.. ومما ينبغى أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التى لا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة فى كل دين. وصدق الله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت فى الدين الاسلامى أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون، لكل زمان ومكان. ولما كان الأمر كذلك فليس فى العقل، ولا فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وفى بعض الأخلاقيات، وما حرف من: الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه. وقد كان القرآن الكريم- بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل، وتوافرت الدواعى والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله ﵎. مهيمناً أى شاهداً على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) أهـ.
... ومن الأحاديث التى زعم أعداء السنة المطهرة أنها من الإسرائيليات لموافقتها ما عند أهل الكتاب. حديث "النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة ".
стр. 737
قال محمود أبو ريه: "روى هذا الحديث أبو هريرة، وقد أخذه من كعب الأحبار، القائل: "أربعة أنهار الجنة، وصفها الله فى الدنيا، النيل نهر العسل فى الجنة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللبن فى الجنة" (١) .
стр. 738
.. واستدل نيازى عز الدين بما استدل به محموداً أبو ريه: وقال نيازى: "لنسمع التوراة ماذا تقول فى "سفر التكوين"، الإصحاح الثانى الفقرات من ١٠ – ١٤ وكان نهر يخرج من عدن يسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس اسم الواحد (فيشون) وهو المحيط بأرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد".
... يقول نيازى عز الدين عن حديث "النيل، وسيحان، وجيحان، والفرات، من أنهار الجنة"، وأسلوب الحديث كما تلاحظون تواترياً وهذا ما قصدت إليه، وهكذا فإن معرفة كتب أهل الكتاب ضرورية من أجل نقد الأحاديث كما رأيتم (١) .
والجواب:
стр. 739
.. إن الحديث الذى رواه أبو هريرة: صحيح غاية الصحة، وهو فى صحيح مسلم بلفظ: "سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل كلها من أنهار الجنة" (١) . وفى الحديث الصحيح أيضاً؛ أنه ﷺ "رأى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل إما هذه الأنهار؟ قال أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات" (٢) .
... وفى رواية: "بينما رسول الله ﷺ فى السماء الدنيا إذ بنهرين يطردان، فقال: "ما هذان يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما" (٣) .
стр. 740
والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة فى صفتها وعذوبتها، وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وهو تأويل مقبول ومستساغ لغة وشرعاً ومن تتبع كلام العرب فى الجاهلية، وصدر الإسلام يجد من أمثال ذلك الشئ الكثير (١) .
وقيل: إن فى الكلام حذفاً، والتقدير "من أنهار أهل الجنة" ففيه تبشير من النبى ﷺ أن الله سينجز له وعده، وسينصره، وسيظهر له دينه على الأديان كلها حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها – إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر – وهذا ما كان فلم يمضى قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسى إلى بلاد الهند (٢) .
...
وذهب بعض العلماء إلى أن الحديث على ظاهره وفى ذلك يقول الحافظ ابن دحية: "قرأت فى تفسير القرآن العظيم، عند قول الله الكريم ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٣) أنهما النيل والفرات، أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل، فأودعهما بطون الجبال، ثم إن الله سيرفعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن، وذهاب الإيمان، فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله جل من قائل: ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٤) . ذكره النحاس فى "معانى القرآن العزيز" له بأتم من هذا، وأسنده فاختصرته (٥) .
стр. 741
.. وقال الحافظ ابن دحية: "فإن قيل كيف طريق الجمع بين رواية إن النيل والفرات عند سدرة المنتهى أصلهما فى السماء السابعة، ورواية أنهما فى السماء الدنيا لذكره عنصرهما، وهو أصلهما.
قلنا طريق الجمع بين الحديثين أن رسول الله ﷺ رأى فى أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسأل عنهما جبريل فقال: "أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات".
... ثم فى حديث شريك عن أنس عن النبى ﷺ "فإذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطردان"، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات، عنصرهما.
ولنا فى التأويل وجهان سديدان:
... إحداهما: أن يكون محمولاً على ظاهره، ويكون معناه أنه لما رأى عند سدرة المنتهى هذين النهرين مع نهرى الجنة، وذلك فى السماء السابعة، ورأى فى السماء الدنيا هذين النهرين دون نهرى الجنة، كان لاختصاصهما بسماء الدنيا معنى، سمى ذلك الاختصاص عنصراً، ولا يمتنع أن يكون لجميع الأربعة الأنهر أصل واحد هو عند سدرة المنتهى، ثم يكون لاختصاص هذين النهرين بسماء الدنيا أصل من حيث الاختصاص وهو الامتياز لهما دون نهرى الجنة، سمى ذلك الامتياز والاختصاص عُنْصُراً، أى عنصر امتيازهما، واختصاصهما، فهذا وجه سديد.
