← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وعلى هذا الزعم بنى نيازى عز الدين كتابه (دين السلطان) ؛ فهو يعنى بالسطان معاوية بن أبى سفيان ﵁، وسيدنا معاوية فى زعمه هو الذى فتح باب الروايات بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن، وأصبحت ديناً، وساعده على ذلك جنوده من الفقهاء، والمحدثين، وفى ذلك يقول: "والتاريخ الإسلامى يحدثنا أن معاوية كان من دهاة العرب ... فأعاد عقلية الجاهلية بتوقيفه أحكام القرآن، من خلال فتح باب الروايات بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن. وقد وجد كثيراً من المساعدين من بين أصحاب المصالح من علماء السوء، والحساد، والمنافقين من أعداء الإسلام" (١) . ... وبنفس هذا الزعم تقول الرافضة طاعنين بذلك فى عقيدة أهل السنة.

стр. 492

يقول صالح الوردانى بعد أن ذكر نماذج من الأحاديث السابقة وما فى معناها قال: "إن هذه الروايات، وهذه العقيدة، هى التى خلقت فقهاء السلاطين، وخلقت الحكام الطغاة الظالمين فى تاريخ المسلمين ... ولولا هذه الروايات وهذه العقيدة ما هيمنت القبلية، والأموية، والعباسية، على واقع المسلمين. فإن جميع الحكومات التى قامت من بعد الرسول ﷺ ، اعتمدت هذه الروايات فى دعم سلطانها ونفوذها وإضفاء المشروعية عليها" (١) .

стр. 493

.. ويقول رافضى آخر زكريا عباس داود: "إننا عندما نبحث فى أسباب الوضع نلاحظ أن الجانب السياسى، كان دافعاً قوياً لمعاوية كى يوظف السنة لخدمة أهدافه ...، ولذا عمد لاستخدام مجموعة من الصحابة، والتابعين، كى يضعوا أحاديث تبرر له أعماله، وتضفى الشرعية الدينية على ملكه (١) . ... وممن قال بذلك أيضاً: عبد الحسين شرف الدين (٢) ، ومرتضى العسكرى (٣) ، ومحمود أبو رية (٤) ، ومحمد نجيب (٥) ، وعلى الشهرستانى (٦) ، وعلى الوردى (٧) ، وجمال البنا (٨) ، وعبد الجواد ياسين (٩) ، وإدريس الحسينى (١٠) ، والسيد صالح أبو بكر (١١)

стр. 494

.. والناظر فيما قاله أعداء السنة سابقاً يرى أنهم يطعنون فيما يأتى: أولاً: فى صحة إسلام معاوية ﵁، ووصفهم له بأنه كان منافقاً اعتماداً على ما ورد من أنه أسلم يوم الفتح، وكان من الطلقاء المؤلفة قلوبهم، وأنه فتح باب الوضع فى السنة، وصرح بذلك الرافضة السابق ذكرهم، وتبعهم على ذلك دعاة اللادينية. ثانياً: وصفهم حملة الإسلام من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين، بأنهم كانوا كذابين وفقهاء سلطة. ثالثاً: طعنهم فى الملوك والأمراء الأمويين، والعباسين، بأنهم بعيدين عن تعاليم الإسلام مستغلين علماء المسلمين بوضع ما يثبت ملكهم. رابعاً: طعنهم فى أحاديث طاعة أولى الأمر، وأحاديث الفتن. ... والجواب عما سبق فيما يلى: أولاً: الجواب عن الطعن فى صحة إسلام سيدنا معاوية ﵁ ، وأنه فتح باب الوضع فى السنة النبوية: ما طعن به أعداء السنة المطهرة فى صحة إسلام سيدنا معاوية ﵁، دافع عنه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة بقوله: "وقد غاب عن أعداء الإسلام أن الكاتبين فى تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدى، وابن سعد، أنه أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله، وأنه كان فى عمرة القضاء مسلماً، وإذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأى البعض، ففى رأى الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم، قال ابن عبد البر: "معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم"، وهو يشعر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم (١) .

стр. 495

ومهما يكن من شئ فقد أسلم وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة لمن أسلموا بعد الفتح أيضاً قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) . وكيف يصح الطعن فى صحة إسلامه ﵁، وقد كان أحد كتبه الوحى بين يدى النبى ﷺ (٢) ، يدل على ذلك ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن رسول الله ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: أنه يأكل، ثم بعث إليه، فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله ﷺ : "لا أشبع الله بطنه" (٣) .

стр. 496

.. يقول الأستاذ محب الدين الخطيب (١) ﵀: "قد يستغل بعض الفرق من أعداء الإسلام (٢) . هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً فى معاوية ﵁ وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى ﷺ ؟! ... فالظاهر أن هذا الدعاء منه ﷺ غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله ﷺ : تربت يمينك. ويمكن أن يكون ذلك منه ﷺ بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه ﷺ فى أحاديث كثيرة متواترة منها حديث عائشة – رضى الله عنها – مرفوعاً: "... أَوَ مَاَ عَلِمْتِ مَا شَرَطْتُ عَلَيْهِ رَبِىِّ؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْراً" (٣) . ولم تعرف عن معاوية ﵁ دخلة فى إيمانه ولا ريبة فى إخلاصه لإسلامه ولا فى إمارته.

стр. 497

.. يقول القاضى أبو بكر بن العربى، مبيناً ما اجتمع فى معاوية من خصال الخير إجمالاً قال: "معاوية اجتمعت فيه خصال: وهى أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق. وقد شهد له فى صحيح الحديث بالصحبة والفقه، فيما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن أبى مليكه قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه؛ فإنه صحب رسول الله ﷺ . وفى رواية أخرى قيل لابن عباس: هل لك فى أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (١) ... يقول ابن العربى: "وشهد بخلافته فى حديث أم حرام – رضى الله عنها– فيما رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ لأنه رأى ناساً من أمته غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج البحر – أى وسطه ومعظمه – ملوكاً على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام: أدع الله أن يجعلنى منهم، فقال، أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر فى زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر. فهلكت" (٢) .

