحاً فى ولاية الأئمة من آل البيت، أو لإخفاء الآيات التى فيها ذم المهاجرين والأنصار ومثالب قريش، وزعموا أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلا علىّ فقط، كما يعتقدون أن مصحفاً مفقوداً سيصل إلى أيديهم يوماً ما، يسمى "مصحف فاطمة" فيه أضعاف ما فى المصحف العثمانى الموجود بين أيدى المسلمين، وأنه يختلف عن هذا المصحف اختلافاً كثيراً، وقد ألف أحد طواغيتهم واسمه حسين بن محمد تقى الطبرسى كتابه (فصل الخطاب فى إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) (٣) وفيه أكثر من ألفى رواية عن طواغيتهم المعصومين، والتى تؤكد التحريف فى القرآن من كل نوع، وعندما طبع الكتاب وقامت حوله ضجة ألف الطبرسى كتاباً آخر سماه (رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب فى إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) دافع فيه عن ما أودعه فى كتابه السابق (فصل الخطاب) وقد كتب هذا الدفاع قبل موته بسنتين.

стр. 83

ومهما تظاهر الشيعة بالبراءة من كتاب النورى الطبرسى عملاً بعقيدة التقية، فإن الكتاب ينطوى كما سبق على آلاف النصوص عن طواغيتهم فى كتبهم المعتبرة يثبت بها أنهم جازمون بالتحريف ومؤمنون به، ولكن لا يحبون أن تثور الضجة حول عقيدتهم هذه فى القرآن (١) ويتظاهرون تقية ويفتون بأنه لا يأثم من قرأ القرآن كما يتعلمه الناس فى المصحف العثمانى، ثم الخاصة من الشيعة سيعلم بعضهم بعضاً ما يخالف ذلك مما يزعمون أنه موجود أو كان موجوداً عند أئمتهم من أهل البيت، ويدل على ذلك ما أخرجه الكلينى فى كتابه الكافى بسنده عن على بن موسى الرضا المتوفى سنة ٢٠٦هـ عندما سأل، إنا نسمع الآيات فى القرآن ليس هى عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرءوا كما تعلمتم، فسيجيئكم من يعلمكم (٢) . ومما يدل على أن الشيعة يكادون يجمعون على ما أورده الطبرسى فى كتابه (فصل الخطاب) أنهم كافئوه على هذا المجهود فى إثبات أن القرآن محرف بأن دفنوه فى أقدس البقاع عندهم فى بناء المشهد العلوى فى النجف. وفى عصرنا الحاضر ردد الخمينى هذا الإفك فى كتابه (كشف الأسرار) قائلاً: "لقد كان سهلاً عليهم - الصحابة الكرام - أن يخرجوا هذه الآيات من القرآن، ويتناولوا الكتاب السماوى بالتحريف، ويسدلوا الستار على القرآن، ويغيبوه عن أعين العالمين ثم يقول: "إن تهمة التحريف التى يوجهها المسلمون إلى اليهود والنصارى، إنما تثبت على الصحابة (٣) . وهم حتى عندما يعتبرون المصحف العثمانى مصدراً من مصادر العقائد والأحكام، فهم يختلفون فى فهم معانية عن سائر الفرق وخصوصاً أهل السنة - ويرجعون فهم القرآن إلى الأئمة من آل البيت (٤) ، وكلها تأويلات باطلة حاشا الأئمة أن يقولوا منها حرفاً واحداً.

стр. 84

ثانياً: أثر موقف الشيعة من الصحابة على السنة النبوية: وكما كان من آثار تكفير الشيعة للصحابة أن هاجموا القرآن الكريم، وادعوا تحريفه وتبديله، كان من آثار ذلك أيضاً أن هوجمت السنة التى جمعها الجمهور وحققها أئمتهم ونقادهم، منذ عصر الصحابة حتى عصر الجمع والتدوين، من قبل الشيعة التى وصمت أحاديث الجمهور من أهل السنة بالكذب والوضع، وخاصة ما كان منها فى فضائل الصحابة الذين يكفرهم الشيعة ويلعنونهم. ولم يقبلوا من أحاديث أهل السنة إلا ما وافق أحاديثهم التى يروونها عن أئمتهم المعصومين فى نظرهم، والتى إن لم يزيدوا فيها كذباً تأولوها بما يشهد لعقائدهم وأحكامهم الباطلة، أما ما عدا ذلك من السنة فلا يعتبرون به إلا إذا جاء من طريق آل البيت والتى لا يمكن إثبات صحتها لعدم اهتمامهم بصحة السند. فالعدالة عندهم لا عبرة بها ما دام الراوى إمامياً يوالى الأئمة ولو لم يكن متهماً، بل ولو كان مطعوناً فى دينه. وإذا تتبعت تراجم أعلام الشيعة الرافضة فى زمن أئمتهم رأيتهم بين كذابين، وملاحدة، وشعوبيين، وفاسدى العقيدة، ومذمومين من أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص، ولذا تراهم يصححون أحاديث من دعا عليه المعصوم بقوله أخزاه الله وقاتله الله، أو لعنه أو حكم بفساد عقيدته أو أظهر البراءة منه، وحكموا أيضاً بصحة روايات المشبهة والمجسمة، ومن جوز البداء عليه تعالى (١) ، مع أن هذه الأمور كلها مكفرة، ورواية الكافر غير مقبولة، فضلاً عن صحتها، فإذا كان هذا هو حال من يصححون حديثه وهو أقوى الأقسام عندهم، فما بالنا بحال الحسن والموثق والضعيف عندهم! (٢) . إذ لا عبرة عندهم بالعدالة وإنما العبرة بمن معهم؟ ومن عليهم؟ فمن كان معهم معتقداً بعقيدتهم كان مؤمناً تقياً، وإلا كان كافراً منافقاً إذا تبرأ منهم ومن عقيدتهم.

стр. 85

كما أنهم لا يشترطون اتصال السند فى الحديث من الإمام إلى الرسول؛ لأن الإمام فى حد ذاته كلامه فى قوة كلام الرسول وقدسيته، ووجوب العمل به؛ لأنه معصوم ويوحى إليه، ومن تلك الأحاديث التى يصححونها ولا عدالة لرواتها ولا اتصال لسندها حديث "غدير خم" (١) الذى يكاد يكون عمدة المذاهب الشيعية كلها ودعامتها الأولى، والأساس الذى أقاموا عليه نظريتهم إلى الصحابة من تكفيرهم وسبهم ولعنهم ليل نهار، وتابعهم على ذلك دعاة اللادينية (٢) .

