← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

.. فعن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبى ﷺ ، أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً: قال: قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث" (١) ونحوه عن أبى سعيد الخدرى، وأبى هريرة بزيادة "فمن نسي فليستقئ" (٢) . ... فالظاهر هنا من أن هذا النهى النبوى، أن الشرب من قيام حرام، ولاسيما بعد قوله فى رواية أبى هريرة السابقة "فمن نسى فليستقئ" فإن ذلك يدل على التشديد فى المنع، والمبالغة فى التحريم. ... ولكن روى فى السيرة العطرة من فعله ﷺ ما يبين حقيقة هذا النهى، وأنه ليس للتحريم: فعن أبى عباس رضى الله عنهما قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب قائماً (٣) .

стр. 72

وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أتى باب الرحبة (١) بماء فشرب قائماً. فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإنى رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتمونى فعلت" (٢) . وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى ﷺ دخل على أم سليم، وفى البيت قربة معلقة فشرب من فيها وهو قائم، قال: فقطعت أم سليم فم القربة (٣) فهو عندنا (٤) . وروى أن كبشة بنت ثابت الأنصارى – وهى أخت حسان بن ثابت رضى الله عنهما لما دخل عليها رسول الله ﷺ ، وعندها قربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعت فم القربة تبتغى بركة موضع فىّ رسول الله ﷺ " (٥) .

стр. 73

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: "رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً" (١) . فهذه الروايات وغيرها تدل دلالة قاطعة على أن أحاديث النهى عن الشرب قائماً تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، وليس النهى للتحريم على ما جزم به ابن حزم، ولا الكراهة (٢) على ما ذهب إليه البعض (٣) . وللحافظ ابن حجر: إذا رمت تشرب فاقعد تفز ... *** ... بسنة صفوة أهل الحجاز وقد صححوا شربه قائماً ... *** ... ولكنه لبيان الجواز (٤) . ... فتأمل كيف كانت أهمية السيرة العطرة فى حل ما ظاهره التعارض والتناقض من الأحاديث، ببيان حقيقة المراد بالنهى النبوى عن الشرب قائماً، وأنه محمول على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل حال الشرب. وليس النهى للتحريم ولا الكراهة. ودليل ذلك كله سيرة رسول الله ﷺ فى الشرب قائماً أهـ والله أعلم. ثالثا: أهمية السيرة العطرة فى إثبات أن للمسلمين تاريخاً وحضارةً: ... السيرة النبوية هى مصدر لكل معرفة، وهى مفتاح نهضة المسلمين وحضارتهم، وهى فوق كل هذا الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، والعمل بها حفظ لكيان الإسلام وتقدمه، وتركها هدم لدين الإسلام، وتأخر المسلمين.

стр. 74

.. فها هو ذا مشرك ينطق بشمول السيرة النبوية العطرة لكل أمور الحياة، معترفاً على نفسه، ومن كل شاكلته؛ بأنهم يحرصون على معرفة تعاليم السيرة. فعن سلمان رضى الله عنه (١) أنه قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شئ حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين، أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجى برجيع أو بعظم" (٢) . ... وانظر إلى قول السائل: "لقد علمكم نبيكم كل شئ" تجد أنها تدل على تتبع هؤلاء لأمور السنة النبوية والسيرة العطرة، واعترافهم – مع أهلها – بشمولها لكل أمور الحياة (٣) . ... ويقول العلامة المجرى المسلم: محمد أسد (ليوبولدفايس) فى بيان أهمية السيرة العطرة فى تاريخ المسلمين وحضارتهم قال: "لقد كانت السيرة النبوية مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلال الحاضر؟ ... إن العمل بسنة رسول الله ﷺ وسيرته العطرة هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة والسيرة هو انحلال الإسلام، لقد كانت السنة والسيرة الهيكل الحديدى الذى قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما! أفيدهشك بعد أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ " (٤) . ... إن الطعن فى السيرة العطرة والسنة المطهرة طعن فى حقيقة الإسلام قرآناً وسنة، وتاريخاً، وحضارةً!!

стр. 75

.. لأنه مما لا يخفى أن القرآن الكريم إنما نزل لهداية البشر إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، ولهذا بين لهم طريق العمل، وسبل النجاح، وأعلن أن الأمة التى تعمل بهذا القانون تكون لها الخلافة فى الأرض، وتنال من السعادة، والسيادة مالا يزيد عليه، وتكون خير أمة أخرجت للناس. وكل من لم يعمل بهذا القانون يكون ذليلاً مهاناً فى الأرض، وشقياً فى الدنيا والآخرة. ... فإذا سألنا أحد: هل وجدت أمة فى زمن من الأزمان عملت بهذا القانون؟ وهل نالت به ما وعدت؟ ومتى كانت هذه الأمة؟ وكيف كانت طريقة عملها بهذا القانون؟ وأين التاريخ الصحيح لأعمالها؟. ... نقول له: نعم. وجدت أمة عظيمة عملت بهذا الكتاب الحكيم، واتخذته قانوناً أساسياً لها مدة كبيرة، فصدقها الله وعده، وأنعم عليها بالخلافة، والسيادة فى الأرض، وامتد سلطانها إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكانت أمة لا نظير لها فى تاريخ العالم، وتاريخ أعمالهم المجيدة، وطريقة تنفيذهم لأحكام القرآن، وكيفية عملهم بها، كل ذلك ثابت محفوظ بصورة عديمة المثال، فإنه لا يوجد تاريخ لأمة من الأمم يبين عملها وتمسكها فى كل شئونها بقانونها مثل تاريخ هذه الأمة. ... هذه الأمة هى: رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، وهذا التاريخ هو السنة النبوية، والسيرة العطرة، فبهما يعلم كيف عمل الرسول وأصحابه بالقرآن، وبهما يعرف أن القرآن قانون قد عمل به، ونجحت أصوله الإدارية، والسياسية، والمدنية، والأخلاقية... الخ وليس هو مجموعة نظريات محتاجة للإثبات بالتجربة والتطبيق!!. ... وأما إذا عملنا برأى المنكرين للحديث والسيرة العطرة الواردة فى السنة، يضيع تاريخ الإسلام الذهبى ولا يقدر أحد أن يثبت أن القرآن قد عملت به أمة من الأمم، ونجحت فى تأسيس حكومة إسلامية مطبقة لتعليماته. فهل يرضى المسلمون بهذا؟.

стр. 76

.. لا والله، لا المسلمون يرضون بهذا، ولا العلم، ولا التاريخ يرضيان بهذا! ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾ (١) أهـ. والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 77

الباب الأول:عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه ودفع الشبهات ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: عصمته ﷺ فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ويشتمل على تمهيد ومبحثين: ... المبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية. ... المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية. الفصل الثانى: شبه الطاعنين فى سلامة عقله وبدنه والرد عليها ويشتمل على تمهيد ومبحثين: ... المبحث الأول: شبهاتهم من القرآن الكريم والرد عليها. ... المبحث الثانى: شبهاتهم من السنة النبوية والرد عليها. الفصل الأول: عصمة رسول الله ﷺ فى عقله وبدنه كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ... ويشتمل على تمهيد ومبحثين: المبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى بدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. تمهيد ... عصمة سيدنا رسول الله ﷺ ؛ فى عقيدتنا أصل من أصول الإيمان والإسلام، وهى عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. والطعن فى هذه العصمة طعن فى هذه الشهادة، ولم لا وهى دليلنا على حجية الوحي الإلهى (قرآناً وسنةً) وهى دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله ﷺ على ما سبق تفصيله (١) .

стр. 78

.. ومرادى فى هذا الفصل، بيان عصمته ﷺ فى بدنه من القتل، وفى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، مع بيان كمال عقله، وخلقه ﷺ ، وأنه كما قال فيه ربه : ﴿والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى إن هو إلى وحى يوحى﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (٢) وقال : ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ (٣) . ... إن كمال العقل وعصمته من الكفر والشرك والشك، ومن تسلط الشيطان عليه؛ صفة أساسية فى رسل الله ، وشرط ضرورى من شروط رسالة جميع الرسل؛ وهى جزء من الكمال البشرى الذى كملهم الله به، وهو عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة ربهم إلى أقوامهم. ... وإذا كان الكمال العقلى صفة أساسية فى رسل الله ، فإمامهم سيدنا محمد ﷺ . والقارئ لسيرته ﷺ لا يشك فى أنه ﷺ كان أعقل الناس وأذكاهم (٤) . ... ولم لا وقد كانت نشأته ﷺ ، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله رحمة للعالمين، أكمل نشأة، تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله، ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان فى بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه فى حياته، أو يزن شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم (٥) .

стр. 79

.. وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى ﷺ بنعمة ربه قائلاً "أدبنى ربى فأحسن تأديبى" (١) . ... وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الربانى، وأن حياة نبيها ﷺ قبل البعثة، وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس، ثم نبأه الله وبعثه، فنمت فيه هذه الفضائل وترعرعت حتى أضحت حياته فريدة فى تاريخ هذه الحياة الدنيا. ... فمن أين له هذا؟ وهو اليتيم الذى تعرض منذ طفولته لمحنة اليتم، والفقر! وهو الأمى الذى لم يجلس طيلة حياته إلى معلم يثقف عقله! وهو الذى نشأ فى بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة فى مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد.

стр. 80

.. فكيف نجا سيدنا رسول الله ﷺ من تلك المؤثرات القوية؟ ... إن الإنسان العادى قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة لكن من المحال عقلاً أن يعيش فى عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلون بشئ يغضب الله عزوجل. ... نعم لقد كان فى المجتمع العربى حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبى محمد ﷺ ٠ ... إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التى نشأ فيها إلا أن تقول: إنه الإعداد الإلهى للنبوة و ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (١) . ... إنها العصمة الربانية! تلك التى حفظته ﷺ ، من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً، ودلائل تلك العصمة الإلهية متوافرة فى كتاب الله عزوجل، وسيرته العطرة، فإلى بيانها فى المبحث التالى:

стр. 81

المبحث الأول: دلائل عصمته ﷺ فى عقله من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية ... تجلت رعاية الله وعصمته لرسوله ﷺ فى قلبه، وعقيدته من الكفر والشرك، والضلال، والغفلة، والشك، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وهو فى عالم الذر، وتحدث الوحي الإلهى (قرآناً وسنةً) بذلك بياناً لمنَّة الله على نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ (١) . ... ووجه الاستدلال بالآية أنه إذا عهد إلى الأنبياء جميعاً وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه، وتوحيده. دل ذلك على عصمتهم فى عقولهم وعقيدتهم، فلا يصدر عنهم ما يخالف ذلك لا قبل النبوة ولا بعدها، ولا يقول بغير ذلك إلا من يرد على الله كلامه باصطفائهم وعصمتهم!. ... وقال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٢) .

стр. 82

.. وهذا غاية التكريم من الله لنبيه ﷺ بأخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به، وينصروه إن ظهر فى زمانهم، وفى ذلك إشارة إلى أنه ﷺ نبى الأنبياء (١) وفى السنة المطهرة ما يؤكد الآية الكريمة، فعن ميسرة الفجر رضى الله عنه (٢) قال: قلت لرسول الله ﷺ متى كنت نبياً؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (٣) .

стр. 83

.. وعن العرباض بن سارية رضى الله عنه (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنى عبد الله وخاتم النبين، وأبى منجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى آمنة التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين، وأن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته له نوراً أضاءت لها قصور الشام، ثم تلا: ﴿يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ (٢) . ... والشاهد مما سبق أن الله اصطفى أنبياءه ورسله وهم فى عالم الذر بتبليغ دينه وتوحيده، وفضل بعض النبيين على بعض، فجعل سيدنا محمدا ﷺ إمامهم، وأخذ منهم الميثاق فى عالم الأزل بالإيمان بنبوته ونصرته. ... وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور، ويجوز عليه ما يناقض عصمته فى عقله وعقيدته من الشرك، أو الشك، أو غيره من الذنوب صغائر كانت أم كبائر فهذا مالا يجوزه إلا ملحد (٣) .

стр. 84

.. وعليه فلا معنى لإثارة الخلاف حول عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - قبل نبوتهم من المعاصى كبائرها وصغائرها من حيث الوقوع أو عدمه، أو من حيث امتناعه سمعاً أوعقلاً!. ... فعصمة الرسل والأنبياء مبنية على إرادة إلهية، وهى اصطفاء الله لهم، وعصمتهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها، وهم فى عالم الغيب لم يخلقوا بعد! ... وإليك نماذج من دلائل عصمة رسول الله ﷺ : أ- عصمته ﷺ من كيد إبليس وجنوده: ... حفظ الله عباده المخلصين من كيد إبليس وجنوده فلا سبيل له عليهم كما قال عزوجل: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾ (١) واعترف إبليس بعجزه عن الكيد لهم فحكى عنه رب العزة قوله: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (٢) . ... ولا شك أن أنبياء الله ورسله، وعلى رأسهم خاتمهم ﷺ على قمة عباد الله المخلصين الذين عصمهم رب العزة من كيد إبليس وجنوده. ... والمراد بعصمة رسول الله ﷺ من الشيطان قال فيها القاضى عياض: "واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبى ﷺ من الشيطان وكفايته منه، لا فى جسمه بأنواع الأذى - كالجنون والإغماء - ولا على خاطره بالوساوس" (٣) . ... ولا عبرة بمن خرج عن المفهوم السابق لعصمة رسول ﷺ من أعداء الإسلام وأعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة. ... وقد دل على المفهوم السابق القرآن الكريم والسنة المطهرة.

стр. 85

.. أما القرآن الكريم: فقد ورد فيه تعرض الشيطان لبعض الأنبياء فى أجسامهم ببعض الأذى، وعلى خاطرهم بالوسوسة، مع عصمة الله لهم بعدم تمكن الشيطان من إغوائهم، أو إلحاق ضرر بهم يضر بالدين. قال تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فأذلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ (٢) وقال : ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ (٣) وقال ﷻ : ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ (٤) . ... وليس فى هذه الآيات الكريمات ونحوها ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾ (٥) . ... أما السنة المطهرة: فقد ورد فيها ما يؤكد ما ورد فى القرآن الكريم من تعرض الشياطين لرسول الله ﷺ فى غير موطن رغبة فى إطفاء نوره، وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، ولكن كانت عصمة الله له حائلة دون تمكن الشياطين من إغواءه، أو إلحاق ضرر به. ومن هذه الأحاديث التى تدل على ما سبق، وأنكرها أعداء السيرة العطرة (٦) ما يلى:

стр. 86

عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياى. إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم. فلا يأمرنى إلا بخير" (٢) . وقوله: "فأسلم" برفع الميم وفتحها، روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه: أَسْلَم أنا من شره وفتنته. ومن فتح قال: إن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمناً لا يأمرنى إلا بخير. وصحح الخطابى وغيره رواية الرفع، ورجح عياض والنووى والزرقانى الفتح، لأنه ظاهر الحديث فى قوله ﷺ : "فلا يأمرنى إلا بخير" ولقوله ﷺ : "فضلت على الأنبياء بخصلتين. كان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه حتى أسلم، قال أبو هريرة راوى الحديث، ونسيت الخصلة الأخرى" (٣) .

стр. 87

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عفريتاً من الجن جعل يفتك (١) علىَّ البارحة ليقطع على الصلاة. وإن الله أمكننى منه فذعته (٢) . فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوارى المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، أو كلكم، ثم ذكرت قول أخى سليمان: رب اغفر لى وهب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى. فرده الله خاسئاً" (٣) . وعن أبى الدرداء رضى الله عنه (٤) قال: قام رسول الله ﷺ . فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك" ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك. قال: "إن عدو الله، إبليس، جاء بشهاب من نار، ليجعله فى وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة" (٥) .

стр. 88

وعن عبد الرحمن بن خنبش رضى الله عنه (١) لما سئل كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين. قال: تحدرت عليه الشياطين من الجبال والأودية، يريدون رسول الله ﷺ ، قال: وفيهم شيطان وبيده شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ ، فلما رآهم رسول الله ﷺ فزع منهم، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد قل، فقال: ما أقول؟ قال: قل: "أعوذ بكلمات الله التامات، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن" قال: فقالهن، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله " (٢) . بالتأمل فى الروايات السابقة تجد أن الله عصم رسوله ﷺ من قرينه الجنى بإسلامه، فلا يأمر رسول الله ﷺ إلا بخير.

стр. 89

وكذلك عصمه الله من سائر شياطين الجن عندما تعرضوا له فى غير موطن. منها فى الصلاة عندما تعرض له عفريت من الجن، وفى رواية إبليس، وأراد إدخال شغل عليه فى الصلاة، فتمكن منه رسول الله ﷺ بخنقه، وهمَّ بربطة فى ساريه من سوارى المسجد، حتى يراه أهل المدينة إلا أنه ﷺ تركه، ودفعه دفعاً شديداً، وترك ما هَّم به عندما تذكر دعوة سيدنا سليمان ﴿رب هب لى ملكاً لا ينبغى لأحد من بعدى﴾ (١) والنتيجة كما جاء فى روايات الحديث: عصمة رسول الله ﷺ من هذا العاتى المارد من الجن أو إبليس كما جاء فى رواية أبى الدرداء، ورده الله خاسئاً. وكذلك تبين رواية عبد الرحمن بن خنبش عصمة رب العزة لرسوله ﷺ من الشياطين لما تحدرت عليه من الجبال والأودية، يريدون حرقه وقتله، حيث نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يعلمه كلمات إذا قالهن نجا من كيدهم، فقالهن ﷺ ، فطفئت نار الشياطين، وهزمهم الله .

стр. 90

وهكذا كانت عصمة المولى لرسوله ﷺ من الشياطين حتى مرض وفاته الذى لده فيه (١) بعض الحاضرين عنده بغير إذنه، ولما سألهم ﷺ عن ذلك قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجنب (٢) فبين لهم رسول الله ﷺ أن ذات الجنب من الشيطان وهو معصوم منه. قائلاً: "إنها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلطه علىَّ" (٣) . ب- عصمته ﷺ من الجهالات:

стр. 91

.. شب رسول الله ﷺ ، يحفظه الله ، ويعصمه من أقذار الجاهلية ومعائبها، ويتحدث رسول الله ﷺ عن مظاهر عصمة الله له فى صغره، وقبل النبوة قائلاً: ١- "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون بها إلا مرتين الدهر، كلتاهما يعصمنى الله منها، قلت ليلة لفتى من قريش بأعلى مكة فى أغنام لأهلنا نرعاها: انظر غنمى حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وضرب دفوف وزمراً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء، وبذلك الصوت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبى فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لى مثل ما قيل لى، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنى عينى، فما أيقظنى إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبى، فقال لى! ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئاً، قال رسول الله ﷺ : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمنى الله بنبوته" (١)

стр. 92

.. وفيما قصه النبى ﷺ عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية: الأولى: أن النبى ﷺ كان متمتعاً بخصائص البشرية كلها، وكان يجد فى نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التى اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو، ويشعر بما فى ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشئ من ذلك كما يتمتع الآخرون. الثانية: أن الله قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف، وعن كل مالا يتفق مع مقتضيات الدعوة التى هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التى تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصماً آخر خفياً يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق، وإرساء شريعة الإسلام (١) . جـ- عصمته ﷺ من التعرى ودفع ما يتوهم عكس ذلك: ... عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "لما بنيت الكعبة ذهب النبى ﷺ وعباس ينقلان حجارة، فقال العباس للنبى ﷺ : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال: "إزارى إزارى" فشد عليه إزاره، وفى رواية: فما رؤى بعد ذلك اليوم عرياناً" (٢) .

стр. 93

.. وهذه القصة وما فيها من حفظه ﷺ من التعرى قبل النبوة، وردت فى غير الصحيح عن ابن إسحاق عن أبيه عمن حدثه عن النبى ﷺ قال: "لقد رأيتنى فى غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه، لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك قال: فأخذته وشددته علىَّ ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى علىَّ من بين أصحابى" (١) . ... قال الحافظ ابن كثير: "هذه القصة شبيهة بما فى الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس، فإن لم تكن فهى متقدمة عليها كالتوطئة" (٢) . ... وقال الإمام السهيلى: "وهذه القصة إنما وردت فى الحديث الصحيح فى حين بنيان الكعبة، فإن صح أنه كان فى صغره، إذ كان يلعب مع الغلمان: فمحمله على أن هذا الأمر كان مرتين: مره فى صغره، ومره فى أول اكتهاله عند بنيان الكعبة" (٣) .

стр. 94

.. قلت: هذه القصة فى حالة صغره لم تصح سنداً، وإنما هى نفس قصة بنيان الكعبة، وإلى هذا مال الحافظ فى الفتح، فبعد أن ذكر روايات بنيان الكعبة، وهو ﷺ فى حالة كبره، والمؤيدة لما فى الصحيحين ذكر رواية الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما (١) وهو ﷺ فى حالة صغره، وقال فيها: "النضر أبو عمر الخزاز" ضعيف، وقد خبط فى إسناده، وفى متنه، فإنه جعل القصة فى معالجة زمزم بأمر أبى طالب وهو غلام، وكذا روى ابن إسحاق – إشارة إلى الرواية السابق ذكرها – ثم قال الحافظ: فكأن هذه قصة أخرى، واغتر بذلك الأزرقى فحكى قولاً: أن النبى ﷺ لما بنيت الكعبة كان غلاماً". ... ثم أكد الحافظ أن القصة واحدة فى موضع آخر إذ يقول معقباً على كلام السهيلى السابق على رواية ابن إسحاق قائلاً: "قلت: وقد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل العلماء، فلا يستحيل اتحاد القصة اعتماداً على التصريح بالأولية فى حديث أبى الطفيل رضى الله عنه قال: "فبينما رسول الله ﷺ ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودى يا محمد غط عورتك، فذلك فى أول ما نودى، فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد" (٢) .

стр. 95

فرية على عصمته ﷺ من التعرى والرد عليها: ... رغم ما فى هذه القصة الصحيحة من عناية الله بحفظ رسوله ﷺ من التعرى؛ إلا أننا نجد بعض أعداء السيرة العطرة الواردة فى السنة المطهرة من يرى فى إثبات هذا الأمر فى سيرة المصطفى ﷺ : "خرافة، وأكذوبة مفضوحة، وشناعة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبى ﷺ والإساءة لمقامه الأقدس" (١) . ... ولست أدرى أى خرافة، أو كذب، أو شناعة أو...الخ فى عصمة الله لرسوله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة المشرفة؟ ... إن الشناعة فى نظر الرافضى هى فى تعرى رسول الله ﷺ ! دون التفات منه لكيفية تعرى رسول الله ﷺ ، وعصمة الله منه! إنه يتكلم عن تعرى رسول الله ﷺ فى الرواية، وكأنه ﷺ تعمد ذلك أمام الناس. ... إذ يقول بعد أن ذكر بعض النصوص فى حياء رسول الله ﷺ ، وأنه كان مصوناً من رؤية عورته، حتى بالنسبة لأزواجه، وأن المشركين كانوا يستقبحون التعرى أمام الناس. ... يقول متسائلاً: "فكيف إذن يكشف النبى الأعظم عورته أمام الناس يا تُرى؟ " (٢) وأقول له: من أين لك من روايات عصمة رسول الله ﷺ من التعرى عند بناء الكعبة، أنه ﷺ تعمد التعرى أمام الناس (وحاشاه من ذلك) من أين لك هذا التعمد حتى ولو فى رواية ضعيفة؟!! وأنى لك هذا، وفى الصحيح ما يبطل افتراءك.

стр. 96

.. فعن أبى الطفيل رضى الله عنه قال: فبينما رسول الله ﷺ يحمل حجارة من أَجْياد (١) ، وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودى يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك" (٢) . ... فواضح من هذه الرواية، وما فيها معناها من الروايات التى فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ ، وهو يحمل الحجارة كان يستر عورته بنمرة، ولكنه وهو يحاول أن يتقى أذى الحجارة على عاتقه، حاول أن يضع طرفاً من النمرة على عاتقه، سواء من قبل نفسه أو بنصح عمه العباس له كما جاء فى الصحيح، لا تعارض. إذ النتيجة واحدة وهى: لصغر النمرة، بدت عورته، فسقط مغشياً عليه، وفى الصحيح أيضاً فخر إلى الأرض، وكلها بمعنى واحد، ولا تعارض ولا تناقض كما زعم الرافضى مستدلاً بذلك على وضع الحديث (٣) . ... وفى هذا الغشيان أو السقوط على الأرض، عصمة من الله لرسوله ﷺ إذ الجلوس أستر للعورة، ومعه أى هذا (السقوط) تمكن رسول الله ﷺ من شد إزاره على عورته التى انكشفت بلا تعمد منه، ومع كل ذلك كانت عناية وعصمة ربه له إذ نودى: "يا محمد خمر عورتك، فلم ير عرياناً بعد ذلك" وكل الروايات فى الصحيح وغيره على هذا المعنى!.

стр. 97

.. فأين إذن ما يزعمه الرافضى بأن فى روايات عصمة رسول الله ﷺ ، من التعرى حط من كرامته ﷺ ، وإساءة لمقامه الأقدس؟ وأين ما يزعمه بأن هذه الروايات تظهره بتعمد كشف عورته أمام الناس؟ وأين أيضاً ما يزعمه بأن محاولة علماء أهل السنة للجمع بين هذه الروايات محاولة فاشلة، تأتى على حساب القرآن الذى لا نقدسه - على حد كذبه - ونزعم أن فيه تحريف، ونسخ لتلاوته، أما البخارى فنقدسه ونجله عن ذلك؟! (١) أهـ. د- عصمته ﷺ من أكل ما ذبح على النصب ، ودفع ما يتوهم عكس ذلك:

стр. 98

١- عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى ﷺ ، لقى زيد بن عمرو بن نفيل (١) بأسفل بلدح (٢) قبل أن ينزل عليه ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبى ﷺ سفرة (٣) فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنى لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه" (٤) ، ففى الحديث تصريح بعدم أكله ﷺ ، مما ذبح على النصب.

стр. 99

- أما ما جاء فى حديث سعيد بن زيد بن عمرو أن رسول الله ﷺ ، وزيد بن حارثة (١) مر بهما زيد بن عمرو، فدعوه إلى سفرة لهما، فقال: يا ابن أخى إنى لا آكل مما ذبح على النصب، فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب" (٢) . - وفى حديث زيد بن حارثة رضى الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفى إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة، ووضعناها فى التنور (٣) حتى إذا نضجت، استخرجناها فجعلناها فى سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير، وهو مردفى فى أيام الحر، من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادى لقى فيه زيد بن عمرو – فذكر الحديث مطولاً – وفيه: ثم قدّمنا إليه يعنى زيد بن عمرو – السفرة التى كان فيها الشواء، فقال: ما هذه؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: إنى لا آكل ما ذبح لغير الله" (٤) .

стр. 100

وفى رواية قال: "ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه" (١) فليس فى الروايتين ما يتعارض مع رواية البخارى السابقة من عصمته ﷺ من أكل ما ذبح للأصنام، لأن قول زيد: "هذه شاة ذبحناها لنُصب كذا وكذا" تعنى الحجر الذى ذبحت عليه الشاة، وليس هذا الحجر بصنم ولا معبود، وإنما هو من آلات الجزار التى يذبح عليها، لأن النُصب فى الأصل حجر كبير. فمنها ما يكون عندهم من جملة الأصنام، فيذبحون له وعلى اسمه! ومنها مالا يعبد، بل يكون من آلات الذبح، فيذبح الذابح عليه لا للصنم!. وهذا أكثر ما تحمله العبارة السابقة: أن يكون زيد بن حارثة ذبح شاة، واتفق ذلك الذبح عند صنم، كانت قريش تذبح عنده، لا أنه ذبحها للصنم!. فظن زيد بن عمرو أن ذلك اللحم مما ذبح لصنم، فامتنع لذلك حسماً للمادة، ولم يكن الأمر كما ظن زيد (٢) . ويكون امتناع النبى ﷺ بعد ذلك عن أكل شئ ذبح على النصب أى الحجر مثل امتناع زيد بن عمرو حسماً للمادة.

стр. 101

هذا ولا يعنى قول زيد بن حارثة: "فما رؤى النبى ﷺ بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب" أنه ﷺ قبل ذلك كان يأكل مما ذبح لصنم! كلا! وحاشاه ﷺ من ذلك، ويؤكده ما جاء فى نفس الرواية السابقة من حديث زيد بن حارثة قال: "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تمسه" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته! فقال رسول الله ﷺ : "ألم تنه؟ " (١) . فكيف يعقل إذن أن ينهى رسول الله ﷺ عن استلام الأصنام ثم يذبح لها؟! (٢) . أما ما يستشكل من قول زيد بن عمرو: "إنى لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه" وهو ما يعنى أنه علم أن الشاة المذبوحة، إنما ذبحت على النصب الذى هو من آلات الذبح، ولم تذبح لصنم، ولكنه مع ذلك امتنع عن الأكل منها، لأنها لم يذكر عليها اسم الله ، وهو ما يعنى أن رسول الله ﷺ كان أولى بهذه الفضيلة من زيد بن عمرو. فالجواب: أنه ليس فى الحديث أنه ﷺ أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل، فزيد إنما كان يفعل ذلك برأى يراه، لا بشرع بلغه، ولاسيما وزيد يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل الكتابين (٣) .

стр. 102

وهو وإن كان على دين سيدنا إبراهيم، فشرعه على تحريم الميتة، لا تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، واستمر ذلك حتى جاء الإسلام (١) . أما قول بعض خصوم السيرة العطرة: "بأن هذا جواب بارد، لأن فيه إدراك زيد لهذا الأمر الذى وافق فيه نظر الشرع" (٢) . فأقول له: وأين نظر الشرع هنا فى إدراكه، وقد جاء النهى عن أكل ما ذبح إلى غير اسم الله ، بعد المبعث بمدة طويلة، ولم ينقل أن أحداً بعد المبعث كف عن الذبائح حتى نزل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ (٣) . أما زعمه بان إدراك زيد لذلك دونه ﷺ مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به، لأنه يعنى أن زيداً كان أعقل من النبى ﷺ وأعرف به (٤) . فالجواب: أنه ليس فى إسناد فضيلة لزيد بن عمرو أو لغيره، ما يعود بالنقض على رسول الله ﷺ ، ولا ما يثبت تفضيله عليه. إذ من المسلم أنه قد يكون فى المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل، ولا يؤثر هذا فى أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية. وهذا بديهى. وإلا فليخبرنا الرافضى، هل الفضائل والمناقب الصحيحة، بل وحتى الضعيفة والموضوعة التى تنسب لسيدنا على بن أبى طالب، أو غيره من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين تعنى أنه أو أنهم أعقل من سيدنا رسول الله ﷺ وأعرف منه، وأفضل منه؟!! أهـ. هـ عصمته ﷺ من الحلف بأسماء الأصنام التى كان يعبدها قومه، ويحلفون بها تعظيماً لها:

стр. 103

.. جاء فى قصة بحيرا الراهب أنه استحلف النبى ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام فى سفرته مع عمه أبى طالب وهو صبى، لما رأى فيه علامات النبوة، فقال بحيرا للنبى ﷺ يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فقال له النبى ﷺ : "لا تسألنى باللات والعزى شيئاً، فوالله ما أبغضت بغضها شيئاً قط" (١) . وعن عروة بن الزبير رضى الله عنه قال: حدثنى جار لخديجة بنت خويلد رضى الله عنها قال: سمعت النبى ﷺ يقول لخديجة: أى خديجة والله لا أعبد اللات أبداً، والله لا أعبد العزى أبداً، قال: فتقول خديجة خل العزى، قال: كانت صنمهم الذى يعبدون، ثم يضطجعون" (٢) .

стр. 104

و عصمته ﷺ من استلام الأصنام ، وبيان مراد ما يفيد ظاهره عكس ذلك: ... عن زيد بن حارثة رضى الله عنه قال: "وكان صنماً من نحاس يقال له أساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ : "لا تمسه" قال زيد: فطفنا. فقلت فى نفسى لأمسنه؛ حتى أنظر ما يقول! فمسحته فقال رسول الله ﷺ : "ألم تنه؟ " قال زيد: فوالذى أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلمت صنماً حتى أكرمه الله بالذى أكرمه، وأنزل عليه الكتاب...الحديث" (١) . ... أما ما روى ما يفيد ظاهره من استلامه ﷺ الأصنام، فليس ظاهره مراداً على فرض صحة الرواية، كيف والرواية فى ذلك لم تصح. ... فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "كان النبى ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، قال: فسمع مَلَكين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ . قال: كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم" (٢) أى لم يعد رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم التى فيها شئ من الوثنية، وإلا فقد كان يشهد مشاهد الحلف ونحوه، لا مشاهد استلام الأصنام.

стр. 105

.. قال الحافظ ابن حجر فى المطالب العالية: "هذا الحديث أنكره الناس على عثمان ابن أبى شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الَملَك "عهده باستلام الأصنام" فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مراداً، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم" (١) . ... وهذا الرأى ذهب إليه الأئمة: السيوطى فى الخصائص الكبرى (٢) وابن كثير فى البداية والنهاية (٣) والبيهقى فى دلائل النبوة (٤) والهيثمى فى مجمع الزوائد (٥) قائلاً: "رواه أبو يعلى وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، ولا يحتمل هذا من مثله، إلا أن يكون رسول الله ﷺ كان يشهد تلك المشاهد قبل النبوة للإنكار وهذا يتجه، ويفسره ويؤكده رواية زيد بن حارثة السابقة" أهـ بتصرف. ... قلت: وأنا مع الأئمة فيما ذهبوا إليه من إنكارهم للحديث، وتفسيرهم لظاهر استلامه ﷺ للأصنام بأن المراد به شهوده ﷺ مشاهد المشركين واستلامهم لأصنامهم، ويؤكد هذا التفسير سيرته العطرة قبل النبوة والتى عصمه ربه فيها مما كان عليه المشركون، من أكل ما ذبح على النصب، أو الحلف بأسماء الأصنام، وكذلك عصمته من مظاهر لهو الجاهلية، ولو كان من رسول الله ﷺ شئ من ذلك لاحتجوا به فى رد دعوته بعد البعثة، ولكن ذلك لم يرد، فدل على عصمته ﷺ منه.

стр. 106

.. "وأياً كان الأمر فإن حديث جابر منكر، أنكره أحمد بن حنبل جداً، وقال هو موضوع، أو شبيه بالموضوع، وقال الدارقطنى: يقال إن عثمان بن أبى شيبة وَهِمَ فى إسناده ... وقال القاضى عياض: والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه" (١) ورغم حكم أئمة السنة على رواية جابر بالنكارة، إلا أنك تجد بعض الشيعة يحاول أن يوهم قارئه أن علماء السنة يصححونها (٢) . ... أما ما زعمه "در منغم" من تقربه ﷺ إلى العزى بشاة بيضاء (٣) وما ذكره الدكتور هيكل تبعاً له، من أنه ﷺ تمسح بالصفراء (٤) فكلاهما ادعاء باطل؛ واختلاق من نسج خيال مريض، حيث لم يرد لم زعموا ذكر البتة، فى أى من كتب السنة أو السير أو التاريخ أو غيرها. وأنى لهما أن يثبتا ذلك؟ ! ولماذا اختيار الشاة البيضاء؟ أو صنم الصفراء بأعيانهما؟ وإذا كان رسول الله ﷺ ، يصون لسانه عن مجرد ذكر الأصنام؛ فكيف يقرب القرابين إليها ويتعبدها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. ز- من مظاهر عصمته ﷺ شق صدره الشريف: ... قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٥) فى هذه الآية الكريمة يبين رب العزة منته على رسول الله ﷺ ، بشرح صدره الشريف لإعداده للقيام بعبء الدعوة، وحمل الرسالة، وعصمته من الشيطان الرجيم (٦) .

стр. 107

.. والاستفهام فى الآية (ألم) للتقرير: أى قد شرحنا لك صدرك والشرح هنا فى حقه ﷺ ، شرح معنوى وحسى معاً. ... أما الشرح المعنوى: فهو بالنور الإلهى كما فى قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد فى السماء﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ (٢) . ... أما الشرح الحسى: فقد حدث له ﷺ أربع مرات (٣) وبه قال كثير من الأئمة: وكانت المرة الأولى: عندما كان ابن أربع سنين من عمره المبارك، وكان القصد منها كما جاء فى الرواية – نزع العلقة السوداء من قلبه، كرامة له من عند ربه ، تلك العلقة التى ولد بها تكملة للخلق الإنسانى، لأنها حظ الشيطان من كل البشر، وقد تم بنزعها من قلبه ﷺ ، أن نشأ مبرءاً من كل عيب، فنشأ على أكمل أحوال البشر من العصمة من الشيطان، والاتصاف بالمحامد العليا منذ نعومة أظفاره، والتى لا يفوقه فيها غيره (٤) .

стр. 108

وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه هذه المرة الأولى لشق صدره الشريف مجملة عن أنس بن مالك رضى الله عنه (١) أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعنى ظئره (٢) فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره" (٣) فالحديث نص صريح على الشق الحسى لصدر رسول الله ﷺ (٤)

стр. 109

، وإخراج جبريل لحظ الشيطان منه، وتطهير لقلبه، فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه، وهذا دليل على عصمته من كل ما يمس قلبه، وعقيدته، وخلقه، منذ صغره ﷺ . وقد تكرر شق صدره الشريف للمرة الثانية، وهو ابن عشر سنين وأشهر من عمره الطيب المبارك، وهو سن بداية الكمال، وذلك لقربه من سن التكليف، من أجل أن لا يلتبس بشئ مما يعاب على الرجال، وحتى لا يكون فى قلبه شئ إلا التوحيد، كما كان أيضاً شق صدره الشريف هذه المرة توطئة لما بعده عند البعثة الشريفة (١) .

стр. 110

فقد أخرج عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند عن أبى بن كعب رضى الله عنه (١) أن أبا هريرة رضى الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت فى أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالساً. وقال: لقد سألت أبا هريرة إنى لفى صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسى، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلانى بوجوه لم أراها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلىَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهم بعضدى، لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه؛ فأضجعانى بلا قصر ولا حصر، وقال أحدهما لصاحبه: أفلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدرى، ففلقها فيما أرى بلا دم، ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى، فقال: اغد وأسلم، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير" (٢) .
следующие страницы →