стр. 498

قال الحافظ ابن كثير: يعنى بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان بن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول الإسلامى الأول فى التاريخ، وكانت معهم أم حرام فى صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهم. وماتت أم حرام فى سبيل الله وقبرها بقبرص إلى اليوم. قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثانى يزيد بن معاوية فى غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة (١) فى الشهادة لسيدنا معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء فى حديث أم حرام مرفوعاً: "أول جيش من أمتى يركبون البحر قد أوجبوا (٢) . وأول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا" (٣) . ... يقول الإمام ابن تيمية: "لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية، ولا كان الناس فى زمان ملك من الملوك خيراً منهم فى زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل. ... وقد روى أبو بكر بن الأثرم - ورواه ابن بطه من طريقه عن قتادة قال: "لو أصبحتم فى مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدى". وروى ابن بطه بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدى.

стр. 499

.. وروى الأثرم عن أبى هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش، فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا فى حلمه؟ قال: لا والله، بل فى عدله. وعن أبى إسحاق السبيعى أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدى. ... وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية صدى استجابة الله دعاء نبيه ﷺ لهذا الخليفة الصالح يوم قال ﷺ : "اللهم اجعله هادياً، مهدياً، واهد به" (١) . ... وقبل أن ننهى الكلام على شهادات الصحابة، والتابعين، وآراء العلماء، فى معاوية، ننقل رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون فى اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغى أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخيارهم فهو تاليهم فى الفضل والعدالة والصحبة (٢) .

стр. 500

ويقول أيضاً فى مقدمته: مدافعاً عن إيثاره ابنه يزيد بالعهد، دون من سواه قال: "إنما هو مراعاة المصلحة فى اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بنى أمية ... وهم عصابة قريش (١) وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ... حرصاً على الاتفاق، واجتماع الأهواء الذى شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم فى الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة فى قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه" (٢) .

стр. 501

.. "نذكر جميع هذه الشهادات، وقبلها الأحاديث النبوية فى فضل معاوية (١) ، مع اعترافنا يشهد الله بفضل على بن أبى طالب ﵁، وأنه أفضل منه والحق غالبه معه، وكل كان مجتهداً (٢) . وقد جاء فى الحديث الصحيح: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم اخطأ؛ فله أجر" (٣) . ... وقد أوردنا هذه الأمثلة القليلة التى لا يسع المقام لأكثر منها؛ ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية ﵁ تخالف الصورة الكاذبة التى يصورها الزنادقة من الرافضة ومن تابعهم من أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، تلك الصورة التى تنكر ما جاء فى السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين، من الشهادة له بالصحبة، والفقه، والملك العادل، وحسن السيرة، حتى شهد له من أدركه كمجاهد والأعمش بأنه المهدى.

стр. 502

.. فهل من كان هذا حاله يكون له دخل أو حتى رضا بالوضع فى السنة المطهرة سواء فى فضائله، وفضائل الشام أو فى وضع ما يثبت ملكه، أو غير ذلك مما يزعمه أعداء الإسلام من الرافضة ومن شايعهم؟! نعم إذا لم تستح فأصنع ما شئت. ثانياً: الجواب عن اتهام رواه السنة بأنهم كانوا كذابين وفقهاء سلطة: أما ما زعمه دعاة الفتنة وأدعياء العلم، من أن حملة الإسلام من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين من الفقهاء، والمحدثين، كانوا كذابين وفقهاء سلطه؛ فقد رد هذا الزعم الدكتور السباعى تحت عنوان "هل استجاز علماؤنا الكذب دفاعاً عن الدين؟ فقال: "إن أعداء الإسلام من غلاة الشيعة، والمستشرقين، ودعاة الإلحاد، لم يصلوا ولن يصلوا إلى مدى السمو الذى يتصف به رواة السنة من الترفع عن الكذب حتى فى حياتهم العادية، بل لم ولن يصل أعداء الإسلام إلى مبلغ الخوف الذى استقر فى نفوسهم بجنب الله خشية ورهبة، ولا مدى استنكارهم لجريمة الكذب على رسول الله ﷺ حتى قال منهم من قال بكفر من يفعل ذلك، وقتله وعدم قبول توبته (١) ، إن أعداء الإسلام معذورون إذ لم يفهموا عن علمائنا هذه الخصائص؛ لأنه لا يوجد لها ظل فى نفوسهم ولا فيمن حولهم، ومن اعتاد الكذب ظن فى الناس أنهم أكذب منه، واللص يظن جميع الناس لصوصاً مثله ... وإلا فمن الذى يقول فى قوم جاهروا بالإنكار على بعض ولاتهم لأنهم خالفوا بعض أحكام السنة؛ وتعرض بعضهم للضرب والإهانة والتنكيل فى سبيل الجهر بكلمة الحق - أنهم استباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله ﷺ ليضيفوا إلى سنته المطهرة أحكاماً لم يقلها ﷺ . أيها الناس أليست لكم عقول تحكمون بها؟ أم أنتم تتكلمون لقومٍ لا عقول لهم (٢) ؟!

стр. 503

.. نعم إن قوماً لم يحابوا فى حكمهم على الرجال أحداً لا أباً، ولا ابناً، ولا أخاً، ولا صديقاً، ولا أستاذاً، لذلك عنوان صدق ديانتهم، ونزاهتهم، وأمانتهم، وعنوان غلاء الحفاظ على السنة الشريفة لديهم، وأنها عندهم أغلى من الأباء والأجداد، والأولاد، والأحفاد، فكانوا مضرب المثل فى الصدق والتقوى والأمانة (١) . ... وهاك أمثلة على نزاهتهم فى حكمهم على الرجال: المجرحون لآبائهم: الإمام على بن المدينى سأل عن أبيه فقال: "سلوا عنه غيرى" فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: "هو الدين، إنه ضعيف" (٢) . المجرحون لأبنائهم:

стр. 504

الإمام أبو داود السجستانى "صاحب السنن قال: ابنى عبد الله كذاب (١) ، ونحوه قول الذهبى فى ولده أبى هريرة، أنه "حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه (٢) . المجرحون لإخوانهم: زيد بن أبى أُنَيْسة قال: لا تأخذوا عن أخى يحى المذكور بالكذب (٣) . المجرحون لأختانهم:

стр. 505

شعبة بن الحجاج قال: لو حَاَبْيتُ أَحَداً لحابيت هِشَام بْنُ حَسَّان كان ختنى (١) ،ولم يكن يحفظ" (٢) . المجرحون لبعض أقاربهم: أبو عروبة الحرانى: قال الذهبى فى ترجمة الحُسَيْنُ بن أبى السَّرِىّ العسقلانىُّ: "قال أبو عروبة الحرانى: هو خال أمى، وهو كذاب" (٣) . من الذين لم يحابوا مشايخهم: يحيى بن سعيد القطان: روى الإمام ابن أبى حاتم عن عبد الرحمن بن مهدى قال: اختلفوا يوماً عند شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكماً فقال: قد رضيت بالأحول يعنى يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه فقضى على شعبة - وهو شيخه ومنه تعلم وبه تخرج، فقال له شعبة: ومن يطيق نقدك أو من له مثل نقدك يا أحول؟! ". ... قال ابن أبى حاتم: "هذه غاية المنزلة – ليحيى بن سعيد القطان – إذ اختاره شيخه شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من دالته بنفسه وصلابته فى دينه أن قضى على شعبة" شيخه ومعلمه (٤) .

стр. 506

وبلغ من نزاهة أئمة الحديث أنهم كانوا لا يقبلون شفاعة إخوانهم للسكوت عمن يرون جَرْحه، وكيف يرتضون تلك الوساطة، وهم الذين طَعَنُوا فى أبنائهم، وآبائهم، وإخوانهم، لما رأوا منهم ما يستوجب القّدْحَ. وقد ضَرَبَ شعبة بن الحجاج فى هذا أروع الأمثال لما كلمه حماد بن زيد، وعباد ابن عباد، وجرير بن حازم، كلموه فى رجل ليكف عنه، قال حماد ابن زيد، فكأنه لان وأجابنا. قال: فذهبت يوماً أريد الجمعة فإذا شعبة ينادينى من خلفى، فقال: ذاك الذى قلتم لى فيه لا أراه يسعنى". قال عبد الرحمن ابن مهدى: كان شعبة يتكلم فى هذا حسبة (١) . نماذج لما كان عليه سلفنا الصالح من جراءة فى الحق مع خلفائهم وملوكهم وأمراءهم، لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً: أما موقف الصحابة مع خلفائهم فقد سبق بما يغنى عن إعادته هنا عند الحديث عن بداية الوضع وبراءة الصحابة منه (٢) . ... ونزيد هنا بموقف لأبى بن كعب ﵁ مع الفاروق عمر ﵁ أخرجه ابن راهوية عن الحسن أن عمر بن الخطاب ﵁ رد وعلى أبى بن كعب ﵁ قراءة آية، فقال أبى: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ وأنت يليهك يا عمر الصفق بالبقيع. فقال عمر ﵁: صدقت إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق؟ فلا خير فى أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله" (٣) .

стр. 507

.. وروى أن أبى بن كعب قرأ: ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (١) فقال عمر ﵁ كذبت. قال: أنت أكذب. فقال رجل: تكذب أمير المؤمنين؟ قال: أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك. ولكن كذبته فى تصديق كتاب الله ، ولم أصدق أمير المؤمنين فى تكذيب كتاب الله ، فقال عمر: صدق" (٢) . فانظر كيف يمتحن عمر الصحابة فى مدى جهرهم بكلمة الحق إذا عدل عنها الأمير، وانظر كيف كان الصحابة يعرفون لأمرائهم حقهم، فإذا عدلوا عن الحق لم تأخذهم فى الله لومة لائم. ... أما عن موقف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، من ملوكهم وأمراءهم، فقد مر موقف أبو سعيد الخدرى من مروان وإلى المدينة، وكذا موقف ابن عمر من الحجاج (٣) . وسيأتى موقف آخر للإمام الزهرى مع هشام بن عبد الملك الأموى، بعد ذكر بعض المواقف لأئمة الإسلام من ملوك وأمراء بنى العباس. منها ما ذكره الحافظ الذهبى فى ترجمة - ابن أبى ذئب الإمام الثبت - قال الإمام أحمد: "دخل بن أبى ذئب على المنصور فلم يهبه أن قال له الحق، وقال الظلم ببابك فاش، وأبو جعفر، أبو جعفر".

стр. 508

وعن محمد بن إبراهيم تلميذ بن أبى ليلى قال: "كنت عند أبى جعفر المنصور - وعنده بن أبى ذئب، فقال أبو جعفر: ما تقول فى الحسن بن زيد -وكان والياً للمدينة أيام المنصور- قال يأخذ بالإحنة - أى الحقد ويقضى بالهوى. فقال له الحسن: الله الله، والله ما سلم منه أحد، وإن شئت فسله عن نفسك يا أمير المؤمنين. قال محمد بن إبراهيم - فجمعت ثيابى والسياف قائم على رأس أبى جعفر، مخافة أن يأمر به فيقتل، فيصيب دمه ثوبى، قال ما تقول فى؟ قال - اعفنى يا أمير المؤمنين. قال لابد أن تقول. قال إنك لا تعدل فى الرعية ولا تقسم بالسوية. فتغير وجه أبى جعفر فقام إبراهيم بن يحيى والى المدينة أيام المهدى- وقال: طهرنى بدمه يا أمير المؤمنين؟ قال له ابن أبى ذئب - اقعد يا بنى فليس فى دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور" (١) . ... وموقف سفيان الثورى ﵀ مع أبى جعفر المنصور مشهور؛ فقد كان سفيان ﵀ قوالاً بالحق، شديد الإنكار، حتى مات فى البصرة مختبئاً من المهدى (٢) ، وما موقف المحدثين - وعلى رأسهم أحمد بن حنبل ﵀ مع الأمراء العباسيين فى محنة خلق القرآن ببعيد. وغير ذلك الكثير، ولولا أن المقام لا يحتمل المزيد لنقلت لك أخباراً مشرقة عن هؤلاء الأفذاذ (٣) . صلة علماء المسلمين بالملوك والأمراء: ... زعم أعداء السنة، أعداء الإسلام، أن صلات علماء المسلمين بالملوك والأمراء مكنت لهم أن يستغلوهم فى وضع الأحاديث الموافقة لأهوائهم وتثبيت سلطانهم.