стр. 86

هذا الحديث هو عند أهل السنة حديث مكذوب لا أساس له باللفظ الذى يروونه عن طواغيتهم، الذين وضعوه ليبرروا به هجومهم وتجنيهم على صفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين - رضى الله عنهم أجمعين-. وبالنظر فى كتب الحديث النبوى عندهم؛ كالكافى، والاستبصار، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه (١) وغيرها، نجد رواياتها ليست كلها متصلة من أصحابها إلى أئمتهم الذين وجدوا فى عصر النبى ﷺ . فالأحاديث المدونة بها قد خلا أكثرها من الإسناد فنجد الروايات تذكر عن عدة من أصحابنا، أو عن الإمام جعفر، ثم تعد هذه الأقوال أحاديث عن النبى ﷺ . مع وجود الفارق الزمنى الكبير بين أصحاب هذه الروايات وبين النبى ﷺ . وهو فارق زمنى يصل إلى عدة قرون (٢) . وكان لهجومهم وتجنيهم على الصحابة الأثر الكبير فيما أثير حول السنة من شبهات، ولم لا ومروياتهم ﵃ لا تزن عندهم مقدار جناح بعوضة. يقول الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: والشيعة لا يعتبرون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم يعنى ما رواه الصادق، عن أبيه الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن الحسين السبط، عن أبيه أمير المؤمنين، عن رسول الله ﷺ .، أما ما يرويه مثل: أبى هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، ونظائرهم، فليس لهم عند الأمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر (٣) أ. هـ. . والله أعلم

стр. 87

أساليب الشيعة فى العبث بالسنة المطهرة: تعد الشيعة الرافضة من أكثر الفرق كذباً على رسول الله ﷺ . بل وعلى آل البيت أيضاً. وفى ذلك يقول الإمام ابن تيمية: [ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب فى الشيعة أكثر منه فى جميع الطوائف] (١) . وسئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: "لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون" (٢) ويقول شريك بن عبد الله القاضى -وقد كان معروفاً بالتشيع مع الاعتدال فيه- (٣) : "احمل عن كل من لقيت إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً" (٤) . وقال حماد بن سلمة (٥) : حدثنى شيخ لهم - يعنى الرافضة - قال: "كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً (٦) . وقال الإمام الشافعى (٧) : "ما رأيت فى أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة" (٨) .

стр. 88

ولقد أخذ هؤلاء المتشيعون أعداء الإسلام يصنعون الأحاديث فى أغراض شتى حسب أهوائهم ونحلهم، فمن ذلك أحاديث وضعوها فى فضائل الإمام على -كرم الله وجهه- وآله الكرام كحديث "من أراد أن ينظر إلى آدم فى علمه - وإلى نوح فى تقواه وإلى إبراهيم فى حلمه، وإلى موسى فى هيبته، وإلى عيسى فى عبادته فلينظر إلى على" (١) و"أنا ميزان العلم وعلى كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة منا عموده توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا" (٢) إلى غير ذلك من روايات مكذوبة تثبت النبوة لعلى طوراً، والخلافة والوصية بها طوراً آخر على حسب عقائد الوضاعين وآرائهم (٣) . وكما وضعوا الأحاديث فى فضل على وآل البيت، وضعوا الأحاديث فى ذم الصحابة؛ وخاصة الشيخين وكبار الصحابة، حتى قال ابن أبى الحديد (٤) وهو شيعى معتزلى: "فأما الأمور المستبشعة التى تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة، وأنه ضربها بالسوط، فصار فى عضدها كالدملج، وأن عمر ضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا ابتاه وجعل فى عنق علىّ حبلاً يقاد به، وفاطمة خلفه تصرخ، وابناه الحسن والحسين يبكيان ... ثم أخذ ابن أبى الحديد فى ذكر الكثير من المثالب، ثم قال: فكل ذلك لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شئ تنفرد الشيعة بنقله (٥) وكذلك وضعوا الأحاديث فى ذم معاوية ﵁ إذا رأيتم معاوية على منبرى فاقتلوه" (٦) وفى ذم معاوية وعمرو بن العاص-رضى الله عنهما-"اللهم أركسهما فى الفتنة ركساً ودعهما فى النار دعا (٧) "

стр. 89

وهكذا أسرف غلاة الشيعة الرافضة فى وضع الأحاديث بما يتفق مع أهوائهم، والتى بلغت من الكثرة حداً مزعجاً. حتى قال الخليلى (١) فى الإرشاد: "وضعت الرافضة فى فضائل على وأهل بيته نحو ثلاثمائة ألف حديث" (٢) ومع ما فى قوله من المبالغة فإنه دليل على كثرة ما وضعوا من الأحاديث. ويكاد المسلم يقف مذهولاً من هذه الجرأة البالغة على رسول الله ﷺ . لولا أن يعلم أن هؤلاء الرافضة أكثرهم من الفرس الذين تستروا بالتشيع لينقضوا عرى الإسلام، أو ممن أسلموا ولم يستطيعوا أن يتخلوا عن كل آثار ديانتهم القديمة، فانتقلوا إلى الإسلام بعقلية وثنية لا يهمها أن تكذب على صاحب الرسالة ﷺ . لتؤيد حباً ثاوياً فى أعماق أفئدتها، وهكذا يصنع الجهال والأطفال حين يحبون وحين يكرهون. وقد ضارعهم الجهلة من أهل السنة، فقابلوا -مع الأسف- الكذب بكذب مثله وإن كان أقل منه دائرة وأضيق نطاقاً (٣) ومن ذلك حديث "ما فى الجنة شجرة إلا مكتوب على ورقة منها لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين" (٤) . كذلك قابلهم المتعصبون لمعاوية والأمويين، فوضعوا أحاديث مثل قولهم "الأمناء ثلاثة، أنا وجبريل ومعاوية" (٥) و"لا افتقد فى الجنة إلا معاوية فيأتى آنفاً بعد وقت طويل، فأقول: من أين يا معاوية، فيقول من عند ربى يناجينى وأناجيه، فيقول: هذا بمانيل من عرضك فى الدنيا" (٦) .

