← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مع العلم أن "الأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم، كانوا يتحاكمون إلى الذى أمر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة" (١) . ... وقديماً استدل الإمام الشافعى بهذا المسلك فى الرسالة فقال: "بعث رسول الله ﷺ سراياه وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحداً، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهى فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء من بعده (٢) . وبهذا المسلك أيضاً استدل الإمام البخارى فى صحيحه فى كتاب إخبار الآحاد باب ما كان يبعث النبى ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد (٣) . وقال ابن عباس: بعث النبى ﷺ دحية الكلبى (٤) بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر (٥) . ... والأمثلة على أمراء السرايا والبعوث، وأمراء البلاد، ورسله إلى الملوك، كتب السير والتاريخ، ودواوين السنة زاخرة بها (٦) .

стр. 702

٢- المسلك الثانى: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، وذلك فى وقائع شتى لا تنحصر، وآحادها إن لم تتواتر فالمجموع منها متواتر، ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس، فلا وجه لتعدادها إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات، واستكشافهم عن أخبار النبى ﷺ عند وقوع الحادثات، وإذا روى لهم تسرعوا إلى العمل به (١) ، فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه (٢) . ... وعلى ما أجمع عليه الصحابة ﵃ "أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت حجية خبر الواحد، والانتهاء إليه فى وجوب العمل به" (٣) .

стр. 703

.. وفى كتاب الله ، أدلة لا حصر لها تدل على: صحة المسلكين السابقين. ففى القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (١) . وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (٢) . وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣) . وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إنا إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٤) . وقال ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) . فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة، لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم، وهو مسلك جيد (٦) ، ينضم إلى المسلكين السابقين وبه قال الإمام الشافعى فى الرسالة (٧) . وقال الإمام الشافعى بعد ذكره قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (٨) . قال: فظاهر الحجج عليهم باثنين ثم ثالث، وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة فى التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد إذ أعطاه الله ما يُباين به الخلق غير النبيين" (٩) .

стр. 704

وبالجملة فكل خبر واحد فى القرآن الكريم، وفى السنة المطهرة، يشهد بحجية خبر الواحد ووجوب العمل به (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 705

المبحث الرابع شروط حجية خبر الواحد ووجوب العمل به عند المحدثين والرد على شروط المعتزلة ومن قال بقولهم قديماً وحديثاً شروط حجية خبر الواحد عند المحدثين: ... اتفق أهل الحديث أجمع على: أنه يشترط لصحة الحديث، وحجيته، ووجوب العمل به خمسة شروط: (١) اتصال السند (٢) عدالة الراوى (٣) ضبط الراوى (٤) عدم الشذوذ (٥) عدم العلة. ... يقول ابن الصلاح: "أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذى يتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً" (١) أهـ. والشرطان الآخران (عدم الشذوذ، وعدم العلة) من الشروط المعتبرة فى صحة المتن عند المحدثين، ولم يصرح بهما أئمة الفقه والأصول، لأن أكثر العلل التى يعلل بها المحدثون لا تجرى على أصول الفقهاء، فنراهم يأخذون بالحديث. وإن كان فيه بعض كلام للمحدثين بناء على أصولهم التى أصلوها وقواعدهم التى ارتضوها (٢) .

стр. 706

.. قال الحافظ السيوطى فى التدريب: "قال العراقى (١) : وأما السلامة من الشذوذ والعلة فقال ابن دقيق العيد فى الإقتراح: إن أصحاب الحديث زادوا ذلك فى حد الصحيح قال: وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيراً من العلل التى يعلل بها المحدثون لا تجرى على أصول الفقهاء. ... قال الحافظ العراقى: والجواب أن من يصنف فى علم الحديث؛ إنما يذكر الحديث عند أهله لا عند غيرهم من أهل علم آخر، وكون الفقهاء، والأصوليين، لا يشترطون فى الصحيح هذين الشرطين (٢) ؛ لا يغير الحد عند من يشترطهما (٣) . ولذلك قال ابن الصلاح بعد أن حد تعريف الحديث الصحيح فى الشروط الخمسة السابقة قال: "فهذا هو الحديث الذى يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث" (٤) . وهذه الشروط كافية ومطمئنة للتأكد من ثبوت نسبة الحديث إلى قائله، سواء كان الحديث مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً.

