.. ويرجع اختلاف الأحاديث أيضاً إلى أنها ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبى ﷺ وهى كثيرة، ومنها ما أصله قولى، ولكن الصحابى لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبى ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا ... وأشباه هذا وهذا كثير أيضاً. وهذان الضربان ليسا محل نزاع. ولا دخل للرواية بالمعنى فيهما، والكلام فى ما يقول الصحابى فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك، ومن تتبع هذا فى الأحاديث التى يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو فى بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله ﷺ يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها، فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها (١) .
стр. 422
ومنهم من يشدد ويصحح ما يسمعه من الرواة من تغيير اللفظ النبوى بالتقديم والتأخير، أو استبدال كلمة بمرادفها، كابن عمر ﵁ فعن عُبَيْد بن عمير (١) ؛ أن ابن عمر كان جالساً مع أبيه وعندهم مغيرة بن حكيم – رجل من أهل صنعاء – إذ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين (٢) من الغنم"، فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ فقال رجل: لو علمت علمه، علمت أنه لم يقل إلا حقاً ولم يتعمد الكذب، فقال: إنه لثقة، ولكنى شاهد رسول الله ﷺ يوم قال، هذا فقال كيف يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق مثل الشاة بين الغنمين". فقال عُبَيْد بن عُمَير هى واحدة إذا لم يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً، فلا يضرك أن قدمت شيئاً أو أخرته؛ فهو واحد" (٣) .
стр. 423
.. وسمع ابن عمر أيضاً رجلاً يردد حديث الأركان الخمسة، فقدم بعضها وآخر بعضاً مخالفاً بذلك الرواية التى سمعها ابن عمر بنفسه من رسول الله ﷺ ، فقال له ابن عمر –رضى الله عنهما-: "اجعل صيام رمضان أخرهن، كما سمعت من فى رسول الله ﷺ " (١) .
... وروى الخطيب بسنده عن العلاء بن سعد بن مسعود قال: قيل لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ : مالك لا تحدث كما يحدث فلان وفلان؟ فقال: ما بى ألا أكون سمعت مثل ما سمعوا، أو حضرت مثل ما حضروا، ولكن لم يدرس الأمر بعد، والناس متماسكون، فأنا أجد من يكفينى، وأكره التزيد والنقصان فى حديث رسول الله ﷺ " (٢) .
... وفى عصر التابعين، وأتباع التابعين ظل كثير من الرواة يؤدى حديث رسول الله ﷺ بلفظه ونصه، حتى فى الحروف وفى ذلك يقول الأعمش: "كان العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً" (٣) .
... وكان مالك ﵀ يتقى فى حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما (٤) . وممن اعتمد ذلك الإمام مسلم ﵀ فإنه فى صحيحه يميز اختلاف الرواة حتى فى حرف من المتن، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان فى بعضه اختلاف فى المعنى، ولكنه خفىٌ لا يفطن له، إلا من هو فى العلم بمكان، وكذا سلكه الإمامان البخارى، وأبو داود، وسبقهما لذلك شيخهما الإمام أحمد (٥) .
стр. 424
.. ومن أمثلة ذلك: ما روى عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأسلم وغفار، وشئ من مزينة وجهينة، أو شئ من جهينة ومزينة، خير عند الله، قال: أحسبه قال يوم القيامة، من أسد، وغطفان، وهوازن وتميم" (١) وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى تبديل حرف مشدد بمخفف، فعن أم كلثوم بنت عقبة (٢) - رضى الله عنها - قالت: "ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً. قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين فقال أحدهما: نمى خيراً خفيفة، وقال الآخر: نمى خيراً مثقلة (٣) .
... وأشد من كل هذا تحرج بعضهم من تغيير اللحن الوارد فى كلام الراوى صحابياً كان أو تابعياً، لأنه سمعه هكذا، فلا ضير من استعمال (حوث) بدلاً من "حيث" (٤) ، أو "لغيت" بدلاً من "لغوت" (٥) ، و "عوثاء السفر"، بدلاً من "وعثائه" (٦) ؛ ولذلك رووا عن محمد بن سيرين؛ أنه "كان يلحن كما يلحن الراوى" (٧) .
стр. 425
.. ثم رأى العلماء أن يميزوا فى هذا الموضوع بين لحن يحيل المعنى، وآخر لا يحيله، فرأوا أنه لابد من تغيير اللحن الذى يفسد المعنى، وقالوا بضرورة رد الحديث إلى الصواب إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب" (١) .
... وبكل ذلك يسقط قول دعاة الفتنة وأدعياء العلم: "أن الرواية بالمعنى هى القاعدة الثابتة فى رواية الحديث (٢) ، وأن الرواة تناقلوا الحديث بألفاظهم فى جميع العصور (٣) .
стр. 426
"ومن أجل ذلك كله نستطيع أن نقول ونحن مطمئنون: "إن الرواية بالمعنى لم يكن لها أثر فى ثبوت السنة وحجيتها ولم تفض إلى النتائج الخطيرة التى يزعمها دعاة الإلحاد، لأنها كانت قبل فساد اللسان العربى، من صحابة عايشوا الوحى، وتنزلاته، وخالطوا صاحب الشرع ﷺ ، ومن أئمة كبار فى اللغة والشرع معاً، وكانوا يرونها رخصة عند الاضطرار (١) ، وكان نسيانهم قليلاً، بل نادراً، فإن كان ففى بعض حروف العطف، أو المفردات، أو بعض الجمل" (٢) . ... وكانوا يقيدون ذلك ببعض العبارات الدالة على الحيطة والورع فى روايتهم بالمعنى كقولهم: "أو كما قال"، "أو كما ورد" "أو نحوه" "أو شبهه" (٣) .