... والوجه الثانى: أن يكون عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق، لم يتقدم له ذكر من حيث اللفظ، لكن من حيث العهد، ويكون معناه: هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بالعهد السابق عن إعادة الكلام. وهذا وجه سديداً أيضاً.
وقد صح الجمع بين الحديثين، فلم يتعارضا، ولم يتنافيا، ولم يتناقضا.
стр. 742
وأما قوله ﷺ : فى صحيح مسلم "سيحان، وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة"، فأسنده الإمام أحمد فى مسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "فجرت أربع أنهار من الجنة: الفرات، والنيل، وسيحان وجيحان" (١) .
... قال الحافظ ابن دحية: "وسند أحمد كالشمس فى صحته" (٢) ، وزيادة لفظ "فجرت" وهو مفيد.
... والكلام على معنى هذا الحديث يأخذ طرفاً مما تقدم، وهو أن هذه الأنهار لها مزية تشريف على سائر الأنهار التى بالأرض، وذلك التشريف هو كونها فى الجنة، على معنى أنها فجرت منها، كما نص عليه فى حديث أحمد ثم ينتقل الكلام إلى كونها بالأرض جارية، ولا بعد فى ذلك، فإن الأنهار المذكورة إذا كان تفجيرها من الجنة، والجنة فى السماء كما قال تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) . على مذهب أهل الحق فى أن الجنة مخلوقة، وأنها لا تبيد من بين سائر المخلوقات.
... هذا قول جميع العلماء فى الجنة والنار، وأنهما لا تبيدان، ولم يخالف فى ذلك سوى طائفة من أهل البدع والأشرار.
فتكون الأنهار المذكورة من الجنة تفجرت، أى جرى أصلها؛ لأن التفجير يليق بهذا المعنى، ومنه سمى "الفجر" لأنبثاث النور الساطع. كذلك هذه الأنهار لما كان لها أنبثاث وجريان سمى تفجيراً، وإليه الإشارة بقوله:"من الجنة"أى كان هذا التفجير فى الأصل من الجنة، ثم انبثت فى الأرض فهذا ما يحمل عليه هذا المعنى ولا معارضة فيه، لما تقدم" (٥) أ. هـ.
стр. 743
.. وأما ما ذكره محمود أبو رية عن كعب الأحبار؛ فقد عزاه إلى نهاية الأرب، وهو لا يعتمد عليه فى ثبوت الأحاديث، وكلامه وإن ثبت؛ فهو محمول أيضاً على التشبيه، وبقليل من التأمل يتبين لنا أن إدعاء تأثر أبى هريرة فيما رواه بكعب بعيد، ولا يعدو أن يكون تظناً وتخميناً، فالحديثان متغايران والأقرب أن يكون كلام كعب تفسيراً لحديث أبى هريرة على ضوء ما فهمه من قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١) .
... وأما ما زعمه نيازى عز الدين من ورود ذلك الحديث فى التوراة فى "سفر التكوين"؛ فقد سبق وأن بينا أنه ليس فى العقل، ولا فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وما حرف ما الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه، والقرآن الكريم بحكم أنه سلم من التحريف، والتبديل، هو المهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها؛ فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وليس العكس كما يزعم أعداء السنة الشريفة.
... يقول فضيلة الدكتور أبو شهبة: "وأياً كان التأويل فالحديث مستساغ لغة وشرعاً، وقد كان الصحابة بذكائهم، وصفاء نفوسهم، وإحاطتهم بالظروف والملابسات التى قيل فيها هذا الحديث وأمثاله، يدركون ما يريده النبى ﷺ من مثل هذا الحديث الذى قد يشكل ظاهره على البعض، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم - على ما كانوا عليه من حرية الرأى والصراحة فى القول - استشكال مثل هذا الحديث (٢) أ. هـ.
