.. العصمة فى اللغة: المنع والحفظ والوقاية. يقال عصمته فانعصم واعتصمت بالله: إذا امتنعت بلطفه من المعصية، وهذا طعام يعصم أى: يمنع من الجوع، ومنه قوله تعالى - على لسان ابن نوح ﵇: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (١) أى يمنعنى من تغريق الماء، ويقال دعى إلى مكروه فاستعصم. أى امتنع وأبى وطلب العصمة منه، قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز حين راودت يوسف ﵇ عن نفسه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٢) أى تأبى عليها ولم يحبها إلى ما طلبت (٣) . ...
... وفى الاصطلاح: حفظ الله للمكلف من الذنب، مع استحالة وقوعه من المحفوظ، والمراد عصمتهم - أى الأنبياء - من ذلك ظاهراً وباطناً، فالله تعالى عصم ظاهرهم من الزنا، وشرب الخمر، والكذب، وغير ذلك، وعصم باطنهم من الحسد، والرياء وحب الدنيا إلى غير ذلك من منهيات الباطن" (٤) .
... وقيل فى تعريفها: هى خُلُق، مانع عن ارتكاب المعصية، غير ملجئ إلى تركها، فلا يكون مضطراً فى ترك المعصية (٥) .
стр. 527
دلالة العصمة على حجية القرآن والسنة:
... يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ﵀: "اعلم أنه تجب عصمة الأنبياء عن أى شئ يخل بالتبليغ: ككتمان الرسالة، والكذب فى دعواها، والجهل بأى حكم أنزل عليهم، والشك فيه، والتقصير فى تبليغه، وتصور الشيطان لهم فى صورة الملك، وتلبيسه عليهم فى أول الرسالة وفيما بعدها، وتسلطه على خواطرهم بالوساوس، وتعمد الكذب فى أى خبر أخبرو به عن الله تعالى، وتعمد بيان أى حكم شرعى، على خلاف ما أنزل عليهم: سواء أكان ذلك البيان بالقول أم بالفعل، وسواء أكان ذلك القول خبراً أم غيره. ... فذلك كله: قد انعقد الإجماع من أهل الشرائع على وجوب عصمتهم منه لدلالة المعجزات التى أظهرها الله على أيديهم (القائمة مقام قوله تعالى: صدق رسلى فى كل ما يبلغون عنى) وعليه فإنه لو جاز عليهم شئ من ذلك، لأدى إلى إبطال دلالتها. وهو محال (١) .
... كما انعقد الإجماع على أنهم معصومون من السهو، والغلط فيما يخل بالتبليغ، والذاهبين إلى تجويز ذلك عليهم يجمعون على اشتراط التنبيه فوراً من الله تعالى وعدم التقرير عليه (٢)
стр. 528
.. وذلك يستلزم: أن كل خبر بلاغى - بعد تقرير الله له عليه - صادق مطابق لما عند الله إجماعاً: فيجب التمسك به يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ (٢) ، أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله (٣) .
... ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ محصوراً فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره (٤) .
стр. 529
.. فيثبت بذلك حجية قوله ﷺ فى حق القرآن: "هذا كلام الله (١) ، وقوله فى الأحاديث القدسية: "قال رب العزة كذا"، أو نحو هذه العبارة، وقوله: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان، متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع، ولا كل ذى مخلب من الطير، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" (٢) .
... فهذه كلها أخبار، معصوم عن الكذب: فتكون حججاً دالة على أن الوحى قسمان:
القسم الأول: الكتاب المعجز المتعبد بتلاوته.
والقسم الثانى ما ليس بكتاب وهو قسمان:
١- حديث قدسى، وهو ما نزل لفظه (٣) .
.. ومما هو جدير بالذكر أن رب العزة قد بين فى كتابه العزيز أن نوعى الوحى المعبر عنهما بالكتاب والسنة ليسا من المسائل الخاصة بالنبى ﷺ وإنما هى سنة عامة فى الأنبياء جميعاً قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَاءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١) ويقول رب العزة فى حق آل إبراهيم: ﴿فَقَدْءَاتَيْنَاءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٢) ويقول فى حق عيسى ﵇: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) .
السنة النبوية وحى من الله تعالى:
... ذهب العلماء إلى أن الوحى بالنسبة إلى السنة المطهرة ينقسم إلى قسمين:
١- القسم الأول: قسم أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسول الله ﷺ ، وعبر عنه الرسول ﷺ بألفاظ من عنده. وهذا القسم هو الأعم الأغلب من السنة النبوية.