стр. 427
يقول الأستاذ محمد أسد: "إذا كان مئات الصحابة قد حفظوا جميع القرآن الكريم غيباً بلفظه، وبما فيه من فروق ضئيلة فى الرسم (التهجئة) فلا ريب فى أنه كان ممكناً لهم، وللتابعين من بعدهم أن يحفظوا أقوال الرسول ﷺ متفرقة كما حفظوا القرآن سواء بسواء، ولكن من غير أن يزيدوا على الأحاديث أو أن ينقصوا منها شيئاً. إن المحدثين يرون أن الحديث الصحيح ما رُوى واحداً فى معناه ولكن بأسانيد مختلفة مستقلة" (١) .
الاحتجاج بالسنة والاستشهاد بها فى قواعد النحو واللغة:
... عرفنا فيما سبق أن الأصل فى رواية الحديث روايته بلفظه، وذلك منذ عصر النبوة المباركة، والصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى عصر التدوين الرسمى للسنة. والفرع هو الترخص فى روايته بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها، كما عرفنا كيف كانوا يتشددون فى الرواية باللفظ والاعتراض على من يقدم ويؤخر فى اللفظ النبوى، أو يستبدل كلمة بمرادفها، بل كان سقوط أحدهم من السماء أحب إليه من أن يزيد فى الحديث واواً أو ألفاً أو دالاً، وبلغ من شدة المحافظة على اللفظ النبوى أن بعضهم يأبى تبديل حرف مشددَّ بمخفف أو العكس، بل ويأبى بعضهم تغيير اللحن الوارد فى كلام شيخه ما دام سمعه منه، حتى إذا شك الراوى فى لفظين أوردهما جميعاً متشككاً كما جاء فى الحديث: "وهل يكُبُّ النَّاسَ فى النَّارِ على وُجُوهِهِمْ أَوْ على مَنَاخِرِهِمْ إلا حَصَائِدُ أَلْسَنِتْهم" (٢) .
وهكذا حافظ رواة السنة على لفظ النبى ﷺ ، حتى وصلت إلينا سنة المصطفى ﷺ سالمة من كل تحريف وتبديل.
стр. 428
.. نعم: وصلت إلينا السنة المطهرة بلفظ النبى ﷺ ، بلفظ أبلغ ما عرف فى لغة العرب، وعرف الدارسون من البيان البشرى، وفى ذلك يصف أبو حيان بلاغة السنة قائلاً: "والثانى: سنة رسول الله ﷺ ، فإنها السبيل الواضح، والنجم اللائح، والقائد الناصح، والعلم المنصوب والأمر المقصود، والغاية فى البيان والنهاية فى البرهان، والمفزع عند الخصام، والقدرة لجميع الأنام" (١) .
... من أجل ذلك؛ فإن الاحتجاج بالحديث فى اللغة، والنحو أمر طبيعى، وما زعمه المانعون من عدم الاحتجاج به؛ لأنه روى بالمعنى، ولا نستطيع الجزم بأنه لفظ النبى ﷺ (٢) فهذا الزعم يسقط بما سبق ذكره، وتفصيله من أن الأصل فى رواية الحديث أن تكون باللفظ، والفرع هو الترخص فى روايتها بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها، ولفظه فى هذه الحالة أيضاً حجة، ولِمَ لا، وعلماء اللغة عندما جمعوا اللغة العربية النقية البعيدة عن الخطأ واللحن كانوا يذهبون إلى البوادى ليستمعوا إلى اللغة من فصحاء العرب، ومن بلغاء البادية مختارين القبائل التى اشتهرت بفصحاتها، مثل قريش، وتميم، وهذيل وأسد وغيرهم.
стр. 429
.. وكانوا يتحرون فى اختيار الفصحاء، فلم يأخذوا إلا من الذى وثقوا فى فصاحته، ولم يشكوا فى مخالطته لغير العرب، وقد حدد العلماء بعض العصور التى أخذوا عنها اللغة؛ كالعصر الجاهلى، وصدر الإسلام، وبنى أمية، حتى القرن الثانى الهجرى، ولم يلتفتوا إلىما جاء بعد ذلك عن العرب من شعر ونثر، باعتبار أنه لا يحتج به (١) . وكل هذا ينطبق على رواة السنة والأحاديث المروية، لأن الرواية بالمعنى كانت فى القرن الأول قبل فساد اللسان العربى وعلى قلة وفى حدود ضيقة، هذا فى الوقت الذى كانت فيه كتابات عديدة للصحابة فى زمن النبوة وبعده، وكذلك كتابات التابعين فمن بعدهم حتى زمن التدوين الرسمى للسنة فى القرن الأول نفسه، مما يرجح أن الذى فى مدونات الطبقة الأولى لفظ النبى ﷺ نفسه، فإن كان هناك إبدال لفظ بمرادفه فالذى أبدله عربى فصيح يحتج بكلامه العادى، حتى إذا دونت السنة المطهرة منع من الرواية بالمعنى وتغيير الفظ المدون بلا خلاف كما قال ابن الصلاح (٢) .
... ويقول الدكتور محمد الصباغ: "ومهما يكن من أمر الحديث فإنه أحسن حالاً بكثير من الأشعار والأبيات التى يلجأ إليها النحويون ويملؤون بها كتبهم، وبعضها منحول، والآخر مشكوك فيه، أو مجهول لا يعرف قائله (٣) .
стр. 430
.. ويقول الأستاذ سعيد الأفغانى: "إن ما فى روايات الحديث من ضبط ودقة وتحر لا يتحلى ببعضه كل ما يحتج به النحاة، واللغويون من كلام العرب (١) . ثم إن المطلوب فى نقل قواعد اللغة والنحو من حديث رسول الله ﷺ هو غلبة الظن، والغالب على الظن أن الحديث لم يتغير لفظه (٢) .