стр. 90

وكذلك فعل المؤيدون للعباسيين فوضعوا إزاء حديث وصاية على المكذوب وصاية العباس ونسبوا إلى النبى قوله: "العباس وصيى ووارثى" (١) إلى غير ذلك من الأكاذيب والتى طفحت بها كتب الموضوعات. ولولا رجال صدقوا فى الإخلاص لله ، ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذب عن سنة رسول الله وأفنوا أعمارهم فى التمييز بين الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى - لولا هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث (٢) نتيجة حركة الوضع التى كثرت فى أهل البدع والأهواء والجهلة من أهل السنة، إلا أنه تبدوا خطورة الكذب على رسول الله ﷺ . من أهل البدع بسبب أهدافهم الخبيثة للنيل من الإسلام وتشويه صورته بما يضعونه من خرافات. فالجهلة من أهل السنة؛ وإن قابلوا مع الأسف كذب الشيعة بكذب مثله، إلا أنهم لم يحاولوا العبث والكيد للسنة المطهرة كما فعل الشيعة، وهذا لا ينفى عن الوضاعين من الفريقين إثم الكذب على رسول الله ﷺ .. وعن مكايد الشيعة للسنة ومحاولاتهم العبث بها يقول العلامة الألوسى (٣) : ١- إن جماعة من علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث أولاً، وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين من أهل السنة فضلاً عن العوام. ولكن الله قد تفضل على أهل السنة، فأقام لهم من يميز بين الطيب والخبيث، وصحيح الحديث وموضوعه، حتى أنهم لم يخف عليهم وضع كلمة واحدة من الحديث الطويل. ٢- ومن مكايدهم أنهم ينظرون فى أسماء الرجال المعتبرين عند أهل السنة، فمن وجدوه موافقاً لأحد منهم فى الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعى إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر بقوله ويعتد بروايته؛ كالسدى فهما رجلان؛ أحدهما السدى الكبير،

стр. 91

والثانى السدى الصغير، فالكبير من ثقات أهل السنة (١) ، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضى غال (٢) . ٣- ومن مكايدهم أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنة مشتملة على مطاعن فى الصحابة، وبطلان مذهب أهل السنة، وذلك مثل كتاب (سر العالمين) فقد نسبوه إلى الإمام الغزالى (٣) -رحمه الله تعالى- وشحنوه بالهذيان، وذكروا فى خطبته على لسان ذلك الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة وما ذكر فى هذا الكتاب فهو عقيدتى، وما ذكر فى غيره؛ فهو للمداهنة، فقد يلتبس ذلك على بعض القاصرين ... نسأل الله تعالىالعصمة من الزلل. ٤- ومن مكايدهم أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة، أو الزيدية أو نحو ذلك، ويقولون: إنه من متعصبى أهل السنة، ثم ينقلون عنه ما يدل على بطلان مذهب أهل السنة، وتأييد مذهب الإمامية الإثنى عشرية ترويجاً لضلالهم؛ كالزمخشرى صاحب الكشاف الذى كان معتزلياً تفضيلياً، والأخطب الخوارزمى؛ فإنه زيدى غال، وابن أبى الحديد شارح نهج البلاغة الذى هو من غلاة الشيعة على حد قول، ومن المعتزلة على قول آخر، وهشام الكلبى، وكذلك المسعودى صاحب مروج الذهب، وأبو الفرج الأصفهانى صاحب كتاب الأغانى وغيرهم، وقصدوا بذلك إلزام أهل السنة بما لهم من الأقوال، مع أن حالهم لا تخفى حتى على الأطفال (٤) . المبحث الرابع: التعريف بالمعتزلة وموقفهم من السنة النبوية تمهيد: المعتزلة: اسم يطلق على فرقة ظهرت فى الإسلام فى القرن الثانى الهجرى ما بين سنة ١٠٥ وسنة ١١٠هـ بزعامة رجل يسمى واصل بن عطاء الغزال، ونشأت هذه الفرقة متأثرة بشتى الاتجاهات الموجودة فى ذلك العصر، وقد أصبحت المعتزلة فرقة كبيرة تفرعت عن الجهمية فى معظم الآراء، ثم انتشرت فى أكثر بلدان المسلمين انتشاراً واسعاً، وعن كثرتهم وانتشارهم يقول الشيخ جمال الدين القاسمى "هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالاً وأكثرها تابعاً، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية، والشامية، والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية فى اليمن. فإنهم على مذهب المعتزلة فى الأصول كما قاله العلامة المقبلى فى "العلم الشامخ" وهؤلاء يعدون فى المسلمين بالملايين،

стр. 92

بهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا فى قلة فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا وأن لا فائدة من المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها (١) . والمعتزلة: قوم من المتكلمين فتنتهم؛ الفلسفة اليونانية، والمنطق اليونانى، وما نقل من الفلسفة الهندية، والأدب الفارسى، وقد كانوا كلهم أو جمهورهم ممن ينتمون إلى أصل فارسى فأولوا القرآن الكريم لينسجم مع الفلسفة اليونانية، وكذبوا الأحاديث التى لا تتفق مع هذه العقلية اليونانية الوثنية، واعتبروا فلاسفة اليونان أنبياء العقل الذى لا خطأ معه (٢) ، المحقق الكبير محمد محيى الدين عبد الحميد: وكان أول من استعان بالفلسفة اليونانية، واستقوا منها فى تأييد نزعاتهم، فأقوال كثيرة من أقوال النظام وأبى الهذيل والجاحظ وغيرهم بعضها نقل بحت من أقوال فلاسفة اليونان، وبعضها يستقى من نبعه ويغترف من معينه بشئ من التحوير والتعديل (٣) . فكثيراً ما تطالعنا فى كتب الفرق أثناء الحديث عن أحد المعتزلة أو تحليل مبدأ من مبادئهم عبارات تثبت تأثرهم بهذه المصادر الأجنبية مثل: "قد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة" (١) ومثل: "اقتبس هذا الرأى من الفلاسفة" (٢) و"هذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة" (٣) ومثل: "قد أخذ العلاف عن أرسطو طاليس" (٤) . والمعتزلة حين حاولت فى أول الأمر أن تواجه المتكلمين فى الديانات السالفة للإسلام والمذاهب المنحرفة، استطاعت أن تحقق نتائج طيبة، ولكنها حين استقلت بنفسها وخرجت عن حدودها لتقيم لنفسها منهجاً عقلانياً خالصاً يستعلى على مفهوم الإسلام الجامع؛ فإنها قد انحرفت انحرافاً شديداً واخطأت خطأ بالغاً، وكان نتيجة طبيعية لتأثرها بشتى الاتجاهات الموجودة فى عصرها، ثم أثرت هى الأخرى بعد ذلك فى تلك الاتجاهات الفكرية قديماً (٥) ، وتأثر بها حديثاً كثير من خصوم الإسلام، وأعداء السنة، حيث وجدوا فى مذهبهم الفكرى عشاً يفرخون فيه بمفاسدهم وآرائهم، ويطلقون من قنواته دسهم على الإسلام والسنة النبوية المطهرة أ. هـ. (٦) . وترجع بداية نشأة المعتزلة كفرقة ذات اتجاه سياسى ومنهج فكرى، إلى ما وقع بين الحسن البصرى (٧) ،