стр. 744
وبعد
[فإن خبر الآحاد متى ثبت على شرط المحدثين، صار أصلاً من أصول الدين، ولا يحتاج عرضه إلى أصل آخر، لأنه إن وافقه فذاك، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما، وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه، ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين، حاشا لله من هذا.] (١) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
стр. 745
الفصل الثالث: وسيلتهم فى الطعن فى رواة السنة المطهرة
... وتحته مبحثان:
١- المبحث الأول: طعنهم فى عدالة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-.
٢- المبحث الثانى: طعنهم فى عدالة أهل السنة من المحدثين والفقهاء الأصوليين وسائر أئمة المسلمين -رضوان الله عليهم أجمعين-.
المبحث الأول: طعنهم فى عدالة الصحابة ﵃ -
وفيه تمهيد وستة مطالب:
التمهيد ويتضمن:
أ- هدف أعداء الإسلام من طعنهم فى الصحابة ﵃.
ب- وحكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله ﷺ .
المطلب الأول: التعريف بالصحابة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثانى: التعريف بالعدالة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثالث: أدلة عدالة الصحابة.
المطلب الرابع: شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها.
المطلب الخامس: سنة الصحابة ﵃ حجة شرعية.
المطلب السادس: أبو هريرة ﵁ راوية الإسلام رغم أنف الحاقدين.
تمهيد
وفيه هدف أعداء الإسلام من طعنهم فى الصحابة ﵃، وحكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله ﷺ .
أولاً: هدف أعداء الإسلام من طعنهم فى صحابة رسول الله ﷺ :
... الطعن فى عدالة رواة السنة من صحابة رسول الله ﷺ ، والتابعين فمن بعدهم إلى الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، من وسائل أعداء الإسلام- من غلاة المبتدعة الرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والزنادقة (١) - فى الطعن فى السنة المطهرة.
... وغرضهم من ذلك تحطيم الوسيلة التى وصلت السنة النبوية بها، وإذا تحطمت الوسيلة يصبح الأصل معتمداً على لا شئ فيصبح لا شئ.
стр. 746
وقديماً صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادى فى تاريخه عن أبى داود السجستانى قال: "لماء جاء الرشيد بشاكر - رأس الزنادقة ليضرب عنقه- قال: أخبرنى، لم تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أى الطعن فى الصحابة-؟ قال: إنا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول" (١) .
... وبذلك صرح ذيل (شاكر) محمود أبو ريه فى كتابه أضواء على السنة قائلاً: "إن عدالة الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء، وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء" (٢) .
ثانياً: حكم أئمة المسلمين فيمن ينتقص صحابة رسول الله ﷺ :
... وما أصدق قول الإمام الحافظ أبى زُرْعة الرازى (٣) ﵀: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن، أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" (٤) .
стр. 747
.. وعن عبد الله بن مصعب (١) قال: قال المهدى: ما تقول فيمن ينتقص الصحابة؟ فقلت زنادقة، لأنهم ما استطاعوا أن يصرحوا بنقص رسول الله ﷺ فتنقصوا أصحابه، فكأنهم قالوا: كان يصحب صحابة السوء) (٢) .
стр. 748
.. وصدق شمس الأئمة السرخسى: "الشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب" (١) .
стр. 749
نعم إن الصحابة ﵃ "هم حجر الزاوية فى بناء الأمة المسلمة، عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار، لا يتفق والمركز السامى الذى تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرى التى انتدبوا لها ونهضوا بها.
كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يزلزل بناء الإسلام، ويقوض دعائم الشريعة، ويشكك فى صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيد الأنام! لذلك عنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً بالدفاع عن عدالة الصحابة، لأنه -كما رأيت- دفاع عن الإسلام، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوى، ولا عصبية بل كان نتيجة لدراسات تحليلية، وأبحاث تاريخية، وتحقيقات بارعة واسعة، أحصتهم عدداً، ونقدتهم فرداً فرداً، وعرضتهم على أدق موازين الرجال مما تباهى به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال.
... وبعد هذا التحقيق والتدقيق، خرج الصحابة ﵃ من بوتقة هذا البحث، وإذا هم خير أمة أخرجت للناس، وأسمى طائفة عرفها التاريخ، وأنبل أصحاب لنبى ظهر على وجه الأرض، وأوعى وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله، وهدى رسول الله ﷺ وقد اضطر أهل السنة والجماعة، أن يعلنوا رأيهم هذا كعقيدة، فقرروا أن الصحابة كلهم عدول. ولم يشذ عن هذا الرأى إلا المبتدعة والزنادقة قبحهم الله" (١) .