стр. 707

يقول فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة –رحمه الله تعالى-: على أنه لا ينبغى أن يغيب عن ذهن القارئ الفطن أن الرواية فى الإسلام بشروطها من اتصال الأسانيد، ونقل العدول الضابطين، عن مثلهم إلى آخر السند، والحفظ واليقظة وعدم الغفلة، ضمانات كافية لترجيح الصدق والصواب، ترجيحاً قوياً على الكذب والخطأ، وترجيح الحفظ والضبط على جانب الغفلة والسهو (١) . ... هذا وهناك شروطاً أخرى مختلف فيها، بعضها أجاب عنها العلماء بأنها داخلة فى نفس الشروط الخمسة السابقة، من ذلك اشتراط أن يكون الراوى مشهوراً بطلب الحديث، واشتراط أن يكون الراوى معروفاً بالفهم والمعرفة والمذاكرة، وكثرة السماع. وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر: بأن اشتراط شهرة الطلب يغنى عنها شرط ضبط الراوى، واشتراط أن يكون معروفاً بالفهم والمعرفة يغنى عن ذلك شرط عدم العلة؛ لأن العلة لا تعرف إلا بما ذكر من الفهم والمعرفة والمذاكرة وغيرهما (٢) . ... وهناك شروطاً أخرى اشترطها بعض الأئمة، ولم يتفق عليها جمهور الفقهاء، والمحدثين، وأصحاب الأصول. من ذلك اشتراط فقه الراوى. وأجاب عن ذلك الرازى فى المحصول بقوله: "لا يشترط كون الراوى فقهياً سواء كانت روايته موافقة للقياس، أو مخالفة له: خلافاً لأبى حنيفة – ﵀ – فيما يخالف القياس، ولنا الحجة فى ذلك من الكتاب، والسنة، والعقل. ... أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ (٣) . فوجب أن لا يجب التبين فى غير الفاسق، سواء كان عالماً أو جاهلاً. ...

стр. 708

وأما السنة فقوله ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١) . ... وأما العقل: فهو أن خبر العدل يفيد ظن الصدق؛ فوجب العمل به، لما تقدم من أن العمل بالظن واجب" (٢) . وهناك شروطاً أخرى اشترطها بعض فقهاء الأحناف والمالكية لحجية خبر الواحد ووجوب العمل به. ويهمنا هنا من هذه الشروط، الشروط المشتركة بين المعتزلة والأحناف، والتى قال بها بعضهم متأثراً بالمعتزلة. وكانت تلك الشروط وسيلة من وسائل أهل الزيغ والهوى فى الطعن فى حجية السنة عامة، وفى حجية خبر الآحاد خاصة. ومن هنا وجب التنويه على ذلك، وبيان أشهر تلك الشروط المختلف فيها، والتى خالف فيها المعتزلة ومن تأثر بهم، جمهور علماء الأمة من المحدثين والفقهاء والأصوليين، بل وناقضوا أنفسهم بالعمل بخلاف ما اشترطوا!! شروط المعتزلة لصحة خبر الواحد: من هذه الشروط ما اشترطه متأخروا المعتزلة من العدد فى الرواية كما فى الشهادة، وكانوا أول من اشترطوا ذلك مخالفين كل فرقة فى علمها من السنة والخوارج والشيعة والقدرية كما قال ابن حزم، وأبو بكر الحازمى وغيرهما، وكان غرضهم من ذلك، رد الأخبار وتعطيل العمل بخبر الآحاد كما جزم بذلك الأئمة الحازمى، وابن قيم، وعبد القادر البغدادى، وقلدهم فى ذلك الشرط بعض الفقهاء (٣) ، ولم يقفوا على مقصودهم من ذلك كما سبق من قول الإمام ابن قيم الجوزية. واشترطوا أيضاً لصحة قبول خبر الواحد ألا يخالف ظاهر كتاب الله فإذا ورد مخالفاً له؛ كان دليلاً على عدم صحته، وعلى الزيافة فيه كما يعبر السرخسى (٤) .

стр. 709

واشترطوا ألا يكون خبر الواحد زائداً عن النص القرآنى، وإلا كان نسخاً، ولا يثبت نسخ ما يوجب علم اليقين إلا بمثل ما يوجب علم اليقين من متواتر أو مشهور، أما آحاد فلا (١) واشترطوا ألا يكون فى الحدود؛ لأنها تسقط بالشبهة، وخبر الواحد يحتمل أن راويه كذب أوسها أو أخطأ، فكان ذلك شبهه فى درء الحد. وهو قول الكَرْخِى (٢) من الحنفية، وأبى عبد الله البصرى المعتزلى (٣) فى أحد قوليه (٤) .

стр. 710

واشترطوا ألا يكون فى العقائد. لأن خبر الواحد ظنى، والعقيدة قطعية. وهو قول السرخسى الحنفى، وأبى الحسين البصرى المعتزلى، وطوائف من أهل الكلام (١) . واشترطوا ألا يثبت به حكم شرعى (فخبر الواحد لا يثبت به فرض ولا تحريم) ، وهو قول السرخسى من الحنفية، وأبى الحسين البصرى من المعتزلة (٢) . ... تلك هى أشهر الشروط التى اشترطها المعتزلة، وقال بها بعض فقهاء الأحناف متأثرين بهم، والسرفى هذا التأثر يبدو طبيعياً فى نشأتهم فى بغداد، بيئة المعتزلة، وغيرهم من الفرق التى كانت مصدراً للفتن والحركات الثورية فى العالم الإسلامى.

стр. 711

.. ويفصح لنا الإمام الزركشى (١) عن سر اشتراط الأحناف للشروط السابقة وغيرها بقوله: "قال الأستاذ أبو منصور عبد القادر البغدادى: وهذه أصول مهدوها من أجل أخبار احتج بها أصحابنا عليهم فى مواضع عجزوا عن دفعها فردوها من هذه الوجوه التى ذكرنا. وقالوا بأمثالها فى الضعف مع مخالفتها للقرآن الكريم" (٢) . ... قلت: وهذا هو السر أيضاً فى اشتراط الشروط السابقة من المعتزلة، فقد أرادوا بها محاجة خصومهم من أهل السنة. وإلا (فلو أنصف أهل الفرق من الأمة لأقروا بحجية خبر الواحد ووجوب العمل به. فإنك تراهم مع اختلافهم فى طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بخبر الواحد. ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوَّدانِهِ، ويُنَصِّرَانِهِ، ويُشَرِّكَانِهِ" (٣) .

