← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ومنه "المصحف" وهو الذى وقع فيه تصحيف، ويكون فى الإسناد والمتن. ومن الثانى حديث: "احتجر النبى ﷺ فى المسجد (١) . أى اتخذ حجرة، صحفة بعضهم بقوله: "احتجم" وهذا القسم من تصحيف اللفظ، وقد يكون فى المعنى كمن سمع خطيباً يروى حديث: "لا يدخل الجنة قتات" (٢) ، فبكى وقال: ما الذى أصنع، وليست لى حرفة سوى بيع القت؟ يعنى الذى يعلف الدواب" (٣) . ... يقول الأستاذ الصديق بشير: "ولعل من أوسع المباحث المتعلقة بنقد المتن والتى تفوق فيها علم الحديث، على منهج النقد الغربى للمضمون والمتن مبحث "تحرى النص، والمجئ باللفظ". وهذه كما يقول أسد رستم: "مأثرة أخرى من مآثر علماء الحديث فإنهم قالوا بالأمانة فى نقل الحديث، وفرضوا وجوب تحرى النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلى، ومنهم من أبى أن يقوم اللحن أو أن يصلح الخطأ واكتفى بإبداء رأيه على الهامش (٤) . وأسد رستم يشير بذلك إلى ما اشترطه أرباب هذا الفن فى عدم جواز الرواية بالمعنى "إن لم يكن الراوى عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها.

стр. 842

ففى هذه الحالة يتعين على الراوى الرواية باللفظ الذى سمعه، ولا تجوز له الرواية بالمعنى بلا خلاف" (١) . وهل كل ذلك إلا حفاظاً من المحدثين على سلامة المتن؟ ... وليس أدل على عناية المحدثين بنقد المتون من جعلهم من أمارة الحديث الموضوع، مخالفته للعقل، أو المشاهدة والحس، مع عدم إمكان تأويله تأويلاً قريباً محتملاً، وأنهم كثيراً ما يردون الحديث لمخالفته للقرآن، أو السنة المشهورة الصحيحة، أو التاريخ المعروف مع تعذر التوفيق" (٢) . ... ومن نماذج سبر المحدثين المتن فى نقدهم للحديث خبر وضع الجزية عن يهود خيبر، وهو ما حكاه غير واحد من العلماء؛ كالحافظ السبكى (٣) ، وابن كثير (٤) ، والسخاوى (٥) "أن بعض اليهود أظهروا كتاباً، وادعوا أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة ﵃ وذكروا أن خط على ﵁ عليه. وحمل الكتاب فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى رئيس الرؤساء أبى القاسم على بن الحسن وزير القائم بأمر الله الخليفة العباسى، فعرضه رئيس الرؤساء، على الحافظ الخطيب البغدادى، فتأمله ثم قال: هذا مزور.

стр. 843

.. فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتح خيبر كان فى سنة سبع، ولم يكن معاوية مسلماً فى ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى فى خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات فى سنة خمس، فى يوم بنى قريظة، قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه رئيس الرؤساء، واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما فى الكتاب لظهور تزويره وبطلانه. ... وقد سبق الحافظ الخطيب البغدادى إلى كشف كذب هذا الكتاب وتزويره: الإمام ابن جرير الطبرى، كما حكاه الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية" (١) . وتعرض الحافظ ابن قيم الجوزية لهذا الكتاب المزور بأيدى اليهود فى كتابيه "أحكام أهل الذمة" (٢) ، و"المنار المنيف فى الصحيح والضعيف" (٣) ، وبين كذبه وتزويره من عشرة وجوه، ثم قال وأحضر هذا الكتاب بين يدى شيخ الإسلام ابن تيمية، وحوله اليهود يزفونه ويجلُّونه، وقد غشى بالحرير والديباج، فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: هذا كذب من عدة أوجه. وذكرها، فقاموا من عنده بالذل والصغار" (٤) . بكل ما سبق تسقط دعوى تقصير المحدثين فى نقدهم للمتن أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 844

الفصل الرابع: وسيلتهم فى الطعن فى الإسناد وعلوم الحديث ... وتحته تمهيد ومبحثان: التمهيد ويتضمن: بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة. وهدف أعداء الإسلام من الطعن فى الإسناد. المبحث الأول: شبه الطاعنين فى الإسناد والرد عليها. المبحث الثانى: أهمية الإسناد فى الدين، واختصاص الأمة الإسلامية به عن سائر الأمم التمهيد ويتضمن بيان أن الإسناد دليلنا على صحة الكتاب والسنة، وهدف أعداء الإسلام من الطعن فى الإسناد. ... الطعن والتشكيك فى الإسناد كان ولا يزال، هدفاً من أهداف أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، للتشكيك فى الوحى الإلهى -قرآناً وسنة-. فالإسناد دليلنا على صحة كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، فمن المعلوم أن لصحة أى قراءة من القرآن وقبولها؛ لابد أن يتوافر فيها ثلاثة شروط: صحة إسنادها. موافقتها للغة العربية ولو بوجه. موافقتها للرسم العثمانى ولو احتمالاً. ... وإذا اختل أى ركن من هذه الأركان كانت القراءة شاذة، ولا تعد قرآناً حتى ولو كانت من القراءات السبع وفى ذلك أنشد صاحب الطيبة فقال: وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالاً يحوى وصح إسناداً، هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه فى السبعة (١) أليس فى هذا دليل على أن القرآن الكريم منقول بالإسناد أيضاً؛ كالحديث؟ نعم هناك فرق بين القرآن وبين الحديث فى عدد الرواة النقلة؛ فالقرآن منقول بالتواتر، والحديث منقول برواية رجال معدودين، ولكنهم ليسوا مجاهيل بل هم رجال مشهورون، أحوالهم معلومة، وأسانيدهم محفوظة. وهذا الفرق يقتضى التفاوت فى درجات اليقين والوثوق، لا فى نفس القبول والاعتبار (٢) ".

стр. 845

.. وإذا كان القرآن منقولاً بالرواية، فالطعن فى الإسناد طعن فى الدين، وإبطال للكتاب والسنة وهو ما صرح به (شاكر) -رأس الزنادقة فى عصره- عندما سئل عن سر تعليمهم المتعلم فيهم أول ما يعلمونه الطعن فى الصحابة، وهم أول رجال السند قال: "إنا نريد الطعن على الناقلة فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول". وصدق الإمام أبو زرعة الرازى ﵀: " ... هؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة (١) ". ... ومن هنا كان أهل الإلحاد قديماً وحديثاً يحرصون على الطعن والتشكيك فى الإسناد الذى هو خصيصة فاضلة لهذه الأمة ولم يكن هناك شئ أثقل عليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد. يدل على ما سبق ما رواه الحاكم فى معرفة علوم الحديث قال: "سمعت الشيخ أبا بكر أحمد ابن إسحاق الفقيه (٢) وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ: حدثنا فلان. فقال له الرجل: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا. فقال له الشيخ: قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل دارى بعد هذا، ثم التفت إلينا فقال: ما قلت قط لأحد لا تدخل دارى إلا لهذا" (٣) . وروى الحاكم أيضاً عن أحمد بن سلام الفقيه قال: "ليس شئ أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد (٤) ".