...
وطعون المبتدعة والزنادقة قديماً وحديثاً فى صحابة رسول الله ﷺ كثيرة سبق ذكر بعضها من الطعن فى اجتهادهم (٢) ، والطعن فى صدقهم واتهامهم بالكذب (٣) .
стр. 750
وسوف نتناول هنا بمشيئة الله تعالى نماذج من الطعون والشبهات التى طعنوا بها فى عدالة الصحابة، واتخذها أهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً، وسيلة للتشكيك فى حجية السنة، ومكانتها التشريعية.
على أن نفرد أيضاً ترجمة لراوية الإسلام الأول أبو هريرة ﵁ لنتعرف على مكانته فى الإسلام، وإلى أى مدى انحط أعداء الإسلام بالطعن فيه وصولاً للطعن فى السنة المطهرة هذا بعد أن نُعرف بالصحابة والعدالة لغة واصطلاحاً، ونثبت عدالتهم من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة على ذلك. فإلى بيان ذلك.
المطلب الأول: التعريف بالصحابة لغة واصطلاحاً
... الصحابة فى اللغة: يقال استصحبه أى دعاه إلى الصحبة ولازمه، وكل شئ لازم شيئاً فقد استصحبه (١) .
... وقال أبو بكر الباقلانى: "لا خلاف بين أهل اللغة فى أن القول "صحابى" مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلاً كان أو كثيراً ... يقال صحبت فلاناً حولاً، ودهراً، وسنة، وشهراً، ويوماً، وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيرة.
وذلك يوجب فى حكم اللغة: إجراء هذا على من صحب النبىصلى الله عليه وسلمولو ساعة من نهار (٢)
стр. 751
.. وقال الإمام ابن تيمية: "والأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبه وكثيرها" (١) . وعلى هذا التعريف اللغوى جرى أصحاب الحديث فى تعريفهم بالصحابى اصطلاحاً: فذهبوا إلى إطلاق (الصحابى) على كل من صحب النبى ﷺ ، ولو ساعة واحدة فما فوقها.
الصحابة فى الاصطلاح:
قال الإمام بدر الدين الزركشى-﵀: "ذهب الأكثرون إلى أن الصحابى من اجتمع - مؤمناً - بمحمدصلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة، روى عنه أو لا، لأن اللغة تقتضى ذلك، وإن كان العرف يقتضى طول الصحبة وكثرتها ... وهو ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، أما عند أصحاب الحديث فيتوسعون فى تعريفهم لشرف منزلة النبى ﷺ (٢) .
... يقول ابن حزم: "فأما الصحابة ﵃ فهم كل من جالس النبى ﷺ ولو ساعة، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه ﵇ أمراً يعيه" (٣) .
... والتعريفات التى وضعها العلماء للصحابة (اصطلاحاً) كثيرة، ولكن التعريف الصحيح المعتمد هو ما قرره الحافظ ابن حجر بقوله: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابى هو من لقى النبى ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة على الأصح.
ثم شرح التعريف فقال: "فيدخل فيمن لقيه" من طالت مجالسته له، أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية، ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى.
стр. 752
ومن هنا كان التعبير باللقى أولى من قول بعضهم: "الصحابى من رأى النبى ﷺ " لأنه يخرج حينئذ ابن أم مكتوم ونحوه من العميان وهم صحابة بلا تردد.
ويخرج "بقيد الإيمان" من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى.
وقولنا"به"يخرج من لقيه مؤمناً بغيره كمن لقيه مؤمناً من مؤمنى أهل الكتاب قبل البعثة.
ويدخل فى قولنا "مؤمناً به" كل مكلف من الجن والإنس ...٠
وخرج بقولنا "ومات على الإسلام" من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله - كعبيد الله بن جحش، وابن خطل، ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا، كالأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتى به إلى أبى بكر الصديق أسيراً، فعاد إلى الإسلام فقبل منه، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره فى الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه فى المسانيد وغيرها.
... وهذا هو الصحيح المعتمد، ووراء ذلك أقوال شاذة أخرى كقول من قال لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة:
من طالت مجالسته، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، وكذا من اشترط فى صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت" (١) .
قال الحافظ السيوطى مؤيداً ابن حجر "وهو المعتبر" (٢) .