стр. 509

يقول الدكتور السباعى رداً على ذلك: "ولا ندرى كيف تكون الصلة بين أئمة المسلمين الثقات الأثبات، وبين الملوك والأمراء علامة على استغلالهم لهم، وقديماً كان العلماء يتصلون بالخلفاء والملوك، دون أن يمس هذا أمانتهم فى شئ، فقديماً تردد الصحابة على معاوية، وتردد التابعون. ... فهؤلاء الأئمة إذا اتصلوا بهؤلاء الأمراء والملوك، أو اتصلوا هم بهم، لا سبيل إلى أن يؤثر ذلك فى دينهم، وأمانتهم، وورعهم، والمستفيد منهم على كل حال، هم المسلمون الذين يغدو علماؤهم ويروحون من حلقات العلم إلى مجالس الخلفاء يروون حديثاً، أو يبثون فكرة، أو يبثون حكماً، أو يبينون حكماً، أو يؤدبون لهم ولداً، أو يذكروهم بما للأمة عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات. ... انظر: إلى ما رواه ابن عساكر بسنده إلى الشافعى ﵀ أن هشام بن عبد الملك سأل سليمان بن يسار عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) فقال هشام: كذبت: إنما هو على بن أبى طالب، ويظهر أن هشاماً لم يكن جاداً فيما يقول، ولكنه يريد أن يختبر شدتهم فى الحق - فقال سليمان بن يسار: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، ثم وصل ابن شهاب، فقال له هشام: من الذى تولى كبره منهم؟ فقال الزهرى: هو عبد الله بن أبى بن سلول، فقال له هشام: كذبت. إنما هو على بن أبى طالب، قال الزهرى وقد امتلأ غضباً: أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت...حدثنى فلان، وفلان، أن الذى تولى كبره منهم، هو عبد الله بن أبى بن سلول،... وفى القصة فقال هشام: إنا نهيج الشيخ.مما يدل على أنه لم يكن جاداً فى قوله "كذبت".

стр. 510

ألا ترى فى هذه الحادثة ما يدلك على أن الصلة بين العلماء والخلفاء أدنى وأضعف من أن تصل إلى دينهم وأمانتهم؟ رجل يقول لخليفة المسلمين: لا أبا لك! وهى كلمة لا يقولها رجل عادى لآخر مثله يحترمه، لدليل على أن صلتهم بالخلفاء والأمراء ليست صلة ضعيف بقوى، ولا مخدوع بخادع بل صلة واثق بدينه، معتز بعلمه يغضب إن كُذِّب، ويثور إذا حُرِّفت حقيقة من حقائق التاريخ المتصل بصحابة رسول الله ﷺ ، ورجل يزأر فى وجه الخليفة زئير الأسد لأنه كذَّبه فى تفسير آية من كتاب الله خلاف ما يعلم أهل العلم من قبله، هل من المعقول أن يميل إلى أهواء الخليفة، فيضع له أحاديث عن رسول الله ﷺ لا أصل لها؟! ألا ترى إلى قول الزهرى: "أنا أكذب؟ لا أبالك! فوالله لو نادانى مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت". إن الزهرى كان من ذلك الطراز الممتاز فى تاريخ الإنسانية الذين ربَّاهم محمد ﷺ وأخرجهم للدنيا آيات باهرات فى صدق اللهجة وسموا النفس، والترفع عن الكذب حتى ولو كان مباحاً (١) . أ. هـ. ... يقول الأستاذ الصديق بشير: "ثم هل أولئك الفقهاء من الخور، وقلة الورع بحيث يستغلهم الحكام لتثبيت حكمهم؟! إن تاريخ هؤلاء ينفى ذلك بشدة، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن حرم على نفسه مخالطة السلاطين الظلمة (٢) . بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يضرب، ويحبس، لرفضه تولية القضاء كأبى حنيفة ﵀ (٣) .

стр. 511

وانظر كيف كان الخلفاء يهابون العلماء، هاهو الخليفة المهدى يدخل مسجد النبى ﷺ فلم يبق إلا قام إلا ابن أبى ذئب فقيل له: قم، فهذا أمير المؤمنين، قال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدى: دعوه فقد قامت كل شعرة فى رأسى (١) . ... وانظر كيف يتمنى أبو جعفر المنصور أن يجلس فى وسط المحدثين لينال من صالح دعائهم لما قيل له: هل بقى من لذات الدنيا شئ لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعد فى مصطبة، وحولى أصحاب الحديث، يقول المستملى: من ذكرت، رحمك الله، قال: فغدا عليه الندماء، وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر، فقال: لستم بهم، إنما هم الدنسة ثيابهم المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق، ونقلة الحديث (٢) . ... ثم ماذا يبتغى هؤلاء من مسايرتهم لأهواء الأمويين والعباسيين أيبتغون المال؟ أم الشهرة؟ إن التاريخ يشهد بأنهم لم يستعبدهم المال ولا الشهرة، وقد قيل أنه لم ير السلاطين والملوك والأغنياء فى مجلس أحقر منهم فى مجلس الأعمش، مع شدة حاجته وفقره (٣) . وهل يبلغ الحمق، والغباوة بهم، أن يبيعوا دينهم، وسمعتهم بين المسلمين، وهم لا يطمعون فى مال ولا جاه ولا منصب؟ أ. هـ.

