ثانياً: إذا كان أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة اتخذوا لأنفسهم شعار "القرآنيون" يستدلون به وحده على ما يزعمون؛ فهم يحرصون دائماً على الإيمان ببعض القرآن، والكفر ببعضه الآخر؛ حيث أنهم هنا فى افتراءاتهم يستدلون بظاهر وعموم بعض الآيات القرآنية التى تحث رسول الله ﷺ ، على البلاغ، وتركوا باقى نصوص القرآن الكريم التى تفصل حقيقة هذا البلاغ، وتفصل أيضاً باقى أدوار رسول الله ﷺ ، فى رسالته.
... وإليك شواهد من الآيات القرآنية ترد على افتراءاتهم، وتبين فى وضوح وجلاء أن دور رسول الله ﷺ فى رسالته ليس قاصراً على بلاغ القرآن الكريم فقط، وإنما بيان هذا الكتاب الكريم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتزكيتهم، والحكم بينهم فى كل شأن من شئون حياتهم، وما كل ذلك إلا بالسنة المطهرة، والسيرة العطرة التى ينكرونها.
قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) والبلاغ الذى أمر المولى به رسوله، هو الوظيفة الأولى له ﷺ وهو بلاغ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، وقد وصل إلينا هذا البلاغ فى وحيين:
أحدهما: متلو وهو القرآن الكريم.
وثانيهما: غير متلو وهو السنة المطهرة.
... ويدل على عموم البلاغ، عموم الاسم الموصول "ما" فى الآية الكريمة، كما عمم من أراد تبليغهم، حيث حذف المفعول الأول لـ "بلغ" ليعم الخلق المرسل إليهم؛ والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من كتاب وسنة، من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك (٢) .
стр. 492
.. أما كون رسول الله ﷺ ، كما نص القرآن، ما عليه إلا البلاغ، والاستدلال بظاهر ذلك على حصر مهمته فى بلاغ القرآن فقط، فإن ذلك فهم غير مراد؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (١) معناه نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ (٣) والمعنى: نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، ففى العقيدة والتصديق القلبى، لا إكراه، أى ليس هناك إلا البلاغ، أما فى شريعة الدولة والسياسة والاجتماع والمعاملات، فهناك السلطان والثواب والعقاب، وليس هناك أدنى تناقض بين وقوف سلطان الرسول ﷺ ، فى العقيدة عند البلاغ؛ ﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى﴾ (٤) وبين وجود ووجوب الطاعة المتميزة له، فى إطار بيان وتطبيق الوحي الإلهى... بل إن القرآن الكريم يجمع بين الأمرين فى الآية الواحدة. وتأمل قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٥) فالرسول الله ﷺ ، طاعة متميزة وسلطان وتشريع لإقامة الدين، والإقامة تطبيق وتجسيد، يزيد على مجرد البلاغ والتبليغ بدليل ما يلى:
قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٦) و"التبيين" هنا غير "التبليغ" الذى هو الوظيفة الأولى للنبى ﷺ ، ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٧) .
стр. 493
و"التبيين" و"التبليغ" وظيفتان موضوعهما واحد هو "القرآن الكريم" عبر عنه فى آية "التبليغ" بهذا اللفظ: ﴿ما أنزل إليك﴾ وعبر عنه فى آية التبيين بلفظ مختلف: ﴿ما نزل إليهم﴾ وبينهما فروق لها دلالتها. مردها إلى الفرق بين الوظيفتين.
"فالتبليغ": تأدية النص، تأدية "ما أنزل" كما "أنزل" دون تغيير ما على الإطلاق، لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير.
و"التبيين": إيضاح، وتفسير، وكشف لمراد الله من خطابه لعباده، كى يتسنى لهم إدراكه، وتطبيقه، والعمل به على وجه صحيح.
"والتبليغ": مسئولية "المبلغ" وهو المؤتمن عليها، وهذا سر التعبير: ﴿وأنزلنا إليك﴾ حيث عدى الفعل "أنزل" بـ "إلى" إلى ضمير النبى ﷺ المخاطب.
و"التبيين": مهمة، فرضتها حاجة الناس لفهم ما خوطبوا به وبلغوه، وإدراك دلالته الصحيحة، ليطبقوه تطبيقاً صحيحاً. ومن هنا كانت المخالفة فى العبارة ... "نزل إليهم" حيث عدى الفعل "نزل" بـ "إلى" مضافاً إلى الضمير "هم" أى الناس، وعدى الفعل: "لتبين" إلى الناس بـ "اللام" أن كانت حاجتهم إلى "التبيين" هى السبب والحكمة من ورائه، وهى توحى بقوة أن رسول الله ﷺ ، ليس بحاجة إلى ما احتاج إليه الناس من هذا التبيين، ولعمرى إنه لكذلك، فقد أوحى إليه بيانه وألهمه، فالتقى فى نفسه "البيان" و"المبين" معاً وأصبح مؤهلاً لأن يقوم بالوظيفتين: وظيفة البلاغ، ووظيفة التبيين على سواء!.
وكما أن محالاً أن يكتم رسول الله ﷺ ، شيئاً مما أمر بتبليغه، فمحال أن يترك شيئاً مما أمر بتبليغه دون أن يبينه، فكلا الأمرين: التبليغ والتبيين من صميم رسالته: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ ... ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ٠
стр. 494
واختلاف الناس فى فهم القرآن ما بين مصيب ومخطئ... واختلافهم فى درجات الإصابة، ودرجات الخطأ... برهان بين على حاجتهم إلى "تبيين" لكتاب ربهم، ينهض به إمام الموقعين عن رب العالمين ... رسول الله الذى أنزل عليه هذا الكتاب.