وذهب إليه الجمهور من الأصوليين، منهم الآمدى فى الإحكام (٣) ، وابن عبد الشكور فى فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (٤) ، والزركشى فى البحر المحيط (٥) ، والشوكانى فى إرشاد الفحول (٦) وغيرهم.
стр. 753
.. ويقول الحافظ السخاوى مؤيداً رأى شيخه ابن حجر "والعمل عليه عند المحدثين والأصوليين" (١) .
السر فى التعميم فى تعريف الصحابى:
... التعميم فى تعريف الصحابى نظراً إلى أصل فضل الصحبة، ولشرف منزلة النبى ﷺ ، ولأن لرؤية نور النبوة قوة سريان فى قلب المؤمن، فتظهر آثارها على جوارح الرائى فى الطاعة والاستقامة مدى الحياة، ببركته ﷺ ويشهد لهذا قوله ﷺ : "طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى لمن رأى من رآنى، ولمن رأى من رأى من رآنى وآمن بى" (٢) .
... وفى ذلك يقول الإمام السبكى: "والصحابى هو كل من رأى النبى ﷺ مسلماً، وقيل: من طالت مجالسته، والصحيح الأول، وذلك لشرف الصحبة، وعظم رؤية النبى ﷺ ، وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين؟! فإذا رآه مسلم ولو لحظة، انطبع قلبه على الاستقامة، لأنه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم، أشرق عليه وظهر أثره فى قلبه وعلى جوارحه" (٣) .
стр. 754
يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة ﵀: "فالتعميم فى تعريف (الصحابى) نظراً إلى أصل فضل الصحبة، وأما تفاوت من يشملهم هذا اللقب فى الفضل والدين وسائر خصال الخير ... فهذا أمر وراء ذلك" (١) أ. هـ.
طريق معرفة الصحبة:
... تثبت الصحبة بأمور متعددة منها:
التواتر كأبى بكر الصديق المعنى بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) وسائر العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم.
أو باشتهار قاصر عن التواتر وهو الاستفاضة كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة وغيرهما، أو بتواتر بها.
أو بقول صاحب آخر معلوم الصحبة، إما بتصريح بها كأن يجئ عنه أن فلاناً له صحبة مثلاً أو نحوه، كقوله: كنت أنا وفلان عند النبى ﷺ أو دخلنا على النبى ﷺ .
بشرط أن يعرف إسلام المذكور فى تلك الحالة.
٤- وكذا تعرف بقول آحاد ثقات التابعين على الراجح من قبول التزكية من عدل واحد" (٣) .
المطلب الثانى: التعريف بالعدالة لغة واصطلاحاً
... العدالة لغة: العدل ضد الجور، يقال عدل عليه فى القضية فهو عادل، وبسط الوالى عدله ومعدلته ومعدلته، وفلان من أهل المعدلة، أى: من أهل العدل، ورجل عدل، أى: رضا ومقنع فى الشهادة.
стр. 755
والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعاً، أو مثنى أو مؤنثاً، فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذى ليس بمصدر، وتعديل الشئ تقويمه، يقال عدلته فاعتدل، أى قومته فاستقام (٢) أ. هـ.
... فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة فى اللغة الاستقامة فى الدين، والعدل هو المتوسط فى الأمور من غير إفراط فى طرفى الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) أى عدلاً فالوسط والعدل بمعنى واحد (٤) .
والعدالة اصطلاحاً: تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء، إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أنها: ملكة أى صفة راسخة فى النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.
... والتقوى ضابطها: امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات من الكبائر ظاهراً، وباطناً من شرك أو فسق أو بدعة.
... والمروءة ضابطها: آداب نفسية تحمل صاحبها على التحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل، وترجع معرفتها إلى العرف.
وليس المراد بالعرف هنا سيرة مطلق الناس بل الذين نقتدى بهم، وقد سبق بيان ما يخل بها (٥) ، ومجمله الاحتراز عما يذم به العدل عرفاً.
стр. 756
.. ولا تتحقق العدالة فى الراوى إلا إذا اتصف بصفات خمسة: الإسلام- والبلوغ والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة (١) .
وليس المقصود من العدل أن يكون بريئاً من كل ذنب، وإنما المراد أن يكون الغالب عليه التدين، والتحرى فى فعل الطاعات.
وفى ذلك يقول الإمام الشافعى: "لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً، ولو كان كل مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً، ولكن العدل من اجتنب الكبائر وكانت محاسنه أكثر من مساويه" (٢) .