стр. 512

ثالثاً: الجواب عن اتهام الملوك والأمراء الأمويين العباسيين، فى دينهم ، ودعوى استغلالهم لعلماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم: حال الملوك والأمراء الأمويين والعباسيين من الدين: ... يحرص أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، أن يصوروا لنا الأمويين، والعباسيين، جماعة دنيويين ليس لهم هم إلا الفتح، والاستعمار، والحقد على آل البيت، وأنهم كانوا فى حياتهم العادية جاهليين لا يمتون إلى تعاليم الإسلام وآدابه بصلة، وهذا افتراء على الواقع والتاريخ فمن المسَّلم به أن ما بين أيدينا من نصوص التاريخ التى تمثل لنا العصر الأموى، والعباسى، لا تعدوا إلا أن تكون أخباراً تناقلتها الألسنة دون تحقيق، وهى من وضع غلاة الشيعة، والروافض الذين أحدثوا الفتنة فى صفوف الأمة الإسلامية، منذ مقتل الفاروق عمر، فعثمان، فعلى، ﵃ استمراراً بصراعهم مع الأمويين والعباسيين، فهؤلاء الرافضة هم الذين ناصبهم الأمويون، والعباسيون العداء، وحاربوهم، تماماً كما حاربهم الإمام علىّ ﵃. ... وما ناصبوا العداء يوماً قط لآل البيت ﵃ وإنما هى الفتنة التى كان يشعلها الرافضة بين آل البيت، وبين أمية وبنى العباس، على مر التاريخ. ... ومن هنا فلا يصح الاعتماد بدون تمحيص على كتب الأخبار والتاريخ فيما يتعلق بالأمويين والعباسيين (١) .

стр. 513

يقول الدكتور محمد مظهر صديقى: "لأنها كتبت فى الأمصار العراقية، وبخاصة فى الكوفة والبصرة وبغداد - بيئة الفتنة والرافضة، ولم تنج من تعصب المؤلفين ورواة الأخبار الذين لم يبتعد أكثرهم عن العصبية بكافة أنواعها" (١) . ... يقول الدكتور السباعى: "هذا شئ، وشئ آخر أنه حتى فى هذه الحالة فإنا نجد نصوصاً كثيرة تكذب أعداء السنة فيما رموا به أمراء الأمويين، والعباسيين، من إنحراف عن الإسلام وتحدٍّ لأحكامه، فابن سعد، يروى لنا فى طبقاته، عن نُسك، عبد الملك، وتقواه، قبل الخلافة، ما جعل الناس يلقبونه بحمامة المسجد، حتى لقد سئل بن عمر ﵁ أرأيت، إذا تفانى أصحاب رسول الله ﷺ من نسأل؟ فأجابهم: سلوا هذا الفتى وأشار إلى عبد الملك (٢) .

стр. 514

وهذا مالك ﵁ قد احتج بقضاء عبد الملك بن مروان فى موطأه وأبرزه فى جملة قواعد الشريعة (١) . أما أبوه مروان بن الحكم فأقضيته وفتاواه كثيرة فى الموطأ (٢) ،وفى الصحيح عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك ابن مروان كتب: إنى أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله، وسنة رسوله ﷺ ، ما استطعت، وإن بنى قد أقروا بمثل ذلك (٣) . ... وقل مثل ذلك فى الوليد بن عبد الملك، فلقد أنشئت فى عصره أكثر المساجد المعروفة اليوم، حتى كان عصره للمسلمين عصراً عمرانياً، وقل مثل ذلك فى بقية الخلفاء بما فيهم يزيد ابن معاوية ﵁ الذى اتهم كذباً وزوراً بأكاذيب من صنع الرافضة.

стр. 515

ولا ندرى كيف يتهم بالفسق من شهد له رسول الله ﷺ ، له بالخير والمغفرة، فى قوله ﷺ "... وأول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور له"؟ (١) وكان هذا الجيش هو جيش يزيد بن معاوية – وكان أميراً عليه فى غزوة القسطنطينية (٢) . وكيف يعهد له أبوه (معاوية) ﵁ بالخلافة "وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق. حاشا الله معاوية من ذلك" (٣) . وكيف يصح وصف يزيد بالفسق وهو يحدث نفسه إن ولى الإمارة أن يسير على سيرة الفاروق عمر ﵁ لما قال له أبوه: كيف تراك فاعلاً إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبة عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بنى، والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر؟ (٤) . ... ويقول العلامة ابن خلدون مدافعاً عن أمراء الدولة الأموية قائلاً: "... وإن كانوا ملوكاً فلم يكن مذهبهم فى الملك مذهب أهل البطالة، والبغى، إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم، إلا فى ضرورة تحملهم على بعضها، مثل خشية افتراق الكلمة الذى هو أهم لديهم من كل مقصد. يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء، وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم. فقد احتج مالك فى الموطأ بعمل عبد الملك، وأما مروان فكان فى الطبقة الأولى من التابعين، وعدالتهم معروفة ثم تدرج الأمر فى ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذى كانوا فيه" (٥) .

стр. 516

ويقول أيضاً مدافعاً عن أمراء الدولة الأموية والعباسية معاً فى معرض دفاعه عن أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد: "ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك، وسليمان، من بنى أمية، والسفاح، والمنصور، والمهدى، والرشيد من بنى العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم، وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة فى ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينياً (١) ، وهى حفظ وحدة المسلمين، وإنه لفى رواية الإمام مالك فى موطأه لأمراء بنى أمية مثل عبد الملك بن مروان وأبوه مروان، وجمعه لموطأه فى أيام بنى العباس، والدولة لهم، والحكم بأيديهم، لأكبر دليل على أنه لم يكن هناك صراع بين بنى أمية وبنى العباس، وإنما كان الصراع بينهم وبين أعداء الإسلام على مر التاريخ من الرافضة والزنادقة. وحتى لو فرض أنه كان هناك صراع، فلم يكن لهذا الصراع أى تأثير على علماء المسلمين فيما يحفظون، ويدونون من حديث رسول الله ﷺ وإلا فلِمَ لم يغير وينكر أمراء بنى العباس ما فى الموطأ؟

стр. 517

وأين ما زعمه أعداء الإسلام من استغلالهم لعلماء المسلمين فى وضع ما يوافق رغباتهم؟ نعم كان هناك من يتقرب إلى الملوك والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم، ولكن هؤلاء الأدعياء لم يكونوا يمتون إلى العلم بصلة، وهم غير العلماء الذين نهضوا لجمع الحديث وتدوينه ونقده، وفى نفس الوقت لم يغفل الأمراء عن كذبهم كما حدث من غياث بن إبراهيم النخعى (١) مع الخليفة المهدى العباسى (٢) لما رآه يلعب بالحمام فحدثه بحديث أبى هريرة ﵁: "لا سبق إلا فى خف أو نصل أو حافر" وزاد فيه: "أو جناح" فأمر المهدى بعشرة آلاف درهم، فلما قام قال المهدى: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، وإنما استجلبت ذلك أنا فأمر بذبح الحمام فذبحت.

