وهذا لا يعارضه ما روى أن أبى هريرة ﵁ كان يكتب، فعن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمرى (١) قال: "تحدثت عن أبى هريرة بحديث فأنكره فقلت إنى سمعته منك، فقال: إن كنت سمعته منى فهو مكتوب عندى، فأخذ بيدى إلى بيته فأرانا كتباً كثيرة من حديث رسول الله ﷺ ، فوجد ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك أنى إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندى" (٢) .
... ويمكن الجمع بين ذلك بأنه لم يكن يكتب فى العهد النبوى ثم كتب بعده.
قال الحافظ ابن حجر: قلت: وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب، فتعينَّ أن المكتوب عنده بغير خطه" (٣) .
стр. 387
٦- والصحيفة الصحيحة التى كتبها همام بن منبه (١) ، زوج ابنة أبى هريرة ﵁ كتبها أمام أبى هريرة، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة فى تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همَّام بن منبه عن أبى هريرة، فكانت جديرة باسم "الصحيفة الصحيحة" (٢) على مثال "الصحيفة الصادقة" لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد سبقت الإشارة إليها.
ونحب أن ننبه أن مصطلح "صحيفة وكتاب وجزء ونسخة ... إلخ لا يعنى بالضرورة "مجموعات صغيرة أو مذكرة عن الحديث" كما كان يعتقد أحياناً وهذا ما أكد صحته الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة" (٣) .
... وهذه الكتابات السابقة وغيرها الكثير (٤) ؛ تقطع بكتابة السنة المطهرة فى عصر النبوة والصحابة والتابعين (٥) .
стр. 388
وتؤكد ما سبق وأن ذكرناه فى التوفيق بين النهى عن كتابة السنة والإذن بكتابتها، وهو أن النهى دائر مع الخوف من علة النهى التى سبق تفصيلها، والإذن دائر مع الأمن منها (١)
... وهذا يؤكده أيضاً أن كل من نُقل عنه (أى من الصحابة والتابعين) النهى عن كتابة السنة فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضاً (٢) ، ما عدا شخصاً أو شخصين، وقد ثبتت كتابتهم أو الكتابة عنهم، وبذلك صرح الدكتور محمد مصطفى الأعظمى (٣) ، وأكده باستفاضة فى كتابه (دراسات فى الحديث النبوى) حيث عقد الفصل الأول من الباب الرابع لبيان كتابة الصحابة ومن كتب عنهم فى حياتهم (٤) ، والفصل الثانى فى "كتابة كبار التابعين، ومن كتب عنهم فى حياتهم (٥) حتى زمن التدوين الرسمى فى عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، بل وبعد زمنه أيضاً (٦)
... كل ذلك يؤكد الحقائق التى سبق ذكرها من الفرق بين الكتابة، والتدوين وأن عمر بن عبد العزيز حينما أمر بالتدوين الرسمى للسنة لم يبدأ من فراغ ولكنه اعتمد على أصول الكتابات - التى سبق ذكر بعضها وكانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى.
стр. 389
وفى ذلك رد على الصنم الأكبر للمستشرقين (جولدتسيهر) ومن تابعه من بنى جنسه، وغيرهم من المفتونين بهم من أدعياء العلم: "من أنه ليس صحيحاً ما يقال أن الحديث وثيقة للإسلام فى عهده الأول.. إلخ" (١) .
نقد قاعدة شاخت:
... وأبلغ رد على "جوزيف شاخت" فى أنه لا صحة لأى حديث منسوب للنبى ﷺ فى أحاديث الأحكام، وأن المجموعة الأولى من أحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى.
أبلغ رد عليه فى ذلك ما سبق ذكره من كتاب النبى ﷺ إلى واليه (عمرو بن حزم ﵁ والكتاب فى الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن،
أليس هذا الكتاب فى الأحكام الفقهية التى يشكك فيها شاخت؟
... وكذلك كتاب عمر إلى عامله عتبة بن فرقد بالنهى عن الحرير، وكتابه فى الزكاة، والخراج، والمسائل المالية الأخرى.
وكتاب أبى بكر لعامله أنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين.
أليس ذلك وغيره مما ذكرناه، من أحاديث الأحكام الفقهية التى يزعم "شاخت" ومن صار على دربه أنها نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى؟!
стр. 390
.. ويقول الدكتور ظفر إسحاق الأنصارى (١) فى نقد قاعدة شاخت: "إن قراءة عابرة لكتاب (أصول الفقه المحمدى) لجوزيف شاخت توضح أن قاعدته فى البحث واستدلالاته سطحيان للغاية فقاعدته (المنهجية المزعومة) القائمة على إنكار وجود خبر أو أثر بناء على سكوت المصادر عنه، وهو ما يقوم عليه موقف شاخت من إنكار توثيق الأحاديث بصفة عامة. فقوله: "إن حديثاً ما سيعد غير موجود فى وقت من الأوقات إذا لم يحتج بذلك الحديث فى مواطن الخلاف حيث يكون الاستدلال به أمراً لازماً" (٢) .
... إنَّ التجاء شاخت إلى هذه الحجة بدا كأنه يوحى بأن علماء المسلمين فى القرون الأولى كانوا فى حالة (نقاش وجدل) مستمر، وهو افتراض يرفضه العقل السليم بداهة ولا تسلم لشاخت قاعدته إلا إذا سلمنا بالافتراضات الآتية:
١- أنه كلما ذكرت الأحكام الشرعية فى القرون الأولى من الهجرة المباركة ذكرت معها أدلتها المؤيدة، ولا سيما الأحاديث.
٢- أن الأحاديث المعروفة لفقيه ما (أو محدث) ينبغى أن تعرض بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه فى زمنه.
٣- أن جميع الأحاديث التى (نشرت) فى عهد معين، قد دونت تدويناً كاملاً، وصارت مشهورة على نطاق واسع، وأصبحت محفوظة تماماً، بحيث أننا إذا لم نجد حديثاً فى كتاب من كتب أحد العلماء المعروفين فهذا يعنى بالضرورة، عدم وجود ذلك الحديث فى عهده، سواء فى منطقته أو فى سائر أنحاء العالم الإسلامى آنذاك.