هنا يقع قول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) موقعاً يسد كل ثغرة، يحاول النفاذ منها من يرفض "سنة رسول الله" أو يهون من شأنها، أو يسعى للتشكيك فيها، وإسقاط حجيتها وإلزامها.
ويقع نفس الموقع قول النبى ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى؟ ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" (٢) .
وهنا لى أن أقرر: أن إنكار مهمة رسول الله ﷺ ، البيانية، أو رفضها أو التشكيك فيها ينطوى على رفض وتكذيب للقرآن نفسه؟ ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٣) .
كما ينطوى على الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ ، فى بلاغ وحى الله تعالى، إليه، لأن ترك تبيين كلمة واحدة فى القرآن الكريم، تحتاج إلى تبيين دون أن يبينها تقصير، ككتمان حرف واحد مما أمر بتبليغه، ورسول الله ﷺ مبرأ من أن يخون فى التبليغ، أو يقصر فى التبيين.
стр. 495
فمن المتهم إذن: باتهام رسول الله ﷺ ، بأنه فرط فى تبليغ رسالته؟ من يؤمن بأن من مهمته فى رسالته البيان أم من ينكر ذلك؟!.
إن إنكار أعداء السنة المطهرة، لهذه المهمة، بحجة أن المولى تكفل بهذا البيان والتفصيل فى قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ (٢) وقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ (٣) لا حجة لهم فى ذلك لما يلى:
أ- أن مجئ لفظ البيان فى جانب الله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ، ومجئ لفظ "التبيين" فى جانب رسول الله، ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ لا يفسر بأنه تنويع فى اللفظ، أو تفنن فى العبارة، وإنما هو قصد مقصود، وراءه دلالات يبحث عنها وهى: أن "بيان" الله للقرآن إنما هو لنبيه ﷺ ، ومصدره هو الله تعالى، ومستقبله رسول الله ﷺ ، وطريقه: الوحي فى صورة ما من صورة. أما "التبيين" فهو من رسول الله للناس، ومصدره رسول الله، ومستقبله المخاطبون بهذا القرآن، وطريقه إنما هو "اللغة" وليس "الوحي".
стр. 496
.. والخلاصة: رسول الله يتلقى بيان القرآن عن ربه "وحياً" والناس يتلقون تبيينه عن رسول الله "لغة وكلاماً"، إذن: هناك اختلاف بين "البيان" و"التبيين" من ثلاث جهات: من جهة المصدر، ومن جهة المستقبل، ومن جهة الطريق أو الأداة، أو الوسيلة، التى يعبر خلالها "البيان" أو "التبيين" إلى مستقبله هل يكفى هذا لبيان السبب فى اختصاص كل لفظ بموضعه؟.
وهل يزعم زاعم بعد هذا أن بالإمكان التعبير عن كلا "البيانين" "بيان الله" و"تبيين رسوله" للقرآن بلفظ واحد.
... إن الفرق من السعة والوضوح والعمق، بحيث يفرض اختلاف التعبير فى هذين المقامين المختلفين (١) .
ب- إن المراد بتفصيل وتبيان الكتاب لكل شئ يعنى: تفصيل وتبيان القرآن لكل شئ من أحكام هذا الدين كقواعد كلية مجمله. أما تفاصيل تلك القواعد، وما أشكل منها، فالبيان فيها راجع إلى تبيين رسول الله ﷺ .
... ويدل على ذلك قول ابن مسعود فى قوله تعالى: ﴿تبياناً لكل شئ﴾ قال: قد بين لنا فى هذا القرآن، كل علم، وكل شئ. وقال مجاهد: كل حلال وحرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل نافع من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتى، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون فى أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم. وقال الأوزاعى "تبياناً لكل شئ" أى بالسنة (٢) .
стр. 497
.. ولا تعارض بين القولين – ابن مسعود والأوزاعى – فابن مسعود يقصد العلم الإجمالى الشامل، والأوزاعى يقصد تفصيل وبيان السنة لهذا العلم الإجمالى. ومن هنا؛ فالقول بأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ قول صحيح فى ذاته بالمعنى الإجمالى السابق، ولكن الفساد فيما بنوه عليه من قصر مهمة رسول الله ﷺ ، على بلاغ القرآن فقط، وإنكار مهمته البيانية (السنة المطهرة) والاكتفاء بالقرآن ليؤولوه حسب أهوائهم، وإلا فرب العزة هو القائل فى نفس سورة النحل، وقبل هذه الآية قال: ﴿ليبين لهم الذى اختلفوا فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٢) وقال : ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه﴾ (٣) فتلك ثلاث آيات كريمات فى نفس سورة النحل، وسابقة لآية ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ والثلاث آيات تسند صراحة مهمة التبيين إلى نبيه ﷺ ، فهل يعقل بعد ذلك أن يسلب الله هذه المهمة – التبيين – التى هى من مهام الرسل جميعاً كما قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (٤) ويوقع التناقض بقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ وقوله: ﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ ؟!.
إن كل الرافضين لمهمة رسول الله البيانية، لابد أن يلتزموا بهذه النتيجة التى تعود بالنقض على الإيمان بالكتاب، وبمن أنزل الكتاب ﷻ ، سواء أقروا بلسانهم بهذا النقض أم لا، وتنبهوا إلى ذلك أم لا؟!!.