ويعبر أبو يوسف عن هذا الاتجاه حين يقول: "من سلم أن تكون منه كبيرة من الكبائر التى أوعد الله تعالى عليها النار، وكانت محاسنه أكثر من مساوئه فهو عدل" (٣) .
ونخلص مما سبق فيما يخص عدالة الصحابة ﵃ "أن المنافقين الذين كشف الله ورسوله - سترهم، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم، والمرتدين الذين ارتدوا فى حياة النبى وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلى الإسلام، وماتوا على ردتهم، هم بمعزل من شرف هذه الصحبة، وبالتالى بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة إنهم عدول، وفى تعريف العلماء للصحبة ما ينفى عنها هؤلاء وأولئك.
و معنى عدالة الصحابة: "أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ ، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسموا الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور.
وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم.
стр. 757
ومما ينبغى أن يعلم أن الذين قارفوا إثماً ثم حدوا - كان ذلك كفارة لهم، وتابوا وحسنت توبتهم، التى لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوستعهم، وهم فى نفس الوقت قلة نادرة جداً لا ينبغى أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم، والمعاصى ما كبر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا (١) أ. هـ.
ويؤكد ما سبق الإمام الأبيارى (٢) بقوله: "وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية عليهم، وإنما المراد: قبول روايتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك، ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه فى زمن رسول الله ﷺ ، حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح" (٣) انتهى.
стр. 758
المطلب الثالث أدلة عدالة الصحابة ﵃ -
... إن العدالة التى نثبتها لصحابة رسول الله ﷺ لم نعطها هبة لهم من عند أنفسنا - فنحن أقل من ذلك فضلاً عن أننا لا نملك ذلك، وإنما العدالة ثابتة لهم جميعاً بنص الكتاب والسنة الشريفة - سواء منهم من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن هاجر ومن لم يهاجر، ومن اشترك فى الغزوات ومن لم يشترك، ومن لابس الفتنة ومن لم يلابسها (١) . فهذه العدالة لهم جميعاً تضافرت عليها الأدلة من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة.
أولاً: دلالة القرآن الكريم على عدالة الصحابة ﵃ -:
لقد وصف رب العزة صحابة رسول الله ﷺ بالعدالة وأثنى عليهم فى آيات يطول ذكرها منها:
стр. 759
١- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أن وسطاً بمعنى "عدولاً خياراً" (٢) ، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة (٣) . وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: "إنه وارد فى الصحابة دون غيرهم (٤) .
٢- وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٥) ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها، وأول من يدخل فى هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول، وهم الصحابة الكرام ﵃، وذلك يقتضى استقامتهم فى كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن البعيد أن يصفهم الله بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك؟
стр. 760
.. كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً – أى عدولاً – وهم على غير ذلك، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أى عدول بإطلاق" (١) .
وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق، هاتين الكلمتين، من الآيتين، حيث قال فى خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار:"إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحين) ،وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) .
فهذه الصفات الحميدة فى هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، واتصفوا بها، ولذلك ختم الله صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون، وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون.
стр. 761
وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول" (١) .
وحتى الآيات التى جاء فيها عتاب لهم أو لبعضهم شاهدة بعدالتهم حيث غفر الله لهم ما عاتبهم فيه وتاب عليهم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وتأمل ختام العتاب "إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" وهل بعد مغفرة الله من شئ؟! ٠
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وتأمل ختام الآية "إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (٣) .
... وغير ذلك من الآيات الشاهدة بمغفرة الله لهم لما ارتكبوا من بعض المعاصى - وسيأتى ذكر بعضها فى الرد على الشبهات حول عدالة الصحابة.
إن تلك الآيات التى جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصى لخير دليل شاهد على ما سبق ذكره، من أن المراد بعدالتهم جميعاً عصمتهم من الكذب فى حديث رسول الله ﷺ وليس معنى عدالتهم عصمتهم من المعاصى أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم. وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم.
стр. 762
وما هذه المنة من ربهم إلا بيان لعباده مؤمنهم وكافرهم إلى قيام الساعة. بعظم مكانة من اختارهم لصحبة سيد أنبيائه ورسله ﷺ ، وأن التجريح والقدح فى تلك المكانة والعدالة إنما هو تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس!!! نعوذ بالله من الخذلان.