стр. 431
أما ما زعموه من وقوع اللحن فى بعض الأحاديث بسبب عجمة بعض الرواة (١) ؛ فهو شئ –إن وقع- قليلٌ جداً، لا ينبنى عليه حكم، ولا يقوم بهذا الزعم حجة لأحد ولا يصح أن يمنع من أجله الاحتجاج بالحديث الصحيح (٢) ، وهل يمنع عاقل الاحتجاج بالقرآن إذا لحن به بعض الناس؟!! ٠ ثم إن اللحن كان موجوداً فى غير نصوص السنة من موارد اللغة التى اعتمد عليها النحاة من شعر ونثر، ورغم ذلك فقد قبلت؛ لأن العبرة بغلبة العصر لا بلحن الأفراد. ولم يقل أحد أنه لا يحتج بهما فى اللغة والنحو (٣) . ثم إن ما ذكره هؤلاء من اللحن فى الأحاديث الصحيحة لم يكن لحناً وإنما هو لغة من لغات العرب - وسيأتى بعد قليل أمثلة على ذلك - وقد حذر العلماء من اللحن فى الحديث أشد التحذير، وعد بعضهم الحديث الملحون كذباً على النبى ﷺ : قال الأصمعى (٤)
стр. 432
: "إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل فى جملة قوله ﷺ : "من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (١) . لأنه لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه (٢) فقد كذبت عليه (٣) .
أما ما زعموه من أن أحداً من أئمة النحو المتقدمين لم يحتج فى كتبه بالحديث (٤) . فذلك إن صح كما يقول الدكتور محمود فجال: فليس معناه أنهم كانوا لا يجيزون الاستشهاد به إذ لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به، فـ (سيبويه) مثلاً إذا ذهبنا نقرأ كتابة المسمى بـ (الكتاب) فلن نجد فيه كلاماً رفعه للنبى ﷺ ولا مرة واحدة، وفى (الكتاب) نصوص كثيرة توافق الأحاديث النبوية ... ولكن (سيبويه) لم يستشهد بها على أنها أحاديث من النبى ﷺ بل على أنها من كلام العرب.
стр. 433
.. قال (سيبويه) فى كتابة (١) : "وأما قولهم: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" (٢) فانظر كيف جعله كلاماً صادراً من العرب الذين يحتج بكلامهم (٣) .
... يقول الدكتور محمود فجال: إن عدم استدلال بعضهم بالحديث على أنه مرفوع للنبى ﷺ لا يعنى أنهم لا يجيزون الاستدلال به، وإنما يعنى عدم خبرتهم بهذا العلم الدقيق، وهو علم رواية الحديث ودرايته، لأن تحصيله بحاجة إلى فراغ، وطول زمان، كما يعنى عدم تعاطيهم إياه (٤) .
... أما (ابن مالك) فهو إمام فى الحديث بالإضافة إلى إمامته فى علم العربية، وهذا هو السبب الذى حدا به إلى الاستشهاد بالحديث.
... قال (الصلاح الصفدى) : كان-ابن مالك-أمة فى الإطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهدٌ عَدَلَ إلى الحديث، فإن لم يكن فيه شاهدٌ عَدَلَ إلى أشعار العرب (٥) .
стр. 434
.. والقدامى لم يثيروا هذه القضية، ولم يناقشوا مبدأ الاحتجاج بالحديث، وبالتالى لم يصرحوا برفض الاستشهاد به، وإنما هو استنتاج من المتأخرين الذين لاحظوا - خطأ - أن القدامى لم يستشهدوا بالحديث، فبنوا عليه أنهم يرفضون الاستشهاد به ثم حاولوا تعلل ذلك. إذاً فقد كان المتأخرون مخطئين فيما أدعوه من رفض النحاة القدامى الاستشهاد بالحديث وكانوا واهمين حينما ظنوا أنهم هم أيضاً برفضهم الاستشهاد بالحديث إنما ينهجون نهجهم. ونحن نحمل (ابن الضائع) و "أبا حيان" تبعة شيوع هذه القضية الخاطئة فهما أول من روج لها، ونادى بها، وعنهما أخذها العلماء، دون تمحيص أو تحقيق ثقة فى حكمهما ... ولعل منشأ تلك الفكرة الخاطئة، هو أن القدماء سكتوا عن الاستشهاد بالحديث، واكتفوا بدخوله تحت المعنى العام لكلمة (نصوص فصحاء العرب) ثم حين جاء من بعدهم ودونوا هذه الفكرة كانوا يفهمون ذلك فلم يخصوا الحديث النبوى بنص مستقل، فلما جاء (ابن الضائع) و (أبو حيان) وغيرهما ولم يجدوا نصاً مستقلاً يعد الحديث من مصادر الاحتجاج، ظنوا أن القدماء لم يكونوا يستشهدون به، وسجلوا هذا الظن على أنه حقيقة واقعة، وجاء من بعدهم فنقلوا عنهم دون تمحيص، وتابعوهم من غير بحث.
... ويؤيد هذا الافتراض أن (السيوطى) استنبط من قول صاحب (ثمار الصناعة) : (النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله تعالى - وكلام فصحاء العرب) أن النحاة لم يكونوا يستشهدون بالحديث، فعقب على ذلك بقوله: "فقصره عليهما، ولم يذكر الحديث" (١)
стр. 435
.. يقول الدكتور محمود فجال:"وهناك أسباب كثيرة تحمل على الشك فى صحة ما نسب إلى الأقدمين من رفضهم الاستشهاد بالحديث، بل هناك من الدلائل ما يكاد يقطع-إن لم يكن يقطع فعلاً - أنهم كانوا يستشهدون به، ويبنون عليه قواعدهم، سواء منهم من اشتغل باللغة أو النحو أو بهما معاً. ولهذا لا يسع الباحث المدقق أن يسلم بما ادعاه المتأخرون. وسنده فى ذلك ما يأتى:
أولاً: أن الأحاديث أصح سنداً من كثير مما ينقل من أشعار العرب، ولهذا قال (الفيومى) بعد أن استشهد بحديث: "فأثنوا عليه شراً" على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشر (١) قال: "قد نقل هذا العدل الضابط، عن العدل الضابط عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة؛ فإنهم يكتفون فى النقل عن واحد ولا يعرفون حاله (٢) .