стр. 498
.. ويجدر بى هنا أن أشير إلى ما قاله الحافظ ابن حجر مبيناً المراد من الأحاديث والآثار المؤذنة بالاقتصار على كتاب الله . نحو قوله ﷺ : "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله" (١) وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما حضر رسول الله ﷺ ، وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبى ﷺ : "هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده" فقال عمر: إن رسول الله ﷺ ، قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله" (٢) وأشباه هذا مما روى مرفوعاً وموقوفاً، بالاقتصار على القرآن فقط.
... يقول الحافظ: "الاقتصار على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ، إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب، عملوا بكل ما أمرهم النبى ﷺ ، به لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٣) وهذا الذى قاله الحافظ ﵀، يؤكد ما سبق ذكره.
... ومما هو جدير بالذكر هنا. أن الكلام السابق للحافظ، نقله مبتوراً جمال البنا حيث قال: "التمسك بالقرآن والعمل بمقتضاه، إشارة إلى قوله ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله" وترك جمال البنا، بيان أن العمل بالقرآن الكريم يقتضى العمل بالسنة كما صرح ابن حجر (٤) .
стр. 499
.. وهذا ما فعله أيضاً أحمد صبحى منصور. حيث نقل كلام الحافظ ابن حجر الذى نقلته، وبتر منه لفظه (النبى ﷺ فصارت العبارة: "فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به" (١) وإذا تقرر لك هناك أن لرسول الله ﷺ ، فى رسالته مهمة غير التبليغ وهى تبيين القرآن الكريم، الملازم للمهمة الأولى وهى تبليغه. فاعلم أن لرسول الله ﷺ ، حكم فى رسالته، جعله ربه من مهام رسالته.
٣- قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٢) فبين ربنا سبحانه أنه أنزل الكتاب إلى رسوله ﷺ ، ليحكم بين الناس بما ألهمه الله وأرشده، وإذا كان الحكم بالقانون، غير سن القانون فإن حكم رسول الله ﷺ ، بما جاء فى القرآن من تشريعات، فضلاً عن تبيينه بالسنة، هو أمر زائد على مجرد البلاغ لهذه التشريعات.
стр. 500
.. وتحكيمه ﷺ فى كل شئون حياتنا، والرضى بحكمه، والتسليم به، جعله رب العزة علامة الإيمان كما قال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسيلما﴾ (١) وما ذلك إلا لأن حكمه ﷺ ، وحى من الله واجب الاتباع لقوله ﴿بما أراك الله﴾ وعلى هذا الفهم صحابة رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم، يدل على ذلك قول عمر رضى الله عنه وهو على المنبر: "يا أيها الناس إن الرأى إنما كان من رسول الله ﷺ ، مصيباً لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف" (٢) لقد قال عمر ذلك على المنبر، ولم يعترض عليه أحد من الحاضرين، لا من الصحابة، ولا من التابعين، مما يدل على أنهم جميعاً يعلمون أن لرسول الله حكم فى رسالته هو من ربه، وهو أمر زائد على مجرد البلاغ!.
وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين﴾ (٣) إن الله فى هذه الآية الكريمة، يمتن على هذه الأمة، ببعثه رسول الله ﷺ ، من أنفسهم، وأنه جاء ليس لمجرد بلاغ وتلاوة القرآن الكريم فقط – كما يزعم أعداء الإسلام؛ وإنما جاء مع بلاغ القرآن وتلاوته؛ جاء بتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة.
стр. 501
وهذه التزكية والتعليم من مهامه ﷺ فى دعوته، مع بلاغه للقرآن وبيانه لما فيه، وحكمه به. وبهذه المهمة (التزكية والتعليم) تكون هداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
٥- قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور﴾ (١) أى من ظلمات الكفر والجهل والضلالة، إلى نور الإيمان والعلم والهداية (٢) وقال سبحانه: ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ (٣) فأسند الهداية إليه ﷺ ، مما يدل على أنه ﵊ بكل ما جاء به من عند الله ، يهدى إلى صراط مسقيم.
... وتأمل قوله "لتخرج" وقوله "تهدى" إنه سبحانه اسند الفعلين إليه ﷺ وفى ذلك دلالة على أن ذلك من مهام رسالته التى كلفه بها، مع بلاغه للقرآن وتبيينه لما فيه، وحكمه بين الناس وتزكيته وتعليمه لأمته؛ وكل ذلك ينكره أعداء هذه الأمة.
إن زعم أعداء السيرة العطرة، أن رسول الله ﷺ ، مهمته الوحيدة، تبليغ القرآن فقط، وإنكارهم مهمته البيانية للقرآن الكريم، يعد هذا الزعم منهم طعناً فى عصمته ﷺ فيما بلغه من وحى السنة المطهرة، وطعناً منهم أيضاً فى عصمته فى رجاحة عقله وكماله، لأنهم فى كتاباتهم المفتراه، يقدمون رؤيتهم القرآنية بياناً، وتفسيراً، ومفهوماً لآيات القرآن الكريم.
... فكيف ينكرون أن يكون لرسول الله ﷺ بيانه، وتفسيره وشرحه لآيات القرآن الكريم؟ وهو أعلم الناس به؛ حيث عليه أنزل.
стр. 502
.. ومن هنا لما قال رجل لمطرف بن عبد الله (١) : لا تحدثونا إلا بما فى القرآن قال مطرف: إن والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا" (٢) .