стр. 712

.. وبقوله ﷺ فى الحديث القدسى: "... وإنى خلقت عبادى حنفاء. كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين؛ فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بى ما لم أنزل به سلطاناً" (١) . ... وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله ﷺ : "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة- قيل: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق" (٢) . وترى الرافضة يحتجون بقوله ﷺ : "ليردن على الحوض رجال ممن صاحبنى. حتى إذا رأتيهم ورفعوا إلى، اختلجوا دونى. فلأقولن: أى رب أصيحابى. أصيحابى. فليقالن لى: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك" (٣) .

стр. 713

وترى الخوارج يستدلون بقوله ﷺ : "سباب المسلم، فسوق، وقتاله، كفر" (١) . وبقوله: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن" (٢) . إلى غير ذلك من الأحاديث التى يستدل بها أهل الفرق، وهى كلها خبر آحاد (٣) . ... إن الشروط التى اشترطها بعض فقهاء الأحناف والمالكية لقبول خبر الآحاد، وبالأخص الشروط التى اشترطها المعتزلة، وتأثر بها بعض الأحناف والتى سبق ذكرها؛ اتخذها أهل الزيغ والهوى وسيلة للتشكيك فى حجية السنة المطهرة عامة، وخبر الآحاد خاصة (٤) . ووجدنا بعضهم فى عصرنا يردد الشروط السابقة بأشد التعبيرات وأوسعها فى المعنى. فوجدنا من يقطع بأن: أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها فى العقائد مهما قويت أسانيدها وتعددت طرقها (٥) .

стр. 714

ووجدنا من يقول: إن كل مسلم يبنى عقيدته على دليل ظنى؛ يكون قد ارتكب جرماً وإثماً ووجدنا من يقول: إن أحاديث الآحاد لا تصلح فى العقوبات لخطورتها. ووجدنا من يقول: إن خبر الآحاد لا يصلح فى الأمور الدستورية والسياسية لأهميتها (١) ووجدنا من يقول: إن أحاديث سنة (الآحاد) لا يعمل به فى الأمور الاعتقادية، فلا يعتبر ما ورد فيه فرضاً دينياً، أو واجباً دينياً، بل يؤخذ به فى أمور الحياة على سبيل الاستئناس والإسترشاد (٢) . ... ومما هو جدير بالذكر: أن الإمام الشافعى قد أفاض فى مناقشة شروط الأحناف والمالكية، وفندها فى كتابيه (الأم) و (الرسالة) . ومن مهارة الإمام فى دفاعه وتفنيده حجج الأحناف والمالكية فيما اشترطوه من شروط زائدة على ما اشترطه أهل الحديث- لصحة خبر الواحد طعن اعداء الإسلام فى دفاع الإمام الشافعى وعابوه.

стр. 715

وممن سلك هذا المسلك جوزيف شاخت فى الثلاثة فصول الأولى من كتابه (أصول الفقه المحمدى) (١) وتابعه نصر أبو زيد فى كتابه (الإمام الشافعى وتأسيس الايديلوجية الوسطية) (٢) ، وجمال البنا فى كتابيه الأصلان (٣) ، والسنة ودورها فى الفقه الجديد (٤) ، وإسماعيل منصور فى تبصير الأمة بحقيقة السنة (٥) ، ومحمد شحرور فى الدولة والمجتمع (٦) وغيرهم

стр. 716

.. والحق: أن الإمام الشافعى لم يكن وحده فى الميدان يدافع عن رأى جمهور علماء الأمة ضد شروط الأحناف والمالكية، وإنما كان هناك غيره على ما حكاه الإمام ابن أبى حاتم الرازى فى كتابه آداب الشافعى (١) ، إلا أنه ﵀ أفاض فى الدفاع أكثر من غيره، وارتضى علماء الأمة من بعده دفاعه وصوبوه ودافعوا عنه (٢) . ... يقول الاستاذ عبد الحليم الجندى دفاعاً ضد أعداء الإسلام فيما اتهموا به الإمام الشافعى من وضعه أصول خالف فيها بزعمهم من سبقه، قال: "وإنك لترى- بادئ الرأى- أن الأصول التى عرضتها "الرسالة" أصول مسلمة لاشبهة فيها، تسليم الكشوف العلمية، وأنها قواعد عملية قبل أن تكون فلسفية أو نظرية، ولهذا عبرت العصور عصراً، بعد عصر، عماداً

стр. 717

للعلماء فى حقول الفكر، وأنها ولدت كاملة، إذ كانت وليدة الاستقراء الشامل، فغدت، منذ وجدت، من المسلمات يتتابع عليها الفقهاء فى شتى المذاهب. بما فيهم رافضوا القياس الذين يعتمدون على النصوص وحدها (١) . الجواب: عن الشروط السابقة ومن قال بها قديماً وحديثاً أولاً: ما اشترطوه من العدد لصحة قبول خبر الآحاد: ... فقد مر قريباً الرد على ما احتجوا به فى اشتراط العدد من قصة توقف رسول الله ﷺ : فى خبر ذى اليدين، وتوقف عمر فى خبر أبى موسى الأشعرى. وغير ذلك.

стр. 718

والحق أن اشتراط العدد لصحة قبول خبر الآحاد [بدعة ضالة منكرة يأباها واقع الصحابة والرسول ﷺ ، ويرفضها العقل والمنطق السليمان المجردان من الهوى والزيغ، فيستحيل فى الواقع أن يسير الرسولصلى الله عليه وسلم، فى كل أحيانه مع كوكبة من أصحابه تبلغ حد التواتر، لا يتركونه فى حله، أو فى ترحاله، أو فى يقظته، أو فى فراش نومه حتى يتم التصديق بما جاء عنه من آحاد الصحابة، ويستحيل فى عرف العقل والمنطق أن يتقاعس المسلمون عن الدعوة، وينفضوا أيديهم عن مقومات حياتهم ووجودهم من تجارة وزراعة ونحوها، فلا يبرحون المدينة، ولا يتجاوزون رسولهم ﷺ ، إلى غيره، ليتفرغوا جميعاً. لنقل ما يصدر عنه حتى يتم تصديق الأصحاب فيما يبلغونه عنه، فالواقع، والعقل، والمنطق كلهم يرفض ذلك ويزدريه، ويرثى على المتمسكين بشرط العدد، مجافاتهم للعقل والمنطق، وعدم إدراكهم لواقع الأشياء، فقد كان بعض الصحابة يشغلهم الصفق فى الأسواق، وكان بعضهم يشغله الجهاد فى سبيل الله ، وكان منهم من يلازم الرسولصلى الله عليه وسلم، على ملء بطنه، يحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون، من أجل ذلك كان يروى عنه الواحد، والإثنان، والثلاثة، والأكثر، ومن أجل ذلك أيضاً كانت إحدى نسائه تروى عنه بعض ما يحدث منه فى البيت مما تفرد عنه أصحابه، وما يحدث بين المرأة وزوجها من أمور تشريعية (١) . ويقول الحافظ ابن حجر: "وأما من شرط العدد، فهو قول شاز مخالف لما عليه الجمهور، بل تقبل رواية الواحد إذا جمع أوصاف القبول" (٢) .

стр. 719

.. ويقول فضيلة الدكتور أبو شهبة: "ثم ما هذه البدعة السيئة، بدعة أن الخبر ما دام لم يتواتر لا يقبل ولا يؤخذ به ولو أن كل مسألة من مسائل العلم والمعرفة لم نكتف فيها إلا بالتواتر لما سلم لنا من المعارف إلا القليل، بل لو أننا طبقنا هذه القاعدة على علم التاريخ والآداب لما سلم لنا منها إلا شئ أقل من القليل" (١) . ... ومع كل هذا فإن المحدثين لم يهملوا العدد، وإنما اعتبروه فى تقسيمهم لخبر الآحاد إلى غريب، وعزيز، ومشهور. والترجيح بكثرة العدد عند التعارض، وها أنت قد سمعت آنفاً ما ذكره أئمة الحديث وجهابذته من أن الحديث المتواتر يوجد بكثرة فى كتب الحديث المشهورة مثل الكتب الستة والمسانيد وغيرها (٢) . ثانياً: ما اشترطوه لصحة قبول خبر الواحد: بألا يخالف ظاهر كتاب الله فقد استدلوا لذلك بأدلة منها ما روى عن رسول الله ﷺ ، "تكثر الأحاديث لكم بعدى، فإذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافقه فاقبلوه، واعلموا أنه منى، وما خالفه فردوه، وأعلموا أنى منه برئ" (٣) .

стр. 720

واستدلوا أيضاً بما روى عن أبى بكر وعمر وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃ فى ردهم خبر فاطمة بنت قيس (١) –رضى الله عنها-، فيما روى عنها عن النبى ﷺ ، فى المطلقة ثلاثا قال:"ليس لها سكنى ولا نفقة" فرد ذلك عمر ﵁، بقوله:"لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ ، لقول إمرأة لا ندرى لعلها حفظت أو نسيت.لها السكنى والنفقة قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) . واستدلوا أيضاً برد عائشة (رضى الله عنها) حديث عمر وابنه عبد الله -رضى الله عنهما- فى تعذيب الميت ببعض بكاء أهله عليه، فردت ذلك عائشة بقولها "يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله ﷺ : "إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد" ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه" حسبكم القرآن: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) .

стр. 721

واستدلوا برد على بن أبى طالب ﵁ لخبر معقل بن سفيان ﵁ فيما روى عن ابن مسعود ﵁؛ أنه سئل عن رجل تزوج امراة ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها. لاوكس ولا شطط. وعليها العدة ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعى (١) ، فقال: قضى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فى بروع بنت واشق، إمرأة منا. مثل الذى قضيت. ففرح بها ابن مسعود" (٢) فرد ذلك على بن أبى طالب ﵁ بقوله: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابى بوال على عقبيه" (٣) .