ثانياً: أن المحدثين الذين ذهبوا إلى جواز الرواية بالمعنى شرطوا فى الراوى أن يكون محيطاً بجميع دقائق اللغة، وإلا فلا يجوز له الرواية بالمعنى.على أن المجيزين الرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هى الأولى، ولم يجيزوا النقل بالمعنى إلا فيما لم يدون فى الكتب وفى حالة الضرورة فقط (٣) .وقد ثبت أن كثيراً من الرواة فى الصدر الأول كانت لهم كتب يرجعون إليها عند الرواية، ولا شك أن كتابة الحديث تساعد على روايته بلفظه وحفظه عن ظهر قلب مما يبعده عن أن يدخله غلط أو تصحيف.
ثالثاً: أن كثيراً من الأحاديث دون فى الصدر الأول قبل فساد اللغة على أيدى رجال يحتج بأقوالهم فى العربية، فالتبديل على فرض ثبوته، إنما كان ممن يسوغ الاحتجاج بكلامه. فغايته تبديل لفظ يصح الاحتجاج به بلفظ كذلك (٤) .
стр. 436
رابعاً: أن اللغويين احتجوا بالحديث فى اللغة، لأجل الاستدلال على معانى الكلمات العربية، وهو ما دفع (السهيلى) إلى أن يقول: "لا نعلم أحداً من علماء العربية خالف فى هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان فى شرح التسهيل، وأبو الحسن بن الضائع فى شرح الجمل، وتابعهما على ذلك الإمام السيوطى (١) أ. هـ.
... ويقول الدكتور صبحى الصالح معللاً عدم احتجاج أئمة النحو المتقدمين بالحديث قال: "فذلك إن صح – عائد إلى أن كتب الحديث لم تكن متوفرة لغير ذوى الاختصاص فى ذلك الحين، ولولا ذلك لاقتصروا على الاستشهاد بها دون الأشعار، وقد تلافى المتأخرون هذا، فكانوا يحتجون دائماً بأحاديث رسول الله ﷺ فى معجماتهم التى اشتملت على أنقى الألفاظ وأفصحها مصحوبة بشروحها وشواهدها، كما فى "تهذيب" الأزهرى، و (صحاح) الجوهرى و (مقاييس) ابن فارس، و (فائق) الزمخشرى وغيرهم (٢) .
стр. 437
.. وفاقهم فى ذلك كله (ابن مالك) وبلغ الذروة فى كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" فقد عقده للأحاديث التى يشكل أعرابها، وذكر لها وجوهاً يستبين بها أنها من قبيل العربى الصحيح (١) . بل إن (ابن الضائع) و (أبا حيان) وهما على رأس من رفض الاستشهاد بالحديث لم تخل كتبهما من بعض الأحاديث وقد فطن إلى هذا (ابن الطيب الفاسى) فقال: "بل رأيت الاستشهاد بالحديث فى كلام أبى حيان نفسه مرات، ولا سيما فى مسائل الصرف، إلا أنه لا يقر له عماد، فهو فى كل حين فى اجتهاد" (٢) .
... ويقول الأستاذ سعيد الأفغانى: "وأغلب الظن أن من لم يستشهد بالحديث من المتقدمين لو تأخر به الزمن إلى العهد الذى راجت فيه بين الناس ثمرات علماء الحديث من رواية ودراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولما التفتوا قط إلى الأشعار والأخبار التى لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فن الحديث العلمية الدقيقة (٣) .
стр. 438
.. ويمكننا أن نعد قرار مجمع اللغة العربية فى مصر قولاً معتمداً فى موضوع الاحتجاج بالحديث فى اللغة والنحو. وهذا القرار هو: "إن العرب الذين يوثق بعربيتهم، ويستشهد بكلامهم هم عرب الأمصار إلى نهاية القرن الثانى وأهل البدو من جزيرة العرب إلى آخر القرن الرابع" (١) .
... كما رأى المجمع الاحتجاج بأنواع من الأحاديث لا ينبغى الاختلاف بالاحتجاج بها فى اللغة، وهى: الأحاديث المدونة فى الصدر الأول، ككتب الأصول الستة فما قبلها، على أن يحتج بها على الوجه التالى:
أ- الأحاديث المتواترة والمشهورة.
ب- الأحاديث التى تستعمل ألفاظها فى العبادات.
ج- الأحاديث التى تعد من جوامع الكلم.
د- كتب النبى ﷺ ومعاهداته.
هـ- الأحاديث المروية لبيان أنه كان ﷺ يخاطب كل قوم بلغتهم.
و الأحاديث التى دونها من نشأ بين العرب الفصحاء (٢) .
ن- الأحاديث التى عرف من رجال روايتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى، مثل القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة، وابن سيرين.
ج- الأحاديث المروية من طرق متعددة، وألفاظها واحدة (٣) .
стр. 439
.. يقول الأستاذ جواد رياض بعد أن نقل قرار مجمع اللغة السابق: "ومن هنا؛ فإننا نستطيع أن نعتمد على الأحاديث الصحيحة اعتماداً كلياً فى تأييد بعض قواعد النحو التى نطق بها رسول الله ﷺ ، والتى توافق لغة من لغات العرب، حتى ولو خالفت رأى جمهور النحاة، لأن قول الرسول حجة فى تصحيح أقوالنا كما هو حجة فى تصحيح أعمالنا، وما ذكره هؤلاء من اللحن فى الأحاديث الصحيحة لم يكن لحناً وإنما هو لغة من لغات العرب. مثل ما روى عن أنس ﵁ عن النبى ﷺ أنه نهى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُل قائماً، قال قَتَادَةُ فَقُلْنَا فالأَكْلُ فقال: "ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ" (١) .