... ولا يسلم واحد من هذه الافتراضات مع الشهادات التاريخية والحقائق المعروفة فى تلك القرون الأولى.
стр. 391
أولاً: لأن من المصنَّفات المتقدمة مدون فيها أحكام فقهية مستنبطة من آيات القرآن الكريم، ومن أحاديث نبوية دون أى إشارة إلى تلك الآيات أو الأحاديث حيث كان أولئك المؤلفون يكتفون بتسجيل آراء مذاهبهم، ولم يهتموا بالضرورة، ببيان الأحاديث عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة ﵃ لتأييد تلك الآراء، هذا إذا كان عنده علم بها، وقد يكون سبب عدم ذكره للحديث عدم بلوغه وعلمه به أو لأنه لم يثبت عنده، أو لمعارضة الحديث لما هو أقوى منه سنداً أو دلالة، كالإمام مالك ﵀ فى تقديمه عمل أهل المدينة على خبر الواحد.
ثانياً: "إن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة، وقد كان النبى ﷺ يحدث، أو يفتى أو يقضى، أو يفعل الشئ، فيسمعه أو يراه من يكون حاضراً، ويبلغه أولئك - أو بعضهم - لمن يبلغونه، فينتهى علم ذلك إلى من شاء الله تعالى من العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم فى مجلس آخر قد يحدث، أو يفتى، أو يقضى، أو يفعل شيئاً، ويشهده بعض من كان غائباً عن ذلك المجلس ويبلغونه لمن أمكنهم. فيكون عند هؤلاء من العلم، ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء. وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم، بكثرة العلم، أو جودته. وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ ، فهذا لا يمكن ادعاؤه قط. واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين ﵃ الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله ﷺ وسنته، وأحواله.
... وإذا كان هذا هو حال أعلم الأمة وأفقهها، وأتقاها وأفضلها؛ فمن بعدهم أضعف وخفاء بعض السنة عليهم أولى، فلا يحتاج ذلك إلى بيان.
стр. 392
.. فمن اعتقد، أن كل حديث قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إماماً معيناً، فهو مخطئ خطأ فاحشاً قبيحاً" (١) .
ثالثاً: لا يسلم الافتراض الثالث لما هو معلوم، وسيأتى أن السنة النبوية قد مرت بمراحل ثلاث: ١-الكتابة، ٢-التدوين، ٣-التصنيف.
... "ولا يقولنَّ قائلٌ: إنَّ هذه الأحاديث قد دونت وجمعت فخفاؤها والحال هذه بعيد، لأن هذه الدواوين المشهورة فى السنن، إنما جمعت بعد ذهاب الأئمة المتبوعين ﵏ ومع هذا، فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله ﷺ فى دواوين معينة.
... ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ فيها، فليس كل ما فى الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها" (٢) .
... وهكذا لم يسلم واحد من الافتراضات الثلاثة حتى تسلم لشاخت قاعدته.
يقول الدكتور ظفر: "ويكون من المفيد البحث عن الأحاديث التى وجدت فى الكتب السابقة، ولكنها لم تذكر فى الكتب اللاحقة، وهذا يعنى إمكان العمل على طريق معاكس لافتراض شاخت، وهذا سوف يأتى بنتائج مهمة للغاية، لأنه إذا كان من الممكن وهو فى نظرنا من الممكن - أن نثبت أن كثيراً من الأحاديث الواردة فى كتب متقدمة لا توجد فى كتب
стр. 393
متأخرة، فضلاً عن الكتب المعاصرة، وكان ذلك لأن فقهاء العصر الذى نتكلم عنه لم يعتبروا أنفسهم ملزمين بذكر الأحاديث الكثيرة التى عرفوها ولو كانت مؤيدة لآرائهم، هذا فضلاً عن الأحاديث التى لم يحيطوا بها علماً كما سبق، فهذا كله يضع استدلال شاخت موضع شكوك خطيرة، ويبطل قاعدته التى على أساسها كان تشكيكه فى الأحاديث والوثوق بها بصفة عامة
... وحتى يظهر بطلان قاعدة شاخت قام الدكتور ظفر بعقد مقارنة لطائفة من الآراء الفقهية لبعض فقهاء القرن الثانى الهجرى، وذلك من خلال مقارنة "موطأ الإمام مالك" برواية (يحيى الليثى) (١) ورواية (الشيبانى) (٢) حيث أن عدداً كبيراً من الأحاديث الموجودة بموطأ مالك برواية يحيى الليثى، ولا توجد بموطأ رواية الشيبانى. على الرغم من أن الشيبانى كان الأصغر سناً، وتأخر عهده عن الإمام مالك. والأعجب من ذلك أننا نرى أحياناً أن بعض أحاديث الموطأ للإمام مالك التى تؤيد آراء مذهب الإمام الشيبانى، لا توجد فى موطأ الشيبانى أصلاً.
стр. 394
.. وهذا مثالاً لتأكيد ما قلناه: يشتمل باب أوقات الصلاة فى الموطأ برواية يحيى الليثى على ثلاثين حديثاً (١) ،بينما لا نجد منها فى موطأ مالك برواية الشيبانى (٢) إلا أربعة أحاديث" (٣) .
... وهكذا مرت السنة النبوية منذ عهد النبوة المباركة بمراحل ثلاث حتى ظهور المصنفات الحديثية: ١-الكتابة ٢-التدوين ٣-التصنيف.
... وفى ذلك يقول العلامة فؤاد سزكين فى "تاريخ التراث العربى" يقول: "فقد مرت مكتبة الحديث بالمراحل التالية:
أ- كتابة الأحاديث: وقد سجلت الأحاديث فى هذه المرحلة فى كراريس الواحد منها له اسم الصحيفة أو الجزء، وتمت هذه المرحلة فى عصر النبوة والصحابة وأوائل التابعين.
ب- تدوين الحديث: وفى هذه المرحلة ضمنت التسجيلات المتفرقة، وتم هذا فى الربع الأخير من القرن الأول للهجرة، والربع الأول من القرن الثانى.