أما القسم الثانى: فهو ما قاله الرسول ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح. أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك.
стр. 532
والقسم الثانى هذا هو الأقل فى السنة الشريفة (١) ويدخل فى هذا القسم ما صدر من رسول الله ﷺ على سبيل العادة والطبيعة وأقره الله عليها، كشؤونه فى طعامه وشرابه ولباسه، وجلوسه ونومه وما ماثل ذلك، فإن ذلك كله بعد تقرير الله له، يكون بمنزلة الوحى حجة على العباد ما لم يقم دليل على خصوصيته بالنبى ﷺ (٢) .
ومن الأدلة على أن السنة النبوية وحى منزل من عند الله قوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (٣) فهذه الآية-من سورة النساء-تدل على أن الحكمة نزلت من عند الله تعالى مثل القرآن الكريم، وفى سورة الإسراء يقول رب العزة: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (٤) . والآية واضحة فى أن الحكمة وحى من الله تعالى مثل القرآن الكريم.
стр. 533
.. ومن دقة الأداء القرآنى فى التعبير عن هذين النوعين من الوحى (الكتاب والسنة) ؛ أنه فصل بينهما بواو العطف إذا اجتمعا، ليبين أن هذين النوعين مختلفان لضرورة التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، فالمنطق يقتضى أن الشئ لا يعطف على نفسه وصاحب العقل الفصيح يلمح الإشارة فى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) حيث فرق رب العزة، بين الكتاب والحكمة بحرف العطف ليدل على تغايرهما، وأفرد الضمير العائد عليهما، ليدل على وحدة مصدرهما وأن المشكاة واحدة (٢) .
стр. 534
وأنت تستطيع أن تتأمل فى أية الأحزاب، كما تأملها الإمام الشافعى من قبل، يتضح لك أنها أوضح مما ذكر فى الدلالة على أن المراد بالحكمة السنة المطهرة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (١) . فالتلاوة هنا المرة بعد المرة، والمتلو هنا شيئان، أولهما: آيات الله فى كتابه، وثانيهما: الحكمة وهى صنف آخر من الوحى المتلو، ولا يكون ذلك إلا السنة النبوية المطهرة (٢) .
стр. 535
.. ولو شغب أعداء الإسلام على تفسير "الحكمة" بالسنة المطهرة، واعترضوا على ذلك (١) . قلنا لهم: ماذا تقولون فى آيات تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) .
... فهذه الآيات الكريمات تدلنا على أن التوجه إلى بيت المقدس كان مشروعاً من قبل، وكان ذلك التوجه حقاً وصواباً واجباً عليهم قبل التحول إلى الكعبة، فأين ذلك كله فى القرآن الكريم؟
... ألا يدل ذلك على أن النبى ﷺ وأصحابه كانوا عاملين بحكم لم ينزل به القرآن، وأن عملهم هذا كان حقاً وواجباً عليهم؟!!
стр. 536
.. ولا يصح أن يقال: إن عملهم هذا كان بمحض عقولهم واجتهادهم. إذ العقل لا يهتدى إلى وجوب التوجه إلى قبلة "ما" فى الصلاة، فضلاً عن التوجه إلى قبلة معينة، وفضلاً عن أن النبىصلى الله عليه وسلمكان أثناء صلاته إلى بيت المقدس راغباً كل الرغبة فى التوجه إلى الكعبة المشرفة
... إذن: كان التوجه إلى بيت المقدس بوحى غير القرآن وهو السنة المطهرة (١) . ومن الأدلة على أن السنة النبوية وحى من عند الله من السنة نفسها قوله ﷺ لوالد الزانى بامرأة الرجل الذى صالحه على الغنم والخادم، والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد. وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام" (٢) ، وليس فى القرآن المتلوا إلا الجلد مائة، ومن ذلك أيضاً قوله ﷺ : "لا يستبطئن أحد منكم رزقه". إن جبريل ﵇ ألقى فى روعى أن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس، وأجملوا فى الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه؛ فلا يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال فضله بمعصية" (٣) .