... وفى حديث آخر قال: "... فوالَّذى نَفْسِى بِيَده إِنَّهُمْ لأَخْيَرُ مِنْهُمْ" (٢) . وطبقاً لما هو معروف عند أهل اللغة، فإنهم ينكرون لفظ "أَشَرَّ" و "أَخْيَرُ" ويقولون الصواب (خير) و (شر) بدون ألف كما قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤) . ولكن لا يقبل إنكارهم فإن لفظ "أشر" و "أخير"
стр. 440
صحيح أيضاً، وهو عربى فصيح، وهو لغة من لغات العرب، وإن كانت قليلة الاستعمال، وبالتالى فلا يقبل إنكار هذه اللغة أو ردها ما دامت قد تكررت فى الأحاديث الصحيحة، ويوجد لها نظائر مما لم يكن معروفاً عند اللغويين وجارياً على قواعدهم، لأن النحويين كما قال الإمام النووى لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب، ولهذا يمنع بعضهم ما ينقله غيره من العرب كما هو معروف (١) .
ومن هنا يتبين أن قول الرسول ﷺ (أَشَرَّ) و (أَخْيَرُ) صحيح حتى ولو كان مخالفاً لرأى جمهور النحاة، فالاحتجاج بالحديث الصحيح هو الأولى (٢) .
стр. 441
وأخيراً: (لا نملك إلا أن نرد قضية الاحتجاج إلى معيار لا يخطئ أبداً، وهو معيار الفصاحة والصفاء والسلامة من الفساد، فلا يحتج فى الحديث، ولا فى غيره، بمن لابس الضعف لغته، وخالطت العجمة كلامه، وتسربت الركة إلى لفظه مهما يَسمُو مقامه. وكان هذا المعيار الدقيق كفيلاً - لو عرفه اللغويون المتقدمون فى وقت مبكر - بإرساء قواعد اللغة وأصول النحو على دعائم ثابتة قوية، وبقطف ثمار تلك الأصول فى نتاج نحوى غنى بالشواهد كنتاج ابن مالك، وابن هشام، من رجال النحو المتأخرين وأئمته الأعلام" (١) . ومذهبهم هو الأصل السديد الصحيح، وهو الذى أخذ به جمهور علماء اللغة الذين امتلأت معجماتهم التى تركوها بالحديث، وكذلك كتب أئمة النحو المتقدمين؛ كابن فارس، وابن جنى، وابن برى، والسهيلى، حتى قال ابن الطيب: "لا نعلم أحد من علماء اللغة خالف هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان (٧٤٥هـ) فى شرح التسهيل، وأبو الحسن بن الضائع (٦٨٠) فى شرح الجمل، وتابعهما فى ذلك الإمام السيوطى (٢) أ. هـ.
... والحق ما قاله الإمام مالك لا ما قاله أبو حيان، وكلام ابن الضائع كلام ضائع (٣) . وما احتجوا به على منعهم للاحتجاج ظهر لك ضعفه، لأن ما تعللوا به ورد بصورة أدق وأضبط من الذى احتجوا به هم أنفسهم من شعر ونثر (٤) . أ. هـ. والله أعلم.
стр. 442
رابعاً: شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للحديث أضعفت الثقة بالسنة النبوية
استعراض الشبهة وأصحابها:
... زعم أعداء السنة المطهرة من غلاة الشيعة، والمستشرقين، وأذيالهم من دعاة اللادينية، أن من آثار تأخر تدوين الحديث إلى ما بعد المائة الأولى من الهجرة، أن اتسعت أبواب الرواية وفاضت أنهار الوضع بغير ضابط ولا قيد - منذ فتنة عثمان بن عفان ﵁ حتى لقد بلغ ما روى من الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف لا يزال كثير منها منبثاً بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، مما يجعل الثقة بصحة الأحاديث ضعيفة، ويجعل المرء لا يطمئن إلى السنة النبوية من حيث ورودها (١) .
стр. 443
.. هذه هى خلاصة شبهتهم التى طعنوا بها فى حجية السنة المطهرة، وفى مصدريتها التشريعية، كما طعنوا بها فى عدالة حملة الإسلام من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين شهد لهم المصطفى ﷺ بالخيرية من صحابته الكرام ﵁ والتابعين لهم بإحسان من أئمة المسلمين من المحدثين والفقهاء.
... فطعنوا بهذه الشبهة فى حجية السنة حيث ذهب الصنم الأكبر للمستشرقين جولد تسيهر إلى (أن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى، وأنه ليس صحيحاً ما يقال أنه وثيقة للإسلام فى عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جمهور الإسلام فى عصر النضوج، وتابعه على ذلك سائر المستشرقين (١) ، وذيولهم من دعاة الفتنة، وأدعياء العلم فى أمتنا الإسلامية؛ مثل أحمد صبحى منصور القائل: "بدلاً من أن يعكف المسلمون على القرآن ومنهجه العقلى فإنهم أضاعوا قروناً فى تأليف الروايات والاختلاف حولها، وفى تأليف الخرافات والبحث عنها" (٢) .
... ويقول أيضاً: "... لأن تلك المرويات التى كانت تعبر عن عصور السابقين وثقافتهم أصبحت فى عصرنا تسئ للإسلام، علاوة على أنها أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان (٣) ، فتأمل هل هناك فرق فى المعنى بين ما قاله أحمد صبحى وجولدتسيهر؟!!