стр. 395
ج- تصنيف الحديث: وقد رتبت الأحاديث فى هذه المرحلة وفق مضمونها، فى فصول وأبواب، وبدأ هذا مع الربع الثانى من القرن الثانى، واستمر إلى أن ظهرت فى أواخر القرن الثانى للهجرة طرق أخرى لترتيب الأحاديث وفق أسماء صحابة رسول الله ﷺ فى كتب يحمل الواحد منها اسم المسند" (١) أهـ.
حتى إذا أطل علينا القرن الثالث الهجرى كانت السنة النبوية قد استقرت فى بطون الكتب المعروفة لدينا الآن وعلى رأسها الكتب الستة (٢) ومسند الإمام أحمد، ومن أجل هذا، ولأنه العصر الذىتميز فيه صحيح السنة من ضعيفها اعتبره العلماء العصر الذهبىللسنة المطهرة (٣)
стр. 396
.. هذا ولم يكن تدوين السنة قائماً على المكتوب فقط وإنما كان قائماً جنباً إلى جنب بجانب المحفوظ فى الصدور، فالعبرة عند المحدثين بالعدالة، والضبط وهو نوعان:
١- ضبط صدر وهو: أن يحفظ الراوى ما سمعه ويثبت منه ويعيه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء إن حدَّث حفظاً.
٢- ضبط كتاب وهو: أن يصون الراوى كتابه من أن يتطرق إليه خلل من حين كتابته أو سماعه إلى أن يؤدى منه ولا يدفعه إلى من يمكن أن يغير فيه إن كان منه يروى (١) وعلى هذين النوعين كان تبليغ سنة النبىصلى الله عليه وسلمعلى مر العصور، وبالحفظ أكثر فى القرون الأولى (٢) .
كما أن الحفظ أقوى من الكتابة لبعده عن التصحيف والغلط، ومن هنا فهو مرجح على المكتوب إذا تعارض حديث مسموع وحديث مكتوب.
قال الآمدى: "وأما ما يعود إلى المروى فترجيحات الأول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبى ﷺ والرواية الأخرى عن كتاب.فرواية السماع أولى: لبعدها عن تطرق التصحيف والغلط" (٣) .
стр. 397
.. ويدل على أن الكتابة دون الحفظ قوة ما هو مقرر عند أهل الحديث والأصول أن أعلى وجوه الأخذ من الشيخ سماع لفظه، واتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع (١) ، واختلافهم فى صحة الرواية بطريق المناولة أو المكاتبة. مع ترجيح تصحيحهما (٢) .
... وفوق كل هذا دلالة على قوة الحفظ فى المكانة عن الكتابة أن الاعتماد فى نقل القرآن الكريم والقطع به، إنما حصل على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب. فالحفظ وحده كان الاعتماد عليه فى نقل القرآن الكريم فى عهد النبى ﷺ ، وعمر وسنين من عهد عثمان، لأن تلك القطع التى كتب فيها القرآن فى عهد النبى ﷺ كانت مفرقة عند بعض الصحابة لا يعرفها إلا من هى عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم. ثم لما جمعت فى عهد أبى بكر لم تنشر هى ولا الصحف التى كتبت عنها، بل بقيت عند أبى بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه فى عامة المواضع التى يحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حتى استقر تدوين القراءات الصحيحة" (٣) ، وكان الاعتماد عليها وعلى نقل القرآن بالحفظ.
стр. 398
.. يقول المحقق ابن الجزرى: (١) "ثم إن الاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب. وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم أن النبى ﷺ قال: "إن ربى قال لى قم فى قريش فأنذرهم، فقلت له: أى رب إذن يَثْلَغُوا رَأْسى حتى يدعوه خُبْزَةً فقال: إنى بمتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتاباً لا يَغْسِلُهُ الماء، تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيْقَظانَ، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك" (٢) . فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج فى حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرأ فى كل حال كما جاء فى صفة أمته: "أنا جيلهم صدورهم". وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا فى الكتب، ولا يقرأونه كله إلا نظراً، لا عن ظهر قلب" (٣) .
ويقول الشيخ محمد الزرقانى ﵀: "قلنا غير مرة إن المعوَّل عليه فى القرآن الكريم إنما هو التلقى والأخذ، ثقة عن ثقة، وإماماً عن إمام إلى النبى ﷺ ، وإن المصاحف لم تكن ولن تكون هى العمدة فى هذا الباب، إنما هى مرجع جامع للمسلمين، على
стр. 399
كتاب ربهم، ولكن فى حدود ما تدل عليه وتعينه، دون ما لا تدل عليه ولا تعينه. وقد عرفت أن المصاحف لم تكن منقوطة، ولا مشكولة، وأن صورة الكلمة فيها كانت لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة، وإذا لم تحتملها كتبت الكلمة بأحد الوجوه فى مصحف، ثم كتبت فى مصحف آخر بوجه آخر وهلم جراً.
... فلا غرو أن كان التعويل على الرواية والتلقى هو العمدة فى باب القراءة والقرآن (١)
نقول: كل هذا رداً على من يشككون فى تدوين السنة على المحفوظ فى الصدور بحجة أن الحفظ خوان (٢) ، وقوة حفظ الحفاظ خرافة (٣) ، لأن الحفظ وإن كان خوان وضعيف عندهم وعند أهل العصور المتأخرة فى زماننا فلا يصح هذا القول فى عرب العصور الأولى الذين كان جُّل اعتمادهم فى تواريخهم وأخبارهم وسائر أحوالهم على الحفظ (٤) .
وازداد عندهم هذا الأمر بعد دخولهم فى الإسلام، وقيضهم الله لحفظ الشرع وصيانته وحمله وتبليغه لمن بعدهم (٥) .
