← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

.. وعودة إلى خلقه وتقواه ﵁: فقد اشتهر ﵁ بالتواضع، والمرح، فكان يداعب الأطفال، ويمازح الناس ويلاطفهم، ومن ذلك أنه كان يمر فى السوق، يحمل الحزمة من الحطب على ظهره-وهو يومئذ أمير مروان على المدينة فيقول: أوسعوا الطريق للأمير (١) . فمعاوية ﵁ استعمله فى عهده على المدينة ثم عزله وولى عليها مروان، ثم استخلفه مروان عليها حين توجه إلى الحج" (٢) . قوة ذاكرته وروايته: لقد لازم أبو هريرة رسول الله منذ قدم عليه مهاجراً، ينهل من عمله، ويتلقى عنه أحاديثه ويحفظها، واجتهد فى ذلك حتى صار أحفظ أصحابه، وأكثرهم رواية للحديث، فقد روى (٥٣٧٤) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً نبوياً - كما فى مسند بقى ابن مخلد- اتفق الشيخان البخارى ومسلم على (٣٢٥) ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً منها، وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين (٣) ،وقيل غير ذلك. ... وهذه الروايات التى زادت على خمسة آلاف هى بالمكرر. وذكر الدكتور الأعظمى فى كتابه: أبو هريرة فى ضوء مروياته (٤) أن أحاديثه فى المسند والكتب والسنة هى ١٣٣٦ حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة. وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه فى أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة" (٥) .

стр. 807

ويقول الدكتور أبو شهبة: "وأحب ألا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربعة والسبعون حديثاً، الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعتها كلها لما زادت عن جزء فأى غرابة فى كثرة مروياته مع حداثة صحبته، مع أن السنين الأربع ليست بالزمن القصير فى عمر الصحبة (١) ، ولا سيما ما توافر له دون غيره من الصحابة من أمور كانت سبباً فى تفوقه فى الرواية وكثرة مروياته منها:

стр. 808

أسباب كثرة مروياته: أولاً: شدة ملازمته للنبى ﷺ منذ قدم مهاجراً إليه سنة سبع من الهجرة يدور معه فى بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه كما حدث عن نفسه، ومما أعانه على التفرغ لذلك أنه كان فقيراً، ولم تكن له زوجه، ولا أولاد حينئذ - ونحو ذلك مما يشغل، مع شدة حرصه على تلقى الحديث عن النبى ﷺ ، وشهد له النبى ﷺ بهذا الحرص ومن الآثار الدالة على ذلك: ما جاء فى الصحيح عنه ﵁ قال: "يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم. وإن إخوانى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملئ بطنى فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله ﷺ يوماً: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينس شيئاً سمعه، فبسطت بردة على حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدرى، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثنى به. ولولا آيتان أنزلهما الله فى كتابه ما حدثت شيئاً أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) .

стр. 809

ثانياً: دعاء رسول الله ﷺ له بالحفظ وعدم النسيان، ومما يدل على ذلك الرواية السابقة، وما رواه الحاكم فى المستدرك عن زيد بن ثابت، أن رجلاً جاء إليه فسأله عن شئ فقال له زيد: عليك بأبى هريرة، فإنه بينما أنا وأبو هريرة فى المسجد وفلان فى المسجد ذات يوم ندعوا الله تعالى، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا قال: فجلس وسكتنا. فقال عودوا للذى كنتم فيه، قال زيد فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا قال: ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إنى أسألك مثل الذى سألك صاحباى هذان وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ : آمين"فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال:"سبقكما بها الدوسى" (١) . ثالثاً: إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته وحفظه وحسن ضبطه، خاصة بعد أن دعا له الرسول بالحفظ وعدم النسيان - كما سبق - فكان حافظاً متقناً ضابطاً لما يرويه.

стр. 810

.. ويدل على ذلك قصة امتحان مروان له فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة (١) كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول، دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا آخر" (٢) وقد نقل هذه القصة الذهبى فى سير أعلام النبلاء، ثم عقب بقوله: "قلت هكذا فليكن الحفظ" (٣) . ... وهذه القصة نقلها أيضاً ابن حجر فى الإصابة (٤) ، وابن كثير فى البداية (٥) ، وهى تدل على قوة حفظه وإتقانه، كما شهد له بذلك الصحابة، والتابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين إلى يومنا هذا على ما سيأتى بعد قليل. ... وكان ﵁ يراجع ما يسمعه من النبى ﷺ تأكيداً لحفظه، فقد روى عنه أنه قال: "جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً أصلى، وثلثاً أنام، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله ﷺ (٦) . رابعاً: أدرك أبو هريرة كبار الصحابة، وروى عنهم كثيراً من الأحاديث فتكامل علمه بها واتسع أفقه فيها.

стр. 811

خامساً: امتداد عمره ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، حيث عاش بعده نحو سبعة وأربعين عاماً، واحتياج الناس إليه فكان يحدثهم ويبث بينهم ما يحفظه من أحاديث، وأعانه على ذلك: ابتعاده عن الفتن وغيرها من المشاغل ووجوده فى المدينة، والناس يفدون إليها، وكانت له حلقة فى مسجد الرسول يحدث الناس فيها بالأحاديث النبوية، فساعد ذلك على انتشار مروياته وتداولها، وكثرة أتباعه وتلامذته، حتى بلغوا نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين كلهم يجلونه ويثقون به ويثنون عليه على ما سيأتى بعد قليل. ... قال الإمام البخارى ﵀: "روى عنه نحواً من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيره" (١) . ومن أشهر من روى عنه من الصحابة: زيد ابن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وأبو أيوب الأنصارى. ومن أشهر من روى عنه من التابعين: مروان بن الحكم، والحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، وعروة ابن الزبير، وهمام بن منبه - وقد كتب عنه الصحيفة المشهورة (٢) . وغيرهم كثير.