стр. 518

.. يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة - رحمه الله تعالى -:"لم يكن المهدى مغفلاً ولا جاهلاً، بل كان عاقلاً عالماً، من الملوك الذين ينشأون فى العلم الذى هو شرط من شروط الولاية، فعامل المتزلف إليه بجود الملوك، وأراد قطع السبب الذى تزلف به الكذاب، وفطم نفسه عن التعلق بالحمام فذبحها - ولم يأت فى الخبر أنه طرحها - ولم ينتفع بها آكل، ومثل هذا لا يغيب عن مثل الخليفة المهدى العالم (١) . الذى نكل بالزنادقة أيما تنكيل أيام دولته، وعين لهم رجلاً سماه "صاحب الزنادقة" وكل إليه أمر إبادتهم والقضاء عليهم وأمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب فى الرد على الملحدين، وإقامة البراهين على المعاندين وإيضاح الحق للشاكيِّن، وأوصى ابنه الهادى بالعمل على إبادة الزنادقة، وشرح له أمرهم، وسوء نيتهم نحو الإسلام والمسلمين، وجاء عنه أنه قال: "والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عيناً تطرف" وقد أنفذ الهادى وصية أبيه بكل أمانة" (٢) . ... وخلاصة القول: أن ما وقع من وضع فى السنة أيام الأمويين والعباسيين، وقع من غلاة الشيعة الرافضة، والزنادقة، وغيرهم ممن لا يمتون إلى العلم بصلة، وأمثال هؤلاء هم الذين كانوا فى صراع دائم مع الدولة الأموية، والعباسية، أما ما يزعمه أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، بأن الوضع وقع من العلماء الذين دأبوا على نشر السنة المطهرة، وحفظها وتنقيتها أمثال الزهرى، والأوزاعى، والثورى، وابن حنبل، والبخارى، وغيرهم من رواة السنة، فذلك كذب وافتراء يرده تاريخنا الإسلامى السالم من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

стр. 519

رابعاً: الجواب عن طعن أعداء السنة فى أحاديث طاعة أولى الأمر ، وأحاديث الفتن ما زعمه أعداء السنة من أن أحاديث طاعة أولى الأمر، وأحاديث اجتناب الفتن وضعها أهل الحديث لتثبيت أنظمة الحكم، فتلك دعوى يردها النقل والنظر. ... يقول الأستاذ الصديق بشير: "فأما النقل: فإن الأحاديث التى ذكروها - ومعظمها فى الصحيحين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله وهى تدعو إلى طاعة الحكام والأمراء، وتدعوا إلى اجتناب الفتن، والنجاة من شرورها، ويظن أنها وضعت من أجل تثبيت الحكام، إما بطاعتهم، أو باعتزال الأمر وتركه، فهذه الأحاديث لو افترضنا جدلاً صحة ادعائهم، فالقرآن الكريم يؤكدها ويصدقها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) ووجوب طاعة ولى الأمر بطاعته لله ورسوله، وقول تعالى: ذاماً الفتن ومحذراً من الارتكاس فيها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٣) . وكون الفتنة أشد من القتل لأن شرورها لا تنقطع كالنار لا تبقى على شئ. فهذا إذن أكبر دليل على أن مجموع تلك الأحاديث التى تحض على الطاعة، وتجنب الفتن سبقت الخلافات والنزاع حول الحكم. ... وأما النظر: فإنه يكذب هذا الادعاء، لأن اجتماع الفقهاء أو أهل الحديث أو جمعيهم على وضع هذه المبادئ كما يسميها"جولدتسيهر" ويقول بها الرافضة، ومن قال بقولهم.لا يمكن أن يتحقق، واجتماعهم على الكذب على الرسول ﷺ لا يتأتى. ففى زمن بنى أمية كان هناك كثير من الصحابة أمثال: أنس بن مالك (ت٩٣هـ) ، وعبد الله بن عمر (ت ٧٣هـ) ، وعبد الله ابن عباس (ت ٦٨هـ) ، وأبو هريرة (ت ٥٩هـ) ، وعبد الله بن عمرو (ت ٦٥هـ) ، والنعمان بن بشير (ت ٦٤هـ) .