стр. 400
فكانوا يتذاكرون حديث رسول الله ﷺ فرادى أو مجتمعين مع اليقظة، وشدة التحرى، وبذل الوسع فى إصابة النص الوارد عن المعصوم ﷺ وحفظه، عملاً بتوجيهه ﷺ ، فى الحث على حفظ السنة وتبليغها فى قوله:"نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١) وقوله ﷺ لوفد عبد القيس-بعد أن أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع:"احفظوه وأخبروا به من وراءكم" (٢)
... فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نكون عند النبى ﷺ ، وربما كنًّا نحواً من ستين إنساناً فيحدثنا رسول الله ﷺ ، ثم يقوم فنتراجعه بيننا، هذا، وهذا، وهذا، فنقوم وكأنما قد زرع فى قلوبنا" (٣) .
... وعن أبى هريرة ﵁ قال: "إنى لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء فثلث أنام وثلث أقوم، وثلث أتذكر أحاديث رسول الله ﷺ (٤) . كما كان ابن عباس وزيد بن أرقم يتذاكران السنة (٥) ، كما تذاكر أبو موسى وعمر بن الخطاب حتى الصبح (٦) .
وحفلت مذاكره السنة بتوجيه الرسول ﷺ وتقريره لها.
стр. 401
.. فعن معاوية بن أبى سفيان قال: ... وكنت مع النبى ﷺ يوماً فدخل المسجد فإذا هو بقوم فى المسجد قعود، فقال النبى ﷺ : ما يقعدكم؟ قالوا: صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فقال ﷺ : "إن الله إذا ذكر شيئاً تعاظم ذكره" (١) .
بل كان ﷺ يستمع لمذاكرتهم، ويوجههم إلى الدقة فى الحفظ وبذل الطاقة فى إدراك النص وحفظه كما جاء فى حديث البراء بن عازب وتعليم النبى ﷺ له دعاء النوم، فلما سمعه من رسول الله ﷺ قال: "فرددتهن لاستذكرهن فقلت آمنت برسولك الذى أرسلت قال قل: آمنت بنبيك الذى أرسلت" (٢) .
وفى الحث على مذاكرة السنة وحفظها كان الصحابة ﵃ يحضون، فهذا أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ يقول: "تذاكروا الحديث فإنكم إلا تفعلوا يندرس" (٣) .
стр. 402
.. وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: "تذاكروا الحديث فإن مذاكرة الحديث تهيج الحديث" (١) وروى مثل ذلك عن ابن سعود وابن عباس وغيرهم، وعلى دربهم صار التابعون فمن بعدهم (٢) .
الجواب على ما يزعمه بعض غلاة الشيعة بأن لهم فضل السبق فى التدوين:
سبق وأن فصلنا بالأدلة القوية أن السنة النبوية كُتِبت فى عهد النبوة وبإذنه ﷺ كما أنها كُتِبت فى عهد الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وأصبحت كتابة السنة فى مرحلة مبكرة (فى عصر النبى نفسه) حقيقة لا تقبل الشك ولا ينكرها إلا جاحد، وعلى تلك الكتابات بجوار المحفوظ فى الصدور اعتمد عمر بن عبد العزيز فى التدوين الرسمى للسنة المطهرة فكان له الفضل كل الفضل رغم أنف أعداء السنة المطهرة (٣) .
стр. 403
ولم لا يكون له الفضل وقد تحقق على يده ما تنبأ به النبى ﷺ (١) من تدوين سنته المطهرة فى قوله ﷺ : "أى الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا الملائكة قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء قال: وكيف لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم؟ قالوا فنحن؟ قال وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا فمن يا رسول الله؟ قال قوم يأتون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بها" (٢) . قال الحافظ السخاوى: استدل بهذا الحديث على الوجادة وهو علم من أعلام النبوة من إخباره عما سيقع، وهو تدوين القرآن وكتبه فى صحفه وكتابة الحديث" (٣) .
... ويقول الدكتور على السالوس: رداً على دعوى أن الشيعة لهم فضل السبق فى التدوين قال: "والفرق التى ظهرت فى تاريخ الإسلام، ولها عقائد خاصة بها، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها، ووضوحها لدى معتنقيها. وهذا أمر بديهى، لأن الكتب إنما توضع لتأييد هذه العقائد، والدعوة لها، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب بل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب، وهى وضع الأخبار وتناقلها والاحتجاج بها قبل أن تجمع فى كتاب، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة.
стр. 404
.. فبالنسبة للشيعة مثلاً: وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه فى تلك المرحلة، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها، وما كانت أى فرقة لتضع أخباراً فى إمام إلا بعد ولادته، لأنها لا تعلم الغيب فى واقع الأمر، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم".
ثم أخذ فضيلة الأستاذ الدكتور السالوسى يؤكد كلامه ببعض ما جاء فى كتاب من كتب الشيعة أنفسهم، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختى، وسعد بن عبد الله القمى، والاثنان عاشا فى القرن الثالث، وأدركا بداية القرن الرابع وبعد أن فصل ذلك قال: "ونلحظ أن كل هذه الفرق أكدت أن الحسن العسكرى لا خلف له ما عدا فرقة مع فرقة الإمامية. ومعنى هذا أن الشيعة الإثنى عشرية لم تبدأ فى وضع الأخبار التى تتصل بالإثنى عشر إماماً إلا بعد الحسن العسكرى، أى فى النصف الثانى من القرن الثالث. وبعد هذا تبدأ مرحلة الكتب. والواقع العملى يؤيد ما بينته هنا، فكتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم أولها ظهر فى القرن الرابع، وهو الكافى - الذى يعد عندهم مثل البخارى عندنا - ثم جاء بعده باقى الكتب" (١) . فأين فضل سبق التدوين الذى يزعمونه كذباً؟!
الجواب على ما يزعمه بعض الرافضة أن أهل السنة وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما- أضاعوا سنة نبيهم ﷺ
стр. 405
هذا الزعم بهتان عظيم لا يجرؤ على القول به إلا شيعة غلاة ملاحدة ومن قال بقولهم من أعداء الإسلام؛ لأن السنة النبوية من الذكر الذى وعد رب العزة بحفظه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) . وسبق تفصيل ذلك بأدلته من الكتاب، والسنة، والعقل، والتاريخ (٢) .