... ويقول جابر بن عبد الله يصف حج النبى ﷺ ،: "فصلى رسول الله ﷺ ، فى المسجد ثم ركب القصواء (٣) حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شئ عملنا به.." الحديث (٤) .
... فتأمل قول الصحابى: "ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله" إنه ﷺ ، هو الذى علمه الله القرآن، وكل ما من شأنه أن ييسر العمل به، فعلمه تأويله، وأراه ما به يتم الدين.
стр. 503
.. إن مقتضى إيمانهم برسالته ﷺ ، أن يسألوه ويحكموه عن كل ما بدا لهم؛ إنهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ، يأتيه الوحي فى أى وقت بالقرآن وتأويله، وبكل ما يتصل ببيان الدين، ومن هنا سألوا واستفسروا وأجابهم ﷺ ، بما به بين، ووضح، وأفاد وأجاد (١) حتى قال ﷺ : "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيع عنها بعدى إلا هالك" (٢) .
... إن تأويل وتفسير، رسول الله ﷺ ، للقرآن الكريم، هو فريضة قرآنية، وتكليف إلهى للنبى ﷺ زائد على مجرد بلاغه – وليس فضولاً ولا تزايداً، ولا إضافة يمكن الاستغناء عنها لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٣) فكيف ينكرون هذا التبيان النبوى للبلاغ القرآنى، بينما يمارسون هم شرح وتفسير آيات القرآن؟ أهذا معقول؟ فضلاً عن أن يكون مقبولاً؟ !!.
... إن رسول الله ﷺ ، بنص الآيات الكريمات السابق ذكرها، مبلغ، ومبين، وحاكم، ومزكى، ومعلم، وهادى إلى صراط مستقيم، وليس مجرد ساعى بريد؟!.
стр. 504
.. وبعد: إذا تقرر أن من مهام رسول الله ﷺ ، فى رسالته بيان القرآن الكريم، والمسلمون جميعاً يعلمون ذلك، ويسلمون به، يبقى توضيح أن البيان النبوى هو الحكمة، وهى السنة المطهرة التى ينكرها أعداء الإسلام، ويزعمون أن سنته الحقيقية هى القرآن فقط.
فإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها
المطلب الثانى: شبهة أن رسول الله ﷺ ليست له سنة نبوية
والرد عليها
... زعم أعداء السنة النبوية، أن رسول الله ﷺ ، ليست له سنة، وأن سنته الحقيقية هى القرآن الكريم فقط، وزعموا أن القول بأن له سنة نبوية، تشويه لسيرته، وتجعله مشرعاً.
... يقول إسماعيل منصور: "إن السنة الحقة، هى سنة واحدة، سنة الله ، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال أحكام ومدلولات القرآن الكريم، فنقبله كبيان فحسب، وليس تشريعاً مستقلاً" (١) .
... ويقول أحمد صبحى منصور: "إن تلك الأحاديث المذكورة فى كتب التراث ليست من الوحي، الذى نزل على النبى، وليس هناك فى الإسلام حديث إلا حديث الله تعالى فى القرآن، أما تلك الأحاديث التراثية، وأسفارها، فلا أول لها ولا آخر، وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد، وربما فى الصفحة الواحدة وتخالف القرآن مثل الرجم وحد الردة" (٢) .
стр. 505
.. ويقول صالح الوردانى: "وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول ﷺ ، هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه، فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكاماً فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته" (١) ويقول أيضاً: "الروايات المنسوبة للرسول، والتى تضيف على لسانه أحكاماً جديدة، وتخترع أحكاماً لا وجود لها فى القرآن تضع الرسول فى دائرة المشرع" (٢) .
... ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولاً: سبق فى المطلب السابق تفصيل أن لرسول الله ﷺ فى رسالته مهمة ووظيفة، زائدة على مجرد البلاغ، وهى مهمة تبيان القرآن الكريم، وهذه المهمة تضاربت فيها أقوال من يسمون أنفسهم "القرآنيون". فبينما تجد بعضهم فيما سبق يجحد هذه المهمة من أصلها، ترى هنا بعضهم يؤمن بها، وبمفهومه الخاص، القائم على إنكار أن يكون لرسول الله ﷺ فى رسالته، وحى غير متلو - السنة المطهرة.
стр. 506
ثانياً: إذا تقرر لك بالدليل القاطع أن لرسول الله ﷺ تبياناً للقرآن الكريم، فاعلم أن لهذا التبيان صفة المبين، من حيث وجوب قبوله، ووجوب العمل به، وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ ويستلزم هذا ضرورة أن هذا التبيان النبوى، هو الحكمة وهى السنة النبوية التى عبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" (١) .
... وبناء الفعل للمجهول "أوتيت" يدل على أن الله تعالى، أعطى لرسوله ﷺ ، القرآن ومثله معه، فما هو المماثل الذى تلقاه رسول الله ﷺ عن ربه؟ يصرح القرآن الكريم بأن هذا المماثل هو "الحكمة" التى قرنها رب العزة فى كتابه مع القرآن الكريم فى آيات عدة منها:
قوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ (٢) فالآية والحديث يفيدان أن الله تعالى، أنزل عليه ﷺ ، الكتاب والحكمة، مثل القرآن، وهى معه، آتاهما الله له ﷺ ، بل إن إحدى روايات هذا الحديث تتواءم مع الآية أكثر من هذه الرواية، ونصها: "أتانى الله القرآن، ومن الحكمة مثليه" (٣) .