стр. 537
.. وفى الصحيحين: أنه ﷺ قال: "إن مما أخاف عليكم بعدى، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: أو يأتى الخير بالشر يا رسول الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ فقيل له ما شأنك؟ تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك؟ قال: وَرَأَيْنَا أنه يُنْزَلُ عليه، فأفاق يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ٠ وقال: "أين هذا السائل" (وكأنه حمده) فقال: "إنه لا يأتى الخير بالشر...الحديث" (١) .فالحديث هنا صريح فى أنه ﷺ كان ينتظر الوحى فيما يسأل عنه، فينزل عليه بما ليس بقرآن: "وهو دليل قطعى على أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن" (٢) ، ويستأنس لذلك بما روى عن حسان بن عطية (٣) ؛ أنه قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القران" (٤)
стр. 538
هذا كله فضلاً عن أن الإجماع قد انعقد على أنه كان يوحى إليه غير القرآن الكريم (١) .
وتأسيساً على ما سبق، فإننا نقول: إن السنة الشريفة وحى من الله تعالى ابتداءً وهذا هو الأغلب، أو اجتهاد من الرسول ﷺ وأقره ربه عليه إما بالموافقة أو بالتصحيح، ويكون مرد ذلك إلى الوحى أيضاً بإقرار الله تعالى لرسوله ﷺ (٢) . وهذا النوع من الوحى يسميه جمهور الحنفية وحياً باطناً (٣) .
فتبين لك من هذا كله: أن جميع ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير حتى الحركات، والسكنات فهى وحى من عند الله تعالى بعد إقرار الله عليه (٤) .
... والعصمة التى نتحدث عنها هنا تغنينا وحدها فى إثبات حجية جميع أنواع السنة القولية والفعلية والتقريرية والاجتهادية.
إجتهاد الرسول ﷺ وتشكيك بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم
فى أن السنة المطهرة كلها وحى
стр. 539
.. زعم بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم أن إجتهاد النبى ﷺ ليس من الوحى الإلهى واتخذوا من ذلك مدخلاً للطعن فى السنة النبوية، وأنها ليست كلها وحى من عند الله تعالى (١) ، ويستدلون على ذلك بحديث رسول الله ﷺ الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة بن عبيد الله (٢) ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل. فقال: "ما صنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ "ما أظن يغنى ذلك شئ" قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله .
стр. 540
.. وفى حديث رافع بن خديج (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر".قال عكرمة: أو نحو هذا.وفى حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢)
... وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها (٣) ، فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به.
فليس من شأن الوحى أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة، وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد المهم أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، وكأن الرسول ﷺ قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته الأخرى، التى تكون السنة النبوية المطهرة.
стр. 541
.. وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالماً كبيراً مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ يعلق على هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول: "هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، فى المعاملات وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم. ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهراً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا فى مصر أو فى أوروبة لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن
стр. 542
سادتهم، واختاروا ما أشربت قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام. والحديث واضح صريح، لا يعارض نصاً، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة فى كل شأن، وإنما كان فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم: "ما أظن ذلك يغنى شيئاً" فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع (١) أ. هـ.
... ومن اجتهاد النبى ﷺ ، وقوله "أنتم أعلم بأمر ديناكم"، ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى تقسيم السنة النبوية المطهرة إلى قسمين:
١- سنة تشريعية ملزمة ودائمة.
٢- سنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة.
... وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع:
١- ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور ... إلخ.
٢- ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.
стр. 543
٣- ما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك فهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول ﷺ فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع (١) وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء المسلمين (٢) . وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدنية كلها، من دائرة السنة التشريعية. حيث كان يرى أن كثيراً من أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحى (٣)
стр. 544
.. حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية! وما أجمع المسلمون - من جميع المذاهب والمدارس الفقهية - على حله، وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى ﷺ لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع. ويسميه بعضهم (السلف) أيضاً، وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أربعة عشر قرناً. ففى الصحيحين عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: قدم النبى ﷺ المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١) . بل قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجله، قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه. ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) وكلمة "أشهد" بمثابة "القسم": فهذا رأى ترجمان القرآن.
стр. 545
.. ولكن فضيلة الشيخ عبد المنعم النمر قال عن السلم: "وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالاً سيئاً، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه. من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام (١) ، يقول الدكتور القرضاوى: "وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع" (٢) .
... وإذا كان عمدة الأدلة عند من يذهبون إلى أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، أو يذهبون إلى تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية، إذا كان عمدة أدلتهم جميعاً، اجتهاده ﷺ ، وقوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر ديناكم" فلنحرر القول فى اجتهاده ﷺ ، وبيان المراد من قوله "أنتم أعلم بأمر ديناكم" فإلى تفصيل ذلك.