ولو كانت السنة النبوية المطهرة ضائعة غير محفوظة كما يزعم الرافضة ما طالب رب العزة عباده باتباع سنة نبيه ﷺ والتحذير من مخالفة أمره، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤) .
ثم كيف يصح أن يسند رب العزة إلى نبيه ﷺ مهمة البيان فى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) ثم يضيع هذا البيان؟!!
... وكيف يصح أيضاً أن يطالب النبى ﷺ أمته بالتمسك بسنته كما قال ﷺ : "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (٦) وقال ﷺ : "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتى؟! (٧) فلو كانت السنة
стр. 406
المطهرة غير محفوظة أو يمكن أن يلحقها التحريف والتبديل والضياع لكان ذلك القول تكذيب لرب الغرة بما أخبر به فى كتابه من الوعد بحفظ سنة نبيه ﷺ التى أمرنا باتباعها وتحكيمها فى كل شئون حياتنا، وذلك فى عشرات الآيات القرآنية.
فالقول بضياع السنة النبوية لا يقوله مسلم، ويكذبه الواقع التاريخى الذى يشهد بنقل سنة النبى ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير حتى الحركات والسكنات، وبالجملة نقلت حياته كلها برمتها فى عباداته ومعاملاته، فى سلمه وحربه، وفى نومه ويقظته، فى أدق الأمور، وفيما نعده من أسرار حياتنا، كمعاشرته، وما يقوله عندما يخرج من بيته، إلى غير ذلك نقلت حياته برمتها وكلياتها وجزئياتها بماذا؟ بأدق طرق النقل الذى لا تعرف له الدنيا مثيلاً، فكان فى ذلك التطبيق، وكان فى ذلك النقل، وكان فى ذلك التدوين إشارة قوية إلى أن الله تكفل بحفظ هذه السنة النبوية بما هيأ لها من رجال أفنوا أعمارهم فى ضبطها والسهر عليها، وتدوينها، وحفظها، وشرحها وتمييز صحيحها من سقيمها، فنقشوها فى صفحات قلوبهم الأمينة، وفى كتبهم الواعية، فكان تكفله بحفظ كتابه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) يشمل السنة النبوية حيث قيض الله لها من ثقات الحفظة من الرواة الثقات العدول، والأئمة الأعلام ما قيض لكتابه العزيز من ثقات الحفظة فى كل قرن، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها (٢) .
стр. 407
.. وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى فى المسألة الثانية عشرة: (هذه الشريعة معصومة من الضياع والتبديل إلى أن تقوم الساعة) بعد أن تحدث عن حفظ القرآن الكريم وقال فيه "أما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر، فضلاً عن القراء الأكابر" قال عن حفظ السنة النبوية: "ثم قيض الحق سبحانه رجالاً يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله ﷺ ، وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة، حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى فى الأخذ لفلان عن فلان، حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله ﷺ (١) فى بطون كتب السنة الموجودة بين أيدينا الآن، ولم يفقد منها شئ. يقول الإمام الشافعى ﵀: "لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شئ فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن ... وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها: دليلاً على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يأتى على جميع سنن رسول الله ﷺ ، بأبى هو وأمى، فيتفرد جملة العلماء بجمعها وهم درجات فيما وعوا منها" (٢) .
стр. 408
.. يقول الأستاذ أحمد شاكر ﵀ معقباً على كلام الإمام الشافعى: "هذا الذى قاله الشافعى فى شأن السنن: نظر بعيد، وتحقيق دقيق، واطلاع واسع على ما جمع الشيوخ والعلماء من السنن فى عصره، وفيما قبل عصره. ولم تكن دواوين السنة جمعت إذ ذاك، إلا قليلاً مما جمع الشيوخ مما رووا. ثم اشتغل العلماء الحفاظ بجمع السنن فى كتب كبار وصغار، فصنف أحمد بن حنبل -تلميذ الشافعى- مسنده الكبير المعروف، وقال يصفه: "إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة. ومع ذلك فقد فاته شئ كثير من صحيح الحديث، وفى الصحيحين أحاديث ليست فى المسند.
... وَجَمَعَ العلماء الحفاظ الكتب الستة، وفيها كثير مما ليس فى المسند، ومجموعها مع المسند يحيط بأكثر السنة، ولا يستوعبها كلها. ولكننا إذا جمعنا ما فيها من الأحاديث مع الأحاديث التى فى الكتب الأخرى المشهورة، كمستدرك الحاكم، والسنن الكبرى للبيهقى، والمنتقى لابن الجارود، وسنن الدارمى، ومعاجم الطبرانى الثلاثة، ومسندى أبى يعلى، والبزار: إذا جمعنا الأحاديث التى فى هذه الكتب استوعبنا السنن كلها إن شاء الله، وغلب على الظن أن لم يذهب علينا شئ منها، بل نكاد نقطع به. وهذا معنى قول الشافعى: "فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن". وقوله "فيتفرد جملة العلماء بجمعها" وكان الشافعى قد قاله نظراً، قبل أن يتحقق بالتأليف عملاً، لله دره (١) . أ. هـ.
وبعد
... فهذه سنة النبى ﷺ مستقره فى بطون الكتب المعتمدة من علماء الأمة الثقات مميزاً صحيحها من ضعيفها فمنها:
стр. 409
ما هو معلوم الصحة كالصحيحين (للبخارى والمسلم) ، والموطأ والمستخرجات، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح أبى عوانة، والصحاح لابن السكن، والمنتقى لابن الجارود، والمختارة لضياء المقدسى، ومستدرك الحاكم على ما فيه من تعقبات (١) .
ومنها ما جمع بين الصحيح، والحسن، والضعيف وهو منبه عليه فى كتبهم أو مميزاً محكوم عليه فى تخريجاتهم، وذلك ككتب السنن وعلى رأسها السنن الأربعة: وهى سنن أبى داود، والترمذى والنسائى، وابن ماجة، وكذا سنن الدارمى، والدراقطنى وسنن سعيد بن منصور، والسنن الكبرى للبيهقى، وغيرها الكثير (٢) ، هذا فضلاً عن كتب المسانيد، ومن أشهرها وأجمعها مسند الإمام أحمد، ومسند أبى يعلى الموصلى، ومسند أبى داود الطيالسى وغيرهم الكثير (٣) . وكذا كتب المصنفات كمصنف عبد الرازق، ومصنف ابن أبى شيبة (٤) ، وكتب المعاجم ومن أشهرها معاجم الطبرانى الثلاثة (الصغير، والكبير، والأوسط) (٥) .