стр. 93

وواصل بن عطاء من خلاف فى حكم مرتكب الكبيرة، حين سئل الحسن البصرى عن ذلك، فبادر واصل بن عطاء إلى الجواب قبل أن يجيب الحسن البصرى، ومن هنا تطور الأمر إلى اعتزال واصل ومن معه حلقة الحسن البصرى، فسموا معتزلة، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء (١) . وقد ضعف هذا الرأى الدكتور أحمد أمين، وأياً كانت بداية نشأتهم، فالذى يعنينا ويهمنا هنا فى هذا المقام هو أصول مذهبهم الفكرى، وأثرها على السنة المطهرة. وإذا كانت المعتزلة قد تفرقت إلى فرق كثيرة تصل إلى اثنتين وعشرين فرقة واختلفوا فى المبادئ والتعاليم إلى حد تكفير كل فرقة الأخرى، إلا أنه يجمعهم إطار عام، وهو الاعتقاد بالأصول الخمسة: ١- التوحيد على طريقة الجهمية. ٢- العدل على طريقة القدرية. ٣،٤،٥ - والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على طريقة الخوارج (٢) . ولقد حددها على هذا النحو الخياط (٣) ، صاحب الانتصار عندما قال: "وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا كملت فى الإنسان هذه الخصال الخمس؛ فهو معتزلى (٤) . يقول الدكتور محمد عمارة: "وإذا كان هذا التحديد لهذه الأصول الخمسة قد شاع الشيوع الأكبر، وانتشر الانتشار الأعم لدى أهل العدل، والتوحيد، كما شاع عنهم لدى كتاب المقالات، فإننا نجد الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسى (ت - ٢٤٦هـ) وهو معاصر لأبى الهذيل العلاف يحدد هذه الأصول بأنها: ١- التوحيد، ٢- والعدل، ٣- والوعد والوعيد، ٤- والمنزلة بين المنزلتين، ٥- والقرآن الكريم والسنة المطابقة له، ٦- وأصل سادس يمكن أن نسميه العدالة الاجتماعية، والمالية، والاقتصادية.

стр. 94

بينما نجد هذه الأصول عند مفكر آخر هو أحمد بن يحيى بن المرتضى (ت ٨٤٠هـ) على النحو المشهور عند المعتزلة، وبدلاً من أصل الوعد والوعيد أصل آخر وهو: تولى الصحابة والاختلاف فى عثمان ﵁ بعد الأحداث والبراءة من معاوية وعمرو بن العاص -رضى الله عنهما-. يقول الدكتور عمارة: "ومعنى هذا أن خلاف أهل العدل والتوحيد - ولا نقول المعتزلة - حول هذه الأصول، هو أمر غير مستبعد تماماً، وإن عدتها الأغلبية الساحقة من مفكريهم خمسة، على النحو الذى قدمناه فى أول هذا الحديث، وإذاً فليس خلافهم فقط فى فروع هذه الأصول، كما يقول البعض، بل وأحياناً فى بعض هذه الأصول (١) . ومعنى هذه الأصول إجمالاً: ١- التوحيد: وهم يقصدون به البحث حول صفات الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز، وما يستحيل، وفى هذا الأصل نفوا أن يكون لله تعالى صفات أزلية من علم، وقدرة، وحياة، وسمع، وبصر، بل، الله عالم، وقادر، وحى، وسميع، وبصير بذاته، وليست هناك صفات زائدة مع ذاته، وتأولوا الآيات التى تثبت هذه الصفات، والتى يفهم منها أن له صفات كصفات المخلوقين، ورفضوا الأحاديث التى تثبت هذه الصفات أيضاً، وحجتهم فى إنكار صفات الله أن إثباتها يستلزم تعدد القدماء وهو شرك على حد زعمهم. ولأن إثبات الصفات يوحى بجعل كل صفة إلهاً، والمخرج من ذلك هو نفى الصفات وإرجاعها إلى ذات البارى تعالى، فيقال عالم بذاته، قادر بذاته إلخ، وبذلك يتحقق التوحيد فى نظرهم، والمعتزلة فى نفيهم الصفات وتعطيلها وتأويل ما لا يتوافق مع مذهبهم من نصوص الكتاب والسنة وافقوا بذلك الجهمية (المعطلة) ... فهم الذين أحيوا آرائهم، ونفخوا فى رمادها، وصيروها جمراً من جديد، ومن هنا استحق المعتزلة أن يطلق عليهم جهمية أو معطلة (١) ، وبناء على هذا الأصل أطلق المعتزلة على من عاداهم وخصوصاً أهل السنة أسماء جائرة مثل المشبهة، والحشوية.

стр. 95

وسموا أنفسهم أهل التوحيد، والمنزهون لله، حيث نفوا الصفات عنه (٢) . وسيأتى الرد عليهم فى الباب الثالث. ٢- العدل: وهم يقصدون به البحث فى أفعال الله التى يصفونها كلها بالحسن، ونفى القبح عنها، بما فيه نفى أعمال العباد القبيحة، وتحت ستار العدل؛ نفوا القدر، وأسندوا أفعال العباد إلى قدرتهم وأنهم الخالقون لها مع أنهم يؤمنون بأن الله تعالى عالم بكل ما يعمله العباد، وأنه تعالى هو الذى أعطاهم القدرة على الفعل أو الترك (٣) . والمعتزلة لنفيهم القدر يلقبون؛ بالقدرية لموافقتهم للقدرية فى إنكار القدر، وهم يسمون أيضاً؛ بالثنوية، والمجوسية؛ لقولهم إن الخير من الله، والشر من العبد، فوافقوا بذلك الثنوية، والمجوسية الذين يقررون وجود إلهين أحدهما للخير، والآخر للشر، وهم لا يرضون بهذه الأسماء السابقة من القدرية، والثنوية، والمجوسية، ويرضون باسم أهل العدل لنفيهم القدر، ولأن أهل السنة يثبتون القدر لله ويؤمنون به خيره وشره، حلوه ومره، فهم يطلقون عليهم القدرية المجبرة (٤) . وبناء على هذا الأصل (العدل) الذى يعنى نفى القدر؛ تأولوا الآيات التى تفيد إثبات القدر لله كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٥) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٦) .