стр. 546
اجتهاد النبى ﷺ فى الشريعة الإسلامية كله وحى من عند الله
... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: "اجتهاد الرسول ﷺ " موضوع قديم، قتله العلماء بحثاً، ولم يترك الأوائل للأواخر بشأنه شيئاً.
... وخلاصته أنهم اختلفوا: فمنهم من لم يجز له ﷺ الاجتهاد، واعتبر ما ورد من ذلك صورة اجتهاد، وليس اجتهاداً فى الواقع والحقيقة، لأن الله معه ﷺ وهو مع الله، ولأنه فى جل أوقاته ﷺ يناجى من لا نناجى، وإلهامه وحى ورؤيا منامه وحى. ورب العزة يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) . ويفسرون ما ظاهره الخطأ فى الرأى والرجوع إلى قول الغير بأن ذلك اجتهاد فى الظاهر لتدريب الأمة على البحث والتفكير والاجتهاد فى الأسباب والأخذ بالمشورة، وحقيقته: أن الله يوحى إليه أن قل كذا، وسيقول لك فلان كذا، فقل له كذا، ويشهد لهذا ما روى عن على بن أبى طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن جبريل هبط، فقال له خَيِّرْهُمْ يعنى أصحابكَ فى أُسارَى بَدْرٍ القتل أو الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم قَاتِلٌ مِثْلُهم، قالوا الفداءَ، ويقتل منَّا (٢) .
стр. 547
.. وجمهور المحققين من العلماء على أن النبى ﷺ ؛ يجوز له أن يجتهد، وأنه اجتهد فعلاً (١) وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحى بتصحيح الحكم، والإرشاد إلى ما ينبغى (٢) ، كما فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) .
وفى مغازى الأموى أن حُبَابُ بْنُ المُنْذِرِ (٤) ﵁ لما أشار على النبى ﷺ بتغير مكان نزوله يوم بدر ورجع النبى ﷺ إلى رأيه، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن الرأى ما أشار به الحُبَابُ بْنُ المُنذِرِ (٥) .
стр. 548
أو جاء الوحى بإمضاء حكم اجتهاده مع التنبيه بما ينبغى، كما فى قوله تعالى عن أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) .
... نعم نقول: إن الرسول ﷺ أذن له بالاجتهاد واجتهد.
ونعم نقول: إن بعض اجتهاداته لم تصادف الصواب، لكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه رسول الله ﷺ ولم يصب؟
...
إن ما يصدر عن النبى ﷺ من اجتهاد إما أن يوافق حكم الله أو لا، فإن وافق حكم الله فهو حكم الله على لسان نبيه ﷺ ، وإن لم يوافق حكم الله عدَّله إلى حكمه جل شأنه، وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله ﷺ أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى (٢) . وتصير تلك الأحكام حجة إجماعاً بلا شك (٣) .
стр. 549
أما ما ذهب إليه بعض علمائنا الأجلاء من تقسيم السنة النبوية إلى قسمين: سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة.
فيقول رداً على ذلك فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: "غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال.
... القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى ﷺ من أحاديث فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء.
أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم ... إلخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى حاجة إلى تحقيق. فالأكل والشرب مثلاً - كلام عام يشمل المأكول والمشروب، ويشمل الأوانى والهيئة أو الكيفية.
فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية (١) ؟
стр. 550
هل حديث: "أحلت لكم ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (١) وحديث: "أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ (٢) . سنة غير تشريعية؟! اللهم لا.
أحل لنا رسول الله ﷺ الطيبات، وحرم علينا الخبائث؛ فالمأكول، والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال وترك غيره يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أُكِلَ وما لم يأكل مما لم ينه عنه.
... وأما الأوانى: فقد نهى ﷺ عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة، ونهى عن الأكل فى أوانى الكفار إلا بعد غسلها. وهذا تشريع قطعاً.
стр. 551
.. أما أنه ﷺ أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع (١) .
...
... وأما الهيئة: فهناك هيئات مأمور بها وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع. "يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٢) هيئة أكل مشروعة (٣) ،
و"نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس فى الإناء" (٤) هيئة ممنوعة شرعاً فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء (٥) ، أما أنه ﷺ أكل بأصابعه ويده. ونحن نأكل بالملاعق، والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة.
فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!
... إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً.
... وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم.