стр. 812

شهادة الرسول والصحابة ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه وإتقانه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث ١- روى عنه ﵁ أنه قال ذات يوم: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه (١) . ٢- وعن ابن عمر-رضى الله عنهما- أنه مر بأبى هريرة ﵁، وهو يحدث عن النبى ﷺ : من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أحد. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ ، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة -رضى الله عنها- فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله ﷺ عرس ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. ... فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه (٢) . وكان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله ﷺ (٣) . ...

стр. 813

وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون فى شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا" (١) ومعنى "اجترأ" هنا أى على سؤال النبى ﷺ والتعلم منه، فى حين كانوا يهابون سؤال النبى ﷺ . يدل على ذلك ما رواه الحاكم عن أبى بن كعب ﵁ قال: كان أبو هريرة جريئاً على النبى ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها (٢) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل. فيسأله ونحن نسمع ... الحديث" (٣) .

стр. 814

٣- وعن مالك بن أبى عامر قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندرى هذا اليمانى أعلم برسول الله ﷺ أم أنتم، تقول على رسول ﷺ ما لم يقل - يعنى أبا هريرة - فقال طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون كنا نأتى نبى الله ﷺ طرفى النهارى ثم نرجع، وكان أبو هريرة ﵁ مسكيناً لا مال له، ولا أهل ولا ولد وإنما كانت يده مع يد النبى ﷺ وكان يدور معه حيثما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل" (١) . وهذا الخبر ذكره ابن حجر فى الإصابة وزاد فى قوله طلحة: "قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا" (٢) . ٤- وقال ابن خزيمة: وقد روى عن أبى هريرة أبو أيوب الأنصارى مع جلالة قدره، ونزول رسول الله ﷺ عنده، ولما يقبل له: تحدث عن أبى هريرة وأنت صاحب منزلة عند رسول الله ﷺ ؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإنى إن أحدث عنه أحب إلىَّ من أن أحدث عن رسول الله ﷺ يعنى ما لم أسمعه منه (٣) .

стр. 815

٥- وعن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى (١) أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبى ﷺ بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه. حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ (٢) . ٦- ولم يكن أبو هريرة ﵁ من أهل الحفظ فقط وإنما كان من أهل الفقه وشهد له بذلك الصحابى الجليل ابن عباس ﵁. يقول الحافظ السخاوى:"ولا عبرة برد بعض الحنفية روايات سيدنا أبى هريرة ﵁، وتعليلهم بأنه ليس فقيهاً، فقد عملوا برأيه فى الغسل ثلاثاً من ولوغ الكلب وغيره، وولاه عمر ﵁ الولايات الجسيمة. وقال ابن عباس له كما فى مسند الشافعى (٣) ، وقد سئل عن مسألة "افته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فأفتى، ووافقه على فتياه" (٤) .

стр. 816

٧- وعن أبى صالح السمان (١) قال: "كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يكن بأفضلهم" (٢) . وفى هذا رد على من يحاول الربط بين المنزلة فى الدين وكثرة الرواية، فالربط بينهما ليس من التحقيق العلمى فى شئ (٣) . ... وقال الإمام الشافعى: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره" (٤) . وقال الإمام الذهبى: "أبو هريرة إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ ، وأدائه بحروفه" (٥) . وقال أيضاً: "وكان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع (٦) ١٠- وقال شمس الأئمة السرخسى: "إن أبا هريرة ممن لا يشك أحد فى عدالته، وطول صحبته مع رسول الله ﷺ . إن كل هذه النقول وغيرها كثير تبين لنا مدى افتراء الرافضة، والمستشرقين، وضعفاء الإيمان الذين اتهموا أبا هريرة بالكذب، والخيانة، فى رواية الحديث، بسبب كثرة أحاديثه مع قلة صحبته. وأعتقد أنه ليس هناك ما يدعوا إلى اتهام أبى هريرة بتلك الافتراءات، وقد تهيأت له الأسباب السابقة التى أعانته على هذا التفوق فى الرواية، وشهد له بذلك رسول الله ﷺ وكبار الصحابة، ومن بعدهم من أئمة المسلمين السابق ذكرهم (٧) .

стр. 817

.. وأى غرابة فى حفظ أبى هريرة أحاديث لم تبلغ خمسة آلاف وخمسمائة ومعلوم أن العرب قد اشتهروا وامتازوا بقوة حفظهم، ووجد فى الصحابة والتابعين من كان آية عجباً فى قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ؛ فالإمام أحمد بن حنبل، والبخارى، وأبو زرعة، وأشباههم، كان كل واحد منهم يحفظ عشرات الألوف من الأحاديث بأسانيدها" (١) . ... يقول الدكتور السباعى دفاعاً عن أبى هريرة: "إن صحابياً يظل يحدث الناس سبعاً وأربعين سنة بعد وفاة الرسول ﷺ على مسمع من كبار الصحابة، وأقرب الناس إليه من زوجته وأصحابه، ثم لا يلقى إلا تجلة وإعظاماً، يرجع إليه فى معرفة الأحاديث، ويهرع إليه التابعون من كل جانب ... ويبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم ... وكلهم يجمعون على جلالته والثقة به ... وتمر هذه القرون وكلها شهادات صدق فى أحاديثه وأخباره ... ويأتى اليوم من يزعم أن المسلمين جميعاً ... لم يعرفوه على حقيقته، وأنه فى الواقع كان يكذب ويفترى، إن موقفاً كهذا يقفه بعض الناس من مثل هذا الصحابى العظيم، لجدير بأن يجلب لأهله والقائلين به الاستخفاف، والازدراء بعلومهم، وعقولهم جميعاً (٢) . ... إن حب هذا الصحابى الجليل لعلامة على الإيمان وبغضه لعلامة على النفاق وهذا تصديقاً لدعوة النبى ﷺ لما سأله أبو هريرة بأن يدعو الله له بأن يحببه هو وأمه إلى عباده المؤمنين. ويحببهم إليهما، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب عبيدك هذا -يعنى أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" يقول أبو هريرة فما خلق الله مؤمناً يسمع بى ولا يرانى إلا أحبنى (٣) .