стр. 96

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) . ووقفوا من أحاديث القدر موقف الإنكار؛ فردوا الأحاديث الصحيحة التى تثبت القدر، وسيأتى تفصيل ذلك، والرد عليه فى الباب الثالث. ٣- الوعد والوعيد: وهم يقصدون به أن الله وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب فيجب على الله - تعالى الله عن ذلك - أن ينفذ وعده ووعيده؛ بأن يعطى العبد أجر ما كلفه به من طاعات استحقاقاً منه على الله مقابل وعد الله له إذا التزم العبد بجميع التكاليف التى اختارها الله وكلف بها عباده، وكذلك يجب على الله أن ينفذ وعيده فيمن عصاه، ويلزم على هذا الأصل أن الله لا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد؛ لأن ذلك يكون بخلف الوعيد والكذب، والله لا يجوز عليه الخلف والكذب، وبمقتضى هذا الأصل فإن أصحاب الكبائر من عصاه المؤمنين إذا ماتوا من غير توبه؛ فإنهم يستحقون بمقتضى الوعيد من الله النار خالدين فيها إلا أن عقابهم يكون أخف من عقاب الكفار (٢) . وبناء على هذا الأصل تأولوا الآيات التى تفيد بأن الله يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) . واستدلوا بالآيات الواردة فى نفى الشفاعة عن غير المؤمنين الفائزين؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٥) وكذا قوله تعالى ﴿مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٦) إلى غير ذلك من الآيات الواردة بهذا المعنى. وبناءً على هذا الأصل أيضاً ردوا الأحاديث الواردة فى شفاعة عصاة المؤمنين من أهل الكبائر، والأحاديث التى تفيد أنهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم. وسيأتى تفصيل ذلك والرد عليه فى الباب الثالث.

стр. 97

٤- المنزلة بين المنزلتين: وهم يقصدون بها أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل فى الكفر؛ فهو ليس بمؤمن ولا كافر، لكنه فى منزلة بينهما فاسق، والفاسق يستحق النار والمعتزلة بقولهم بهذا الأصل وافقوا الخوارج؛ لأن الخوارج لما رأوا لأهل الذنوب الخلود فى النار سموهم كفرة، وحاربوهم، والمعتزلة رأت لهم الخلود فى النار، ولم تجسر على تسميتهم كفرة ولا جسرت على قتال أهل فرقة منهم، فضلاً عن قتال جمهور مخالفيهم، ولهذا قيل للمعتزلة: إنهم مخانيث الخوارج (١) . ويعد هذا الأصل الرابع هو نقطة البدء فى تاريخ المعتزلة كما سبق فى نشأتهم. وكان لهذا الأصل أثره السئ فى موقف المعتزلة من صحابة رسول الله ﷺ .، وخصوصاً أصحاب الجمل، وصفين من الفريقين؛ على، ومعاوية - رضى الله عن الجميع - كما سيأتى. ٥- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: هذا الأصل توافق فيه أهل السنة والمعتزلة، واتفقوا على أنه من الواجبات على الكفاية، وهو ما قرره المولى فى كتابه العزيز ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . إلا أنه وقع خلاف بين أهل السنة والمعتزلة فيما يلى: أ- حملهم الناس على المعروف والمنكر فى مذهبهم وإلزامهم به، ويبدوا هذا واضحاً فى محنة خلق القرآن. ب- طريقة تغيير المنكر؛ ساروا فيها عكس الحديث الوارد عن النبى ﷺ .، فى بيان موقف المسلم من المنكر إذا رآه وهو قوله ﷺ .: "من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٣) بينما تغيير المنكر عندهم يبدأ بالحسنى، ثم باللسان، ثم باليد، ثم بالسيف على عكس ما يرشد إليه الحديث، ويذهب إليه أهل الحق. ج- حمل السلاح فى وجوه المخالفين لهم سواء كانوا من الكفار أو من أصحاب المعاصى من أهل القبلة.

стр. 98

د- أوجبوا الخروج على السلطان الجائر، وهم فى كل ذلك متأثرون بتنطع الخوارج (١) . وخلاصة هذا الأصل عندهم أنهم قالوا: "علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا (٢) . ومن فوارق الأصول عند المعتزلة ما ذهب إليه الإمام القاسم الرسى: "أن القرآن الكريم فصل محكم، وصراط مستقيم، ولا خلاف فيه ولا اختلاف، وأن سنة رسول الله ﷺ . ما كان لها ذكر فى القرآن ومعنى (٣) . وفى هذا الأصل الخامس بيان لموقفهم السئ من سنة المعصوم ﷺ .، فهم لا يأخذون إلا بالسنة الموافقة للقرآن فقط، ولا يأخذون بالسنة المستقلة، وهذا الموقف له أثره السئ حيث اتخذوه منهجاً خاصاً بهم حكموا من خلاله على سنة النبى ﷺ .، وهو عرض الحديث على القرآن الكريم، فما خالفه ولو مخالفة ظاهرية يمكن الجمع بينهما ردوه حتى ولو كان فى أعلى درجات الصحة. ومن فوارق الأصول عند المعتزلة أيضاً ما ذهب إليه أحمد بن يحيى المرتضى؛ تولى الصحابة، والاختلاف فى سيدنا عثمان ﵁ بعد الأحداث، والبراءة من معاوية وعمرو بن العاص - رضى الله عنهما-. فاتفق المعتزلة على صحة خلافة أبى بكر، حتى من قال منهم بأفضلية علىِّ على أبى بكر - رضى الله عنهما - حيث أنهم رأوا علياً بايع أبا بكر غير مكره، فلابد أن تكون بيعته صحيحة، فإذا وصلنا إلى سيدنا عثمان ﵃، نرى الخياط المعتزلى يقول: إن واصل بن عطاء وقف فى عثمان وفى خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم؛ لأنه أشكل عليه الأمر بين حالته المحمودة قبل أحداث السنين الست الأواخر وبعدها،

стр. 99

فتعارضت عنده الأدلة، فترك أمره لله (١) ومثل ذلك قول أبو الهذيل العلاف (٢) قال: "لا ندرى أقتل عثمان ظالماً أو مظلوماً" (٣) . فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الحروب التى كانت مع على ومعاوية -رضى الله عنهما، رأينا أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وجعفر بن مبشر، يؤيدون وجهة نظر علىَّ بن أبى طالب ويتبرأون من معاوية وعمرو بن العاص ومن كان فى شقهما" (٤) . بل إن البلخى (٥) وهو أحد شيوخ المعتزلة رمى عمرو بن العاص ومعاوية - رضى الله عنهما - بالإلحاد (٦) ونعوذ بالله من الخذلان. وهكذا كان المعتزلة فى أصولهم مخالفين لأهل السنة فى مفهوم الإسلام الجامع، وكان لهذه الأصول الأثر السئ على الإسلام "قرآناً وسنة" وعلى المسلمين. موقف المعتزلة من السنة المطهرة: لما كان المعتزلة لا يؤمنون إلا بما يتفق مع عقولهم وأصولهم الخمسة، وكان هناك من الأحاديث النبوية ما يهدم مذهبهم ويناقض أدلتهم، كان موقفهم من السنة غاية فى الخطورة، ولا نكاد نكون مبالغين إذا قلنا: بأنهم كادوا يهدمون المصدر الثانى للتشريع الإسلامى، فهم تناقضوا فى موقفهم من السنة ونشأ التناقض بتشبثهم بالعقل إلى ما يشبه تقديسه وتأليهه، ورفض ما يتعارض معه أو تأويله بما لا يخالف رأيهم، ولذلك وقعوا فى كثير من الهنات والتناقضات دفعتهم إليها نزعتهم العقلية.