ثانياً: دلالة السنة المطهرة على عدالة الصحابة ﵃ -:
... لقد وصف النبى ﷺ أصحابه بالعدالة، وأثنى عليهم فى أحاديث يطول تعدادها منها:
١- قوله ﷺ :"ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١) "ففى هذا الحديث أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح، ولا ضعيف إذ لو كان فيهم أحد غير عدل، لاستثنى فى قوله ﷺ وقال: "ألا ليبلغ فلان منكم الغائب" فلما أجملهم فى الذكر بالأمر بالتبليغ لمن بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفاً" (٢) .
٢- وقال ﷺ : "خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِيَنهُ ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ" (٣) وهذه الشهادة بالخيرية مؤكدة لشهادة رب العزة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) .
стр. 763
٣- وقوله ﷺ : "النجومُ أَمنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النجوُمِ، أَتى السماءَ ما تُوعدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأَصْحَابى. فإذا ذهبتُ أَتَى أَصْحَابِى ما يُوعدونَ، وأَصْحَابى أَمنةٌ لأُمَّتِى، فإِذا ذهب أصحابى أتى أُمِتى ما يُوعَدُون" (١) .
٤- وقال ﷺ : "إن الله اختار أصحابى على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار لى من أصحابى أربعة أبا بكر، وعمر وعثمان، وعلياً ﵃ فجعلهم أصحابى قال فى أصحابى كلهم خير، وأختار أمتى على الأمم، وأختار من أمتى أربعة قرون، القرن الأول والثانى والثالث، والرابع" (٢) .
وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) .
стр. 764
ويؤكد ابن مسعود ﵁ ما سبق من الآية والحديث قائلاً: "إن الله نظر فى قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه" (١) .
يقول الإمام الآمدى: "واختيار الله لا يكون لمن ليس بعدل" (٢) .
٥- وقال ﷺ : "لا تسبوا أصحابى. لا تَسُبُّوا أصحابى: فوالذى نفسى بيده! لو أن أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ" (٣) .
стр. 765
يقول الصحابى الجليل سعيد بن زيد بن عمرو (١) ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ لما سمع رجلاً من أهل الكوفة يسب رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "... والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ﷺ : أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح ﵇" (٢) .
يقول فضيلة الشيخ محمد الزرقانى ﵀ "فأنت ترى من هذه الشهادات العالية فى الكتاب والسنة، ما يرفع مقام الصحابة إلى الذروة، وما لا يترك لطاعن فيهم دليلاً، ولا شبهة دليل.
والواقع أن العقل المجرد من الهوى والتعصب، يحيل على الله فى حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختامية، أمة مغموزة، أو طائفة ملموزة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة، يعتبر دفاعاً عن الكتاب، والسنة، وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبياً لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديراً لحكمة الله البالغة فى اختيارهم لهذه المهمة العظمى من ناحية ثالثة.
كما أن تَوْهِينهم والنيل منهم، يعد غمزاً فى هذا الاختيار الحكيم، ولمزاً فى ذلك الاصطفاء والتكريم، فوق ما فيه من هدم الكتاب، والسنة، والدين" (٣) أ. هـ.
ثالثاً: دلالة إجماع الأمة على عدالة الصحابة ﵃ -:
стр. 766
.. أجمعت الأمة - إلا من شذ ممن لا يعتد بخلافهم (١) . على ما سبق من تعديل الله ورسوله ﷺ للصحابة أجمع، والنقول فى هذا الإجماع كثيرة عن علماء الأمة، من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين.
... يقول الخطيب البغدادى: "إنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شئ مما ذكرناه، لأوجبت الحال التى كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة فى الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء" (٢) .
... وقال ابن الصلاح: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهى أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به فى الإجماع من الأمة" (٣) .
... وقال العراقى: "إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم وأما من لابس الفتن منهم وذلك حين مقتل عثمان ﵁ فأجمع من يعتد به أيضاً فى الإجماع على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحملاً لهم فى ذلك على الاجتهاد" (٤) .
стр. 767
.. وقال الإمام الغزالى: "والذى عليه سلف الأمة، وجماهير الخلق، أن عدالتهم معلومة بتعديل الله إياهم وثنائه عليهم فى كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل – ثم ذكر بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم قال: فأى تعديل أصح من تعديل علام الغيوب –سبحانه- وتعديل رسوله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم فى الهجرة، والجهاد، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء والأهل، فى موالاة رسول الله ﷺ ، ونصرته، كفاية فى القطع بعدالتهم" (١) .
... فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة وغيرها كثير. كلها فيها بيان واضح، ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عموماً بلا استثناء، أمر مفروغ منه، ومسلم به.
فلا يبقى لأحد شك، ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله ﷺ وإجماع الأمة على ذلك (٢) .
... "وإذا تقرر لك عدالة جميع من ثبتت له الصحبة، علمت أنه إذا قال الراوى عن رجل من الصحابة، ولم يسمه كان ذلك حجة، ولا يضر الجهالة، لثبوت عدالتهم على العموم" (٣) .
стр. 768
.. قال الإمام الجوينى: "ولعل السبب فى قبولهم من غير بحث عن أحوالهم، والسبب الذى أتاح الله الإجماع لأجله، أن الصحابة هم نقلة الشريعة، ولو ثبت توقف فى رواياتهم، لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ﷺ ، ولما استرسلت على سائر الأعصار" (١) .
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم ... ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
غمرهم الله برحمته ورضوانه ... آمين.
стр. 769
المطلب الرابع شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها
... إن لأهل الزيغ والإلحاد قديماً وحديثاً شبهات كثيرة يطعنون بها فى عدالة الصحابة، وأساس تلك الشبهات الرافضة الذين فاقوا اليهود والنصارى فى خصلتين كما قال الشعبى ﵀ فيما رواه عنه ابن الجوزى فى الموضوعات قال: "... فضلت الرافضة على اليهود والنصارى بخصلتين.سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى-﵇ وسئلت النصارى فقالوا أصحاب عيسى-﵇، وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا حوارى محمد، وأمروا بالاستغفار لهم فسبوهم" (١) .
... فمن مطاعنهم فى عدالة الصحابة: ما استدلوا به من:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) وقالوا نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله ﷺ إلى العير التى جاءت من الشام، وتركوه وحده فى خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة (٣) .
стр. 770
٢- واستدلوا أيضاً بما ورد فى القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها على أتقى خلق الله، وأطهرهم (رضوان الله عليهم أجمعين) كقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (١) .
... وأيدوا ذلك بما جاء فى السنة المطهرة من أحاديث يطلق فيها لفظ الصحابة على المنافقين.
стр. 771
مثل حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أتى رَجُلٌ رسول الله ﷺ بِالجِعْرَانَة مُنْصَرَفَهُ من حُنين. وفى ثوب بلال فِضَةٌ ورسول الله ﷺ يقبض منها. يعطى الناس. فقال: يا محمدُ! اعْدِلْ٠ قال "ويلك ومن يَعْدِلُ إذا لم أَكُنْ اَعْدِلُ؟ لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ إن لم أكن أعدِلُ" فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعنى يا رسول الله فأقُتل هذا المنافق. فقال: "مَعَاذ الله! أَنْ يتحدث الناس أَنى أَقْتُلُ أَصْحَاِبى. إِنَّ هذا وأصحابَهُ يقرأون القرآنّ لا يُجاوزُ حَنَاجِرَهُم. يَمرُقُونَ منه كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيِة" (١) .
٤- واستدلوا من السنة المطهرة: بقوله ﷺ : "... ألا وإنه سَيْجَاءُ برجالٍ من أمتى فيؤخذُ بِهمْ ذات الشمال، فأقول: يا ربِّ أُصيحَابى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) فيقال: إن هؤلاء لا يَزَالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم منذ فَارَقْتَهُم" (٢) .
.. واستدل آخرون بالطعن فى عدالة الصحابة بما تمليه عليهم عقولهم الضالة من فهم أعوج لسيرة الصحابة، وتاريخهم المجيد، كما فعل مفتى الماركسية خليل عبد الكريم (١) فى كتابه "مجتمع يثرب العلاقة بين الرجل والمرأة فى العهدين المحمدى والخليفى" فقد صور مجتمع المدينة المنورة بقيادة رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وصحابته الأطهار، تصويراً شائناً قبيحاً، وجعله أشبه بمجتمع الحيوانات التى لا هم لها إلا إشباع الغرائز الجنسية بأى شكل، وبغير ضابط من دين أو خلق، غير مكترثين بالنصوص الدينية التى تمنعهم من هذا الهبوط" (٢) .