стр. 552
ومثال ذلك يقال فى النوم واللبس، وكل ما هو خاص بالحاجة والطبيعة البشرية كما يقولون، حتى قضاء الشهوة مع الزوجة له قواعده وأصوله وحدوده المشروعة (١) .
... والتحقيق أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق "السنة غير التشريعية على ما سموه الحاجة البشرية من أكل وشرب، وما سبيله التجارب، والعادة الشخصية أو الاجتماعية من زراعة وطب، ولباس إلى آخره، وكذا ما يصدر عنه ﷺ بوصفه إماماً ورئيساً للدولة المسلمة، أو بوصفه قاضياً فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعاً، ومنها المحرم شرعاً، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كما سبقت الإشارة إليه قريباً (٢) .
... أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألاَّ تصادم نصاً من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص" (٣) .
стр. 553
.. واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم: "أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب، والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده (١) .
... وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ﵀ "هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه: أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأئمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها.
стр. 554
.. ولست أدرى: لم أخرجها هؤلاء؟!! أأخرجوها: لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟ وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى: من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة – وفعل النبى الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فلابد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته وليس الوجوب، ولا الندب: لعدم القربة فيه. فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى. فقد دل الفعل الطبيعى منه ﷺ على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضاً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) . ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله ﷺ على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه ﷺ وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك، عن الأئمة السابقين (٢) .
стр. 555
.. أم أخرجوها: لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟ وهذا لا يصح أيضاً: فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – اللهم إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها: فَهْماً منه: أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك (١) . وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده: فلا يكون حكماً شرعياً، والجمهور ينكرون: أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً ولكنهم يقولون: ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. ولا شك أن هذا حكم شرعى، وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع. ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه. فليس هناك خلاف حقيقى بينهما، فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى دليل، والفعل الطبيعى منه ﷺ يدل عليه. ونظرة واحدة فى باب أفعاله ﷺ فى أى كتاب من كتب أصول الفقه – ترشدك إلى الحق فى هذا الموضوع (٢) .
стр. 556
وأعلم أن التأسى به ﷺ واجب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء والمعتزلة يقول فخرالدين الرازى فى المحصول: "قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: التأسى به واجب، ومعناه: أنا إذا علمنا أن الرسول ﷺ فعل فعلاً على وجه الوجوب: فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجوب وإن علمنا أنه تنفل به: كنا متعبدين بالتنفل به، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة كنا متعبدين باعتقاد إباحته، وجاز لنا أن نفعله.
... وقال أبو على بن خلاد من المعتزلة: نحن متعبدون بالتأسى به فى العبادات، دون غيرها: كالمناكحات، والمعاملات.ومن الناس من أنكر ذلك فى الكل، واحتج أبو الحسين محمد ابن على الطيب المعتزلى: بالقرآن والإجماع: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول ﷺ : إذا كانت مباحة أو لم تكن مباحة. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) .أمر بالاتباع: فيجب.
стр. 557
.. أما الإجماع فهو: "أن السلف رجعوا إلى أزواجه فى قبلة الصائم" (١) ، وفى أن "من أصبح جنباً لم يفسد صومه" (٢) وذلك يدل على أن أفعاله لابد من أن يمتثل فيها طريقه (٣) ، ونقل الإمام الزركشى عن الكعبى البلخى رأس طائفة المعتزلة الكعبية قوله: "المباح مأمور به، لأن فعله ترك الحرام وهو واجب، فالمباح واجب" (٤) .
ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال: "ترك المباح طاعة على كل حال. قال الشاطبى: "بل فعل (المباح) طاعة بإطلاق لأن كل مباح ترك حرام. ألا ترى أنه تركَ المحرمات كلّها عند فعل المباح، فقد شغلَ النفسَ به عن جميعها. وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعُترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة (٥) ، ويشهد لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله: "ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام كما أن العمل بخلافه حرام" (٦) .