стр. 100

موقفهم من الخبر المتواتر: درج المعتزلة على مخالفة إجماع الأمة على إفادة المتواتر القطع. فذهب بعضهم إلى إنكار حجية المتواتر وإفادته العلم، وتجويز وقوعه كذباً، وحكى الإمام أبو منصور البغدادى ذلك عن "النظامية"، وهم فرقة من المعتزلة فقال فى الفضيحة السادسة عشرة من فضائح النَّظَّام (١) : قوله بأن الخبر المتواتر مع خروج ناقليه عند سماع الخبر عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها يجوز أن يقع كذباً، هذا مع قوله بأن من أخبار الآحاد ما يوجب العلم الضرورى. وقد كفره أصحابنا مع موافقيه فى الاعتزال فى هذا المذهب الذى صار إليه (٢) . ثم قال فى الفضيحة السابعة عشرة من فضائحه: "تجويزه إجماع الأمة فى كل عصر، وفى جميع الأعصار على الخطأ من جهة الرأى والاستدلال، ويلزمه على هذا الأصل أن لا يقف بشئ مما اجتمعت الأمة عليه، لجواز خطئهم فيه عنده، وإذا كانت أحكام الشريعة منها ما أخذه المسلمون عن خبر متواتر، ومنها ما أخذوه عن أخبار الآحاد، ومنها ما أجمعوا عليه وأخذوه عن اجتهاد وقياس، وكان النظام دافعاً لحجة التواتر، ولحجة الإجماع، وقد أبطل القياس وخبر الواحد إذا لم يوجد العلم الضرورى، فكأنه أراد إبطال أحكام فروع الشريعة لأبطاله طرقها أ. هـ. (٣) . والمعتزلة: هم أول الفرق التى اشترطت فى قبول الأخبار العدد كما فى الشهادة، وما أرادوا بذلك الشرط إلا تعطيل الأخبار والأحكام الواردة فيها. وفى ذلك يقول الإمام الحازمى (٤) : "ولا أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخرى المعتزلة؛

стр. 101

فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا فى الرواية ما اعتبروا فى الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان (١) . وها هم رؤساء المعتزلة يصرحون باشتراط العدد ويتناقضون فى نسبته. فيحكى الإمام أبو منصور البغدادى عن الهذيلية وهم فرقة من المعتزلة فقال فى الفضيحة السادسة من فضائح أبى الهذيل قوله: إن الحجة من طريق الأخبار فيما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيما سواها، لا تثبت بأقل من عشرين نفساً فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر، ولم يوجب بأخبار الكفرة والفسقه حجة وإن بلغوا عدد التواتر الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنة، وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكماً، ومن فوق الأربعة إلى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم، وقد لا يقع العلم بخبرهم، وخبر العشرين إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة يجب وقوع العلم منه لا محالة، واستدل على أن العشرين حجة بقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) . وقال: لم يبح لهم قتالهم إلا وهم عليهم حجة، وهذا يوجب عليه أن يكون خبر الواحد حجة موجبة للعلم؛ لأن الواحد فى ذلك الوقت كان له قتال العشرة من المشركين، فيكون جواز قتاله لهم دليلاً على كونه حجة عليهم. قال الإمام عبد القادر البغدادى: ما أراد أبو الهذيل باعتبار عشرين فى الحجة من جهة الخبر إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة إلا تعطيل الأخبار الواردة فى الأحكام الشرعية عن فوائدها لأنه أراد بقوله: "ينبغى أن يكون فيهم واحد من أهل الجنة، واحداً يكون على بدعته فى الاعتزال والقدر وفى فناء مقدورات الله لأن من لم يقل بذلك لا يكون عنده مؤمناً ولا من أهل الجنة، ولم يقل قبل أبى الهذيل أحد ببدعة أبى الهذيل حتى تكون روايته فى جملة العشرين على شرطه (٣) .

стр. 102

ونقل الإمام الآمدى فى الإحكام: اتفاق الجمهور من الفقهاء، والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضرورى.وقال الكعبى (١) وأبو الحسين البصرى (٢) من المعتزلة، والدقاق (٣) من أصحاب الشافعى؛ أنه نظرى (٤) . ثم اختلف هؤلاء فى أقل عدد يحصل معه العلم (٥) . ويحكى الإمام ابن حزم مثل ما حكاه الحافظ الحازمى: من أن المعتزلة: هم أول من اشترطوا العدد فى قبول الأخبار، فخالفوا بذلك جميع أهل الإسلام فقال: "إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة على النبى ﷺ . يجرى على ذلك كل فرقة فى علمها كأهل السنة، والخوارج، والشيعة، والقدرية حتى حدث متكلموا المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع بذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد يتدين بما يروى عن أبى الحسين البصرى من المعتزلة ويفتى به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم (٦) . وإذا كان الحازمى حكى فى شروط الأئمة الخمسة عن بعض متأخرى المعتزلة اشتراط العدد فى الرواية كما فى الشهادة، وحكى ذلك أيضاً عن بعض أصحاب الحديث كما حكاه السيوطى (٧) . فقد أجاب شيخ الإسلام ابن حجر ﵁ عن حكاية ذلك الشرط عن بعض أصحاب الحديث بقوله:

стр. 103

"وقد فهم بعضهم ذلك من خلال كلام الحاكم (١) فى معرفة علوم الحديث، وفى المدخل إلى الأكليل عند كلامه فى شرط البخارى ومسلم، وبذلك جزم ابن الأثير (٢) فى مقدمة جامع الأصول وغيره، ولا حجة لهم فيما فهموه، ومنقوض بما فى الصحيحين من الغرائب الصحيحة التى تفرد بها بعض الرواة" (٣) . يقول الحافظ ابن حجر: وقد وهم بعضهم حيث نسب إلى الحاكم أنه ادعى أن شرط الشيخين رواية الاثنين، ولكنه غلط على الحاكم (٤) . موقفهم من خبر الآحاد: وتناقض المعتزلة فى حجية خبر الآحاد، فحكى الآمدى (٥) عن أبى الحسين البصرى جواز التعبد بخبر الواحد عقلاً (٦) ، وحكى الإمام الجوينى (٧) عن قوم من المعتزلة، والرافضة قالوا:

стр. 104

[لا يجوز العمل به شرعاً] (١) . ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادى عن الخياط المعتزلى، أنه مع ضلالته فى القدر، وفى المعدومات؛ منكر الحجة فى أخبار الآحاد، قال الأستاذ أبو منصور، وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة، فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد (٢) . تناقض المعتزلة فى العدد المطلوب لقبول خبر الآحاد: ومن قبل خبر الآحاد من المعتزلة تناقض فى العدد المطلوب لقبوله، وذهب إلى عدم الاحتجاج به فى الأعمال إلا بشروط: فأما تناقضهم فى العدد المطلوب لقبوله. فحكى عن أبى على الجبائى "أنه لا يقبل الخبر إلا إذا رواه أربعة" (٣) . وحكى عنه أيضاً قوله: "لا يقبل فى الشرعيات أقل من اثنين" (٤) ، ونقل عنه أيضاً قوله: "يعتبر عدد يزيد عن شهود الزنا" (٥) . واشترط رجلين عن رجلين "إسماعيل بن إبراهيم بن عليه" (٦) وهو من الفقهاء المحدثين، إلا إنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال، وقد كان الإمام الشافعى يرد عليه ويحذر منه. ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادى: "أن بعضهم اشترط فى قبول الخبر: أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه، واشترط بعضهم أربعة عن أربعة إلى منتهاه، وبعضهم خمسة عن خمسة إلى منتهاه، وبعضهم سبعة عن سبعة" (٧) .

стр. 105

أما من ذهب إلى عدم الاحتجاج به فى الأعمال إلا بشروط؛ فاشترط: ١- ألا يخالف ظاهر القرآن الكريم، وهو أحد أصولهم كما سبق، فإذا ورد الحديث مخالفاً لظاهر القرآن الكريم؛ كان دليلاً على عدم صحته حتى مع إمكان الجمع بين هذا التعارض الظاهرى، وهذا الشرط أصل من أصول أهل الزيغ والابتداع من الخوارج والجهمية والجبرية والمعتزلة كما حكاه عنهم الأئمة: ابن قيم الجوزية (١) ، والشاطبى (٢) ، وابن قتيبة (٣) وغيرهم. ٢- كما اشترط بعضهم ألا يخالف خبر الآحاد العقل: قال أبو الحسين: لم يقبل ظاهر الخبر فى مخالفة مقتضى العقل، لأنا قد علمنا بالعقل على الإطلاق أن الله لا يكلف إلا ما يطاق وأن ذلك قبيح، فلو قبلنا الخبر فى خلافه، لم يخل، إما أن نعتقد صدق النبى ﷺ . فى ذلك فيجتمع لنا صدق النقيضين، أو لا نصدقه فنعدل عن مدلول المعجز وذلك محال (٤) . ٣- كما ذهب فريق الاعتزال إلى أن خبر الآحاد لا يقبل فيما طريقه الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد إنما ينبنى على اليقين لا الظن، وخبر الآحاد إنما يفيد الظن (٥) ، وأما اليقين فإنما يؤخذ من حجج العقول؛ كما قال الجاحظ (٦) : وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل (٧) . وقال: والاستنباط هو الذى يفضى بصاحبه إلى برد اليقين، وعز الثقة، والقضية الصحيحة، والحكم المحمود (٨) .

стр. 106

وقال القاضى عبد الجبار (١) : وإن كان - أى خبر الآحاد - مما طريقه الاعتقادات ينظر، فإن كان موافقاً لحجج العقول قبل واعتقد بموجبه، لا لمكانة بل للحجة العقلية، وإن لم يكن موافقاً لها، فإن الواجب أن يرد ويحكم بأن النبى ﷺ . لم يقله، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف، فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول (٢) . بل زعموا أن من أخبار الآحاد ما يعلم أنه بروايته ارتكب عظيماً، مما روى فى باب التشبيه والجبر وغيرها من ضروب الخطأ، ولولا الدلالة على وجوب العمل به على بعض الوجوه لم يكن فى نقله فائدة (٣) . وسيأتى الجواب عن هذه الشروط فى الرد على شبه منكرى حجية خبر الآحاد. موقف المعتزلة من الصحابة وأثر ذلك على السنة النبوية: موقف المعتزلة من الصحابة ﵃، لا يقل سوءً وخطراً من موقف الشيعة من الصحابة وأول ما يطالعنا من موقفهم من الصحابة أحد أصولهم الواردة على لسان أحمد بن يحيى بن المرتضى، وهو تولى الصحابة، والاختلاف فى عثمان بعد الأحداث، والبراءة من معاوية وعمرو بن العاص. وهذا الأصل كما سبق هو أحد الفوارق فى الأصول عندهم فهم وإن صححوا خلافة أبى بكر الصديق ﵁ حتى من قال منهم بأفضلية على بن أبى طالب إلا أننا نجد النظام يتطاول عليه، وعلى كثير من أعلام الصحابة كالفاروق عمر، وعثمان، وعلى، وابن مسعود، وأبى هريرة وغيرهم. فلا ندرى ماذا يعنون بتولى الصحابة قبل اختلافهم فى سيدنا عثمان ﵃.

стр. 107

حتى إذا كانت فتنة سيدنا عثمان ﵁ رأيناهم يشكون فى عدالته، فيعلنون التوقف فيه وفى خاذلية وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم، لأنهم أشكل عليهم الأمر فى حاله ﵁ قبل الفتنة وبعدها، فتركوا أمره لله . وهذا التوقف والشك فى عدالة أمير المؤمنين، حكاه كما سبق الخياط عن واصل بن عطاء، وقال الخياط: هذا قول لا تبرأ المعتزلة منه، ولا تعتذر من القول به (١) . حتى إذا كانت فتنة على بن أبى طالب ومعاوية - رضى الله عنهما - رأيناهم ما بين موقن بفسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وما بين موقن بفسقهما معاً، وأعلنوا البراءة من معاوية، وعمرو بن العاص ومن كان فى شقهما (٢) ، بل إن البلخى وهو أحد شيوخ المعتزلة تجرأ برميهما - رضى الله عنهما - بالإلحاد، كما سبق (٣) . حكى الإمام عبد القادر البغدادى فى كتابه (الفرق بين الفرق) عن شيخ المعتزلة واصل ابن عطاء زعمه أن فرقة من الفرقتين (أصحاب الجمل وصفين) فسقه لا بأعيانهم، وأنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازا أن يكون الفسقة من الفرقتين علياً وأتباعه، كالحسن، والحسين، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبى أيوب الأنصارى، وسائر من كان مع على يوم الجمل، وأجازا كون الفسقة من الفرقتين عائشة، وطلحة، والزبير، وسائر أصحاب الجمل، ثم قال فى تحقيق فى الفرقتين لو شهد على، وطلحة، أو على، والزبير، أو رجل من أصحاب الجمل عندى على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما، لعلمى بأن أحدهما فاسق لا بعينه، كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين لعلمى بأن أحدهما فاسق لا بعينه، ولو شهد رجلان من إحدى الفرقتين أيهما كان قبلت شهادتهما. يقول الإمام البغدادى: "ولقد سخنت عيون الرافضة القائلين بالاعتزال بشك شيخ المعتزلة فى عدالة على واتباعه، ومقالة واصل فى الجملة كما قلنا فى بعض أشعارنا: مقالة ما وصلت بواصل *** بل قطع الله به أوصالها (٤)