стр. 818

.. يقول الحافظ ابن كثير:"وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس فى الجوامع المتعددة فى سائر الأقاليم فى الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له ﵁ (١) أ. هـ. ... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور على أحمد السالوس: [هذا أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله ﷺ ، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟! (٢) . هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول: "وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، فى عصرنا، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته. وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا -زعموا- إلى تشكيك الناس فى الإسلام، تبعاً لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث فى رأيهم، وما صح من الحديث فى رأيهم إلا ما وافق أهواءهم، وما يتبعون من شعائر أوروبا وشرائعها. ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون!! ... وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً. والإسلام يسير فى طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً.

стр. 819

ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين أكثرهم ممن أضله الله على علم!! أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنوها، يقلدون فى الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!! " (١) . وبعد فإن صحابة رسول الله ﷺ وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة هم خير جيل عرفته البشرية، وهم أبرز وجوه حضارتنا، وأكثرها إشراقاً، وأخلدها ذكراً، وأنبلها أخلاقاً، وهم بشر، ولكنهم فى القمة ديناً وخلقاً رغم أنف الحاقدين. رضى الله عن صحابة رسول الله، وعلى الحافظ علينا شرائع الدين أبى هريرة ﵁ وجعلنا الله من محبيه، وجمعنا معه فى واسع جنته (٢) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 820

المبحث الثانى طعنهم فى عدالة أهل السنة وفيه تمهيد وأربعة مطالب: التمهيد ويتضمن: موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين، وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة. المطلب الأول: بيان المراد بأهل السنة. المطلب الثانى: سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وبيان تحقيق النجاة لهم. المطلب الثالث: شرف أصحاب الحديث. المطلب الرابع: الجواب عن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن. التمهيد ويتضمن موقف أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً من أهل السنة، وأئمة المسلمين وأساليبهم فى الطعن فى أهل السنة. ... ليس فى الدنيا مبتدع، ولا من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع، إلا وهو يطعن فى أهل السنة من المحدثين، والفقهاء، والمفسرين...إلخ وينظر إليهم بعين الحقارة ويسمونهم بأسماء هم أولى بها منهم، فالجهمية يسمونهم مشبهة ونابته، والقدرية يسمونهم مجبرة، والزنادقة يسمونهم الحشوية، والمعتزلة يسمونهم زوامل أسفار، والرافضة يسمونهم نواصب ... إلخ. وكل ذلك عصبية، وغياظ لأهل السنة، ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو "أصحاب السنة". ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبى ﷺ تسمية كفار مكة ساحراً، وشاعراً، ومجنوناً، ولم يكن اسمه عند الله، وعند ملائكته، وعند انسه، وجنه، وسائر خلقه، إلا رسولاً نبياً برياً من العاهات كلها قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (١) . فالوقيعة فى أهل السنة من علامات أهل البدع والزيغ قديماً وحديثاً.

стр. 821

فالشيعة الرافضة، والخوارج كفرو أهل السنة لأنهم ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة" (١) . فمن وثق الصحابة الذين كفروهم وأخذ بسنتهم فهو مثلهم فى الكفر. ... والمعتزلة ردوا فتاوى أهل السنة وقبحوها فى أسماع العامة، لينفروا الأمة من اتباع السنة وأهلها (٢) . ويروى فى ذلك ابن قتيبة عن عمرو بن النضر. قال: مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه، فذكر شيئاً، فقلت: ما هكذا يقول أصحابنا. قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟ ... قلت: أيوب، وابن عون، ويونس، والتيمى. فقال: أولئك أرجاس أنجاس أموات غير أحياء (٣) . يقول ابن قتيبة معلقاً على ما قاله عمرو بن عبيد: "وهؤلاء الأربعة الذين طعنهم، غرة أهل زمانهم فى العلم، والفقه، والاجتهاد فى العبادة، وطيب المطعم، وقد درجوا على ما كان عليه مَنْ قبلهم من الصحابة والتابعين. وهذا يدل على أن أولئك أيضاً عنده أرجاس أنجاس (٤) . وذكر الشاطبى عن عمرو بن عبيد أنه قال: "ما كلام الحسن البصرى، وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة" (٥) .

стр. 822

وحكى الذهبى وابن كثير عن عمرو بن عبيد أنه روى له حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "إن أحدكم يُجمع خلقُهُ فى بطنِ أُمه أربعين يوماً. ثم يكون فى ذلك علقةً مثلَ ذلكَ ثم يكون فى ذلك مُضغةً مثلَ ذلك. ثم يُرسلُ المَلَكُ فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربعِ كلماتٍ: بكتب رزقِهِ، وأجلِهِ، وعملِهِ، وشقىٌّ أو سعيدٌ ... الحديث" (١) . فقال: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا" (٢) .

стр. 823

ويروى الحاكم عن الإمام أحمد بن حنبل –﵀ أن أحمد بن الحسن (١) قال له يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبى فتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه، فقال: زنديق! زنديق! زنديق! ودخل البيت (٢) . وقال أحمد بن سنان القطان (٣) : "ليس فى الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه" (٤) . ... يقول أبو عبد الله الحاكم: "وعلى هذا عهدنا فى أسفارنا، وأوطاننا، كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع، لا ينظر إلى الطائفة المنصورة، إلا بعين الحقارة، ويسميها الحشوية" (٥) قلت: وما قاله الإمام الحاكم وغيره، هو ما عهدناه فى زماننا ممن ينتسب إلى نوع من الإلحاد والبدع.صاروا علىدرب أسلافهم يبغضون أهل الحديث، وينظرون إليهم بعين الحقارة، ويسمونهم كما سماهم أهل الزيغ قديماً، حشوية، وزوامل أسفار...إلخ، ويطعنون فى عدالتهم.

