٢- وقال سبحانه: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١) ففى تلك الآية الكريمة جعل المولى التأسى بنبيه ﷺ من لوازم رجائه تعالى واليوم الآخر، وما كان سبحانه يجعل الاقتداء بنبيه ﷺ من لوازم رجاءه تعالى واليوم الآخر، إلا وهو ﷺ معصوم فى سلوكه من الصغائر.
٣- وقال : ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ (٢) .
٤- وقال سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٣) فقوله: "فاتبعونى"، "واتبعوه" أى اسلكوا مسلكه، واحذوا حذره ﷺ فى جميع أموره من قول وفعل.
ووجه الاستدلال فى الآيتين أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله ﷺ لازمة من محبته الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح فى الدنيا والآخرة. وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله ﷺ على عصمته من الصغائر فى كل أقواله وأفعاله.
стр. 37
ب- أما السيرة العطرة: فتشهد أيضاً بعصمته ﷺ من الصغائر فى أحواله كلها حيث لم يعلم عنه ﷺ الوقوع فى صغيرة ولا الدنو من شئ منها، مع أن سبل النقل عنه ﷺ أحصت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله، فما ترك الصحابة رضى الله عنهم فعلاً من أفعاله، ولا قولاً من أقوله، دق أو جلَّ إلا نقلوه إلينا عنه، حتى أنهم وصفوا يقظته، ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله وجميع شمائله، إلى غير ذلك مما هو مدون فى كتب الحديث والمشائل والمغازى والسير، لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغاً عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ فى حجة الوداع: "ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه" (١) .
стр. 38
.. وقولهم ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً؛ فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١) فلو رأى الصحابة – رضى الله عنهم – أو سمعوا منه شيئاً مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر – وحاشاه من ذلك – لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
... ولكنهم رضى الله عنهم لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك – فيما علمنا – ولو رأوا منه شيئاً من ذلك أو علموه عنه لنقلوه إلينا، وعُلم عنهم لتوافر دواعى النقل عنه.
стр. 39
.. فالقول بعصمة رسول الله ﷺ من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها، وجهرها، عمدها وسهوها هو ما أَدين لله تعالى به؛ فقد كانت أقواله وأفعاله ﷺ وأحواله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء، إلا ما ورد الدليل فيها على أنه من خصائصه ﷺ (١) أو ما ورد الدليل فيه أنه ليس من جنس ما يشرع لهم التأسى به فيه إلا عند وجود السبب (٢) .
стр. 40
.. ولا يكون لأقواله وأفعاله ﷺ ذلك الوصف التشريعى إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله ﷺ من الصغائر خلافاً لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (١) تمسكاً منهم بظواهر من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الصحاح التى ذكر فيها ما يشعر بوقوع الخطيئة من بعضهم، وسيأتى الجواب عن ذلك تفصيلاً (٢) ويكفى فى الرد عليهم هنا إجمالاً ما سبق من شهادة القرآن الكريم والسيرة العطرة على عصمته ﷺ من الصغائر، فضلاً عن إجماع الأمة.
ج- إجماع الأمة على عصمته ﷺ من الصغائر:
стр. 41
.. حكى القاضى عياض (١) اتفاق السلف وإجماعهم على أنه لا يصدر عنه ﷺ خبر بخلاف إخباره عنه فقال: "أما ما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التى لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحى، بل فى أمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة؛ فالذى يجب تنزيه النبى ﷺ عن أن يقع خبره فى شئ من ذلك بخلاف مخبره لا عمداً، ولا سهواً، ولا غلطاً، وأنه معصوم من ذلك فى حال رضاه، وفى حال سخطه، وجده مزحه، وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أنى نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها، ولا إستثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا" (٢) .
стр. 42
.. واستدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه (١) مع ابن أبى الحقيق اليهودى حين إجلاهم من خيبر، حيث احتج عليه عمر رضى الله عنه بقوله ﷺ : "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك (٢) ليلة بعد ليلة؟ ! " فقال اليهودى: كانت هزيلة (٣) من أبى القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك" (٤) .
... قال القاضى: "وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرد فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به.
стр. 43
.. قال: ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأياً لا خبراً" يعنى فلا يدخله الصدق والكذب إلى أن قال: "فانقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف فى قول أو فعل فى وجه من الوجوه لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا تسامح فى تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ" (٢) .
... قلت وما قاله القاضى عياض هو الذى أَدين لله تعالى به فى أحوال رسول الله ﷺ كلها؛ فقد كانت جميع أقواله وأفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء، وعلى ذلك سلفنا الصالح من الإيمان بعصمته فى أحواله كلها، ولهذا كانوا يسارعون إلى التأسى به. والأمثلة على ذلك كثيرة ومعلومة منها ما يلى:
١- حرصهم على مضاهاته ﷺ فى العبادة، كما فى قصة وصاله ﷺ ورغبة بعض الصحابة
الوصال نحوه، على ما بين وصاله ﷺ ، ووصالهم من الفرق؛ حيث إنه ﷺ إذا واصل يطعمه ربه ويسقيه بخلافهم، ومع ذلك فحرصوا على التأسى به فيه.
стр. 44
فعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنهما (١) قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال: إنى لست كهيئتكم، إنى يطعمنى ربى ويسقينى" (٢) .
٢- ومنها قصة اتخاذه ﷺ خاتماً من ذهب حيث اتخذ الناس خواتيم كذلك، فطرحه النبى ﷺ ، فطرح الناس خواتيمهم.
فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما (٣) قال: "اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبى ﷺ : "إنى اتخذت خاتماً من ذهب، فنبذه، وقال: "إنى لن ألبسه أبداً" فنبذ الناس خواتيمهم" (٤) .
стр. 45
٣- وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه (١) قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: ﷺ إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيهما قذراً، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما" (٢) ويلاحظ هنا فى الحديث مسارعة صحابة رسول الله ﷺ إلى متابعته ﷺ فى خلع نعليه، وهو فعل من أفعال العادة، وفى ذلك أقوى دليل على فهمهم واعتقادهم بعصمة رسول الله ﷺ من الصغائر حتى فى أفعاله الجبلية.
стр. 46
٤- ولقد كان من كمال تأسى الصحابة رضى الله عنهم برسول الله ﷺ واعتقادهم بعصمته ﷺ من الصغائر فى كل أحواله، شدة حرصهم على تأسهم به ﷺ حتى فى أمور بيته، وذلك كاختلافهم فى جواز القبلة للصائم (١) ، وفى طلوع الفجر على الجنب وهو صائم (٢) فسألوا أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبى ﷺ فرجعوا إلى ذلك، وعلموا أنه لا حرج على فاعله لعصمته.
٥- وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه (٣) قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ كان يعمل به إلا عملت به، فإنى أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ" (٤) .
стр. 47
٦- ولما وقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمام الحجر الأسود يقبله خاطبه بقوله: "لولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك" (١) .
٧- وجاء رجل يجادل ابن عمر فى شأن تقبيل الحجر من أجل الزحمة قائلاً له: أرأيت إن
زحمت، أرأيت إن غلبت؟ فقال له ابن عمر "اجعل "أرأيت" باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله" (٢) .
٨- ولقد بلغ من كمال امتثال ابن عمر رضى الله عنه لهدى رسول الله ﷺ أنه كان يتأسى به حتى فى حركاته وسكناته العادية التى هى من أفعال الجبلية، حيث كان يتبع آثار رسول الله ﷺ فى كل مكان حتى أنه كان يأتى شجرة بين مكة والمدينة فَيُقِيل تحتها، ويخبر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣) .
٩- ولما حج فأفاض وانتهى إلى المضيق دون المأزمين، أناخ، وذكر أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذلك المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضى حاجته (٤) .
١٠- وكان مرة فى سفر فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لما فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلت (٥) .
стр. 48
وكل ذلك له دلالته على عصمته ﷺ من الصغائر، ومن ثمَّ فالعصمة سبيل الاقتداء برسول الله ﷺ ٠
والله ﵎ أعلى وأعلم
стр. 49
المبحث الثانى: أهمية السيرة النبوية فى فهم الإسلام
قرآناً وسنةً وحضارةً
... وينقسم إلى ما يلى:
أولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم .
ثانياً: أهمية السيرة الشريفة فى فهم السنة النبوية.
ثالثاً: أهمية السيرة النبوية فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً.
أولاً: أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم:
... إن فى دراسة السيرة النبوية الشريفة ما يعين كل مسلم على فهم قوى ودقيق لكتاب الله ، إذ أن كثيراً من آيات القرآن الكريم إنما تفسرها وتجليها الأحداث التى مرت برسول الله ﷺ ، ومواقفه منها فهناك من الآيات القرآنية ما نزلت إثر حوادث طرأت أو مشاكل وقعت أو أسئلة وجهت إلى النبى ﷺ ، فجاءت هذه الآيات تحمل الحل أو تبين الحكم، أو تجيب على الأسئلة.
... ومما لا يخفى مدى أهمية الوقوف على هذه الأسباب فى التعرف على المعنى الأصوب والأدق للآية، هذا إن لم يتوقف فهم مثل هذه الآيات على معرفة أسبابها، الأمر الذى يترتب على غياب هذه المعرفة وقوع فى الإشكال والتعارض مع غيرها، وقد حصل هذا بالفعل مع بعض الصحابة والتابعين وسواهم كثيراً ممن جاء بعدهم، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
ما أشكل على عروة بن الزبير رضى الله عنه (١) أن يفهم فرضية السعى بين الصفا والمروة مع قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ (٢) .
стр. 50
ففى الصحيح عن عروة قال: سألت عائشة رضى الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قال: فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئسما قلت يا ابن أختى؛ إن هذه الآية لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألا يتطوف بهما. ولكنها أنزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون (١) لمناة الطاغية (٢) التى كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل (٣) فكان من أَهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ قالت عائشة: "وقد سن (٤) رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما" (٥) .
стр. 51
وهذه الرواية – كما ترى – تدل على أن عروة مع جلالة قدره وفهمه، فهم من جملة ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أن الجناح منفى أيضاً عن عدم الطواف بهما، وعلى ذلك تنتفى الفريضة، وكأنه اعتمد فى فهمه هذا على أن نفى الجناح، أكثر ما يستعمل فى الأمر المباح.
أما عائشة رضى الله عنها فقد فهمت أن فريضة السعى بين الصفا والمروة، مستفادة من السنة المطهرة، ومن سيرته ﷺ العملية، وأن جملة: ﴿فلا جناح عليه ألا يطوف بهما﴾ لا تنافى تلك الفريضة كما فهم عروة، إنما الذى ينفيها أن يقال: "فلا جناح عليه ألا يتطوف بهما".
وإنما توجه نفى الحرج فى الآية عن الطواف بين الصفا والمروة، لأن هذا الحرج هو الذى كان وافراً فى أذهان الأنصار، كما يدل عليه سبب نزول الآية الذى ذكرته السيدة عائشة رضى الله عنها، فتدبر (١) .
стр. 52
ومن ذلك أيضاً ما تأوله قدامه بن مظعون رضى الله عنه (١) وأشكل عليه أنه لا حرج على كل من آمن واتقى وأحسن إذا ما شرب الخمر، وكان والى عمر بن الخطاب على البحرين، وبعد أن استقدمه عمر رضى الله عنه ليقيم عليه الحد لسكره، قال له: يا قدامه إنى جالدك، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان الأمر كما يقولون ما كان لك أن تجلدنى. فقال: لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذراً للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ (٣) قال عمر: صدقت (٤) .
стр. 53
ويلاحظ هنا أن الوقوف على سبب النزول هو الذى جلى الموقف لابن عباس، ورفع الإشكال عنها، وسبب نزولها على ما روى عن البراء بن عازب رضى الله عنه (١) أنه قال: "مات رجل من أصحاب النبى ﷺ قبل أن تحرم الخمر، فلما حرمت الخمر، قال رجال كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (٢) فالآية ترفع الجناح عمن شربها قبل التحريم. فلا إشكال ولا تعارض.
من أجل ذلك فقد أكد العلماء على الأهمية البالغة لسبب النزول وأنه طريق قوى فى فهم معانى القرآن الكريم (٣) .
وإذا رجعت إلى السيرة النبوية لتفهم منها التجسيد الحى للقضية الأولى التى ابتدأ بها أمر الدين، وهى الوحي الإلهى، لرأيت أن السيرة العطرة كانت أقرب وأقوى فى تفسير آيات الوحي من بعض التفاسير التى اتخذت الجانب اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى.
قال تعالى: ﴿إن سنلقى عليك قولاً ثقيلاً﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾ (٥) .
стр. 54
فإن الذى يخلو ذهنه من السيرة النبوية التى تصور الواقع الذى عاشه رسول الله ﷺ فى التنزيل القرآنى لا يستطيع أن يتصور واقع ما تشير إليه تلك الآيات وغيرها المتكلمة عن الوحي وما فيه، وما يتطلبه تصور ذلك من صفاء وطهر واستعداد وأهلية تجعله على مستوى ما لدى هذه الآيات ليتفاعل معها، وتتفاعل معه فى إطار ما تضمنته من هبات ربانية.
ومما روته كتب السنة النبوية كاشفة عن أحواله ﷺ فى التنزيل القرآنى ما يلى:
عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة" (١) .
وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه (٢) قال: "كان نبى الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وَتَرَبَّدَ له وَجْهُهُ..." (٣) .
стр. 55
وعن يعلى بن أمية رضى الله عنه (١) قال: "وددت أنى قد رأيت رسول الله ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبى ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم. فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط (٢) وأحسبه قال: كغطيط البكر..." (٣) .
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "ولقد رأيته "أى النبى ﷺ " ينزل عليه الوحي فى اليوم الشديد البرد، فيفصم "أى يقلع" عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً" (٤) .
وفى رواية عنها قالت: "إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها" (٥) .
стр. 56
وعن زيد بن ثابت رضى الله عنه (١) قال: "كنت أكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان إذا نزل عليه أخذته بُرَحاء (٢) شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجُمان (٣) ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبداً" (٤) .
وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: "كان النبى ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوى (٥) النحل، فأنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة فسرى عنه فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا" (٦) .
стр. 57
وعن عائشة رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنهما (١) سُأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحياناً يأتينى مثل صلصلة (٢) الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول" (٣) وهذه الصلصلة أو الدوى هو صوت الملك بالوحي، ولا تعارض بينهما.
قال ابن حجر (٤) : "فدوى النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوى بالنسبة إلى الحاضرين، كما قال عمر: يسمع عنده كدوى النحل، والصلصلة بالنسبة للنبى ﷺ ، فشبهه عمر بدوى النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو ﷺ بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه" (٥) .
стр. 58
٩- وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما (١) قال: سألت رسول الله ﷺ ؛ هل تحس بالوحي؟ فقال: أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىَّ إلا ظننت أن نفسى تقبض" (٢) .
... فهذه الروايات تبين لك إلى أى مدى يستلزم الوحي الإلهى من استعداد خاص، وتجرد عن عالم البشر، وإلى ما لاقى النبى ﷺ من معاناة أثناء تنزيل الوحي عليه، حتى أن الملامس لجسده الشريف، كان يشعر به كما مر من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه.
... فإذا رجعت للآيات الكريمة والتى تتكلم عن الوحي، تستطيع الآن أن تتفقهها؛ لا فى إعجازها المجرد، وإنما فى هيئة وقعها الحى على صاحب الرسالة ﷺ ، ومن عايشه بها من صاحبته رضوان الله عليهم أجمعين.
... ولتنظر الان كيف تتناول كتب التفسير للقرآن الكريم آية من تلك الآيات وهى قوله تعالى: ﴿إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلا﴾ (٣) بالتفسير والشرح لنرى أى التفاسير أقرب فى تيسير فهم الآية؛ التفسير اللغوى، أو التصوير البيانى، أو التأويل التكليفى، أو التفسير بالمأثور من السنة النبوية، والسيرة العطرة؟.
... جاء فى تفسير الألوسى: "قولاً ثقيلاً": هو القرآن العظيم، فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة، ثقيل على المكلفين، سيما على رسول الله ﷺ ، فإنه مأمور بتحملها وتحميلها للأمة. ونحو هذا جاء فى تفسير الكشاف (٤) .
وقيل: ثقيل فى الميزان، وهو اختيار ابن جرير الطبرى (٥) .
стр. 59
وقيل: ثقله على الكافرين والمنافقين بإعجازه ووعيده، وقيل غير ذلك (١) .
... وفى تفسير القرطبى: قولاً ثقيلاً: صلاة الليل! أى سنلقى عليك بافتراض صلاة الليل قولاً ثقيلاً يثقل حمله، لأن الليل للمنام، فمن أمر بقيام أكثره لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل شديد على النفس، ومجاهدة للشيطان فهو أمر يثقل على العبد" (٢) .
... وفى تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ثقيلاً: أى ثقيل وقت نزوله من عظمته، ثم ساق الروايات السابقة التى تبين أحوال النبى ﷺ وقت نزول الوحي عليه" (٣) .
... ومن كل ما سبق من أوجه التفسير، يتبين لك كيف أن التفسير الذى اعتمد على المأثور من سنة النبى ﷺ ، وسيرته العطرة، كان من أقرب وأقوى التفاسير فى تيسير فهم الآية، مع صحة بقية الأوجه الأخرى فى تفسيرها.
وتبدو أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تقييد مطلق الآيات القرآنية، أو تخصيص عامها؛ وهذه ناحية هامة جداً يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية.
أ- فمثال تخصيص السيرة العطرة لعام القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٤) فالظاهر من قوله تعالى: "وأرجلكم" الأمر بغسل الرجلين على قراءة النصب عطفاً على قوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" وهو الواجب أيضاً على قراءة الخفض عطفاً على قوله ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ فالمراد بمسح الرجلين غسلهما (٥) .
стр. 60
.. وقد توهم بعض السلف (١) كما توهم الخوارج والروافض أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روى ذلك عن على بن أبى طالب رضى الله عنه (٢) ولكنه لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه (٣) .
... ودعوى النسخ مردودة بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين بعد نزول آية المائدة، ويدل على ذلك ما روى عن جرير بن عبد الله البجلى رضى الله عنه (٤) حيث بال ثم توطأ، ومسح على خفيه. فقيل: أتفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال: إبراهيم (٥)
стр. 61
: فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة" (١) وهو ما صرح به جرير رضى الله عنه رداً على من تأول أن مسح النبى ﷺ على الخفين قبل نزول المائدة، فأجاب قائلاً: "ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة" (٢) .
стр. 62
.. فإذا كانت آية المائدة نزلت فى غزو المريسيع سنة خمس، وقيل سنة ست هجرية، ومسحه ﷺ كان فى غزوة تبوك سنة تسع هجرية على ما جاء فى رواية المغيرة بن شعبة (١) فإن هذا يدل على أن فعله ﷺ محكم وأنه مع الآية الكريمة يخصص عمومها.
... قال الإمام النووى (٢) : "فلو كان إسلام جرير متقدماً على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه فى مسح الخفين منسوخاً بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخراً علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة المطهرة مخصصة لعموم الآية" (٣) .
стр. 63
.. على أنه قد يقال: قد ثبت فى آية المائدة القراءة بالجر "وأرجلكم" عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينته السيرة النبوية، ويتم ثبوت المسح بالكتاب والسيرة، وهو أحسن الوجوه التى توجه بها قراءة الجر.
... وعلى جواز المسح على الخفين فى السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها إجماع من يعتد به فى الإجماع، ولا يعتد بإنكار الشيعة والخوارج لتلك الرخصة، ولا بخلافهم فى ذلك (١) .
стр. 64
.. قال الحافظ ابن كثير (١) : "وقد ثبت بالتواتر (٢) عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولاً منه وعملاً (٣) وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت فى صحيح مسلم من رواية أمير المؤمنين علىَّ بن أبى طالب رضى الله عنه (٤)
стр. 65
مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه آية المائدة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح فى نفس الأمر" (١) .
فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم القرآن الكريم من خلال الاستعانة بها فى تخصيص عام غسل الرجلين فى قوله تعالى "وأرجلكم" بما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ بالمسح على الخفين، ورد دعوى نسخ آية المائدة لتلك الرخصة النبوية.
ب- ومثال تقييد السيرة العطرة لمطلق القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ (٢) وهذه الآية الكريمة مطلقة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد، لأن اليد تطلق على الأصابع، والكف، والرسغ، والساعد، والمرفق، والعضد. ولكن السيرة العطرة بينت ذلك، وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة. وذلك حينما أتى بسارق إلى النبى ﷺ فقطع يده من مفصل الكف (٣) .
...
فلولا السيرة العطرة لما استطعنا فهم المراد من الآية الكريمة، ولما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح.
... والذى أخلص إليه من كل ما تقدم، التأكيد على أن أهمية السيرة النبوية فى تفسير القرآن الكريم، والوقوف من خلالها على فهم أدق وأقرب لآيات القرآن هو أمر فى غاية الجلاء.
... وهو وإن كان لا يخلو من الاعتماد عليه كتاب تفسير، إلا أن المطلوب إنما هو التركيز عليه، بحيث لا يطغى الاهتمام بالشكل، والأمور الجانبية على هذا الفحوى والمضمون؛ وهو ما يشاهد فى غالبية كتب التفسير، الأمر الذى أصبح يشكل عبئاً ظاهراً فى تناول أمر هداية القرآن حتى على طلبة العلم والمتخصصين منهم.
стр. 66
فإن هذه العلوم مِنْ لغوية - نحوية، وبلاغية - وغيرها وإن كانت وسائل يستعان بها على فهم القرآن، والوقوف على أسرار بيانه، إلا أنه لا ينبغى أن تكون هى الشغل الشاغل عن الهداية العملية للقرآن، هذه التى سرت روحها فى الرعيل الأول، فتفجرت منها ينابيع العلم والمعارف، ودانت لهم الدنيا بأسرها.
... فكيف إذا جاوز الأمر الوقوف على الوسائل إلى قضايا جانبية من القضايا الفلسفية، والأهواء الشخصية، فإنه عند ذلك يبعد كثيراً عن القصد ولا يحقق المطلوب (١) . أهـ
ثانياً: أهمية السيرة العطرة فى فهم السنة الشريفة:
... لا تقف أهمية السيرة النبوية فى فهم القرآن الكريم فقط، بل تتعدى تلك الأهمية إلى السنة المطهرة.
... فدراسة السيرة تفيدنا فى معرفة حقيقة الأوامر والنواهى فى السنة النبوية، فقد يرد الأمر أو النهى فى السنة النبوية، ولا نعلم هل هذا الأمر على الوجوب، أو على الإرشاد، أو هو منسوخ! ولا نعلم النهى أيضاً هل على التحريم، أو التنزيه، أو هو منسوخ! فتأتى السيرة العطرة لتبين لنا الحكم الدقيق فى المسألة.
أ- مثال الأمر: ما ورد فى الوضوء مما مسته النار:
... فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "توضأوا مما مست النار" (٢) وفى الباب عن أبى هريرة، وزيد بن ثابت (٣) وغيرهم.
стр. 67
.. فالظاهر هنا من قوله ﷺ : "توضأوا" أن الوضوء مما مسته النار واجب، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (١) ، ولكن ما ورد فى السيرة العطرة من فعله ﷺ يبين حقيقة هذا الأمر، وأنه منسوخ على وجه، ومحمول على الاستحباب لا على الوجوب على وجه آخر؛ يدل على ذلك ما يلى:
عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى، ولم يتوضأ" (٢) ونحوه عن عمرو بن أمية الضمرى رضى الله عنه (٣) .
وعن ميمونة زوج النبى ﷺ (٤) أن رسول الله ﷺ أكل عندها كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ" (٥) .
стр. 68
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه (١) قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار" (٢) وأصل هذا الحديث رواه البخارى فى صحيحه أن جابر بن عبد الله رضى الله عنه سأل عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمان النبى ﷺ لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفَّنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلى ولا نتوضأ" (٣) .
стр. 69
وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة رضى الله عنه (١) قال: إن رسول الله ﷺ أكل آخر أمره لحماً، ثم صلى، ولم يتوضأ" (٢) .
وعلى ذلك جمهور الصحابة، ففى الموطأ روى موقوفاً، مفرقاً ومجمعاً عن أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعامر بن ربيعة العنزى، وابن عباس، رضوان الله عليهم أجمعين – أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار" (٣) .
стр. 70
٤- وروى أن أنس بن مالك رضى الله عنه قدم من العراق، فدخل عليه أبو طلحة، وأبى بن كعب، فقرب لهما طعاماً قد مسته النار، فأكلوا منه. فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة، وأبى بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ (١) فقال أنس: ليتنى لم أفعل. وقام أبو طلحة، وأبى بن كعب، فصليا ولم يتوضآ" (٢) .
... ففى هذه الروايات ما يدل على أن الأمر فى قوله ﷺ : "توضأوا مما مست النار" محمول على الاستحباب، لا على الوجوب، وهذا قول بعض العلماء الذين ذهبوا إلى الجمع بين الروايات (٣) .
... أما الجمهور من العلماء فعلى أن أحاديث الوضوء مما مست النار منسوخة برواية جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، وغيرها من الروايات السابقة المرفوعة والموقوفة (٤) .
... فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى فهم حقيقة الأمر الوارد فى السنة النبوية، وأنه ليس مراداً، إذ هو محمول على الاستحباب على وجه الجمع بين الروايات – على رأى بعض العلماء – ومنسوخ على رأى الجمهور.
ب- ومثال النهى: ما ورد فى النهى عن الشرب قائماً:
стр. 71
.. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى ﷺ ، أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً: قال: قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث" (١) ونحوه عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة بزيادة "فمن نسي فليستقئ" (٢) .
... فالظاهر هنا من أن هذا النهى النبوى، أن الشرب من قيام حرام، ولاسيما بعد قوله فى رواية أبى هريرة السابقة "فمن نسى فليستقئ" فإن ذلك يدل على التشديد فى المنع، والمبالغة فى التحريم.
... ولكن روى فى السيرة العطرة من فعله ﷺ ما يبين حقيقة هذا النهى، وأنه ليس للتحريم:
فعن أبى عباس رضى الله عنهما قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب قائماً (٣) .
стр. 72
وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أتى باب الرحبة (١) بماء فشرب قائماً. فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت" (٢) .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى ﷺ دخل على أم سليم، وفى البيت قربة معلقة فشرب من فيها وهو قائم، قال: فقطعت أم سليم فم القربة (٣) فهو عندنا (٤) .
وروى أن كبشة بنت ثابت الأنصارى – وهى أخت حسان بن ثابت رضى الله عنهما لما دخل عليها رسول الله ﷺ ، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغى بركة موضع فىّ رسول الله ﷺ " (٥) .
стр. 73
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: "رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً" (١) .
فهذه الروايات وغيرها تدل دلالة قاطعة على أن أحاديث النهى عن الشرب قائماً تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وليس النهى للتحريم على ما جزم به ابن حزم، ولا الكراهة (٢) على ما ذهب إليه البعض (٣) .
وللحافظ ابن حجر:
إذا رمت تشرب فاقعد تفز ... *** ... بسنة صفوة أهل الحجاز
وقد صححوا شربه قائماً ... *** ... ولكنه لبيان الجواز (٤) .
... فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى حل ما ظاهره التعارض والتناقض من الأحاديث، ببيان حقيقة المراد بالنهى النبوى عن الشرب قائماً، وأنه محمول على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل حال الشرب. وليس النهى للتحريم ولا الكراهة. ودليل ذلك كله سيرة رسول الله ﷺ فى الشرب قائماً أهـ والله أعلم.
ثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً:
... السيرة النبوية هى مصدر لكل معرفة، وهى مفتاح نهضة المسلمين وحضارتهم، وهى فوق كل هذا الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، والعمل بها حفظ لكيان الإسلام وتقدمه، وتركها هدم لدين الإسلام، وتأخر المسلمين.
стр. 74
.. فها هو ذا مشرك ينطق بشمول السيرة النبوية العطرة لكل أمور الحياة، معترفاً على نفسه، ومن كل شاكلته؛ بأنهم يحرصون على معرفة تعاليم السيرة. فعن سلمان رضى الله عنه (١) أنه قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شئ حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع أو بعظم" (٢) .
... وانظر إلى قول السائل: "لقد علمكم نبيكم كل شئ" تجد أنها تدل على تتبع هؤلاء لأمور السنة النبوية والسيرة العطرة، واعترافهم – مع أهلها – بشمولها لكل أمور الحياة (٣) .
... ويقول العلامة المجرى المسلم: محمد أسد (ليوبولدفايس) فى بيان أهمية السيرة العطرة فى تاريخ المسلمين وحضارتهم قال: "لقد كانت السيرة النبوية مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلال الحاضر؟
... إن العمل بسنة رسول الله ﷺ وسيرته العطرة هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة والسيرة هو انحلال الإسلام، لقد كانت السنة والسيرة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما! أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ " (٤) .
... إن الطعن فى السيرة العطرة والسنة المطهرة طعن فى حقيقة الإسلام قرآناً وسنة، وتاريخاً، وحضارةً!!
стр. 75
.. لأنه مما لا يخفى أن القرآن الكريم إنما نزل لهداية البشر إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، ولهذا بين لهم طريق العمل، وسبل النجاح، وأعلن أن الأمة التى تعمل بهذا القانون تكون لها الخلافة فى الأرض، وتنال من السعادة، والسيادة مالا يزيد عليه، وتكون خير أمة أخرجت للناس. وكل من لم يعمل بهذا القانون يكون ذليلاً مهاناً فى الأرض، وشقياً فى الدنيا والآخرة.
... فإذا سألنا أحد: هل وجدت أمة فى زمن من الأزمان عملت بهذا القانون؟ وهل نالت به ما وعدت؟ ومتى كانت هذه الأمة؟ وكيف كانت طريقة عملها بهذا القانون؟ وأين التاريخ الصحيح لأعمالها؟.
... نقول له: نعم. وجدت أمة عظيمة عملت بهذا الكتاب الحكيم، واتخذته قانوناً أساسياً لها مدة كبيرة، فصدقها الله وعده، وأنعم عليها بالخلافة، والسيادة فى الأرض، وامتد سلطانها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكانت أمة لا نظير لها فى تاريخ العالم، وتاريخ أعمالهم المجيدة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن، وكيفية عملهم بها، كل ذلك ثابت محفوظ بصورة عديمة المثال، فإنه لا يوجد تاريخ لأمة من الأمم يبين عملها وتمسكها فى كل شئونها بقانونها مثل تاريخ هذه الأمة.
... هذه الأمة هى: رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وهذا التاريخ هو السنة النبوية، والسيرة العطرة، فبهما يعلم كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن، وبهما يعرف أن القرآن قانون قد عمل به، ونجحت أصوله الإدارية، والسياسية، والمدنية، والأخلاقية... الخ وليس هو مجموعة نظريات محتاجة للإثبات بالتجربة والتطبيق!!.
... وأما إذا عملنا برأى المنكرين للحديث والسيرة العطرة الواردة فى السنة، يضيع تاريخ الإسلام الذهبى ولا يقدر أحد أن يثبت أن القرآن قد عملت به أمة من الأمم، ونجحت فى تأسيس حكومة إسلامية مطبقة لتعليماته. فهل يرضى المسلمون بهذا؟.