стр. 108

وإذا كان واصل بن عطاء أيقن بفسق إحدى الفرقتين لا بعينها، فقد أيقن بفسقهما معاً وصرح بذلك عمرو بن عبيد كما حكاه عنه البغدادى (١) . وعن طعن المعتزلة فى الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قال الإمام البغدادى فى الفضيحة الحادية والعشرون من فضائح النظام: "ثم إن النظام - مع ضلالاته التى حكيناها عنه - طعن فى أخيار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد، فذكر الجاحظ عنه فى كتاب (المعارف) وفى كتابه المعروف بـ (الفتيا) أنه عاب أصحاب الحديث ورواياتهم أحاديث أبى هريرة ﵃، وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس، وطعن فى الفاروق عمر ﵁ وزعم أنه شك يوم الحديبية فى دينه، وشك يوم وفاة النبى ﷺ .، وأنه كان فيمن نفر بالنبى ﷺ . ليلة العقبة، وأنه ضرب فاطمة، ومنع ميراث العترة، وأنكر تغريب نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة، وزعم أنه ابتدع صلاة التراويح، ونهى عن متعة الحج، وحرم نكاح الموالى للعربيات ... إلخ. ... ثم إنه قال فى كتابه: [إن الذين حكموا بالرأى من الصحابة، إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائز لهم، وجهلوا تحريم الحكم بالرأى فى الفتيا عليهم، وإما أنهم أرادوا أن يذكروا بالخلاف، وأن يكونوا رؤساء فى المذاهب، فاختاروا لذلك القول بالرأى، فنسبهم إلى إ يثار الهوى على الدين، وما للصحابة ﵃ عند هذا الملحد الفرى ذنب غير أنهم كانوا موحدين لا يقولون بكفر القدرية الذين ادعوا مع الله تعالى خالقين كثيرين] (٢) . وقد ذكر الإمام البغدادى بعد ذلك: "أن نسبة النظام الصحابة إلى الجهل والنفاق يترتب عليه خلود أعلام الصحابة فى النار على رأى النظام، لأن الجاهل بأحكام الدين عنده كافر، والمتعمد للخلاف بلا حجة عنده منافق كافر أو فاسق فاجر، وكلاهما من أهل النار على الخلود (٣) . وهذا الذى ذكره الإمام البغدادى وافقه على أكثر ما فيه الإمام الشهرستانى (٤) فى كتابه (الملل والنحل)

стр. 109

والإمام ابن قتيبة (١) فى كتابه (تأويل مختلف الحديث) وقد أغنانا فى الرد على النظام ومن ذهب مذهبه وعلى كل دعاويه واتهاماته الباطلة لصحابة سيدنا رسول الله ﵃ بما لا يدع مجالاً للشك فى تهافت فكرهم وتفاهة رأيهم، وتحقيراً لشأنهم، الإمام ابن قتيبة (٢) . وهكذا يظهر واضحاً أن المعتزلة ما بين شاك فى عدالة الصحابة، منذ عهد فتنة سيدنا عثمان ﵁ وما بين موقن بفسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وما بين موقن بفسقهما معاً، وما بين طاعن فى أعلامهم، متهم لهم بالكذب والجهل والكفر والنفاق كالنظام. مع أن رؤساءهم وخاصة الذين طعنوا منهم فى الصحابة - كانوا من الرقة فى الدين بحيث يصف أحدهم وهو ثمامة بن أشرس - جمهور المسارعين إلى الصلاة بأنهم "حمير": وكانوا من الشعوبية والكره للعرب بحيث يقول ثمامة نفسه: "انظر إلى هذا العربى يعنى محمد ﷺ . ماذا فعل بالناس؟ فماذا ننتظر من هذا الشعوبى الماجن أن يقول عن صحابة رسول الله ﵃؟ وماذا ننتظر أن يكون رأيه فى السنة التى حققها أئمة الحديث ومحققوهم (٣) ؟ ولا يقف قدح المعتزلة عند الصحابة فقط، بل يمتد إلى القدح فى التابعين ﵃ وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم. وربما ردوا فتاويهم وقبحوها فى أسماع العامة لينفروا الأمة عن إتباع السنة وأهلها (٤) وسيأتى تفصيل ذلك والجواب عنه فى مبحث عدالة أهل السنة.

стр. 110

وبعد فإن أصول المعتزلة على اختلافها كان لها أسوء الأثر على الإسلام ورواته حيث وقف المعتزلة بأصولهم من الوحى قرأناً وسنة، ومن الصحابة موقف التحدى، فإذا بدا خلاف فى ظاهر النصوص وبين أصولهم أو رأى لا يرونه أولوا النص بما يخرج عن معناه الحقيقى إلى ما يوافق رأيهم (١) . وعن خطورة تأويلهم آيات القرآن الكريم بما يوافق أصولهم يقول الإمام الأشعرى: إن كثيراً من الزائغين عن الحق من المعتزلة، وأهل القدر، مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم، ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به الله سلطاناً، ولا يصح به برهاناً، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين (٢) . ويقول فضيلة الدكتور أبو شهبة ﵀: المعتزلة من أعظم الناس كلاماً وجدالاً، وقد صنفوا تفاسيرهم على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، شيخ إسماعيل بن عليه، الذى كان يناظر الشافعى، ومثل كتاب أبى على الجبائى، والتفسير الكبير للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى والكشاف لأبى القاسم الزمخشرى. والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين فى رأيهم، ولا فى تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارةً من العلم بفساد ما فسروا به القرآن ... ، ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحاً، ويدس السم فى كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السلف، كثير من تفاسيرهم الباطلة] أ. هـ. (٣) . ولا يقف خطر أصولهم عند تأويلهم القرآن الكريم مما لم ينزل به الله سلطاناً، وإنما كان لهذه الأصول خطرها الأعظم على السنة المطهرة، فما تعارض من الأحاديث الصحيحة مع هذه الأصول، إما يؤولونه تأويلاً يشبه الرد،
следующие страницы →