стр. 846

.. وتابع هؤلاء السلف خلفهم من المستشرقين ودعاة اللادينية، فذموا الإسناد، وذموا المحدثين لاهتمامهم به، وطعنوا فى بداية استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية، وزعموا أن الأسانيد مختلقة من قبل المحدثين، إلى غير ذلك من طعونهم التى نستعرضها ونجيب عليها فى المبحث التالى: المبحث الأول: شبه الطاعنين فى الإسناد والرد عليها ... ذهب بعض أعداء الإسلام من المستشرقين إلى التشكيك فى بداية استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية. فذهب "شاخت" إلى أن الفتنة المذكورة فى قول محمد بن سيرين "لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة ... " (١) هى فتنة الخليفة الأموى الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ. يقول شاخت: "ويروى عن التابعى ابن سيرين أن الناس لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى كانت الفتنة، وسوف نرى فيما بعد أن الفتنة التى اندلعت بمقتل الخليفة الأموى الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ، قبيل نهاية الحكم الأموى تتفق فى الزمن مع نهاية خير القرون التى سادت فى أثنائها السنة النبوية، وحيث أن ابن سيرين توفى سنة (١١٠هـ) فلنا أن نستنتج من ذلك أن هذه العبارة موضوعة عليه. وعلى أية حال ليس هنالك ما يدعوا إلى افتراض أن استعمال الإسناد بشكل منتظم قد حدث قبل بداية القرن الثانى للهجرة (٢) . ... ويذهب مستشرق آخر وهو "روبسون" إلى أن الفتنة المقصودة فى كلام ابن سيرين هى فتنة عبد الله بن الزبير سنة (٧٢هـ) عندما أعلن نفسه خليفة، بحجة أن تاريخ هذه الفتنة يتوافق مع مولد ابن سيرين، ووجود كلمة الفتنة فى موطأ الإمام مالك التى تشير إلى فتنة ابن الزبير" (٣) .

стр. 847

.. وهدفهم من ذلك كما صرح شاخت، التشكيك فى الجزء الأعظم من الأسانيد الموجودة فى كتب السنة المطهرة، وأنه قد اختلقها المحدثون فى القرن الثانى الهجرى، بل وفى القرن الثالث أيضاً. والنتيجة أن متون تلك الأسانيد مختلقة أيضاً، وتلك هى غايتهم من الطعن فى بداية استعمال الأسانيد فى الأحاديث النبوية. ويذهب جولدتسيهر إلى أن أسانيد الأحاديث مخترعة من قبل المحدثين فيقول: "هناك بعض الناس لا يشعرون بأى تردد فى اختراع أسماء جديدة يخدعون بها المستمعين السذج، وفى القرن الذى ألف فيه ابن عدى كتابه "الكامل فى معرفة الرجال" كان هنالك أبو عمرو لاحق بن الحسين، يخترع أسماء يضعها فى أسانيده مثل: طغرال، وطربال، وكركدن، ويعزو إليهم أحاديث (١) . وهذا الذى قاله جولدتسيهر قاله غير واحد من المستشرقين (٢) ودعاة اللادينية. يقول عبد الجواد ياسين: "ولم يكن من العسير على من اختلق "المتن" أن يختلق "الإسناد" فكم من أحاديث مختلقة -باعتراف علماء الحديث- تم تركيبها على أسانيد مقبولة عندما أصبحت الأسانيد المقبولة جواز مرور رسمى للحديث" (٣) . ويقول أحمد حجازى السقا: "فالسلسلة الذهبية للحديث، وهى أعلى سلسلة فى السند قد عمل الضعفاء والمتروكون مثلها، والأسانيد الصحيحة، قد عملوا مثلها" (٤) . وتتابع دعاة اللادينية فى ذم الإسناد، وذم المحدثين لاهتمامهم به.

стр. 848

فوجدنا من يصف أهل الحديث بأنهم "عبيد الأسانيد" (١) و "أسرى الأسانيد" (٢) . ووجدنا من يصف الإسناد بأنه نوع من التزمت (٣) . ... ووجدنا إسماعيل منصور يقول: "إن هذا التعلق غير الطبيعى بالسند، والمبالغة فى الاعتداد به وربط الأحكام الشرعية به -واعتباره بالدرجة الأولى- أساساً لصحة الحديث كل ذلك مجتمعاً قد أثمر افتراقاً كبيراً بين المسلمين، وصيرورتهم فرقاً وشيعاً وأحزاباً يعارض بعضها بعضاً، وقاتل بعضها بعضاً، ويكيد بعضها لبعض على مر السنين (٤) . ... ويقول طاعناً فى علوم الحديث كلها: "ما أقامه البعض من أهل هذا العلم من إنشاء ما يسمى بعلم الحديث، إنما هو بالحياد المطلق، وَهْمٌ لا يثبت، وظن لا يستقيم" (٥) . ويجاب على هذه الشبه بما يلى: ... بادئ ذى بدء نحب أن نقول للطاعنين فى الإسناد، كلمة مهمة قالها العلامة السيد سليمان الندوى، وهو يتحدث عن تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها. قال تحت عنوان: (الرواية أمر ضرورى) : "لا مندوحة لعلم من العلوم، ولا لشأن من شؤون الدنيا عن النقل والرواية؛ لأنه لا يمكن لكل إنسان أن يكون حاضراً فى كل الحوادث، فإذاً لا يتصور علم الوقائع للغائبين عنها إلا بطريق الرواية شفاهاً أو تحريراً، وكذلك المولودون بعد تلك الحوادث لا يمكنهم العلم بها إلا بالرواية عمن قبلهم. هذه تواريخ الأمم الغابرة والحاضرة، والمذاهب والأديان، ونظريات الحكماء والفلاسفة، وتجارب العلماء واختراعاتهم، هل وصلت إلينا إلا بطريق النقل والرواية؟

стр. 849

.. فهل كان الدين الإسلامى بدعاً من الحوادث حتى لا تنقل أحكامه وأخباره بهذا الطريق؟ أم كان الواجب اتخاذ طريق آخر لنقل أقوال الرسول ﷺ وأخباره غير الرواية؟! ... لنفرض أن هؤلاء المنكرين علينا رواية الأحاديث -بالأسانيد- أصبحوا زعماء لمن كان على شاكلتهم، فهل هناك طريقة -غير الرواية- لتبليغ استنباطهم، وتحقيقاتهم لأفراد جماعتهم البعيدين عن حلقات دروسهم، أو الذين سيولدون بعدهم (١) ؟!! حرى بالمشككين فى الإسناد وعلوم الحديث الإمساك عن لغوهم. وإلا فأين أسانيدهم المتصلة إلى أممهم البائدة؟ بل أين أخبارهم الصحيحة عن أنبيائهم وعظمائهم؟ بل أين الضوابط التى تثبت صحة أخبارهم فيما سبق؟! ... أما ما زعمه شاخت من حملة الفتنة المذكورة فى كلام محمد بن سيرين على فتنة مقتل الوليد بن يزيد سنة (١٢٦هـ) علماً بأن وفاة ابن سيرين كانت سنة (١١٠هـ) كما ذكر هو أيضاً. فيقول رداً على ذلك الدكتور همام عبد الرحيم: "ولو أنصف شاخت وفكر بنزاهة وموضوعية لما قال إن ابن سيرين يتحدث عن فتنة وقعت بعد وفاته بست عشرة سنة! (٢) . وزعمه بأن ذلك الخبر مكذوب على ابن سيرين فهو ما لا دليل عليه، ويكذبه إخراج الإمام مسلم له فى مقدمة صحيحه (٣) ، والترمذى (٤) ، والدارمى (٥) .