وقال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٤) فعطف الحكمة على آيات الله، لتندرج تحت ما أضيف إليها وهو "التلاوة" وهذا يضفى على الحكمة – وهى السنة – أنها فى حجيتها، ووجوب تبليغها، كالقرآن سواء بسواء (٥) .
стр. 507
وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١) قال الإمام الشافعى (٢) : "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة (٣) سنة رسول الله ﷺ ، قال: وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله" (٤) .
стр. 508
وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "الكتاب والحكمة" الكتاب والسنة (١) وعن قتادة قال: والحكمة أى السنة (٢) ونفس القول قال به غيرهما (٣) وعلى هذا الفهم سلفنا الصالح من أئمة المسلمين (٤) .
ثالثاً: إذا تقرر أن تبيان رسول الله ﷺ للقرآن الكريم هو الحكمة، وأن هذه الحكمة هى السنة النبوية، وأنها متماثلة للقرآن كما قال رسول الله ﷺ ، فهذا يعنى أنها مثل القرآن فى وجوب قبولها، والعمل بها، سواء بسواء؛ لأنها مثل القرآن وحى من عنده تعالى، وإليك تفصيل أدلة ذلك:
أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٥) فأعلمنا ربنا ، أن رسوله ﷺ ، لا ينطق عن هوى وغرض، وإنما ينطق حسبما جاءه الوحي من الله تعالى.
فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشتمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ (٦) أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله (٧) .
стр. 509
ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ ، محصور فى كونه وحياً لا يتكلم إلا به، وليس بغيره.
وقال سبحانه: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) إنه وعد قاطع بأن بيان القرآن، سوف يتولاه الله تعالى، كما تولى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٢) على حد سواء، ولا معنى لهذا سوى أن يوحى إلى رسوله ﷺ ، هذا البيان، بصورة ما من صور الوحي.
وقال : ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٤) إن هاتين الآيتين تفيدان - أن الله ﵎ أنزل على رسوله شيئين: الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهى سنته ﷺ .
السنة المطهرة إذن "وحى من الله تعالى" أنزلها على رسوله ﷺ ، كما أنزل القرآن الكريم، سواء بسواء (٥) بشهادة القرآن البينة، وهى أيضاً وحى بشهادة السنة نفسها، وإليك شواهد ذلك:
ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:
قوله ﷺ : "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" وقد سبق قريباً بيان دلالته على أن السنة وحى.
стр. 510
قوله ﷺ : لما سئل فى عام جدب: سعر لنا يا رسول الله. قال: "لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله" (١) إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه ﷺ ، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به . مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه.
وقوله ﷺ : "رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة" (٢) .
وقوله ﷺ : "قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد (٣) محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء" (٤) .
стр. 511
إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ ، كذا وكذا، يأتى تأكيداً لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (١) .
فتأمل قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه ﷺ ، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ ٠
حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ ، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال ﷺ : يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٢) .
عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ ، إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيها قذراً" وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما" (٣) وهكذا يراقبه الوحي، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه.
стр. 512
وبالجملة: فالأحاديث التى قالها رسول الله ﷺ ، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه ﷺ (١) والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحي من الله تعالى إليه؟ (٢) .
والأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه ﷺ (٣) .
стр. 513
ومن أقوى الأدلة على أن السنة من وحى الله الخالق سبحانه إلى رسول الله ﷺ ؛ أن السنة على كثرة أحاديثها، وذيوعها وانتشارها، لا يجد فيها العقلاء إلا الحق الذى يسعد البشرية فى كل ناحية من نواحى الحياة، فى صحتها، فى اجتماعيتها، فى اقتصادها، فى نسلها، فى عقلها، فى كل شئون حياتها.
إن أحاديث رسول الله ﷺ ، منذ أن قالها إلى الآن تنهل البشرية من خيرها وصوابها، يعترف بذلك المسلون، والمنصفون من غير المسلمين وهذا دليل قوى على أنها وحى الله ، إلى رسول الله ﷺ (١) .
جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:
... وإنى قد ذكرت الأدلة من كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ ، على أن السنة وحى من الله إلى رسوله، فإنى أزيد ذلك توضيحاً ورسوخاً بإيراد أقوال بعض السلف، بما يفيد أن السنة النبوية وحى من الله ، إلى رسول الله ﷺ .
стр. 514
فعن حسان بن عطية (١) قال: كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن (٢) ونحو هذا القول روى عن الأوزعى (٣) .
وعن عبد الله بن المبارك (٤) قال: كان جبريل إذا نزل بالقرآن على النبى ﷺ يأخذه كالغشوة، فيلقيه على قلبه، فيسرى عنه وقد حفظه فيقرؤه، وأما السنن فكان يعلمه جبريل ويشافهه بها (٥) .
стр. 515
وعن عمر بن عبد العزيز (١) قال فى إحدى خطبه: "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ﷺ ، فهو حرام إلى يوم القيامة..." (٢) .
وقال أيضاً: "سن رسول الله ﷺ ، وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولاه، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً" (٣) .
стр. 516
فتأمل ما قاله خامس الخلفاء الراشدين على ملأ من الحاضرين لخطبته: "فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم... الخ، وقوله: "الأخذ بما سن رسول الله ﷺ ... اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله...الخ. تأمل ذلك تعلم عن يقين إيمان السلف جميعاً، بأن سنة رسول الله ﷺ ، وحى من عند الله ، واجبة الاتباع إلى يوم الدين.
وهكذا توضح الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال السلف أن السنة النبوية وحى من الله تعالى، إلى رسوله ﷺ ، وهى صالحة لكل زمان ومكان، وواجبه الاتباع كالقرآن سواء بسواء، وعلى ذلك إجماع الأمة (١) منذ عهد نبيها ﷺ ، إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، دون اعتبار لقول من شذ، من المرجفين فى دين الله، العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
رابعاً: إذا تقرر لك أن لرسول الله ﷺ ، سنة، هى وحى من ربه ، واجب قبولها واتباعها، فقد حان الوقت لبيان حقيقة وهدف تمسح أعداء السنة، بإيمانهم ببيان نبوى لرسول الله ﷺ فى رسالته.
...
стр. 517
إن من يتسترون بعباءة القرآن، ويستدلون بظاهره، على أن مهمة الرسول الوحيدة هى تبليغ القرآن فقط، وجدوا أنفسهم فى مأزق من القرآن الكريم، حيث يصرح بتبيان لرسول الله ﷺ فى رسالته زائد على مجرد البلاغ، فاعترف بعضهم بهذا التبيان، إلا أنهم لا يعترفون بأن هذا التبيان، المراد به الحكمة، والتى فسرت بأنها سنة رسول الله ﷺ ، وأنها بوحى من الله تعالى على ما سبق قريباً ومن هنا كان إيمانهم بهذا التبيان النبوى إيماناً كاذباً من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يشترطون لهذا البيان النبوى أن يوافق القرآن الكريم بمفهومهم هم، القائم على إنكار السنة المطهرة؛ بدليل أنهم ينكرون جميع أنواع بيان السنة للقرآن؛ من تأكيد السنة لما جاء فى القرآن الكريم، وتفصيل لمجمله، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعامه، وتوضيح لمشكله، سواء كان هذا البيان فى العبادات من طهارة، وصلاة، وزكاة، وحج، أو فى المعاملات من بيع وشراء، ورهن، وسلم... الخ أو فى الحدود من قطع، ورجم،... الخ، أو فى الأحوال الشخصية من نكاح، وطلاق، ورضاع، وميراث. وغير ذلك (١) .
... وبالجملة: ينكرون جميع أنواع بيان رسول الله ﷺ ، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من عقائد وأحكام فى الدين والدنيا (٢) .
стр. 518
والوجه الثانى: أنهم حتى مع تظاهرهم بالإيمان بالبيان النبوى؛ فقيمة هذا الإيمان كعدمه. وتأمل كلام إسماعيل منصور بعد قوله السابق: "أن لرسول الله، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف بأى حال، أحكام ومدلولات القرآن الكريم...الخ (١) قال فى وصف قيمة هذه السنة البيانية: "إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات، الأمر الذى يجعل الآخذين بها والرافضين لها، أمام الشرع على حد سواء. فلا إلزام لأى طرف منهما على قبول رأى الآخر، فالأخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك" (٢) .
... قلت: فإذا كان هذا البيان لكتاب الله، الآخذ به والرافض له سواء! فأى قيمة لهذا البيان، حتى لو اعترفوا بأن هذا البيان هو السنة؟!.
стр. 519
وتأمل أيضاً ما قاله عبد العزيز الخولى: "وأما ما ورد فى السنة من أحكام، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن، فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين (١) نكاح المرأة على عمتها أو خالتها... إلى أن قال: "وإن كل ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول، يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه" (٢) فتأمل قوله فى البيان النبوى: "وجهلناه نحن أو عرفناه" إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى: ظاهر القرآن، سواء عرف السنة البيانية أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها، لم تضف جديداً، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها. هكذا حال لسانه! ولا أدرى من أين فهموا قيمة هذا البيان النبوى للقرآن الكريم؟ حيث أن آيات القرآن الكريم السابق ذكرها، والتى تسند مهمة البيان، تصرح بأن هذا البيان وحى من الله : ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) ﴿إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات (٥) .
...
فهل فى الإسلام، وحى واجب الاتباع؛ ووحى الآخذ به، فعله مقبول والرافض له، فعله مقبول أيضاً؟!!.
стр. 520
.. وإذا كان هذا البيان النبوى يحل مشاكل الاختلاف التى يمكن أن تحدث بين العباد، فى فهم وتطبيق، المراد من مجمل القرآن، وعامة، ومطلقة، ومشكلة... الخ كما صرح بذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (١) .
... فهل يعقل أو يقبل بعد ذلك أن يكون هذا البيان النبوى غير ملزم؛ ولا واجب الاتباع؟! وما فائدة تنويه القرآن إلى هذا البيان النبوى حينئذ؟! وما قيمة المبين (القرآن) مع عدم حجية البيان (السنة) ؟ إن البيان النبوى (السنة المطهرة) متى صح تكون منزلته، ومنزلته القرآن، سواء بسواء فى حجيته، ووجوب العمل به؛ وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديماً وحديثاً (٢) .
خامساً: زعم بعضهم أن ما استقلت به السنة المطهرة من أحكام، مرفوض بحجة مخالفته للقرآن الكريم، وفيه تشويه لسيرة رسول الله ﷺ بجعله مشرعاً (٣) ويضربون أمثلة بحد المحصن "الرجم" وحد الردة "القتل".
... وهذه المزاعم يجاب عنها بما يلى:
стр. 521
يتفق العلماء أجمع على وجود أحكام، لم ترد فى القرآن، لا نصاً ولا صراحة، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً، حول تسمية تلك الأحكام الواردة فى السنة. فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى القرآن، وأن هذه الأحكام واجبة الاتباع، عملاً بعشرات الآيات التى تأمر بطاعة رسول الله ﷺ ، واتباعه، وتحذر من مخالفته، وهذه الآيات جميعها (١) تستلزم أن يكون هناك أمور من الدين تأتى بها السنة، وهى حجة، وإلا فلا معنى للأمر بطاعته ﷺ .
أما الإمام الشاطبى (٢) ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجود أحكام لم ترد فى القرآن إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى وتأييد سماوى، وبعبارة أخرى: هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. وهم بذلك يرون أن تلك الأحكام لا تخالف القرآن الكريم.
стр. 522
وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى رداً على دعوى مخالفة الرجم للقرآن الكريم يقول: "قولهم (١) هذا مخالف لكتاب الله ، لأنه قضى ﷺ بالرجم والتغريب (٢) وليس للرجم ولا للتغريب فى كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلاً فهو ما أردنا، وإن كان حقاً فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. يقول الشاطبى: فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب فى كلام العرب، وفى الشرع يتصرف على وجوه منها: الحكم والفرض كقوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ (٣) أى فرض الله عليكم وقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (٤) أى فرض عليكم، وكذا قوله ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال﴾ (٥) فكان المعنى: "لأقضين بينكما بكتاب الله" أى بحكم الله وفرضه الذى شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم فى القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة" (٦) .
стр. 523
ثم قال الإمام الشاطبى: "وقول من زعم (١) أن قوله تعالى فى الإماء: ﴿فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٢) لا يعقل مع ما جاء فى الحديث: أن النبى ﷺ رجم، ورجمت الأئمة بعده (٣) ؛ لأنه يقتضى أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ هذا ذهاباً منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ (٤) وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح" (٥) .
стр. 524
قلت: وكذلك حد الردة الذى يزعمون أنه يناقض القرآن الكريم تجد أصله فى كتاب الله ، وتأمل قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا﴾ (١) والمحاربة والإفساد يكون باليد وباللسان، بل إن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعى فى الأرض لفساد الدين باللسان أوكد، ومن هنا كان المرتد عن دين الإسلام، المحارب لله ورسوله، أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. ويؤيد أن المحارب لله ورسوله باللسان قد يفسر بالمحارب قاطع الطريق، ما رواه أبو داود فى سننه مفسراً لقوله ﷺ : "التارك لدينه المفارق للجماعة" (٢) عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله، فإنه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل بها" (٣) .
ويؤيد أن المرتد عن دين الإسلام، المشكك والطاعن فى كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، محارب لله ورسوله، وتشمله الآية الكريمة ما روى عن أنس، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم. أن آية المحاربة نزلت فى قوم عرينة: سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله.
стр. 525
فعن ابن عمر: أن ناساً أغروا على إبل النبى ﷺ ، فاستقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعى رسول الله ﷺ ، مؤمناً، فبعث فى آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة (١) .
ويدل أيضاً على قتل المرتد قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾ (٢) .
قال الحسن البصرى (٣) : أراد المنافقون أن يظهروا ما فى قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله فى هذه الآية، فكتموه وأسروه (٤) وهذا يعنى: أن المنافق حين يظهر كفره، ويطعن فى دين الله ؛ يأخذ ويقتل عقاباً له.
стр. 526
والسؤال هنا: هل هناك شك فى أن المرتد عن دين الإسلام منافق؟ يسعى إلى تفريق جماعة المسلمين، وإفساد دينهم عليهم!.
إن المرتد، إن كانت ردته بينه وبين نفسه، دون أن ينشر ذلك بين الناس، ويثير الشكوك فى قلوبهم، فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء، فالله وحده هو المطلع على ما تخفى الصدور. أما إذا أظهر المرتد عن دين الإسلام ردته، وأثار الشكوك فى نفوس المسلمين بالنطق بكلمة الكفر، وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كان حاله حينئذ، حال المنافق الذى يظهر ما فى قلبه من الكفر والنفاق، وجهاده واجب عملاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير﴾ (١) .
ووجه الدليل فى الآيتين: أن الله ، أمر رسول الله ﷺ ، بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم، من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منهم شئ ألبتة لم يكن لنا سبيل عليهم. فإذا ظهر منهم كلمة الكفر. كما قال : ﴿وكفروا بعد إسلامهم﴾ فجهادهم بالقتل؛ وهو العذاب الأليم الذى توعدهم به رب العزة فى الدنيا بقوله: ﴿وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً فى الدنيا والآخرة﴾ ٠
стр. 527
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ (١) قال أهل التفسير: "أو بأيدينا" بالقتل؛ إن أظهرتم ما فى قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا بالقتل لكفرهم (٢) .
فهل بعد كل هذه الآيات الكريمات شك فى أن المرتد عن الإسلام إذا أظهر كلمة الكفر مثل المنافق جزاؤه القتل بصريح القرآن الكريم؟! وهل بعد ذلك شك فى أن حد الردة الوارد فى السنة المطهرة لا يناقض القرآن الكريم؟!.
إن ما زعمه أدعياء العلم، من مخالفة حد الرجم، وحد الردة، لكتاب الله ، زعم باطل، فتلك الأحكام الجديدة التى جاءت بها السنة المطهرة، هى تبيان لكتاب الله ، ولا تخالفه على ما سبق، وهذا على رأى من لا يسمى الأحكام الزائدة أو الجديدة فى السنة استقلالاً. أما من يسميها استقلالاً، فيقر بها، ويرى أنها واجبة الاتباع، عملاً بنص القرآن على وجوب طاعة رسول الله ﷺ ، ووجوب قبول كل ما أخبر به أو قضى به.
وأنت ترى هنا أن الخلاف بين العلماء فى الأحكام الجديدة الواردة فى السنة المطهرة، الخلاف بينهم لفظى، فالكل يعترف بوجود أحكام فى السنة المطهرة، لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن بعضهم لا يسمى ذلك استقلالاً، والبعض الآخر يسميه. والنتيجة واحدة؛ وهى حجية تلك الأحكام الزائدة، ووجوب العمل بها.
стр. 528
ب- ليس فى الأحكام الزائدة على كتاب الله ، ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ ، بجعله مشرعاً؛ كما يزعم أعداء السنة المطهرة! لأن الله تعالى قد جعل من جملة صفات رسوله ﷺ ، ومن مهامه الكبار، أنه يحلل ويحرم، وهكذا جاء وصفه ﷺ فى الكتب السماوية السابقة، وهو ﵊، لا يشرع من عند نفسه، إنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى، وتأمل قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١) .
... فقوله تعالى: "يحل، يحرم، يضع" هذه من خصائص المشرع الحقيقى، ولكنه ﷺ ، لا يفعل من عند نفسه كما قلت، إنما يوحى الله تعالى إليه. فأطايب اللحم، كان محرماً على بنى إسرائيل: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) فقد أباحه النبى ﷺ ، كلحم الإبل، وشحم البقر، والغنم، على التفصيل المذكور فى قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ (٣) .
стр. 529
.. وقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالميتة، والخنزير، والخمر، والربا... الخ وقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أى ثقلهم ﴿والأغلال﴾ أى القيود التى كانت عليهم، كوجوب قتل النفس فى التوبة، بينما فى ديننا هو الاستغفار والندم، وغسل النجاسة بالماء، بينما كانت تقرض بالمقراض، فهذا كله تخفيف من الله تعالى ورحمة، أوحى به إلى نبيه ﷺ ، وعلينا السمع والطاعة والامتثال.
... وبالجملة: إذا قيل إن رسول الله ﷺ ، له حق التشريع، فمرد هذا التشريع عند من يقول بذلك إلى الله . لأن ما يصدر عن رسول الله ﷺ فى تبيانه لكتاب الله، لا يخلو عن أن يكون هذا البيان النبوى – حتى ولو كان بأحكام زائدة – أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسوله ﷺ ، وعبر عنه رسول الله، بألفاظ من عنده، وهذا هو الأعم الأغلب فى السنة النبوية، فيجب قبوله، لما تقرر من عصمته ﷺ فى بلاغه لوحى الله تعالى – قرآناً وسنة – وإما أن يقول رسول الله تبياناً أو حكماً باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله أو حكمه مراد الله ، فالأمر كما أخبر به ﵊. وإن كان الأمر يحتاج إلى صحيح أو توضيح؛ أوحى الله تعالى إلى نبيه بالتصحيح. وهذا هو الأقل النادر فى السنة النبوية.
... وبهذا التصحيح تصبح السنة فى هذه الحالة؛ حكم الله فى النهاية، حجة على العباد إلى يوم الدين، وتجب طاعة رسول الله ﷺ . فى هذه السنة، بيانية كانت، أو زائدة على كتاب الله عزوجل. يدل على ذلك عشرات الآيات القرآنية التى تحض على طاعته ﷺ وتحذر من مخالفته.
... وإذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ينكرون ذلك. ويزعمون أن طاعته ﷺ تنحصر فى القرآن فقط.
فإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها
стр. 530
المطلب الثالث: شبهة أنه لا طاعة لرسول الله ﷺ إلا فى القرآن فقط
والرد عليها
... فى الوقت الذى يتمسح فيه من يسمون أنفسهم (القرآنيون) بظاهر القرآن ويستدلون به على أن مهمة الرسول الوحيدة فى رسالته هى تبليغ القرآن فقط؛ إذ بهم يجدون أنفسهم فى مأزق من كتاب الله الذى يصرح بأن لرسول الله ﷺ ، بياناً للقرآن الكريم، وهو بيان حجة، وواجب الاتباع، بنص عشرات الآيات القرآنية، التى تحض على طاعة رسول الله ﷺ ، طاعة مطلقة؛ فى كل ما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفته.
... ولأن هذه الآيات تفضح إفكهم وتبطل شبهاتهم من جذورها، فقد تعسفوا فى تأويل تلك الآيات، بما يتفق وإنكارهم لأن يكون لرسول الله ﷺ ، سنة مطهرة، واجبة الاتباع. فزعموا: أن كلمة (الرسول) فى القرآن تعنى القرآن، وأن طاعة الرسول الواردة فى القرآن إنما تعنى: طاعة القرآن فقط، أو بعبارة أخرى طاعة رسول الله ﷺ فيما بلغه من القرآن فقط.
... يقول أحمد صبحى منصور: "كلمة الرسول فى بعض الآيات القرآنية تعنى القرآن بوضوح شديد كقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ (١) .