... ومن أسباب وضع الحديث طعن أعداء الإسلام فى عدالة حمل الإسلام من صحابة رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين.
стр. 444
١- فاتهموا الصحابة العدول الثقات ﵃ بالكذب على رسول الله ﷺ ، وأنهم كانوا يكذِّب بعضهم بعضاً، وأنهم تسارعوا على الخلافة وانقسموا شيعاً وأحزاباً (وأخذ كل حزب يدعم موقفه بحديث يضعه على النبى ﷺ ، واشتد ذلك الأمر فى العصر الأموى، والعباسى حيث تحولت تلك الأكاذيب إلى أحاديث، وتم تدوينها فى العصر العباسى ضمن كتب الحديث الصحاح) (١) .
стр. 445
٢- واتهموا أئمة المسلمين الثقات من المحدثين والفقهاء بأنهم نافقوا الحكام والسلاطين، وكانوا لهم جنوداً واخترعوا لهم من الأحاديث ما يثبت ملكهم وسلطانهم، وعلى دربهم صار علماء المسلمين إلى يومنا هذا. وفى ذلك يقول نيازى عز الدين: "السلطان (١) كان يستخدم الأحاديث، وعلماء الحديث، ورجال الدين أصلاً من أجل إقناع الشعب الذى هو الرأى العام عنده بوجهة نظره دائماً، فكل هؤلاء كانوا يعملون للسلطان بأجر موضوع يقابل خدماتهم المطلوبة، فعليهم تنفيذ الأوامر (لذلك سميناهم فى هذا الكتاب بجنود السلطان؛ لأنهم يتلقون الأوامر وعليهم الطاعة الدائمة لتلك الأوامر مهما كانت) (٢) ويقول فى موضع آخر: "وجنود السلطان استخدموا الأحاديث التى وضعوها ظلماً باسم الرسول ﷺ ؛ ليتوصل السلطان إلى ما يريد من إخضاع الشعب بأقل تكاليف ممكنة" (٣) .
стр. 446
.. وهذا الكذب ترديد لما قاله قديماً جولد تسيهر فى العقيدة والشريعة فى الإسلام قائلاً: "ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول ﷺ أو هى من عمل رجال الإسلام القدامى ... فالحق أن كل فكرة، وكل حزب وكل صاحب مذهب يستطيع دعم رأيه بهذا الشكل، وأن المخالف له فى الرأى يسلك أيضاً هذا الطريق ومن ذلك لا يوجد فى دائرة العبادات أو العقائد أو القوانين الفقهية أو السياسية مذهب أو مدرسة لا تعزز رأيها بحديث أو بجملة من الأحاديث، ظاهرها لا تشوبه أى شائبة" (١) .
... ونفس هذا الكذب ردده حسين أحمد أمين فى كتابه دليل المسلم الحزين قائلاً: "ومن ثم فقد لجأ الفقهاء والعلماء إلى تأييد كل رأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ﷺ (٢) .
... وردده أحمد أمين فى فجر الإسلام قائلاً: "فلا تكاد ترى فرعاً فقهياً مختلفاً فيه إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذلك" (٣) .
... وردده أحمد صبحى مؤيداً فى ذلك أحمد أمين قائلاً فى دفاعه عن حل زواج المتعة: "وذلك يذكرنا بما قاله العلامة أحمد أمين فى كتابة فجر الإسلام. "أن الخلافات الفقهية كانت من أهم أسباب اختراع الأحاديث" (٤) .
стр. 447
.. ويقول أيضاً: "إن كل ما كتبه الأئمة السابقون (يعنى ما دونوه فى كتب السنة المطهرة) ليس ديناً وإنما هو فكر دينى يقبل الخطأ والصواب (١) .
... وردد ذلك من غلاة الشيعة على الشهرستانى فى كتابه (منع تدوين الحديث أسباب ونتائج" قائلاً: "السنة المتداولة اليوم ليست سنة الرسول بل هى سنة الرجال فى كم ضخم من أبوابها ومفرداتها" (٢) وفى موضع آخر: يصف السنة المطهرة بأنها "فقه الرجال" (٣) .
الجواب على شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للسنة أضعفت الثقة بالسنة الشريفة
تمهيد:
... صحيح: أنه كان هناك وضاعون وكذابون لفقوا أقوالاً، ونسبوها إلى رسول الله ﷺ . ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التى تخيلها أصحاب هذه الشبهة، وأثاروا بها الوساوس فى النفوس، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحقائق التى سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية. فقد كان إلى جانب ذلك عدد وفير من الرواة الثقات المتقنين العدول، وعدد وفير من العلماء الذين أحاطوا حديث رسول الله ﷺ بسياج قوى يعسر على الأفاكين اختراقه
... واستطاع هؤلاء المحدثون بسعة إطلاعهم، ونفاذ بصيرتهم، وجدهم واجتهادهم ومثابرتهم أن يعرفوا الوضاعين، وأن يقفوا على نواياهم ودوافعهم، وأن يضعوا أصابعهم على كل ما نسب إلى رسول الله ﷺ على سبيل الوضع والكذب والافتراء.
стр. 448
فهؤلاء الوضاعون لم يترك لهم الحبل على الغارب يعبثون فى الحديث النبوى كما يشاؤون، ولم يترك لهم المجال لأن يَنْدَسُوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يعرفوا.
... فقد أدرك العلماء الثقات من المحدثين هذا الاتجاه عند الوضاعين فضربوا عليهم حصار فكرياً، وعلمياً، وعملياً، وميزوهم، وكشفوهم، وكشفوا أساليبهم، وأهدافهم، ودوافعهم، وذكروهم فرداً فرداً وبينوا حكم الدين فى كل منهم (١) ، كما استعدوا عليهم الحكام والأمراء بمنعهم من التحديث، كما ميزوا الصحيح والضعيف والموضوع فدون كل على حده، وتلك مزية للسنة لم يصل إليها أى علم من العلوم، إلا أن أعداء الإسلام استطاعوا أن يصوروا هذه المزية على أنها عيب!!! بزعمهم أن الموضوع يوجد فى السنة بلا تمييز (٢) .