стр. 850

.. أما ما زعمه "روبسون" من حملة الفتنة المذكورة فى كلام ابن سيرين على فتنة ابن الزبير، فهو زعم بعيد؛ لأن عبارة ابن سيرين تقول: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد"، ولم يقل: "كنا لا نسأل عن الإسناد" وهذه العبارة التى استخدمها تفيد؛ أنه يتكلم عن شيوخه من الصحابة ﵃ (١) . ... ويقول الدكتور أكرم ضياء العمرى: "ما استند إليه روبسون غير صحيح فإن تقدير عمر محمد بن سيرين للإفادة منه فى تفسير كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمداً على دراسته لتاريخ الحديث الذى عنى به كثيراً" (٢) . والذى يؤكد هذا الرأى قول عبد الله بن عباس وهو من صغار الصحابة (٣) ، لما جاءه بشير بن كعب العدوى فجعل يحدث ويقول: "قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس مالى لا أراك تسمع لحديثى، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال: رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (٤) . فكأنه ﵁ أراد أن يقول: إنه لما دخل فى هذا الأمر من هم ليسوا من أهله، صار الإعراض عن سماعهم، والنظر فيه أولى، فكان بذلك الإذن فى التحرج من قبول مطلق الأخبار مجردة من أسانيدها" (٥) .

стр. 851

ثم إن الفتنة إذا أطلقت فهى الفتنة الكبرى التى عصفت بالخلافة الراشدة. وإذا قيل: الفتنة بالتعريف (بأل) التى هى للعهد، فهى الفتنة المعهودة التى لا يجهلها أحد (١) أ. هـ. ... والحق –الذى لا مراء فيه- أن اشتراط السند، والبحث عن الإسناد، بدأ مع زمن النبوة المباركة. وفى ذلك يقول الحاكم: "طلب الإسناد العالى سنة صحيحة" ثم ذكر حديث أنس بن مالك فى مجئ الأعرابى (٢) وقوله: "يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا ... الحديث" (٣) . فقد استنبط الحاكم من هذا الحديث أصل طلب الإسناد والعلو فيه؛ لأنه سمع أركان الإسلام من رسول الله ﷺ ، وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ مشافهة (٤) . ولو كان طلب الإسناد والعلو فيه غير مستحب لأنكر عليه المصطفى ﷺ سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (٥) .

стр. 852

واستمر طلب الإسناد والبحث عنه مع زمان الصحابة، ودليل ذلك سؤال عمر ﵁ أبا موسى الأشعرى -وغيره (١) - أن يأتوا بشاهد على صحة ما رووا من الأحاديث. وهذا طلب أشد من عموم السند، إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبى ﷺ ، وكلام ابن سيرين دليل لهذا التقدم فى طلب الإسناد (٢) . وإذا كانت بداية الإسناد متواضعة فى حياة النبى ﷺ ، وفى حياة الصحابة للبعد عن الكذب، إلى زمن الفتنة، فإن هذا العلم اشتد الأخذ به بعد الفتنة، حتى ما قارب القرن الأول نهايته، حتى بلغ علم الإسناد مبلغاً عظيماً (٣) أ. هـ. ... أما ما زعمه بعض دعاة الفتنة، وأدعياء العلم من المستشرقين، ومن قال بقولهم، من أن الأسانيد اخترعت من قبل الضعفاء والكذابين، وركبت على المتون المختلقة، وإيهامهم بأن ذلك التبس على المحدثين. ... فنقول نعم: اخترعت الأسانيد وركبت عليها المتون المختلفة ولكن هذا لم يخفى على جهابذة المحدثين وأئمة الجرح والتعديل-فلقد تنبهوا إلى هذا قبل أن يدعى أدعياء العلم بأكثر من ألف سنة، ولم يخف عليهم ذلك، كما يحاول الإيهام بذلك أهل الزيغ والهوى. ... ولذلك نجد علماء الحديث كما سبق وأن قلنا-يقررون عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن، وينبهون على الكذابين المختلقين للأسانيد. وفى ذلك يقول ابن الجوزى (ت ٥٩٧هـ) وهو يبين أصناف الوضاعين.

стр. 853

القسم الرابع: قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ومن هؤلاء محمد بن سعيد (١) القائل: "لا بأس إذا كان كلاماً حسناً أن نضع له إسناداً" (٢) . ... وفى ذلك أيضاً يقول ابن عراق فى كتابه (٣) (تنزيه الشريعة) وهو يبين أصناف الوضاعين. الصنف السادس: "قوم حملهم الشره ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذى الإسناد الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً، وجعل بعضهم للحديث إسناداً غير إسناده المشهور ليستغرب ويطلب. قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هؤلاء إبراهيم بن اليسع، وهو ابن أبى دحيه كان يحدث عن جعفر الصادق، وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا، على حديث ذاك، لتستغرب تلك الأحاديث بتلك الأسانيد، قال: ومنهم حماد بن عمرو النصيبى، وبهلول بن عبيد، وأصرم بن حوشب. قال الحافظ ابن حجر: وهذا داخل فى قسم المقلوب، ... وقال الأستاذ الإسفرايينى: "إن: من قلب الإسناد ليستغرب حديثه، ويرغب فيه، يصير دجالاً كذاباً تسقط به جميع أحاديثه، وإن رواها على وجهها" (٤) .

стр. 854

وفى حديث:"إن الله يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة، ويتجلى لك خاصة يا أبا بكر" يقول الحافظ الخطيب: "لا أصل له وضعه محمد بن عبد سنداً، ومتناً" (١) . وكذلك تنبه جهابذة المحدثين إلى الأسانيد العائلية وانتقدوها كثيراً، ولم يغفلوا عنها، كما زعم "روبسون" وغيره، بل قبلوا منها ما يستحق القبول، ورفضوا منها ما يستحق الترك والرفض، وكانوا منصفين فى حكمهم، فأعطوا كل ذى حق حقه، وأصَّلوا فى ذلك علماً يعرف بـ "رواية الآباء عن الأبناء وعكسه" (٢) . فمن أمثلة ما قبلوه على الراجح: سند عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وبهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده (٣) . ومن أمثلة ما ردوه: سند كثير بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده (٤) ، وسند موسى بن مطير، عن أبيه (٥) ، وغيرهم كثير ممن امتلئت بهم كتب المجروحين والمتروكين، مما يبين أن علماء الحديث لم يغفلوا عنهم كما يزعم دعاة الفتنة وأدعياء العلم.

стр. 855

المبحث الثانى: أهمية الإسناد فى الدين واختصاص الأمة الإسلامية به عن سائر الأمم ... الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص الأمة الإسلامية، لم يؤتها أحد من الأمم قبلها، وبه حفظ الدين من عبث العابثين، فكان الدعائم التى حفظ بها الدين قرآناً وسنة، ولذلك كان جزءاً من الدين، فهو الطرق التى أوصلت لنا الأخبار والآثار، صحيحة لا تشوبها شائبة. وقد تكاثرت فى بيان شأن الإسناد، وأهميته، وفضله، كلمات العلماء، وتعددت وتنوعت أقوالهم فى تعظيم أمره. ومن خيرها وأدقها تشخيصاً لموقع الإسناد كلمة الإمام عبد الله بن المبارك ﵁ قال: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له من حدثك؟ بقى (١) أى بقى حيران ساكتاً. وقال أيضاً: "بيننا وبين القوم –أى المبتدعة والكذبة- القوائم يعنى الإسناد" (٢) . وقال سفيان الثورى: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأى شئ يقاتل؟ " (٣) .

стр. 856

وقال الإمام الشافعى: "مثل الذى يطلب الحديث بلا سند كمثل حاطب ليل" (١) وسبق قول ابن حزم: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى ﷺ مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل، أما مع الإرسال والإعضال ... والنقل بالطريق المشتملة على كذاب، أو مجهول الحال فكثير من نقل اليهود والنصارى..." (٢) . ... لكل ما سبق اهتم المسلمون بالإسناد "وقد نشأ عن اهتمامهم به ووضوح أهميته فى تلقى المنقول: أن اشترط "الإسناد" فى تلقى سائر العلوم الإسلامية، كالتفسير، والفقه، والتاريخ، والرجال، والأنساب، واللغة، والنحو، والأدب، والشعر، والحكايات، حتى دخل فى سياق الكلمة الواحدة من أخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار المضحكين ... ، كما دخل فى سياق الكلمة الواحدة فى التفسير، كما تراه فى "تفسير الإمام ابن جرير الطبرى" وكما تراه فى كتاب الخطيب البغدادى: "التطفيل وحكايات الطُّفَيليين" و "البخلاء" وكتب ابن الجوزى: "أخبار الحمقى والمغفلين"، و"أخبار الأذكياء"، و"ذم الهوى"، و"اللُّقَط فى حكايات الصالحين"، فتراه فى هذه الكتب يسوق سنداً طوله ثلاثة أسطر أو أكثر، من أجل نقل جملة صغيرة أو كلمة واحدة عن قائلها" (٣) .

стр. 857

.. "ومن علامات الاهتمام بالإسناد، وأماراته تلك التصانيف الضخمة التى ألفت فى الرجال، فنشأ بذلك علم مستقل من علوم الحديث، وهو علم الرجال، وهذا علم واسع تتقطع فيه الأنفاس، فمنه كتب معرفة الصحابة، وكتب الطبقات، وكتب الجرح والتعديل، وكتب الأسماء والكنى والألقاب، وكتب المؤتلف والمختلف، وكتب المتفق والمفترق والمتشابه، وكتب الوفيات، وهى فى مجموعها تدل دلالة عظيمة على الجهد المبذول فى نقد الأخبار، وليس الأمر كما يتوهم الكثيرون ممن لا علم لهم بهذا الأمر" (١) أ. هـ. ... ومن علامات الاهتمام بالإسناد "علم الجرح والتعديل" وهو كسائر علوم الحديث مما تفردت به الأمة الإسلامية عن سائر الأمم، وتميزت بتأسيسه، وإنشائه، والتفنن فيه، وقد أداها إلى إبداعه: الحفاظ على سنة المصطفى ﷺ من التقول والدخيل، والمكافحة للدجالين والمشعوذين والخراصين، فكان هو من أكبر النتائج النافعة التى تولدت عن تلك الحملة الضارة على السنة المطهرة. قَصدتَ مَسَاتِى فاجتلبت مَسَرَّتِى ... *** ... وقد يُحِسنُ الإِنسانُ من حيث لا يَدِرى فنشأ هذا العلم من عهد النبوة المباركة برعماً لطيفاً، ثم نما وازداد، وقوى واشتد فى القرن الأول، والثانى، وامتد واتسع وبدأ يتكامل فى القرن الثالث، والرابع، وهكذا حتى اكتمل فى القرن التاسع من الهجرة الشريفة، فكثرت فيه الكتب، وتنوعت فيه المؤلفات، ثم درست فيه فى عصرنا بعض المسائل والجزئيات والشخصيات دراسة خاصة، فقارب النُّضجَ والاحتراق، وإن كان هذا العلم ليس له غاية ولا نهاية.

стр. 858

.. وبهذا العلم العظيم الذى لم تكن فيه محاباة لأحد مهما كان لا أباً، ولا ابناً،، ولا أخاً، ولا صديقاً، ولا أستاذاً، تمكن السلف والخلف من كشف العلل فى كل علم منقول حديثاً نبوياً، أو كلاماً عادياً، أو شعراً أو نثراً أدبياً، أو تاريخاً شخصياً أو سياسياً ... ، فكان هذا العلم مجهراً صادقاً، ونظارة صافية، تعزل للناظر بها: الصحيح عن القريح، وتميز له الزين من الشين، والصدق من الكذب، وتزن له المحامد والمثالب، بالقسطاس المستقيم (١) أ. هـ. ... وإذا كانوا قديماً قالوا: الحق ما شهد به الأعداء فلننظر إلى ما قاله المستشرق "شبرنجر" فى مقدمته الإنجليزية على كتاب الإصابة فى أحوال الصحابة لابن حجر، قال: "لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنه لا يوجد الآن أمة من الأمم المعاصرة، أتت فى علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون فى هذا العلم العظيم الخطر، الذى يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل وشئونهم" (٢) أ. هـ. ... ويقول الأستاذ محمد أسد عن علوم الحديث: "إنه علم تام الفروع على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة، غايته الوحيدة البحث فى معانى أحاديث الرسول ﷺ ، وشكلها وطريقة روايتها (٣) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 859

الفصل الخامس: وسيلتهم فى الطعن والتشكيك فى كتب السنة المطهرة وتحته مبحثان: المبحث الأول: أساليب أعداء السنة فى الطعن فى المصادر الحديثية . المبحث الثانى: الجواب عن زعم أعداء السنة أن استدراكات الأئمة على الصحيحين دليل على عدم صحتها. المبحث الأول: أساليب أعداء السنة فى الطعن فى المصادر الحديثية ... من وسائل أعداء السنة -أعداء الإسلام- فى الطعن فى حجية السنة المطهرة طعنهم فى المصنفات الحديثية، وأساليبهم فى ذلك كثيرة ومكررة فكما طعنوا فى عدالة الصحابة عموماً وخصوا بالطعن رموزهم من الخلفاء الراشدين، وأكثرهم رواية أبو هريرة ﵁ وطعنوا فى عدالة أئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين وطعنوا فى رموزهم، كابن شهاب الزهرى أشهر راوى فى التابعين وأكثرهم حديثاً (١) ، كما طعنوا فى الأئمة الأربعة وغيرهم من حفاظ الإسلام وأئمة الدين، إذ بفقدان الثقة بهم تفقد بغيرهم من باب أولى. وهكذا هم هنا يسلكون نفس الأسلوب فى طعنهم فى كتب السنة: فتارة يوجهون سهامهم المسمومة إلى كتب السنة عموماً طعناً وسخرية. ... ... يقول إسماعيل منصور: "يجب أن تعرف الأمة فى جميع بقاع الأرض بحقيقة كتب الحديث والسنة عند جميع فرق المسلمين وهى أنها أقوال ظنية منسوبة إلى رواة ينسبونها بدورهم إلى رسول الله وليست هى أقواله ﷺ بالضرورة" (٢) .

стр. 860

.. ... ويسخرون من كتب السنة المطهرة بوصفها بـ "كتب صفراء" (١) ، و"طراش دينى" (٢) ، و"زبالة" (٣) . وتارة يشككون فى كتب الأصول الستة، وفى كتب السنن، والمسانيد، والمعاجم، والمصنفات، وغير ذلك بحجة أن فى تلك المصنفات الحديثية الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر والمتروك ... (٤) . ... هكذا يطلقون الكلام والحكم على عوانه إيهاماً للقارئ بأن ذلك موجود فى المصنفات الحديثية بدون تمييز أو حكم للأئمة عليها. وتارة يشككون فى أصح المصنفات الحديثية، ويركزون هجومهم عليها إذ بسقوطها واهتزاز الثقة بها تهتز الثقة ببقية كتب السنة من باب أولى. وبذلك يصرحون. ... قال عبد الجواد ياسين: "ولأن البخارى ومسلم يجبان ما دونهما من الكتب فى مفهوم أهل السنة فسوف نحاول التركيز على مروياتهما فى هذا الصدد" (٥) . ... وهو ما قاله محمود أبو ريه وهو يتكلم عن مسند أحمد ظعناً فيه قال: "على أننا قد رأينا أن نتكلم عن مسند أحمد الذى هو أشهرها لنبين للمسلمين حقيقته، ونكشف عن درجته بين كتب الحديث ليقاس عليها درجة سائر المسانيد ويغنينا ذلك عن الكلام فى غيره" (٦) .

стр. 861

.. ويهمنا هنا من الوسائل السابقة فى طعنهم فى كتب الحديث ما يحرصون عليه دائماً وأبداً من التشكيك والطعن فى أصح الكتب بعد كتاب الله صحيحى البخارى ومسلم، ولا يخرج طعنهم فيهما عن مسلكين: أولهما: استدلالهم على عدم صحتهما بأحاديث تخالف فى فكرهم المريض ظاهر القرآن، أو العقل، أو العلم، أو كما يزعمون تطعن فى سيرة الرسول ﷺ أو توافق ما فى التوراة والإنجيل مما يدل فى نظرهم أنها إسرائيليات (١) . وغير ذلك من القواعد التى سلكوها للحكم على الحديث بالصحة وسبق بيان بطلانها (٢) وسيأتى فى الباب الثالث نماذج من هذه الأحاديث والرد عليها. ثانيهما: استدلالهم باستدراكات الأئمة على الصحيحين بأنها دليل على عدم صحتهما.

стр. 862

يقول جولدتسهير: "إنه من الخطأ اعتقاد أن مكانة هذين الكتابين مردها لعدم التشكيك فى أحاديثهما أو نتيجة لتحقيق علمى. وسلطان هذين الكتابين يرجع لأساس شعبى لا صلة له بالتدقيق الحر للنصوص، وهذا الأساس هو إجماع الأمة، وتلقى الأمة لهما بالقبول يرفعهما إلى أعلى المراتب، وبالرغم من أن نقد هذين الكتابين غير لائق وغير مسموح به، وبرغم التقدير العام للصحيحين فى الإسلام صنف الدارقطنى (ت ٣٨٥هـ) كتابه "الاستدراكات والتتبع" فى تصنيف مائتى حديث مشتركة بينهما" (١) أ. هـ. ... وهذه الاستدراكات من بعض الأئمة على الصحيحين اتكأ عليها جولدتسيهر، وغيره وهم يطعنون فى الصحيحين ومكانتهما، ولا حجة لهم فى ذلك، لما يلى فى المبحث الثانى. المبحث الثانى: الجواب عن زعم أعداء السنة أن استدراكات الأئمة على الصحيحين دليل على عدم صحتهما إن صحيحى البخارى ومسلم لم يؤخذا قضية مسلمة أبعدت عنهما بحث النقاد وتوثيقهم لهما، وإنما الذى حدث هو العكس فقد درس الأئمة كلاً من الكتابين سنداً ومتناً، وعرضوهما على أدق المقاييس النقدية الصحيحة التى التزمها صاحبا الصحيحين فى كتابيهما، فنظر الأئمة فيما اشترطه كل منهما هل وفىَّ به أم أخلا؟

стр. 863

فكانت النتيجة أن "استدرك جماعة من الحفاظ على البخارى ومسلم عدة أحاديث رأوا أنهما أخلا فيهما بشرطهما، وأنهما لا تبلغ فى صحتها مبلغ ما غلب عليهما إخراجه، وتكلموا فى هذه الأحاديث من جهة أسانيدها، ومن جهة متونها، ولا يصل استدراكهم أو تكلمهم فى هذه الأحاديث إلى حد النزول بها إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل. غاية ما هناك أنهم رأوا قصورها عن درجة ما دأب عليه الشيخان وما التزماه من إخراج أصح الصحيح" (١) . يدل على ذلك ما قاله الحافظ العقيلى: "لما صنف البخارى كتاب الصحيح عرضه على ابن المدينى، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم؛ فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة، إلا أربعة أحاديث. قال العقيلى: والقول فيها قول البخارى وهى صحيحة (٢) ". ... قال الإمام النووى: "قد استدرك جماعة على البخارى ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه، ... وقد ألف الإمام الحافظ الدارقطنى فى بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع، وذلك فى مائتى حديث مما فى الكتابين، ولأبى مسعود الدمشقى أيضاً عليهما استدراك، ولأبى الغسانى الجيانى فى كتابه تقييد المهمل فى جزء العلل منه، استدراك أكثره على الرواة عنهما، وفيه ما يلزمهما، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره (٣) ". ... وإذا كان الإمام النووى فى شرحه على مسلم دفع ما أورد على الإمام مسلم، فقد جاء بعده الإمام الحافظ ابن حجر وتتبع المواضع المنتقدة على البخارى تفصيلاً فأجاد فى ذلك فى مقدمته "هدى السارى" مقدمة فتح البارى.

стр. 864

والتى يقول العلماء فى شأنها: أنها لو كتبت بماء الذهب ما استوفيت حقها. ففيها فضلاً عن الرد على الطعون التى وجهت إلى صحيح البخارى، مجموعة من الفصول الهامة تتعلق بدراسة الصحيح، وصاحبه، وتراجمه، ومناسباته وغير ذلك من المباحث الهامة المتعلقة بالصحيح. ... وقد مكث ابن حجر فى كتابتها أربع سنوات تقريباً، فهدى بها فعلاً كل من يريد أن يدرس صحيح الإمام البخارى. ويعرف مكانته بين كتب السنة حيث هو على رأسها. والإمام ابن حجر فى هدى السارى لم يدافع عن صحيح الإمام البخارى فقط. وإنما دافع عن الصحيحين معاً إجمالاً فقال: "والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب فى تقديم البخارى ومسلم على أهل عصرهما، ومن بعده من أئمة هذا الفن فى معرفة الصحيح والمعلل؛ فإنهم لا يختلفون فى أن على بن المدينى كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخارى ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسى عند أحد إلا عند على بن المدينى، ومع ذلك فكان على بن المدينى إذا بلغه ذلك عن البخارى يقول: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلى أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهرى وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعاً. وروى الفربرى عن البخارى قال: "ما أدخلت فى الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته. وقال مكى بن عبد الله سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابى هذا على أبى زرعة الرازى فكل ما أشار أن له عله تركته. فإذا عرف أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضاً لتصحيحهما، ولا ريب فى تقديمهما فى ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة (١) .

стр. 865

ثم ذكر الحافظ ﵀ المواضع المنتقدة وأجاب عنها من حيث التفصيل وأجاد فى ذلك (١) . وظهر له أن أكثر المواضع المنتقدة الجواب فيها قوى، وأن النادر اليسير هو ما تكلف فيه الجواب (٢) . ومن هنا قال الأستاذ الدكتور أبو شهبة ﵀: "ولعل من هذه الأحاديث التى وقع فيها التكلف فى الجواب والحق فيها مع الناقد "المنصف" حديث "شَرِيْكُ بنُ أبى نَمِر عن أنس فى الإسراء" وهو حديث طويل، فقد خالف فيه شريك أصحاب أنس فى إسناده ومتنه بالتقديم والتأخير، وزيادته المنكرة وأشد أوهامه قوله –شريك-: "إن الإسراء كان قبل أن يوحى إليه" (٣) ، وقد أنكرها الخطابى، وابن حزم، وعبد الحق، والقاضى عياض، والنووى وغيرهم، واعتبروا ذلك غلطاً من شريك، وشريك ليس بمتهم بالكذب، وقصارى أمره أنه غلط والتبس عليه الأمر (٤) .

стр. 866

ومما يعتذر به عن البخارى، ويجعل النقد ليس ذا أثر أن البخارى أخرج الروايات الصحيحة فى الإسراء (١) ، وهو بصنيعه هذا ينبهنا من طرف خفى لا يخفى على اللبيب ما فى رواية شَرِيك من الأغلاط. فلله در البخارى فكم له من إشارات وتلميحات (٢) . يقول الدكتور رفعت فوزى وهو يدفع الطعون التى وجهت إلى أحاديث الإسراء والمعراج: "وأنه مما يستفاد فى نقد هذه الرواية، النقد العلمى البناء الذى يحرص على جلاء الحقيقة دون اعتبار لمكانة البخارى ومكانة كتابه، كما يتجلى كذلك أن نقادنا قديماً وحديثاً، لم يغفلوا -كما زعم بعض الجاهلين- تناول متن الحديث بالنقد والتمحيص، وعرضه على القرآن الكريم، وعلى السنة الصحيحة، حتى ينفوا عنه الدخيل والموضوع" (٣) .

стр. 867

الجواب عمن تكلم فيه من رجال الصحيحين: ... فى الصحيحين جماعة جرحهم بعض المتقدمين، وبلغ عدد من تكلم فيه من رجال البخارى ثمانون، ومسلم مائة وستون رجلاً (١) ، منهم عكرمة مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق وسويد بن سعيد وغيرهم (٢) . قد اتخذ أعداء السنة -أعداء الإسلام- ممن تكلم فيه من رجال البخارى ومسلم مدخلاً للطعن والتشكيك فى مكانة الصحيحين (٣) . ولا حجة لهم فى ذلك؛ لأن ممن تكلم فيهم من رجال الصحيحين ليس مجمعاً على جرحهم غاية أمرهم: أنه جرحهم وقدح فيهم جماعة بينما عدلهم ومدحهم آخرون، فيكون قد ترجح عند صاحب الصحيح تعديلهم على الأقل فيما أخرجه من حديثهم، وربما أخرج لهم فى المتابعات والشواهد، وإن أخرج لهم فى الأصول فمقصوده أنهم شاركوا غيرهم من الثقات الأثبات؛ فالصحة حاصلة برواية الجميع" (٤) . ... قال الحافظ ابن حجر: "ينبغى لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأى راوٍ كان مقتضياً لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه فى الصحيح؛ فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيها.

стр. 868

هذا إذا خرج له فى الأصول، فأما إن خرج له فى المتابعات، والشواهد، والتعاليق، فهذا بتفاوت درجات من أخرج له منهم فى الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره فى أحد منهم طعناً فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسراً بقادح يقدح فى عدالة هذا الراوى وفى ضبطه مطلقاً أو فى ضبطه لخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح، ومنها ما لا يقدح. وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسى يقول فى الرجل الذى يخرج عنه فى الصحيح، هذا جاز القنطرة؛ يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، قال الشيخ أبو الفتح القشيرى فى مختصره وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه، إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد فى غلبة الظن على المعنى الذى قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما" (١) أ. هـ. ... وقصارى القول وحماداه أن صاحب الصحيح أعرف بما رواه، وليس التكلم فى بعض الرواة بمقدم على توثيق صاحب الصحيح لهم، ولو سلم جرح كل جارح وقبل على إطلاقه ما قبل خبر ولا روى أثر. فأين ذاك الذى سلم من الطعن؟ ومتى كان الطعن مستنداً إلى حجة؟ (٢) . قال الحافظ ابن حجر: "واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن فى جماعة بسبب اختلافهم فى العقائد فينبغى التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق، وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا فى أمر الدنيا فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط (٣) أ. هـ.

стр. 869

.. ومن كل ما سبق يظهر فساد ادعاء جولدتسيهر ومن قال بقوله "إن سلطان هذين الكتابين يرجع لأساس شعبى لا صلة له بالتدقيق الحر للنصوص، وهذا الأساس هو إجماع الأمة، وتلقى الأمة لهما بالقبول يرفعهما إلى أعلى المراتب". ... فهذا الكلام فاسد من أساسه، بما سبق بيانه من دراسة الأئمة لكل من الكتابين سنداً ومتناً، وعرضهما على أدق المقاييس النقدية الصحيحة التى اشترطها كل من البخارى ومسلم فى صحيحهما، وظهر من سبر الأئمة وفاء البخارى ومسلم بشرطهما، سوى أحاديث قليلة، والقول فيها قول البخارى ومسلم، وهى صحيحة. فظهر من ذلك الصحيحين ليسا جهد أفراد وإنما جهد أمة، وهم طائفة المحدثين، وهم المشتغلون بهذا الشأن وأعرف الناس به، وهم نقاد الأخبار الذين يتوقف على قولهم قبول الآثار النبوية أو ردها. وهم المعنيون بإجماع الأمة على صحة الكتابين، وتلقيهما بالقبول. وهو إجماع معصوم لا يقدح فيه إلا جاحد مغرور (١) . أما قول جولدتسيهر:"بالرغم من أن نقد هذين الكتابين غير لائق، وغير مسموح به ... " إلخ.

стр. 870

يتناقض مع آخر كلامه من أن الدارقطنى قد صنف فى نقدهما كتابه (الاستدراكات والتتبع) ودعواه أن نقد هذين الكتابين لا يجوز أو غير لائق أو غير مسموح به يكذبه الواقع، بما سبق من استدراك الأئمة الدارقطنى، والدمشقى، والغسانى، وفات هذا المستشرق وغيره من الطاعنين فى مكانة الصحيحين أن الخطورة لا تكمن فى تعرض الكتابين للنقد، ولكنها تكمن فى سلامتهما من الانتقادات أو الطعون التى وجهت إلى بعض أحاديثهما، فليس كل انتقاد يعول عليه، كما أن النقد أو الاستدراك قد يوجه لحالة معينة فيحسب من لا دراية له بهذا الموضوع أن النقد قد شمل كل أحوال الكتاب، كما هو الحال مع استدراكات الأئمة. وقد بين نقاد الحديث أن هذه الاستدراكات غير قادحة (١) فى صحة الصحيحين، ومكانتهما، خلافاً لأعداء السنة الذين يوهمون القارئ بخلاف ذلك. ... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد محرم: إن نسبة الوهم إلى بعض الرواة ممن روى لهم البخارى ومسلم، تقتضى الدقة فى التفرقة بين نسبة الوهم إلى بعض الرواة لشواهد تنتصب على ذلك، وبين نسبة الضعف أو الوضع إلى الصحيحين لا بحجة أو برهان، وإنما متابعة للشيطان وموافقة للهوى. وكن على حذر من مكمن الخطر فى التقليل من منزلة الصحيحين أو محاولة إنزالهما من عليائهما (٢) . فالصحيحان هما أصح ما ألفه المحدثون، وقد أدى مؤلفاهما إلى الدين، وإلى الأمة الإسلامية خدمة جليلة لا تنكر، بل تذكر بالإكبار فتشكر، نسأله أن يجزل ثوابهما ما استفاد من الكتابين مستفيد (٣) أ. هـ. ...

стр. 871

ونختم كلامنا عن الصحيحين بكلمة جامعة للشيخ أحمد شاكر –رحمه الله تعالى- نرى أنها عين الحق وندين لله بمضمونها ونلقاه مطمئنين على اعتقاد ما فيها من اليقين قال ﵀: "الحق الذى لا مريه فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر، أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ليس فى واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطنى وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث، على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ فى الصحة الدرجة العليا التى التزمها كل واحد منهما فى كتابه، وأما صحة الحديث فى نفسه، فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن فى الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التى تكلموا فيها، وانقدها على القواعد الدقيقة التى سار عليها أئمة أهل العلم،، واحكم على بينة، والله الهادى إلى سواء السبيل (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 872

الفصل السادس وسيلتهم فى الاعتماد على مصادر غير معتبرة فى التأريخ للسنة ورواتها ويتضمن بيان أساليب دعاة الفتنة وأدعياء العلم فى الطعن فى السنة النبوية من خلال ثلاثة أنواع من المصادر: النوع الأول: مصادر غير معتبرة، وعليها جل اعتمادهم فى الحكم على السنة المطهرة. النوع الثانى: مصادر معتبرة حديثية، وهدفهم من ذلك تضليل القارئ. النوع الثالث: مصادر معتبرة غير حديثية، واعتمادهم ما ورد فيها من أحاديث مكذوبة. الفصل السادس وسيلتهم فى الاعتماد على مصادر غير معتبرة فى التأريخ للسنة ورواتها ... إن من القواعد المعلومة الكلية أن كل علم له مصادره المعتبرة التى تعرف بها حقائقه وقضاياه، فمن عرف بحقائق وقضايا علم ما، واعتمد فى ذلك على مصادر غير معتمدة ولا موثوقة لم يكن لبحثه أية قيمة علمية، ولا لمن يفعل ذلك مكان بين العلماء المحترمين (١) . ... وهذا ما يفعله دعاة الفتنة، وأدعياء العلم من المستشرقين، ودعاة الإلحاد فى أمتنا الإسلامية، تراهم وهم يتحدثون عن قضايا السنة النبوية المطهرة من تدوينها، وحجيتها، ومكانتها التشريعية، ورواتها من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ﵃ أجمعين، يعتمدون فى حديثهم عن القضايا السابقة ثلاثة أنواع من المصادر: النوع الأول: مصادر غير معتبرة وعليها جل اعتمادهم فى الحكم على السنة النبوية. النوع الثانى: مصادر معتبرة حديثية وهدفهم من ذلك تضليل القارئ على ما سيأتى. ٣- النوع الثالث: مصادر معتبرة غير حديثية، واعتمادهم ما ورد فيها من أحاديث مكذوبة. أما النوع الأول مصادرهم الغير معتبرة فتتنوع إلى ما يلى:

стр. 873

١- كتب خصوم السنة وأهلها من الخوارج، والرافضة، والمعتزلة، والباطنية، كالأصفهانى (١) ؛ صاحب كتاب الأغانى (٢) . وما كتبه أعداء الإسلام من المستشرقين بروح الحقد، والتعصب الأعمى ضد الإسلام والمسلمين فى "دوائر معارفهم -الغير إسلامية" وغير ذلك من كتبهم المسمومة. ٢- كتب لا صلة بينها وبين علوم السنة ككتب الأدب، واللغة، والنحو، والشعر، والتاريخ لغير المحدثين. كتب من وضع الزنادقة، ولا يعرف لها مؤلف كألف ليلة وليلة (٣) .

стр. 874

وحتى لا يقال إن فى هذا الكلام إجحاف وتجن على أصحاب المنهج العلمى -المزعوم- "وأهل التحقيق والتمحيص" لننظر فى المصادر التى اعتمد عليها الصنم الأكبر للمستشرقين "جولدتسيهر " وهو يهاجم السنة المطهرة فى كتابه "دراسات محمدية" (١) . نقل جولد تسيهر من كتب السنة الستة وموطأ مالك، وسنن الدارمى، ومصابيح السنة للبغوى، وهو وغيره فى هذه الكتب المعتمدة، يخدعون قارئهم على ما سيأتى. ... أما المصادر التى يعتمدها غالباً فى إصدار أحكامها فهى: حياة الحيوان الكبرى للدميرى. أدب القاضى للخصافى. الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى. معجم الأدباء لياقوت الحموى. سيرة سيف بن ذى يزن. سيرة عنترة بن شداد. كتاب الخراج لأبى يوسف. فهرس ابن النديم. كشف الظنون لحاجى خليفة ... إلخ. ... وهذا غير المراجع التى قدمها نظراؤه من المستشرقين، وكتبت بلا إنصاف، واعتمدت على مثل ما اعتمد عليه من المصادر (٢) . ... ولننظر فى مصادر محمود أبو ريه فى كتابه "أضواء على السنة " (٣) ، والتى اعتمد عليها فى تحقيقه العلمى المزعوم. فهو كسابقه اعتمد أيضاً على كتب السنة الستة والموطأ، والدارمى وغير ذلك من مصادر معتمدة وكان الهدف من ذلك خداع القارئ وإيهامه بأهمية البحث - كما سيأتى مفصلاً بعد قليل. ... أما المصادر التى اعتمد عليها فى إصدار أحكامه على السنة المطهرة ورواتها فهى: تاريخ التمدن الإسلامى لجرجى زيدان. العرب قبل الإسلام لجرجى زيدان. دائرة المعارف الإسلامية للمستشرقين.

стр. 875

تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان. المسيحية فى الإسلام للقس إبراهيم لوقا. العقيدة والشريعة فى الإسلام لجولدتسيهر. أحاديث عائشة للسيد مرتضى العسكرى. ابن سبأ للسيد مرتضى العسكرى. أبو هريرة لعبد الحسين شرف الدين. أصل الشيعة وأصولها محمد الحسين آل كاشف. البيان والتبين للجاحظ. والحيوان للجاحظ ... إلخ. ... وبهذه اللمحة السريعة فى مصادر بعض الطاعنين فى السنة المطهرة: يتضح بشكل جلى عدم نفعها فى أى دراسة للحديث الشريف، إما لبعد مادة بعضها عن الحديث الشريف، أو لأن البعض الآخر منها لا ينفع، لتحامل أصاحبها، وجلهم من المستشرقين، وغلاة الشيعة (١) ... أما النوع الثانى من مصادر أعداء السنة فمصادر معتبرة فى الحديث، والتفسير، والفقه، وعلوم القرآن، والسنة، وكتب الدفاع عنها، وقصدوا من وراء ذلك إيهام القارئ بأهمية بحوثهم، وأن تلك المصادر تنتهى إلى ما انتهوا إليه فى بحوثهم، والحق أنها كلها تكذبهم فى دعواهم. وإلا فهل هناك عاقل يجرؤ على القول بأن ما ذكره محمود أبو ريه من مصادر معتبرة تنتهى فى نتيجتها إلى ما انتهى إليه من طعن فى حجية السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام: كالمصادر التالية: تذكرة الحفاظ للذهبى. شروط الأئمة الستة والخمسة للمقدسى والحازمى. مقدمة ابن الصلاح. قواعد التحديث للقاسمى. شرح القارئ على نخبة الفكر لابن حجر. تقييد العلم للخطيب البغدادى. الموافقات والاعتصام للشاطبى. الإحكام للآمدى. الإحكام لابن حزم. ومنهاج السنة لابن تيمية. جامع بيان العلم وفضله. البداية والنهاية لابن كثير. والعواصم من القواصم للقاضى ابن العربى. وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة. فهل يجرؤ عاقل على القول: بأن تلك المصادر المعتمدة التى ذكرها محمود أبو رية وغيرها يقول أصحابها بمثل قوله الخبيث أو تنتهى إلى ما انتهى إليه "سبحانك هذا بهتان عظيم".

стр. 876

وقس على ذلك سائر دعاة الفتنة وأدعياء العلم من المستشرقين ودعاة اللادينية عندما يستشهدون فى هجومهم على السنة المطهرة بمصادر معتمدة، فالأمر لا يخرج عن إيهام القارئ وتضليله بأن أصحاب تلك المصادر الموثوقة ينتهون إلى ما انتهوا إليه. ... أما إذا ذكروا من تلك المصادر المعتبرة حقائق مسلماً بها عند أهل العلم فلا يخرج حالهم فى هذه الحالة عن ثلاثة أمور: أولهما: الاستشهاد بتلك الحقائق المسلم بها فى غير موضعها إيهاماً للقارئ بأن أصحاب تلك المصادر المعتبرة التى ذكرت تلك الحقائق يلتقون معهم فى فكرتهم ومقصدهم، ومن ذلك ما سبق فى شبهة الوضع، وكثرة الوضاعين، واستشهادهم بكلام الأئمة فى أسباب الوضع وأصناف الوضاعين بأن ذلك أضعف الثقة بالسنة وبحجيتها (١) هذا فى حين ذكر علماء المسلمين أسباب الوضع وأصناف الوضاعين فى مصادرهم لبيان جهود المحدثين فى كشف الكذابين، وأنه لم يخف أمرهم على حفاظ السنة، وأنها خرجت سليمة معافاة من فتنة الوضاعين فذكروا كل هذا كميزة وفضيلة (٢) . إلا أن أعداء السنة نقلوا من مصادر علماء المسلمين تلك الميزة واستشهدوا بها فى غير موضعها ونشروها على أنها نقيصة. فتأمل كيف ينشرون مميزات السنة على أنها عيوب. ومن ذلك أيضاً ما سبق فى مسألة (استقلال السنة المطهرة بتشريع الأحكام) واتخاذ أعداء السنة كلام الإمام الشاطبى فى تلك المسألة ستاراً للتشكيك والطعن فى حجية السنة ومكانتها التشريعية (٣) . ثانيهما: الاستشهاد من المصادر المعتبرة بحقائق مسلم بها لكنها "مبتورة" فيكتفون بذكر ما يشهد لدعواهم، ويغضون الطرف عما يفحمهم.

стр. 877

ومن ذلك مما سبق فى "شبهة النهى عن كتابة السنة" حيث نقلوا من المصادر المعتبرة المؤرخة لذلك، الباب الذى يؤيدهم فى دعواهم كـ "باب الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتاب العلم"، وغضوا الطرف عن بقية الأبواب الواردة فى نفس المصادر المعتبرة التى استشهدوا بها، والتى ترد على شبهتهم، كـ "باب وصف العلة فى كراهية كتابة الحديث"، و"باب الآثار والأخبار الواردة عن إباحة كتابة العلم" (١) . ... ثالثهما: الاستشهاد من المصادر المعتبرة بتحريف النصوص عن مواضعها وهذا من مأخذ أهل البدع بالاستدلال (تحريف الأدلة عن مواضعها) كما قال الشاطبى (٢) . ... ومن ذلك ما سبق فى "شبهة الاكتفاء بالقرآن، وعدم الحاجة إلى السنة المطهرة"، وتحريف أحمد صبحى منصور، وجمال البنا لكلام الحافظ ابن حجر فى شرحه للمراد من حديث عبد الله بن أبى أوفى فى وصية النبى ﷺ بالاقتصار على الكتاب. قال الحافظ ابن حجر ﵀:"الاقتصار على الوصية بالكتاب لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبى ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) . أما أحمد صبحى منصور فاستشهد بكلام الحافظ ونقل كلامه هذا مبتوراً محرفاً بحذفه لفظه (النبى ﷺ فصارت العبارة: "فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به".

стр. 878

وكذلك صنع جمال البنا استشهد بكلام الحافظ مبتوراً محرفاً فقال: "أى التمسك به "يعنى القرآن" والعمل بمقتضاه إشارة إلى قوله: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله" (١) وترك بقية كلام الحافظ ابن حجر أن عمل الناس بالكتاب يقتضى العمل بكل ما أمرهم النبى ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) . أما النوع الثالث من مصادر أعداء السنة فمصادر معتبرة غير حديثية ، يستشهدون بما فيها من أحاديث ضعيفة أو موضوعة تشهد لدعواهم. ومن ذلك استشهادهم بحديث عرض السنة على القرآن: "إذا روى لكم عن حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه" (٣) واعتمادهم صحة الحديث لمجرد وروده فى بعض كتب الفقه أو الأصول كالمحصول فى أصول الفقه (٤) ، وأصول السرخسى (٥) ، والمعتمد فى أصول الفقه (٦) . وقد نقل غير واحد من أهل الزيغ والهوى هذا الحديث من مصادر معتبرة غير حديثية موهماً أن أصحاب تلك المصادر يقولون بعرض السنة على القرآن، بمفهومهم القائم على رد الحديث بمجرد التعارض الظاهرى حتى مع إمكان الجمع والتأويل. ... وممن فعل ذلك أحمد حجازى السقا فى كتابه "دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى" عزا حديث "عرض السنة على القرآن" إلى المحصول للرازى، موهماً أن الرازى، والفقهاء يقولون بالحديث (٧) ، فى حين أن الرازى يحكى مخالفة عيسى بن أبان لجمهور علماء المسلمين بإيجابه عرض خبر الآحاد على القرآن الكريم (٨) .

стр. 879

ويجاب عن استشهادهم بأحاديث مكذوبة وردت فى مصادر معتبرة غير حديثية بما هو مقرر عند أهل الحديث وهو: أنه لا يكتفى بعزو الحديث إلى من ليس من أهله دون بيان: وإن جل كعظماء المفسرين، والفقهاء، والمتصوفة، والمؤرخين، وغيرهم، بل لابد من معرفة تعقبات المحدثين على ما أوردوه فى كتبهم وذكره عند العزو إليها، ما لم يكونوا من أئمته، أو دراسة أسانيدها ومتونها - إذا كانت خالية من تعقبات المحدثين ولم يكونوا من أئمته دراسة دقيقة فاحصة لمتبحر فى الحديث وعلومه، للوصول من وراء ذلك إلى الحكم بصحة الحديث أو ضعفه أو الحكم عليه بالوضع (١) كما فى حديث عرض السنة على القرآن.

стр. 880

.. وفى ذلك يقول الإمام عبد الرءوف المناوى (١) : "فلا أعزوا إلى شئ منها "أى المصادر" ولا أكتفى بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين ... فكتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة، وكأكابر الفقهاء "أى غير الأئمة الأربعة" فإن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا فى الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبى ﷺ وفرعوا عليها كثيراً من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع "نسياناً أو غلطاً دون عمد" (٢) . ومثل هذه الأخطاء الحديثية لهؤلاء العلماء الأجلاء وهم غير متخصصين فى الحديث وعلومه - لا تقدح فى منزلتهم العلمية، ولا فى مؤلفاتهم ولا فى سلامة الأغراض التى من أجلها ألفوا كتبهم" (٣) .
следующие страницы →