... وهذه الكتب الحديثية وغيرها الكثير تتحدى فى طرق جمعها وتدوينها وصحتها طرق أهل الكتاب فى جمع وتدوين عهدهم القديم والجديد (٦) .
стр. 410
وتتحدى طرق الشيعة الرافضة الممتلئة كتبهم وعلى رأسها أصولهم الأربعة (الكافى) و (من لا يحضره الفقيه) و (التهذيب) و (الاستبصار) بالكذابين والملاحدة، والشعوبيين، وفاسدى العقيدة، والمذمومين من أئمتهم، وكل ما يخطر ببالك من نقائص (ورغم هذا يصرح علماؤهم بأن كل ما فى هذه الأربعة صحيح واجب العمل به (١) ،وسبب ذلك أن دينهم من أصله فاسد، وهل يثمر الفاسد إلا الفساد؟ (٢) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
стр. 411
ثالثاً: شبهة رواية الحديث بالمعنى والرد عليها
... زعم أعداء السنة من غلاة الشيعة، والمستشرقين، ودعاة اللادينية: أن تأخر تدوين السنة كان له ضرر كبير على السنة من روايتها بالمعنى، وزعموا بأن رواية الحديث بالمعنى هى القاعدة الأصلية الثابتة المقررة عند علماء الحديث، حيث كان اهتمامهم بالمعنى أكثر من اهتمامهم باللفظ حتى وصلت إلينا الأحاديث وقد انطمست معالم ألفاظها ومعانيها، ولذلك لم يحتجّ النحاة بالأحاديث المروية، ولم يستشهدوا بها فى إثبات اللغة أو قواعد النحو، لأن ألفاظها مرهونة بالتأثر الشخصى للرواة (١) .
... تلك هى خلاصة شبهة أعداء الإسلام حول رواية الحديث بالمعنى، والتى من خلالها يشككون فى حجية السنة النبوية، ومكانتها التشريعية.
والجواب:
стр. 412
.. أولاً وقبل بيان فساد زعم دعاة الفتنة وأدعياء العلم بأن رواية الحديث بالمعنى هى القاعدة الأصلية الثابتة المقررة عند علماء الحديث، وأن اهتمامهم بالمعنى أكثر من اللفظ قبل بيان بطلان هذا الزعم، نحرر أولاً القول فى حكم رواية الحديث بالمعنى عند علماء الأمة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، حيث سيتضح جلياً كيف قلب أعداء السنة المطهرة الأصل إلى فرع؟ والفرع إلى أصل؟
... من المعلوم أن للعلماء فى رواية الحديث بالمعنى مذاهب عدة (١) ، نستخلص منها مذهبين:
المذهب الأول: أن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز لمن لا يعلم مدلول الألفاظ فى اللسان العربى ومقاصدها وما يحيل معناها والمحتمل من غيره، والمرادف منها، وذلك على وجه الوجوب بلا خلاف بين العلماء، لأن من اتصف بذلك لا يؤمن بتغييره من الخلل، ووجب على من هذا حاله أن يروى الحديث بالألفاظ التى سمع بها مقتصراً عليها بدون تقديم، ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص لحرف فأكثر، ولا إبدال حرف أو أكثر بغيره، ولا مشدَّدٍ بمثقل، أو عكسه (٢) ؛ "إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة، وتصرف على غير حقيقة فى أصول الشريعة، وتقوُّلٌ على الله ورسوله بما لم يحط به علماً" (٣) .
стр. 413
.. أما من كان عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينهما. فاختلف فيه السلف وأصحاب الحديث وأرباب الفقه والأصول، فالمعظم منهم أجاز له الرواية بالمعنى إذا كان قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذى بلغه سواء فى ذلك الحديث المرفوع، أو غيره (١) .
... المذهب الثانى: المنع من الرواية بالمعنى مطلقاً، بل يجب نقل اللفظ بصورته من غير فرق بين عارف بمعانى الألفاظ أو غير عارف، وهو مذهب كثير من السلف، وأهل التحرى فى الحديث، وهو مذهب الإمام مالك، ومعظم المحدثين، وهو مذهب الظاهرية (٢) .
стр. 414
.. وهنا يظهر لنا جلياً أن الأصل فى رواية الحديث روايته باللفظ للعالم بالألفاظ ومدلولاتها وغيره، والفرع هو الترخص فى الرواية بالمعنى للعالم دون غيره. وهذا هو خلاصة المذهب الأول، وهو المختار عند الجمهور من السلف وأصحاب الحديث والفقه والأصول واختاره منهم الآمدى (١) وقال: ويدل عليه النص والإجماع والأثر، والمعقول.
... أما النص: فإن النبى ﷺ كان مقرراً لآحاد رسله إلى البلاد فى إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة المبعوث إليهم دون لفظ النبى ﷺ وهو دليل الجواز (٢) .
... وأيضاً: فإن النبى ﷺ أمر أصحابه بتبليغ سنته المطهرة فى حياته وبعد وفاته فى أحاديث كثيرة منها: "ألا ليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" (٣) .
... هذا فى الوقت الذى كان فيه النهى عن كتابة السنة المطهرة: "لا تكتبوا عنى ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه وحدثوا عنى ولا حرج – الحديث" (٤) فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التى بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير ... لكتبها أصحاب رسول الله ﷺ ، فهل جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك من أجل رواية الأحاديث بلفظها بلا تقديم ولا تأخير؟!
стр. 415
كيف، وسائر الأخبار تشهد بأنهم كانوا يؤدونها حفظاً وبعضهم كتابة، ويقدمون، ويؤخرون، وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معناه فلا ينكر ذلك منهم، ولا يرون بذلك بأساً" (١) .
... يقول الأستاذ عبد الرحمن المعلمى: "هذا أمر يقينى لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم فى حياة النبى ﷺ وبعد وفاته. من بقى منهم حافظاً للفظ على وجهة أداه كذلك ومن بقى ضابطاً للمعنى ولم يبق ضابطاً للفظ أداة بالمعنى من غير نكير منهم (٢) .
... يقول الدكتور أبو زهو بعد أن أفاد المعنى السابق: فدل ذلك على أن "المقصود منها (أى السنة) المعنى دون اللفظ، ولذلك لم يتعبد بتلاوتها، ولم يقع التحدى بنظمها، وتجوز روايتها بالمعنى" (٣) .
ويدل أيضاً على أن المقصود من السنة المعنى دون اللفظ ما قاله الإمام الآمدى: "أن النبى ﷺ كان يذكر المعنى فى الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ، وهذا أحد وجوه دليل العقل التى استشهد بها الآمدى (٤) .
... وهذا المقصود كان يعيه الصحابة جيداً وحرصوا على تعليمه لمن بعدهم يدل على ذلك ما روى عن أبى نضرة، أنه قال: قلت لأبى سعيد الخدرى ﵁: إنك تحدثنا عن رسول الله ﷺ حديثاً عجيباً، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص. قال: أردتم أن تجعلوه قرآناً لا، لا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله ﷺ (٥) . ...
стр. 416
فتأمل قول أبى نضرة: (إنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص) ٠ ثم قول أبى سعيد (أردتم أن تجعلوه قرآناً لا لا، ولكن خذوا عنا ...) (١) . فدل ذلك على أن الأصل فى كتاب الله اللفظ، لأنه متعبد بتلاوته ومتحدى بأقصر سورة منه، وليست كذلك السنة المطهرة.
وليس هذا هو مفهوم ولا مقصود أبى سعيد الخدرى وحده، بل هو مقصود ومفهوم الصحابة أجمع، ويدل على ذلك روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة من غير إنكار من أحد منهم، فكان إجماعاً تصير به الحجة (٢) .
... ويشهد لصحة ذلك أيضاً الرخصة فى قراءة القرآن الكريم على سبعة أحرف (٣) ، وهذه الأحرف الستة الزائدة، عبارة عن أنواع من المخالفة فى بعض الألفاظ للفظ الحرف الأول بدون اختلاف فى المعنى (٤) .
стр. 417
.. واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة فى معنى واحد، كقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ﴾ (٢) ، وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ فى القرآن، وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى (٣) ، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحد المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمى، ومنه ما يأتى فى موضع بألفاظ، وفى آخر بغيرها ... ويطول فى موضع، ويختصر فى آخر" (٤) . وهذا يشهد لجواز التعبير عن المعنى الواحد بألفاظ متعددة.
... ومن أقوى الحج كما قاله الحافظ ابن حجر ما حكاه الخطيب البغدادى من: "اتفاق الأمة من جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى" (٥) . وهذا هو أحد وجوه أدلة العقل التى استشهد بها الآمدى فى الإحكام (٦) .
... فإن قيل: إن هذه الأدلة السابقة معارضة لقول النبى ﷺ : "نضر الله أمراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (٧) ومعارض لقوله ﷺ للبراء بن عازب ﵁ لما استذكر دعاء النوم قائلاً: (آمنت برسولك الذى أرسلت، فقال له النبى ﷺ ، قل: آمنت بنبيك الذى أرسلت" (٨) .
стр. 418
أجيب عن الحديث الأول: من وجهين:
الوجه الأول: القول بموجبه، وذلك لأن من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع. ولهذا، يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع. ويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ، ما ذكره الخبر من التعليل وهو اختلاف الناس فى الفقه، إذ هو المؤثر فى اختلاف المعنى. وأما الألفاظ التى لا يختلف اجتهاد الناس فى قيام بعضها مقام بعض، فذلك مما يستوى فيه الفقيه، والأفقه، ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثراً فى تغيير المعنى.
... الوجه الثانى: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، لأن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه على المعنى، فقال بعضهم: رحم الله مكان نضر الله ومن سمع بدل (امرأ سمع) وروى "مقالتى" بدل (منا حديثاً) (وبلغه) مكان (أداه) وروى (فرب مبلغ أفقه من مبلِّغ) مكان (فرب مبلغ أوعى من سامع) ، وألفاظ سوى هذه متغايرة تضمنها هذا الخبر. فالظاهر يدل على أن هذا الخبر نقل على المعنى، فلذلك اختلفت ألفاظه، وإن كان معناها واحداً. فالحديث حجة لنا لا علينا (١) .
стр. 419
أما الحديث الثانى "لا ونبيك"؛ ففى الاستدلال به نظر؛ لاحتمال أن يكون المنع؛ لكونها ألفاظ أذكار توفيقية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فيجب المحافظة على اللفظ الذى وردت به" (١) . أو لعله أراد أن يجمع بين الوصفين فى موضع واحد، ولا شك أنه ﷺ نبى مرسل، فهو إذن أكمل فائدة، وذلك يفوت بقوله: (وبرسولك الذى أرسلت) وأيضاً فالبلاغة مقتضية لذلك لعدم تكرار اللفظ لوصف واحد فيه، زاد بعضهم أو لاختلاف المعنى، لأن برسولك يدخل جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء" (٢) .
قلت لا تعارض بين الحديثين المعترض بهما على ما سبق ذكره من الأدلة، فهى كلها تشهد برأى الجمهور المختار وهو أن الأصل رواية الحديث باللفظ على فرض التسليم بما اعترض به من حديث: "نضر الله إمراً" وحديث "لا ونبيك".
والفرع هو الترخص فى الرواية بالمعنى للعالم بالألفاظ ومدلولاتها دون غيرها، ويشهد لذلك ما سبق ذكره من أدلة، وحينئذ فلا تعارض.