стр. 558
نقض دليل تقسيم السنة النبوية إلى سنة تشريعية وغير تشريعية
... تحت هذا العنوان قال الدكتور فتحى عبد الكريم: "الدليل الأساسى الذى يستند إليه القائلون بتقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية هو حديث رسول الله ﷺ الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته، ومنها قوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ففى رأى أنصار تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وغير تشريعية أنه "لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف فى تبيين أن سنته ﷺ ليست كلها شرعاً لازماً، وقانوناً دائماً لكفى. ففى نص عبارة الحديث - بمختلف رواياته - تبيين أن ما يلزم إتباعه من سنة رسول الله ﷺ ، إنما هو ما كان مستنداً إلى الوحى فحسب" (١) . ولقد كان يكفى ما سبق ذكره رداً على نقض هذا الدليل، لأن معنى كون السنة النبوية دليلاً شرعياً عند الأصوليين أنها تفيدنا حكماً من الأحكام الشرعية، أىَّ حكم كان: من وجوب، أو ندب، أو حرمة، أو كراهة، أو إباحة. كان يمكن أن نرد بذلك وينتهى الموضوع، لولا أن وجه الخطورة فى الأمر (٢) : أن فئة ضالَّة أكثرت من الاستشهاد بهذا الحديث، وأرادت به عزل السنة، عن شئون الحياة العملية كلها!
... فالعادات، والمعاملات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة، والحرب ونحوها، يجب أن تترك للناس ولا تدخل السنة فيها آمرة ولا ناهية ولا موجهة ولا هادية (٣) . فهل يسندهم ذلك الحديث فى تلك الدعوى الخطيرة؟!.
стр. 559
.. يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: فى ردِّه على الدكتور عبد المنعم النمر – رحمه الله تعالى – هذا الحديث (أنتم أعلم بأمر دنياكم) هو عمدة أدلة الباحث فى بحثه: وهذه الجملة (أنتم أعلم بأمر دنياكم) تنقسم إلى ثلاثة مقاطع: "أنتم" والمراد من المخاطبين. و "أعلم" والمراد من المفضل عليه و "شئون دنياكم" وتحديد المراد منها. وبعبارة أخرى: من؟ أعلم من من؟ وبأى شئ هو أعلم؟
هناك احتمالات فى المراد بهذه الجملة لنتصورها ثم نختار منها ما يصلح لأن يكون مراد المشرع الحكيم:
الاحتمال الأول: أنتم أيها الذين تلقحون النخل أعلم بما يصلح النخل منى وممن لا علم له بالزراعة، أى أنتم أعلم بشئون دنياكم هذه التى تباشرونها، والتى لم تنجح فيها مشورتى، أعلم منى ومن مثلى، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً.
... الاحتمال الثانى: أنتم أيها الذين تلقحون النخل ومن على شاكلتكم من أهل الصناعات والمهارات والخبرات أعلم بصنائعكم منى. وممن ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أن كل أهل صنعة أعلم بها ممن ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها.
... الاحتمال الثالث: أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بما يصلح النخل منى ومن غيركم من زارعى النخل فى البلاد والأزمان المختلفة، وهذا الاحتمال واضح البطلان، ففى بعض البلاد، وفى بعض الأزمان، من هم أعلم منهم بذلك.
... الاحتمال الرابع: أنتم أيها الذين تلقحون النخل بالمدينة أعلم بالخبرات والصناعات المختلفة منى ومن غيرى، حتى من أهل الصناعات أنفسهم، على معنى أنتم أعلم بالطب مثلاً منى ومن الأطباء. وهذا الاحتمال واضح البطلان.
стр. 560
.. هذه الاحتمالات الأربعة مبنية على أن المراد من شئون الدنيا الصناعات والمهارات والخبرات، فإذا أردنا من شئون الدنيا مصالح كل فرد أو مصالح كل مجموعة من مباحات الدنيا؛ كالمقارنة بين شراء بيت أو شراء سيارة كان الاحتمال الآتى:
... الاحتمال الخامس: أنتم الذين تلقحون النخل بالمدينة، ومثلكم جميع الناس، أعلم بشئون دنياكم، وما يصلح لكم من غيركم، والكلام على قاعدة: مقابلة الجمع بالجمع، تقتضى القسمة آحاداً، تقول: أعطيت الطلاب كتباً على معنى أعطيت كل طالب كتاباً، فيصبح المعنى كل واحد أعلم من غيره بشئون ومصالح نفسه، وهذا الاحتمال إن صح فى المباحات، لا يصح فى الواجبات والمحرمات، فالشرع وحده هو الذى حددها على أنها المصلحة (١) ، بناء على
سبق علم الله الذى خلق. ثم إن هذا الاحتمال لا يتناسب مع قصة الحديث، ومما هو واضح أن الاحتمال الثانى هو المراد، ثم يليه الأول، وعلى كل حال لا يصح الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير فى المعاملات؛ لأن الحديث - كما رأينا - تطرق إليه أكثر من احتمال، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
احتمال دخول المعاملات مستبعد:
стр. 561
.. مع أن احتمال دخول المعاملات فى الحديث كأحد الاحتمالات مستبعد أصالة وابتداء (١) ؛ لأن المعاملات كما يفهم من معناها علاقة الأفراد والجماعات بعضهم ببعض فيما يتعلق بمعاشهم، وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وأصول وضوابط، لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض، والأمم غير الإسلامية وضعت لذلك قوانين، والإسلام وضع لها أرقى أنواع التشريع وليس من المعقول أن الله الذى أنزل أطول آياته فى القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا
стр. 562
إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وحدد فيها كتابة الدين، ومواصفات الكاتب وواجباته، وحق المدين فى الإملاء، وإملاء وليه فى حالة عدم صلاحيته، وصفات الشهود، وشروطهم، وواجباتهم، وقال تعالى: "ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ". ليس من المعقول أن الله الذى اهتم بالدَّين هذا الاهتمام يترك البيع والشراء وتفصيل الربا، والرهن، والشركة وغيرها من المعاملات دون تشريع.