стр. 824

فما قاله قديماً ابن أبى فتيلة فى أصحاب الحديث بأنهم قوم سوء، قاله فى زماننا نيازى عز الدين فى كتابيه "دين السلطان" (١) ، و"إنذار من السماء" إذ يقول: "فإما أن نختار طريق آبائنا، وأجدادنا، ومشايخنا السالف، الذى قد عرفنا قبل قليل بالبرهان القاطع أننا ضللنا به، حين تركنا منهج القرآن، وتركناه حتى نسج عليه العنكبوت خيوطه" (٢) . ... ويقول: "أهل الحديث ورواته، كانت مهنتهم رواية الأحاديث وكتابتها، فهم يرتزقون مما يرددون ويكتبون. وقالوا: إن ما كتبوه بأيديهم (وحى آخر) من عند الله مثل القرآن، وقالوا: إن كتاب الله هو القرآن، وما معهم من الروايات والأقاويل كتاب الحكمة، ظناً وظلماً، فهم قالوا عن أكاذبيهم إنها من عند الله، تماماً كما فعل أهل الكتاب من قبلهم فى تحريفاتهم. وهم أيضاً يظنون أن الله لا يقصدهم فى هذه الآية ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣) بينما هى تنطبق عليهم الانطباق التام (٤) . ... ويقول أيضاً طاعناً فى عدالة وجهاد من أيد الله به الدين يوم المحنة، قال: "لذلك نجد الإمام أحمد بن حنبل الذى كان صديقاً حميماً لرؤساء المحفل السرى الخفى، لم يرض أن يقول بخلق القرآن فجلده المأمون، لأنه وجد جلده أرحم من قتله على يد أصدقائه إن قال بعكس تعليماتهم كلها" (٥) .

стр. 825

ونفس هذا الهراء نسبه إلى أبى حنيفة النعمان قائلاً: "أبو حنيفة النعمان كان صديقاً لأحبار اليهود الذين ادعوا أنهم أحبار الإسلام بإعلانهم إسلامهم، أمثال: يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضى، الذى كان من أكبر أصحاب أبى حنيفة" (١) . ... وانظر إلى ما يقوله إسماعيل منصور متفوقاً على سلفه ابن أبى فتيلة فى طعنه فى رموز الإسلام القائلين بحجية السنة. يقول: "ونحن نشفق على قائليه وهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وكذلك البخارى ومسلم ﵏ جميعاً - لأنهم "عفا الله عنهم" يستحقون الشفقة والدعاء لهم بالعفو، فإن الله تعالى لو أخذهم بما قالوا (يعنى حجية السنة) لكان أخذه تعالى لهم أليماً شديد لمخالفتهم لكلامه تعالى (مخالفة صريحة) ... فإنهم قد استدرجوا إلى مكيدة إبليس اللعين (بحسن نية منهم) فأخذوا بمنهج التبديل ذى الروايات والحكايات، وتركوا كتاب الله تعالى وهم لا يشعرون، حتى أصلوا ظاهرة التحول عن كلام الله، إلى كلام غيره من البشر، وعلموا الناس أن يتركوا ظاهر القرآن الكريم، إلى قول زيد، وعبيد، من الرواة، وهى خطة إبليس اللعين "عليه اللعنة إلى يوم الدين" وهذا واضح تمام الوضوح (٢) .

стр. 826

.. ويقول أيضاً واصفاً أهل السنة بالخرافة و ... و ...، وأن فى اتباعهم خسران الدنيا والآخرة قال: "يا أفراد عش الوطاويط (الخفافيش) أخرجوا إلى النور (نور القرآن الكريم) ولا تظلوا حبيسى الظلام "ظلام الأقوال البشرية، والروايات القصصية" ... يا أتباع مملكة الوهم، وضحايا التأليف فى الدين، وصرعى الروايات والقصص والظنون والأوهام، أفيقوا من سباتكم الغطيط وانهضوا من رقادكم الطويل، وطهروا أنفسكم وعقيدتكم بألا تساووا كلام البشر بكلام الله رب العالمين (١) . ماذا تقولون لنا يا أهل الخرافة من الروايات والحكايات والقصص والخزعبلات؟؟ ماذا تقولون؟؟ إن من يتبعكم سيخسر الدنيا والآخرة لا محالة؟؟ سيخسر الدنيا؛ لأنه يعيش فى غير نصرة الله تعالى: "كما يعيش أكثر المسلمين الآن"، ويخسر الآخرة لأنه سيموت على هذا الضلال المبين "يعنى الإيمان بحجية السنة" فلا يكون له فى الآخرة من خلاق (٢) أ. هـ. ... إن هذا الهراء ما كنت لاستحل حكايته إلا لبيان أن من أساليب الطعن فى حجية السنة من الزنادقة قديماً وحديثاً بغض أهل السنة، والطعن فى عدالتهم، وفى علومهم، لتنفير الأمة من إتباع السنة وأهلها. ولنتأمل كيف فاق زنادقة يومنا، زنادقة الأمس بالطعن فى أهل السنة. إن طعون الحاقدين من المستشرقين، وأهل الزيغ فى أهل السنة كثيرة، وقد سبق ذكر بعضها والجواب عنها كزعمهم أن المحدثين، والفقهاء، كانوا وضاعين ذهبوا إلى تأييد كل ذرأى يرونه صالحاً ومرغوباً فيه بحديث يرفعونه إلى النبى ﷺ (٣) .

стр. 827

.. وكزعمهم أن المحدثين والفقهاء فى العصر الأموى، والعباسى، كانوا فقهاء سلطة (١) ونكتفى هنا بالرد على دعواهم تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن، وذلك بعد بيان عدالة أهل السنة، وأنهم الجماعة، والجمهور، والسواد الأعظم، لهذه الأمة الإسلامية لسيرهم على طريقة النبى ﷺ وأصحابه الأخيار -رضوان الله عليهم أجمعين- ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الزيغ والهوى قديماً وحديثاً. لخروجهم على طريقة النبى ﷺ وتكفيرهم أصحابه، والطعن فى عدالة من قال بعدالتهم (٢) وبيان ذلك فى الأربعة مطالب الآتية: المطلب الأول: بيان المراد بأهل السنة ... عندما نتحدث عن عدالة أهل السنة فإننا لا نعنى بهم أهل الحديث فقط، وإنما مرادنا بهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الإمام عبد القادر البغدادى فى كتابه الفرق بين الفرق من: (١) علماء التوحيد (٢) علماء الفقه (٣) علماء الحديث (٤) علماء النحو ... (٥) علماء القراءات والتفسير (٦) الزهاد الصوفية. ... الذين لم يخلط كل صنف منهم علمه بشئ من بدع أهل الأهواء الضالة، ومن مال منهم إلى شئ من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان لقوله حجية فى عمله. ٧- والصنف السابع: المجاهدون فى سبيل الله، يحمون حمى المسلمين، ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون فى ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة.

стр. 828

٨- والصنف الثامن منهم: عامة البلدان الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة، ورجعوا إليهم فى معالم دينهم، وقلدوهم فى فروع الحلال والحرام، ولم يعتقدوا شيئاً من بدع أهل الأهواء الضالة. ... قال الإمام عبد القادر البغدادى: فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة، ومجموعهم أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم" (١) أ. هـ. ... ويقول الدكتور ناصر الشيخ معرفاً بهم فى نص جامع قال: أهل السنة هم المتمسكون بما جاء فى الكتاب والسنة، والتزموا بما فيهما قولاً وعملاً، وكان معتقدهم موافقاً لما جاء فيهما، وموافقاً لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام ﵃، والتابعين لهم بإحسان، وأتباعهم من أئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة، وعرف عظم شأنهم فى الدين، وتلقى الناس كلامهم خلف عن سلف. ... دون من رمى ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضى، كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء (٢) أ. هـ. المطلب الثانى: سلامة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وبيان تحقيق النجاة لهم ... عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة".

стр. 829

هذا الحديث أخرجه جماعة من الأئمة منهم أبو داود (١) ، والترمذى وصححه (٢) ، وابن ماجة (٣) ، والحاكم وصححه (٤) ، وله شواهد عن جماعة من الصحابة كأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبى بن كعب، وأبى الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبى سفيان وغيرهم (٥) . ... وجاء فى هذه الشواهد تفسير للفرقة الناجية بأسانيد تقام بها الحجة فى تصحيح هذا الحديث (٦) . كما قال الحاكم فى المستدرك ووافقه الذهبى (٧) .

стр. 830

من هذه الشواهد حديث معاوية وأنس - رضى الله عنهما - مرفوعاً: "إن أهل الكتاب تفرقوا فى دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها فى النار إلا واحدة، وهى الجماعة (١) . ... وفى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إنى بنى إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتى على ثلاث وسبعين كلهم فى النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هى يا رسول الله قال: "ما أنا عليه وأصحابى" (٢) . ... يقول الإمام الشاطبى: "إن الجماعة - فى الحديث الشريف - هى الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، ... ولفظ الجماعة وتفسيره هنا مطابق للرواية الأخرى فى قوله ﷺ : "ما أنا عليه وأصحابى" (٣) .

стр. 831

.. يقول الإمام عبد القادر البغدادى مبيناً صحة طريقة أهل السنة فى فهم الشريعة الإسلامية وتحقيق النجاة لهم بنص الحديث السابق. قال: "إن النبى ﷺ لما ذكر افتراق أمته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة، وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، سئل عن الفرقة الناجية، وعن صفتها، فأشار إلى الذين هم، على ما عليه هو وأصحابه. ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة ﵃ غير أهل السنة والجماعة، من مجتهدى الأمة وعلمائها أهل الشريعة العاملين بها، دون الرافضة، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، وجميع أهل البدع والأهواء، فهم غير داخلين فى لفظ الجماعة قطعاً، لخروجهم على طريقة النبى ﷺ وطريقة أصحابه ﵃. ... ثم كيف يكون الرافضة، والخوارج، والقدرية، وسائر أهل البدع موافقين للصحابة؟ وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئاً مما روى عن الصحابة فى أحكام الشريعة، لامتناعهم من قبول روايات الحديث، والسير، والمغازى، من أجل تكفيرهم للصحابة، ولأصحاب الحديث الذين هم نقلة الأخبار والآثار، ورواة التواريخ والسير، ومن أجل تكفيرهم فقهاء الأمة الذين ضبطوا آثار الصحابة، وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة. ولم يكن بحمد الله ومَنِّهِ فى الخوارج، ولا فى الروافض، ولا فى القدرية، ولا فى سائر أهل الأهواء الضالة إمام فى الفقه، ولا إمام فى رواية الحديث، ولا إمام فى اللغة والنحو، ولا موثوق به فى نقل المغازى والسير والتواريخ، ولا إمام فى الوعظ والتذكير، ولا إمام فى التأويل والتفسير، وإنما كان أئمة هذه العلوم، على الخصوص والعموم، من أهل السنة والجماعة (١) .

стр. 832

وأهل الأهواء الضالة إذا ردوا الروايات الواردة عن الصحابة فى أحكامهم وسيرهم لم يصح اقتداؤهم بهم. وبان من هذا أن المقتدين بالصحابة من يعمل بما قد صح بالرواية الصحيحة فى أحكامهم وسيرهم، وذلك سنة أهل السنة دون ذوى البدعة، وصحح بصحة ما ذكرناه، صحة وسلامة طريقتهم فى فهم الشريعة الإسلامية، وتحقيق نجاتهم لحكم النبى ﷺ بنجاة المقتدين بأصحابه (١) . والحمد لله على ذلك (٢) أ. هـ. ... يقول الإمام الشاطبى – ﵀: "فعلى هذا القول فمن خرج عن جماعة أهل السنة، فهم الذين شذوا، وهم نهبة الشيطان، ويدخل فى هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لما عليه النبى ﷺ وأصحابه. فمن خرج عن جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل السنة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على العالمين، وهم المعنيون بقوله ﷺ : "إن الله لن يجمع أمتى على ضلالة" (٣) . فهم جماعة أهل الإسلام والسواد الأعظم، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم. ومن شذ شذ إلى النار" (٤) فإن قيل: "فإن أهل المقالات المختلفة، يرى كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده، وأن مخالفه على ضلال وهوى، وكذلك أصحاب الحديث، فيما انتحلوا، فمن أين علموا علماً يقيناً، أنهم على حق؟

стр. 833

.. قيل لهم: إن أهل المقالات، وإن اختلفوا، ورأى كل صنف منهم أن الحق فيما دعا إليه، فإنهم مجمعون لا يختلفون.على أن من اعتصم بكتاب الله ، وتمسك بسنة رسول الله ﷺ ، فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد، وطلب الحق من مظانه. وليس يدفع أهل السنة عن ذلك إلا ظالم لأنهم لا يردون شيئاً من أمر الدين، إلى استحسان، ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين (١) أ. هـ. ... فإن قالوا: فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار الشرعية التى قالها رسول الله ﷺ معصومون فى نقلها، وأن كل واحد منهم معصوم فى نقله من تعمد الكذب. قلنا لهم نعم. هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت. وكل عدل روى خبراً أن رسول الله ﷺ قاله فى الدين أو فعله ﷺ ، فذلك الراوى العدل معصوم من تعمد الكذب - مقطوع بذلك عند الله تعالى - لما تقدم من تعهد رب العزة بحفظ جميع الشريعة من كتاب وسنة" (٢) . وفى هذا رد على الدجالين الزاعمين، بأنهم فى ردهم للسنة المطهرة، والأحاديث الصحيحة لا يردون قول النبى ﷺ وإنما يردون قول رواة السنة من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم إلى أصحاب المصنفات الحديثية!!! المطلب الثالث شرف أصحاب الحديث إذا كان الحديث بعد القرآن هو عمدة كل صنف من الأصناف السابقة من أهل السنة، وإذا كانت دواوين أصحاب الحديث، بعد القرآن دعائم الإسلام التى قامت عليها صروحه.

стр. 834

فإن ذلك يدلنا على عظم مكانة المحدثين بين علماء أهل السنة جميعاً فهم بحق يصدق فيهم قول سفيان الثورى- ﵀: "الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض" (١) . ويقول يزيد بن زُريع (٢) : "لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد" (٣) . ويقول أبو حاتم الرازى ﵀: "لم يكن فى أمة من الأمم منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل إلا فى هذه الأمة. فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثاً لا أصل له، ولا يصح؟ فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها" (٤) . ... وإذا تقرر أنه لا قيام للإسلام بدون سنة صدق فيهم ما قاله الإمام أبو داود الطيالسى (٥) : "لولا هذه العصابة لا ندرس الإسلام"يعنى أصحاب الحديث الذين يكتبون الآثار" (٦) .

стр. 835

ويقول الإمام الخطيب البغدادى: "وقد جعل الله تعالى أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبى ﷺ وأمته، والمجتهدون فى حفظ ملته، ... قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكم ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها. وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول ﷺ فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، إذا اختلف فى حديث، كان إليهم الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد فى قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذلهم الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير" (١) . ورحم الله هارون الرشيد القائل: "طلبت أربعة فوجدتها فى أربعة: طلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث وطلبت الكفر فوجدته فى الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته مع المعتزلة" (٢) أ. هـ. ... رضى الله عن تلك الأنفس التى نهضت لحفظ الدين، ورضى الله عمن أحيا آثارهم من اللاحقين "آمين".

стр. 836

المطلب الرابع: الجواب عن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن ... إن دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن واعتمادهم على السند، أطلقها بعض المستشرقين (١) الحاقدين للنيل من ديننا، ومن هذا العلم الشريف الذى خص الله به هذه الأمة على سائر الأمم، وهى دعوى باطلة تبناها من سار على هديهم من دعاة اللادينية (٢) ، وتأثر بها بعض المسلمين (٣) .

стр. 837

.. يقول الأستاذ الصديق بشير: "وسبب فساد هذا الزعم لو أحسنا الظن بقائليه من المستشرقين؛ أن المنهج النقدى للأخبار عند الغربيين منصب على المتن وحده، ولم ينل السند عندهم كبير نصيب لأنهم لا يعولون عليه، وإن تكلموا عن السند فلا يتعدى بعض المفاهيم النظرية التى ليس لها رصيد فى واقعهم النقدى وذلك مخالف للمنهج النقدى عند المسلمين فقد طبق عملياً بشكل واسع ومنقطع النظير، وهى قفزة عريضة لم يصلها الأوربيون حتى اليوم، وأنى لهم ذلك وأخبارهم القديمة منقطعة الأسانيد قد يئسوا أن يصلوها (١) . ورحم الله ابن حزم إذ يقول: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى ﷺ مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال، والطرق المشتملة على كذاب أو مجهول الحال، فكثير فى نقل اليهود والنصارى (٢) ، وغيرهم من أهل الملل الأخرى وأهل البدع والأهواء. ... ويبدو تهافت دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن بما اشترطه أصحاب الحديث لصحة الخبر، وبما وضعوه من علامات يعرف بها وضع الخبر. وكيف يهملون ضبط المتن وما قام علم الحديث دراية إلا لخدمة علم الحديث رواية!! وبتعبير آخر ما كانت علوم الحديث بأسرها إلا لضمان ضبط المتن، والتأكد من صحة نسبته إلى النبى ﷺ . ... ولا نبالغ إذا قلنا أن الشروط الخمسة التى وضعها علماء الحديث لصحة الخبر كلها شروط لضبط المتن، وما يبدو من ظاهر الشروط لضبط السند هو فى حقيقة الأمر يتعلق بالمتن ظاهراً وباطناً. فالشروط الثلاثة الأولى لصحة الخبر وهى اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبط الراوى هى فى الظاهر شروط خاصة بضبط السند. وفى الحقيقة أن فقدان أى شرط منهم يخل بضبط المتن.

стр. 838

لأن عدم اتصال السند ينتج عنه أنواع من الحديث الضعيف: المنقطع، والمعضل، والمعلق، والمدلس، والمرسل، وكلها تخل بصحة المتن. وفقدان عدالة الراوى ينتج عنها من الحديث الضعيف المخل بضبط المتن. الموضوع، والمتروك، والمنكر. وفقدان ضبط الراوى ينتج عنه من أنواع الضعيف المخل بضبط المتن: المدرج، والمقلوب، والمضطرب، والمصحف، والمحرف، وغير ذلك. فماذا بقى من شروط صحة الخبر سوى شرطى عدم الشذوذ، وعدم العلة، وفقدهما ينتج عنهما الحديث الشاذ، والمعلل، وهما يخلان بضبط المتن. فأين من كل هذا ما يفترى كذباً على المحدثين من عدم اهتمامهم بنقد المتن عشر معشار السند؟!! ... إن علماءنا لم يفرقوا هذا التفريق الظاهر بين نقدهم لسند الحديث، ونقدهم للمتن وليس أدل على ذلك ما قرروه من أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن. فصحة السند لا يلزم منها صحة المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً أو موضوعاً معناه باطلاً، كما أنه لا يلزم من ضعف السند، ضعف المتن إذ يجئ بسند آخر صحيح. ومن هنا قيدوا فى حكمهم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف بالإسناد دون متن الحديث فيقولون: إسناد صحيح دون حديث صحيح، وإسناد حسن، أو إسناد ضعيف، دون حديث حسن، أو حديث ضعيف. ... "والحاصل أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن، إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما، ولا يصح المتن لشذوذ أو علة وقد لا يصح السند، ويصح المتن، من طرق أخرى" (١) .

стр. 839

يقول الدكتور صبحى الصالح مؤكداً عدم تفرقة المحدثين بين السند والمتن فى حكمهم على الحديث: "على أننا لن نرتكب الحماقة التى لا يزال المستشرقون، وتلامذتهم المخدوعون بعلمهم "الغزير" يرتكبونها كلما عرضوا للحديث النبوى، إذ يفصلون بين السند والمتن مثلما يفصل بين خصمين لا يلتقيان أو ضرتين لا تجتمعان، فمقاييس المحدثين فى السند لا تفصل عن مقاييسهم فى المتن إلا على سبيل التوضيح والتبويب والتقسيم. وإلا فالغالب على السند الصحيح أن ينتهى بالمتن الصحيح، والغالب على المتن المعقول المنطقى الذى لا يخالف الحس أن يرد عن طريق سند صحيح (١) . ... ولبيان أن المحدثين لم يفرقوا بين السند والمتن التفريق الظاهر فى مباحثهم، وأن كلامهم على السند هو كلام عن المتن ومن أجله، نذكر بعض الأمثلة على ذلك: منها زيادة الثقات فهى كما لا يخفى ترتبط بالمتن لأنها زيادة تطرأ عليه من راوٍ ثقة. قال ابن حجر: "وزيادة راويهما – أى الصحيح والحسن – مقبولة ما لم تقع منافيه لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة، لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها، وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقاً، لأنها فى حكم الحديث المستقل الذى ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره.

стр. 840

.. وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها، رد الرواية الأخرى فهذه التى يقع الترجيح بينها، وبين معارضها، فيقبل الراجح، ويرد المرجوح" (١) . ومثل لذلك بحديث ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أى العمل أفضل؟ قال الصلاة لوقتها" (٢) زاد الحسن ابن مكرم، وبندار بن بشار فى روايتهما: فى أول وقتها، وصححها الحاكم (٣) وغيره. وهى مقبولة فهل الكلام على السند هنا إلا لضبط المتن وأجله.

стр. 841

ومنه "المصحف" وهو الذى وقع فيه تصحيف، ويكون فى الإسناد والمتن. ومن الثانى حديث: "احتجر النبى ﷺ فى المسجد (١) . أى اتخذ حجرة، صحفة بعضهم بقوله: "احتجم" وهذا القسم من تصحيف اللفظ، وقد يكون فى المعنى كمن سمع خطيباً يروى حديث: "لا يدخل الجنة قتات" (٢) ، فبكى وقال: ما الذى أصنع، وليست لى حرفة سوى بيع القت؟ يعنى الذى يعلف الدواب" (٣) . ... يقول الأستاذ الصديق بشير: "ولعل من أوسع المباحث المتعلقة بنقد المتن والتى تفوق فيها علم الحديث، على منهج النقد الغربى للمضمون والمتن مبحث "تحرى النص، والمجئ باللفظ". وهذه كما يقول أسد رستم: "مأثرة أخرى من مآثر علماء الحديث فإنهم قالوا بالأمانة فى نقل الحديث، وفرضوا وجوب تحرى النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلى، ومنهم من أبى أن يقوم اللحن أو أن يصلح الخطأ واكتفى بإبداء رأيه على الهامش (٤) . وأسد رستم يشير بذلك إلى ما اشترطه أرباب هذا الفن فى عدم جواز الرواية بالمعنى "إن لم يكن الراوى عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها.