стр. 520

.. وكان هناك عدد كبير من الفقهاء والأعلام أمثال: سعيد بن المسيب (ت ٩١هـ) ، وعروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) ، وخارجة بن زيد (ت ١٠٠هـ) وبقية الفقهاء السبعة المشهورون. وأمثال: سالم بن عبد الله (ت ١٠٦هـ) ، والشعبى (ت ١٠٥هـ) ، وابن سيرين (١١٠هـ) ، وهذه الدولة العباسية بدأت بخلافة أبى العباس السفاح سنة (١٣٢هـ) ، وكان ممن حضر قيامها من أئمة الفقهاء ربيعة الرأى (ت ١٣٤هـ) ، وعطاء الخراسانى (ت ١٣٥هـ) والأوزاعى (ت ١٥٧هـ) ، وأئمة المذاهب الأربعة. ... فهل من الممكن أن يتفق أمثال هؤلاء – وهم من هم فى الورع والعلم – على تثبيت نظام من الأنظمة، ودعوة الناس إلى مؤازرته والخضوع له، ولو أدى بهم ذلك إلى اختلاق الأحاديث، لتأكيد هذه الدعوة، وكأنهم شرذمة من المتآمرين؟! وإذا صح لغيرهم أن يفعلوا ذلك، فهل يرضى هؤلاء بذلك، وهم يعلمون أنه خطر يهدد الإسلام، وأن السكوت عليه خيانة للمسلمين؟! ... وكيف ترضى الفرق الأخرى التى تنازع نظام الحكم القائم بهذا الصنيع وهى تعلم أنه دس واختلاق؟! والعقل يقول: إنه لو أحس هؤلاء بأن تلك الأحاديث موضوعة لغرض تثبيت نظام الحكم الذى ينازعونه لشنعوا بذلك أيمَّا تشنيع، ولشهَّروا بواضيعها أيما تشهير، ولكن هذا لم يوجد؛ لأنه لم يصح إلا فى ذهن الرافضة وجولدتسهير، ومن تبعهم فى ملتهم من أبناء جلدتنا. وكيف فاتهم أن عصر بنى أمية وبنى العباس لم يخل من علماء نقد الحديث، وهم علماء الجرح والتعديل أمثال: شعبة بن الحجاج (ت ١٥٩هـ) ، وسفيان الثورى (ت ١٦١هـ) ، وعبد الرحمن بن مهدى (ت ١٩٨هـ) ، ويحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨هـ) ، وهم وغيرهم الذين غربلوا الحديث، وحذفوا الموضوعات وأظهروها، فهل غابت عنهم تلك الأحاديث التى ذكرها أعداء الإسلام، ومعظمها فى الصحيحين، حتى يأتى أدعياء العلم فى آخر الزمان ليبينوا لنا أنها موضوعة؟!

стр. 521

ثم ما المنهج الذى اتبعوه فى النقد؟ ليس ثمة منهج إلا مجموعة أفكار فاسدة وهواجس تعشعش فى أذهانهم، ولو افترضنا أن أعداء الإسلام لا يقصدون أنهم وضعوا هذه الأحاديث، أى اختلقوها فإن مجرد تسخيرهم لها لتثبيت دعائم الحكم الأموى مرة، والحكم العباسى مرة أخرى، مسبة أيضاً، وفرية لا يقولها عاقل! ... كما أن إشاعة هذه الأحاديث النبوية مصلحة للناس قبل أن تكون مصلحة للحكام؛ لأنه فى أغلب الفتن لا يتأذى بويلاتها إلا الناس، ولا يبلغ الحكام إلا دخانها، وفى الفتن تختلط الأمور وتتداخل، فيدعى كل طرف فيها أنه على حق، وأن غيره على باطل، ومن لم يتبين أى الأطراف على حق، كان أولى به أن يعتزل الفتن، وهو الصواب. ... كما أن هذا الدين الحنيف جاء داعياً إلى التكتل والجماعة، وحذر من الفرقة والانقسام لأن هلاك المسلمين فى تفرقهم شيعاً وأحزاباً، يقول ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢) ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٣) . ... والأحاديث النبوية التى تدعوا إلى الجماعة، وعدم الخروج عنها توضح هذه الحقيقة القرآنية، حقيقة أن فساد أمر المسلمين بافتراقهم، وهى حقيقة يعيها جيداً أعداء الإسلام، إلاَّ أنهم يتجاهلون هذه الحقيقة ليزعموا أن هذه الأحاديث موضوعة، لخدمة الحكام، وذلك بعدم دفع المسلمين إلى الخروج على الحكام ولو كانوا جائرين، وتجاهلوا أن: من عقيدة المسلمين عدم الخروج على السلطان لجور أو ظلم ما لم يأمر بمعصية.

стр. 522

يقول الإمام الطحاوى فى عقيدته: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة" (١) . ... ويقول شارح العقيدة الطحاوية: "فقد دل الكتاب، والسنة على وجوب طاعة أولى الأمر ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) كيف قال: وأطيعوا الرسول، ولم يقل: وأطيعوا أولى الأمر منكم! لأن أولى الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم فى ذلك، وأما ولى الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله ﷺ . ... وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا؛ فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم (٣) وقل من خرج على إمام إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم ما تولد من الخير، يقول ابن تيمية فى حكم قتل الأئمة والخروج عليهم: "إن من قال: إن قتلهم حد، قال: إن جنايتهم؛ توجب من الفتنة، والفساد أكثر مما يوجبه جناية بعض قطاع الطريق لأخذ المال" (٤) .

стр. 523

.. وأخيراً: بماذا يفسر أعداء الإسلام، ما رواه من طعنوا فيهم من المحدثين، من أحاديث مثل قوله ﷺ :"إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" (١) ،ومثل قوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢) . ومثل قوله ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (٣) وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى العسر واليسر: والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف فى الله لومة لائم" (٤) . ماذا يقول أعداء الإسلام فى هذه الأحاديث التى ظاهرها مجابهة السلطان إذا أمر بالمعاصى، أو استحلها، أو عطل حداً من حدود الله؟!

стр. 524

.. إن الذين رووا هذه الأحاديث، هم أنفسهم الذين رووا تلك الأحاديث التى ينكرونها، فكيف لهم الخروج من هذه الورطة التى أوقعوا أنفسهم فيها؟ إن طاعة ولى الأمر ليست على الإطلاق، بل هى مقيدة بطاعته لله ورسوله، تلك الطاعة التى لا تكون إلا بإقامة حكم الله فى الناس. وهذا يبين أنه ليس ثمة مصلحة لهؤلاء المحدثين، والفقهاء، إلا خدمة هذا الدين، وليسوا أداة فى أيدى الحكام يسخرونها متى شاؤوا وكيف شاؤوا (١) . بل كانوا حفظة الشريعة وحراس الأرض، ولولاهم لدرس الإسلام، فهم فرسان هذا الدين الذين وقفوا بالمرصاد لحركة الوضاعين من أعداء الإسلام، وأسفر صمودهم عن أدق منهج، وأحكمه فى نقد الروايات وتمحيصها، والتمييز بين غثها وسمينها، فأبلوا فى ذلك أحسن البلاء وبرزوا فى هذا المضمار، واستحدثوا فيه العلوم وقعدوها، وضبطوها وأَصَّلوها، وجاؤوا بالعجب العجاب فى حفظ السنة المطهرة (٢) . فكانوا آية تصدق آية ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 525