وإذا كان العلماء قديماً وحديثاً اتسعت مباحثهم فى التعريف بالحديث الموضوع، وبدايته، وأسبابه، وحكم روايته، وضوابط معرفته، وأشهر المصنفات فيه، وكتبوا فى ذلك ما يفى بالغاية - حتى يصح أن يقال: لم يدع الكاتبون زيادة لمستزيد فيه، فلنذكر خلاصة بعض تلك المباحث ففيها بيان جهود علماء الحديث فى مقاومة حركة الوضع والوضاعين، وهتك سترهم، حتى خرجت السنة النبوية المطهرة سالمة من تحريفهم وإفكهم.فإلى بيان ذلك.
стр. 449
التعريف بالحديث الموضوع لغة واصطلاحاً:
... الموضوع لغة: اسم مفعول، مأخوذ من وضع الشئ يضعه وضعاً، إذا حطه وأسقطه. أو مأخوذ من الضعة، وهى الانحطاط فى الرتبة ويأتى (وضع) لمعانٍ عدة، منها: الإسقاط، كوضع الجنابة عنه أى أسقطها وكوضع الأمر، أو الشئ عن كاهله، أى أسقطه. ويأتى بمعنى الترك، ومنه: إبل موضوعة، أى متروكة فى المرعى. ويأتى بمعنى الافتراء والاختلاف كوضع هذه القصة، أى: اختلقها وافتراها. والأحاديث الموضوعة: المختلقة (١) .
والموضوع فى اصطلاح المحدثين: هو الحديث الكذب، المختلق، المصنوع فهو مما نسب إلى النبى ﷺ كذباً واختلاقاً، مما لم يقله أو يفعله أو يقره، فالمناسبة بين المعنى اللغوى، والاصطلاحى ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط، وفيه انحطاط فى رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجوداً (٢) .
وتسمية الكلام (الموضوع) : حديثاً، لا مانع منها، فهو حديث بالنظر إلى المعنى اللغوى، كما أشار إليه الحافظ السخاوى فى فاتحة كتابه المقاصد الحسنة بقوله: "ولاحظت فى تسميتها أحاديث - المعنى اللغوى -" (٣) ، وهو أيضاً (حديث) بحسب زعم واضعه، وبالنظر إلى ظاهر الأمر قبل البحث والكشف له، وإن كان اصطلاحاً ليس بحديث.
... ويشهد لتسمية الكلام المكذوب (حديثاً) قوله ﷺ : "من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٤) ، ففى هذا الحديث سمى النبى ﷺ ، الكلام المكذوب (حديثاً)
والحديث الموضوع: تارة يكون كلاماً يخترعه الكذاب من عند نفسه، ثم يضيفه إلى رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الأحاديث الموضوعة.
стр. 450
.. وتارة يأخذ الواضع كلام غيره كبعض كلمات السلف الصالح من الصحابة والتابعين، أو بعض كلمات الحكماء، أو بعض الأخبار الإسرائيليات، أو غير ذلك، ثم ينسبه للرسول ﷺ .
... وتارة يأخذ الواضع حديثاً ضعيف الإسناد، فيركب عليه إسناداً صحيحاً ليروج ويقبل. وتارة ينسب الكلام المستقيم ككلام بعض الصحابة أو غيرهم إلى النبى ﷺ خطأ وغلطاً، فيقال فيه أيضاً: حديث موضوع (١) أ. هـ.
بداية الوضع فى الحديث وبراءة الصحابة ﵃ منه:
... اختلف العلماء فى بداية ظهور الوضع فى الحديث إلى قولين:
стр. 451
١- القول الأول: ذهب إلى أن بدايته فى عهد النبوة المباركة، وبه قال الدكتور صلاح الدين الأدلى (١) ، والدكتور فاروق حماده (٢) ، واستدلوا على ذلك بما روى عن بُرَيْدَة ﵁ (٣) قال: جاء رجل إلى قوم فى جانب المدينة فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أحكم برأيى فيكم، فى كذا وكذا. وقد كان خطب امرأة منهم فى الجاهلية، فأبوا أن يزوجوه، فبعث القوم إلى النبى ﷺ يسألونه، فقال: "كذب عدو الله". ثم أرسل رجلاً فقال: "إن أنت وجدته ميتاً فأحرقه" فوجده قد لدغ فمات، فحرقه، فعند ذلك قال النبى ﷺ : "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٤)
стр. 452
٢- القول الثانى: ذهب إلى أن بداية الوضع فى الحديث، كانت باندلاع الفتنة التى أشعل فتيلها أقوام من الحاقدين على الإسلام، ويعتبر الدكتور السباعى سنة أربعين من الهجرة هى الحد الفاصل بين صفاء السنة وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزايد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والانقسامات الداخلية بعد أن اتخذ الخلاف بين علىّ ومعاوية -رضى الله عنهما- شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه أرواح، وبعد أن انقسم المسلمون إلى طوائف متعددة (١) . وربما بدأ قبل ذلك، فى الفتنة التى كانت زمن عثمان ﵁، هذا إذا اعتبرناها الفتنة المذكورة فى خبر ابن سيرين، والتى جعلها بداية لطلب الإسناد.
... وأياً كانت بداية الوضع فى الحديث "زمن النبوة المباركة" أو "زمن الفتنة" فلا يمكن أن يكون الوضع فى الحديث وقع من صحابة رسول الله ﷺ العدول الثقات المعروفين بالخيرية، والتقى، والبر والصلاح، والذين يدور عليهم نقل الحديث.