стр. 842

ففى هذه الحالة يتعين على الراوى الرواية باللفظ الذى سمعه، ولا تجوز له الرواية بالمعنى بلا خلاف" (١) . وهل كل ذلك إلا حفاظاً من المحدثين على سلامة المتن؟ ... وليس أدل على عناية المحدثين بنقد المتون من جعلهم من أمارة الحديث الموضوع، مخالفته للعقل، أو المشاهدة والحس، مع عدم إمكان تأويله تأويلاً قريباً محتملاً، وأنهم كثيراً ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن، أو السنة المشهورة الصحيحة، أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق" (٢) . ... ومن نماذج سبر المحدثين المتن فى نقدهم للحديث خبر وضع الجزية عن يهود خيبر، وهو ما حكاه غير واحد من العلماء؛ كالحافظ السبكى (٣) ، وابن كثير (٤) ، والسخاوى (٥) "أن بعض اليهود أظهروا كتاباً، وادعوا أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة ﵃ وذكروا أن خط على ﵁ عليه. وحمل الكتاب فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى رئيس الرؤساء أبى القاسم على بن الحسن وزير القائم بأمر الله الخليفة العباسى، فعرضه رئيس الرؤساء، على الحافظ الخطيب البغدادى، فتأمله ثم قال: هذا مزور.

стр. 843

.. فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتح خيبر كان فى سنة سبع، ولم يكن معاوية مسلماً فى ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى فى خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات فى سنة خمس، فى يوم بنى قريظة، قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه رئيس الرؤساء، واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما فى الكتاب لظهور تزويره وبطلانه. ... وقد سبق الحافظ الخطيب البغدادى إلى كشف كذب هذا الكتاب وتزويره: الإمام ابن جرير الطبرى، كما حكاه الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية" (١) . وتعرض الحافظ ابن قيم الجوزية لهذا الكتاب المزور بأيدى اليهود فى كتابيه "أحكام أهل الذمة" (٢) ، و"المنار المنيف فى الصحيح والضعيف" (٣) ، وبين كذبه وتزويره من عشرة وجوه، ثم قال وأحضر هذا الكتاب بين يدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وحوله اليهود يزفونه ويجلُّونه، وقد غشى بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: هذا كذب من عدة أوجه. وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار" (٤) . بكل ما سبق تسقط دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 844

الفصل الرابع: وسيلتهم فى الطعن فى الإسناد وعلوم الحديث ... وتحته تمهيد ومبحثان: التمهيد ويتضمن: بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة. وهدف أعداء الإسلام من الطعن فى الإسناد. المبحث الأول: شبه الطاعنين فى الإسناد والرد عليها. المبحث الثانى: أهمية الإسناد فى الدين، واختصاص الأمة الإسلامية به عن سائر الأمم التمهيد ويتضمن بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة، وهدف أعداء الإسلام من الطعن فى الإسناد. ... الطعن والتشكيك فى الإسناد كان ولا يزال، هدفاً من أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، للتشكيك فى الوحى الإلهى -قرآناً وسنة-. فالإسناد دليلنا على صحة كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، فمن المعلوم أن لصحة أى قراءة من القرآن وقبولها؛ لابد أن يتوافر فيها ثلاثة شروط: صحة إسنادها. موافقتها للغة العربية ولو بوجه. موافقتها للرسم العثمانى ولو احتمالاً. ... وإذا اختل أى ركن من هذه الأركان كانت القراءة شاذة، ولا تعد قرآناً حتى ولو كانت من القراءات السبع وفى ذلك أنشد صاحب الطيبة فقال: وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالاً يحوى وصح إسناداً، هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه فى السبعة (١) أليس فى هذا دليل على أن القرآن الكريم منقول بالإسناد أيضاً؛ كالحديث؟ نعم هناك فرق بين القرآن وبين الحديث فى عدد الرواة النقلة؛ فالقرآن منقول بالتواتر، والحديث منقول برواية رجال معدودين، ولكنهم ليسوا مجاهيل بل هم رجال مشهورون، أحوالهم معلومة، وأسانيدهم محفوظة. وهذا الفرق يقتضى التفاوت فى درجات اليقين والوثوق، لا فى نفس القبول والاعتبار (٢) ".

стр. 845

.. وإذا كان القرآن منقولاً بالرواية، فالطعن فى الإسناد طعن فى الدين، وإبطال للكتاب والسنة وهو ما صرح به (شاكر) -رأس الزنادقة فى عصره- عندما سئل عن سر تعليمهم المتعلم فيهم أول ما يعلمونه الطعن فى الصحابة، وهم أول رجال السند قال: "إنا نريد الطعن على الناقلة فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول". وصدق الإمام أبو زرعة الرازى ﵀: " ... هؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (١) ". ... ومن هنا كان أهل الإلحاد قديماً وحديثاً يحرصون على الطعن والتشكيك فى الإسناد الذى هو خصيصة فاضلة لهذه الأمة ولم يكن هناك شئ أثقل عليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد. يدل على ما سبق ما رواه الحاكم فى معرفة علوم الحديث قال: "سمعت الشيخ أبا بكر أحمد ابن إسحاق الفقيه (٢) وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ: حدثنا فلان. فقال له الرجل: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا. فقال له الشيخ: قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل دارى بعد هذا، ثم التفت إلينا فقال: ما قلت قط لأحد لا تدخل دارى إلا لهذا" (٣) . وروى الحاكم أيضاً عن أحمد بن سلام الفقيه قال: "ليس شئ أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد (٤) ".
следующие страницы →