стр. 722

.. واستدل بالأحاديث السابقة أو بعضها كل من محمود أبو رية فى (أضواء على السنة) (١) ، وأحمد أمين فى (فجر الإسلام) (٢) ، وأحمد حجازى السقا فى كتابة (دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى) (٣) ، وجمال البنا فى (السنة ودورها فى الفقه الجديد) (٤) ، وإسماعيل منصور فى (تبصير الأمة بحقيقة السنة) (٥) ، ونيازى عز الدين فى (دين السلطان) (٦) وغيرهم. ... وتأثر بهذا الشرط والمنهج، فضيلة الشيخ محمد الغزالى – غفر الله له وزاد فى إحسانه وتجاوز عن سيئاته- فى كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) إذ يقول معقباً على قول عائشة -رضى الله عنها- (حسبكم القرآن) يقول الشيخ: "وعندى أن ذلك المسلك الذى سلكته أم المؤمنين أساس لمحاكمة الصحاح إلى نصوص الكتاب الكريم" (٧) . ... والجواب: إن ما استدل به على رد خبر الآحاد إذا كان زائداً على النص القرآنى لا حجة لهم فيه فحديث (عرض السنة على القرآن) سبق تخريجه وبيان وضعه (٨) . وبقية الأخبار التى جاء فيها رد بعض الصحابة لبعض الأخبار لمجرد تعارضها الظاهرى مع القرآن لا حجة لهم فيها أيضاً. والحق مع الخبر وهو موافق لكتاب الله . وقد أفاض فى الدفاع عن خبر فاطمة ابن قيم الجوزية فى زاد المعاد (٩) . وقال الشوكانى ما قيل فى الخبر من أنه مخالف للقرآن فوهم (١٠) .

стр. 723

ومما هو جدير بالذكر أن أبا حنيفة النعمان –﵀ قال بخبر فاطمة (١) . وكذلك الحال فى خبر تعذيب الميت ببعض بكاء أهله عليه، الحق مع الخبر، ولا مخالفة فيه لكتاب الله ، كما هو واضح من ترجمة الإمام البخارى لباب الحديث (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إن كان النوح من سنته) (٢) . ... أما ما قاله على بن أبى طالب ﵁ رداً على خبر معقل بن سنان ﵁؛ فقد سبق من قول الشوكانى وغيره أن هذا لم يصح عنه، ولو سلمت صحته فلم ينفرد به معقل، والجمهور مع الخبر فهو أيضاً صحيح موافق لكتاب الله (٣) . ... ومع أن الجمهور مع الأخبار التى توقف فيها بعض الصحابة لتعارضها الظاهرى مع القرآن الكريم فقد حملوا هذا التوقف من الصحابة على التثبت والإحتياط، ولم يكن ذلك منهم مسلكاً مطرداً بدليل ما سبق ذكره من حالهم فى احتجاجهم بخبر الواحد والعمل به. ومما هو جدير بالذكر أن من اشترطوا هذا الشرط من الأحناف، خالفوه، وقبلوا أخباراً بأسانيد ضعيفة مع مخالفتها للقرآن الكريم، وقد أكثر من تفصيل ذلك ابن قيم الجوزية (٤) .

стр. 724

ثالثاً: ما زعموه أن زيادة خبر الواحد على النص القرآنى تعد نسخاً: فقد أفاض فى الرد على ذلك الامام ابن قيم الجوزية، مبيناً المراد بالنسخ فى السنة الزائدة على القرآن الكريم، قائلاً: "ما تعنون بالنسخ الذى تضمنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكم المزيد على القرآن من الإيجاب، والتحريم، والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغير وصفه بزيادة شئ عليه من شرط أو قيد أو مانع أو تخصيص أو ما هو أعم من ذلك؟ ... فإن عنيتم الأول فلا ريب أن زيادة خبر الواحد لا تتضمن ذلك، فلا تكون ناسخة. وإن عنيتم الثانى، فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه، ولا رفعه، ولا معارضته، بل غاية الزيادة بخبر الواحد كالشروط، والموانع، والقيود، والمخصصات، وشئ من ذلك لا يكون نسخاً يوجب إبطال الأول ورفعه رأساً. وإن كان نسخاً بالمعنى العام الذى يسميه السلف نسخاً، وهو رفع الحكم الظاهر فى القرآن بتخصيص أو تقييد أو توضيح ... إلخ، فهذا كثير من السلف يسميه نسخاً. حتى سمى الاستثناء نسخاً، فإن أردتم هذا المعنى، فلا مشاحة فى الاسم، ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا ينكر أحد ممن يعتد به نسخ القرآن بالسنة بهذا المعنى بل هو متفق عليه بين الناس، وإنما تنازعوا فى جواز نسخ القرآن بالسنة، النسخ الخاص الذى هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يشرع البتة (١) .