المبحث الثالث: أدلة حجية السنة النبوية المطهرة ... وتحته خمس مطالب: المطلب الأول: العصمة . المطلب الثانى: القرآن الكريم. المطلب الثالث: السنة النبوية. المطلب الرابع: إجماع الأمة. المطلب الخامس: العقل والنظر. وفيه ما يلى: أ- ذكر نماذج من المسائل العجيبة التى استنبطها أعداء السنة من القرآن الكريم بدون رجوعهم إلى بيان النبى ﷺ ، واستعراض بدائلهم عن السنة المطهرة. ب- بيان علاقة القرآن الكريم بالسنة الشريفة. ج- بيان رتبة السنة النبوية من القرآن الكريم. د- الكلام عن استقلال السنة بتشريع الأحكام، وتحرير الخلاف فى ذلك، والرد على من اتخذ كلام الإمام الشاطبى فى مسألة استقلال السنة بتشريع الأحكام ستاراً للتشكيك فى حجية السنة واستقلالها بتشريع أحكام. هـ- بيان مضار إنكار السنة النبوية. و حكم منكر السنة النبوية. المطلب الأول: العصمة ... السنة النبوية أصل من أصول الدين، وحجة على جميع المسلمين، وقد دل على ذلك: العصمة، والقرآن الكريم، والسنة النبوية وإجماع الأمة، والعقل والنظر. أولاً: العصمة: ... قبل أن أذكر تعريف العصمة، وبيان دلالتها على حجية السنة، بل وحجية القرآن الكريم أيضاً، ينبغى أن أنبه على أن الكلام عن العصمة فى الحقيقة من مباحث علم الكلام (١) ؛ لأنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى، وذات رسله من حيث ما يجب لهم، وما يجوز، وما يستحيل فى حقهم. ... لكن علماء الأصول تناولوا العصمة بالحديث فى مباحث السنة، نظراً لشدة التصاقها بها، حيث تتوقف حجية السنة بل والقرآن أيضاً على عصمة النبى ﷺ (٢) ، إذا علم ذلك أقول وبالله التوفيق:

стр. 526

.. العصمة فى اللغة: المنع والحفظ والوقاية. يقال عصمته فانعصم واعتصمت بالله: إذا امتنعت بلطفه من المعصية، وهذا طعام يعصم أى: يمنع من الجوع، ومنه قوله تعالى - على لسان ابن نوح ﵇: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (١) أى يمنعنى من تغريق الماء، ويقال دعى إلى مكروه فاستعصم. أى امتنع وأبى وطلب العصمة منه، قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز حين راودت يوسف ﵇ عن نفسه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٢) أى تأبى عليها ولم يحبها إلى ما طلبت (٣) . ... ... وفى الاصطلاح: حفظ الله للمكلف من الذنب، مع استحالة وقوعه من المحفوظ، والمراد عصمتهم - أى الأنبياء - من ذلك ظاهراً وباطناً، فالله تعالى عصم ظاهرهم من الزنا، وشرب الخمر، والكذب، وغير ذلك، وعصم باطنهم من الحسد، والرياء وحب الدنيا إلى غير ذلك من منهيات الباطن" (٤) . ... وقيل فى تعريفها: هى خُلُق، مانع عن ارتكاب المعصية، غير ملجئ إلى تركها، فلا يكون مضطراً فى ترك المعصية (٥) .

стр. 527

دلالة العصمة على حجية القرآن والسنة: ... يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ﵀: "اعلم أنه تجب عصمة الأنبياء عن أى شئ يخل بالتبليغ: ككتمان الرسالة، والكذب فى دعواها، والجهل بأى حكم أنزل عليهم، والشك فيه، والتقصير فى تبليغه، وتصور الشيطان لهم فى صورة الملك، وتلبيسه عليهم فى أول الرسالة وفيما بعدها، وتسلطه على خواطرهم بالوساوس، وتعمد الكذب فى أى خبر أخبرو به عن الله تعالى، وتعمد بيان أى حكم شرعى، على خلاف ما أنزل عليهم: سواء أكان ذلك البيان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان ذلك القول خبراً أم غيره. ... فذلك كله: قد انعقد الإجماع من أهل الشرائع على وجوب عصمتهم منه لدلالة المعجزات التى أظهرها الله على أيديهم (القائمة مقام قوله تعالى: صدق رسلى فى كل ما يبلغون عنى) وعليه فإنه لو جاز عليهم شئ من ذلك، لأدى إلى إبطال دلالتها. وهو محال (١) . ... كما انعقد الإجماع على أنهم معصومون من السهو، والغلط فيما يخل بالتبليغ، والذاهبين إلى تجويز ذلك عليهم يجمعون على اشتراط التنبيه فوراً من الله تعالى وعدم التقرير عليه (٢)

стр. 528

.. وذلك يستلزم: أن كل خبر بلاغى - بعد تقرير الله له عليه - صادق مطابق لما عند الله إجماعاً: فيجب التمسك به يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ (٢) ، أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله (٣) . ... ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصوراً فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره (٤) .

стр. 529

.. فيثبت بذلك حجية قوله ﷺ فى حق القرآن: "هذا كلام الله (١) ، وقوله فى الأحاديث القدسية: "قال رب العزة كذا"، أو نحو هذه العبارة، وقوله: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" (٢) . ... فهذه كلها أخبار، معصوم عن الكذب: فتكون حججاً دالة على أن الوحى قسمان: القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته. والقسم الثانى ما ليس بكتاب وهو قسمان: ١- حديث قدسى، وهو ما نزل لفظه (٣) .

стр. 530

٢- وحديث نبوى وهو: ما نزل معناه، وعبر عنه النبى ﷺ ، بلفظ من عنده (١) . وهذا القسم لقبه رب العزة بالحكمة (٢) فى آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿... وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) . ... وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤) .
следующие страницы →