стр. 453
وعلى فرض صحة الروايات التى تشير إلى أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة. فليس فيها ما يشكك فى صدق الصحابة، ولا ما يطعن فى عدالتهم، إذ كان معهم منافقون، وهم الذين كانت تصدر منهم أعمال النفاق، فلا يبعد أن يكون الرجل الوارد فى تلك الروايات واحد من المنافقين، وبذلك قال الدكتور صلاح الدين الأدلبى (١) ، والدكتور فاروق حمادة (٢) دفاعاً عن تهمة الصحابة بالكذب عليه - صلى الله عليه
стр. 454
وسلم - فى زمانه، وهما من أصحاب القول الأول أن بداية الوضع زمن النبوة المباركة.
أما ما زعمه غلاة الشيعة والمستشرقون ودعاة اللادينية: أن بداية الوضع كانت فى زمن النبى ﷺ ووقعت من صحابته الكرام، واستدلالهم على ذلك بالروايات السابقة (١) . وغيرها مما جاء فيها تخطئة بعض الصحابة لبعضهم، واستشهادهم بذلك على أنهم كانوا يشكون فى صدق بعضهم بعضاً.
... فهذا لا يقوله إلا قوم امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على من اختارهم واصطفاهم ربهم لصحبة نبيه ﷺ وتبليغ رسالته إلى الخلق كافة.
стр. 455
.. يقول الدكتور أبو لبابة حسين: "لا يختلف منصفان فى أن العصر الأول للإسلام يعد أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة (١) ، كما أن التربية القرآنية التى غرسها ﷺ فى صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملاً فعالاً فى تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والافتراء، ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ (٢) ، ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٣) .
... وكيف يكذبون! وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله ﷺ : "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٤) وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرى من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوى؟!!
стр. 456
.. بل إنه كما يقول الدكتور السباعى ﵀: "ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله ﷺ الذين فدوا الرسول بأرواحهم وأموالهم وهجروا فى سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم: ليس من السهل أن نتصور هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله ﷺ مهما كانت الدواعى إلى ذلك (١) ... ولقد دلنا تاريخ الصحابة فى حياة الرسول وبعده، أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الافتراء على الله ورسوله، وكانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها، والذب عنها، وإبلاغها إلى الناس، كما تلقوها عن رسوله يتحملون فى سبيل ذلك كل تضحية ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أى رجل يرون فيه انحرافاً عن دين الله لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، لا اضطهاداً.
стр. 457
نماذج من جراءة الصحابة فى حفظ الشريعة:
١- فهذا الفاروق عمر ﵁ الذى تهابه أعتى الإمبراطوريات ويخاف سطوته العادلة أشجع الرجال، تقف فى وجهه امرأة لتقول له: لا، وذلك حين دعا إلى أمر رأت فيه هذه المرأة مخالفة لتعاليم القرآن، فقد خطب الناس يوماً فقال: "أيها الناس لا تغالوا فى مهور النساء لو كان ذلك مكرمة عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ . فتتصدى له امرأة على مسمع من الصحابة فتقول له: "يا أمير المؤمنين! كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله ، فما ذلك؟ قالت نهيت الناس آنفاً أن يغالوا فى صدق النساء والله يقول فى كتابه العزيز: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثاً ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: إنى نهيتكم أن تغالوا فى صدق النساء ألا فليفعل كل رجل فى ماله ما بدا له (٢)
стр. 458
٢- ويذهب أبو بكر ﵁ إلى محاربة الممتنعين عن أداء الزكاة فيعارضه عمر طالما أن نصاً نبوياً يمنع دماء من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله، فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعونى عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه حق" (١) .
٣- وهذا على بن أبى طالب ﵁ يعارض عمر ﵁ فى همه برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فقال له علىّ: ليس ذاك لك: إن الله يقول فى كتابه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) فقد يكون فى البطن ستة أشهر، والرضاع أربعة وعشرين شهراً فذلك تمام ما قال الله: ثلاثون شهراً، فخلى عنها عمر" (٣) .
стр. 459
٤- وهذا أبو سعيد الخدرى ﵁ ينكر على مروان من الحكم والى المدينة تقديم الخطبة على صلاة العيد مبيناً أنه عمل مخالف للسنة النبوية (١) .
٥- وها هو ابن عمر-كما يروى لنا الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" يقوم-والحجاج (٢) يخطب فيقول: أى ابن عمر متكلماً عن الحجاج: عدو الله استحل حرم الله وخرب بيت الله وقتل
стр. 460
أولياء الله، وروى الذهبى أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدل كلام الله، فقال ابن عمر: كذبت لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال الحجاج: إنك شيخ قد خرفت اقعد. قال ابن عمر: أما إنك لو عدت عدت) (١) .
... مثل هذه الأخبار، ومئات أمثالها قد استفاضت بها كتب التاريخ، وهى تدل دلالة قاطعة على ما كان عليه الصحابة من الشجاعة، والأمانة، والجرأة فى الحق، والتفانى فى الدفاع عنه، بحيث يستحيل أن يكذبوا على رسول الله ﷺ اتباعاً لهوى أو رغبة فى دنيا، إذ لا يكذب إلا الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكنوا عمن يكذب على رسول الله ﷺ وهم الذين لا يسكتون عن اجتهاد خاطئ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإمعان نظر. وهذا غاية ما يكون بينهم من خلاف فقهى لا يتعدى اختلاف وجهات النظر فى أمر دينى وكل منهم يطلب الحق وينشده (٢) .
وما يرد من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعضهم، فإنما هو تخطئة بعضهم لبعض، وبيان ما وقع فيه بعضهم من وَهَم الكلام.