стр. 725

.. ومما هو جدير بالذكر هنا أن الأحناف مع قولهم بعدم قبول خبر الواحد إذا كان زائد على القرآن، فقد قبلوا أحكاماً كثيرة زائدة على ما فى القرآن بعضها من السنة المشهورة كحد الرجم، وتحريم الجمع بين المرأة، وعمتها والمرأة وخالتها، وغير ذلك من الأحكام الزائدة على ما فى القرآن وقبلوها لأنها ثبتت بسنة مشهورة تفيد عندهم علم طمأنينة القلب (١) . هذا فى حين أن أهل الزيغ والهوى عندما يستدلون بمذهب الأحناف وبشرطهم يتجاهلون هذا إما عن عمدٍ للتضليل، وإما عن جهل بشرطهم، وهو جعلهم المشهور قسيماً للمتواتر فى إفادة العلم، وقبول ما أثبته زائداً على النص القرآنى. وهو ما رفضه أعداء السنة فى خبر الرجم، والجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها ... وغير ذلك بالرغم من استشهادهم بشرط الأحناف بعدم قبولهم خبر الواحد إذا كان زائد على القرآن الكريم. ... فتأمل كيف استغلوا ذلك الشرط للتشكيك فى حجية خبر الواحد، والطعن فى الأحكام التى استقلت السنة بتشريعها!! واعلم: أن من اشترط ذلك الشرط؛ فقد اشترطه على هوى فى نفسه، حيث طبقه حيث اشتهى، ورفضه أيضاً حيث اشتهى، وقد أكد ذلك غير واحد من الأئمة بعد ذكرهم أمثلة كثيرة على مخالفتهم لما اشترطوه، وقبولهم أحكاماً زائدة على ما فى القرآن. يقول ابن حزم: "فمن أين جوزتم أخذ الزائد على ما فى القرآن كما ذكرنا حيث اشتهيتم، ومنعتم منه حيث اشتهيتم، وهذا ضلال لا خفاء به، وكل ما وجب العمل به فى الشريعة فهو واجب أبداً فى كل حال (٢) .

стр. 726

رابعاً: أما ما اشترطوه فى صحة خبر الواحد بألا يكون فى الحدود: فقد رد ذلك أئمة الأصول يقول الإمام الآمدى: "اتفقت الشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف (١) ، وأبو بكر الرازى (٢) من أصحاب أبى حينفة، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفى كل ما يسقط بالشبهة، خلافاً لأبى عبد الله البصرى، والكرخى. ودليل ذلك أنه يغلب على الظن، فوجب قبوله لقوله ﷺ : "إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فأقضى له على نحو مما أسمع منه. فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً؛ فإنما أقطع له به قطعة من النار" (٣) . ولأنه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الأحكام ظنية، والمسألة الظنية، فكان الظن كافياً فيها. وسقوطه بالشبهة لو كان، لكان مانعاً من الأعمال، والأصل عدم ذلك، وعلى من يدعيه بيانه.

стр. 727

فإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة فى درء الحد، لقوله ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات) (١) فهو باطل بإثباته بالشهادة، فإنها محتملة للكذب، ومع ذلك يثبت بها" (٢) . خامساً: ما اشترطوه بألا يكون خبر الواحد فى العقيدة . فقد سبق وأن ذكرنا أن أصول العقائد مذكورة فى القرآن الكريم، مثل التوحيد، والصفات الإلهية، والرسالة، والبعث، وجزاء الأعمال، ولا يوجد فى الحديث الصحيح إلا ما يؤيد هذه الأصول ويوضحها ويقررها، وكل ما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى العقائد تجد مثله فى القرآن، ويجرى فيه ما يجرى فى القرآن من التفويض أو التأويل، ولا يوجد فيها ما يكون مخالفاً لعقائد القرآن، أو زائداً عليها بحيث لا يكون له أصل فى القرآن (٣) . وحتى مع التسليم جدلاً بأن أحاديث العقائد زائدة عما فى القرآن الكريم. فالقول بأن خبر الواحد ظنى، والعقائد قطعية فلا تؤخذ إلا من الأدلة القطعية. هذا القول غير صحيح، لأنه مع فرض أن خبر الآحاد فى العقائد ظنى، فهو خبر ظنى راجع إلى أصل قطعى وهو القرآن الكريم، فيجب العمل به.

стр. 728

.. يقول الإمام الشاطبى: "الظنى الراجع إلى أصل قطعى إعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد، فإنها بيان للكتاب لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) .

стр. 729

ويقول الإمام ابن قيم الجوزية: "الذين قالوا لا يحتج بخبر الواحد فى العقائد من التوحيد، والصفات الإلهية، والبعث قالوا: الأخبار قسمان متواتر وآحاد، فالمتواتر وإن كان قطعى السند لكنه غير قطعى الدلالة، فإن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، وبهذا قدحوا فى دلالة القرآن على الصفات وقالوا: الآحاد لا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طريقها، ولا من جهة متنها. فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته، وأفعاله من جهة الرسول ﷺ . وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية، وبراهين نقلية، وهى فى التحقيق كما قال الله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) .

стр. 730

إن هذه التفرقة بين العقائد والأحكام فى العمل بخبر الآحاد، لا تعرف عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم" (١) . ... ومما هو جدير بالذكر هنا أن بعض الحنفية ممن قال بهذا الشرط نقضه بنفسه بقبوله الآثار المروية فى عذاب القبر ونحوها، لأن بعضها مشهور، وبعضها آحاد أيضاً كما يصرح السرخسى بقوله: "فأما الآثار المروية فى عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهور، وبعضها آحاد وهى توجب عقد القلب عليه" (٢) .

стр. 731

ونفس الشئ وقع فيه المعتزلة يقول القاضى عبد الجبار: "فإن قال: أفتجوزون ما ورد فى الأخبار من عذاب القبر، ومنكر ونكير، والمساءلة، والمحاسبة، والميزان، والصراط، وغير ذلك؟ قيل له نعم، نؤمن بجميع ذلك على الوجه الذى نجوز له لا على ما يظنه الحشو من أنه يعذبهم وهم موتى فى قبورهم، ولا كما تقوله المجبره من أنه لا أصل لعذاب القبر، وقد تظاهرت الأخبار بذلك، ولا يمتنع أن يتولى ذلك من يلقب من الملائكة بمنكر ونكير، ليكون أعظم فى التعذيب، وكذلك المسألة، والمحاسبة، وغير ذلك ... فنحن نؤمن بما جاء فى ذلك من الأخبار، ولا خلاف بين الأمة فى ذلك" (١) . فهلا آمن أهل الزيغ والهوى بما آمن به من استدلوا بشرطهم (٢) ؟! أم كفاهم شرطهم ليكون وسيلة لهم للتشكيك فى حجية خبر الآحاد فى العقائد؟!! ٠

стр. 732

سادساً: أما شرطهم لصحة قبول خبر الواحد بألا يثبت به حكم شرعى من فرض أو تحريم . فيقول رداً على ذلك الإمام ابن قيم الجوزية بقوله: "إن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة التحليل والتحريم، والإباحة، والفروض، ويجعل ذلك ديناً يدان به فى الأرض إلى آخر الدهر. فهذا الصديق ﵁ زاد فى الفروض التى فى القرآن فرض الجدة، وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة، بخبر محمد ابن مسلمة والمغيرة بن شعبة فقط، وجعل حكم ذلك الخبر فى إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن فى إثبات فرض الأم، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد ... وأثبت عمر بن الخطاب ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابى وحده، وصار ذلك شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة وأثبت شريعة عامة فى حق المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف وحده (١) . ... وهذا أكثر من أن يذكر، بل هو إجماع معلوم منهم، ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد فى الظنيات، ونحن لا ننكر ذلك لأنا قد قدمنا أنهم أجمعوا على حجيته والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون خبر الواحد كذباً أو غلطاً فى نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به وهذا قدح فى الدين والأمة (٢) .

стр. 733

سابعاً: ما ذهب إليه البعض من إسقاط الشرعية من خبر الآحاد فى المجال الدستورى والسياسى: فيقول رداً على ذلك المستشار الدكتور على جريشة: (أسقط البعض الشرعية) عن أحاديث الآحاد فى المجال الدستورى، فقال إنها لا تصلح مصدراً لهذا اللون من الأحكام (١) ،ومن قبل هذا رفض الخوارج والمعتزلة العمل بها، ولقد كانت حجة ذلك البعض القول بأهمية الأحكام الدستورية، وعلى الجانب الآخر عدم يقينية أحاديث الآحاد، وعدم شهرتها، الذى استدلوا منه على عدم صحتها، ثم مسلك بعض الصحابة منها إذ اشترطوا اليمين أو رواياً آخر. وفى رد هادئ على هؤلاء نقول بعون الله: إن الأحكام الدستورية ليست إلا فرعاً من فروع القانون العام، إلى جواره فروع أخرى فى ذلك القسم من القانون، ثم قسم آخر بفروعه هو قسم القانون الخاص. ونحن لا نوهن من أهمية الأحكام الدستورية ... ولكننا فى الوقت نفسه لا نرتفع بها فوق أحكام السنة فى جزءها الأكبر (أحاديث الآحاد) وما نرى الأحكام الدستورية إلا جزءاً من الأحكام العملية التى اتفق الفقهاء فى المذاهب الأربعة على العمل بأحاديث الآحاد فيها. ولئن كانت الأحكام الدستورية تقابل فى اصطلاحاتنا الفقهية مباحث الإمامة، فإن مباحث الإمامة عند الفقهاء من أهل السنة ليست سوى أحكام فروع لا ترتفع إلى مرتبة الأصول ... ولم يفعل ذلك إلا الغلاة من الشيعة؟ أما اشتراط اليقينية ... فلم يشترطها أحد من الفقهاء فى أحكام الفروع وإن اشترطتها الأكثرية فى مجال الاعتقاد باعتباره مبنياً على اليقين.

стр. 734

.. أما القول بأن عدم شهرة أحاديث الآحاد دليل عدم صحتها، فإنه لا ارتباط بين الشهرة والصحة، كما أنه لا ارتباط بين الحق والواقع، فقد يكون الحق واقعاً وقد يكون غير واقع، كما قد يكون الواقع حقاً، وقد يكون غير حق ... كذلك قد يكون المشهور صحيحاً أو غير صحيح، وقد يكون الصحيح مشهوراً أو غير مشهور. أما مسلك بعض الصحابة منها فقد قدمنا أن أحداً منهم لم يرفض حديث آحاد ما دام صحيحاً، أما ما اشترطوه من حلف أو راو آخر فقد قدمنا أنه لا يخرج الحديث عن مرتبة الآحاد (١) أ. هـ. ... ولم يقف خصوم السنة المطهرة فى عصرنا على ما اشترطه المعتزلة ومن تأثر بهم من بعض فقهاء الأحناف. فلم يكتفوا فى شروطهم لقبول خبر الواحد بعرضه على القرآن الكريم، ولا إلى عرضه على العقل، ولا ما سبق من الشروط، وإنما اشترطوا أيضاً لقبول خبر الواحد عرضه على العلم التجريبى فما وافقه قبل وإلا فلا (٢) .

стр. 735

واشترطوا عرضه على التوراة والإنجيل ، والفلسفات الحديثة فما خالفهم قبل وإلا فلا، وزعموا أنه من الإسرائيليات (١) . أما ما اشترطوه من عرض السنة النبوية على العهد القديم والجديد فما وافقهما كان دليلاً على أنه من الإسرائليات. فيقول رداً على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة ﵀: "ليس من الإنصاف فى شئ أن نقول: إن ما وجد فى الدين الإسلامى، ووجد فى اليهودية أو النصرانية أن يكون مأخوذاً منها، فقد توافق القرآن الكريم الذى لا شك فى تواتره، وصونه عن أى تحريف، والتوراة والأنجيل فى بعض التشريعات، والأخلاقيات والقصص، فهل معنى هذا أنه مأخوذ منها؟ أعتقد أن الجواب بالنفى.

стр. 736

.. ومما ينبغى أن يعلم أن الشرائع السماوية مردها إلى الله سبحانه، وأن العقائد، والفضائل الثابتة، والضروريات التى لا تختلف باختلاف الأزمان، ولا باختلاف الرسالات أمور مقررة فى كل دين. وصدق الله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) لكن هذه الأصول، والفضائل، والأخلاقيات، والضروريات جاءت فى الدين الاسلامى أوفى ما تكون وأكمل ما تكون، وأصلح ما تكون، لكل زمان ومكان. ولما كان الأمر كذلك فليس فى العقل، ولا فى الشرع ما يمنع أن تتوافق فى بعض التشريعات، وفى بعض الأخلاقيات، وما حرف من: الكتب السماوية السابقة لم يحرف جميعه. وقد كان القرآن الكريم- بحكم أنه سلم من التحريف والتبديل، وتوافرت الدواعى والأسباب لوصوله إلى الأمة الإسلامية كما أنزله الله ﵎. مهيمناً أى شاهداً على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) أهـ. ... ومن الأحاديث التى زعم أعداء السنة المطهرة أنها من الإسرائيليات لموافقتها ما عند أهل الكتاب. حديث "النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة ".

стр. 737

قال محمود أبو ريه: "روى هذا الحديث أبو هريرة، وقد أخذه من كعب الأحبار، القائل: "أربعة أنهار الجنة، وصفها الله فى الدنيا، النيل نهر العسل فى الجنة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللبن فى الجنة" (١) .

стр. 738

.. واستدل نيازى عز الدين بما استدل به محموداً أبو ريه: وقال نيازى: "لنسمع التوراة ماذا تقول فى "سفر التكوين"، الإصحاح الثانى الفقرات من ١٠ – ١٤ وكان نهر يخرج من عدن يسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس اسم الواحد (فيشون) وهو المحيط بأرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد". ... يقول نيازى عز الدين عن حديث "النيل، وسيحان، وجيحان، والفرات، من أنهار الجنة"، وأسلوب الحديث كما تلاحظون تواترياً وهذا ما قصدت إليه، وهكذا فإن معرفة كتب أهل الكتاب ضرورية من أجل نقد الأحاديث كما رأيتم (١) . والجواب:

стр. 739

.. إن الحديث الذى رواه أبو هريرة: صحيح غاية الصحة، وهو فى صحيح مسلم بلفظ: "سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل كلها من أنهار الجنة" (١) . وفى الحديث الصحيح أيضاً؛ أنه ﷺ "رأى ليلة المعراج عند سدرة المنتهى أربعة أنهار، يخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل إما هذه الأنهار؟ قال أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات" (٢) . ... وفى رواية: "بينما رسول الله ﷺ فى السماء الدنيا إذ بنهرين يطردان، فقال: "ما هذان يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما" (٣) .

стр. 740

والحديث ليس على حقيقته كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وإنما الكلام على سبيل التشبيه، وأن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة فى صفتها وعذوبتها، وكثرة خيراتها ونفعها للناس، وهو تأويل مقبول ومستساغ لغة وشرعاً ومن تتبع كلام العرب فى الجاهلية، وصدر الإسلام يجد من أمثال ذلك الشئ الكثير (١) . وقيل: إن فى الكلام حذفاً، والتقدير "من أنهار أهل الجنة" ففيه تبشير من النبى ﷺ أن الله سينجز له وعده، وسينصره، وسيظهر له دينه على الأديان كلها حتى يبلغ مواطن هذه الأنهار الأربعة وغيرها – إذ ذكرها على سبيل التمثيل لا الحصر – وهذا ما كان فلم يمضى قرن من الزمان حتى امتد سلطان الإسلام من المحيط الأطلسى إلى بلاد الهند (٢) . ... وذهب بعض العلماء إلى أن الحديث على ظاهره وفى ذلك يقول الحافظ ابن دحية: "قرأت فى تفسير القرآن العظيم، عند قول الله الكريم ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٣) أنهما النيل والفرات، أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل، فأودعهما بطون الجبال، ثم إن الله سيرفعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن، وذهاب الإيمان، فلا يبقى على الأرض خير، وذلك قوله جل من قائل: ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (٤) . ذكره النحاس فى "معانى القرآن العزيز" له بأتم من هذا، وأسنده فاختصرته (٥) .
следующие страницы →