стр. 420
.. وحتى مع التسليم بأن الأصل هو الرواية بالمعنى، فلسنا نرى أن الرواية بالمعنى تفضى إلى النتائج الخطيرة التى يزعمها دعاة الإلحاد؛ لأن اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يرجع إلى الرواية بالمعنى وحدها، بل يرجع إلى رسول الله ﷺ الذى كانت تختلف ألفاظه بتعدد الأزمنة والأمكنة، والحوادث والأحوال، والسامعين والمستفتين، والمتخاصمين والمتقاضين، والوافدين والمبعوثين، ففى كل ذلك تختلف ألفاظه ﷺ ، إيجازاً، واطناباً، وتقديماً، وتأخيراً، وزيادة، ونقصاناً، بحسب ما تقتضيه الحال ويدعوا إليه المقام (١) .
فقد يسأل عن أفضل الأعمال مثلاً؛ فيجيب كل سائل بجواب غير جواب صاحبه، ... فيظن من لا علم له أن هذا من باب التعارض، أو من عدم ضبط الرواة، أو من آثار الرواية بالمعنى، وواقع الأمر أن رسول الله ﷺ كان طبيب النفوس، فيجيب كل إنسان عن مسألته بما يناسبه، وبما يكون أنفع له أو للناس فى جميع الظروف أو فى الظرف الذى كان فيه الاستفتاء" (٢) أ. هـ.
стр. 421
.. ويرجع اختلاف الأحاديث أيضاً إلى أنها ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبى ﷺ وهى كثيرة، ومنها ما أصله قولى، ولكن الصحابى لا يذكر القول بل يقول: أمرنا النبى ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا ... وأشباه هذا وهذا كثير أيضاً. وهذان الضربان ليسا محل نزاع. ولا دخل للرواية بالمعنى فيهما، والكلام فى ما يقول الصحابى فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك، ومن تتبع هذا فى الأحاديث التى يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو فى بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله ﷺ يهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها، فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها (١) .
стр. 422
ومنهم من يشدد ويصحح ما يسمعه من الرواة من تغيير اللفظ النبوى بالتقديم والتأخير، أو استبدال كلمة بمرادفها، كابن عمر ﵁ فعن عُبَيْد بن عمير (١) ؛ أن ابن عمر كان جالساً مع أبيه وعندهم مغيرة بن حكيم – رجل من أهل صنعاء – إذ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين (٢) من الغنم"، فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ فقال رجل: لو علمت علمه، علمت أنه لم يقل إلا حقاً ولم يتعمد الكذب، فقال: إنه لثقة، ولكنى شاهد رسول الله ﷺ يوم قال، هذا فقال كيف يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المنافق مثل الشاة بين الغنمين". فقال عُبَيْد بن عُمَير هى واحدة إذا لم يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً، فلا يضرك أن قدمت شيئاً أو أخرته؛ فهو واحد" (٣) .
стр. 423
.. وسمع ابن عمر أيضاً رجلاً يردد حديث الأركان الخمسة، فقدم بعضها وآخر بعضاً مخالفاً بذلك الرواية التى سمعها ابن عمر بنفسه من رسول الله ﷺ ، فقال له ابن عمر –رضى الله عنهما-: "اجعل صيام رمضان أخرهن، كما سمعت من فى رسول الله ﷺ " (١) .
... وروى الخطيب بسنده عن العلاء بن سعد بن مسعود قال: قيل لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ : مالك لا تحدث كما يحدث فلان وفلان؟ فقال: ما بى ألا أكون سمعت مثل ما سمعوا، أو حضرت مثل ما حضروا، ولكن لم يدرس الأمر بعد، والناس متماسكون، فأنا أجد من يكفينى، وأكره التزيد والنقصان فى حديث رسول الله ﷺ " (٢) .
... وفى عصر التابعين، وأتباع التابعين ظل كثير من الرواة يؤدى حديث رسول الله ﷺ بلفظه ونصه، حتى فى الحروف وفى ذلك يقول الأعمش: "كان العلم عند أقوام كان أحدهم لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً" (٣) .
... وكان مالك ﵀ يتقى فى حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما (٤) . وممن اعتمد ذلك الإمام مسلم ﵀ فإنه فى صحيحه يميز اختلاف الرواة حتى فى حرف من المتن، وربما كان بعضه لا يتغير به معنى، وربما كان فى بعضه اختلاف فى المعنى، ولكنه خفىٌ لا يفطن له، إلا من هو فى العلم بمكان، وكذا سلكه الإمامان البخارى، وأبو داود، وسبقهما لذلك شيخهما الإمام أحمد (٥) .
стр. 424
.. ومن أمثلة ذلك: ما روى عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأسلم وغفار، وشئ من مزينة وجهينة، أو شئ من جهينة ومزينة، خير عند الله، قال: أحسبه قال يوم القيامة، من أسد، وغطفان، وهوازن وتميم" (١) وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى تبديل حرف مشدد بمخفف، فعن أم كلثوم بنت عقبة (٢) - رضى الله عنها - قالت: "ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً. قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين فقال أحدهما: نمى خيراً خفيفة، وقال الآخر: نمى خيراً مثقلة (٣) .
... وأشد من كل هذا تحرج بعضهم من تغيير اللحن الوارد فى كلام الراوى صحابياً كان أو تابعياً، لأنه سمعه هكذا، فلا ضير من استعمال (حوث) بدلاً من "حيث" (٤) ، أو "لغيت" بدلاً من "لغوت" (٥) ، و "عوثاء السفر"، بدلاً من "وعثائه" (٦) ؛ ولذلك رووا عن محمد بن سيرين؛ أنه "كان يلحن كما يلحن الراوى" (٧) .
стр. 425
.. ثم رأى العلماء أن يميزوا فى هذا الموضوع بين لحن يحيل المعنى، وآخر لا يحيله، فرأوا أنه لابد من تغيير اللحن الذى يفسد المعنى، وقالوا بضرورة رد الحديث إلى الصواب إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب" (١) .
... وبكل ذلك يسقط قول دعاة الفتنة وأدعياء العلم: "أن الرواية بالمعنى هى القاعدة الثابتة فى رواية الحديث (٢) ، وأن الرواة تناقلوا الحديث بألفاظهم فى جميع العصور (٣) .