... هل يعقل أن يترك البشرية هَمَلاً يأكل بعضهم مال بعض ظلماً وعدواناً تحت عنوان "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؟
... هل يعقل مسلم أن يترك الله تعالى هذه القوانين لمحمد ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أربعة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، ويخالف حكم محمد ﷺ ؟ أظن أن العقل المسلم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.
... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: "بقى فى نفسى تساؤل بخصوص حديث تأبير النخل ربما يثور فى نفوس البعض، هو: لماذا ألهم الله رسوله ﷺ أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟
ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعروفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟
... ولماذا لم يتدارك الله هذه المشورة بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ﷺ ؟؟.
... وسنحاول تلمس حكمة لهذه الحادثة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلاَّ فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور:
стр. 563
أولاً: صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقوا شوكتهم بعد. ألم يكن من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول محمد ﷺ فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال.
ثانياً: تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة.
ثالثاً: اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه الحادثة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضوان الله عليهم فى هذا الاختبار القاسى - وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره ﷺ ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين (١) . ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه الحادثة. والله أعلم بحكمته.
... وبعد: إذا كانت عصمة النبى ﷺ دليل على حجية الكتاب، والسنة معاً، فلننتقل إلى الدليل الثانى من أدلة حجية السنة، وهو القرآن الكريم.
стр. 564
المطلب الثانى: من أدلة حجية السنة المطهرة القرآن الكريم
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور مروان شاهين: لقد اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة فوَّجه إليها آيات كثيرة تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به ﷺ ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته، طاعة مطلقة، فيما يأمر به، وينهى عنه، وبين آيات أخرى تنهى عن مخالفته وتحذِّر من ذلك وتبين جزاء المنافقين المرجفين فى دين الله العاملين على هدم كيان السنة النبوية، والذين حصروا معنى الآيات الواردة فى طاعة الرسول ﷺ ، فى طاعته فى القرآن الكريم فقط (١) .
... ونحن لن نستطيع ذكر هذه الآيات كلها - وإلا طال المقام بنا جداً، ولكننا سننبه إلى بعض هذه الآيات فقط، ودلالتها على حجية السنة النبوية الشريفة ووجوب التمسك بها (٢) .
стр. 565
١- من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) .
٢- وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله وبرسوله، والإيمان معناه هنا التصديق والإذعان برسالتهصلى الله عليه وسلموبجميع ما جاء به من عند اللهعز وجلمن كتاب وسنة، بمقتضى عصمته التى توجب التصديق بكل ما يخبر به عن رب العزة.كقوله ﷺ فى حق القرآن:"هذا كلام الله ، وقوله فى الأحاديث القدسية:"قال رب العزة كذا"أو نحو هذه العبارة وقوله ﷺ :"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه"وقد سبق تفصيل ذلك قريباً فى مبحث العصمة (٣) فالإيمان بالرسول ﷺ جزء من الإيمان بالله تعالى، والشك والارتياب فى ذلك الإيمان، شك وارتياب فى الإيمان بالله ورسوله معاً، وحينئذ لا يكون هناك إيمان أبداً.
يقول الإمام الشافعى فى رسالته: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله ﷺ : لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه (٤) ، ومن هنا وجبت طاعة الرسول ﷺ بمقتضى هذا الإيمان - فى كل ما يبلِّغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا.